Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.
стр. 5461
والله عز وعلا لا يخلف الميعاد وما وعده ليصيبنهم ولو بعد حين، وهو سبحانه حليم لا يعجل، ومن حلمه ووقاره واستقصاره المدد الطوال أنّ يوما واحدا عنده كألف سنة «١» عندكم. وقيل: معناه كيف يستعجلون بعذاب من يوم واحد من أيام عذابه في طول ألف سنة من سنيكم، لأنّ أيام الشدائد مستطالة. أو كأن ذلك اليوم الواحد لشدّة عذابه كألف سنة من سنى العذاب. وقيل: ولن يخلف الله وعده في النظرة والإمهال. وقرئ: (تعدون)، بالتاء والياء، ثم قال: وكم من أهل قرية كانوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يكون في ميعاده الخلف، ومنه قولهم: إنما يعجلُ من يخشى الفوت.
قوله: (ومن حِلمه ووقاره)، الانتصاف: الوقارُ يفهم منه لغةً: سكون الأعضاء وطمأنينتها عند المزعجات، ولا يجوز إطلاقه على الله كالأناة التؤدة، وأما قوله تعالى: (مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً) [نوح: ١٣] فهو مفسرٌ بالعظمة، فليس من هذا.
وقلتُ: وهذا مبنيٌ على أن أسماء الله توقيفيةٌ، وأنه لا يجوز أن يُستعمل الوقار إلا في العظمة؛ لما ورد، وإلا فلا يجوز ذلك أيضاً.
قوله: (أن يوماً واحداً عنده كألف سنة عندكم)، يعني: قوله تعالى: (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ) إما محمولٌ على القصر، وهو إنما يكون بالنسبة إلى الله تعالى، وهو المراد من قوله: "إن يوماً واحداً عنده كألف سنة عندكم"، فالمدة الطويلة عنده قصيرةٌ؛ لأنه لا يعجل كما تعجلون أو على الطول، وإنما يعجل من يخشى الفوت، وهو بالنسبة إلى العبد، فإن أيام الشدائد مستطالةٌ، فاليومُ القصيرُ عنده طويل، وهو المراد من قوله: "يوم واحدٌ من أيام عذابه كألف سنةٍ عندكم".
قوله: (وقرئ: (تَعُدُّونَ)، بالياء والتاء"، بالياء التحتاني: ابن كثير وحمزةُ الكسائي، والباقون: بالتاء.
стр. 5462
مثلكم ظالمين قد أنظرتهم حينا ثم أخذتهم بالعذاب والمرجع إلىّ وإلى حكمى.
فإن قلت: لم كانت الأولى معطوفة بالفاء، وهذه بالواو؟ قلت: الأولى وقعت بدلا عن قوله (فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ) وأمّا هذه فحكمها حكم ما تقدّمها من الجملتين المعطوفتين بالواو، أعنى قوله (وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الأولى وقعت بدلاً عن قوله: (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ)، وأما هذه فحكمها حكم ما تقدمها من الجملتين)، قال صاحب "الفرائد": أراد أن مجموع قوله: (فَكَأَيِّنْ) إلى آخره حكمه حكم (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) في أنه كان متعقباً لما تقدمه حتى لو لم يكن قوله: (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) صلح أن يكون هذا في مكانه.
وقلتُ: الفرقُ بينهما أن قوله: (فَكَأَيِّنْ)، إلى آخره، متعقبٌ بجملة ما تقدمه؛ لأن إهلاك الجماعة المذكورين من قوله: (نُوحٍ وَعَادٌ) إلى قوله: (وَكُذِّبَ مُوسَى) إهلاك كثير، فمعنى "كأين إلى آخره من لوازم ما تقدم فكان متعقباً له، فوجب أن يكون بالفاء بخلاف قوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا) إلى آخره؛ لأن ما قبله لم يستلزمه، فيجب أن يكون بالواو، وليفيد اجتماعهما في الحصول. تم كلامُ صاحب "الفرائد".
وقلتُ: "ثم" في قوله: (ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ) في الآية السابقة لعطفِ (أَخَذْتُهُمْ) على (أَمْلَيْتُ)، وكلاهما مسببان عن تكذيب القوم الرسل، والفاء في (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) للعقيب لا غير، فإنه عقب قوله: (أَخَذْتُهُمْ) بما يُستحضر للسامع مما يتعجب له من الاستفهام عن حال تلك الأخذة، وهو أيضاً منهم، فعقب بقوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ) الآية ليكشفه كشفاً تاماً، أو يبدل منه إيضاحاً كما قال، وأما قوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ) بالواو فمنسوقةٌ على قوله: (لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ)، وقوله تعالى: (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ)، والمعنى: كيف يستعجلونك بالعذاب والحالُ أنه لابد أن يصيبهم ما وعد
стр. 5463
[(قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ* فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ* وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ)].
يقال: سعيت في أمر فلان، إذا أصلحه أو أفسده بسعيه. وعاجزه: سابقه، لأنّ كل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ربُّك، وإن ذلك عن قريب، أو أن الموعود شديدٌ مُرُّ المذاق، وأن سنة الله في الإنظار ثم الاستئصال جاريةٌ في الأمم الخالية، فماذا يستعجلُ منها المجرمون؟
هذا، وإن المصنف رحمه الله تعالى ما ذهب إلى الحال، بل إلى العطف على إنكار العلم بوجود الجمل الأربع وحصولها، أي: أخبر عن استعجالهم العذاب، وعن أن الله تعالى لا يُخلفُ وعده، وعن أنه حليمٌ لا يعجل، وعن أن لهم أسوة بالأمم السالفة الظالمة إذا لم يعتبروا بها، ثم استدعى الإنكار من السامع على من يجمع في علمه ذلك كله، وإليه الإشارة بقوله: "كأنهم يجوزون الفوت" إلى آخره، ويجوز أن يكون (وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ) معترضاً بين الحال وعاملها.
قوله: (وعاجزه: سابقه)، الأساس: طلبته فأعجز وعاجز: إذا سبق فلم يُدرك.
الراغب: عجزُ الإنسان: مؤخره، وبه شبه مؤخر غيره، قال تعالى: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ) [القمر: ٢٠]، والعجز أصله: التأخر عن الشيء، وحصوله عند عجزِ الأمر، أي: مؤخره كما ذُكر في الدبر، وصار في التعارف اسماً للقصور عن فعل الشيء، وهو ضد القدرة، قال تعالى: (أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ)، وأعجزت فلاناً، وعجزتُه، وعاجزتُه، قال تعالى: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ) [العنكبوت: ٢٢]، (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ) [سبأ: ٥]، وقرئ: "معجزين"، فـ (مُعَاجِزِينَ). قبل: معناه: ظاهرين، ومُقدرين أنهم يعجزوننا؛ لأنهم حسبوا أن لا بعث ولا نُشور، فيكون ثوابٌ وعقابٌ، وهذا في قوله: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا) [العنكبوت: ٤]، ومعجزين: ينسبون من تبع النبي ﷺ إلى العجز، وذلك نحو: جهلتُه، وقيل: يعني: مثبطين، أي: مثبطين الناس عن النبي ﷺ ، كقوله
стр. 5464
واحد منهما في طلب إعجاز الآخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل: أعجزه وعجزه. والمعنى: سعوا في معناها بالفساد من الطعن فيها، حيث سموها: سحرا وشعرا وأساطير، ومن تثبيط الناس
عنها سابقين أو مسابقين في زعمهم، وتقديرهم طامعين أن كيدهم للإسلام يتم لهم.
فإن قلت: كأن القياس أن يقال: إنما أنا لكم بشير ونذير، لذكر الفريقين بعده. قلت: الحديث مسوق إلى المشركين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعالى: (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) [الأعراف: ٤٥] والعجوزُ سُميت لعجزها عن كثير من الأمور.
قوله: (سابقين)، هو حال من فاعل (سَعَوْا) في معناها، على أن (مُعَاجِزِينَ): مُغالبينَ معاندين؛ لأن المغالبة حينئذٍ للمبالغة، ولهذا قال: "سموها سحراً وشعراً وأساطير، وثبطوا الناس عنها"، وقوله: "أو مُسابقين" على معناها: ظانين مقدرين أنهم يعجزوننا بزعمهم، فالمبالغة على حقيقتها. قال محي السُّنة: قرأ ابن كثيرٍ وأبو عمرو: معجزين، بالتشديد، أي: مثبطين الناس عن الإيمان، والباقون: معاجزين بالألف، أي: معاندين مشاقين. وقال قتادة: ظانين مقدرين أنهم يعجزوننا بزعمهم أن لا بعث ولا نُشور ولا جنة ولا نار. وقيل: معاجزين، يريد كل واحدٍ أن يُظهر عجز صاحبه.
قوله: (كان القياس أن يُقال: إنما أنا لكم بشيرٌ ونذير)، لأن قوله: يا أيها الناسُ، شاملٌ للمشركين والمؤمنين، على أنه فصل بقوله: (فَالَّذِينَ آمَنُوا)، (وَالَّذِينَ سَعَوْا) ليبشر المؤمنين، ويُنذر الكافرين.
قوله: (الحديث مسوقٌ إلى المشركين)، وذلك أنه تعالى لما قال: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) وبين كيفية ظُلمهم بقوله: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ)، وبقوله:
стр. 5465
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ)، وبقوله: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ) أمر نبيه صلواتُ الله عليه بأنْ يُنذرهم العذاب بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) إلزاماً للحجة، وإزاحةً للعلة، ثُم شرع في مقاتلتهم، ولما كان الإحسان إلى المؤمنين مما يغمهم ويغيظهم، كان داخلاً - بهذا الاعتبار - في معنى التخويف والإنذار.
وقلتُ: ويمكنُ أن يقال- والله أعلم-: إن الآية واردةٌ لبيان ما يترتبُ على الإنذار من انتفاع من قبله، وهلاك من رده، فكأنه قيل: أنذر يا محمدُ هؤلاء الكفرة وبالغ فيه، فمن قبل منك وآمن فله الثواب، ومن دام على ما كان في إبطالٍ ما جئت به وسعى فيه فقد أديتَ حقك فقاتلهم ليُعذبهم الله تعالى في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالجحيم، فلا يكونُ ذكرُ المؤمنين لاغتمامهم. ويعضد هذا التأويل ما روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي موسى، أن النبي ﷺ قال: "إن مثلي ومثلُ ما بعثني الله به كمثل رجلٍ أتى قومه فقال يا قوم، إني رأيتُ الجيش بعيني، وأنا النذيرُ العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعته طائفةٌ من قومه، فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفةٌ منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثلي ومثلُ من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق".
وقريبٌ من هذا المعنى ما ذكره الإمام وقال: نه تعالى أمر رسوله ﷺ أن يديم لهم التخويف والإنذار، وأن لا يصده ما يكون منهم من استعجال العذاب على سبيل التهكم، وأردف ذلك بأن أمره بوعدهم ووعيدهم؛ لأن المنذر إنما يكون منذراً إذا قرن الوعد بالوعيد.
وقلتُ: ويؤيد هذا التقرير قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ) يعني: ينبغي لك أن تعزم على الإنذار وتديمه، ولا يلحقك فتورٌ لا من قبل شياطين الإنس،
стр. 5466
و (يا أيها الناس): نداء لهم، وهم الذين قيل فيهم (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) ووصفوا بالاستعجال. وإنما أفحم المؤمنون وثوابهم ليغاظوا.
[(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)].
(مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ) دليل بين على تغاير الرسول والنبي. وعن النبي ﷺ أنه سئل عن الأنبياء فقال «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا» قيل فكم الرسول منهم؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا» «١». والفرق بينهما أن الرسول من الأنبياء: من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه. والنبىّ غير الرسول: من لم ينزل عليه كتاب وإنما أمر أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهم المشركون، من تكذيبهم واستهزائهم، ولا من قبل شياطين الجن وإلقائهم الوسوسة إليك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
النهاية: "أنا النذير العُريان"، خص العُريان؛ لأنه أغربُ وأشنعُ عند المبصر، وذلك أن ربيئة القوم وعينهم يكون على مكان عال، فإذا رأى العدو قد أقبل نزع ثوبه وألاح به لينذر قومه، ويبقى عرياناً.
قوله: (مئة ألفٍ وأربعةٌ وعشرون ألفاً)، روينا في مسند الإمام أحمد بن حنبل ﵁، عن أبي أمامة، قال أبو ذر: قلتُ: يا رسول اله، كم وفاءُ عدة الأنبياء ﵈؟ قال: "مئة ألفٍ وأربعةٌ وعشرون ألفاً، الرسلُ من ذلك ثلاث مئة وخمسة عشر جما غفيراً".
قوله: (أن الرسول من الأنبياء ﵈: من جمع إلى المعجزات الكتاب … والنبي … : من لم يُنزل عليه كتابٌ)، قال الإمامُ: الأولى أن من جاءه الملك ظاهراً، أو أمره بدعوة الخلقِ
стр. 5467
والسبب في نزول هذه الآية:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فهو رسولٌ، ومن رأى في النوم أو أخبره رسولٌ بأنه نبيٌّ فإنه نبيّ، لما يلزمُ من ذلك القول: إن إسحاق ويعقوب وأيوب ويونس وهارون وسليمان ﵈ لم يكونوا رسلاً. وقال القاضي: الرسول: من بعثه الله بشريعةٍ مجددة، يدعو الناس إليها، والنبي يعمه، وهو: من بعثه الله لتقرير شرع سابق كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى ﵉، فهو نبيٌّ.
قوله: (والسببُ في نزول هذه الآية) إلى آخره، قال القاضي: وهو مردودٌ عند المحققين، وإن صح فابتلاؤه ليتيمز به الثابت على الإيمان عن المتزلزل فيه. وقال الإمام الداعي إلى الله: هذه الرواية باطلةٌ موضوعة، ويدلُّ عليه الكتابُ والسنةُ والمعقول. أما الكتابُ فقوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]، وقوله: (َمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: ٣ - ٤]، فلو أنه ﷺ قرأ عقيبها: تلك الغرانيق العُلى، لكان قد ظهر الخلفُ في الحال، وهذا لا يقوله مسلمٌ، وقوله تعالى: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) [الفرقان: ٣٢] وقوله: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى) [الأعلى: ٦].
وأما السنة فما رُوي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة قال: إنها من وضع الزنادقة، وصنف فيه كتاباً. وقال الإمامُ أبو بكرٍ البيهقيُّ: هذه القصة غيرُ ثابتةٍ من جهة النقل، ثم أخذ يتكلمُ في أن رُواة هذه القصة مطعونون، وقد روى البخاري في "صحيحه": "أن رسول الله ﷺ قرأ سورة (وَالنَّجْمِ) وسجد فيها المسلمون والمشركون والجن والإنسُ"، وليس فيه حديث الغرانيق. ورُوي هذا الحديث من طُرقٍ كثيرةٍ وليس فيها حديث الغرانيق.
стр. 5468
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلتُ: روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والدارمي والنسائي، عن ابن عباس وابن مسعود، "أن رسول الله ﷺ قرأ (وَالنَّجْمِ) فسجد فيها وسجد من كان معه، غير أن شيخاً من قريش أخذ كفاً من حصى أو ترابٍ فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا".
وروى البخاري أيضاً والترمذي، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ سجد في النجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس.
وتتبعتُ "جامع الأصول" أجمع، وأكثر "مسند الإمام أحمد"، وما عثرتُ على هذه الرواية من شيء. وأما محيي السنة فقد رواه في "المعالم" من غير طريق المحدثين، والله تعالى أعلم.
روى الشيخ محيي الدين في "شرح صحيح مسلم" عن القاضي عياض: أنه قال: ما يرويه الأخباريون والمفسرون أن سبب سجدة رسول الله ﷺ والمشركين في "النجم" هو ما جرى على لسانه صلى الله لعيه وسلم من الثناء على الأصنام: فباطلٌ لا يصح فيه شيء لا من جهة النقل ولا من جهة العقل؛ لأن مدح إله غير الله كفرٌ، ولا يصحُّ نسبةُ ذلك إلى رسول الله ﷺ ولا تقوله إلى الشيطان على لسانه، إذ لا يصحُّ تسليطُ الشيطان على ذلك.
وذكر الشيخ أبو منصور الماتريدي في كتاب "قصص الأتقياء": الصواب: أن قوله تلك الغرانيق العُلى، من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة حتى يلقوا بين الضعفاء
стр. 5469
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأرقاء الدين؛ ليرتابُوا في صحة الدين القويم، وحضرةُ الرسالة بريئة من مثل هذه الرواية، والله أعلم.
وأما المعقولُ فكثيرةٌ، منها: أنا لو جوزنا ذلك ارتفع الأمان ولبطل قوله: (بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) [المائدة: ٦٧]، فإن الزيادة في الوحي كالنقصان فيه، وقولُ من قال: إنه ﷺ لشدة حرصه على إيمان قومه أدخل هذه الكلمة من نفسه ثُم رجع عنها: مردودٌ لا يرغبُ فيه مسلمٌ، لما يلزمُ من الخيانة في الوحي، والعياذُ بالله تعالى منها. ومن قال: إنه سهوٌ وسبقٌ للسان، أيضاً كذلك، لزوال الوثوق، ولأن الساهي لا يقعُ منه مثلُ هذه الألفاظ المسموعة المطابقةٍ لألفاظ السورة. وقول القائل: إنه تكلمَ الشيطانُ بذلك، أيضاً مردودٌ؛ لاحتمال أمثاله في سائر كلامه، ولقوله تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [النحل: ٩٩]. وإذا بطل هذا فنقول: التمني جاء على وجهين، أحدهما: تمني القلب، قال أبو مسلم: التمني: التقديرُ، وتمني: تفعل، من: منيتُ، ومني لك: قدر لك. وثانيهما: القراءة، قال تعالى: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ) [البقرة: ٧٨]، ولأن الأمي لا يعلمُ القرآن من المصحف، وإنما يعلمه قراءةً، قال حسان:
تمنى كتاب الله أول ليلةٍ … وآخرها لاقى حمام المقادر
وهذا أيضاً فيه معنى التقدير، فإن التالي مقدرٌ للحروف يذكرها شيئاً فشيئاً. وإذا قُلنا: إن التمني بمعنى القراءة، فمعنى الآية: قرأ ما يجوز أن يسهو الرسول ﷺ فيه، ويشتبه القارئ، دون ما رواه، وهذا هو الظاهر، لقوله: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)، وإذا قُلنا: إنه بمعنى تمني القلبِ، فالمرادُ: إذا أراد فعلاً تقرباً إلى الله تعالى ألقى
стр. 5470
أنّ رسول الله ﷺ لما أعرض عنه قومه وشاقوه وخالفه عشيرته ولم يشايعوه على ما جاء به: تمنى لفرط ضجره من إعراضهم ولحرصه وتهالكه على إسلامهم أن لا ينزل عليه ما ينفرهم، لعله يتخذ ذلك طريقا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم، فاستمرّ به ما تمناه حتى نزلت عليه سورة «والنجم»] النجم: ١ [وهو في نادى قومه، وذلك التمني في نفسه، فأخذ يقرؤها فلما بلغ قوله (وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى)] النجم: ٢٠ [: (أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) التي تمناها، أى: وسوس إليه بما شيعها به، فسبق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشيطانُ في فكره ما يخالفه فيرجعُ إلى الله تعالى في ذلك فيرفعُ اللهُ تعالى ذلك الغلط وتلك الوسوسة عن القلب، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) [الأعراف: ٢٠١]، وقال تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) [الأعراف: ٢٠٠]، وقال تعالى: (وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) [البقرة: ٢١٤]، وقال تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ) [يوسف: ١١٠]. وروى صاحب "المطلع" عن جمهور مشايخه ما يقرب من هذه الكلمات كلها إلى آخرها.
وقال السجاوندي: كل نبي يتمنى إيمان قومه فيُلقي الشيطانُ في أمنيته بما يوسوس إلى النبي بالخطرات المزعجة عند تباطؤ القوم عن الإيمان، أو تأخر نصر الله، وإن ثبت تلك الغرانيق العُلى، منها الشفاعةُ ترتجى، على أنه خرج مخرج الكلام على زعمهم، أو على الإنكار.
قوله: (بما شيعها به)، أي: بالذي شيع الشيطان الأمنية به، أي: أتبعها به. يقال: حياكم الله وأشاعكم السلام، أي: جعله صاحباً وتابعاً، والباءُ: باء الآلة. الراغب: التمني تقدير شيء في النفس، وتصويره فيها، وذلك قد يكون عن تخمين وظن لا عن رؤية وبناء على أصل، لكن لما كان أكثره عن تخمين وظن صار الكذبُ له أملك، فأكثر التمني تصورُ ما لا حقيقة له، قال تعالى: (أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى) [النجم: ٢٤]، والأمنيةُ: الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء. ولما كان الكذبُ: تصور ما لا حقيقة له وإيراده باللفظ، صار
стр. 5471
لسانه على سبيل السهو والغلط إلى أن قال: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهنّ لترتجى. وروى: "الغرانقة"، ولم يفطن له حتى أدركته العصمة فتنبه عليه. وقيل: نبهه جبريل ﵇. أو تكلم الشيطان بذلك فأسمعه الناس، فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي وطابت نفوسهم، وكان تمكين الشيطان من ذلك محنة من الله وابتلاء، زاد المنافقون به شكا وظلمة، والمؤمنون نورا وإيقانا. والمعنى: أن الرسل والأنبياء من قبلك كانت هجيراهم كذلك إذا تمنوا مثل ما تمنيت، مكن الله الشيطان ليلقى في أمانيهم مثل ما ألقى في أمنيتك، إرادة امتحان من حولهم، والله سبحانه له أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التمني كالمبدأ للكذب فصح أن يُعبر عن الكذب بالتمني، وعلى ذلك ما رُوي عن عثمان ﵁ أنه قال: "ما تغنيتُ ولا تمنيتُ منذ أسلمتُ"، وقوله تعالى: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ) [البقرة: ٧٨] قال مجاهدٌ ﵁: معناه: إلا كذباً. وقال غيره: إلا تلاوة مجردة عن المعرفة من حيث إن التلاوة بلا معرفة معنى تجري عند صاحبها مجرى أمنيةٍ تمنتها النفسُ على التخمين، وقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) أي: في تلاوته.
وقد تقدم أن التمني كما يكون عن تخمين وظن، فقد يكونُ عن رؤية وبناءٍ على أصل، ولما كان النبي ﷺ كثيراً ما كان يبادر إلى ما نزل به الروح الأمين على قلبه حتى قيل له: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) [طه: ١١٤]، سمى تلاوته على ذلك تمنياً، ونبه أن للشيطان على مثله تسلطاً في أمنيته، وذلك من حيث بين أن العجلة من الشيطان.
قوله: (تلك الغرانيقُ)، النهاية: الغرانيقُ هاهنا الأصنام، وهي في الأصل: الذكور من طير الماء، واحدها غرنوقٌ وغرنيقٌ، وسمي به لبياضه، وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم إلى الله تعالى، وتشفع لهم، فشبهت بالطيور التي تعلو في السماء وترتفع.
стр. 5472
يمتحن عباده بما شاء من صنوف المحن وأنواع الفتن، ليضاعف ثواب الثابتين ويزيد في عقاب المذبذبين. وقيل "تَمَنَّى": قرأ. وأنشد:
تمنّى كتاب الله أوّل ليلة … تمنّى داود الزّبور على رسل
و"أمنيته": قراءته. وقيل: "تلك الغرانيق": إشارة إلى الملائكة، أى: هم الشفعاء لا الأصنام (فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ) أى يذهب به ويبطله (ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ) أى يثبتها.
[(لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ* وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)].
والذين (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) المنافقون والشاكون (وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ) المشركون المكذبون (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ) يريد: وإن هؤلاء المنافقين والمشركين. وأصله: "وإنهم"، فوضع الظاهر موضع الضمير قضاء عليهم بالظلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على رسلِ)، النهاية: كان في كلامه ترسيلٌ، أي: ترتيلٌ، يقالُ: ترسل الرجلُ في كلامه ومشيه، إذا لم يعجل، ومنه حديث عمر ﵁: "إذا أذنت فترسل"، أي: تأنَّ ولا تعجل.
قوله: (وأصله: "وإنهم"، فوضع الظاهر موضع الضمير قضاءً عليهم بالظلم)، أي: إن المنافقين بتلك الفتنة واضعون الشيء في غير موضعه، وهم فيه في شقاق بعيد، وكذلك (وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، أصله: وإن الله لهاديهم، فقوبل
стр. 5473
(أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) أى ليعلموا أن تمكين الشيطان من الإلقاء: هو الحق من ربك والحكمة (وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا) إِلى أن يتأوّلوا ما يتشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة، ويطلبوا لما أشكل منه المحمل الذي تقتضيه الأصول المحكمة والقوانين الممهدة، حتى لا تلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة ولا تزلّ أقدامهم. وقرئ: "لهاد الذين آمنوا"، بالتنوين.
[(وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَاتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَاتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ)].
الضمير في (مِرْيَةٍ مِنْهُ) للقرآن أو الرسول ﷺ . "اليوم العقيم": يوم بدر، وإنما وصف يوم الحرب بالعقيم لأنّ أولاد النساء يقتلون فيه، فيصرن كأنهن عقم لم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(الظَّالِمِينَ) بـ (الَّذِينَ آمَنُوا)، وقوله: (لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) بقوله: (إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
قوله: (الضمير في (مِرْيَةٍ مِنْهُ) للقرآن، أو للرسول ﷺ ، ويجوز أن يكون لـ (مَا يُلْقِي)، وقوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا) وُضع موضع المضمر، أي: لا يزالون في مريةٍ وهم الشاكون الذين في قولهم مرضٌ، بدليل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) المنافقون والشاكون.
قوله: (وإنما وُصف يوم الحرب بالعقيم)، إلى آخره، علل تفسير وصف اليوم بالعقيم على وجوه.
أحدها: أنه على الإسناد المجازي، أسند العقيم إلى اليوم، لكونه صفته، على نحو قوله تعالى: (يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً) [المزمل: ١٧]. أصله: يجعلُ الله الولدانَ في ذلك اليوم شيباً، فالمعنى: يومٌ يعقم الله النساء فيه، أي: يصرن ثكلى، فأسند "العقيم" إلى "اليوم" مبالغةً، كقولك: نهاره صائم، وليله قائم، ولما أن العقيم بمعنى ثكلى في هذا الوجه قيل: "كأنهن عقمٌ".
وثانيها: أنه من باب الاستعارة المكنية، فالمستعارُ له اليومُ، والمستعارُ منه المرأة، والجامعُ: فقدانُ النتيجة، وكما أن المرأة إذا فقدتِ الولدَ وُصفت بالعقم، أي: الثكل، كذلك اليوم إذا فُقِدَ فيه المحاربونَ يوصفُ بالعُقْم كأنهُ أمُّهم، ومثلُه قولهم: ابنُ اليوم، وأبناءُ
стр. 5474
يلدن، أو لأن المقاتلين يقال لهم أبناء الحرب، فإذا قتلوا وصف يوم الحرب بالعقيم على سبيل المجاز. وقيل:
هو الذي لا خير فيه. يقال: ريح عقيم إذا لم تنشئ مطرا ولم تلقح شجرا. وقيل: لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة ﵈ فيه. وعن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الزمان، وأبناءُ الحرب، والاستعارةُ واقعةٌ في اليوم بأن شبه اليوم بالمرأة في فقدان، مشتملةً تشبيهاً بليغاً، ثم توهم أن اليوم هي المرأة على سبيل التخييل، ثم أطلق اليوم الذي هو اسم المشبه، وأريد به اليوم المتخيل، والقرينة نسبةٌ العقيم إليه.
وثالثها: أنه من التبعية، فالمستعارُ منه ما في المرأة من الصفة التي تمنعُ من الحمل، والمستعارُ له ما في اليوم من عدما لخير، فشبه عدم الخير بمنع الحمل، ثم سرى من المصدر إلى الصفة المشبهة، كقول قوم شعيب ﵇: (إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) [هود: ٨٧]، فالاستعارةُ واقعةٌ في العقيم.
ورابعها: أن يُكنى بمجموع قوله: (يَوْمٍ عَقِيمٍ) عن شدته وفظاعته، كما يُقال: إن النساء بمثله عقيمٌ.
قال الحماسيُّ:
عقم النساءُ أن يلدن بمثله … إن النساء بمثله لعقيمُ
والضميرُ في "لا مثل له" و"أمره": للعذاب، وفي "فيه": لليوم.
стр. 5475
الضحاك أنه يوم القيامة، وأن المراد بالساعة مقدّماته. ويجوز أن يراد بالساعة وبيوم عقيم: يوم القيامة، وكأنه قيل: حتى تأتيهم الساعة أو يأتيهم عذابها، فوضع (يَوْمٍ عَقِيمٍ) موضع الضمير.
[(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) ٥٦ - ٥٧].
فإن قلت: التنوين في (يَوْمَئِذٍ) عن أى جملة ينوب؟ قلت: تقديره: الملك يوم يؤمنون. أو يوم تزول مريتهم، لقوله (وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَاتِيَهُمُ السَّاعَةُ).
[(وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ) ٥٨ - ٥٩].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لقوله تعالى: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَاتِيَهُمْ السَّاعَةُ)، يعني: دل على تقدير "يؤمنون" تارةً، وأخرى "تزول مريتهم": هذه الآية؛ لأن الصلة مشتملةٌ على الكفر وعلى المرية، فإذا جُعل المُغيا ما دل عليه الأول، قُدرَ "يؤمنون"، وإذا جُعل ما دل عليه الثاني قُدر: "تزولُ مريتهم".
قال القاضي: التنوين في (يَوْمَئِذٍ) ينوبُ عن الجملة التي دلت عليه الغاية، والضميرُ في (يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) يعُمُّ المؤمنين والكافرين؛ لتفصيله بقوله تعالى: (فَالَّذِينَ آمَنُوا) الآية، وإدخالُ الفاء في خبر الثاني دون الأول تنبيهٌ على أن إثابة المؤمنين بالجنات تفضلٌ من الله تعالى، وأن عقاب الكافرين مسببٌ من أعمالهم، ولذلك قال: (لَهُمْ عَذَابٌ) ولم يقل: فأولئك في عذابٍ، كما قال: (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ).
стр. 5476
ما جمعتهم المهاجرة في سبيل الله سوّى بينهم في الموعد، وأن يعطى من مات منهم مثل ما يعطى من قتل تفضلا منه وإحسانا. والله عليهم بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم.
(حَلِيمٌ) عن تفريط المفرط منهم بفضله وكرمه. روى أن طوائف من أصحاب رسول الله ﷺ ورضى عنهم قالوا: يا نبى الله، هؤلاء قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير، ونحن نجاهد معك كما جاهدوا، فما لنا إن متنا معك؟ فأنزل الله هاتين الآيتين.
[(ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) ٦٠].
تسمية الابتداء بالجزاء لملابسته له من حيث إنه سبب وذاك مسبب عنه كما يحملون النظير على النظير والنقيض على النقيض للملابسة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تسميةُ الابتداء بالجزاء)، المراد بالابتداء قوله: (عُوقِبَ بِهِ)، وبالتسمية: تسميته عقاباً؛ لأن ابتداء الفعل لا يسمى عقاباً؛ لأن العقاب من العقب، وهو أن يعقب الفعل الأول، ونحوه قولهم: كما تدين تُدان، كما تُجازي تُجازَى، أي: كما تفعلُ تُجازي.
قال الزجاجُ: الأولُ لم يكن عقوبةً، وإنما العقوبةُ: الجزاءُ، ولكنه سُمي عقوبةً؛ لأن الفعل الذي هو عقوبةٌ كان جزاء، فسمى الأول الذي جُوزي به عقوبةً؛ لاستواء الفعلين في جنس المكروه، كقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) [الشورى: ٤٠]، فالأول سيئة، والمجازاةُ عليها حسنةٌ، إلا أنها سميت سيئةً بأنها وقعت إساءة بالمفعول به؛ لأنه فعل به ما يسوؤه.
стр. 5477
فإن قلت: كيف طابق ذكر "العفوّ الغفور" هذا الموضع؟ قلت: المعاقب مبعوث من جهة الله على الإخلال بالعقاب، والعفو عن الجاني - على طريق التنزيه لا التحريم - ومندوب إليه، ومستوجب عند الله المدح إن آثر ما ندب إليه وملك سبيل التنزيه، فحين لم يؤثر ذلك وانتصر وعاقب، ولم ينظر في قوله تعالى (فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)] الشورى: ٤٠ [، (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى)] التقوى: ٢٣٧ [، (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [الشورى: ٤٣].
(فإنّ الله لعفو غفور)، أى: لا يلومه على ترك ما بعثه عليه، وهو ضامن لنصره في كرته الثانية من إخلاله بالعفو وانتقامه من الباغي عليه. ويجوز أن يضمن له النصر على الباغي، ويعرّض مع ذلك بما كان أولى به من العفو، ويلوّح به بذكر هاتين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (المعاقِبُ مبعوثٌ)، بكسر القاف، أي: موصى بالعفو. الأساس: بعثهُ على الأمر، وتواصوا بالخير، وتباعثوا عليه، يعني: حمله الله تعالى على العفو، وندبه إليه، فحين ترك المندوب إليه كأنه مذنبٌ، لكنه تعالى لا يأخذه به؛ لأنه عفوٌّ غفور.
قوله: (فـ (إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ))، جوابٌ لقوله: "فحين لم يؤثر ذلك"، وهذا يؤذنُ أن قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) خبرُ "من عاقب"، وفي الكلام تقديمٌ وتأخير، أي: من عاقب بمثل ما عوقب به إن الله لعفوٌ غفور، أي: لا يلومه على ترك الأفضل، ثم إذا بُغي عليه أي: على المظلوم المعاقب في الكرة الثانية لينصرفه الله على الظالم.
قوله: (من إخلاله)، قيل: هو بيان "ما بعثه"، وقيل: هو متعلقٌ بـ"الثانية"؛ أي: أنه أخل بالعفو كرتين، فهذه الكرةُ هي الكرةُ الثانيةُ من إخلاله بالعفو، وليس بشيء، وقيل: هو متعلقٌ بقوله: لعفوٌ، أي: لعفوٌّ من إخلاله: ويجوزُ أن يكون بياناً لقوله: "ترك ما بعثه عليه" أي: لا يلومه على إخلاله بالعفو.
قوله: (ويجوز أن يضمن له النصر على الباغي، ويُعرض مع ذلك بما كان أولى به من العفو)، أي: يكون (إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ) متصلاً بقوله: (لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ) على بيان
стр. 5478
الصفتين. أو دلّ بذكر العفو والمغفرة على أنه قادر على العقوبة. لأنه لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضدّه.
[(ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) ٦١].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الموجب، وعلى هذا (لَيَنصُرَنَّهُ): خبرُ "مَنْ" كما قاله أبو البقاء وصاحبُ "الكشف"؛ فإنه تعالى لما قال: (لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ)، اتجه لسائل أن يسأل: لماذا ينصره؟ قال: لأن الله لعفو غفور، وكان من الظاهر أن يقال: إن الله ينصر المظلومين، فعرض بهاتين الصفتين على سبيلا لكناية التلويحية؛ لأنه أشار إلى المطلوب من بُعد، يعني: أنه تعالى مع كمال قدرته وغلبة سلطانه لما كان متصفاً بهذين الوصفين، كان من الواجب على المعاقب مع عجزه التخلقُ بأخلاق الله تعالى من العفو عن الجاني، وإليه الإشارة بقوله: "يلوح به بذكر هاتين الصفتين".
قوله: (أو دل بذكر العفو والمغفرة على أنه قادرٌ)، هذا أيضاً، على أن يكون (إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ) تعليلاً للموعد بالنصرة، كأنه قيل: لينصرنه الله؛ لأنه قادرٌ على النصرة فيعاقبُ الظالم. قال الإمام: نزلت في قوم من المشركين لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فقالوا: إن أصحاب محمدٍ ﷺ يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون بأن يكفوا عن قتالهم، لحرمة الشهر، فأبوا فقاتلوهم فثبت المسلمون فنُصروا، فوقع في أنفسهم من القتال في الشهر الحرام، فأنزل الله الآية. فعلى هذا لا يردُ سؤالُ كيفية المطابقة، ويكونُ أوفق لتأليف النظم، وذلك أن لفظة (ذَلِكَ) فصلُ الخطاب، وقوله: (ومن عاقب) شروعٌ في قصةٍ أخرى لأولئك السادة بعد قوله: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا).
стр. 5479
(ذلِكَ) أي: ذلك النصر بسبب أنه قادر. ومن آيات قدرته البالغة أنه (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ) أو بسبب أنه خالق الليل والنهار ومصرفهما فلا يخفى عليه ما يجرى فيهما على أيدى عباده من الخير والشر والبغي والإنصاف، وأنه (سَمِيعٌ) لما يقولون (بَصِيرٌ) بما يفعلون.
فإن قلت: ما معنى إيلاج أحد الملوين في الآخر؟ قلت: تحصيل ظلمة هذا في مكان ضياء ذاك نيبوبة الشمس. وضياء ذاك في مكان ظلمة هذا بطلوعها، كما يضيء السرب بالسراج ويظلم بفقده. وقيل: هو زيادته في أحدهما ما ينقص من الآخر من الساعات.
[(ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) ٦٢].
وقرئ (يَدْعُونَ) بالتاء والياء. وقرأ اليماني. "وأن ما يدعون"، بلفظ المبني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو بسبب أنه خالقُ الليل والنهار ومصرفهما)، فعلى الأول: الآيةُ عبارةٌ عن القدرة الكاملة، فحين عقب معنى النصرة صلُحت أن تكون علةً لحصولها، وعلى الثاني: عبارةٌ عن العلم الشامل، ولما عقب معنى البغي أوقعت علةً للانتصار من الظالم للمظلوم، ألا ترى كيف جمع الخلقَ مع التصريفِ ليستلزم العلم فيُراد به إثباتُ الانتصار، وإليه الإشارة بقوله: "لا يخفى عليه من الغبي والإنصاف". وقوله: (وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) على الأول: من باب التكميل، وعلى الثاني: من التتميم.
قوله: (الملوين)، الجوهري: الملوان: الليلُ والنهار، والواحد ملا مقصورٌ. والسربُ: بيتٌ في الأرض.
قوله: (قرئ: (يَدْعُونَ) بالياء والتاء)، بالتاء الفوقاني: نافعٌ وابن كثيرٍ وابن عامر، والباقون: بالياء.
стр. 5480
للمفعول، والواو راجعة إلى «ما» لأنه في معنى الآلهة، أى: ذلك الوصف بخلق الليل والنهار والإحاطة بما يجرى فيهما وإدراك كل قول وفعل، بسبب أنه الله الحق الثابت إلهيته، وأن كل ما يدعى إلها دونه باطل الدعوة، وأنه لا شيء أعلى منه شأنا وأكبر سلطانا.
[(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) ٦٣ - ٦٤].
قرئ "مُخْضَرَّةً" أى ذات خضر، على مفعلة، كمبقلة ومسبعة. فإن قلت: هلا قيل: "فأصبحت"؟ ولم صرف إلى لفظ المضارع؟ قلت: لنكتة فيه، وهي إفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان، كما تقول: أنعم علىّ فلان عام كذا، فأروح وأغدو شاكرا له. ولو قلت: فرحت وغدوت، لم يقع ذلك الموقع.
فإن قلت: فما له رفع ولم ينصب جوابا للاستفهام؟ قلت: لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لو نُصب لأعطى ما هو عكسُ الغرض)، قال صاحب "التقريب": هو مثلُ قولك: ألم أكرمكَ فتشكُر، رفعه يثبت الشكر، ونصبه ينفيه؛ لأن النصب بتقدير "أنْ"، وهو علم الاستقبال فيجعله مترقباً، والرفعُ جزمٌ بإخباره. تلخيصه: أن الرفع جزمٌ بإثباته، والنصبُ ليس جزماً بإثباته، لا أنه جزم بنفيه. وفيه نظرٌ؛ لأن نفي الشكر من كونه جواباً للاستفهام؛ لأن المعنى: إن رأيت إنعامي شكرتُه.
وقال صاحبُ "الفرائد": لا وجه لما ذكره صاحب "الكشاف"، ولا يلزم المعنى الذي ذكر، بل يلزمُ من نصبه أن يكون مشاركاً لقوله: (أَلَمْ تَرَ) تابعاً له، ولم يكن تابعاً لـ (أَنزَلَ) ويكون مع ناصبه مصدراً معطوفاً على المصدر الذي تضمنه (أَلَمْ تَرَ) وهو الرؤية، والتقديرُ: ألم يكن لك رؤيةُ إنزال الماء من السماء فإصباح الأرضٍ مخضرةً، وهذا
стр. 5481
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غيرُ مرادٍ من الآية، بل المرادُ أن يكون إصباحُ الأرض مخضرةً بإنزال الماء، فيكون حصول اخضرار الأرض تابعاً للإنزال.
وقلتُ: وينصره قول أبي البقاء: إنما رُفع-أي: (فَتُصْبِحُ) وإن كان قبله لفظُ الاستفهام لأمرين، أحدهما: أنه استفهامٌ بمعنى الخبر، أي: قد رأيت، فلا يكون له جوابٌ، والثاني: أن ما بعد الفاء ينتصب إذا كان المستفهم عنه سبباً له، ورؤيته لإنزال الماء لا توجبُ اخضرار الأرض، إنما يجب عن الماء.
وروى الزجاج عن سيبويه القراءة بالرفع لا غير، قال: سألت الخليل عن هذا فقال: هذا واجبٌ، ومعناه التنبيه، كأنه قال: ألم تسمعْ إنزالَ الماءِ من السماء ماءً، فكان كذا وكذا.
وقلتُ: فعلى هذا يمكن توجيه النصب بأن يقال: إن إيثار المستقبل في (فَتُصْبِحُ) لاستحضار تلك الحالة البديعة، وهي حياة الأرض الدالة على القدرة الباهرة، قال الله تعالى: (فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) [الحج: ٥]، وقال تعالى: (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) [ق: ٧ - ٨]، كأنه قيل: تنبه لإنزالنا الماء لتتعجب منه على هذه الحالة البديعة والقدرة الباهرة، فيكون لك تبصرة وذكرى للإنابة والخضوع، وأن الله يبعث من في القبور، ومن ثم ذُيل بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)، وجيء بقوله تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) تتميماً لإرادة الإنابة، فيكون (فَتُصْبِحُ) بمعنى: تتعجبُ من إصباحها.
стр. 5482
لأنّ معناه إثبات الاخضرار، فينقلب بالنصب إلى نفى الاخضرار، مثاله أن تقول لصاحبك: "ألم تر أنى أنعمت عليك فتشكر": إن نصبته فأنت ناف لشكره شاك تفريطه فيه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر. وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الإعراب وتوقير أهله.
(لَطِيفٌ) واصل علمه أو فضله إلى كل شيء (خَبِيرٌ) بمصالح الخلق ومنافعهم.
[(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ) ٦٥ - ٦٦].
(ما فِي الْأَرْضِ) من البهائم مذللة للركوب في البر، ومن المراكب جارية في البحر، وغير ذلك من سائر المسخرات. وقرئ "وَالْفُلْكَ" بالرفع على الابتداء (أَنْ تَقَعَ) كراهة أن تقع (إِلَّا) بمشيئته.
(أَحْياكُمْ) بعد أن كنتم جمادا ترابا، ونطفة، وعلقة، ومضغة (لَكَفُورٌ) لجحود لما أفاض عليه من ضروب النعم.
[(لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ) ٦٧].
هو نهي لرسول الله ﷺ ، أى: لا تلتفت إلى قولهم ولا تمكنهم من أن ينازعوك. أو هو زجر لهم عن التعرض لرسول الله ﷺ بالمنازعة في الدين وهم جهال لا علم عندهم وهم كفار خزاعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هو نهيٌ لرسول الله ﷺ هو من باب قولك: لا أرينك هاهنا، قال ابن جني: معناهُ: لا تكن هناك فأراك، فالنهيُ في اللفظ لنفسه، أي: فاثبُت على نفسك وصحة دينك،
стр. 5483
روي أن بديل بن ورقاء وبشر بن سفيان الخزاعيين وغيرهما قالوا للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله الله؛ يعنون الميتة.
وقال الزجاج: هو نهى له ﷺ عن منازعتهم، كما تقول: لا يضاربنك فلان، أي: لا تضاربه. وهذا جائز في الفعل الذي لا يكون إلا بين اثنين.
(فِي الْأَمْرِ) في أمر الدين. وقيل: في أمر النسائك، وقرئ: "فلا ينزعنك"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولا تلتفتْ إلى فساد أقوالهم، حتى إذا رأوك كذلك أمسكوا عنك، ولا يُنازعُنَّك، فلفظ النهي لهم، ومعناه له صلوات الله عليه.
هذا إذا أجريت المفاعلة على واحدٍ مبالغةً.
قوله: (وقال الزجاج)، والمذكور في كتابه: المعنى: أنه نهيٌ له صلواتُ الله عليه عن منازعتهم، كما تقولُ: لا يخاصمنك فلانٌ في هذا أبداً، وهذا جائزٌ في الفعل الذي لا يكون إلا بين اثنين؛ لأن المجادلة والمخاصمة لا تتم إلا باثنين، فإذا قلت: لا يجادلنك فلانٌ، فهو بمنزلة: لا تجادلنه، ولا يجوزُ هذا في قولك: لايضربنك فلانٌ، وأنت تريدُ: لا تضربه، ولكن لو قلت: لا يضاربنك فلانٌ، لكان كقولك: لا تُضاربنَّ فلاناً.
وقلتُ: الفرقُ بين التفسيرين هو أن الأول نهيٌ عن الكينونة على وصفٍ يكونُ سبباً لمنازعتهم، وهذا نهيٌ عن المنازعة نفسها، وكلاهما كنايتان.
قوله: (وقرئ: "فلا ينزعُنك")، قال ابن جني: وهي قراءةُ لاحق بن حُميد، ظاهره: فلا يستخفنك عن دينك إلى أديانهم، فيكون بصورة المنزوع عن شيء إلى غيره، نحو قوله تعالى: (وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ) [الروم: ٦٠] فاثبت على دينك ولا يمل بك هواك إلى دين غيرك.
стр. 5484
أي اثبت في دينك ثباتا لا يطمعون أن يجذبوك ليزيلوك عنه. والمراد: زيادة التثبيت للنبي ﷺ بما يهيج حميته ويلهب غضبه لله ولدينه. ومنه قوله (وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ)] القصص: ٨٧ [، (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)] الأنعام: ١٤ [، ] يونس: ١٠٥ [، ] القصص: ٨٧ [، (فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ)] القصص: ٨٦ [. وهيهات أن ترتع همة رسول الله ﷺ حول ذلك الحمى، ولكنه وارد على ما قلت لك من إرادة التهييج والإلهاب.
وقال الزجاج: هو من نازعته فنزعته أنزعه، أى: غلبته، أى: لا يغلبنك في المنازعة.
فإن قلت: لم جاءت نظيرة هذه الآية معطوفة بالواو وقد نزعت من هذه؟ قلت:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أنزعُه)، قال في "فاعلتُه ففعلتُه"، يقالُ: أفعلُه" إنما يُضمُّ إذا لم يكن عينُه أو لامُه حرفَ حلق، فإنه يتركُ على ما عليه الاستعمال. قيل: فيه نظرٌ؛ لأن المختار الضمُّ عند الأكثرين، وهذا المذكورُ منقولٌ عن الكسائي، وقد رده العلماء.
قال سيبويه: وليس في كل شيء يكونُ هذا، أي: باب المغالبة، ألا ترى أنك لا تقول: نازعني فنزعته، استثنى عنه بغلبته في "المفصل".
قوله: (هذه الآية)، وهي قوله تعالى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ) [الحج: ٦٧]، ونظيرتها: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) [الحج: ٣٤]، وهو معطوفٌ على قوله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)، ومن تتمة الكلام مع المؤمنين، أي: الأمر ذلك، المطلوبُ تعظيمُ شعائر الله وتقوى القلوب، وليس هذا مما يختص بكم، إذ كلُّ أمةٍ مخصوصٌ بنُسكٍ وعبادة، وهذه الآيةُ تقدمةُ نهي النبي ﷺ عن ما يوجب منازعةَ القوم وتسليةٌ له، وتعظيمٌ لأمره، حيثُ جعلَ أمرهُ نُسكاً وديناً، يعني: شأنك وشأنُ أمثالك من الأنبياء والمرسلين عليهمُ
стр. 5485
لأنّ تلك وقعت مع ما يدانيها ويناسبها من الاى الواردة في أمر النسائك، فعطفت على أخواتها. وأما هذه فواقعة مع أباعد عن معناها فلم تجد معطفا.
[(وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ)].
أي: وإن أبوا للجاجهم إلا المجادلة بعد اجتهادك أن لا يكون بينك وبينهم تنازع، فادفعهم بأن الله أعلم بأعمالكم وبقبحها وبما تستحقون عليها من الجزاء فهو مجازيكم به. وهذا وعيد وإنذار، ولكن برفق ولين.
[(اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ* أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)].
(اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ) خطاب من الله للمؤمنين والكافرين، أى: يفصل بينكم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصلاةُ والسلامُ تركُ المنازعة مع الجهال وتمكينهم من المناظرة المؤدية إلى النزاع، وملازمةُ الدعوة إلى التوحيد، أو: لكل أمةٍ من الأمم الخالية المعاندة جعلنا طريقاً ودينا هم ناسكوه، فلا يُنازعنك هؤلاء المجادلةُ، سمى دأبهم نُسكاً لإيجابهم ذلك على أنفسهم واستمرارهم عليه، تهكماً بهم، ومسلاةً لرسول الله صلى الله لعيه وسلم مما كان يلقى منهم.
وأما اتصاله بما سبق من الآيات، فإن قوله تعالى: (وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ) يُوجب القلع عن إنذار القوم، والإياس منهم ومتاركتهم، والآيات المتخللةُ كالتأكيد لمعنى التسلية، فجيء بقوله تعالى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ) تحريضاً له صلوات الله عليه على التأسي بالأنبياء السابقة في مُتاركة القوم، والإمساك عن مجادلتهم بعد اليأس من إيمانهم، وينصره قوله تعالى: (اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، فالربط على طريقة الاستئناف، وهو أقوى من الربط اللفظي، والذي يدور عليه قطبُ هذه السورة الكريمة الكلام في مجادلة القوم ومعاندتهم، والنعي عليهم بشدة شكيمتهم. ألا ترى كيف افتتحها بقوله: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ) وكررها وجعلها أصلاً للمعنى المهتم به، وكلما شرع في أمر كرَّ إليه تثبيتاً لقلبِ الرسول صلات الله عليه، ومسلاةً لصدره، فلا يقالُ إذن: "وأما هذه فواقعةٌ مع أباعد عن معناها".
стр. 5486
بالثواب والعقاب ومسلاة للنبي ﷺ مما كان يلقى منهم، وكيف يخفى عليه ما يعملون، ومعلوم عند العلماء بالله أنه يعلم كل ما يحدث في السماوات والأرض، وقد كتبه في اللوح قبل حدوثه.
والإحاطة بذلك وإثباته وحفظه عليه (يَسِيرٌ) لأن العالم الذات لا يتعذر عليه ولا يمتنع تعلق بمعلوم.
[(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) ٧١].
وَيَعْبُدُونَ ما لم يتمسكوا في صحة عبادته ببرهان سماوي من جهة الوحى والسمع، ولا ألجأهم إليها علم ضروري، ولا حملهم عليها دليل عقلى (وَمَا) للذين ارتكبوا مثل هذا الظلم من أحد ينصرهم ويصوّب مذهبهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومسلاةٌ)، هي مفعلةٌ من: سلوتُ عنه وسليتُ عنه. الجوهري: هو في سلوةٍ من العيش، أي: رغد.
قوله: (ومعلومٌ عند العلماء بالله أنه يعلمُ كل ما يحدث في السماوات والأرض)، واللام في "العلماءِ" للجنسِ، أي العلماء الكاملون، تعريضاً بالفلسفي، لكن قوله: "عالمُ بالذات" اعتزالٌ.
قوله: (ولا ألجأهم غليها علمٌ ضروريٌ، ولا حملهم عليها دليلٌ عقلي)، هذا معنى قوله: (مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ)؛ لأن العلم بعد الدليل السمعي إما ضروريٌّ أو استدلالي، وفي اختصاص الدليل السمعي بالسلطان والتنزيل، والنوعين الأخيرين بالعلم دليلٌ واضحٌ على ذي بصيرةٍ نافذةٍ أن الدليل السمعيَّ هو الحجةُ القاطعة، وله القهر والغلبةُ، وعند ظهوره تضمحلُّ الآراءُ وتتلاشى الأقيسةُ، ومن عكس ضل الطريق، وحُرم التوفيق، وبقي متزلزلاً في ورطات الشُّبَه، وإن شئت فجربِ التنكير في (سُلْطَاناً) وفي (عِلْمٌ)، وقسمهما على قول الشاعر:
стр. 5487
[(وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ٧٢].
(الْمُنْكَرَ) الفظيع من التجهم والبسور «٢». أو الإنكار، كالمكرم بمعنى الإكرام. وقرئ "يعرف". و"المنكر".
والسطو: الوثب والبطش
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
له حاجبٌ في كلِّ أمرٍ يشينُه … وليس له عن طالب العُرف حاجبُ
لتعلم الفرق.
ثم انظُرْ إلى معنى التتميم والتنزُّلِ في قوله: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) إذ المعنى: ليس لهم دليلٌ قاطعٌ على صحة ما هم فيه، ولا لهم أيضاً ما يصح عند الضرورة أن يُتمسك به، ولا لهم ذو شوكةٍ يقهر الناس بالتعدي والظُّلم الصرفِ على عبادة ما يدعون، ألا ترى إلى إقامة الظاهر في قوله: (لِلظَّالِمِينَ) كيف طابق المفصل لترى الدقائق التي تتحيرُ فيها العقولُ؟ والله يقولُ الحق وهو يهدي السبيل.
قوله: (من التهجم)، الجوهري: رجلٌ جهمُ الوجه أي: كالحُه، تقولُ منه: جهمتُ الرجُل وتجهمتُه، إذا كلحتَ في وجهه، وبسر الرجُلُ في وجهه بسُوراً أي: كلح. يقال: عبس وبسر.
قوله: (وقرئ: "يُعرَفُ" و"المنكر")، أي: مبنياًّ للمفعول، وهو ظاهرٌ.
стр. 5488
وقرئ "النَّارُ" بالرفع على أنه خبر مبتدإ محذوف، كأنّ قائلا قال: ما هو؟ فقيل: النار، أى: هو النار. وبالنصب على الاختصاص. وبالجرّ على البدل من (بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ) من غيظكم على التالين وسطوكم عليهم. أو مما أصابكم من الكراهة والضجر بسبب ما تلي عليكم.
(وَعَدَهَا اللَّهُ) استئناف كلام. ويحتمل أن تكون "النَّارُ" مبتدأ و (وَعَدَهَا) خبرا، وأن يكون حالا عنها إذا نصبتها أو جررتها بإضمار «قد».
[(يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) ٧٣].
فإن قلت: الذي جاء به ليس بمثل، فكيف سماه مثلا؟ قلت: قد سميت الصفة أو القصة الرائعة الملتقاة بالاستحسان والاستغراب: "مثلاً"، تشبيها لها ببعض الأمثال المسيرة، لكونها مستحسنة مستغربة عندهم .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "النارُ" بالرَّفْع")، أي: في المشهورة، والنصبُ الجرُّ: شاذتان.
قوله: (بإضمار "قد")، متعلقٌ بقوله: "وأن تكون حالاً عنها". وقوله: "إذا نصبتها وجررتها" اعترض بين المتعلِّقِ والمتعلَّق، فالنصبُ على الاختصاص، والجرُّ على البدل من (بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ).
قوله: (تشبيهاً لها ببعض الأمثال المسيرة)، قال المصنف: المثلُ بمعنى المِثْل، تقولُ: زيدٌ مثلُ عمروٍ ومثله ومثيله، كما تقول: شبهه وشبهه وشبيهه، ثم قالوا على سبيل الاستعارة لجملةٍ من الكلام مستغربةٍ مستفصحةٍ متلقاةٍ بالرضا والقبول، أهل للتسيير والإرسال:
стр. 5489
قرئ (تَدْعُونَ) بالتاء والياء، ويدعون: مبنيا للمفعول.
(لَنْ) أخت «لا» في نفى المستقبل، إلا أن «لن» تنفيه نفيا مؤكدا، وتأكيده هاهنا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مثل؛ لأنهم جعلوا مضربها مثلاً لموردها، ثُم استعاروا هذا المستعار للقصةِ أو الحالةِ المستغربة لتماثلهما في الغرابة.
وقال القاضي: أو جُعل لله مثلٌ، أي: مثلٌ في استحقاق العبادة فاستمعوا له استماع تدبرٍ وتفكر. وقال صاحب "التيسير": جُعل لي مثلٌ، أي: شبهٌ، أي: جعل الكفارُ فاسمعوا حال ما شبهوه لي، لتقفوا على جهلهم.
وقال صاحب "الفرائد": المثلُ في الاصطلاح: شبيهٌ سائر، أي: كثيرٌ استعماله، والمراد من ذكره أن ما نحن له بمنزلة ما قيل فيه هذا القول، فإن صح ما ذكره صاحب "التيسير" وجب حملُ المثل على الحقيقة لا على المجاز.
وقلتُ: في جعل (ضُرِبَ) بمعنى: جُعِل هذا له، عدولٌ عن الظاهر، وخرمٌ للنظم الفائق؛ فإن قوله تعالى: (ضُرِبَ مَثَلٌ) مُجملٌ بُيِّنَ بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) وقوله: (فَاسْتَمِعُوا لَهُ) تقريرٌ لما يُراد من الإبهام والتبيين، من توخى التفطن لما يُتلى بعد المجمل، وتطلب إلقاء الذهن، ويؤيده تصدرُ الآية بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، وتذييل المثل بقوله تعالى: (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)، وتعليله بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ). ولعمري، إن هذا التذييل يُنادي على من يدعي معرفة الله تعالى بمقياس عقله بالضلال البعيد، ويتلُو عليه: (فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) [الحج: ٣١].
قوله: (قرئ: (تَدْعُونَ) بالتاء والياء)، بالتاء الفوقاني: السبعةُ.
قوله: ("لن" أختُ "لا"، في نفي المستقبل، إلا أن "لن" تنفيه نفياً مؤكداً، وتأكيده هاهنا
стр. 5490
الدلالة على أن خلق الذباب منهم مستحيل مناف لأحوالهم، كأنه قال: محال أن يخلقوا.
فإن قلت: ما محل (وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ)؟ قلت: النصب على الحال، كأنه قال: مستحيل أن يخلقوا الذباب مشروطا عليهم اجتماعهم جميعا لخلقه وتعاونهم عليه، وهذا من أبلغ ما أنزله الله في تجهيل قريش واستركاك عقولهم، والشهادة على أن الشيطان قد خزمهم بخزائمه حيث وصفوا بالإلهية - التي تقتضي الاقتدار على المقدورات كلها، والإحاطة بالمعلومات عن آخرها - صورا وتماثيل يستحيل منها أن تقدر على أقل ما خلقه وأذله وأصغره وأحقره، ولو اجتمعوا لذلك وتساندوا.
وأدل من ذلك على عجزهم وانتفاء قدرتهم: أن هذا الخلق الأقل الأذل لو اختطف منهم شيئا فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه لم يقدروا.
وقوله (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) كالتسوية بينهم وبين الذباب في الضعف. ولو حققت وجدت الطالب أضعف وأضعف، لأن الذباب حيوان، وهو جماد، وهو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدلالة على أن خلقَ الذباب منهم مستحيلٌ منافٍ لأحوالهم). قال صاحب "الفرائد": النفيُ المؤكدُ لا يدل على الامتناع لأنه لا يستلزمه، فيكون لازماً، واللازم لا يدل على الملزوم، ولكن يحتمله، ولما كان محتملاً له حُمل عليه لقرينة سوق الكلام؛ لأنه إن أمكن ذلك منهم لا يحصلُ الاستبعادُ المطلوبُ والمبالغةُ في تجهيلهم، واستركاك عقولهم؛ لأنهم مع اجتماعهم وتعاونهم لا يقدرون على أقلِّ ما خلقه الله تعالى وأذله وأحقره، وأدل من ذلك على عجزهم، وانتفاء قُدرتهم، أن هذا الحقير الذليل لو اختطف منهم شيئاً لم يقدروا على استخلاصه ولو اجتمعوا له.
وقلتُ: ها هوا لحق، إلا أن مقصود المصنف من إثبات الاستحالة تقريرُ مذهبه ومُدعاهُ في قوله تعالى: (لَنْ تَرَانِي) [الأعراف: ١٤٣]، وقد استشهد بهذه الآية على مطلوبه في ذلك المقام.
قوله: (وجدت الطالب أضعف)، أي: التماثيلُ أضعفُ من الذباب، وإنما قيل لها:
стр. 5491
غالب وذاك مغلوب. وعن ابن عباس: أنهم كانوا يطلونها بالزعفران ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها الأبواب، فيدخل الذباب من الكوى فيأكله.
] (ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) ٧٤ [.
(ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) أى ما عرفوه حق معرفته، حتى لا يسموا باسمه من هو منسلخ عن صفاته بأسرها، ولا يؤهلوه للعبادة، ولا يتخذوه شريكا له: إن الله قادر غالب، فكيف يتخذ العاجز المغلوب شبيها به؟
] (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) ٧٥ - ٧٦ [.
هذا ردّ لما أنكروه من أن يكون الرسول من البشر، وبيان أن رسل الله على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الطالبُ؛ لأنها طالبةٌ لما اختطفه الذبابُ منهم، فاللامُ في الطالب والمطلوب: للعهد التقديري، وهو معنى السين في (لا يَسْتَنقِذُوهُ).
قوله: (هذا ردُّ ما أنكروه من أن يكون الرسول من البشر)، يعني: لما أبطل القول بالاشتراك ليثبت التوحيد، عقبه بإثبات الرسالة، فرد طعنهم في أن يكون الرسول من البشر، ويمكن أن يقال: إن الآيات نظيرُ قوله تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ) [فاطر: ١٣ - ١٤] بولغ في وصف آلهتهم بالضعف وسُلب عنهم دفعُ المضرة مدى غاياته، ثم وُصف إله الحق بالقوة والعز، وإيصالالنفع إلى عابديه أقصى نهاياته؛ لأن منتهى مال المخلوقين أن يخصهم الله بكرامة الرسالة، فالآية الثانية مبينةٌ أو مقررةٌ بقوله تعالى: (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) فوضع اسمه الأعظم الجامع لأسمائه الحسنى موضع الضمير تقريراً للقوة الكاملة والعزة القاهرة، أو هو بمنزلة اسم الإشارة المؤذِن بأن ما بعده جديرٌ
стр. 5492
ضربين: ملائكة وبشر، ثم ذكر أنه تعالى درّاك للمدركات، عالم بأحوال المكلفين ما مضى منها وما غبر، لا تخفى عليه منهم خافية. وإليه مرجع الأمور كلها، والذي هو بهذه الصفات، لا يسأل عما يفعل، وليس لأحد أن يعترض عليه في حكمه وتدابيره واختيار رسله.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)].
للذكر شأن ليس لغيره من الطاعات. وفي هذه السورة دلالات على ذلك، فمن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمن قبله لاتصافه بتلك الصفات الفائقة، وفي قوله: "والذي هو بهذه الصفات لا يُسألُ عما يفعلُ، وليس لأحدٍ أن يعترض عليه في حكمه وتدابيره" إيماءٌ إلى هذا المعنى، وبعد ما عم الخطاب بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ) ونبههم في ذلك المثل على أن تلك الآلهة لا تضر ولا تنفع وإنما النافع والضار هو الله تعالى، وهو الذي يستحق أن يُعبد ويستعان به، خص الخطاب بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) الآية تحقيقاً للعبودية.
قوله: (ثم ذكر أنه تعالى دراكٌ للمدركات)، يعني: لما ذكر أنه تعالى اصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس علل ذلك بقوله: (أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ).
قوله: (ما مضى منها وما غبر)، الجوهري: غبر الشيء يغبرُ: بقي، والغابرُ: الباقي، والغابرُ: الماضي، وهو من الأضداد.
قوله: (للذكر شأنٌ ليس لغيره من الطاعات)، والمراد بالذكر: ما يُحتاجُ إليه في الدين من الشرائع وغيرها، كالأقاصيص والوعد والوعيد، كذا فُسرَ في (ص). ولما كان إطلاقُ الذكر على الصلاة أبين من سائر الطاعات، قال: "الصلاة التي هي ذكرٌ خالص"، وهو المرادُ
стр. 5493
ثم دعا المؤمنين أولا إلى الصلاة التي هي ذكر خالص، ثم إلى العبادة بغير الصلاة كالصوم والحج والغزو، ثم عمّ بالحث على سائر الخيرات. وقيل: كان الناس أوّل ما أسلموا يسجدون بلا ركوع ويركعون بلا سجود، فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع وسجود. وقيل: معنى (وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ) اقصدوا بركوعكم وسجودكم وجه الله. وعن ابن عباس في قوله (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) صلة الأرحام ومكارم الأخلاق (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أى افعلوا هذا كله وأنتم راجون للفلاح طامعون فيه، غير مستيقنين ولا تتكلوا على أعمالكم.
وعن عقبة بن عامر رضى الله عنه قال: قلت يا رسول الله في سورة الحج سجدتان؟ قال: "نعم، إن لم تسجدهما فلا تقرأهما" وعن عبد الله ابن عمر ﵄: "فضلت سورة الحج بسجدتين". وبذلك احتج الشافعي ﵁،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من قوله تعالى: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا)، والصوم الحج والغزو دونها في معنى الذكر، ثنى بذكرها، وهو المراد من قوله: (وَاعْبُدُوا)، ثم أتى بما يشتملُ على جميع ما يُحتاجُ إليه في الدين من الخيرات آخراً، وهو المرادُ من قوله تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ)، فهو كالترقي والتدرج من الأخص إلى الأعم.
قوله: (وقيل: معنى (وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ): اقصدوا برُكوعكم وسجودكم وجه الله تعالى)، هو كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا) [النساء: ١٣٦].
قوله: (وعن عُقبة بن عامرٍ)، الحديث رواه أحمد بن حنبل في "مسنده"، وكذا الترمذيٌّ، وروى أبو داود وابن ماجه، عن عمرو بن العاص ﵁ قال: أقرأني رسول الله ﷺ خمس عشرة سجدةً في القرآن، منها ثلاثٌ في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان.
стр. 5494
فرأى سجدتين في سورة الحج. وأبو حنيفة وأصحابه رضى الله عنهم لا يرون فيها إلا سجدة واحدة، لأنهم يقولون: قرن السجود بالركوع، فدل ذلك على أنها سجدة صلاة لا سجدة تلاوة.
[(وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)].
(وَجاهِدُوا) أمر بالغزو أو بمجاهدة النفس والهوى وهو الجهاد الأكبر. عن النبي ﷺ أنه رجع من بعض غزواته فقال «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر».
(فِي اللَّهِ) أى في ذات الله ومن أجله. يقال: هو حق عالم، وجدّ عالم، أي: عالم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعن مالك عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أنه قرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين، ثم قال: إن هذه السورة فُضِّلت بسجدتين.
قوله: (قرن السجود بالركوع فدل ذلك على أنها سجدةُ صلاةٍ لا سجدةُ تلاوة)، وقلتُ: لا شك أن الروع الذي هو: وضع الكفين على الركبتين مع الانحناء، لا يوجد إلا في الصلاة، ولا يراد به هاهنا الركوعُ الفذ، فيُحملُ على الصلاة مجازاً، وأما السجود الذي هو: وضعُ الجبهة على الأرض لله تعالى على سبيل التعظيم فهو غير مختص بالصلاة، فحمل الألو على الصلاة، والثاني على الحقيقة، لعموم الفائدة؛ أولى، ولأن العدول إلى المجاز من غير صارفٍ أو اعتبار نكتةٍ غير جائز، والمقارنة غير موجبةٍ لذلك، والأحاديث التي رويناها عن الأئمة موافقةٌ لمذهب الشافعي، فوجب المصير إليه.
стр. 5495
حقا وجدا. ومنه (حَقَّ جِهادِهِ). فإن قلت: ما وجه هذه الإضافة، وكان القياس: حق الجهاد فيه. أو حق جهادكم فيه، كما قال (وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ)؟ قلت: الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص، فلما كان الجهاد مختصا بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله، صحت إضافته إليه. ويجوز أن يتسع في الظرف كقوله:
ويوما شهدناه سليما وعامرا
(اجْتَباكُمْ) اختاركم لدينه ولنصرته (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومنه: (حَقَّ جِهَادِهِ))، قال القاضي: معنى (حَقَّ جِهَادِهِ) جهاداً فيه حقاً خالصاً لوجهه، فعُكس وأضيف الحقُّ إلى الجهاد مبالغةً. يعني: أصلُ المعنى: وجاهدوا في الله جهاداً حقاً، فهو يفيد أن هناك جهاداً واجباً، والمطلوب منهم الإتيان به، فإذا عُكس وأضيف الصفةُ إلى الموصوف بعد الإضافة إلى الله تعالى أفاد إثبات جهادٍ مختص بالله تعالى، والمطلوب القيام بموجبه وشرائطه على وجه التام والكمال بقدر الوسع والطاقة. قال المصنف في قوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) [آل عمران، ١٠٢]: (حَقَّ تُقَاتِهِ) واجب تقواه: ما يحق منها، وهو القيام بالواجب، واجتنابُ المحارم، يريدُ: بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئاً". وفي قوله: "عالمٌ جداً" إيماءٌ إلى هذا المعنى أي: هو عالمٌ مبالغٌ في العلم جداً، ولا يترك من الجهد المستطاع منه شيئاً. فقوله: "أي: عالمٌ حقاً وجداً" تأويلٌ باعتبار المبالغة والتوكيد.
قوله: (ويوم شهدناهُ سليماً وعامراً)، تمامه:
قليلٌ سوى الطعن النهال نوافله
النهالُ: الرماحُ الأسلُ: الناهل؛ أي: تروى منه الرماحُ العطاش، نهل؛ أي: شرب، وهوالشرب الأول، نوافلٌ: فاعل قليل.
стр. 5496
فتح باب التوبة للمجرمين، وفسح بأنواع الرخص والكفارات والديات والأروش.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفسح بأنواع الرخص)، قال القاضي: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) أي: ضيق بتكليف ما يشتدُّ القيامُ به عليكم، إشارةً إلى أنه لا مانع لهم ولا عذر لهم في تركه، أو على الرخصة في إغفال بعض ما أمرهم به حيث شق عليهم لقوله: "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم"، وقيل: ذلك بأن لهم من كل ذنبٍ مخرجاً، بأن رخص لهم في المضايق، وفتح باب التوبة، وشرع لهم الكفارات في حقوقه، والأروش والديات في حقوق العبادات.
وقلت- والله أعلم-: قد أسلفنا أن في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) ترقياً من الأخص إلى الأعم، والآية جامعةٌ لأنواع العبادات، فيكونُ عطف قوله: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) عليها إرشاداً إلى السلوك والعروج إلى مقامات العارفين، والتحري للتخلص من الركون إلى الغير، وفي تعقيب قوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) إزاحةٌ للموانع من طلب الكمال، كما قال القاضي: لا مانع لهم عنه ولا عُذر لهم في تركه، يؤيده قوله تعالى: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ)، وقوله: (هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا)، يعني: أن الله تعالى اصطفاكم، وهو مدحكم قديماً وحديثاً، وجعلكم في العقبى شهداء على الناس، وإليه ينتهي توليكم، فلا تحبوا سفساف الأمور وقد هيأ لكم معاليها، وخصكم لنفسه تعالى، وهو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير.
فقوله: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ) استئنافٌ لبيان علة الأمر بالاجتهاد. روى السلميُّ عن ابن عطاءٍ: الاجتبائية أورثت المجاهدة، لا المجاهدة أورثت الاجتبائية، وكذا قوله
стр. 5497
ونحوه قوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: ١٨٥] وأمّة محمد ﷺ هي الأمة المرحومة الموسومة بذلك في الكتب المتقدمة.
نصب الملة بمضمون ما تقدّمها. كأنه قيل: وسع دينكم توسعة ملة أبيكم، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. أو على الاختصاص، أى: أعنى بالدين ملة أبيكم كقولك: الحمد لله الحميد.
فإن قلت: لم يكن إِبْراهِيمَ أبا للأمّة كلها. قلت: هو أبو رسول الله ﷺ ، فكان أبا لأمته، لأنّ أمة الرسول في حكم أولاده.
(هُوَ) يرجع إلى الله تعالى: وقيل: إلى إبراهيم. ويشهد للقول الأوّل قراءة أبىّ بن كعب: "الله سماكم".
(مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا) أى من قبل القرآن في سائر الكتب وفي القرآن، أى: فضلكم على الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ) أنه قد بلغكم (وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) بأنّ الرسل قد بلغتهم. وإذ خصكم بهذه الكرامة والأثرة، فاعبدوه وثقوا به ولا تطلبوا النصرة والولاية إلا منه، فهو خير مولى وناصر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعالى: (هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ) علةٌ لرفع الحرج عن هذه الأمة المرحومة كما ورد: "بعثتُ بالحنيفية السهلة السمحة"، وقال ابن عطاء: زينكم بزينة الخواص قبل أن أوجدكم، فقد سبق لكم من الله تعالى الخصوصية في الأزل.
قوله: (وقيل: إلى إبراهيم ﵇ يدلُّ عليه قوله تعالى: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) [البقرة: ١٢٨].
قوله: (وإذا خصكم بهذه الكرامة والأثرة فاعبدوه) يريد: أن في تعقيب قوله تعالى:
стр. 5498
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة الحج أعطى من الأجر كحجة حجها وعمرة اعتمرها بعدد من حج واعتمر فيما مضى وفيما بقي».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) بالفاء على قوله: و (هُوَ اجْتَبَاكُمْ)، وقوله: (هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ) سالفاً وآنفاً، لتختص شهادة الرسول عليكم، وتكونوا شهداء على الناس، إشعاراً بالعلية؛ لأن الأوصاف مناسبةٌ للحكم. هذا يدل على ترجيح القول بأن الضمير راجعٌ إلى الله تعالى. قال الإمامُ: إنه تعالى سماهم بهذا الاسم لهذا الغرض. المعنى: أنه تعالى بين في سائر الكتب المتقدمة، وفي القرآن أيضاً، فضلكم، وسماكم بهذا الاسم لأجلِ الشهادة المذكورة.
وقلتُ: ثم العلة والمعلول علةٌ للحكم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله كما مر، وقوله: (هُوَ مَوْلاكُمْ) كالتتميم لقرينتيه، وهما: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ) و (هُوَ سَمَّاكُمْ)، أو يقالُ: في جعل الموجب: (نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ): الدلالة على أن كونه تعالى مولى لنا يقتضي أمراً وراء ما ذُكر من الاجتباء والتسمية بالمسلمين، وهو تحقيق أمر العبودية، وصلاحية مقام الزلفى من الله تعالى: ومن ثم شرف الله تعالى حبيبه ليلة المعراج بتشريف العبودية وتحقيقها.
وهذه خاتمة شريفةٌ خُتمت بها السورة بحمد الله.
والله أعلمُ بالصواب
стр. 5499
سورة المؤمنين
مكية، وهي مائة وتسع عشرة آية.
وثمان عشرة عند الكوفيين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ)]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة المؤمنين
مكيةٌ، وهي مئةٌ وتسع عشرة آية
وثماني عشرة عند الكوفيين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رُوي عن المصنف: أنه قال: يجوز أن يكون (قَدْ أَفْلَحَ) جواب قسم محذوف، كقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) [الشمس: ٩] في وقوعه جواب قسم. وفي بعض النسخ مكتوبٌ في المتن، وكذا عن صاحب "التقريب". وقيل: فيه نظرٌ؛ لأنه قال هناك: جوابُ القسم محذوفٌ تقديره: ليُدمْدِ مَنّ الله عليهم. وأما (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) [الشمس: ٩] فكلامٌ تابعٌ لقوله: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) [الشمس: ٨] على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في
стр. 5500
"قَدْ" نقيضة «لما» هي تثبت المتوقع و «لما» تنفيه، ولا شك أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم، فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه. والفلاح: الظفر بالمراد. وقيل: البقاء في الخير. و (أَفْلَحَ) دخل في الفلاح،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شيء، وقلتُ: قد ذكرنا هناك أن الزجاج ذهب إلى أنه جواب القسم على تقدير اللام، والنظم يساعد عليه، وهو أبعدُ تعسفاً.
قوله: (وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم)، قال في قوله: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [آل عمران: ١٠١]، من يعتصم بالله فقد حصل له الهدى لا محالة، كما تقول: إذا جئت فلاناً، فقد أفلحت، كأن الهدى قد حصلن فهو يخبر عنه حاصلاً، وإليه أشار بقوله: "فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه". فإن قلت: إن قد لتوقع مدخوله، فيفيد أن حصول الفلاح كان متوقعاً، وأما البشارة كانت متوقعة فلا. المفلحُ: هو الفائز بالبغية، والمؤمنون وإن فازوا بالهدى عاجلاً بالأعمال الصالحة الظفر على أعداء الدين لكن الفوز الحقيقي الذي هو الفلاح لا يثبت إلا في الآخرة، كما قال تعالى: (أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة: ٥]، فكانوا متوقعين البشارة من جانب الله بذلك. فقيل لهم: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) إلى قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
قوله: (والفلاح: الظفرُ)، الراغب: قولهم في الأذان: حي على الفلاح، أي: على الظفر الذي جعله الله تعالى لنا بالصلاة.
قوله: (وقيل: البقاءُ في الخير)، قال الفراء قد هنا يجوز أن تكون تأكيداً لفلاح المؤمنين،
следующие страницы →