← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

في نصرته إهلاكهم، فكأنه قال: أهلكهم بسبب تكذيبهم إياى، أو انصرني بدل ما كذبوني، كما تقول: هذا بذاك، أى بدل ذاك ومكانه. والمعنى: أبدلنى من غمّ تكذيبهم، سلوة النصرة عليهم. أو انصرني بإنجاز ما وعدتهم من العذاب، وهو ما كذبوه فيه حين قال لهم (إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)] الأعراف: ٥٩ [. (بِأَعْيُنِنا) بحفظنا وكلاءتنا، كأن معه من الله حفاظا يكلئونه بعيونهم، لئلا يتعرض له ولا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في نُصرته إهلاكهم)، يعني: "انصُرني": مجازٌ عن إهلاكهم؛ لأن في نُصرته إهلاكهم، إطلاقاً لاسم السبب على المسبب. قوله: (أبدلني من غم تكذيبهم، سلوة النُّصرة)، أي: "انصُرني" متضمنٌ لمعنى: أبدلني، باستعانة الباء، ولهذا أوقع النصرة مفعولاً به مع حذف المضاف. قوله: (أو انصُرني بإنجاز ما وعدتهم)، فعلى هذا متعلقُ "انصُرني" محذوفٌ، والباءُ سببيةٌ، كما في الوجه الأول. قال صاحب "الفرائد": يكفي أن يقال: انصرني بنزول العذاب عليهم بسبب تكذيبهم إياي. قوله: (وهو ما كذبوه فيه)، يعني: دل إضافة (كَذَّبُوهُ) على تكذيب معهود كذبوه، وهو ما عُلم في سورة الأعراف من قوله: (فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) [الأعراف: ٦٤] عندما قال ﵇: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [الأعراف: ٥٩] إلى آخرها، وعُلمَ من هذا البيان أن الفاء في قوله تعالى: (فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ) فاءٌ فصيحةٌ، أي: فكذبوه فقال: (رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ) فأوحينا إليه: (أَنْ اصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا) إلى قوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ) فامتثل مقتضى ما أوحيناه فأنجيناه والذين معه. قوله: ((بِأَعْيُنِنَا) بحفظنا وكلاءتنا)، يعني: استعير لهذه الكلمة تلك الكلمة؛ ليؤذن بأنه ﵇ كان بحفظ من الله وكلاءةٍ، بحيث يقدرُ منه أنه تعالى جرد من نفسه المقدسة المبرأة: عن كل ما لا يليق بجلالته جماعةً حفاظاً يكلؤونه بعيونهم، كما تقول: كان معك من زيدٍ أسدٌ.

стр. 5532

يفسد عليه مفسد عمله. ومنه قولهم عليه من الله عين كالئة (وَوَحْيِنا) أى نأمرك كيف تصنع ونعلمك. روى أنه أوحى إليه أن يصنعها على مثال جؤجؤ الطائر. روى أنه قيل لنوح ﵇: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته فركب. وقيل: كان تنور آدم ﵇، وكان من حجارة، فصار إلى نوح. واختلف في مكانه، فعن الشعبي: في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة، وكان نوح عمل السفينة وسط المسجد. وقيل: بالشام بموضع يقال له عين وردة. وقيل بالهند. وعن ابن عباس رضى الله عنه: التنور وجه الأرض. وعن قتادة: أشرف موضع في الأرض، أى أعلاه. وعن على رضى الله عنه: فار التنور: طلع الفجر. وقيل: معناه أن فوران التنور كان عند تنوير الفجر. وقيل: هو مثل، كقولهم: حمى الوطيس. والقول هو الأوّل. يقال: سلك فيه: دخله. وسلك غيره، وأسلكه. قال: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (جؤجؤ الطائر)، الجوهري: جؤجؤ الطائر والسفينة: صدورهما، الجميع: الجآجئ. قوله: (فار التنور: طلع الفجر)، كأنه قيل: فار التنور من الأرض، وطلع الفجرُ من السماء، فيكون قوله: "وقيل: معناه" تفسيراً لقول عليٍّ ﵁. المُغرب: التنورُ: مصدرُ نور بالفجر: إذا صلاها في التنوير. وقيل: أصله: ونورٌ، قُلبت الواو تاء كما في تراثٍ وتخمة. الأساس: أنار السراج ونوره، وتنور النار: تبصرها وقصدها. قوله: (هو مثلٌ، كقولهم: حمي الوطيس)، النهاية: الوطيس: التنورُ. هو كنايةٌ عن شدة الأمر، واضطرام الحرب. ويقالُ: أول من قالها النبي ﷺ لما اشتد البأس يوم حُنين.

стр. 5533

حتّى إذا أسلكوهم في قتائده (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ) من كل أمّتى زوجين، وهما أمة الذكر وأمّة الأنثى، كالجمال والنوق، والحصن والرماك (اثْنَيْنِ) واحدين مزدوجين، كالجمل والناقة، والحصان والرمكة: روى أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض. وقرئ: (من كل)، بالتنوين، أى: من كل أمّة زوجين. و (اثنين): تأكيد وزيادة بيان. جيء ب"على" مع سبق الضارّ، كما جيء باللام مع سبق النافع. قال الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى)] الأنبياء: ١٠١ [، (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ)] الصافات: ١٧١ [ونحوه قوله تعالى (لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ)] البقرة: ٢٨٦ [وقول عمر رضى الله عنه: ليتها كانت كفافا، لا علىّ ولا لي. فإن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حتى إذا أسلكوهم في قتائدةٍ)، تمامه: شلاً كما تطردُ الجمالةُ السُّردا قيل: البيتُ لعبد منافٍ الهذلي، قتائدة - بضم القاف، والتاء المثناة من فوق-: ثنيةٌ معروفة. والشلُّ: الطردُ، أي: يشلون شلاً، والجمالُ: صاحبُ الجمل والجمالةُ. وناقةٌ شرودةٌ: سائرةٌ في البلاد. يصفُ جيشاً هزموهم وطردوهم حتى أسلوهم في هذه الثنية، كما تطرد الجمالة النوق الشُّرد النافرة. قيل: هذا البيت آخر القصيدة، فلا جواب لقوله: إذا أسلكوهم. وقيل: قوله: شلا، جوابٌ. أي: حتى إذا أسلكوهم شلوهم شلاً، فاكتفى بالمصدر عن الفعل. قوله: (والرماك)، الجوهري: الرمكة: الأنثى من البراذين، والجمعُ رِماك. قوله: (ليتها كانت كفافاً، لا عليّ ولا ليا)، النهاية: وفي حديث عمر ﵁:

стр. 5534

قلت: لم نهاه عن الدعاء لهم بالنجاة؟ قلت: لما تضمنته الآية من كونهم ظالمين، وإيجاب الحكمة أن يغرقوا لا محالة، لما عرف من المصلحة في إغراقهم، والمفسدة في استبقائهم، وبعد أن أملى لهم الدهر المتطاول فلم يزيدوا إلا ضلالا، ولزمتهم الحجة البالغة لم يبق إلا أن يجعلوه عبرة للمعتبرين. ولقد بالغ في ذلك حيث أتبع النهى عنه، الأمر بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم، كقوله (فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)] الأنعام: ٤٥ [، ثم أمره أن يدعوه بدعاء هو أهم وأنفع له، وهو طلب أن ينزله في السفينة أو في الأرض عند خروجه منها، منزلا يبارك له فيه ويعطيه الزيادة في خير الدارين، وأن يشفع الدعاء بالثناء عليه المطابق لمسألته، وهو قوله (وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ). فإن قلت: هلا قيل: فقولوا، لقوله (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ) لأنه في معنى: فإذا استويتم؟ قلت: لأنه نبيهم وإمامهم، فكان قوله قولهم، مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوّة وإظهار كبرياء الربوبية، وأن رتبة تلك المخاطبة لا يترقى إليها إلا ملك أو نبىّ. وقرئ: (منزلا)، بمعنى إنزالا، أو موضع إنزال، كقوله: (ليدخلنهم مدخلا يرضونه)] الحج: ٥٩ [. "إِنَّ" هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بين النافية وبينها في المعنى، وإن الشأن والقصة كُنَّا َمُبْتَلِينَ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "وددت أني سلمتُ من الخلافة كفافاً، لا علي ولا لي". الكفافُ: هو الذي يفضلُ عن الشيء، ويكون بقدر الحاجة. والنصبُ على أنه حالٌ، وقيل: أراد به مكفوفاً عني شرُها. قوله: (وأن رُتبة تلك المخاطبة)، عطفٌ على سبيل البيان على قوله: "بفضل النبوة". قوله: (وقرئ: (مُنْزَلاً))، أبو بكرٍ: "منزلاً" بفتح الميم وكسر الزاي، والباقون: بضم الميم وفتح الزاي.

стр. 5535

أى مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد. أي: مختبرين بهذه الآيات عبادنا لننظر من يعتبر ويذكر، كقوله تعالى: (وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) [القمر: ١٥]. [(ثُمَّ أَنْشَانا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ) ٣١ - ٣٢]. (قَرْناً آخَرِينَ) هم عاد قوم هود: عن ابن عباس رضى الله عنهما. وتشهد له حكاية الله تعالى قول هود: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ)] الأعراف: ٦٩ [، ومجيء قصة هود على أثر قصة نوح في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء. فإن قلت: حق "أرسل" أن يعدى ب"إلى"، كأخواته التي هي: وجه، وأنفذ، وبعث. فما باله عدّى في القرآن ب"إلى" تارة، وب"في" أخرى، كقوله: (كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ)] الرعد: ٣٠ [، (وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ)] سبأ: ٣٤ [. (فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا) أى في عاد. وفي موضع آخر (وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً)] الأعراف: ٦٥ [؟ قلت: لم يعدّ ب"في" كما عدّى ب"إلى"، ولم يجعل صلة مثله، ولكن الأمّة أو القرية جعلت موضعا للإرسال، كما قال رؤبة: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ببلاءٍ عظيم وعقابٍ شديد)، دل على ذلك صيغةُ التعظيم في قوله: (وَإِنْ كُنَّا)، ودل "إنْ" المخففة واللامُ على إيجاب إيقاع البلاء. قوله: (كقوله: (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ))، قال: "الضمير في (تَرَكْنَاهَا) للسفينة، أو للفعلة، أي: جعلناها آية يعتبرُ بها". قوله: (هم عادٌ قومُ هود)، أي: ضميرُ "هم" في قوله: (مِنْ بَعْدِهِمْ) لعادٍ قوم هُود. قال القاضي: هم عادٌ، أو ثمودُ، والرسول هو هودٌ أو صالحٌ ﵉. قوله: (ولم يُجعل صلةً مثله، ولكن الأمة أو القرية جعلت موضعاً للإرسال، يعني: ليست "في" للتعدية مثل "إلى"، لكن: رفٌ له، اقتطع "أرسلنا" من صلته، وجُعل مطلقاً،

стр. 5536

أرسلت فيها مصعبا ذا إقحام وقد جاء «بعث» على ذلك في قوله (وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً)] الفرقان: ٥١ [. (أَنِ) مفسرة بـ"أرسلنا"، أى: قلنا لهم على لسان الرسول (اعْبُدُوا اللَّهَ). [(وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَاكُلُ مِمَّا تَاكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ) ٣٣ - ٣٤]. فإن قلت: ذكر مقال قوم هود في جوابه في سورة الأعراف وسورة هود بغير ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثم عُدي بـ "في" مبالغةً، كقوله: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) [الأحقاف: ١٥] اقتُطع (ذُرِّيَّتِي) من كونه مفعولاً به، وذُهب به إلى كونه ظرفاً لـ"أصلح"، أي: اجعل ذُريتي موضعاً للصلاح. قوله: (أرسلت فيها مصعباً ذا إقحام)، تمامه من "المطلع": طباً فقيهاً بذوات الإبلام أصعب الجملُ: إذا لم يُكرب ولم يُذلل، فهو مصعبٌ، وهو الفحل، وبه سُمي الرجلُ مصعباً لسؤدده. ذو إقحام، أي: يقحمُ في الأمور، ويدخلُ فيها بغير تلبثٍ ولا روية، والطبُّ: الحاذقُ، يقالُ: اعمل فيها عمل من طب لمن حب. والإبلامُ: مصدرُ أبلمتِ الناقةُ: إذا ورم حياؤها من شدة شهوة الفحل.

стр. 5537

واو: (قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ) [الأعراف: ٦٦]، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ))، هو في سورة الأعراف [٦٦]. وقوله: (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) في سورة هود [٥٣]، وفي نسخةٍ قالوا: (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا) [هود: ٢٧]. وخلاصةُ الجواب: أن المقصود بيانُ الفرق بين القولين، ولا يتفاوتُ ذلك أية آيةٍ سلكت، وذلك بأن القطع لبعث السامع على موضع السؤال، فإذا أُجيب بما أجابوه يحصلُ عنده الفرق بين الكلامين من الحق والباطل، وعليه العطفُ، ولهذا قال: "وشتان ما هما"، وذلك أن السامع البليغ إذا سمع الكلامين المتصلين بالواو، لابد أن يتحرى للجهة الجامعة، فهاهنا يعلمُ أن الجهة هي التضاد، قالوا: جواب المصنف لا طائل تحته؛ لأن بين كلام هود ﵇ وأجوبة القوم في هذه المواضع اختلافاً كثيراً، وكان الجواب أن يسأل عن كل ذلك فما بال الواو؟ وأيضاً، عليه أن يجيب عن سؤاله بموقع الواو هنا وإخلائه هناك، لا عن الخاصية، فإنها معلومةٌ عند علماء البيان. قلتُ: يمكن أن يقال: إن هوداً مكث بين القوم أزمنةً متطاولة، وله معهم مقالات، ومجادلات في مقامات شتى، وذلك يوجب اختلاف العبارات، فإن لكل قوم مقالاً، فكان كلامه في سورة هود أبسط من هذين الموضعين؛ لأنه قد أهر فيه النصيحة التامة، وضم مع الأمر بالعبادة الأمر بالاستغفار والتوبة، وعدهم بذلك البركات والخيرات، وكان ذلك مظنة لبعث السامع وتحركه على السؤال، فما كان جواب القوم عنه بعد تلك النصيحة البالغة. أما في الأعراف وإن لم يبسط ذلك البسط، لكن ذكر فيه اسم هود بعد التوطئة بقوله: (أَخَاهُمْ)، فدل على إضمار النصح، بل أهم وأبلغث من ذلك؛ فإن الأخوة مئنةق لكل حدب ومرحمة، ألا ترى كيف من الله تعالى على قريش بقوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة: ١٢٨]، بخلافه هاهنا، بل طوى اسمه أيضاً، والقوم ما التفتوا إليه، وإلى كلامه، وما أجابوا، بل كانت تلك المقالة دمدمةً فيما بينهم. والله تعالى أعلمُ بأسرار كلامه. وقال القاضي: لعله ذكره بالواو؛ لأن كلامهم لم يتصل بكلام الرسول، بخلاف قول قوم نوح، وحيث استؤنف به فعلى تقدير سؤال.

стр. 5538

(قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ) [هود: ٥٣]، وهاهنا مع الواو، فأي فرق بينهما؟ قلت: الذي بغير واو على تقدير سؤال سائل قال: فما قال قومه؟ فقيل له: قالوا كيت وكيت. وأما الذي مع الواو، فعطف لما قالوه على ما قاله. ومعناه: أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل، وشتان ما هما (بِلِقاءِ الْآخِرَةِ) بلقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب، كقولك: يا حبذا جوار مكة: أى جوار الله في مكة. حذف الضمير، والمعنى: من مشروبكم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وشتان ما هما)، الجوهري: شتان ما عمرو وأخوه، أي: بعُدَ ما بينهما. الأصمعي: لا يقال: شتان ما بينهما. وشتان مصروفٌ عن شتُتَ، والفتحة التي في النون هي الفتحة التي كانت في التاء، لتدل على أنه مصروفٌ عن الفعل الماضي، وكذلك سرعان ووشكان: مصروفٌ عن سرُع ووشك. وقال ابن جني: شتان: اسمُ "افترق"، كما أن هيهات: اسمُ "بعُدَ"، وأفٍّ: اسمُ "اتضجرُ". قوله: (جوار مكة، أي: جوار الله في مكة)، وهذا أيضاً مجاز؛ لأن الجوار يستدعي من يكون في جواره، لكنه تعالى لما أضاف البيت إلى نفسه، فمن أقام فيه فكأنه في جوار الله فقيل: جار الله. النهاية: وفي الحديث: "أنه كان يُجاورُ في العشر الأواخر من رمضان"، أي: يعتكفُ. وهي مفاعلةٌ من الجوار. فأما المجاور بمكة المدينة: فيرادُ بها المقامُ مطلقاً غير ملتزم بشرائط الاعتكاف الشرعي.

стр. 5539

أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه (إِذاً) واقع في جزاء الشرط، وجواب للذين قاولوهم من قومهم، أى: تخسرون عقولكم وتغبنون في آرائكم. [(أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ) ٣٥ - ٣٨]. ثني (أَنَّكُمْ) للتوكيد، وحسن ذلك لفصل ما بين الأوّل والثاني بالظرف. و (مخرجون): خبر عن الأول. أو جعل (أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) مبتدأ، و (إِذا مِتُّمْ) خبرا، على معنى: إخراجكم إذا متم، ثم أخبر بالجملة عن (إنكم)، أو رفع (أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) بفعل هو جزاء للشرط، كأنه قيل: إذا متم وقع إخراجكم، ثم أوقعت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو حُذف منه، لدلالة ما قبله عليه)، يريد أن "ما" في (مِمَّا تَشْرَبُونَ) موصولةٌ، ولابد من الراجع، فحُذف؛ لأن المراد: مما يشربونه، أو يشربون منه؛ لدلالة قوله: (مِمَّا تَاكُلُونَ مِنْهُ). قوله: (ثُنيَ (أَنَّكُمْ) للتوكيد)، قال الزجاج: أما (أَنَّكُمْ) الأولى لموضعها نصبٌ على معنى: أبعدكم بأنكم إذا متم، والثانية كالأولى ذُكرت توكيداً، والمعنى: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم، فلما بعُدَ ما بين "أنّ" الأولى والثانية بالظرف أعيد (أَنَّكُمْ)، كقوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ) [التوبة: ٦٣]، المعنى: فله نارُ جهنم، هذا مذهبُ سيبويه. قوله: (ثم أخبر بالجملة عن (أَنَّكُمْ))، يعني: (أَنَّكُمْ) الثانية تُجعلُ مبتدأ، وخبره: (إِذَا مِتُّمْ)، والجملةُ خبرُ المبتدأ الأول.

стр. 5540

الجملة الشرطية خبرا عن (إنكم). وفي قراءة ابن مسعود: (أيعدكم إذا متم). قرئ (هَيْهاتَ) بالفتح والكسر والضم، كلها بتنوين وبلا تنوين، وبالسكون على لفظ الوقف فإن قلت: "ما توعدون" هو المستبعد، ومن حقه أن يرتفع ب"هيهات"، كما ارتفع في قوله: ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قرئ: (هَيْهَاتَ) بالفتح والكسر والضم)، قال ابن جني: بكسر التاء غير منونةٍ: قراءةُ أبي جعفر والثقفي. وبالتنوين: عيسى بن عمر. وبالضم منونةً: أبو حيوة؛ وغير منون: عيسى الهمدانيُّ ورويت عن أبي عمرو. أما الفتحُ، وهو قراءةُ العامة، فعلى أنه واحدٌ، وهو اسمٌ سُمي به الفعل في الخبر، وهو اسم "بَعُدَ"، كما أن "شتان" سُمي به "افترق"، ومن كسر التاء منوناً وغير منونٍ فهُو جمعُ "هيهات". وقال الزجاجُ: هو جمعُ هيهة وإن لم يُنطق به، مثل عرفة، جمعُه: عرفات، وإنما كُسَرِ في الجمع؛ لأن بناء الفتح في الجمع كسر، نحو: رأيتُ الهنداتِ. وقال ابن جني: ومن نونَ ذهب إلى التنكير، أي: بُعداً بُعْداً. ومن لم يُنون ذهب إلى التعريف، أي: البعد البُعدَ. ومن فتح وقف بالهاء؛ كهاء أرطاة، ومن قال: "هيهاة" يكتبها بالهاء؛ لأن أكثر القُراء قالوا: هيهات بالفتح، والفتحُ يدلُّ على الإفراد، والإفرادُ بالهاء كعلقاة. ومن رفع وقال: هيهاةُ فقد أخلصها اسماً للفعل. وقال الزجاج: أما التنوين والفتح فلا أعلمُ أحداً قرأ بها.

стр. 5541

فهيهات هيهات العقيق وأهله فما هذه اللام؟ قلت قال الزجاج في "تفسيره": البعد لما توعدون، أو بعد لما توعدون فيمن نوّن، فنزله منزلة المصدر. وفيه وجه آخر: وهو أن يكون اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد، كما جاءت اللام في (هَيْتَ لَكَ) [يوسف: ٢٣] لبيان المهيت به. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فهيهات هيهات العقيقُ وأهلهُ)، تمامه في "المطلع": وهيهات خلٌّ بالعقيق نواصله قوله: (قال الزجاج في "تفسيره")، قال فيه: من فتحها وموضعها الرفعُ، وتأويلها: البعد لما تُوعدون، فلأنها بمنزلة الأصوات وليت مشتقة من فعل فبُنيت. فأما من نون جعلها نكرةً، ويكونُ المعنى: بعُد لما تُوعدون، وهو مثلُ: سلامٌ عليكم. قال صاحب "التقريب": وفي بناء "هيهات" ولم يقع موقع "بَعُدَ" نظرٌ. وقال أبو البقاء: قولُ من قال: "هيهات" بمعنى البُعْدِ، يكون موضعه مبتدأ، و (لِمَا تُوعَدُونَ) الخبرُ، وهو ضعيف. قوله: (اللام لبيان المستبعد ما هو)، قال القاضي: كأنهم لما صوتوا بكلمة الاستبعاد قيل: فما له هذا الاستبعاد؟ قالوا: لما تُوعدون. قال صاحب "التقريب": فعلى هذا في فاعل "هيهات" نظرٌ. وقال ابن جني: ولا يجوز أن يكون (لِمَا تُوعَدُونَ) فاعل "هيهاتَ"؛ لأن حرف الجر لا يكون فاعلاً، ولم يجز اعتقادُ زيادة اللام أيضاً، وإنما يُزادُ الغرضُ بزيادتها فيه تمكين الإضافة، قال: يا بؤس للحرب،

стр. 5542

هذا ضمير لا يعلم ما يعنى به إلا بما يتلوه من بيانه. وأصله إن الحياة إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا ثم وضع (هِيَ) موضع "الحياة"، لأنّ الخبر يدل عليها ويبينها. ومنه: هي النفس تتحمل ما حملت، وهي العرب تقول ما شاءت. والمعنى: لا حياة إلا هذه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويا بؤس للجهل. وإذا لم يكن بُدٌّ من فاعل، ولم يكن الظاهر فاعلاً، ففيها ضمير فاعل لا محالة هذا جوابٌ عن النظر. قوله: (هي النفس ماحملتها تتحملُ)، تمامه: وللدهر أيامٌ تجورُ وتعدلُ قال صاحبُ "الفرائد": ما ذكر ليس لما نحنُ له؛ لأنه يصح أن يُقال: الحياةُ حياتنا الدنيا، ولا يصح: النفسُ النفسُ ما حملتها تتحملُ، والنفس الثانية: خبرٌ للنفس الأولى، وكذا القول في: هي العرب، فلا يصح أن تكون الثانية مبينة للأولى فيهما، فلابد من اعتبار شيء يرجع إليه الضمير، والذي تقدم لفظ الحياة في قوله: (وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا). وقلت: استشهاده لمجرد البيان؛ لأن الضمير في قوله: هي النفسُ ما حملتها تتحملُ، وكذلك في قوله: وهي العرب تقول: ضمير القصة، الجملة مفسرةٌ، نحو: (هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص: ١]، أي: القصة هذه، وهي أن النفس ما حملتها تتحملُ، وأن العرب تقولُ ما شاءت، على أن من الفصيح أن يُقال: النفسُ النفسُ ماحملتها تتحملُ، والعرب العرب تقول ماشاءت، على طريقة: أنا أبو النجم وشعري شعري وتكونُ الجملة الثانية مبينةً للأولى، كما سبق في قوله تعالى: (إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) [المائدة: ١٠٩] إذا انتصب (عَلاَّمُ) على المدح، وأما قوله: "الضمير راجعٌ إلى لفظ الحياة

стр. 5543

الحياة لأن «إن» النافية دخلت على «هي» التي في معنى "الحياة" الدالة على الجنس فنفتها، فوازنت «لا» التي نفت ما بعدها نفى الجنس (نَمُوتُ وَنَحْيا) أى يموت بعض ويولد بعض، ينقرض قرن ويأتى قرن آخر، ثم قالوا: ما هود إلا مفتر على الله فيما يدعيه من استنبائه له، وفيما يعدنا من البعث، وما نحن بمصدّقين. [(قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ٣٩ - ٤١]. (قَلِيلٍ) صفة للزمان، كقديم وحديث، في قولك: ما رأيته قديما ولا حديثا. وفي معناه: عن قريب. و «ما» توكيد قلة المدّة وقصرها (الصَّيْحَةُ) صيحة جبريل ﵇: صاح عليهم فدمّرهم (بِالْحَقِّ) بالوجوب، لأنهم قد استوجبوا الهلاك. أو بالعدل من الله، من قولك: فلان يقضى بالحق إذا كان عادلا في قضاياه: شبههم في دمارهم بالغثاء: وهو حميل السيل مما يلي واسودّ من الورق والعيدان، ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في قوله تعالى: (وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) " فبعيدٌ جداً؛ لأن تلك الحياة واقعةٌ في كلام الله تعالى، وهذه في أثناء كلام القوم؛ لأنه تعالى يحكي كلامهم من قوله: (مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) إلى قوله: (وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ). قوله: ((قَلِيل) صفةٌ للزمان)، أي: عن زمان قليل. المطلع: أي: عن قريب من الزمان، يعني عند الموت أو عند نزول العذاب. وقال أبو البقاء: "و"عن" يتعلق بـ (لَيُصْبِحُنَّ)، ولم يمنع اللام ذلك، كما منعتها لامُ الابتداء. وأجازوا: زيداً لأضربن، لأن اللام للتوكيد، ومثله قوله تعالى: (بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ) [الروم: ٨]، وقيل: اللامُ تمنعُ من التقديم، إلا في الظروف؛ فإنه يُتسعُ فيها.

стр. 5544

ومنه قوله تعالى (فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى)] الأعلى: ٥ [وقد جاء مشدّدا في قول امرئ القيس: من السّيل والغثّاء فلكة مغزل بعدا، وسحقا، ودفراً ونحوها، مصادر موضوعة مواضع أفعالها، وهي من جملة المصادر التي قال سيبويه: نصبت بأفعال لا يستعمل إظهارها. ومعنى "فَبُعْداً": بعدوا، أى: هلكوا يقال: بعد بعدا وبعدا، نحو رشد رشدا ورشدا. و (لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) بيان لمن دعى عليه بالبعد، نحو: (هَيْتَ لَكَ)] يوسف: ٢٣ [. و (لِما تُوعَدُونَ)] المؤمنون: ٣٦ [. [(ثُمَّ أَنْشَانا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَاخِرُونَ) ٤٢ - ٤٣]. (قُرُوناً) قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: بنى إسرائيل (أَجَلَها) الوقت الذي حدّ لهلاكها وكتب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى))، قال: "دريناً أسودَ"، والدرينُ: ما اسود من المرعى. قوله: (من السيل والغُثاء فلكةُ مغزل)، أوله: كأن ذُرى رأس المجيمر غُدوةً المجيمرُ: جبل في بلاد بني تميم بكسر الميم الثاني شبه استدارةَ هذه الأكمة بما أحاط بها من غُثاءِ السيل باستدارة فلكةِ مغزلٍ، وإحاطتها بالمغزل. ورُوي "فُلكةُ": بضم الفاءِ، وكسرها وفتحها. قوله: (ودفرا)، الجوهري: الدفرُ: النتن خاصةً. يقال دفراً له، أي: نتناً، ومنهُ قيل للدُّنيا: أمُّ دفرٍ.

стр. 5545

[(ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) ٤]. (تَتْرا) فعلى: الألف للتأنيث، لأنّ الرسل جماعة. وقرئ: (تترى)، بالتنوين، والتاء بدل من الواو، كما في: تولج، وتيقور، أى: متواترين واحدا بعد واحد، من الوتر وهو الفرد: أضاف الرسل إليه وإلى أممهم (وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ)] المائدة: ٣٢ [(وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ)] الأعراف: ١٠١ [لأنّ الإضافة تكون بالملابسة، والرسول يلابس المرسل والمرسل إليه جميعا (فَأَتْبَعْنا) الأمم أو القرون (بَعْضَهُمْ بَعْضاً) في الإهلاك (وَجَعَلْناهُمْ) أخبارا يسمر بها ويتعجب منها. الأحاديث: تكون اسم جمع للحديث. ومنه: أحاديث رسول الله ﷺ . وتكون جمعا للأحدوثة: التي هي مثل الأضحوكة والألعوبة والأعجوبة. وهي: ما يتحدّث به الناس تلهيا وتعجبا، وهو المراد هاهنا. (ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ) ٤٥ - ٤٦ [. فإن قلت: ما المراد بالسلطان المبين؟ قلت: يجوز أن تراد العصا، لأنها كانت أمّ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "تترى" بالتنوين)، ابن كثير وأبو عمرو. قوله: (في: تولج وتيقور)، الجوهري: التولج: كناسُ الوحش الذي يلجُ فيه. قال سيبويه: التاءُ مبدلةٌ من الواو، وهو فوعلٌ؛ لأنك لا تكادُ تجدُ في الكلام تفعلٌ اسماً، وفوعلٌ كثير، والتيفور: الوقارُ، وأصله: ويقُور، قُلبت الواو تاءً.

стр. 5546

آيات موسى وأولاها، وقد تعلقت بها معجزات شتى: من انقلابها حية، وتلقفها ما أفكته السحرة، وانفلاق البحر، وانفجار العيون من الحجر بضربهما بها، وكونها حارسا، وشمعة، وشجرة خضراء مثمرة، ودلوا ورشاء. جعلت كأنها ليست بعضها لما استبدت به من الفضل، فلذلك عطفت عليها كقوله تعالى (وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ)] البقرة: ٩٨ [ويجوز أن تراد الآيات أنفسها، أى: هي آيات وحجة بينة (عالِينَ) متكبرين (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ)] القصص: ٤ [، (لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ)] القصص: ٨٣ [؛ أو متطاولين على الناس قاهرين بالبغي والظلم. (فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨)) ٤٧ - ٤٨ [ البشر يكون واحدا وجمعا: (بَشَراً سَوِيًّا)] مريم: ١٧ [، (لِبَشَرَيْنِ)، (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ)] مريم: ٢٦ [و «مثل» و «غير» يوصف بهما: الاثنان، والجمع، والمذكر والمؤنث؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أفكتهُ السحرةُ)، الأساس: أفكه عن رأيه: صرفه. النهاية: وفي الحديث: "لقد أُفِكَ قومٌ كذبوك"، أي: صرفوا عن الحق ومنعوا منه، يقال: أفكهُ يأفكه: إذا صرفه عن الشيء فقلبه. قوله: (ويجوزُ أن تُراد الآياتُ أنفسها)، أي: يرادُ بالسلطان نفسُ الآيات، فالعطفُ من باب قولك: "مررتُ بالرجل الكريم والنسمة المباركة، جرد من نفس الآيات سلطانٌ مبين، وعُطِفَ عليها مبالغةً وهو هي". قوله: (و"مثلٌ" و"غيرٌ" يوصف بهما الاثنان والجمع)، قال أبو البقاء: إنما لم يُثَنّ (مِثْلَنَا)، وإن كنا موصوفه مثنى؛ لأنه في حُكم المصدر، وقد جاءت تثنيته، وجمعه، في

стр. 5547

(إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ)] النساء: ١٤٠ [، (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)] الطلاق: ١٢ [ويقال أيضا: هما مثلاه، وهم أمثاله: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ)] الأعراف: ١٩٤ [. (وَقَوْمُهُما) يعنى بنى إسرائيل، كأنهم يعبدوننا خضوعا وتذللا. أو لأنه كان يدعى الإلهية فادعى للناس العبادة، وأن طاعتهم له عبادة على الحقيقة. ] (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩)) ٤٩ [ (مُوسَى الْكِتابَ) أى قوم موسى التوراة (لَعَلَّهُمْ) يعملون بشرائعها ومواعظها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ) [آل عمران: ١٣]. وقوله: (ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) [محمد: ٣٨]، وقيل: إنما وحد؛ لأن المراد المماثلة في البشرية، وليس المرادُ الكمية. قال القاضي: هذه القصصُ كما ترى تشهدُ بأن قصارى شبه المنكرين للنبوة، قياسُ حال الأنبياء على أحوالهم؛ لما بينهم من المماثلة في الحقيقة، وفساده يظهر للمستبصر بأدنى تأمل؛ فإن النفوس البشرية وإن تشاركت في أصل القوى والإدراكات، لكنها متباينة الأقدام فيهما، وكما ترى في جانب النقصان أغبياء لا يعود عليهم التفكر برادةٍ، يمكن أن يكون في طرف الزيادة أغنياء عن التعلم والتفكر في أكثر الأشياء، وأغلب الأحوال، فيدركون ما لا يدرك غيرهم، ويعلمون ما لا ينتهي إليه علمهم، وإليه أشار بقوله تعالى: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ) [الكهف: ١١] قوله: ((مُوسَى الْكِتَابَ)، أي: قوم موسى)، فلذا جمع الضمير في (لَعَلَّهُمْ)، وأعيد ذكرُ موسى ﵇؛ ليناط به ذكرُ الكتاب، وكونه مبعوثاً إلى بني إسرائيل كما ذكر في الآية السابقة، وقرن به الآيات والسلطان وكونه مبعوثاً إلى فرعون وملئه.

стр. 5548

كما قال: (عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ)] يونس: ٨٣ [يريد آل فرعون، وكما يقولون: هاشم، وثقيف، وتميم، ويراد قومهم. ولا يجوز أن يرجع الضمير في (لَعَلَّهُمْ) إلى فرعون وملئه، لأنّ التوراة إنما أوتيها بنو إسرائيل بعد إغراق فرعون وملئه: (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى)] القصص: ٤٣ [. ] (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)) [ فإن قلت: لو قيل آيتين هل كان يكون له وجه؟ قلت: نعم، لأنّ مريم ولدت من غير مسيس، وعيسى روح من الله ألقى إليها، وقد تكلم في المهد وكان يحيى الموتى مع معجزات أخر، فكان آية من غير وجه، واللفظ محتمل للتثنية على تقدير وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ آية وَأُمَّهُ آية ثم حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها. الربوة والرباوة في رائهما الحركات. وقرئ: (ربوة) و (رباوة)، بالضم. و (رباوة) بالكسر وهي الأرض المرتفعة. قيل: هي إيليا أرض بيت المقدس، ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يريد آل فرعون)، بدليل جمع الضمير في (وَمَلَئِهِمْ) [يونس: ٨٣]، وإلا فالظاهر: وملئه، وكذلك هاهنا: قال: موسى، وأريد قومُ موسى. قوله: (لو قيل: آيتين، هل كان يكون له وجهٌ)، "يكون": يجوز أن تكون مزيدة، وأن تكون خبر "كان" والاسمُ: ما دل عليه "قيل". هذا السؤال مؤذنٌ بأن الوجه ما ذكر في الأنبياء. فإن قُلت: هلا قيل: آيتين، كما قال: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ) [الإسراء: ١٢]؟ قلتُ: لأن حالهما بمجموعهما آيةٌ واحدةٌ، وهي ولادتها إياه من غير فحل. قوله: (الربوة والرباوة: في رائهما الحركات)، بفتح الراء، وسكون الباء، وفتح الواو: ابن عامرٍ وعاصمٌ، والباقون: هكذا إلا بضم الراء. والرباوةُ بالضم والكسر: شاذة.

стр. 5549

وأنها كبد الأرض وأقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا: عن كعب. وقيل: دمشق وغوطتها. وعن الحسن: فلسطين والرملة، وعن أبى هريرة: الزموا هذه الرملة رملة فلسطين، فإنها الربوة التي ذكرها الله. وقيل: مصر. والقرار: المستقرّ من أرض مستوية منبسطة. وعن قتادة: ذات ثمار وماء. يعنى أنه لأجل الثمار: يستقرّ فيها ساكنوها. والمعين: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض. وقد اختلف في زيادة ميمه وأصالته، فوجه من جعله مفعولا أنه مدرك بالعين لظهوره، من عانه: إذا أدركه بعينه، نحو: ركبه، إذا ضربه بركبته. ووجه من جعله فعيلا: أنه نفاع بظهوره وجريه، من الماعون: وهو المنفعة. [(يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) ٥١]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وإنها كبدُ الأرض)، الأساس: ومن المجاز: وداره كبدُ نجد: وسطه، وكذلك وسط كل شيء، وبلغ كبد السماء، وتكبدت الشمسُ: توسطت السماء. قوله: (دمشقُ وغوطتها)، الجوهري: الغوطة بالضم: موضعٌ بالشام كثيرُ الماء والشجر. قوله: (ووجه من جعله فعيلاً: أنه نفاعٌ)، قال الزجاج: يجوز أنيكون فعيلاً من المعن، مشتقاً من الماعون، وهذا بعيدٌ؛ لأن المعن في اللغة: الشيء القليل، والماعونُ هو الزكاة، وهو فاعولٌ من المعن، وإنما سُميت الزكاةُ بالشيء القليل؛ لأنه يؤخذُ من المال ربعُ عُشره، فهو قليلٌ من كثير. والمصنفُ جعلهُ من الماعون الذي يتعاوره الناس في العادة من الفأس والقدر ونحوهما. الجوهري: الماعون: اسمٌ جامعٌ لمنافع البيت، ويُسمى الماء أيضاً ماعوناً، وعن أبي عبيدة: الماعون في الجاهلية: كل منفعةٍ وعطية، وفي الإسلام: الطاعةُ والزكاة.

стр. 5550

هذا النداء والخطاب ليسا على ظاهرهما، وكيف والرسل إنما أرسلوا متفرّقين في أزمنة مختلفة. وإنما المعنى: الإعلام بأنّ كلّ رسول في زمانه نودي لذلك «١» ووصى به، ليعتقد السامع أنّ أمرا نودي له جميع الرسل ووصوا به، حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه. والمراد بالطيبات: ما حل وطاب. وقيل: طيبات الرزق حلال وصاف وقوام، فالحلال: الذي لا يعصى الله فيه، والصافي: الذي لا ينسى الله فيه، والقوام: ما يمسك ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هذا النداء والخطاب ليسا على ظاهرهما، وكيف والرسل إنما أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة؟ )، الانتصاف: هذه نفحةٌ اعتزالية، فمذهبنا أن الله تعالى في الزل متكلمٌ آمرٌ ناه، ولا يشترط في الأمر وجود المأمورين، بل الخطاب أزلاً على تقدير وجود المخاطبين. والمعتزلة أنكروا قدم الكلام، فحملوا الآية على خلاف ظاهرها، وما ذكروه جار في جميع الأوامر العامة للأمة. وقال القاضي: الخطابُ لجميع الأنبياء ﵈ على معنى أن كلا منهم خوطب في زمانه، فيدخل تحته عيسى ﵇ دخولاً أولياً، أو يكون ابتداء كلام ذكر تنبيهاً على أن تهيئة أسباب التنعيم لم تكن له خاصة، وأن إباحة الطيبات للأنبياء ﵈ شرعٌ قديم، واحتجاجاً على الرهبانية في رفض الطيبات، أو حكاية لما ذُكر لعيسى ﵇ ومريم وإيوائهما إلى الربوة، ليقتديا بالرسل في تناول ما رُزقا. وقيل النداء له، ولفظ الجمع للتعظيم. قوله: (ويُعمل عليه)، ضمن "يُعمل" معنى المواظبة، أي: يواظب عليه في العمل. قوله: (والمراد بالطيبات: ما حل وطاب)، قال القاضي: والطيباتُ: ما يُستلذُّ من المباحات.

стр. 5551

النفس ويحفظ العقل. أو أريد ما يستطاب ويستلذ من المآكل والفواكه. ويشهد له مجيئه على عقب قوله (وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ)] المؤمنون: ٥٠ [ويجوز أن يقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى ومريم إلى الربوة، فذكر على سبيل الحكاية، أى: آويناهما وقلنا لهما هذا، أى: أعلمناهما أنّ الرسل كلهم خوطبوا بهذا، فكلا مما رزقنا كما واعملا صالحا اقتداء بالرسل. [(وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) ٥٢]. قرئ: (وإنّ)، بالكسر على الاستئناف، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويشهد له مجيئه على عقب قوله تعالى: (وَآوَيْنَاهُمَا))، أي: آويناهما إلى ربوة ذات قرار ٍومعين، أي: ذات ثمارٍ ومآكل، وقلنا لهما: فكلا مما رزقناكما، واعملا صالحاً، ففيه أيضاً أن هذا الإعلام لعيسى ومريم ﵉ فذُكر على سبيل الحكاية، وهو أولى من أن يكون إعلاماً ابتداءً، وفيه أن قول قتادة ﵁: إن المراد بذات قرارٍ ومعين: ذاتُ ثمارٍ وماء، أرجحُ. وكذا قول من قال: إن المراد بالربوة: هي دمشقُ، أظهرُ، لاجتماعهما فيها. قوله: (ويجوز أن يقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى ومريم ﵉ إلى الربوة)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظرٌ؛ إذ لي المقول لهما: يا أيها الرسل؛ لأنه لإنشاء النداء، فلعله أراد: أعلمناهما معناه الخبري، وهو خطاب الرسل ﵈ لدلالة الإنشاء عليه. قلتُ: بل أراد أن هذا الكلام كما أنه في الظاهر خطابٌ لجميع الرسل قاطبةً على معنى أنك لا منهم خوطب به في زمانه، ويدخل فيه عيسى دخولاً أولياً، وفي المعنى إعلامٌ لرسول الله ﷺ وأمته، فكذلك يجوز أن يكون بعينه إعلاماً لعيسى ﵇ ليقتدي بالرسل في تناول ما رزق، فذكر على سبيل الحكاية. قوله: (قرئ: (وإِنَّ)، بالكسر)، الكوفيون: "إن هذه" بكسر الهمزة، والباقون:

стр. 5552

و (أنّ) بمعنى و (أنّ)، وأن مخففة من الثقيلة، و (أُمَّتُكُمْ) مرفوعة معها. ] (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ٣٥ [ وقرئ (زُبُراً) جمع زبور، أى: كتبا مختلفة، يعنى: جعلوا دينهم أديانا، و (زبرا) قطعا: استعيرت من زبر الفضة والحديد، و (زبرا): مخففة الباء، كرسل في رسل، أى: كلّ فرقة من فرق هؤلاء المختلفين المتقطعين دينهم، فرح بباطله، مطمئنّ النفس، معتقد أنه على الحق. (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ) ٥٤ [ الغمرة. الماء الذي يغمر القامة فضربت مثلا لما هم مغمورون فيه من جهلهم وعمايتهم. أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل. قال: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بفتحها. وخفف ابن عامرٍ النون، وشددها الباقون. قوله: (و"أنّ" بمعنى: ولأنّ)، قال الزجاجُ: المعنى: ولأن هذه أمتكم أمةً واحدةً، وأنا ربكم فاتقون، أي: فاتقون لهذا. قوله: (و (أُمَّتُكُمْ) مرفوعةٌ معها)، المطلع: أي: مع القراءات على خير"إنّ"، وقيل: "مرفوعةٌ معها"، أي: مع المخففة، وهذا أولى. قال أبو البقاء: (أُمَّتُكُمْ) الرفع على أنه خبرُ "إنّ"، والنصبُ على أنه بدلٌ أو عطفُ بيان، و (أُمَّةً) بالنصب: حالٌ، وبالرفع: بدلٌ من (أُمَّتُكُمْ) أو: خبر مبتدأ. فعلى هذا في المخففة: (أُمَّتُكُمْ): إما خبر، وإما بدلٌ، وعلى التقديرين: لا يجوز سوى الرفع، بخلافه في المثقلة. قوله: (أو شبهوا باللاعبين)، يريد أن قوله: (فِي غَمْرَتِهِمْ) استعارةٌ، شبه جهلهم

стр. 5553

كأنّني ضارب في غمرة لعب وعن علي ﵁: في غمراتهم (حَتَّى حِينٍ) إلى أن يقتلوا أو يموتوا. ] (أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦)) [ سلي رسول الله ﷺ بذلك، ونهى عن الاستعجال بعذابهم والجزع من تأخيره. وقرئ: (يمدّهم). و (يسارع)، و (يسرع)، بالياء، والفاعل الله . ويجوز في: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بغمرةِ الماء إذا وقع فيها الشخص، فلا يدري كيف يتخلص منها، والجامع الوقوع في ورطة الهلاك، ثم كثر استعمالها في هذا المعنى حتى صار كالمثل السائر في الشهرة. أو قوله: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ) تمثيلٌ، شبه حال هؤلاء مع ما هم عليه من محاولة الباطل والانغماس فيه بحال من يدخل في الماء الغامر للعب، والجامعُ: تضييع السعي بعد الكدح في العمل، ها الوجه موافقٌ لما قبله، هو قوله: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ). قوله: (كأنني ضاربٌ في غمرةٍ لعبُ)، أوله في "المطلع": ليالي اللهو يطبيني فأتبعه يطبيني: دعاني، وطباه يطبوه ويطبيه: دعاه. الضاربُ: السابحُ في الماء، وأصلُ الضرب: الإسراعُ في الأرض. والغمرةُ من الماء: ما غطاك إذا وقفت فيه. يقول: تدعوني ليالي اللهو فأتبعه، كأنني سابحٌ في غمرةٍ من الماء لعبٌ فيه. وروايةُ "المطلع": لغبُ، بالغين المعجمة، وهو من اللغوب. ويُروى "اللهو": بالرفع، فالجملة مضافٌ إليها لقوله: ليالي. قوله: (وقرئ: "يمدهم"، و"يُسارعُ"، و"يُسرعُ" بالياء)، قال ابن جني: قرأ الحُرُّ

стр. 5554

(يسارع)، و (يسرع): أن يتضمن ضمير الممدّ به. و (يسارع)، مبنيا للمفعول. والمعنى: أنّ هذا الإمداد ليس إلا استدراجا لهم إلى المعاصي، واستجرارا إلى زيادة الإثم، وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات، وفيما لهم فيه نفع وإكرام، ومعاجلة بالثواب قبل وقته. ويجوز أن يراد في جزاء الخيرات كما يفعل بأهل الخير من المسلمين. (وبَلْ) استدراك لقوله (أَيَحْسَبُونَ) يعنى: بل هم أشباه البهائم لا فطنة بهم ولا شعور، حتى يتأملوا ويتفكروا في ذلك: أهو استدراج، أم مسارعة في الخير؟ فإن قلت: أين الراجع من خبر أنّ إلى اسمها إذا لم يستكنّ فيه ضميره؟ قلت: هو محذوف تقديره: نسارع به، ويسارع به، ويسارع الله به، كقوله (إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)] لقمان: ١٧ [ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النحوي: "نُسرع"، وعبد الرحمن بن أبي بكرة: "يُسارع لهم"، و"يُسارعُ": بضم الياء وكسر الراء وفتحها. وقراءة الجماعة: (نُسَارِعُ) بالنون والألف. وقال: على هذه القراءات إلا على قراءة عبد الرحمن: "يسارع"، بكسر الراء، فيه ضميرٌ محذوفٌ، أي: نُسارع لهم به، أو يسارع لهم به، أو: نُسرع لهم به، فحذف للعلم بهن كما في قولهم: السمن منوان بدرهم. وأما قراءة "يُسارع" بكسر الراء، فلا حاجة به إلى تقدير حذف الضمير؛ لأن في الفعل ضميراً يعود على (ما) في قوله: (أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ)، ولم يذكُر ابن جني في قراءة "يُسرع" تضمين الضمير. وقال القاضي: (مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ): بيانٌ لـ"ما"، وليس خبراً له، فإنه غير مُعابٍ عليه، وإنما المُعابُ عليه اعتقادهم أن ذلك خيرٌ لهم، فخبره: (نُسَارِعُ لَهُمْ).

стр. 5555

أي إن ذلك منه، وذلك لاستطالة الكلام مع أمن الإلباس. ] (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١) ٥٧ - ٦١ [ (يُؤْتُونَ ما آتَوْا) يعطون ما أعطوا، وفي قراءة رسول الله ﷺ وعائشة: (يأتون ما أتوا)، أى يفعلون ما فعلوا. وعنها أنها قالت: قلت يا رسول الله، هو الذي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفي قراءة رسول الله ﷺ وعائشة رضي الله تعالى عنها: "يأتون ما أتوا")، روينا في "مسند أحمد بن حنبل"، عن عائشة: أن عبيد بن عمير سألها عن قوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا) أن رسول الله ﷺ كيف كان يقرؤها: أيؤتون أو يأتون؟ فقالت: أيهما أحب إليك؟ قال: "الذين يأتون ما أتوا" أحبُّ إليّ من الدنيا وما فيها، قالت: أشهد أن رسول الله ﷺ كذلك كان يقرؤها، وكذلك أنزلت. قال الزجاج: ومن قرأ (يُؤْتُونَ مَا آتَوا) فإن معناه يعطون ما أعطوا وهم يخافون أن لا يتقبل منهم. ومن قرأ "يأتون ما أتوا" أي: يعملون من الخيرات ما عملوا وقلوبهم خائفة. وأما حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: "هو الذي يزني ويسرق؟ " إلى آخره، فرواه الترمذي وابن ماجه مع تغيير يسير في اللفظ. وهو محمول على التشديد لئلا يتكل الظالم لنفسه، وهو وجه التوافق بين الحديثين.

стр. 5556

يزني ويسرق ويشرب الخمر وهو على ذلك يخاف الله؟ قال: "لا يا ابنة الصدّيق، ولكن هو الذي يصلى ويصوم ويتصدّق، وهو على ذلك يخاف الله أن لا يقبل منه" «١» (يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) يحتمل معنيين، أحدهما: أن يراد يرغبون في الطاعات أشد الرغبة فيبادرونها. والثاني: أنهم يتعجلون في الدنيا المنافع ووجوه الإكرام، كما قال (فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ)] آل عمران: ١٤٨ [، (وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)] العنكبوت: ٢٧ [لأنهم إذا سورع بها لهم، فقد سارعوا في نيلها وتعجلوها، وهذا الوجه أحسن طباقا للآية المتقدمة، لأن فيه إثبات ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذا الوجه أحسن طباقاً للآية المتقدمة)، وهي: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ) أي: ليس فيما أوتي الكافرون من أموال وبنين مُسارعةٌ في الخيرات، فإن ذلك استدراجٌ، بل ما أوتي المؤمنون هو مسارعةٌ في الخيرات، وهم المختصون بأن ينالوا الخيرات قبل الآخرة، حيث عجلت لهم في الدنيا. ولأن (أُوْلَئِكَ) يستدعي أن من قبله جديرٌ بما بعده، لاكتسابه تلك الفضائل، وهذا لا يستقيم إلا على هذا الوجه. وأما قضية النظم - والله تعالى أعلم-: فإن هذه السورة قُطبُ معناها دائرٌ على وصف أمةِ الدعوة أجمع، السابقين منهم، والمقتصدين والظالمين لأنفسهم، ثم الغافلين من الكافرين المعاندين منهم. فهذه خمسة أصناف، فلما صدر السورة بالصنف الأول واستوفى مدحهم، وأراد أن يشرع في وصف سائرهم أتى بدليلي الأنفس والآفاق تنبيهاً وإيقاظاً للساهين، وبقصص الأنبياء السالفة والأمم الخالية تخويفاً واعتباراً للغافلين، ثم قال: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) إلى قوله: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ)، ألا ترى كيف نعى عليهم غفلتهم بقوله تعالى: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ) وجعله تخلصاً إلى ذكر ما للمؤمنين أجمعين من السبق والمسارعة في الخيرات، فذكر فريقي المؤمنين: المقتصد منهم وهو قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) والظالم منهم، وهو قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)، ويجوز الحمل على هذا؛ لأن الظالم من أمة محمد ﷺ هو: من لا يشرك بالله ، ويخافُ الرجوع، وهو مع ذلك يرتكب المناهي، ولأن الأصل أن تكون الخشية لقوم، والوجل لآخرين، ولأن التقسيم حاصلٌ كما سبق فلابد من اعتبار

стр. 5557

ما نفي عن الكفار للمؤمنين. وقرئ: (يسرعون في الخيرات) (لَها سابِقُونَ) أى فاعلون السبق لأجلها أو سابقون الناس لأجلها. أو إياها سابقون، أي: ينالونها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا القسم، وعليه قول عبيد بن عمير لعائشة ﵂: الذي يأتون ما أتوا أحبُّ إليّ من الدنيا وما فيها، وإنما يكون كذلك إذا دلت على الرجاء التام، وأن المراد منهم العاصون، ويكون مجيء قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) كالفذلكة لما للفرق الثلاث من الفضل والكرامة والخير على وزان قوله تعالى في فاطر: (ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا) [فاطر: ٣٢ - ٣٣] بعد ذكر الفرق الثلاث. وقوله: (لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ)، كالتذييل لاستيعاب الأعمال كلها، واستيفاء جزائها، على منوال قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه) [الزلزلة: ٧ - ٨]، ولهذا نفى الظلم بقوله: (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) هذا على تقدير قراءة الرسول ﷺ . وأما على قراءة العامة فالآيات تنزيلٌ على قسم المقتصد، ويُفهم الظالم لنفسه من مفهوم قوله تعالى: (لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ) كما نزلها المصنفُ على السابق: (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ) على المقتصد في قوله: "ولدينا كتابٌ فيه عملُ السابق والمقتصد، ولا نظلمُ أحداً من عمله، ولا نحطه دون درجته". وأقول: عملُ الظالم لنفسه أيضاً؛ لأن الكتاب جامعٌ للأعمال كلها وثوابها وإن كان مثقال ذرة، وإخراجُ البعض تحكم. وهو أيضاً للتخلص من ذكر الفرق الثلاث إلى ذكر المعاندة من هذه الأمة؛ ولهذا قال: (بَلْ قُلُوبُهُمْ) أي: قلوبُ المعاندة، ثم أخذ في وصفهم إلى أن ختم السورة، فبدأ بالعالي، وختم بالعالي، وافتتح بقد أفلح المؤمنون، واختتم بلا يُفلحُ الكافرون. والله يقولُ الحق وهو يهدي السبيل. قوله: (أو: إياها سابقون)، فعلى هذا اللام لضعف عمل اسم الفاعل، نحو: ضاربٌ لزيد. وعلى الأول: اللامُ بمعنى: لأجل، و"السابقون": إما مُجرى مجرى اللازم، فلا يُقدرُ

стр. 5558

قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا. ويجوز أن يكون (لَها سابِقُونَ) خبرا بعد خبر. ومعنى (وَهُمْ لَها) كمعنى قوله: أنت لها أحمد من بين البشر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مفعوله، وإليه الإشارة بقوله: "أي: فاعلون السبق لأجلها"، أو يُقدرُ له مفعولٌ، وهو المراد من قوله: "أو سابقون الناس لأجلها". قوله: (أنت لها أحمدُ من بين البشر)، أوله: داهية الدهر، وصماءُ الغبر ويُروى: أنت لها منذرُ من بين البشر الشعرُ للأعشى الحرمازي يخاطبُ المنذر بن عمرو الكندي أبا النعمان، هكذا رواه الجوهري. ومن روى: أحمدُ، كما في المتن، أراد النبي ﷺ ، والضمير في (لهَا) للنبوة، والحرمازيُّ أدرك النبوة وله صحبة، أي: أنت للنبوة يا أحمد، هكذا وجدته في "شرح الأبيات"، وهذا الأعشى ليس له ذكرٌ في "الجامع"، ولا في "الاستيعاب". الصماءُ: الداهية، وفتنةٌ صماءُ: شديدةٌ. يقال صمي صمام، أي: اشتدي يا فتنةُ، من الصمم: وهو انسدادُ الثلم، يقال: هذا حين أبي الفريقان إلا القتال، وداهيةُ الغبر، بالتحريك: هي العظيمة. الراغب: داهية الغبر: إما من: غبر الشيء، أي: وقع في الغبار، كأنها تُغبرُ الإنسان،

стр. 5559

[(وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣)) [ يعنى أن هذا الذي وصف به الصالحين غير خارج من حدّ الوسع والطاقة، وكذلك كل ما كلفه عباده وما عملوه من الأعمال فغير ضائع عنده، بل هو مثبت لديه في كتاب، يريد اللوح، أو صحيفة الأعمال ناطق بالحق لا يقرءون منه يوم القيامة إلا ما هو صدق وعدل، لا زيادة فيه ولا نقصان ولا يظلم منهم أحد. أو أراد: إن الله لا يكلف إلا الوسع، فإن لم يبلغ المكلف أن يكون على صفة هؤلاء السابقين بعد أن يستفرغ وسعه ويبذل طاقته فلا عليه، ولدينا كتاب فيه عمل السابق والمقتصد، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أو من الغبر: البقيةُ، أي: داهيةٌ باقية، أو من غبره اللونُ، كقولهم: داهيةٌ زباء، أو من غبرة اللبن فكأنها هي الداهية التي وإن انقضت بقي لها أثر، أو من قولهم: عرق غبرٌ، أي: ينبض مرة بعد أخرى، وقد غبر العرق. قوله: (يعني أن هذا الذي وصف به الصالحين)، إلى قوله: "وكذل كل ما كلفه عباده" إشارةٌ إلى أن قوله تعالى: (وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) الآية كالتذييل للآيات السابقة، والتأكيد لمضمونها، وإنما خصه بالصالحين؛ لأن مذهبه أن العاصين خارجون من المذكور. لكن قوله: (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ) مؤذن بأنهم داخلون فيه؛ فإن المذكور من قبل الخشية، والإيمان، ونفي الشرك والوجلُ مع العصيان كما مر، ولا ارتياب أن أعمال المعاندين على عكس ذلك. ودل قوله تعالى: (هُمْ لَهَا عَامِلُونَ) أنهم غيرُ عاملين لغيرها. قوله: (أو أراد أن الله تعالى لا يكلف)، عطفٌ على قوله: "يعني: أن هذا الذي"، فعلى هذا لا يكون تأكيداً، بل استطرداً وبياناً لحكم غير المذكورين من المقتصدين، ولهذا قال: "ولدينا كتابٌ فيه عملُ السابق والمقتصد".

стр. 5560

ولا نظلم أحدا من حقه ولا نحطه دون درجته. بل قلوب الكفرة في غفلة غامرة لها (مِنْ هذا) أى مما عليه هؤلاء الموصوفون من المؤمنين (وَلَهُمْ أَعْمالٌ) متجاوزة متخطية لذلك، أى: لما وصف به المؤمنون (هُمْ لَها) معتادون وبها ضارون، لا يفطمون عنها حتى يأخذهم الله بالعذاب. ] (حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ* لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ* قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ* مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ) [. و(حتى) هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام: الجملة الشرطية، والعذاب: قتلهم يوم بدر. أو الجوع حين دعا عليهم رسول الله ﷺ فقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف «١»» فابتلاهم الله بالقحط ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((وَلَهُمْ أَعْمَالٌ) متجاوزة متخطيةٌ لذلك)، يشير إلى أن معنى (دُونِ) في الآية: التجاوزُ والتخطي عن حد أعمال المؤمنين. قوله: (لا يُفطمُون)، يقال: فلانٌ غير مفطوم من كذا، أي: هو مجبولٌ عليه، وهو معنى قوله تعالى: (هُمْ لَهَا عَامِلُونَ)، وفيه التأكيد من جهة بناء (عَامِلُونَ) على (هُمْ)، وأن اللام بمعنى لأجل على معنى قوله ﷺ : "اعملوا، كل ميسرٌ لما خُلق له"، وقوله ﷺ : "الله أعلمُ بما كانوا عاملين". قوله: (والكلامُ: الجملة الشرطية)، قال القاضي: جواب الشرط: (إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) أي: فاجؤوا الصراخ بالاستغاثة، ويجوز أن يكون الجواب: (لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ)، فإنه مقدرٌ بالقول، أي: قيل لهم: لا تجأروا.

стр. 5561

حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة والقدّ «٢» والأولاد. الجؤار: الصراخ باستغاثة قال: جئّار ساعات النّيام لربّه أى يقال لهم حينئذ (لا تَجْأَرُوا) فإن الجؤار غير نافع لكم (مِنَّا لا تُنْصَرُونَ) لا تغاثون ولا تمنعون منا أو من جهتنا، لا يلحقكم نصر ومغوثة. قالوا: الضمير في (بِهِ) للبيت العتيق أو للحرم، كانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم. والذي سوّغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت، وأنه لم تكن لهم مفخرة إلا أنهم ولاته والقائمون به. ويجوز أن يرجع إلى (آياتي)، إلا أنه ذكر لأنها في معنى كتابي. ومعنى استكبارهم بالقرآن: تكذيبهم به استكبارا. ضمن (مستكبرين) معنى مكذبين، فعدّى تعديته. أو يحدث لكم استماعه استكبارا وعتوّا، فأنتم مستكبرون بسببه. أو تتعلق الباء ب (سامرا)، أى: تستمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه، وكانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون، وكانت عامّة سمرهم ذكر القرآن وتسميته ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (جئارُ ساعات التيام لربه)، أي: يصرخُ يدعو ربه بالليل والناس نيامٌ. الأساس: جأر الداعي إلى الله: ضج ورفع صوته، وبات له جؤارٌ، وهو جئار بالليل. قوله: (ولا تمنعون منا أو من جهتنا)، يعني: "مِنْ" إما صلةٌ، و (تُنْصَرُونَ) من: نصر الذي مطاوعه: انتصر. قال المصنف: سمعت قول بعضهم: اللهم انصرهم منه، أي: اجعلهم منتصرين منه. وهو المراد من قوله: "ولا يمنعون منا"، أو ابتدائي، و (يُنْصَرُونَ) مِن: نُصر، ولهذا قال: "أو من جهتنا". قال القاضي: (إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ) تعليلٌ للنهي، أي: لا تجأروا، فإنه لا ينفعكم، إذ لا تُمنعون منا، أو لا يلحقكم نصرٌ ومعونةٌ من جهتنا.

стр. 5562

سحرا وشعرا وسبّ رسول الله ﷺ . أو ب (تهجرون). والسامر: نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع. وقرئ: (سمرا) و (سمارا). و (تهجرون) و (تهجرون)، من أهجر في منطقه إذا أفحش. والهجر - بالضم -: الفحش، ومن هجر الذي هو مبالغة في هجر إذا هذى. والهجر -: بالفتح الهذيان. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو بـ (تَهْجُرُونَ))، أي: يتعلق الباء بـ (تَهْجُرُونَ). المطلع: يهجرون القرآن ويرفضونه، فلا يلتفتون إليه ولا ينقادون له، وصفوا بهجرانه كما وصفوا بالنكوص عنه. قوله: (والسامر نحو الحاضر)، قال الزجاج والسامر: الجماعةُ الذين يتحدثون ليلاً، وإنما سُما سمارا من السمر، والسمرُ: ظل القمر، وكذلك السمرة مشتقة من هذا. وفي "المطلع": سُمي ظلُّ القمر السمر لأنه يُسمرُ به. قوله: (وقرئ: "سُمراً"، و"سُمارا"، و"تُهجرون"، و"تُهْجرون")، نافعٌ: "تُهْجرون": بضم التاء وكسر الجيم، والباقون: بفتح التاء وضم الجيم. وقال ابن جني: قرأ ابن مسعودٍ وابن عباس وعكرمة: "سُمرا يهجرون". قوله: (والهجر بالضم: الفحش)، الراغب: الهجرُ: الكلامُ المهجور، لقبحه، هجر فلانٌ: إذا أتى بهجرٍ من الكلام عن قصد. وأهجر المريض: إذا أتى بذل من غير قصد، ورماه بهاجرات فمه أي: بفضائح كلامه. وقولهم: فلانٌ هجيراه كذا: إذا أولع بذكره، وهدى به هذيان المريض، ولا يكاد يستعمل الهجير إلا في العادة الذميمة والهجير والهاجر: الساعة التي يثمتنع فيها من السير للحر، كأنها هجرت الناس وهُجرت لذلك.

стр. 5563

[(أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَاتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠)) [ (الْقَوْلَ) القرآن، يقول: أفلم يتدبروه ليعلموا أنه الحق المبين فيصدّقوا به وبمن جاء به، بل أجاءَهُمْ (ما لَمْ يَاتِ آباءَهُمُ) فلذلك أنكروه واستبدعوه، كقوله: (لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ)] يس: ٦ [أو ليخافوا ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بل أجاءهم)، يعني: "أم" منقطعة، والهمزة فيه: للتقرير. قوله: (أو ليخافوا)، عطفٌ على قوله: "ليعلموا"، فالتقدير: أغفلوا فلم يتدبروا القرآن ليخافوا الإنذار فيه بل أجاءهم الأمن ما لم يأت آبائهم، يعني: أن آباءهم إنما خافوا وآمنوا به وبكتبه من جهة الوحي أو الإلهام الصادق، فأمنوا من العذاب، فحالُ هؤلاء بخلاف حال آبائهم الأقدمين. والمراد بالآباء حينئذ من ذكر أساميهم إلى آخره. فإن قلت: من أين جاء الخلاف بين التفسيرين لقوله: (مَا لَمْ يَاتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ)؟ قلتُ: من حيث التعليلُ، فإنه لما علل التدبير بالعلم أضرب عنه بإثبات الجهل الموروث من الآباء الجهلة، ولما علله بالخوف أضرب عنه بإثبات المن الذي على خلاف المعهود من أهل الحق مثل آبائهم المهتدين؛ لأن الأمن من العذاب لا يحصل إلا للمهتدي، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) [الأنعام: ٨٢]، وفيه ضربٌ من التهكم. والوجه الأول أوفق لتأليف النظم؛ لأن قوله تعالى: (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ) إضرابٌ على سبيل الترقي، وكذلك قوله: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ) فإنه لما أثبت لهم الجهل الموروث أضرب عن ذلك بإثبات الجهل المكتسب، وهو عدم جريهم بموجب العلم فإن الهمزة في أم للسؤال مُجرى للمعلوم مساق غيره تجهيلاً، أو للتوبيخ. قال محيي السنة رحمة الله تعالى عليه:

стр. 5564

عند تدبر آياته وأقاصيصه مثل ما نزل بمن قبلهم من المكذبين، أم جاءهم من الأمن ما لم يأت آباءهم حين خافوا الله فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه؟ وآباؤهم: إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان. وعن النبي ﷺ «لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين، ولا تسبوا قسا فإنه كان مسلما، ولا تسبوا الحارث بن كعب ولا أسد بن خزيمة ولا تميم ابن مرّ. فإنهم كانوا على الإسلام، وما شككتم فيه من شيء فلا تشكوا في أن تبعا كان مسلما» وروي في أنّ ضبة كان مسلما، وكان على شرطة سليمان بن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ) واردٌ على سبيل التوبيخ على الإعراض. ثم أضرب عنه بقوله: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ) أي: هاهنا ما هو أعظمُ من ذلك كله، وهو إثباتُ الجنون، مع العلم بأنه أرجحهم عقلاً وأثقبهم ذهناً. فإن قلت: ما وجهُ ما رواه الواحدي عن ابن عباس قوله تعالى: (مَا لَمْ يَاتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ) أليس قد أرسلنا نوحاً وإبراهيم والنبيين إلى قومهم؟ فكذل بعثنا محمداً ﷺ إلى قومه؟ قلتُ: على هذا يقدر مدخول الهمزة في قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا) ما دل عليه قوله: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ)، على أن يكون الضمير للقرآن، أي: استكبروا، أفلم يتدبروا القرآن أم جاءهم ببدع، وبما لم يأت به أنبياؤهم الأقدمون؟ ثم قيل: بل ألم يعرفوا رسولهم فلذلك أنكروه وانكروا ما أُنزل إليه، كقوله تعالى: (لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) [الزخرف: ٣١]، والظاهر أن "أمْ" حينئذٍ متصلةٌ؛ لأن التقدير: استكبرا فلم يتدبروا، أم استبدعوا فلم يتفكروا، وقال في (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا) إضرابٌ عن الجملة، لا عن مدخولِ "أم" وحده، هذا هو التحقيق فليتدبر. قوله: (وكان على شرطة سليمان)، قيل: هي: اسم جمع، وجمعها: شُرط. الجوهري:

стр. 5565

داود (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا) محمدا وصحة نسبه، وحلوله في سطة هاشم، وأمانته، وصدقه، وشهامته، وعقله، واتسامه بأنه خير فتيان قريش، والخطبة التي خطبها أبو طالب في نكاح خديجة بنت خويلد، كفى برغائها مناديا. الجنة: الجنون وكانوا يعلمون أنه بريء منها وأنه أرجحهم عقلا وأثقبهم ذهنا، ولكنه جاءهم بما خالف شهواتهم وأهواءهم، ولم يوافق ما نشأوا عليه، وسيط بلحومهم «١» ودمائهم من اتباع الباطل، ولم يجدوا له مردّا ولا مدفعا لأنه الحق الأبلج والصراط المستقيم، فأخلدوا إلى البهت وعوّلوا على الكذب من النسبة إلى الجنون والسحر والشعر. فإن قلت: قوله (وَأَكْثَرُهُمْ) فيه أن أقلهم كانوا لا يكرهون الحق. قلت: كان فيهم من يترك الإيمان به أنفة واستنكافا من توبيخ قومه وأن يقولوا: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الشرط بالتحريك: العلامةُ، الأصمعي: ومنه سُمي الشرط؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامةً يعرفون بها، الواحد شرطة، وشُرطي. قوله: (في سطة هاشم)، الأساس: ومن المجاز هو وسط قومه ووسط فيهم وسطةٌ وقومٌ وسطٌ وأوساطٌ: خيارٌ. قوله: (كفى برغائها منادياً)، الجوهري: الرغاءُ: صوت ذوات الخف، ويقالُ في المثل: كفى برعائها منادياً، أي: إن رغاء بعيره يقوم مقام ندائه في التعرض للضيافة والقرى. وقال الميداني: يُضربُ لمن يقف بباب الرجل، فيقال: أرسل من يستأذن لك، فيقول: كفى بعلمه توقفي ببابه مستأذناً لي، أي: قد علم بمكاني، فلو أراد أذن لي. قوله: (وسيط بلحومهم)، السوط: خلط الشيء بعضه ببعض. قوله: (كان فيهم من يترك الإيمان به أنفةً واستنكافاً من توبيخ قومه)، الانتصاف: قولُ

стр. 5566

صبأ وترك دين آبائه، لا كراهة للحق، كما يحكى عن أبي طالب. فإن قلت: يزعم بعض الناس أنّ أبا طالب صحّ إسلامه. قلت: يا سبحان الله، كأن أبا طالب كان أخمل أعمام رسول الله ﵌، حتى يشتهر إسلام حمزة والعباس رضى الله عنهما، ويخفى إسلام أبى طالب! ] (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)) [ دل بهذا على عظم شأن الحق، وأنّ السماوات والأرض ما قامت ولا من فيهن إلا به، فلو اتبع أهواءهم لانقلب باطلا، ولذهب ما يقوم به العالم فلا يبقى له بعده ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الزمخشري: من يتركُ الإيمان لأجل آبائه لم يكن كارهاً غير صحيح، فمن أحب شيئاً كره ضده، فلما أبو االبقاء على كفرهم، كرهوا الانتقال عنه، واستجره الكلام إلى تحقيق موت أبي طالب، أي: في حال كونه غير كاره للإيمان. وقلتُ: من امتنع عن الإسلام بمجرد التقليد لا يكون إلا مُحباً له في نفسه، غير كاره إياه، ومبغضاً لضده، وهو الكفرُ. وقال صاحب "الانتصاف": والأحسن أن يعود الضمير في (وَأَكْثَرُهُمْ) على الجنس بجملته، كقوله تعالى: (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) [الشعراء: ٨]، (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [يوسف: ١٠٣]، لقوله: (بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ)، وقد جاء به للناس كافةً، ويحتمل أن يُراد بالأكثر: الكلُّ، كما حمل القليل على النفي. وقلتُ: هذا أقرب، والأول مردودٌ؛ لما يلزم منه الاختلاف في الضمائر، وأيضاً، الأسلوب الذي ذهب إليه تذييلٌ، فلابد من إقامة المظهر فيه مقام المضمر، وهو أن يُراد بالأكثر الكل. قوله: (يا سبحان الله)، "سبحان الله": كلمةُ تنزيه، ثم استعمل في التعجب، كأنه قيل: يا عجباً.

стр. 5567

قوام. أو أراد أنّ الحق الذي جاء به محمد ﷺ وهو الإسلام، لو اتبع أهواءهم وانقلب شركا، لجاء الله بالقيامة ولأهلك العالم ولم يؤخر. وعن قتادة: أنّ الحق هو الله. ومعناه: ولو كان الله إلها يتبع أهواءهم ويأمر بالشرك والمعاصي، لما كان إلها ولكان شيطانا، ولما قدر أن يمسك السماوات والأرض (بِذِكْرِهِمْ) أى بالكتاب الذي هو ذكرهم، أى: وعظهم أو وصيتهم وفخرهم: أو بالذكر الذي كانوا يتمنونه ويقولون: (لو أنّ عندنا ذكرا من الأوّلين لكنا عباد الله المخلصين)] الصافات: ١٦٨ - ١٦٩ [. وقرئ: بذكراهم. (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) ٧٢ [ قرئ: (خراجا فخراج). و (خرجا فخرج). و (خرجا فخراج): وهو ما تخرجه إلى الإمام من زكاة أرضك، وإلى كل عامل من أجرته وجعله. وقيل: الخرج: ما تبرعت به. والخراج: ما لزمك أداؤه. والوجه أنّ الخرج أخص من الخراج، كقولك: خراج القرية، وخرج الكردة، زيادة اللفظ لزيادة المعنى، ولذلك حسنت قراءة من قرأ: (خرجا فخراج ربك)، يعنى: أم تسألهم على هدايتك لهم قليلا من عطاء الخلق، فالكثير من عطاء الخالق خير. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولو كان الله إلها)، إلى آخره، من الإلحاد الذي يحترزُ أن ينطق به المسلم. قوله: (قرئ: "خراجاً فخراج")، حمزةُ والسائي: "خراجاً"، والباقون: بغير ألف. ابن عامر: "فخرج ربك"، بإسكان الراء من غير ألف، والباقون: بفتحها وبألف. قوله: (وخرج الكردةُ)، روي عن المصنف: الكردة: جمعها: الكرد، وهو من وضع الكرد، والعرب لا تعرفها، وهي قطعةٌ من الأرض المزروعة، ولا تُعرفُ هذه اللغة في الأصول. قوله: (ولذلك حسنت قراءة من قرأ (خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ))، قال صاحب "الفرائد":

стр. 5568

(وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤)) قد ألزمهم الحجة في هذه الآيات وقطع معاذيرهم وعللهم بأن الذي أرسل إليهم رجل معروف أمره وحاله، مخبور سرّه وعلنه، خليق بأن يجتبى مثله للرسالة من بين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المفهوم من قوله أن الخرج يدل على القليل من إعطاء الخلق، وأن الخراج على الكثير من إعطاء الخالق، فكيف يكون الخرج أخص من الخراج؟ والمعنى: أينون أنك طامعٌ في أموالهم فيما تدعوهم إليه، فخراج ربك، أي: ما يعطيك ربك على طاعتك له في الدعاء إليه، خيرٌ لك من عرض الدنيا. وقلتُ: مرادُ المصنف من لفظ"أخص": الأقل تناولاً مطلقاً، لا الخاص الذي يقابل العام؛ لقوله: "زيادة اللف لزيادة المعنى". قال القاضي: الخرجُ: بإزاء الدخل، يقال لكل ما تخرجه إلى غيرك، والخراجُ غالبٌ في الضريبة على الأرض، ففيه إشعارٌ بالكثرة واللزوم، فيكون أبلغ، ولذلك عبر به عن إعطاء الله تعالى إياه، كأنه قال: أم تسألهم أجراً على أداء الرسالة (فَخَرَاجُ رَبِّكَ)، أي: رزقه في الدنيا، أو ثوابه في الآخرة (خَيْرٌ) لسعته ودوامه. قوله: (قد ألزمهم الحجة في هذه الآيات، وقطع معاذيرهم وعللهم بأن الذي أرسل إليهم رجلٌ معروفٌ أمره)، إلى آخره، اعلم أن هذه الآيات مطابقةٌ للحديث المشهور المخرج في "الصحيحين" للإمام محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج رحمهما الله، عن أبي سفيان قبل إسلامه حين أرسل إليه هرقل وسأله عن أمر رسول الله ﷺ في أنهما اشتملا على أمهات المسائل المعتبرة في أمر النبوة: أولها: الواجب أن يكون الرسول ذا نسب، فدل عليه بقوله تعالى: (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ

стр. 5569

ظهرانيهم، وأنه لم يعرض له حتى يدعى بمثل هذه الدعوى العظيمة بباطل، ولم يجعل ذلك سلما إلى النيل من دنياهم واستعطاء أموالهم، ولم يدعهم إلا إلى دين الإسلام ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ)، أي: لم يعرفوا محمداً ﷺ وصحة نسبه وحلوله في سطة هاشم، يوافقه قول هرقل لترجمانه: قل له: إني سألتك عن نسبه فيمك، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تُبعث في نسب قومها. وثانيها: أن يكون صاحب شهامة ورجاحة عقل، بريئاً من الجنون وما ينافي الحق والصدق، وهو الزورُ، والكذب، فدل عليه بقوله: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ)، وقال هرقل: سألتك: هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقلتُ: أعرفُ أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس فيكذب على الله . وثالثها: أن لا يسأل فيما يرومه عاجلاً للأمر، فدل عليه بقوله تعالى: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ)، وقال هرقل: سألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، فقلتُ: لو كان من آبائه من ملكٍ قلتُ: رجلٌ يطلبُ ملك أبيه. ورابعها: أن يكون ما يدعو إليه في نفسه حقاً هادياً إلى الطريق المستقيم، فدل عليه بقوله: (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، وقال هرقل: سألتك: بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم بأن تعبدوا الله تعالى، ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف. ثم قال هرقل بعد ذلك: فإن كان ما تقول حقاً فسيملكُ موضع قدمي هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارجٌ، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أنني أعلمُ أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه. ألا ترى كيف أذعن للحق بما سمع من الأمارات؟ قوله: (وأنه لم يُعرض له)، تقول العربُ: عرض لفلان: إذا جُن، بمعنى عرضت له الجن. النهاية: في حديث خديجة ﵂: "أخاف أن يكون عُرض له"، أي: عرض له الجن، أو أصابه منهم. قوله: (ولم يدعهم إلا إلى دين الإسلام)، عطفٌ على قوله: "وأنه لم يُعرض له"، المراد منه قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ)، وقوله: "ولم يجعل ذلك سُلماً"، المقصود

стр. 5570

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من قوله: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً)، وترك ما يدل على قوله: (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ)، والحاصل أنه تعالى أورد هذه الحجج على منوالٍ أبرز معها الداء المكنون في ضمائرهم، أي: أن تلك الدعوة كانت على اللين والرفق، وإرخاء العنان مع الخصم، وعدم المواجهة، يدل عليه قوله تعالى: (وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ) حيث جيء بـ"لوْ" على الفرض في موضع القطع على منوال (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) [محمد: ٢٢] ليبعثهم على الفكر في حال أنفسهم وما هم عليه من ركوب باطلهم وأهوائهم، وتلك الأهواء والأدواء على وجوه. أولها: التقليد وعدم التدبر والفكرة، فدل عليه بقوله تعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَاتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ)، وإليه الإشارة بقوله: "وهو إخلالهم بالتدبر واستهتارهم بدين الآباء الضُّلال". وثانيها: تعللهم بأنه مجنونٌ بعد ظهور الحق، وإليه يشير بقوله: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ). وثالثها: كراهتهم للحق، هو المراد من قوله تعالى: (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ). قال القاضي رحمة الله تعالى عليه: لأنه يخالف شهواتهم وأهواءهم، فلذلك أنكروه. ورابعها: إعراضهم عما فيه حظهم، وهو المعني بقوله: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ). واعلم أنه ظهر من هذا البيان أن قوله: (وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ) جملةٌ معترضةٌ بين المعطوف والمعطوف عليه، وهو (أَمْ تَسْأَلُهُمْ) و (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ)، وأن الوجه الثاني في تفسير الحق، وهو أن يُراد به الحق الذي جاء به محمدٌ ﷺ وهو الإسلام، هو الوجهُ. والوجه الثالث، وهو أن يُراد به الله منها بعيدٌ ناب عن اقتضاء المقام، وأن قوله: "لما كان إلها ولكان شيطاناً" هفوةٌ فاحشةٌ، وإلحادٌ في أسمائه والعياذ بالله تعالى منها. وأما
следующие страницы →