← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

فتح باب التوبة للمجرمين، وفسح بأنواع الرخص والكفارات والديات والأروش. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفسح بأنواع الرخص)، قال القاضي: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) أي: ضيق بتكليف ما يشتدُّ القيامُ به عليكم، إشارةً إلى أنه لا مانع لهم ولا عذر لهم في تركه، أو على الرخصة في إغفال بعض ما أمرهم به حيث شق عليهم لقوله: "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم"، وقيل: ذلك بأن لهم من كل ذنبٍ مخرجاً، بأن رخص لهم في المضايق، وفتح باب التوبة، وشرع لهم الكفارات في حقوقه، والأروش والديات في حقوق العبادات. وقلت- والله أعلم-: قد أسلفنا أن في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) ترقياً من الأخص إلى الأعم، والآية جامعةٌ لأنواع العبادات، فيكونُ عطف قوله: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) عليها إرشاداً إلى السلوك والعروج إلى مقامات العارفين، والتحري للتخلص من الركون إلى الغير، وفي تعقيب قوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) إزاحةٌ للموانع من طلب الكمال، كما قال القاضي: لا مانع لهم عنه ولا عُذر لهم في تركه، يؤيده قوله تعالى: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ)، وقوله: (هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا)، يعني: أن الله تعالى اصطفاكم، وهو مدحكم قديماً وحديثاً، وجعلكم في العقبى شهداء على الناس، وإليه ينتهي توليكم، فلا تحبوا سفساف الأمور وقد هيأ لكم معاليها، وخصكم لنفسه تعالى، وهو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير. فقوله: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ) استئنافٌ لبيان علة الأمر بالاجتهاد. روى السلميُّ عن ابن عطاءٍ: الاجتبائية أورثت المجاهدة، لا المجاهدة أورثت الاجتبائية، وكذا قوله

стр. 5497

ونحوه قوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: ١٨٥] وأمّة محمد ﷺ هي الأمة المرحومة الموسومة بذلك في الكتب المتقدمة. نصب الملة بمضمون ما تقدّمها. كأنه قيل: وسع دينكم توسعة ملة أبيكم، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. أو على الاختصاص، أى: أعنى بالدين ملة أبيكم كقولك: الحمد لله الحميد. فإن قلت: لم يكن إِبْراهِيمَ أبا للأمّة كلها. قلت: هو أبو رسول الله ﷺ ، فكان أبا لأمته، لأنّ أمة الرسول في حكم أولاده. (هُوَ) يرجع إلى الله تعالى: وقيل: إلى إبراهيم. ويشهد للقول الأوّل قراءة أبىّ بن كعب: "الله سماكم". (مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا) أى من قبل القرآن في سائر الكتب وفي القرآن، أى: فضلكم على الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ) أنه قد بلغكم (وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) بأنّ الرسل قد بلغتهم. وإذ خصكم بهذه الكرامة والأثرة، فاعبدوه وثقوا به ولا تطلبوا النصرة والولاية إلا منه، فهو خير مولى وناصر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تعالى: (هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ) علةٌ لرفع الحرج عن هذه الأمة المرحومة كما ورد: "بعثتُ بالحنيفية السهلة السمحة"، وقال ابن عطاء: زينكم بزينة الخواص قبل أن أوجدكم، فقد سبق لكم من الله تعالى الخصوصية في الأزل. قوله: (وقيل: إلى إبراهيم ﵇ يدلُّ عليه قوله تعالى: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) [البقرة: ١٢٨]. قوله: (وإذا خصكم بهذه الكرامة والأثرة فاعبدوه) يريد: أن في تعقيب قوله تعالى:

стр. 5498

عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة الحج أعطى من الأجر كحجة حجها وعمرة اعتمرها بعدد من حج واعتمر فيما مضى وفيما بقي». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) بالفاء على قوله: و (هُوَ اجْتَبَاكُمْ)، وقوله: (هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ) سالفاً وآنفاً، لتختص شهادة الرسول عليكم، وتكونوا شهداء على الناس، إشعاراً بالعلية؛ لأن الأوصاف مناسبةٌ للحكم. هذا يدل على ترجيح القول بأن الضمير راجعٌ إلى الله تعالى. قال الإمامُ: إنه تعالى سماهم بهذا الاسم لهذا الغرض. المعنى: أنه تعالى بين في سائر الكتب المتقدمة، وفي القرآن أيضاً، فضلكم، وسماكم بهذا الاسم لأجلِ الشهادة المذكورة. وقلتُ: ثم العلة والمعلول علةٌ للحكم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله كما مر، وقوله: (هُوَ مَوْلاكُمْ) كالتتميم لقرينتيه، وهما: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ) و (هُوَ سَمَّاكُمْ)، أو يقالُ: في جعل الموجب: (نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ): الدلالة على أن كونه تعالى مولى لنا يقتضي أمراً وراء ما ذُكر من الاجتباء والتسمية بالمسلمين، وهو تحقيق أمر العبودية، وصلاحية مقام الزلفى من الله تعالى: ومن ثم شرف الله تعالى حبيبه ليلة المعراج بتشريف العبودية وتحقيقها. وهذه خاتمة شريفةٌ خُتمت بها السورة بحمد الله. والله أعلمُ بالصواب

стр. 5499

سورة المؤمنين مكية، وهي مائة وتسع عشرة آية. وثمان عشرة عند الكوفيين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ)] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة المؤمنين مكيةٌ، وهي مئةٌ وتسع عشرة آية وثماني عشرة عند الكوفيين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رُوي عن المصنف: أنه قال: يجوز أن يكون (قَدْ أَفْلَحَ) جواب قسم محذوف، كقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) [الشمس: ٩] في وقوعه جواب قسم. وفي بعض النسخ مكتوبٌ في المتن، وكذا عن صاحب "التقريب". وقيل: فيه نظرٌ؛ لأنه قال هناك: جوابُ القسم محذوفٌ تقديره: ليُدمْدِ مَنّ الله عليهم. وأما (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) [الشمس: ٩] فكلامٌ تابعٌ لقوله: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) [الشمس: ٨] على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في

стр. 5500

"قَدْ" نقيضة «لما» هي تثبت المتوقع و «لما» تنفيه، ولا شك أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم، فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه. والفلاح: الظفر بالمراد. وقيل: البقاء في الخير. و (أَفْلَحَ) دخل في الفلاح، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ شيء، وقلتُ: قد ذكرنا هناك أن الزجاج ذهب إلى أنه جواب القسم على تقدير اللام، والنظم يساعد عليه، وهو أبعدُ تعسفاً. قوله: (وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم)، قال في قوله: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [آل عمران: ١٠١]، من يعتصم بالله فقد حصل له الهدى لا محالة، كما تقول: إذا جئت فلاناً، فقد أفلحت، كأن الهدى قد حصلن فهو يخبر عنه حاصلاً، وإليه أشار بقوله: "فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه". فإن قلت: إن قد لتوقع مدخوله، فيفيد أن حصول الفلاح كان متوقعاً، وأما البشارة كانت متوقعة فلا. المفلحُ: هو الفائز بالبغية، والمؤمنون وإن فازوا بالهدى عاجلاً بالأعمال الصالحة الظفر على أعداء الدين لكن الفوز الحقيقي الذي هو الفلاح لا يثبت إلا في الآخرة، كما قال تعالى: (أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة: ٥]، فكانوا متوقعين البشارة من جانب الله بذلك. فقيل لهم: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) إلى قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). قوله: (والفلاح: الظفرُ)، الراغب: قولهم في الأذان: حي على الفلاح، أي: على الظفر الذي جعله الله تعالى لنا بالصلاة. قوله: (وقيل: البقاءُ في الخير)، قال الفراء قد هنا يجوز أن تكون تأكيداً لفلاح المؤمنين،

стр. 5501

كأبشر: دخل في البشارة. ويقال: أفلحه: أصاره إلى الفلاح. وعليه قراءة طلحة بن مصرف: (أفلح)، على البناء للمفعول. وعنه: (أفلحوا)، على: أكلونى البراغيث. أو على الإبهام والتفسير. وعنه: (أفلح)، بضمة بغير واو، اجتزاء بها عنها، كقوله: فلو أنّ الاطبّا كان حولي فإن قلت: ما المؤمن؟ قلت: هو في اللغة المصدق. وأما في الشريعة فقد اختلف ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويجوزُ أن تكون تقريباً للماضي من الحال، ويكونُ المعنى في الآية: أن الفلاح قد حصل، وأنهم عليه في الحال. قوله: (وعليه قراءةُ طلحة بن مُصرف: "أفُلِحَ" على البناء للمفعول)، قال الزجاجُ: معناه: قد أصيروا إلى الفلاح. قوله: ٠ فلو أن الأطبا كانُ حولي)، تمامُه في "المطلع": وكان مع الأطباء الأساةُ الأطِبا: على القصر للضرورة. أراد: كانوا حولي، فاكتفى بالضمة عن الواو. والآسي: الطبيبُ، والجمعُ أساةٌ، مثل: رام ورُماة. قوله: (ما المؤمن؟ )، قيل: إنما لم يقُل: من المؤمنُ؟ لأن السؤال وقع عن الصفة. فإذا قلت: ما زيدٌ؟ فجوابه: فقيهٌ أو متكلم. والظاهر أن "ما": عامةٌ، والسؤال عن مفهوم المؤمن وموقع استعماله يدُلُّ عليه، قوله: إنهُ "في اللغة كذا، وفي الشريعة كذا، وإنهُ صفةُ مدح يستحقها البرُّ، ولا يستحقها الفاسق. الانتصاف: الأولُ مذهبُ الأشعرية، الثاني للمعتزلة، ولو لم يبنوا عليه أن الفاسق يُخلدُ في النار لكان البحث لفظياً، ونُقلَ عن عمرو بن

стр. 5502

فيه على قولين، أحدهما: أنّ كل من نطق بالشهادتين مواطئا قلبه لسانه فهو مؤمن. والآخر أنه صفة مدح لا يستحقها إلا البرّ التقىّ دون الفاسق الشقىّ! الخشوع في الصلاة: خشية القلب وإلباد البصر - عن قتادة: وهو إلزامه موضع السجود. وعن النبي ﷺ : أنه كان يصلى رافعا بصره إلى السماء، فلما نزلت هذه الآية رمى ببصره نحو مسجده، وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة هاب الرحمن أن يشدّ بصره إلى شيء، أو يحدّث نفسه بشأن من شأن الدنيا. وقيل: هو جمع الهمة لها، والإعراض عما سواها. ومن الخشوع: أن يستعمل الآداب، فيتوقى كفّ الثوب، والعبث بجسده وثيابه، والالتفات، والتمطي، والتثاؤب، والتغميض، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عُبيدٍ وطبقتِه: أن الإيمان التصديقُ بالقلب وجميع فرائض الدين فعلاً وتركاً، وعن أبي الهذيل: أنه جميعُ فرائض الدين ونوافله. وحجتنا: أن الإيمان في اللغة: مجردُ التصديق. والأصل عدمُ النقل لقوله تعالى: (لِسَاناً عَرَبِيّاً) [الأحقاف: ١٢]. وقلتُ: قد روينا عن محيي السُّنةِ في "شرح السنة": أن العمال داخلةٌ في مسمى الإيمان، وأنه مذهبُ السلف الصالح ﵏، عليه التعويل. قوله: (وإلباد البصر)، يقال: ألبد بالمكان: إذا أقام به، النهاية: إلبادُ البصر: إلزامُه موضع السجود من الأرض. قوله: (فيتوقى كف الثوب)، النهاية: في الحديث: "أُمرتُ أن لا أكف شعراً ولا ثوباً". يعني: في الصلاة، هو يحتملُ أن يكون بمعنى المنع، أي: لا أمنعها من الاسترسال حال السجود ليقعا على الأرض، وأن يكون بمعنى الجمع، أي: لا أجمعهما ولا أضمهما. قوله: (والتمطي)، النهاية: في الحديث: "إذا مشت أمتي المطيطاء"، هي بالمد والقصر:

стр. 5503

وتغطية الفم، والسدل، والفرقعة، والتشبيك، والاختصار، وتقليب الحصى. روى عن النبي ﷺ أنه أبصر رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال «لو خشع قلبه خشعت جوارحه «٢»» ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصى وهو يقول: اللهمّ زوجني الحور العين، فقال: بئس الخاطب أنت! تخطب وأنت تعبث. فإن قلت: لم أضيفت الصلاة إليهم؟ قلت: لأنّ الصلاة دائرة بين المصلى والمصلى له، فالمصلى هو المنتفع بها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مشيةٌ فيها تبخترٌ ومدُّ اليدين، يقالُ: مطوتُ ومططتُ بمعنى: مددتُ، وهنا المراد مد اليدين مع الظهر. والسدلُ: أن يلتحف ثوبه، ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد، وهو كذلك. وكانت اليهودُ تفعله، وهذا مطردٌ في القميص وغيره من الثياب. وقيل: أن يضع وسط الإزار على رأسه ويُرسل طرفيه عن يمينه وشماله من غير أن يجعله على كتفيه. وفرقعةُ الأصابع: غمزها حتى يُسمع لمفاصلها صوتٌ. وفي حديث مجاهد: كره أن يُفرقع الرجل أصابعه في الصلاة. الاختصار: قيل: هو من المخصرة، وهو: أن يأخذ بيده عصا يتكئ عليها، وقيل: أن يقرأ من آخر السورة آية أو آيتين، ولا يقرأ السورة بتمامها. كلها في "النهاية". الفائق: الاختصارُ: وضعُ اليد على الخاصرة. وفي الحديث: "الاختصارُ في الصلاة راحةُ أهل النار"، لا أن لهل النار راحةً، لقوله تعالى: (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) [الزخرف: ٧٥].

стр. 5504

وحده وهي عدّته وذخيرته فهي صلاته: وأمّا المصلى له، فغنىّ متعال عن الحاجة إليها والانتفاع بها. [(وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)]. اللغو: ما لا يعنيك من قول أو فعل، كاللعب والهزل وما توجب المروءة إلغاءه واطراحه، يعنى أنّ بهم من الجدّ ما شغلهم عن الهزل. لما وصفهم بالخشوع في الصلاة، أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو، ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس اللذين هما قاعدتا بناء التكليف. [(وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ) ٤]. الزكاة اسم مشترك بين عين ومعنى، فالعين: القدر الذي يخرجه المزكي من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ليجمع لهم الفعل والترك)، قال القاضي: أقام الإعراض مقام الترك؛ ليدُل على بُعدهم عنه رأساً مباشرةً، وتسبباً وميلاً، فإن أًله أن يكون في عرض غير عرضه، هو أبلغ أيضاً من الذين لا يلهون لجعل الجملة اسميةً، وبناء الحكم على الضمير والتعبير عنه بالاسم، وتقديم الصلة. قوله: (الزكاة اسم مشتركٌ بين عينٍ ومعنى)، الراغب: أصلُ الزكاة: النموُّ الحاصلُ من بركة الله تعالى، ويعتبر ذلك بالأمور الدنيوية والأخروية، يقال: زكا الزرع يزكو، إذا حصل منه نموٌّ وبركةٌ، ومنه الزكاة يخرجها الإنسان إلى الفقراء، لما فيها من رجاء البركة، أو لتزكية النفس، أي: تنميتها بالخيرات والبركات، أو لهما جميعاً، فإن الخيرين موجودان فيها، وقرن الله تعالى الزكاة بالصلاة وقال: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) [البقرة: ١١٠] وبزكاء النفس وطهارتها يصير الإنسان بحيث يستق في الدنيا الأوصاف المحمودة، وفي الآخرة الأجر والمثوبة. وهو أن يتحرى الإنسان ما فيه تطهيره وذلك يُنسب تارةً إلى

стр. 5505

النصاب إلى الفقير والمعنى: فعل المزكى الذي هو التزكية، وهو الذي أراده الله، فجعل المزكين فاعلين له ولا يسوغ فيه غيره، لأنه ما من مصدر إلا يعبر عن معناه بالفعل ويقال لمحدثه فاعل، تقول للضارب: فاعل الضرب، وللقاتل: فاعل القتل: وللمزكى: فاعل التزكية. وعلى هذا الكلام كله والتحقيق فيه أنك تقول في جميع الحوادث: من فاعل هذا؟ فيقال لك: فاعله الله أو بعض الخلق. ولم تمتنع الزكاة الدالة على العين أن يتعلق بها فاعلون، لخروجها من صحة أن يتناولها الفاعل، ولكن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ العبد؛ لاكتسابه، كقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) إلى قوله تعالى: (لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ)، وقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) [الشمس: ٩]، وتارةً إلى الله تعالى، لكونه فاعلاً لذلك في الحقيقة، نحو: (بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) [النساء: ٤٩]، وتارةً إلى النبي ﷺ لكونه واسطةً نحو (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) [التوبة: ١٠٣] وتارةً إلى العباد التي هي آلة نحو (وَحَنَانَاً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً) [مريم: ١٣]. قوله: (فيقالُ لك: فاعله الله أو بعض الخلق)، الانتصاف: يقولُ السني: الفاعل هو الله وحده، وإذا سُئل بصفةٍ مشتقةٍ من الفعل على طريقة اسم الفاعل من القائم أو القاعد، أجاب بأنه: الذي خلق الله الفعل على يده كزيدٍ وعمرو. قوله: (ولم تمتنع الزكاةُ الدالة على العين أن يتعلق بها فاعلون)، أي: اللفظُ غيرُ مانع تعليق الزكاة، الذي هوا لعين، بفاعلون؛ لأن الواضع إنما وضع صيغ الأفعال لنسبة صدورها عن الفاعل، وأما أن ذلك الفاعل موجدٌ بالحقيقة أو غير موجد، فليس بداخل في مفهوم الفعل، وإنما يعرفُ بدليل خارجي، وإليه الإشارة بقوله: "ولكن لأن الخلق ليسوا بفاعليها". فقوله: "لخروجها" تعليلٌ لقوله: "لم يمتنع"، أي: لم تمتنع الزكاة الدالة على العين عند أهل اللغة بأن يتعلق بها الفاعلون لأجل هذا الصارف، وهو خروجها من صحة أن الخلق غير قادرين على إيجاد العين، بل القادر هو الله تعالى، فإن ذلك من الدلائل العقلية،

стр. 5506

لأنّ الخلق ليسوا بفاعليها. وقد أنشد لأمية ابن أبى الصلت: المطعمون الطّعام في السّنة الـ … أزمة والفاعلون للزّكوات ويجوز أن يراد بالزكاة: العين، ويقدّر مضاف محذوف وهو الأداء، وحمل البيت على هذا أصحّ، لأنها فيه مجموعة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كما تقول: أنبت الربيع البقل، فإن الفاعل عند اللغوي هو الربيع، إذ هو مرتفعٌ به؛ لأنه لا يُنظرُ إلى أن الربيع لا يصح منه هذا الفعل حقيقةً؛ لأن ذلك من وظيفة الموحدِ المعتقد. قوله: (المطعمون الطعام)، البيت، الأزمة: السنةُ القحطُ، يقال: أزم علينا الدهر، أي: اشتد. قوله: (لأنها فيه مجموعةٌ)، أي: لفظ الزكاة في البيت مجموعةٌ، والمصدرُ لا يجمع في الأغلب، وقد جُمع في قوله تعالى: (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ) [الأحزاب: ١٠]. وقلتُ: يُعلمُ من مفهوم قوله: "وحملُ البيت على هذا أصح" أن حمل الآية على الفعل أصح. قال السجاوندي: لما كانت الزكاة توجب زكاء المال، كان لفظ الفعل أليق به من لفظ الأداء، كأنه قيل: لأجل زكاء المال يفعلون ما يفعلون، فالمؤدى يصير زكاةً بفعل المزكي. وفي (فَاعِلُونَ) إشارةٌ إلى المداومة ما ليس في الأداء، تقول: هذا فعله، أي: شأنه ودأبه وعادته، وهذا يشعر بأن حمل الزكاة على المعنى أولى من غيره. الراغب: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) أي: يفعلون ما يفعلون من العبادة ليزكيهم الله، أو ليزكوا أنفسهم، المعنيان واحد، وليس قوله: (لِلزَّكَاةِ) مفعولاً له لقوله: (فَاعِلُونَ) بل اللامُ للقصد والعلة. وقال صاحب "الكشف": معنى الآية: الذين هم لأجل الطهارة وتزكية النفس عاملون الخير، فليس المراد من هذا الكلام: أنهم يؤدون الزكاة؛ لأنه لا يقال: فعلتُ الزكاة

стр. 5507

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأنت تريدُ: أديتُ زكاة المال، وإنما الزكاة: الطهارة، كما قال تعالى في كتابه: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) [الأعلى: ١٤ - ١٥]، و (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) [الشمس: ٩]، أي من طهرها، وأبداً ينبغي لك أن تفسر القرآن بعضه ببعض ما أمكنك، فوجب أخذ التفسير من آية نظيرة تلك الآية التي تفسرها، ألا ترى أنهم قالوا في قوله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) [الرعد: ١١]، أن المعنى: للرسول ﷺ معقباتٌ، أي: الملائكة من أمر الله، يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، كذا فسره النخعي، قالوا في هذا: إنه فصل بين الصفة والموصوف، وقدم ظرف الصفة على الصفة، فنظرنا في ذلك فإذا إبراهيم النخعي أخذ هذا التفسير من قوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً) [الجن: ٢٧]، والرصدُ: الملائكة، هو المعقبات يحفظون النبي ﵊. فإن قيل: فهب أنكم قلتم: فما وجه قوله : (وَدَعْ أَذَاهُمْ) [الأحزاب: ٤٨]؟ وهل يقال في معنى لا تؤذه: دع أذاه؟ قلنا: ليس معنى (وَدَعْ أَذَاهُمْ) [الأحزاب: ٤٨]: لا تؤذهم، وإنما المعنى: دع الخوف من أذاهم وتوكل على الله، أي: لا تخف منهم ولا من أذاهم، فحذف المفعول والحرف الجار الذي في صلة المصدر، كما حذف الجار من قوله: (يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) [آل عمران: ١٧٥] أي: يخوفكم بأوليائه، وقال تعالى: (لِيُنذِرَ بَاساً شَدِيداً) [الكهف: ٢]، أي: لينذركم ببأس شديد. وقلتُ: قوله: ينبغي لك أن تفسر القرآن بعضه ببعض، كلامٌ حسنٌ، لكن مع مراعاة المقام، وترتيب النظام؛ فإنه تعالى لما ذكر الصلاة عقبها بذكر شقيقتها وقرينتها، وهي الزكاة، كما قال تعالى: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) ونحوها، والوجه ما ذكره المصنف أولاً. وأما قوله: لا يقالُ: فعلتُ الزكاة وأنت تريدُ: أديتُ زكاة المال. فتحكم لم لا يجوز أن يراد المبالغةُ فيه؟ ألا ترى إلى قول الحماسي: وإن هي أعطتك الليان فإنها … لغيرك من خلانها ستلين

стр. 5508

[(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ) ٥ - ٧]. (عَلى أَزْواجِهِمْ) في موضع الحال، أى الأوّالين على أزواجهم. أو قوّامين عليهنّ، من قولك: كان فلان على فلانة فمات عنها فخلّف عليها فلان. ونظيره: كان زياد على البصرة، أى: واليا عليها. ومنه قولهم: فلانة تحت فلان. ومن ثم سميت المرأة فراشا. والمعنى: أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال، إلا في حال تزوّجهم أو تسريهم، أو تعلق (عَلى) بمحذوف يدل عليه (غَيْرُ مَلُومِينَ) كأنه قيل: يلامون إلا على أزواجهم، أى: يلامون على كل مباشر إلا على ما أطلق لهم، فإنهم غير ملومين عليه. أو تجعله صلة لحافظين، من قولك: احفظ علىّ عنان فرسي، على تضمينه معنى النفي، كما ضمن قولهم: نشدتك بالله إلا فعلت معنى ما طلبت منك إلا فعلك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقول المرزوقي فيه: وإن هي غرتك باللين ومنحتك المحبة منحاً بالغاً. مع أن تنظيره بالآيتين بعيدٌ؛ لأنهما ليسا من هذا القبيل في شيء، وقوله تعالى: (وَدَعْ أَذَاهُمْ) [الأحزاب: ٤٨] معناه غير ما ذكره، فانظر إلى مقامه لتعرفه. قوله: (على تضمينه معنى النفي)، رُوي أنه قول المبرد، أي: تضمين (حَافِظُونَ)، فإن معنى احفظ على عنان فرسي: ارقبني، ولا تغفل عني. وجاء في بعض التفاسير: الحفظ في الأصل، ضبطُ الشيء في النفس. وهو ضد النسيان، ولما كان في ضبط الشيء المنعُ من الذهاب قيل لمن لا يضيع الشيء ضبطاً: الحافظ، والحافظُ: المانع. "المُغرب": الحفظُ: خلافُ النسيان، وقد يُجعل عبارةً عن الصون وترك الابتذال، يقالُ: فلانٌ يحفظُ نفسه ولسانه، أي: لا يبتذله فيما لا يعنيه. والظاهر أن المجموع من العامل ومعموله في معنى المانعون، أو غير مبتذلين، ألا ترى كيف جعل "نشدتك الله" في معنى: ما طلبتُ، وكذلك معنى "احفظ علي عنان فرسي": لا تغفل عني، ومنه قولُ الراغب: الحافظون فروجهم إلا على أزواجهم كنايةً عن العقد، أي:

стр. 5509

فإن قلت هلا قيل: من ملكت؟ قلت: لأنه أريد من جنس العقلاء ما يجرى مجرى غير العقلاء وهم الإناث، ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مع قوله: (إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ)، وفيه تنبيه على خسة الشهوة، ولولا بقاء النسل لما أبيحت ونحوه في الاعتبار قوله تعالى: (فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ) [البقرة: ٢٤٩] أي فلم يطيعوه إلا قليلٌ منهم. وقال أبو البقاء: (إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ) في موضع نصب بـ (حَافِظُونَ) على المعنى أي: صانوها عن كل فرج إلا عن فروج أزواجهم. وقال صاحب "الفرائد": الذي ألجأه إلى التطويل استعمال "على" في قوله: (إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ)، ويمكن أن يقال: تقديره: لفروجهم حافظون في كل حال إلا في حال وقوعهم على أزواجهم. الراغب: الحفظ تارةً يقال لهيئة النفس التي بها يثبت ما يؤدي إليه الفهم، وتارة لضبط الشيء في النفس ويضاده النسيان، وتارة لاستعمال تلك القوة، ويقال: حفظت كذا حفظاً ثم يستعمل في كل تفقد وتعهد ورعاية، قال تعالى: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: ٩]، (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ) [الأحزاب: ٣٥] كناية عن العفة: (حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) [النساء: ٣٤]، أي: يحفظن عهد الأزواج عند غيبتهم بسبب أن الله يحفظهن أن يطلع عليهن، (وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) [ق: ٤]، أي: حافظ لأعمالهم، ومعناه: محفوظٌ لا يضيع. قوله: (ما يجري مجرى غير العقلاء وهم الإناث)، المطلع: أجيرين مجرى غير العقلاء لنقصان عقلهن وعلمهن وامتهانهن في خساس الأمور وأنها تُباع وتشترى كسائر الحيوانات. وقال القاضي: وإفرادُ قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) بعد تعميم قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) لأن المباشرة أشهى الملاهي إلى النفس وأعظمها خطراً.

стр. 5510

جعل المستثنى حدا أوجب الوقوف عنده، ثم قال: فمن أحدث ابتغاء وراء هذا الحدّ مع فسحته واتساعه، وهو إباحة أربع من الحرائر، ومن الإماء ما شئت (فَأُولئِكَ هُمُ) الكاملون في العدوان المتناهون فيه. فإن قلت: هل فيه دليل على تحريم المتعة؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (جعل المستثنى حداً أوجب الوقوف عنده)، أي: بالغ في الفسحة والاتساع حيث أضاف الأزواج إليهم، هي ما عهد من قوله: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) [النساء: ٣] الآية، وإليه الإشارة بقوله: "وهو إباحة أربع من الحرائر، ومن الإماء ما شئت"، كأنه قيل: ومن طلب الفسحة أوسع من هذا الذي انتهى غايته فهو المتناهي في العدوان والكامل فيه. دل على الكمال: التعريف في (الْعَادُونَ) فإنه للجنس، وعلى التسجيل: دلالةُ (أُوْلَئِكَ) فإنه دل على أن ما قبله جديرٌ بما بعده لما بين من الفسحة والاتساع. قوله: (على تحريم المتعة)، النهاية: هو النكاح إلى أجل معين، وهو من التمتع بالشيء: الانتفاع به، يقال: تمتعتُ به أتمتعُ تمتعاً، والاسمُ: المتعةُ ينتفع بها إلى أمدٍ معلوم. وقد كان مباحاً في أول الإسلام ثم حُرم، وهو الآن جائزٌ عند الشيعة. وأما قول المصنف: "إذا صح النكاح"، فالمراد: إذا صح النكاحُ، المؤجل فلا يحرمُ، وحين لم يصح بالدلائل الدالة لم يصح بجزم. قال الإمام: رُوي عن القاسم بن محمدٍ أن الآية تدل على تحريم المتعة. وتقريرهُ أنها ليست زوجةً له، فوجب أن لا تحل له، إنما قلنا: إنها ليست زوجةً لأنهما لا يتوارثان بالإجماع، ولو كانت زوجةً له لحصل التوارث، لقوله تعالى: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ) بالنساء: ١٢]، فوجب أن لا تحل له لقوله تعالى: (إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ). وقلتُ: ولا ارتياب أن هذه الصفات جاريةٌ في معرض المدح، وتعظيم أمر المؤمنين،

стр. 5511

قلت: لا، لأنّ المنكوحة نكاح المتعة من جملة الأزواج إذا صحّ النكاح. (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨)) وقرئ: "لأمانتهم". سمى الشيء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهدا. ومنه قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها)] النساء: ٥٨ [وقال (وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ)] الأنفال: ٢٧ [. وإنما تؤدّى العيون لا المعاني، ويخان المؤتمن عليه، لا الأمانة في نفسها. والراعي: القائم على الشيء بحفظ وإصلاح كراعى الغنم وراعى الرعية. ويقال: من راعى هذا الشيء؟ أى متوليه وصاحبه: ويحتمل العموم في كل ما ائتمنوا عليه وعوهدوا من جهة الله تعالى ومن جهة الخلق، والخصوص فيما حملوه من أمانات الناس وعهودهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعلو شأنهم عن أن يتعرضوا للغو المباح، فضلاً عما يزري بمروءتهم، فإن أحداً من ذوي المروءات لا يرضى أن يُفعل ذلك بمحارمه، فيكف يرضى بمحارم غيره من المؤمنين؟ قوله: (وقرئ: "لأمانتهم")، ابن كثير، والباقون: على الجمع. قال القاضي: الإفراد غما لأنها في الأصل مصدرٌ أو لأمن الإلباس. قوله: (سمي الشيء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة)، يعني: حكم الله تعالى بقوله: (لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ) بالرعاية، فينبغي أن يُراد بالأمانة العهد عينان لا مصدران؛ لأن الراعي هو: القائم على الشيء بحفظٍ وإصلاح، لا على المعنى، ومنه قوله- في (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) [النساء: ٥٨]-: "وإنما تُؤدي العيون لا المعاني"، وقوله: " (وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ) [الأنفال: ٢٧] وإنما يُخان المؤتمن عليه، لا المصدر". قوله: (ويحتمل العموم في كل ما ائتمنوا عليه وعوهدوا)، وهو عطفٌ على قوله:

стр. 5512

[(وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ)]. وقرئ (عَلى صَلَواتِهِمْ). فإن قلت: كيف كرّر ذكر الصلاة أوّلا وآخرا؟ قلت: هما ذكران مختلفان فليس بتكرير: ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "سُمي الشيء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة"، فإذاً المرادُ من الأمانة والعهد المصدر، وهو جنسٌ يتناول كل ما يطلق عليه الأمانة أو العهد. ولهذا قال: "من جهة الله ، ومن جهة الخلق". ويؤيد هذا التفسير قراءة الأكثر: (لأَمَانَاتِهِمْ)، قال مكي بن أبي طالب: "أماناتهم": مصدرٌ، وحقه أن لا يُجمع؛ لدلالته على القليل والكثير من جنسه، لكن لما اختلفت أنواعُ الأمانة لوقوعها على الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير ذلك من العبادات، وكذلك حق العباد جاز جمعها؛ لأنها لاختلاف أنواعها شابهت المفعول به، فجمعت كما يجمع المفعول به، وقد أجمعوا على الجمع في قوله تعالى: (أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) [النساء: ٥٨]، وقد قرأ ابن كثير بالتوحيد في (قَدْ أَفْلَحَ)، ودليله إجماعهم على التوحيد في (وَعَهْدِهِمْ)، وهو مصدرٌ مثلها. فعلى هذا يُجعل قوله: (رَاعُونَ) استعارة للاهتمام بشأنها، والمحافظة عليها من أن يخان وينكث، قال الشاعر: أخٌ طاهرُ الاخلاق حلوٌ كأنه … جنى النحل ممزوج بماء غمام يزيد على الأيام صفو مودةٍ … وشدة إخلاص ورعي ذمام قوله: (وقرئ: "على صلاتهم")، حمزة والكسائي، والباقون: بالجمع. قال القاضي: ولفظُ الفعل فيه لما في الصلاة من التجدد والتكرير، ولذلك جمعه أكثر القراء.

стр. 5513

وصفوا أوّلا بالخشوع في صلاتهم، وآخرا بالمحافظة عليها. وذلك أن لا يسهوا عنها، ويؤدّوها في أوقاتها، ويقيموا أركانها، ويوكلوا نفوسهم بالاهتمام بها وبما ينبغي أن تتمّ به أوصافها. وأيضا فقد وحدت أوّلا ليفاد الخشوع في جنس الصلاة أىّ صلاة كانت، وجمعت آخرا لتفاد المحافظة على أعدادها: وهي الصلوات الخمس، والوتر، والسنن المرتبة مع كل صلاة وصلاة الجمعة، والعيدين والجنازة، والاستسقاء، والكسوف والخسوف، وصلاة الضحى، والتهجد وصلاة التسبيح، وصلاة الحاجة، وغيرها من النوافل. [(أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ) ١٠ - ١١]. أى (أُولئِكَ) الجامعون لهذه الأوصاف (هُمُ الْوارِثُونَ) الأحقاء بأن يسموا ورّاثا دون من عداهم، ثم ترجم الوارثين بقوله (الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ) فجاء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وصفوا أولاً بالخشوع في صلاتهم، وآخراً بالمحافظة عليها)، يعني: آخراً الأوصاف وتعدادها لمدح المؤمنين على الأصالة وذكر الصلاة تابعٌ لها، وُصفوا أولاً بالخشوع فيها، وآخراً بالمحافظة عليها، ومن ثم أتى بالموصولة ليدل على الذات، وجُعلت الأوصافُ صلة ليدل على علية استئهال بشارة الفلاح عاجلاً، وإيراث الفردوس آجلاً، نعم، فيه تعظيم شأنها على سبيل الإدماج، وإشارة النص حيث ابتدئ بذكرها، وانتهى إليها، على أن التكرير غير لازم؛ لأن إرادة الجنس غير إرادة الاستغراق، وإليه الإشارة بقوله: "وأيضاً فقد وُحدت أولاً، وجُمعت آخراً"، وخلاصته أن التكرير لإرادة تعليق كل مرة ما لم يعلق به أخرى، والفاء في "فقد وُحدت" كالفاء في قوله: "هما ذكران مختلفان فليس بتكرير". قوله: (أي: (أُوْلَئِكَ) الجامعون لهذه الأوصاف (هُمْ الْوَارِثُونَ) الأحقاء بأن يسموا وراثاً دون من عداهم)، أما معنى الجمع فمن توسيط العاطف بين الصفات المتوالية. وأما

стр. 5514

بفخامة وجزالة لإرثهم لا تخفى على الناظر. ومعنى الإرث: ما مرّ في سورة مريم. أنث الفردوس على تأويل الجنة، وهو: البستان الواسع الجامع لأصناف الثمر. روى أنّ الله بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وجعل خلالها المسك الأذفر. وفي رواية: ولبنة من مسكٍ ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ استحقاقُ تسميتهم بالوراثِ فلما سبق أن أولئك يوجب أن ما بعده جديرٌ بما قبله لاكتسابهم تلك الصفات الجارية عليهم. قال القاضي: الوراثة مستعارة لاستحقاقهم الفردوس من أعمالهم وإن كان بمقتضى وعده مبالغةً فيه. وأما معنى الحصر فمن تعريف الخبر، وتوسيط ضمير الفصل، وفي تتميم ذلك بتعقيب التفصيل للإجمال بإبدال (الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ) من (الْوَارِثُونَ) شأنٌ لا يكتنه كنهه، كما في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: ٦ - ٧]. قوله: (ما مر في سورة مريم)، يعني في قوله تعالى: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) [مريم: ٦]، بل في قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا) [مريم: ٤٠] أي: هم الذين ورثوا أرض الجنة، أي: ملكوها كما يملك الوراث حقوقهم. قال الزجاج: خوطب الناس بما يتعارفون؛ لأنهم يجعلون ما رجع إلى الإنسان ميراثاً ملكاً له. قوله: (وهو البستان الواسع الجامع لأصناف الثمر)، قال الزجاج: الفردوس: أصله رومي، وهو البستان، وكذلك جاء في التفسير، وقد قيل: إن الفردوس تعرفها العرب، وتسمى الموضع الذي فيه كرم: فردوساً. قوله: ٠ لبنةً من ذهب ولبنةً من فضة)، قال الزجاج: روينا عن أحمد بن حنبل في كتابه

стр. 5515

مذرّى وغرس فيها من جيد الفاكهة وجيد الريحان. [(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَاناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ)]. السلالة: الخلاصة، لأنها تسلّ من بين الكدر، و «فعالة» بناء للقلة كالقلامة والقمامة. وعن الحسن: ماء بين ظهراني الطين. فإن قلت: ما الفرق بين (مِن) و (مِنَ)؟ قلت: الأوّل للابتداء، والثاني للبيان، كقوله (مِنَ الْأَوْثانِ). فإن قلت: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "كتاب التفسير": أن الله تعالى بني جنة الفردوس لبنة من ذهب، ولبنةً من فضة، وجعل جبالها المسك الأذفر. قله: (مُذري)، الجوهري: ذررتُ الحب والملح والدواء أذره ذراً: فرقته، ومنه الذريرة. قوله: (لأنها تُسلُّ من بين الكدر)، في "المطلع": السلالة: ما يسل من الشيء ويستخرج. قال صاحب "الديوان": فعالةٌ: اسم لما بقي بعد المصدر، فالسلالة: ما بقي بعد السل، كالنخالة والبراية لما بقي بعد النخل والبري، وفيها دلالةٌ على القلة، فإذا قبضت على الطين بكفك فخرج من بين أصابعك حره وخالصه فهو سلالة. وقال أبو البقاء: (مِنْ طِينٍ) صفة (سُلالَةٍ)، ويجوز أن يتعلق (مِنْ) بـ (سُلالَةٍ) بمعنى: مسلولة، ويمكن أن يُحمل قول الحسن: ماءٌ بين ظهراني الطين، على هذا.

стр. 5516

ما معنى: جَعَلْنا الإنسان نطفة؟ قلت: معناه أنه خلق جوهر الإنسان أوّلا طينا، ثم جعل جوهره بعد ذلك نطفة. القرار: المستقرّ، والمراد الرحم. وصفت بالمكانة التي هي صفة المستقرّ فيها، كقولك. طريق سائر. أو بمكانتها في نفسها، لأنها مكنت بحيث هي وأحرزت. قرئ: (عظما فكسونا العظم)، و (عظاما فكسونا العظام)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ما معنى: جعلنا الإنسان نطفةً)، يعني: كيف قال أولا: (خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ) ثم قال: (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً)؟ وأجاب: أن التعريف في "الإنسان" للجنس، فكأنه قيل: خلقنا جوهر ما يقال له: الإنسان ابتداء من طين، ثم صيرنا بعد ذلك جوهره من نطفة، قال القاضي: يجو أن يكون على حذف المضاف، أي: ثم جعلنا نسله، أي: خلقنا أصل الإنسان من سلالة، وهو آدم، ثم جعلنا نسله، أي: أولاده، من نطفةٍ. قوله: (وصفت بالمكانة التي هي صفة المستقر)، يريد أن قوله: (مَكِينٍ) صفةٌ للنطفة في الأصل، وقد أجري على مكانها ومستقرها، وهو الرحم، إما على الإسناد المجازي نحو: طريقٌ سائرٌ، للمبالغة، أو وُصف الرحم بالمكين، ليؤذن بأن النطفة مكنت بحيث هي في رحم مكين غير منفصل مع ثقل الحمل، أو مُكنت في مكين غير ماجة لها، كأنها أحرزت في حرز حصين، وعلى هذا هو: نكايةٌ، أي: جعلناه نطفةً محروزة. قوله: (قرئ: "عظماً")، أبو بكر وابن عامر، وكذا: "فكسونا العظم"، والباقون: (َعِظَاماً). قال ابن جني: قرأ "عظما" واحداً، (فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ) جماعةً: السلميُّ، وقتادة، والأعرج. وقرأ (َعِظَاماً) جماعةً، "فكسونا العظم" واحداً: مجاهدٌ. أما من وحد فإنه ذهب إلى لفظ إفراد الإنسان والنطفة والعلقة، ومن جمع فنه أراد بأن هذا أمرٌ عام في جميع الناس، وقد شاع عنهم إيقاع المفرد في موضع الجماعة، قال: كلوا في بعض بطنكم تعفوا

стр. 5517

و (عظما فكسونا العظام)، و (عظاما فكسونا العظم). وضع الواحد مكان الجمع لزوال اللبس، لأنّ الإنسان ذو عظام كثيرة (خَلْقاً آخَرَ) أى خلقا مباينا للخلق الأوّل مباينة ما أبعدها، حيث جعله حيوانا وكان جمادا، وناطقا وكان أبكم، وسميعا وكان أصم، وبصيرا وكان أكمه، وأودع باطنه وظاهره - بل كل عضو من أعضائه وكل جزء من أجزائه - عجائب فطرة وغرائب حكمة لا تدرك بوصف الواصف ولا تبلغ بشرح الشارح: وقد احتجّ به أبو حنيفة ﵀ فيمن غصب بيضة فأفرخت عنده قال: يضمن البيضة ولا يرد الفرخ، لأنه خلق آخر سوى البيضة (فَتَبارَكَ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقول الطفيل: في حلقكم عظمٌ وقد شجينا ومن قدم الإفراد نظر إلى اللفظ الذي هو إنسانٌ، وسلالة، ونطفة، ثم عقب بالجماعة لأنها هي الغرض، ومن عكس بادر إليها؛ إذ كانت هي المقصودة، ثم عاد فعامل المفرد بمثله. والأول أجرى على قوانينهم، ألا ترى أنك تقول: من قام وقعدوا إخوانك، لانصرافه عن اللفظ إلى المعنى وضعف: من قاموا وقعد إخوتك؛ لأنك قد انتحيت بالجمع على المعنى، وانصرفت عن اللفظ، فمعاودة اللفظ بعد الانصراف عنه تراجعٌ وانتكاثٌ فاعرفه وابن عليه فإنه كثيرٌ جداً. قوله: (وقد احتج به أبو نيفة فيمن غصب بيضةً فأفرخت عنده، قال: يضمن البيضة، ولا يرد الفرخ لأنه خلقٌ آخر)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظرٌ؛ لأن تضمينه الفرخ؛ لكونه جُزءاً من المغصوب، لا لكونه عينه أو مسمى باسمه. وقال الإمام: قالوا: في الآية

стр. 5518

اللَّهُ) فتعالى أمره في قدرته وعلمه (أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) أى: أحسن المقدّرين تقديرا، فترك ذكر المميز لدلالة (الخالقين) عليه. ونحوه: طرح المأذون فيه في قوله (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ)] الحج: ٣٩ [؛ لدلالة الصلة. وروى عن عمر رضى الله عنه أنّ رسول الله ﷺ لما بلغ قوله (خلقا آخر)، قال: (فتبارك الله أحسن الخالقين). وروي أنّ عبد الله بن سعد بن أبى سرح كان يكتب لرسول الله ﷺ ، فنطق بذلك قبل إملائه، فقال له رسول الله ﷺ «اكتب هكذا نزلت» فقال عبد الله: إن كان محمد نبيا يوحى إليه فأنا نبىّ يوحى إلىّ، فلحق بمكة كافرا، ثم أسلم يوم الفتح. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ دلالةٌ على بطلان قول النظام: إن الإنسان هو الروح، لا البدن، فإنه تعالى بين أن الإنسان هو المركب من هذه الصفات. وعلى بطلان قول الفلاسفة: إن الإنسان شيءٌ لا ينقسم، وإنه ليس بجسم. قوله: (أحسن المقدرين تقديرا)، يريد أن "الخَلْقَ" هاهنا بمعنى: التقدير، كقوله تعالى: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) [المائدة: ١١٠]، أي: تقدر لما سبق من الأطوار المتباينة، قيل: وقوله: "تقديراً" تمييزٌ وليس بتأكيد؛ لأن أفعل التفضيل إنما ينصب النكرات على التمييز خاصة، كقولهم: هذا أكثر منه شيئاً. قوله: (فترك ذكرُ المميز)، كأنه قيل: أحسن الخالقين خالقاً، قال في الحاشية: نظيره: قوله: "إن الله جميلٌ يحب الجمال"، المعنى: جميلٌ فعله محذوف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعاً فاستكن. قوله: (إن كان محمدٌ نبياً يُوحى إليه فأنا نبيٌّ يوحى إليَّ)، القياس فاسدٌ من وجهين،

стр. 5519

[(ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ)]. قرأ ابن أبى عبلة وابن محيصن: (لمائتون). والفرق بين الميت والمائت: أنّ الميت كالحي صفة ثابتة. وأمّا المائت، فيدل على الحدوث. تقول: زيد مائت الآن، ومائت غدا، كقولك يموت. ونحوهما: ضيق وضائق، في قوله تعالى (وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ)] هود: ١٢ [. جعل الإماتة التي هي إعدام الحياة، والبعث الذي هو إعادة ما يفنيه ويعدمه: دليلين أيضا على اقتدار عظيم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أحدهما: اتفاقُ ذلك المقدار سيما إذا تكلم بديهاً يكون من قبيل: رميةٌ من غير رام، فلا يلتفت إليه، وثانيهما: أن التحدي إنما وقع بأقصر سورة. قوله: (جعل الإماتة .. والبعث … دليلين أيضاً على اقتدار عظيم)، أما الإشارةُ إلى كون الإماتة دالة على اقتدار عظيم فما في (ثُمَّ) من معنى التراخي في الرتبة، وتأكيدها بقوله: (بَعْدِ ذَلِكَ)، يعني: من أنشأ إنشاءً لطيفاً، وأبدع تركيباً عجيباً، لا يتسهل عليه إعدامه، وتفكيكُ أجزائه، لكن الله لعظم قدرته، وأن الموجودات لا يتوقف حصولها على شيء إذا تعلقت إرادته بها، كما قال: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: ٨٢]، يفكك ذلك التركيب العجيب الدائر بين تلك الأطوار المتباينة التي تخرق العقول، ويعدم ذلك الإنشاء الغريب الذي من شاهده اضطر إلى قوله: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، ثم ينشئه النشأة الأخرى أبدع ما يكون للاتصال إلى أقصى نهايات المطالب وأما دلالة البعث على الاقتدار العظيم فظاهرة. فإن قلت: أمر الإعادة مما وقع عليه الإنكار من الجم الغفير، فكان قميناً بالتوكيدات، بخلاف الموت، فإن وقوعه من الضروريات، فلم جيء بـ"إن" واللام وبالاسم، لا سيما بالصفة المشبهة فيما ليس فيه الإنكارُ من وجه، وأتى فيما فيه الخلافُ بـ"إنّ" وحدها؟ قلتُ: قد مر أن الكلام في بيان إبداع تلك الخلقة العجيبة الشأن وتقلبها في تلا لأطوار التي تخرق الأوهام والأفكار منها، وفي الإيذان بأن له طوراً آخر هو غايةُ كماله، ولذلك خُلقَ

стр. 5520

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وكُلفَ تلك التكاليف التي ذُكرت في الآيات السابقة، ومن ثم عقبها بها وبينها برزخ الموت ولابد من قطعه للوصول إليه، وكان ذلك التوكيد راجعاً إلى هذا المعنى، ومن ثم كرر (إِنَّكُمْ) ونقل من الغيبة إلى الخطاب، يعني: أن ماهيتك وحقيقتك أيها المخلوق العجيبُ الشأن، تفنى وتُعدمُ، ثم إنها بعينها من الأجزاء المتفرقة، والعظام البالية، والجلود الممزقة المتلاشية في أقطار الشرق والغرب، تبعث وتنشر ليوم الجزاء؛ لإثابة المحسن وعقاب المسيء، فالقرينة الثانية لم تحتج إلى التوكيد افتقار الأولى؛ لأنها كالمقدمة لها وتوكيدها راجعٌ إليها، وقالوا: إنما بولغ في القرينة الأولى لتمادي المخاطبين في الغفلة، فكأنهم نُزلوا منزلة المنكرين لذلك، وأخلى الثانية لوضوح أدلتها وسطوع براهينها. وقلتُ: هذا كلامٌ حسنٌ لو ساعد عليه النظم الفائق وتكرير حرف التراخي المؤذن بتفاوت المراتب والأطوار من لدن قوله: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ) إلى قوله: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ). وأما دلالةُ معنى التوكيد الذي يعطيه "إن" في القرينتين، فكدلالته في قول المؤمن الموحد: (رَبَّنَا آمَنَّا) [آل عمران: ٦٣]، (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا) [آل عمران: ١٩٣]، وفي قول المنافق: (إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) [البقرة: ١٤]، وقد استقصينا القول فيه في أول البقرة، ومحالٌ تصور التمادي في الغفلة من قوله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) [الزمر: ٣٠]، والمخاطب حبيب الله صلوات الله وسلامه عليه، بل هو بشارة ووعدٌ له، وتهديدٌ ووعيدٌ لمخالفيه. وروينا عن مسلم، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسولالهل ﷺ : "من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله، كره الله لقاءه"، والموت قبل لقائه. وفي رواية للبخاري من طريق همام عن قتادة، فقالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت، قال: "ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت، بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيءٌ أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضره الموتُ بُشر بعذاب الله

стр. 5521

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تعالى وعقوبته، فليس شيءٌ أكره إليه مما أمامه"، الحديث. فإذا كانت محبةُ الله منوطةً به، ولقاء الله متوقفاً عليه، فهو إذن مطلوبٌ ضروري. وروى الإمام في "تفسيره": أن إبراهيم الخليل ﵇ قال لملك الموت وقد جاءه لقبض رُوحه: هل رأيت خليلاً يُميتُ خليله؟ فأوحى الله إليه: هل رأيت خليلاً يكره لقاء خليله؟ فقال: يا ملك الموت، الآن فاقبض. الراغبُ: الموتُ: أحد الأسباب الموصلة إلى النعيم الأبدي، والكمال السرمدي، وهو وإن كان في الظاهر فناء واضمحلالاً، فهو في الحقيقة انتقالٌ من منزل أدنى إلى منزل أعلى، ولم يكرهه إلا أحد رجلين: رجلٌ لا يؤمن بالآخرة، وآخر يؤمنُ، ولكن يخاف ذنبه، وأما المؤمن الصالح فالموت ذريعةٌ له إلى السعادة الكبرى؛ لأنه بابٌ من أبواب الجنة منه يتوصلُ إليها، ولو لم يكن لم تكن الجنة، فإذن لا يكون شيءٌ أحب إليه من تمنيه، قال الله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة: ٩٤]، ولهذا مَنّ الله تعالى على عباده بقوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ) [الملك: ١ - ٢]، وقدم الموت على الحياة. وإنما مَنّ به؛ لأنه نعمةٌ؛ لأن السبب الذي يُتوصلُ به إلى النعمة نعمةٌ، وعلى ذلك قوله تعالى: (ثُمَّ أَنشَانَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) [المؤمنون: ١٤ - ١٦] فنبه تعالى وتقدس أن هذه التغييرات حُسنٌ، ثم نقض هذه البُنية لإعادتها على وجهٍ أشرف وأحسن، وعلى هذا رُوي: "الدنيا سجنُ المؤمن

стр. 5522

بعد الإنشاء والاختراع. فإن قلت: فإذا لا حياة إلا حياة الإنشاء وحياة البعث. قلت: ليس في ذكر الحياتين نفى الثالثة وهي حياة القبر، كما لو ذكرت ثلثي ما عندك وطويت ذكر ثلثه لم يكن دليلا على أن الثلث ليس عندك. وأيضا فالغرض ذكر هذه الأجناس الثلاثة: الإنشاء والإماتة والإعادة، والمطوى ذكرها من جنس الإعادة. [(وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ) ١٧]. الطرائق: السماوات، لأنه طورق بعضها فوق بعض كمطارقة النعل، وكل شيء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وجنةُ الكافر"، ولما مات داودُ الطائي سُمع هاتفٌ يهتفُ: أُطلق داودُ من السجن. هذا خلاصةُ كلامه من "تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين"، والله تعالى أعلم. قوله: (والمطوي ذكرها من جنس الإعادة)، وقلت: قد مر أن الكلام واردٌ في الإنشاء والإعادة، وذكرُ الموت تابعٌ لذكرها، وليس في بيان إثبات حياة القبر. قوله: (لأنه طورق بعضها فوق بعض كمطارقة النعل)، النهاية: طارق النعل: إذا صيرها طاقاً وق طاق، وركب بعضها فوق بعض. اولتشبيه هاهنا واقعٌ في مجرد تصييرها طاقاً فوق طاق، دون اللصوق. روينا عن الإمام أحمد بن حنبل والترمذي، عن أبي هريرة قال: بينما النبي ﷺ جالسٌ وأصحابه قال: "هل تدرون ما فوقكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها الرقيعُ، سقفٌ محفوظٌ وموجٌ مكفوف"، قال: "هل تدرون مابينكم وبينها؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "سماءان بُعدُ ما بينهما خمسُ مئة سنة". ثم قال كذلك حتى عد سبع سموات، وما بن كل سماءين ما بين السماء والأرض، ثم قال: "هل تدرون ما فوق ذلك؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "وإن فوق ذلك العرش، وبينه وبين السماء بُعْدُ السماءين". الحديث.

стр. 5523

فوقه مثله فهو طريقة: أو لأنها طرق الملائكة ومتقلباتهم: وقيل: الأفلاك، لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها: أراد بالخلق السماوات، كأنه قال: خلقناها فوقهم (وَما كُنَّا) عنها (غافِلِينَ) وعن حفظها وإمساكها أن تقع فوقهم بقدرتنا: أو أراد به الناس وأنه إنما خلقها فوقهم ليفتح عليهم الأرزاق والبركات منها، وينفعهم بأنواع منافعها، وما كان غافلا عنهم وما يصلحهم. [(وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ) ١٨]. (بِقَدَرٍ) بتقدير يسلمون معه من المضرة، ويصلون إلى المنفعة. أو بمقدار ما علمناه من حاجاتهم ومصالحهم. (فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ) كقوله (فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ)] الزمر: ٢١ [وقيل: جعلناه ثابتا في الأرض. وقيل: إنها خمسة أنهار: سيحون نهر الهند. وجيحون: نهر بلخ، ودجلة والفرات: نهرا العراق. والنيل: نهر مصر، أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة، فاستودعها الجبال، وأجراها في الأرض، وجعل فيها منافع للناس في أصناف معايشهم. وكما قدر على إنزاله فهو قادر على رفعه وإزالته. وقوله (عَلى ذَهابٍ بِهِ) من أوقع النكرات وأحزها للمفصل. والمعنى: على وجه من وجوه الذهاب به وطريق من طرقه. وفيه إيذان باقتدار المذهب، وأنه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: الأفلاك)، أي: وقيل: الطرائقُ: الأفلاك، والفرقُ أن المظلة إذا اعتُبرت فيها الأطباقُ، أو طرقُ الملائكة، سميت سماوات، وإذا نُظر إلى الكواكب ومسائرها، سُميت أفلاكاً، لقوله تعالى: (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [الأنبياء: ٣٣]. قوله: (أو أراد به الناس)، عطفٌ على قوله: "أراد بالخلق السماوات"، يعني: "الخَلْقُ": إما مُظهرٌ أقيم مقام الضمير؛ للإشعار بأنه تعالى خلق السماوات عن حكمة، وأنها محفوظةٌ بحفظه وإمساكه. وإما مصدرٌ بمعنى مخلوق؛ للإشعار بفضيلة الإنسان، وأن هذه المخلوقات العظام أُوجدت لمنافعه ديناً ودنيا امتناناً عليهم، وعلى التقديرين يلزمُ تعظيمُ ما يُرادُ منه. قوله: (على وجه من وجوه الذهاب به)، وذلك أن التنكير فيه يدلُّ على تفخيم شأن

стр. 5524

لا يتعايا عليه شيء إذا أراده، وهو أبلغ في الإيعاد، من قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَاتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ)] الملك: ٣٠ [. فعلى العباد أن يستعظموا النعمة في الماء ويقيدوها بالشكر الدائم، ويخافوا نفارها إذا لم تشكر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الذهاب، أي: ذهابٌ لا يكتنهُ كنهه ولا يقادر قدره، بحيثُ إن تُصورَ أن ينقلب الماءُ إلى ضده، لجاز ذلك، كقوله تعالى: (يَوْمَ تَاتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) [الدخان: ١٠]. قال المصنف: إن قريشاً لما استعصت على رسول الله ﷺ دعا عليهم بالجدب، فأصابهمُ الجهدُ، وكان يرى الرجل بين السماء والأرض الدخان. ومنه قولُ المعري: القاتل المحل إذ تبدو السماء لنا … كأنها من نجيع الجدب في أزر وهو المراد من قوله: فهو قادرٌ على رفعه وإزالته"، وهذه المبالغة يقتضيها مقامُ الإيعاد العظيم؛ لأن الآية مسوقةٌ بعد تعداد نعمتي الأنفس والآفاق، واستجلاب الشكر لها، والتحذير من كُفرانها، ولذلك أكد الجملة بأنواع من المؤكدات، حيثُ جيء بها اسميةً مصدرةً بأن مؤكدةً باللام، وقدم المعمول على العامل، وأتى بصيغة الكبرياء والعظمة وهي ضمير الجماعة، وبالجارة الدالة على الاستصحاب، أي: يأخذ الله معه ويمسكه عنده، وما يمسك فلا مرسل له من بعده، ولما تضمنت الآية هذه الاعتبارات قال: "هو أبلغ في الإيعاد من قوله تعالى: (إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً) [الملك: ٣٠] "، لأن غور الماء بنفسه ليس كإذهاب الله تعالى إياه وأنها خليةٌ عن المؤكدات، وأنها مسندٌ فيها الغور إلى الماء المضاف إليهم، ومقيد بأصبح، وهو للانتقال هنا، وليس تنكيرُ غوراً كتنكير ذهاب؛ لأنه للجنس، وهو ما يعلمه كل أحدٍ أن الغور ما هو، وهذا للنوع كما مر. ولم أقل: إن الشرط فيها يدلُّ على الفرض والتقدير، لويس في هذه، لأن كلتا الجملتين واردةٌ للإيعاد، فلا وقوع إذن، نعم، دلالةُ هذه على تقدير وقوعها أبلغ. قوله: (لا يتعايا عليه شيء)، الجوهري: أعيا عليه الأمرُ، وتعيا وتعايا: بمعنى، وعييتُ بأمري: إذا لم تهتد لوجهه، وأعياني.

стр. 5525

[(فَأَنْشَانا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَاكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ) ١٩ - ٢٠]. خصّ هذه الأنواع الثلاثة، لأنها أكرم الشجر وأفضلها وأجمعها للمنافع. ووصف النخل والعنب بأنّ ثمرهما جامع بين أمرين: بأنه فاكهة يتفكه بها، وطعام يؤكل رطبا ويابسا، رطبا وعنبا، وتمرا وزبيبا. والزيتون بأنّ دهنه صالح للاستصباح والاصطباغ جميعا. ويجوز أن يكون قوله (وَمِنْها تَاكُلُونَ) من قولهم: يأكل فلان من حرفة يحترفها، ومن ضيعة يغتلها، ومن تجارة يتربح بها: يعنون أنها طعمته وجهته التي منها يحصل رزقه، كأنه قال: وهذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعايشكم، منها ترتزقون وتتعيشون (وَشَجَرَةً) عطف على (جنات). وقرئت مرفوعة على الابتداء، أى: ومما أنشئ لكم شجرة طُورِ سَيْناءَ وطور سينين، لا يخلو إما أن يضاف فيه الطور إلى بقعة اسمها سيناء وسينون، وإمّا أن يكون اسما للجبل مركبا من مُضافٍ ومضافٍ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يأكل فلانٌ من حرفةٍ يحترفُها)، فـ"مِن" - على هذا-: ابتدائيةٌ، والمفعولُ محذوف، ولهذا قال: إنها جهتُه التي منها يحصل رزقه، وعلى الأول: تبعيضيةٌ، وهو المفعولُ به، وإليه الإشارةُ بقوله: "إنه فاكهةٌ يتفكه بها، وطعامٌ يؤكل، وذلك بحسب المتنعمين والمتقنعين بالقوت". في المطلع: من هذه: للتبعيض، لأن ما يسقطُ منها غير يانع يفسد غيرُ مأكول، ولأن بعض أجزاء الفواكه يصلح لبني آدم، وبعضها للداوب. قوله: (طعمتُه)، الجوهري: الطعمةُ بالضم: المأكلةُ، يقالُ: جعلت هذه الضيعة طُعمةً لفلان، والطعمةُ أيضاً: وجه المكسب، يقالُ: فلانٌ عفيفُ الطعمة وخبيثُ الطعمة، إذا كان رديء الكسب. أبو عبيدة: فلانٌ حسنُ الطعمة، بالكسر. المُغرب: الطعمةُ بالضم: الرزقُ، يقال: جعل السلطانُ ناحية كذا طُعمةً لفلان.

стр. 5526

إليه، كامرئ القيس، وكبعل بك، فيمن أضاف. فمن كسر سين "سيناء" فقد منع الصرف للتعريف والعجمة أو التأنيث، لأنها بقعة، وفعلاء لا يكون ألفه للتأنيث كعلباء وحرباء. ومن فتح فلم يصرف، لأنّ الألف للتأنيث كصحراء. وقيل: هو جبل فلسطين. وقيل: بين مصر وأيلة. ومنه نودي موسى ﵇. وقرأ الأعمش: (سينا) على القصر (بِالدُّهْنِ) في موضع الحال، أى: تنبت وفيها الدهن. وقرئ: (تنبت). وفيه وجهان، أحدهما: أن أنبت بمعنى نبت. وأنشد لزهير: رأيت ذوى الحاجات حول بيوتهم … قطينا لهم حتّي إذا أنبت البقل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فمن كسر سين "سيناء")، ابن عامر وحمزةُ وعاصمٌ الكسائي. والباقون: فتحوها. قوله: (كعلباء)، الجوهري: هو عصبُ العنق. والحرباء: أكبر من العظاءة شيئاً، يستقبل الشمس ويدور معها كيف ما دارت ويتلونُ ألواناً نحو الشمس، وهو ذكرُ أم حُبينٍ، والجمعُ الحرابيُّ، والأنثى حرباءُ. قوله: (وقر: "تُنبتُ")، ابن كثير وأبو عمرو. قوله: (رأيت ذوي الحاجات)، البيت، رأيت: على الخطاب، تصحيح الصغاني. ذوو الحاجات: الفقراء والمساكين. قطيناً، أي: مقيماً، جمع قاطن، والقطينُ: الخدمُ والأتباع. يقولُ: رأيت ذوي الحاجات مقيمين حول بيوتهم؛ لقضاء حوائجهم، حتى إذا نبت البقلُ وظهر الخصبُ، فينتجعون وينفضون من حولها.

стр. 5527

والثاني: أنّ مفعوله محذوف، أى: تنبت زيتونها وفيه الزيت. وقرئ: (تنبت)، بضم التاء وفتح الباء، وحكمه حكم (تنبت). وقرأ ابن مسعود: (تخرج الدهن وصبغ الآكلين). وغيره: (تخرج بالدهن): وفي حرف أبىّ: (تثمر بالدهن). وعن بعضهم: (تنبت بالدهان). وقرأ الأعمش: (وصبغا) وقرئ و (صباغ). ونحوهما: دبغ ودباغ. والصبغ: الغمس للائتدام. وقيل: هي أوّل شجرة نبتت بعد الطوفان، ووصفها الله تعالى بالبركة في قوله (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ) [النور: ٣٥]. [(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَاكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) ٢١ - ٢٢]. قرئ: (تسقيكم)، بتاء مفتوحة، أى: تسقيكم الأنعام (وَمِنْها تَاكُلُونَ) أى تتعلق بها منافع من الركوب والحمل وغير ذلك، كما تتعلق بما لا يؤكل لحمه من البغال والحمير والخيل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال الحريري: قيلَ في جواز الجمع بين حرفي التعدية في قراءة ضم التاء عدةُ أقوال، والأحسنُ إنما زيدت الباءُ لأن إنباتها الدُّهن بعد إنبات الثمر الذي يخرجُ الدُّهنُ منه، فلما كان الفعلُ في المعنى قد تعلق بمفعولينَ يكونان في حالٍ بعد حال وهُما الثمرةُ والدُّهنُ احتيج إلى تقويته في التعدي بالباء. قوله: ("تُنبتُ" بضم التاءِ وفتح الباء)، قال ابنُ جِنِّي: وهي قراءةُ الزُّهريِّ والحسنِ والأعرج. أي: يُنبتُ الماءُ شجرة، ونحن نعلمُ أن الدُّهنَ لا ينبتُ الشجرة وإنما ينبتها الماءُ، وكذلك أيضاً قراءةُ عبد الله: "تخرجُ الدُّهنَ"، أي: تخرجُ من الأرضِ ودهنُها فيها. قوله: (تنبتُ بالدهان)، الجوهري: الدهانُ: جمعُ دُهن، يقال: دهنته بالدهان.

стр. 5528

وفيها منفعة زائدة، وهي الأكل الذي هو انتفاع بذواتها، والقصد بالأنعام إلى الإبل لأنها هي المحمول عليها في العادة، وقرنها بالفلك - التي هي السفائن - لأنها سفائن البرّ. قال ذو الرمة: سفينة برّ تحت خدّى زمامها يريد صيدحه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفيها منفعةٌ زائدةٌ، وهي الكلُ الذي هو انتفاعٌ بذواتها)، يعني: عطفَ قوله: (وَمِنْهَا تَاكُلُونَ) على قوله: (وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ) وقدم الظرف على عامله، ليُشعرِ بالأولِ الاشتراك بسائر الحيوانات التي تُناسبها في المنافع، وبالثاني اختصاصها بمنفعةٍ زائدة، وكذا عطف قوله: (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ)؛ ليؤذن بأن المراد من قوله: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً) الإبلُ لا غير، فحينئذٍ نظمُ الآيات قريبٌ من نظم قوله تعالى: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) [الغاشية: ١٧] الآية. فإن قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنْ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) إلى قوله تعالى: (وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ) تفصيلٌ لقوله تعالى: (وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) [الغاشية: ١٩ - ٢٩]، وقوله: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً) إلى قوله تعالى: (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) تفصيلٌ لقوله تعالى: (إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) [الغاشية: ١٧]، وإنما دخل الجبالُ، وإن لم يُنص عليها في التنزيل، لأن قوله تعالى: (فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ) يدل عليها، وإليه الإشارة بقوله: "فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض". قوله: (سفينةُ برٍّ)، في المطلع: ألا خيلت ميٌّ وقد نام صحبتي … فما نفر التهويم إلا سلامُها طروقاً وجلبُ الرحلِ مشدودةٌ به … سفينةُ بر تحت خدي زمامها صيدح: علمُ ناقةِ ذي الرُّمة. خيلت: أي: أرت خيالها، وصحبتي: فاعلُ نام. نفره

стр. 5529

[(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ* فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ* إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ)]. (غَيْرُهُ) بالرفع على المحل، وبالجرّ على اللفظ، والجملة استئناف تجرى مجرى التعليل للأمر بالعبادة (أَفَلا تَتَّقُونَ) أفلا تخافون أن ترفضوا عبادة الله الذي هو ربكم وخالقكم ورازقكم، وشكر نعمته التي لا تحصونها واجب عليكم، ثم تذهبوا فتعبدوا غيره مما ليس من استحقاق العبادة في شيء (أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ) أن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأنفره: بمعنى. والتهويمُ: أولُ النوم. طروقاً: يقال: ناقةٌ طروقة الفحل التي قد بلغت أن يضربها الفحلُ، وهو مفعولُ "خيلت". جِلبُ الرحل بالجيم المكسورة: عيدانُه. قوله: (وبالجر على اللفظ)، أي: قرئ: "غيرهِ" بالجر حملاً على اللفظ، قرأها الكسائي وحده. قوله: (والجملة استئناف)، أي: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)، وذلك أنه لما قال: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ) أي: خُصوهُ بالعبادة قالوا: لم تأمرُ بعبادته وحده؟ قال: لأنه (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) فدل اختصاص الجواب على اختصاص ما بُني له الكلامُ، وأن مقام الخطاب مع المشركين استدعى الاختصاص. قال القاضي: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً) إلى آخر القصص: مسوقٌ لبيانِ كفرانِ الناسِ ما عدد عليهم من النعم المتلاحقة، وما حاقهم من زوالها. وقد يجيء الكلامُ في بيان النظم عند قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) [المؤمنون: ٥٧] إن شاء الله تعالى.

стр. 5530

يطلب الفضل عليكم ويرأسكم، كقوله تعالى (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ)] يونس: ٧٨ [. (بِهذا) إشارة إلى نوح ﵇، أو إلى ما كلهم به من الحث على عبادة الله، أى: ما سمعنا بمثل هذا الكلام، أو بمثل هذا الذي يدعى -وهو بشر- أنه رسول الله، وما أعجب شأن الضلال لم يرضوا للنبوّة ببشر وقد رضوا للإلهية بحجر: وقولهم (ما سَمِعْنا بِهذا) يدل على أنهم وآباؤهم كانوا في فترة متطاولة. أو تكذبوا في ذلك لانهماكهم في الغى، وتشمرهم لأن يدفعوا الحق بما أمكنهم وبما عنّ لهم، من غير تمييز منهم بين صدق وكذب. ألا تراهم: كيف جننوه وقد علموا أنه أرجح الناس عقلا وأوزنهم قولا؟ ! . والجنة: الجنون أو الجنّ، أى: به جنّ يخبلونه (حَتَّى حِينٍ) أى احتملوه واصبروا عليه إلى زمان، حتى ينجلي أمره عن عاقبة، فإن أفاق من جنونه وإلا قتلتموه. [(قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) ٢٦ - ٣٠]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ألا تراهم كيف جننوه)، بيانٌ لقوله: "أو تُكذبوا في ذلك" يعني: قوله: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ) تكذيبٌ وعنادٌ؛ لانهماكهم في الغي، ألا ترى كيف عقبوهُ بقولهم: (إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) والحالُ أنهم قد علموا أنه أعقلُ الناس؟ قوله: (يُخبلونه)، الجوهري: الخبلُ بالتسكين: الفسادُ، الخبلُ بالتحريك: الجِنّ، يقال: به خبلٌ، أي شيءٌ من أهل الأرض.

стр. 5531

في نصرته إهلاكهم، فكأنه قال: أهلكهم بسبب تكذيبهم إياى، أو انصرني بدل ما كذبوني، كما تقول: هذا بذاك، أى بدل ذاك ومكانه. والمعنى: أبدلنى من غمّ تكذيبهم، سلوة النصرة عليهم. أو انصرني بإنجاز ما وعدتهم من العذاب، وهو ما كذبوه فيه حين قال لهم (إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)] الأعراف: ٥٩ [. (بِأَعْيُنِنا) بحفظنا وكلاءتنا، كأن معه من الله حفاظا يكلئونه بعيونهم، لئلا يتعرض له ولا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في نُصرته إهلاكهم)، يعني: "انصُرني": مجازٌ عن إهلاكهم؛ لأن في نُصرته إهلاكهم، إطلاقاً لاسم السبب على المسبب. قوله: (أبدلني من غم تكذيبهم، سلوة النُّصرة)، أي: "انصُرني" متضمنٌ لمعنى: أبدلني، باستعانة الباء، ولهذا أوقع النصرة مفعولاً به مع حذف المضاف. قوله: (أو انصُرني بإنجاز ما وعدتهم)، فعلى هذا متعلقُ "انصُرني" محذوفٌ، والباءُ سببيةٌ، كما في الوجه الأول. قال صاحب "الفرائد": يكفي أن يقال: انصرني بنزول العذاب عليهم بسبب تكذيبهم إياي. قوله: (وهو ما كذبوه فيه)، يعني: دل إضافة (كَذَّبُوهُ) على تكذيب معهود كذبوه، وهو ما عُلم في سورة الأعراف من قوله: (فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) [الأعراف: ٦٤] عندما قال ﵇: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [الأعراف: ٥٩] إلى آخرها، وعُلمَ من هذا البيان أن الفاء في قوله تعالى: (فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ) فاءٌ فصيحةٌ، أي: فكذبوه فقال: (رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ) فأوحينا إليه: (أَنْ اصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا) إلى قوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ) فامتثل مقتضى ما أوحيناه فأنجيناه والذين معه. قوله: ((بِأَعْيُنِنَا) بحفظنا وكلاءتنا)، يعني: استعير لهذه الكلمة تلك الكلمة؛ ليؤذن بأنه ﵇ كان بحفظ من الله وكلاءةٍ، بحيث يقدرُ منه أنه تعالى جرد من نفسه المقدسة المبرأة: عن كل ما لا يليق بجلالته جماعةً حفاظاً يكلؤونه بعيونهم، كما تقول: كان معك من زيدٍ أسدٌ.

стр. 5532

يفسد عليه مفسد عمله. ومنه قولهم عليه من الله عين كالئة (وَوَحْيِنا) أى نأمرك كيف تصنع ونعلمك. روى أنه أوحى إليه أن يصنعها على مثال جؤجؤ الطائر. روى أنه قيل لنوح ﵇: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته فركب. وقيل: كان تنور آدم ﵇، وكان من حجارة، فصار إلى نوح. واختلف في مكانه، فعن الشعبي: في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة، وكان نوح عمل السفينة وسط المسجد. وقيل: بالشام بموضع يقال له عين وردة. وقيل بالهند. وعن ابن عباس رضى الله عنه: التنور وجه الأرض. وعن قتادة: أشرف موضع في الأرض، أى أعلاه. وعن على رضى الله عنه: فار التنور: طلع الفجر. وقيل: معناه أن فوران التنور كان عند تنوير الفجر. وقيل: هو مثل، كقولهم: حمى الوطيس. والقول هو الأوّل. يقال: سلك فيه: دخله. وسلك غيره، وأسلكه. قال: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (جؤجؤ الطائر)، الجوهري: جؤجؤ الطائر والسفينة: صدورهما، الجميع: الجآجئ. قوله: (فار التنور: طلع الفجر)، كأنه قيل: فار التنور من الأرض، وطلع الفجرُ من السماء، فيكون قوله: "وقيل: معناه" تفسيراً لقول عليٍّ ﵁. المُغرب: التنورُ: مصدرُ نور بالفجر: إذا صلاها في التنوير. وقيل: أصله: ونورٌ، قُلبت الواو تاء كما في تراثٍ وتخمة. الأساس: أنار السراج ونوره، وتنور النار: تبصرها وقصدها. قوله: (هو مثلٌ، كقولهم: حمي الوطيس)، النهاية: الوطيس: التنورُ. هو كنايةٌ عن شدة الأمر، واضطرام الحرب. ويقالُ: أول من قالها النبي ﷺ لما اشتد البأس يوم حُنين.

стр. 5533

حتّى إذا أسلكوهم في قتائده (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ) من كل أمّتى زوجين، وهما أمة الذكر وأمّة الأنثى، كالجمال والنوق، والحصن والرماك (اثْنَيْنِ) واحدين مزدوجين، كالجمل والناقة، والحصان والرمكة: روى أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض. وقرئ: (من كل)، بالتنوين، أى: من كل أمّة زوجين. و (اثنين): تأكيد وزيادة بيان. جيء ب"على" مع سبق الضارّ، كما جيء باللام مع سبق النافع. قال الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى)] الأنبياء: ١٠١ [، (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ)] الصافات: ١٧١ [ونحوه قوله تعالى (لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ)] البقرة: ٢٨٦ [وقول عمر رضى الله عنه: ليتها كانت كفافا، لا علىّ ولا لي. فإن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حتى إذا أسلكوهم في قتائدةٍ)، تمامه: شلاً كما تطردُ الجمالةُ السُّردا قيل: البيتُ لعبد منافٍ الهذلي، قتائدة - بضم القاف، والتاء المثناة من فوق-: ثنيةٌ معروفة. والشلُّ: الطردُ، أي: يشلون شلاً، والجمالُ: صاحبُ الجمل والجمالةُ. وناقةٌ شرودةٌ: سائرةٌ في البلاد. يصفُ جيشاً هزموهم وطردوهم حتى أسلوهم في هذه الثنية، كما تطرد الجمالة النوق الشُّرد النافرة. قيل: هذا البيت آخر القصيدة، فلا جواب لقوله: إذا أسلكوهم. وقيل: قوله: شلا، جوابٌ. أي: حتى إذا أسلكوهم شلوهم شلاً، فاكتفى بالمصدر عن الفعل. قوله: (والرماك)، الجوهري: الرمكة: الأنثى من البراذين، والجمعُ رِماك. قوله: (ليتها كانت كفافاً، لا عليّ ولا ليا)، النهاية: وفي حديث عمر ﵁:

стр. 5534

قلت: لم نهاه عن الدعاء لهم بالنجاة؟ قلت: لما تضمنته الآية من كونهم ظالمين، وإيجاب الحكمة أن يغرقوا لا محالة، لما عرف من المصلحة في إغراقهم، والمفسدة في استبقائهم، وبعد أن أملى لهم الدهر المتطاول فلم يزيدوا إلا ضلالا، ولزمتهم الحجة البالغة لم يبق إلا أن يجعلوه عبرة للمعتبرين. ولقد بالغ في ذلك حيث أتبع النهى عنه، الأمر بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم، كقوله (فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)] الأنعام: ٤٥ [، ثم أمره أن يدعوه بدعاء هو أهم وأنفع له، وهو طلب أن ينزله في السفينة أو في الأرض عند خروجه منها، منزلا يبارك له فيه ويعطيه الزيادة في خير الدارين، وأن يشفع الدعاء بالثناء عليه المطابق لمسألته، وهو قوله (وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ). فإن قلت: هلا قيل: فقولوا، لقوله (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ) لأنه في معنى: فإذا استويتم؟ قلت: لأنه نبيهم وإمامهم، فكان قوله قولهم، مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوّة وإظهار كبرياء الربوبية، وأن رتبة تلك المخاطبة لا يترقى إليها إلا ملك أو نبىّ. وقرئ: (منزلا)، بمعنى إنزالا، أو موضع إنزال، كقوله: (ليدخلنهم مدخلا يرضونه)] الحج: ٥٩ [. "إِنَّ" هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بين النافية وبينها في المعنى، وإن الشأن والقصة كُنَّا َمُبْتَلِينَ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "وددت أني سلمتُ من الخلافة كفافاً، لا علي ولا لي". الكفافُ: هو الذي يفضلُ عن الشيء، ويكون بقدر الحاجة. والنصبُ على أنه حالٌ، وقيل: أراد به مكفوفاً عني شرُها. قوله: (وأن رُتبة تلك المخاطبة)، عطفٌ على سبيل البيان على قوله: "بفضل النبوة". قوله: (وقرئ: (مُنْزَلاً))، أبو بكرٍ: "منزلاً" بفتح الميم وكسر الزاي، والباقون: بضم الميم وفتح الزاي.

стр. 5535

أى مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد. أي: مختبرين بهذه الآيات عبادنا لننظر من يعتبر ويذكر، كقوله تعالى: (وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) [القمر: ١٥]. [(ثُمَّ أَنْشَانا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ) ٣١ - ٣٢]. (قَرْناً آخَرِينَ) هم عاد قوم هود: عن ابن عباس رضى الله عنهما. وتشهد له حكاية الله تعالى قول هود: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ)] الأعراف: ٦٩ [، ومجيء قصة هود على أثر قصة نوح في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء. فإن قلت: حق "أرسل" أن يعدى ب"إلى"، كأخواته التي هي: وجه، وأنفذ، وبعث. فما باله عدّى في القرآن ب"إلى" تارة، وب"في" أخرى، كقوله: (كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ)] الرعد: ٣٠ [، (وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ)] سبأ: ٣٤ [. (فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا) أى في عاد. وفي موضع آخر (وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً)] الأعراف: ٦٥ [؟ قلت: لم يعدّ ب"في" كما عدّى ب"إلى"، ولم يجعل صلة مثله، ولكن الأمّة أو القرية جعلت موضعا للإرسال، كما قال رؤبة: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ببلاءٍ عظيم وعقابٍ شديد)، دل على ذلك صيغةُ التعظيم في قوله: (وَإِنْ كُنَّا)، ودل "إنْ" المخففة واللامُ على إيجاب إيقاع البلاء. قوله: (كقوله: (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ))، قال: "الضمير في (تَرَكْنَاهَا) للسفينة، أو للفعلة، أي: جعلناها آية يعتبرُ بها". قوله: (هم عادٌ قومُ هود)، أي: ضميرُ "هم" في قوله: (مِنْ بَعْدِهِمْ) لعادٍ قوم هُود. قال القاضي: هم عادٌ، أو ثمودُ، والرسول هو هودٌ أو صالحٌ ﵉. قوله: (ولم يُجعل صلةً مثله، ولكن الأمة أو القرية جعلت موضعاً للإرسال، يعني: ليست "في" للتعدية مثل "إلى"، لكن: رفٌ له، اقتطع "أرسلنا" من صلته، وجُعل مطلقاً،
следующие страницы →