← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

صبأ وترك دين آبائه، لا كراهة للحق، كما يحكى عن أبي طالب. فإن قلت: يزعم بعض الناس أنّ أبا طالب صحّ إسلامه. قلت: يا سبحان الله، كأن أبا طالب كان أخمل أعمام رسول الله ﵌، حتى يشتهر إسلام حمزة والعباس رضى الله عنهما، ويخفى إسلام أبى طالب! ] (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)) [ دل بهذا على عظم شأن الحق، وأنّ السماوات والأرض ما قامت ولا من فيهن إلا به، فلو اتبع أهواءهم لانقلب باطلا، ولذهب ما يقوم به العالم فلا يبقى له بعده ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الزمخشري: من يتركُ الإيمان لأجل آبائه لم يكن كارهاً غير صحيح، فمن أحب شيئاً كره ضده، فلما أبو االبقاء على كفرهم، كرهوا الانتقال عنه، واستجره الكلام إلى تحقيق موت أبي طالب، أي: في حال كونه غير كاره للإيمان. وقلتُ: من امتنع عن الإسلام بمجرد التقليد لا يكون إلا مُحباً له في نفسه، غير كاره إياه، ومبغضاً لضده، وهو الكفرُ. وقال صاحب "الانتصاف": والأحسن أن يعود الضمير في (وَأَكْثَرُهُمْ) على الجنس بجملته، كقوله تعالى: (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) [الشعراء: ٨]، (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [يوسف: ١٠٣]، لقوله: (بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ)، وقد جاء به للناس كافةً، ويحتمل أن يُراد بالأكثر: الكلُّ، كما حمل القليل على النفي. وقلتُ: هذا أقرب، والأول مردودٌ؛ لما يلزم منه الاختلاف في الضمائر، وأيضاً، الأسلوب الذي ذهب إليه تذييلٌ، فلابد من إقامة المظهر فيه مقام المضمر، وهو أن يُراد بالأكثر الكل. قوله: (يا سبحان الله)، "سبحان الله": كلمةُ تنزيه، ثم استعمل في التعجب، كأنه قيل: يا عجباً.

стр. 5567

قوام. أو أراد أنّ الحق الذي جاء به محمد ﷺ وهو الإسلام، لو اتبع أهواءهم وانقلب شركا، لجاء الله بالقيامة ولأهلك العالم ولم يؤخر. وعن قتادة: أنّ الحق هو الله. ومعناه: ولو كان الله إلها يتبع أهواءهم ويأمر بالشرك والمعاصي، لما كان إلها ولكان شيطانا، ولما قدر أن يمسك السماوات والأرض (بِذِكْرِهِمْ) أى بالكتاب الذي هو ذكرهم، أى: وعظهم أو وصيتهم وفخرهم: أو بالذكر الذي كانوا يتمنونه ويقولون: (لو أنّ عندنا ذكرا من الأوّلين لكنا عباد الله المخلصين)] الصافات: ١٦٨ - ١٦٩ [. وقرئ: بذكراهم. (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) ٧٢ [ قرئ: (خراجا فخراج). و (خرجا فخرج). و (خرجا فخراج): وهو ما تخرجه إلى الإمام من زكاة أرضك، وإلى كل عامل من أجرته وجعله. وقيل: الخرج: ما تبرعت به. والخراج: ما لزمك أداؤه. والوجه أنّ الخرج أخص من الخراج، كقولك: خراج القرية، وخرج الكردة، زيادة اللفظ لزيادة المعنى، ولذلك حسنت قراءة من قرأ: (خرجا فخراج ربك)، يعنى: أم تسألهم على هدايتك لهم قليلا من عطاء الخلق، فالكثير من عطاء الخالق خير. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولو كان الله إلها)، إلى آخره، من الإلحاد الذي يحترزُ أن ينطق به المسلم. قوله: (قرئ: "خراجاً فخراج")، حمزةُ والسائي: "خراجاً"، والباقون: بغير ألف. ابن عامر: "فخرج ربك"، بإسكان الراء من غير ألف، والباقون: بفتحها وبألف. قوله: (وخرج الكردةُ)، روي عن المصنف: الكردة: جمعها: الكرد، وهو من وضع الكرد، والعرب لا تعرفها، وهي قطعةٌ من الأرض المزروعة، ولا تُعرفُ هذه اللغة في الأصول. قوله: (ولذلك حسنت قراءة من قرأ (خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ))، قال صاحب "الفرائد":

стр. 5568

(وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤)) قد ألزمهم الحجة في هذه الآيات وقطع معاذيرهم وعللهم بأن الذي أرسل إليهم رجل معروف أمره وحاله، مخبور سرّه وعلنه، خليق بأن يجتبى مثله للرسالة من بين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المفهوم من قوله أن الخرج يدل على القليل من إعطاء الخلق، وأن الخراج على الكثير من إعطاء الخالق، فكيف يكون الخرج أخص من الخراج؟ والمعنى: أينون أنك طامعٌ في أموالهم فيما تدعوهم إليه، فخراج ربك، أي: ما يعطيك ربك على طاعتك له في الدعاء إليه، خيرٌ لك من عرض الدنيا. وقلتُ: مرادُ المصنف من لفظ"أخص": الأقل تناولاً مطلقاً، لا الخاص الذي يقابل العام؛ لقوله: "زيادة اللف لزيادة المعنى". قال القاضي: الخرجُ: بإزاء الدخل، يقال لكل ما تخرجه إلى غيرك، والخراجُ غالبٌ في الضريبة على الأرض، ففيه إشعارٌ بالكثرة واللزوم، فيكون أبلغ، ولذلك عبر به عن إعطاء الله تعالى إياه، كأنه قال: أم تسألهم أجراً على أداء الرسالة (فَخَرَاجُ رَبِّكَ)، أي: رزقه في الدنيا، أو ثوابه في الآخرة (خَيْرٌ) لسعته ودوامه. قوله: (قد ألزمهم الحجة في هذه الآيات، وقطع معاذيرهم وعللهم بأن الذي أرسل إليهم رجلٌ معروفٌ أمره)، إلى آخره، اعلم أن هذه الآيات مطابقةٌ للحديث المشهور المخرج في "الصحيحين" للإمام محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج رحمهما الله، عن أبي سفيان قبل إسلامه حين أرسل إليه هرقل وسأله عن أمر رسول الله ﷺ في أنهما اشتملا على أمهات المسائل المعتبرة في أمر النبوة: أولها: الواجب أن يكون الرسول ذا نسب، فدل عليه بقوله تعالى: (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ

стр. 5569

ظهرانيهم، وأنه لم يعرض له حتى يدعى بمثل هذه الدعوى العظيمة بباطل، ولم يجعل ذلك سلما إلى النيل من دنياهم واستعطاء أموالهم، ولم يدعهم إلا إلى دين الإسلام ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ)، أي: لم يعرفوا محمداً ﷺ وصحة نسبه وحلوله في سطة هاشم، يوافقه قول هرقل لترجمانه: قل له: إني سألتك عن نسبه فيمك، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تُبعث في نسب قومها. وثانيها: أن يكون صاحب شهامة ورجاحة عقل، بريئاً من الجنون وما ينافي الحق والصدق، وهو الزورُ، والكذب، فدل عليه بقوله: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ)، وقال هرقل: سألتك: هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقلتُ: أعرفُ أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس فيكذب على الله . وثالثها: أن لا يسأل فيما يرومه عاجلاً للأمر، فدل عليه بقوله تعالى: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ)، وقال هرقل: سألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، فقلتُ: لو كان من آبائه من ملكٍ قلتُ: رجلٌ يطلبُ ملك أبيه. ورابعها: أن يكون ما يدعو إليه في نفسه حقاً هادياً إلى الطريق المستقيم، فدل عليه بقوله: (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، وقال هرقل: سألتك: بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم بأن تعبدوا الله تعالى، ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف. ثم قال هرقل بعد ذلك: فإن كان ما تقول حقاً فسيملكُ موضع قدمي هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارجٌ، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أنني أعلمُ أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه. ألا ترى كيف أذعن للحق بما سمع من الأمارات؟ قوله: (وأنه لم يُعرض له)، تقول العربُ: عرض لفلان: إذا جُن، بمعنى عرضت له الجن. النهاية: في حديث خديجة ﵂: "أخاف أن يكون عُرض له"، أي: عرض له الجن، أو أصابه منهم. قوله: (ولم يدعهم إلا إلى دين الإسلام)، عطفٌ على قوله: "وأنه لم يُعرض له"، المراد منه قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ)، وقوله: "ولم يجعل ذلك سُلماً"، المقصود

стр. 5570

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من قوله: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً)، وترك ما يدل على قوله: (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ)، والحاصل أنه تعالى أورد هذه الحجج على منوالٍ أبرز معها الداء المكنون في ضمائرهم، أي: أن تلك الدعوة كانت على اللين والرفق، وإرخاء العنان مع الخصم، وعدم المواجهة، يدل عليه قوله تعالى: (وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ) حيث جيء بـ"لوْ" على الفرض في موضع القطع على منوال (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) [محمد: ٢٢] ليبعثهم على الفكر في حال أنفسهم وما هم عليه من ركوب باطلهم وأهوائهم، وتلك الأهواء والأدواء على وجوه. أولها: التقليد وعدم التدبر والفكرة، فدل عليه بقوله تعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَاتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ)، وإليه الإشارة بقوله: "وهو إخلالهم بالتدبر واستهتارهم بدين الآباء الضُّلال". وثانيها: تعللهم بأنه مجنونٌ بعد ظهور الحق، وإليه يشير بقوله: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ). وثالثها: كراهتهم للحق، هو المراد من قوله تعالى: (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ). قال القاضي رحمة الله تعالى عليه: لأنه يخالف شهواتهم وأهواءهم، فلذلك أنكروه. ورابعها: إعراضهم عما فيه حظهم، وهو المعني بقوله: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ). واعلم أنه ظهر من هذا البيان أن قوله: (وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ) جملةٌ معترضةٌ بين المعطوف والمعطوف عليه، وهو (أَمْ تَسْأَلُهُمْ) و (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ)، وأن الوجه الثاني في تفسير الحق، وهو أن يُراد به الحق الذي جاء به محمدٌ ﷺ وهو الإسلام، هو الوجهُ. والوجه الثالث، وهو أن يُراد به الله منها بعيدٌ ناب عن اقتضاء المقام، وأن قوله: "لما كان إلها ولكان شيطاناً" هفوةٌ فاحشةٌ، وإلحادٌ في أسمائه والعياذ بالله تعالى منها. وأما

стр. 5571

الذي هو الصراط المستقيم، مع إبراز المكنون من أدوائهم وهو إخلالهم بالتدبر والتأمل، واستهتارهم بدين الآباء الضلال من غير برهان، وتعللهم بأنه مجنون بعد ظهور الحق وثبات التصديق من الله بالمعجزات والآيات النيرة، وكراهتهم للحق، وإعراضهم عما فيه حظهم من الذكر، يحتمل أنّ هؤلاء وصفتهم أنهم لا يؤمنون بالآخرة (لَناكِبُونَ) أى عادلون عن هذا الصراط المذكور، وهو قوله (إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) وأن كل من لا يؤمن بالآخرة فهو عن القصد ناكب. لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة ومنع الميرة من أهل مكة وأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز، جاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ فقال ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الوجه الأول، وهو أن يُراد جنسُ الحق ليدخل الحق الذي السياق عليه، فهو أيضاً وجهٌ، وكان هذا أوجه، وبالاعتراض أليق. وحملُ الوجه الثاني على الاستطراد لقوله: (بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ) أنسبُ. قوله: (واستهتارهم)، الجوهري: فلانٌ مستهترٌ بالشراب، أي: مولعٌ به لا يبالي ما قيل فيه. قوله: (يحتملُ أن هؤلاء وصفتهم أنهم لا يؤمنون بالآخرة)، يريدُ أن الآية مقابلةٌ لقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، وأن الأصل: وإنهم عن الصراط لناكبون، فأقيم المظهر مقام المضمر؛ ليؤذن بأن منكر الحشر ناكبٌ عن الصراط المستقيم الذي هو دين الإسلام، وأن مبنى دين الإسلام على الإيمان باليوم الآخر. قوله: (وأن كل من لا يؤمن بالآخرة): عطفٌ على قوله: "أن هؤلاء"ن فعلى هذا لا يكون من إقامة المظهر مقام المضمر، بل الجملة تذييلٌ، فيدخل هؤلاء دخولاً أولياً في هذا المقام. قوله: (أكلوا العلهز)، النهاية: هو شيءٌ يتخذونه في المجاعة، يخلطون الدم بأوبار

стр. 5572

له: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين فقال: بلى. فقال قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع. ] (وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)) [ والمعنى: لو كشف الله عنهم هذا الضرّ وهو الهزال والقحط الذي أصابهم برحمته عليهم ووجدوا الخصب، لارتدوا إلى ما كانوا عليه من الاستكبار وعداوة رسول الله ﷺ والمؤمنين وإفراطهم فيها، ولذهب عنهم هذا الإبلاس وهذا التملق بين يديه ويسترحمونه، واستشهد على ذلك بأنا أخذناهم أوّلا بالسيوف وبما جرى عليهم يوم بدر من قتل صناديدهم وأسرهم، فما وجدت منهم بعد ذلك استكانة ولا تضرع، حتى فتحنا عليهم باب الجوع الذي هو أشدّ من الأسر والقتل وهو أطم العذاب، فأبلسوا الساعة وخضعت رقابهم، وجاء أعتاهم وأشدّهم شكيمة في العناد يستعطفك. أو محناهم بكل محنة من القتل والجوع فما رؤي فيهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الإبل، ثم يشوونه بالنار ويأكلونه. وقيل: هو شيء ينبت ببلاد بني سُليم، له أصلٌ كأصل البردي. قوله: (هذا الإبلاسُ)، نحوه قوله تعالى: (أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [الأنعام: ٤٤] أي: متحيرون آيسون واجمون. والتملقُ: قول أبي سفيان: أنشدتك الله والرحم إلى آخره. قوله: (يسترحمونه)، جملةٌ مستأنقةٌ؛ بيان، أو حالٌ مؤكدة، والعامل: اسم الإشارة. قوله: (أو محناهم بكل محنة)، عطفٌ على قوله: "أخذناهم أولاً بالسيوف"، يعني:

стр. 5573

لين مقادة وهم كذلك، حتى إذا عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون، كقوله (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ)] الروم: ١٢ [، (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ)] الزخرف: ٧٥ [. والإبلاس: اليأس من كل خير. وقيل: السكوت مع التحير. فإن قلت: ما وزن استكان؟ قلت: استفعل من الكون، أى: انتقل من كون إلى كون، كما قيل: استحال، إذا انتقل من حال إلى حال. ويجوز أن يكون افتعل من السكون أشبعت فتحة عينه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هؤلاء القوم قد اعتادوا اللجاج، وليس هذا الجوع بأول عذاب، حتى إذا كشفناه عنهم تضرعوا استكانوا، ألا ترى كيف أخذناهم بالسيوف يوم بدر، أو محناهم بكل محنةٍ فما استكانوا؟ وإليه الإشارة بقوله: "واستشهد على ذلك بأنا أخذناهم". قوله: (لين مقادةٍ)، مستعارٌ لسهولة تأتي الحق، من قولهم: هو يقود الخيل ويقتادها. الأساس: قاد الفرس بمقاودها، وهو حبلٌ يُشد في العنق للقياد. ومن المجاز: فلانٌ سلسُ القياد؛ يتابعك على هواك. قوله: (ويجوز أن يكون افتعل من السكون)، الانتصاف: كونه استفعل من الكون أحسنُ من هذا، فإنه غير فصيح، و"بمُنتزاحِ" للضرورة. وأما تنظيره بقوله: "كما قيل: استحال: إذا انتقل" وهمٌ؛ فإن "استكان" عنده أحد أقسام استفعل الذي معناه التحول، كاستجمر استنوق، وأما "استحال" فثلاثيه من: حال يحول، أفاد معنى الحول من غير نقلٍ إلى استفعل، فاستفعل فيه بمعنى فعل. ومعنى الآية: فما انتقلوا من كون التحير إلى كون الخضوع؛ لدلالة المقام عليه. وكان جدي امتُحن ببغداد عند الناصر، فسُئل عنها فقال هو مشتقٌّ من قول العرب: كنتُ لك إذا خضعت، هي لغةٌ هذلية، وقد نقلها أبو عبيد في "الغريب"، وهو أحسنُ محاملِ الآية، ويكون استفعل بمعنى فعل مثل: قرّ

стр. 5574

كما جاء: "بمنتزاح". فإن قلت: هلا قيل: وما تضرعوا. أو: فما يستكينون؟ قلت: لأنّ المعنى: محناهم فما وجدت منهم عقيب المحنة استكانة. وما من عادة هؤلاء أن يستكينوا ويتضرعوا حتى يفتح عليهم باب العذاب الشديد. وقرئ: (فتحنا). ] (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠))] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ واستقر، وعلا واستعلى، وحال واستحال. وسُئلت: لم لا تجعله - على هذا- من استفعل للمبالغة، استحسر واستعصم. فقلتُ: المعنى: يأباه؛ لأن المقصود وصفهم بغاية القسوة، فلو جعلتها للمبالغة لم يُفد ذلك؛ لأن نفي الأدنى أبلغ من نفي الأعلى، فيكون ذماً بأنهم ما بلغوا في الضراعة نهايتها، وهم لم يتلمظوا بشيء منها، فكيف ينفي عنهم نهايتها؟ وقال صاحب "الإنصاف": له محملٌ صحيحٌ، وهو التنبيه على أن ذلك العذاب مقتض لغاية الاستكانة، وقد ورد هذا السؤال في قوله: (وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) [الأنبياء: ١٩]، وهي للمبالغة، وأجاب الزمخشري رحمه الله تعالى بما ذكرته. قوله: (كما جاء: "بمُنْتَزَاح")، الجوهري: أنت بمنتزحٍ من كذا، أي: ببعدٍ منه. قال ابن هرمة يرثي ابنه: فأنت من الغوائل حين تُرمى … ومن ذم الرجال بمنتزاح إلا أنه أشبع فتحة الزاي، فتولدت الألفُ. قوله: (هلا قيل: وما تضرعوا، أو: فما يستكينون؟ )، أي: لمَ لمْ تُراع الموافقةُ بين

стр. 5575

إنما خصّ السمع والأبصار والأفئدة، لأنه يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها. ومقدمة منافعها أن يعملوا أسماعهم وأبصارهم في آيات الله وأفعاله، ثم ينظروا ويستدلوا بقلوبهم. ومن لم يعملها فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها، كما قال الله تعالى (فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إذ كانوا يجحدون بآيات الله)] الأحقاف: ٢٦ [، ومقدمة شكر النعمة فيها الإقرار بالمنعم بها، وأن لا يجعل له ندّ ولا شريك، أى: تشكرون شكرا قليلا، و (ما) مزيدة للتأكيد بمعنى حقا (ذَرَأَكُمْ) خلقكم وبثكم بالتناسل (وَإِلَيْهِ) تجمعون يوم القيامة بعد تفرّقكم (وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) أى هو مختص به وهو متوليه، ولا يقدر على تصريفهما غيره. وقرئ: يعقلون، بالياء عن أبى عمرو. ] (بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)) [ أى: قال أهل مكة كما قال الكفار قبلهم. الأساطير: جمع أسطار: جمع سطر. قال رؤبة: إنّى وأسطار سطرن سطرا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المعطوف والمعطوف عليه في كونهما ماضيين أو مضارعين؟ وأجاب: أن (اسْتَكَانُوا) على ظاهره؛ لأنه مرتبٌ على قولهم: (أَخَذْنَاهُمْ). وأما يتضرعون فعدولٌ عن الظاهر، لتوخي الاستمرار على عدم التضرع والدوام عليه، وإليه الإشارة بقوله: "وما من عادة هؤلاء أن يستكينوا"، أي: يتضرعوا. قوله: (جمع أسطارٍ؛ جمع سطر)، كسبٍ وأسباب. قاله الجوهري. قوله: (وإني وأسطارٍ سُطرنَ سطرا)، تمامه في "المطلع": لقائل: يا نصرُ نصراً نصرا

стр. 5576

وهي ما كتبه الأولون مما لا حقيقة له. وجمع (أسطورة) أوفق. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الواو في "وأسطارٍ": واو القسم، أي: وحق كتبٍ مسطورة، كقوله: (وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ) [الطيور: ٢] ن والتركيب مثل: يا زيدُ زيد زيداً، فالرفع على اللفظ، والنصب على المحلن ويجز أن يكون النصر الأخير منصوباً على المصدر، كأنه قال: انصرني نصراً. قال الشارح: "نصر" الأول ظاهرٌ. والثالث: مصدرٌ، وأما الوسط ففيه ثلاثة أوجه، أدها: الضم غير منن بدلٌ من الأول. وثانيها: مضمومٌ منون، عطفُ بيانٍ جار مجرى الصفة حملاً على اللفظ، نحو: يازيدُ الظريف: وثالثها: النصب على محل المنادي، كرر للتوكيد، وقيل: على الإغراء، وقيل: الثاني على العطف، والثالث على الإغراء. قوله: (وجمع "أسطورةٍ" أوفق)، رُوي عن المصنف: أن هذا البناء لما يُتلهى به، كالأضحوكة، والأحدوثة، والأعجوبة، فيكون أنسب بهذا المقام، وأن الأصل عدم جمع الجمع. الراغب: السطر والسطر: الصف من الكتابة، ومن الشجر المغروس، ومنا لقوم الوقوف، وسطر فلانٌ كذا: كتب سطراً سطراً. وجمعُ السطر: أسطرٌ، وسطور. وجمعُ أسطر: أسطارٌ، كقول الشاعر: وأسطارٍ سطرن سطراً. وأما قوله تعالى: (إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) فقد قال المبرد: هي جمع أسطورة، نحو أرجوحة وأراجيح، وأثفيةٌ وأثافي، وأحدوثة وأحاديث. وقوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) [النحل: ٢٤]؛ أي: شيءٌ اكتتبوه كذباً وميناً فيما زعموا، نحو قوله تعالى: (اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) [الفرقان: ٥]، وقوله تعالى: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ) [الغاشية: ٢٢]، فإنه يقال: سيطر على كذا وتسيطر: إذا قام عليه قيام سطر، يقول: لست عليهم بحافظ وقائم، واستعمال مسيطر هنا كاستعمال القائم في قوله تعالى: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) [الرعد: ٣٣]، وقيل: معناه: لست عليهم بحفيظ، فيكون المسيطر كالكاتب في قوله تعالى: (وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) [الزخرف: ٨٠].

стр. 5577

[(قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)) [ أى أجيبونى عما استعلمتكم منه «١» إن كان عندكم فيه علم، وفيه استهانة بهم وتجويز لفرط جهالتهم بالديانات: أن يجهلوا مثل هذا الظاهر البين. وقرئ: (تذكرون)، بحذف التاء الثانية «٢» ومعناه: أفلا تتذكرون فتعلموا أنّ من فطر الأرض ومن فيها اختراعا، كان قادرا على إعادة الخلق، وكان حقيقا بأن لا يشرك به بعض خلقه في الربوبية! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: (تَذَكَّرُونَ) بحذف التاء الثانية)، حفصٌ وحمزةُ والكسائي. قوله: (أفلا تذكرون فتعلموا أن من فطر الأرض ومن فيها اختراعاً، كان قادراً على إعادة الخلق، وكان حقيقاً بأن لا يشرك به بعض خلقه في الربوبية)، مؤذنٌ باتصال قله: (قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً) بقوله: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ) بواسطة قوله تعالى: (قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا)، والكلام يستدعي مزيد بسط. واعلم أن كلا من المقالات الثلاث المذيلة بقوله: (أَفَلا تَذَكَّرُونَ)، (أَفَلا تَتَّقُونَ)، (فَأَنَّا تُسْحَرُونَ) جاء لإثبات ما أنكروه من أن لا حشر ولا بعث، ولتصديق ما كذبوه من وعد الرسل بمجيء الساعة في قوله تعالى حكاية عنهم: (قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) ولتقدمه دلائل التنزيه، ونفي الشرك، وإثبات العلم الشامل في قوله: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) وقوله تعالى: (عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)، وكان قوله:

стр. 5578

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) تخلصاً إلى الدلائل؛ لأن معناه: بل أتيناهم بالحق من التوحيد، والوعد بالنشور، وإنهم لكاذبون حيث أنكروا ذلك، وفي التذييلات الثلاث من الأدنى إلى الأغلظ في التعريض، وأنها من الأمور المسلمة، لقوله: (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ). أما قوله: (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) فمعناه: إنكم تعلمون علم يقينٍ أن الأرض وما فيها ملكه، وهو فطرها اختراعاً، أفلا تذكرون أن من كان قادراً على ذلك كان قادراً على إعادة الخلق، كما قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم: ٢٧]؟ أي: عندكم وفي تقديركم، وكان حقيقاً بأن لا ينسبوا إليه الولد، وأن لا يشركوا به بعض خلقه، ويتنبهوا على أنه عالمٌ بالأشياء كلها. وقوله: (أَفَلا تَتَّقُونَ) أبلغُ من الأول وأزجر، يعني: أنكم بعد ما تيقنتم بالدلائل الدالة، ثم ذكرتم بالوحي أن الأمر كذلك، لم لا تمتنعون عما أنتم عليه، ولا تمسكون عن الإنكار، أفلا تتقون، فتخافون عقابه؛ لأن من غفل ربما عُذر. وقوله تعالى: (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) أبلغ منها في التعيير والتقريع، يعني: أنكم مع ذلك كله معاندون مكابرون، كأنكم ما عرفتم ذلك ولا نبهتهم عليه، فلا شك أنكم مسحورون مسلوبو العقول، متبعو الهوى والشيطان. الراغب: (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) أي: من أين يأتيكم ما يغلب على عقولكم فيخيل الباطل إليها حقا، والقبيح عندها حسناً، أمن علمكم بأن الله تعالى مالك الأرض ومن فيها، أم من علمكم بأنه رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، أم من علمكم بأن له الملك الأغلب، والعز الأبلغ، وأنه يمنعُ منه، ويحمي عن عقابه ولا يحمى منه، وليس في شيء من ذلك ما يرى الفاسد والمعوج قويماً، فبهذا الذي خُتمت به الثالثة ما يتمم معناه بخواتم ما قبله وكل في مكانه اللائق به.

стр. 5579

قرئ: الأوّل، باللام لا غير. والأخيران باللام، وهو هكذا في مصاحف أهل الحرمين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: وفي الآيات الدلالة على أن إنكار الحشر والبعث أمرٌ عظيم وخطبٌ جليل، وأن منكره معطل مبطلٌ للذات والصفات؛ لتوقف الملك، أعني: الأرض والسماوات والعرش وملكوت كل شيء، على ذلك، واستتباعه العلم بالتنزيه والتوحيد والعلم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. قوله: (قرئ الأول باللام لا غير، والآخران باللام)، أبو عمرو: "سيقولون الله" في الحرفين الأخيرين: بالألف وضم الهاء، والباقون: بغير ألف، وكسر اللام وجر الهاء، ولا خلاف في الحرف الأول. قال الزجاج: لو قيل: من صاحب هذه الدار؟ فأجبت: زيدٌ، لكان جواباً على لفظ السؤال. ولو قلت: لزيد، لجاز أيضاً؛ لأن معنى "من صاحب هذا الدار": لمن هذه الدار؟ وأنشد صاحب "المطلع": إذا قيل من رب القيان بموقفٍ … وربُّ الجياد الجرد؟ قيل: لخالد وقال الزجاج: لو قرئ الأول بغير اللام على المعنى لكان جيداً، ولكن لم يُقرأ به، وأنشد: فقال السائلون لمن حفرتم … فقال المخبرون لهم: وزير وكان من الظاهر أن يقال: لوزيرهم. وأنشد الفراء قبله: وأعلمُ أنني سأكون رمساً … إذا سار النواجع لا أسيرُ

стр. 5580

والكوفة والشام، وبغير اللام وهو هكذا في مصاحف أهل البصرة، فباللام على المعنى، لأن قولك من ربه، ولمن هو في معنى واحد، وبغير اللام على اللفظ. ويجوز قراءة الأوّل بغير لام، ولكنها لم تثبت في الرواية (أَفَلا تَتَّقُونَ) أفلا تخافونه فلا تشركوا به وتعصوا رسله. أجرت فلانا على فلان: إذا أغثته منه ومنعته، يعنى: وهو يغيث من يشاء ممن يشاء، ولا يغيث أحد منه أحدا (تُسْحَرُونَ) تخدعون عن توحيده وطاعته. والخادع: هو الشيطان والهوى. ] (بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ٩٠ - ٩٢ [ وقرئ: (أتيتهم) و (أتيتهم)، بالفتح والضم (بِالْحَقِّ) بأن نسبة الولد إليه محال والشرك باطل (وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) حيث يدعون له ولدا ومعه شريكا (لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ) لا نفرد كل واحد من الآلهة بخلقه الذي خلقه واستبدّ به، ولرأيتم ملك كل واحد منهم متميزا من ملك الآخرين، ولغلب بعضهم بعضا كما ترون ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والنواجعُ: الذين يخرجون إلى البادية لطلب الكلأ، يقال: رجلٌ ناجعٌ، وقومٌ ناجعةٌ ثم نواجع. قوله: ((تُسْحَرُونَ): تُخدعون)، جعل خداع الشيطان والهواء كالسحر في سلب العقول. قوله: ((بِالْحَقِّ) بأن نسبة الولد إليه محال)، قال القاضي: بل أتيناهم بالحق من التوحيد والوعد والنشور، (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) حيثُ أنكروا ذلك.

стр. 5581

حال ملوك الدنيا ممالكهم متمايزة وهم متغالبون، وحين لم تروا أثرا لتمايز الممالك وللتغالب، فاعلموا أنه إله واحد بيده ملكوت كل شيء. فإن قلت: إذا لا تدخل إلا على كلام هو جزاء وجواب، فكيف وقع قوله (لذهب) جزاء وجوابا ولم يتقدّمه شرط ولا سؤال سائل؟ قلت: الشرط محذوف تقديره: ولو كان معه آلهة. وإنما حذف لدلالة قوله: (وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ) عليه. وهو جواب لمن معه المحاجة من المشركين (عَمَّا يَصِفُونَ) من الأنداد والأولاد (عالِمِ الْغَيْبِ) بالجرّ صفة لله. وبالرفع: خبر مبتدإ محذوف. ] (قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ* رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ) [ "ما" والنون: مؤكدتان، أى: إن كان لا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة (فَلا تَجْعَلْنِي) قرينا لهم ولا تعذبني بعذابهم. عن الحسن: أخبره الله أن له في أمته نقمة ولم يخبره أفى حياته أم بعد موته، فأمره أن يدعو بهذا الدعاء. فإن قلت: كيف يجوز أن يجعل الله نبيه المعصوم مع الظالمين، حتى يطلب أن لا يجعله معهم؟ قلت: يجوز أن يسأل العبد ربه ما علم أنه يفعله، وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله، إظهارا للعبودية وتواضعا لربه، وإخباتا له. واستغفاره ﷺ إذا قام من مجلسه سبعين مرة أو مائة مرة لذلك، وما أحسن قول الحسن في قول أبى بكر الصديق رضى الله عنهما «وليتكم ولست بخيركم: كان يعلم أنه خيرهم، ولكن المؤمن يهضم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أخبره الله تعالى أن له في أمته نقمةً، ولم يخبره: أفي حياته أم بعد موته؟ فأمره أن يدعو بهذا الدعاء)، وفي الحديث: "إذا أردت بعبادك فتنةً فاقبضني إليك غير مفتون"، أخرجه أحمد بن حنبلٍ في "مسنده"، والترمذي في "سُننه"، عن ابن عباس.

стр. 5582

نفسه. وقرئ: (إما ترئنهم)، بالهمز مكان تريني، كما قرئ: (فإما ترئن)] مريم: ٢٦ [، و (لترؤن الجحيم)] التكاثر: ٦ [. وهي ضعيفة. وقوله (رَبِّ) مرتين قبل الشرط وقبل الجزاء، حث على فضل تضرع وجؤار. كانوا ينكرون الموعد بالعذاب ويضحكون منه واستعجالهم له لذلك، فقيل لهم: إن الله قادر على إنجاز ما وعد إن تأملتم، فما وجه هذا الإنكار؟ ] (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ) [ هو أبلغ من أن يقال: بالحسنة السيئة، لما فيه من التفضيل، كأنه قال: ادفع بالحسنى السيئة. والمعنى: الصفح عن إساءتهم ومقابلتها بما أمكن من الإحسان، حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان وبذل الاستطاعة فيه: كانت حسنة مضاعفة بإزاء سيئة. وهذه قضية قوله (بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وعن ابن عباس: .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهي ضعيفة)، قال المصنف: ربما حملتهم فصاحتهم على أن يهمزوا ما ليس بمهموز، فقالوا لبأت بالحج. وتحقيقه أن الهمز يواخي حروف اللين في أن بعضها ينقلبُ إلى بعض. قوله: (وهذه قضية قوله: (بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ))، يعني: كل هذه التقادير من الصفح عن الإساءة، ومقابلتها بما أمكن من الإحسان، وبذل الاستطاعة فيه، يعطيه خاصية هذا التركيب ما ذكر الزمخشري يقتضي المفاضلة بين الحسنة والسيئة، ولا اشتراك بينهما، والمراد أن الحسنة في باب الحسنات أزيدُ من السيئة في باب السيئات، فتجيء الحسنة فيما هو أعم، كقولك: العسل أحلى من الخل، أي: هو في أصناف الحلاوة أجودُ من الخل في أصناف الحامضة، لا لاشتراك بينهما، ويحكي أن أشعب قال: نشأت أنا والأعمش في حجر فلان،

стр. 5583

هي شهادة أن لا إله إلا الله. والسيئة: الشرك. وعن مجاهد: السلام: يسلم عليه إذا لقيه. وعن الحسن: الإغضاء والصفح. وقيل: هي منسوخة بآية السيف. وقيل: محكمة لأنّ المداراة محثوث عليها ما لم تؤدّ إلى ثلم دين وإزراء بمروءة (بِما يَصِفُونَ) بما يذكرونه من أحوالك بخلاف صفتها. أو بوصفهم لك وسوء ذكرهم، والله أعلم بذلك منك وأقدر على جزائهم. ] (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ* وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ)] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فما زال يعلو وأستفِلُ حتى استوينا، أي: بلغ كل واحدٍ منا الغاية. وقال: وتحتمل الآية وجهاً آخر من التفضيل، وهو المفاضلةبين الحسنات؛ فإنها قد تدفع بصفح وإغضاء، وقد تدفع بإحسان، وقد يبلغ فيه غاية الاستطاعة، فهذه أنواعٌ كلها دفع، وبعضها أحسن، فأمر بأخذ الأحسن منها في دفع السيئة. وقلت: المصنف لم يرد إلا هذا؛ لأنه قال في قوله تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [فصلت: ٣٤]، يعني: أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها إذا اعترضتك حسناتٌ فادفع بها السيئة التي تردُ عليك من بعض أعدائك، وقال: أو وضع التي هي أحسن موضع الحسنة ليكون أبلغ في الدفع بالحسنة؛ لأن من دفع بالحسنى هان الدفع بما دونها. قوله: (هي شهادة أن لا إله إلا الله، والسيئةُ: الشركُ)، أي: اقلع باطلهم بحقك، استأصل شركهم بتوحيدك، قال تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ) [الأنبياء: ١٨]، فعلى هذا الآية ثابتةٌ غير منسوخةٍ أصلاً. قوله: (لأن المداراة)، المداراةُ: غير مهموز، من الدري: وهو الختلُ، والمهموزُ من الدرء: وهو الدفعُ.

стр. 5584

الهمز: النخس. والهمزات: جمع المرّة منه. ومنه: مهماز الرائض. والمعنى أنّ الشياطين يحثون الناس على المعاصي ويغرونهم عليها، كما تهمز الراضة الدواب حثا لها على المشي. ونحو الهمز الأزّ في قوله تعالى (تَؤُزُّهُمْ أَزًّا)] مريم: ٨٣ [أمر بالتعوّذ من نخساتهم بلفظ المبتهل إلى ربه، المكرّر لندائه، وبالتعوذ من أن يحضروه أصلا ويحوموا حوله. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: عند تلاوة القرآن. وعن عكرمة: عند النزع. ] (حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [. (حَتَّى) يتعلق (بيصفون)، أى: لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقف. والآية فاصلة بينهما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مهمازُ الرائض)، الجوهري: المهمازُ: حديدةٌ تكون في مؤخر خُف الرائض. قوله: (من أن يحضروه أصلاً)، أي: أعوذ بك رب أن يحضرون، أي: يحوموا حولي فضلاً عن نسخاتهم، ووساوسهم؛ لأن الشيطان لا يحضر ابن آدم إلا للشر، فيجب أن يحترز من حضوره بالتعوذ، وهذا ما ذكره صاحب "المطلع"، وفيه إيذانٌ بأن "يحضرون" مقطوعٌ عن متعلقه بمنزلة اللازم، فاستعاذ من حضوره مطلقاً، يدل عليه قوله: "عند تلاوة القرآن أو عند النزاع"، فإن هذين الوجهين مقيدان. الراغب: الحضر: خلاف البدو، والحضارة بكسر الحاء وفتحها: الكون بالحضر، ثم جُعل ذلك اسماً لشهادة مكان أو إنسان أو غيره، قال تعالى: (وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ)، وذلك من باب الكناية، أي: تحضرني الجن، وكُني عن المجنون وعمن حضره الموت بالمحتضر.

стр. 5585

على وجه الاعتراض والتأكيد للإغضاء عنهم، مستعينا بالله على الشيطان أن يستزله عن الحلم ويغريه على الانتصار منهم. أو على قوله: (وإنهم لكاذبون)] المؤمنون: ٩٠ [. خطاب الله بلفظ الجمع للتعظيم، كقوله: فإن شئت حرّمت النّساء سواكم وقوله: ألا فارحمونى يا إله محمّد إذا أيقن بالموت واطلع على حقيقة الأمر، أدركته الحسرة على ما فرّط فيه من الإيمان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على وجه الاعتراض والتأكيد للإغضاء عنهم)، يعني: (حَتَّى) مع ما يتصلُ بها غاية قوله: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) على قوله: (يَصِفُونَ)، ومضمونه: دارهم ما داموا في قيد الحياة، وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ويستزلك من المداراة واللم. فاستعذ بالله، واستعن به. هذا ينصر قول من قال: إن قوله تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) محكمةٌ، كما قال: "لأن المداراة محثوث عليها". قوله: (أو على قوله: (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ))، يريد (حَتَّى) يتعلق بـ (يَصِفُونَ) أو مردودٌ على قوله: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)، وفي نسخة: "أو بقوله": أي: لا يزالون على تكذيبهم (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ)، والوجه هو الأول كما شرحناه. قوله: (خطاب الله بلفظ الجمع)، أي: (ارْجِعُونِ)، وفي نسخة: "خاطب الله"، كقوله: فإن شئت حرمتُ النساء سواكم … وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا بردا النقاخ: الماء البارد، والبرد: النوم. قوله: (ألا فارحموني يا إله محمدٍ)، تمامه:

стр. 5586

والعمل الصالح فيه، فسأل ربه الرجعة وقال (لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً) في الإيمان الذي تركته، والمعنى: لعلى آتى بما تركته من الإيمان، وأعمل فيه صالحا، كما تقول: لعلى أبنى على أس، تريد: أسس أسا وأبنى عليه. وقيل: (فيما تركت) من المال. وعن النبي ﷺ : «إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى الدنيا، فيقول: إلى دار الهموم والأحزان! بل قدوما إلى الله. وأمّا الكافر فيقول: (رب ارجعون)» (كَلَّا) ردع عن طلب الرجعة، وإنكار واستبعاد. والمراد بالكلمة: الطائفة من الكلام المنتظم بعضها مع بعض، وهي قوله: (لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ). (هُوَ قائِلُها) لا محالة، لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة عليه وتسلط الندم. أو هو قائلها وحده لا يجاب إليها ولا تسمع منه (وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ) والضمير للجماعة، أى: أمامهم حائل بينهم وبين الرجعة إلى يوم البعث، وليس المعنى: أنهم يرجعون يوم البعث، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإن لم أكن أهلاً فأنت له أهل قوله: (لعلي آتي بما تركته من الإيمان وأعمل صالحاً فيه)، هو كقوله تعالى: (اعْبُدُوا رَبَّكُمْ) وقولك للمحدث: صل. قوله: (أو هو قائلها وحده) عطفٌ على قوله: "هو قائلها لا محالة لا يخليها"، وذلك أن التركيب من باب أنا عارفٌ، فإذا اعتبر أن (هُوَ) مبتدأ ابتداءً، و (قَائِلُهَا) الخبرُ، فهو من باب: تقوي الحكم، وإليه الإشارة بقله: "هو قائلها لا محالة لا يخليها"، وإذا اعتبر أنه من باب تقديم الفاعل المعنوي، ويفيد التخصيص، قيل: هو قالها وحده لا يجاب إليها، ولا تُسمعُ منه، ونحوه: إذا كلمك صاحبك بما لا جدوى تحته، فتجيبه وتقول: اشتغل أنت وحدك بهذه الكلمة فتكلم واستمع، يعني: إنها مما لا يُسمع منك ولا يستحق الجواب. قوله: (وليس المعنى أنهم يرجعون يوم البعث)، يريد أن "إلى" لانتهاء الغاية، فإذا قيل:

стр. 5587

وإنما هو إقناط كلى لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلا إلى الآخرة. ] (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١)) [ (الصور) بفتح الواو، عن الحسن. و (الصور) - بالكسر والفتح - عن أبى رزين. وهذا دليل لمن فسر "الصور" بجمع الصورة، ونفى الأنساب: يحتمل أنّ التقاطع يقع بينهم حيث يتفرّقون معاقبين ومثابين، ولا يكون التواصل بينهم والتألف إلا بالأعمال، فتلغوا الأنساب وتبطل، وأنه لا يعتدّ بالأنساب لزوال التعاطف والتراحم بين الأقارب، إذ يفرّ المرء من أخيه وأمّه وأبيه وصاحبته وبنيه. وعن ابن مسعود: (ولا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من ورائهم حائلٌ بينهم وبين الرجعة إلى يوم البعث، يفهم الغاية فيلزم الرجوعُ بعده. وتحرير المعنى: أن (كلاً) للردع، فيقف عليها ويبتدئ من قوله: (إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا)، أي: ارتدع من هذا الكلام؛ إنها كلمةٌ هو قائلها لا يجاب إليها، ولا يُسمع منه، فلا رجوع؛ لأن ذلك أمرٌ قد حيل بينه وبينه؛ لأن أمامه حائلاً بينه وبين الرجعة إلى يوم القيامة وإذا كان أمامه هذا الحائل فأين الرجوع؟ وهو المراد من قوله: "وإنما هو إقناطٌ كليِّ"، ونحوه في التقييد بالمحال للمبالغة: قوله تعالى: (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى) [الدخان: ٥٦]، يعني: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها، فإنهم يذوقونها، يعني: أنهم لا يموتون البتة. قوله: (وهذا دليلٌ لمن فسر "الصور" بجمع الصورة)، أي: قراءة الحسن وأبي رزين. قال الزجاج: قال كثيرٌ من أهل اللغة: الصور: جمع صورة، والذي جاء في التفسير: جمع صورة: صورٌ، وكذا في قوله: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) [غافر: ٧٤]، ولم يقرأ أحدٌ: "صوركم". وأيضاً، لو كان جمع "صورة" لقال: ثم نُفخ فيها أخرى؛ لأنك تقول: هذه صورٌ، ولا تقول: هذا صورٌ، إلا على ضعف.

стр. 5588

يساءلون)، بإدغام التاء في السين. فإن قلت: قد ناقض هذا ونحو قوله (وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً)] المعارج: ١٠ [قوله: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ)] الصافات: ٢٧ [] الطور: ٢٥ [وقوله (يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ)] يونس: ٤٥ [فكيف التوفيق بينهما؟ قلت: فيه جوابان، أحدهما: أنّ يوم القيامة مقداره خمسون ألف سنة، ففيه أزمنة وأحوال مختلفة يتساءلون ويتعارفون في بعضها، وفي بعضها لا يفطنون لذلك لشدّة الهول والفزع. والثاني: أنّ التناكر يكون عند النفخة الأولى، فإذا كانت الثانية قاموا فتعارفوا وتساءلوا. [(فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ* تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ)]. عن ابن عباس: الموازين: جمع موزون؟ وهي الموزونات من الأعمال: أى الصالحات، التي لها وزن وقدر عند الله، من قوله تعالى (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً). (فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ) بدل من (خسروا أنفسهم)، ولا محلّ للبدل والمبدل منه، لأنّ الصلة لا محلّ لها. أو خبر بعد خبر لأولئك. أو خبر مبتدإ محذوف (تَلْفَحُ) تسفع. وقال الزجاج: اللفح والنفح واحد، إلا أنّ اللفح أشدّ تأثيرا. والكلوح: أن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قد ناقض هذا)، الانتصاف: يجب الأدب في إيراد الأسئلة على الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولو أورد هذا السؤال رجلٌ على عمر ﵁ كذا لأوجع ظهره بالدرة. قوله: (وهي الموزونات من الأعمال)، هذا أحد وجهي ما ذكره في الأعراف عند قوله: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ) [الأعراف: ٨]، والوجه الآخر: الموازين: ما يوزن به حسناتهم. هذا هو الحق الذي لا محيد عنه لأهل الحق عنه، وقد حققناه هناك بالأحاديث الصحية. قوله: ((تَلْفَحُ) تسفعُ)، يقالُ: سفعته النارُ، أي: أحرقته. الراغب: يقال لفحته

стр. 5589

تتقلص الشفتان وتتشمرا عن الأسنان، كما ترى الرءوس المشوية. وعن مالك بن دينار: كان سبب توبة عتبة الغلام أنه مرّ في السوق برأس أخرج من التنور فغشى عليه ثلاثة أيام ولياليهنّ. وروى عن النبي ﷺ أنه قال «تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته وقرئ: (كلحون). ] (أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)) [ (غَلَبَتْ عَلَيْنا) ملكتنا، من قولك: غلبني فلان على كذا، إذا أخذه منك وامتلكه. والشقاوة سوء العاقبة التي علم الله أنهم يستحقونها بسوء أعمالهم. قرئ (شِقْوَتُنا) و (شقاوتنا) بفتح الشين وكسرها فيهما (اخْسَؤُا فِيها) ذلوا فيها وانزجروا كما تنزجر الكلاب إذا زجرت. يقال: خسأ الكلب وخسأ بنفسه. (وَلا تُكَلِّمُونِ) في رفع ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الشمس والسموم، قال تعالى: (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ) [المؤمنون: ١٠٤]، وعنه استعير لفحته بالسيف. قوله: (قال: تشويه النار فتقلص)، الحديث أخرجه أحمد بن حنبل في "مسنده"، والترمذي، عن أبي سعيد. قوله: ((شِقْوَتُنَا) و"شقاوتنا")، حمزة والكسائي: "شقاوتنا" بالألف مع فتح الشين والقاف، والباقون: بكسر الشين وإسكان القاف. قال الزجاج: والمعنى واحدٌ.

стр. 5590

العذاب، فإنه لا يرفع ولا يخفف. قيل: هو آخر كلام يتكلمون به، ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير والعواء كعواء الكلاب لا يفهمون ولا يفهمون. وعن ابن عباس: إنّ لهم ست دعوات: إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة: (رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا)] السجدة: ١٢ [فيجابون: (حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي)] السجدة: ١٢ [، فينادون ألفا (رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ)] غافر: ١١ [، فيجابون: (ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ)] غافر: ١٢ [، فينادون ألفا: (يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ)] الزخرف: ٧٧ [، ، فيجابون: (إِنَّكُمْ ماكِثُونَ)] الزخرف: ٧٧ [: فينادون ألفا: (رَبَّنا أَخِّرْنا)] إبراهيم: ٤٤ [، فيجابون: (أَوَ لَمْ تَكُونُوا)] إبراهيم: ٤٤ [، فينادون ألفا: (أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً)] فاطر: ٣٧ [، فيجابون: (أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ)] فاطر: ٣٧ [، فينادون ألفا: (رَبِّ ارْجِعُونِ)] المؤمنون: ٩٩ [، فيجابون: (اخْسَؤُا فِيها)] المؤمنون: ١٠٨ [. [(إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ)]. في حرف أبىّ: (أنه كان فريق)، بالفتح، بمعنى: لأنه. السخري - بالضم والكسر -: مصدر سخر كالسخر، إلا أن في ياء النسب زيادة قوّة في الفعل، كما قيل الخصوصية في الخصوص. وعن الكسائي والفراء: أنّ المكسور من الهزء، والمضموم من السخرة والعبودية، أى: تسخروهم واستعبدوهم، والأوّل مذهب الخليل وسيبويه. قيل: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ("السخري" بالضم والكسر)، نافعٌ وحمزةُ والكسائيُّ: بالضمن والباقون: بالكسر. قوله: (والأول مذهبُ الخليل وسيبويه)، قال الزجاج: بالضم والكسر جيد، وقيل: ما كان من الاستهزاء فهو بالكسر، وما كان من جهة التسخير فهو بالضم، وكلاهما عند

стр. 5591

هم الصحابة وقيل أهل الصفة خاصة. ومعناه: اتخذتموهم هزؤا وتشاغلتم بهم ساخرين (حَتَّى أَنْسَوْكُمْ) بتشاغلكم بهم على تلك الصفة (ذِكْرِي) فتركتموه، أي: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سيبويه والخليل واحدٌ، واكسر لاتباع الكسر أحسنُ. وقال الواحدي: يقال: سخر منه وبه سخرية وسخرياً: إذا هزيء به، ومن السخرة التي بمعنى العبودية: "سُخريا" بالضم لا غير، ومن ثم اتفقوا على الضم في الزخرف؛ لأنه منا لسخرة، وعلى القراءتين جميعاً: هو مصدرٌ وُصف به، ولذلك أُفرد. قوله: ((حَتَّى أَنسَوْكُمْ) بتشاغلكم بهم على تلك الصفة (ذكري))، يعني: (حتى) مع ما يتصل بها: غايةٌ لقوله: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً)، فلابد من تأويله بما يستقيم أن يكون هذا غايةً له، فيقال: تشاغلتم بهم ساخرين حتى جعلتموهم بسبب تشاغلكم بهم بصفة السخرية سبباً لنسيانكم ذكر الله، فظهر أن إسناد النسيان إلى الأولياء مجازي، والفاء في قوله: "فتركتموه" مؤذنة بأن الترك مسببٌ عما قبله، وقوله: (وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ) تذييل. وقوله: "فتخافوني في أوليائي"، مسببٌ عن قوله: "أن تذكروني"، والمراد بالأولياء (عِبَادِي) في قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ)، وإنما دعاه إلى تفسير "فتركتموه" بقوله: "تركتم أن تذكروني فتخافوني" أن قوله: (حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي) متضمنٌ للتخويف، لوروده توبيخاً للقوم، وأنه إنما جرهم إلى السخرية بأولياء الله ترك الذكر المؤدي إلى عدم الخوف من الله تعالى، وما يكشف عن هذا المعنى إلا النظم، وبيانه أن قوله: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً) مرتبٌ على قوله: (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا)،

стр. 5592

تركتم أن تذكروني فتخافونى في أوليائى. وقرئ (أَنَّهُمْ) بالفتح، فالكسر استئناف، أى: قد فازوا حيث صبروا، فجزوا بصبرهم أحسن الجزاء. وبالفتح على أنه مفعول (جزيتهم)، كقولك: جزيتهم فوزهم. ] (قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)) [ (قالَ) في مصاحف أهل الكوفة. و (قل): في مصاحف أهل الحرمين والبصرة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهو تعليلٌ لقوله: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ)، يعني: إنما خسأناكم كالكلب؛ لأن فريقاً من أوليائي وخُلص عبادي لما ذكروا الله تعالى واستغفروه ودعوا الله بالرحمة، اتخذتموهم سخرياً، وامتدت تلك السخرية، وما انقطع خيط أسبابها حتى نسيتم ذكر الله بالكلية، وذكر خوفه وعقابه، وما تركتم ذلك إلا استهزاء بأولئك السادة، فهذا جزاؤكم، ثم ذكر لهم ما يريد في خسأهم وحسرتهم من جزاء أعدائهم بقوله تعالى: (إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ). قوله: (وقرئ: (أَنَّهُمْ)، بالفتح والكسر)، حمزة والكسائي: بالكسر، والباقون: بفتحها. قوله: ((قَالَ) في مصاحف أهل الكوفة، و"قل": في مصاحف أهل الحرمين)، ابن كثير وحمزة والكسائي: "قل" بغير ألف، والباقون: (قال) بالألف. وإنما كان في "قُلْ" ضمير الملك أو بعض الرؤساء؛ لأنه أمر بإنشاء القول، فلا يصح أن يكون الآمر هو القائل. وأما (قال) فهو إخبارٌ، فيصح أن يكون القائل الله ، أو الملائكة عليهم السلامُ

стр. 5593

والشام، ففي (قالَ) ضمير الله أو المأمور بسؤالهم من الملائكة، وفي «قل» ضمير الملك أو بعض رؤساء أهل النار. استقصروا مدّة لبثهم في الدنيا بالإضافة إلى خلودهم ولما هم فيه من عذابها، لأن الممتحن يستطيل أيام محنته ويستقصر ما مرّ عليه من أيام الدعة إليها. أو لأنهم كانوا في سرور، وأيام السرور قصار، أو لأنّ المنقضى في حكم ما لم يكن، وصدقهم الله في مقالهم لسنى لبثهم في الدنيا ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها. وقرئ فَسْئَلِ الْعادِّينَ والمعنى: لا نعرف من عدد تلك السنين إلا أنا نستقله ونحسبه يوما أو بعض يوم، لما نحن فيه من العذاب، وما فينا أن نعدّها، فسل من فيه أن يعدّ، ومن يقدر أن يلقى إليه فكره. وقيل: فسل الملائكة الذين يعدّون أعمار العباد ويحصون أعمالهم. وقرئ: (العادين)، بالتخفيف، أى: الظلمة، فإنهم يقولون كما نقول. وقرئ: (العاديين)، أى: القدماء المعمرين، فإنهم يستقصرونها، فكيف بمن دونهم؟ وعن ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين. [(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بأن يكونوا مأمورين بأن يسألوا عن الكفرة، ويقولوا: كم لبثتم؟ فالباء في "بسؤالهم" متعلقٌ بالمأمور، و"مِنْ" في "من الملائكة": بيان المأمور بالسؤال. قوله: (وقرئ: "فسل العادين")، ابن كثير والكسائي. قوله: (وما فينا أن نعدها)، أي: ما نطيق عدها، كقول المريض: ما في أن أقوم، أو: ما في وسعنا أن نعده، فسل من في وسعه عده.

стр. 5594

(عَبَثاً) حال، أي: عابثين، كقوله (لاعِبِينَ) [الأنبياء: ١٦] أو مفعول له، أى: ما خلقناكم للعبث، ولم يدعنا إلى خلقكم إلا حكمة اقتضت ذلك، وهي: أن نتعبدكم ونكلفكم المشاق من الطاعات وترك المعاصي، ثم نرجعكم من دار التكليف إلى دار الجزاء، فنثيب المحسن ونعاقب المسيء (وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) معطوف على (أَنَّما خَلَقْناكُمْ) ويجوز أن يكون معطوفا على (عَبَثاً) أى: للعبث، ولترككم غير مرجوعين. وقرئ (تُرْجَعُونَ) بفتح التاء (الْحَقُّ) الذي يحق له الملك، لأن كل شيء منه وإليه. أو الثابت الذي لا يزول ولا يزول ملكه. وصف ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "ترجعون" بفتح التاء) وكسر الجيم: حمزة والكسائي، والباقون: بضم التاء. قوله: ((الحَقُّ) الذي يحق له المُلك)، (الحَقُّ) صفةٌ لـ (المَلِكُ)، واللام للجنس، والصفة مميزة؛ ولهذا علله بقوله: "لأن كل شيء منه وإليه"، يعني: أن مالكاً غيره ما يملكه من الله تعالى بدأ، وإليه يعود في العاقبة، فيكون هو الملك الواجب ملكه. قال القاضي: (المَلِكُ): الذي يحق له الملك مطلقاً؛ فإن من عداه مملوكٌ بالذات، مالكٌ بالعرض من وجه دون وجه، وفي حال دون حال. تم كلامه. ويرجع معنى هذا التفسير إلى أن (الحق) بمعنى الواجب؛ ولذلك قال في التفسير الثاني: "أو الثابت الذي لا يزول"، التفسير الأول أبلغ وأوفق لتلاؤم الكلام، وأخذ بعضه بحجزة بعض؛ وذلك أن الفاء في قوله: (فَتَعَالَى اللَّهُ) مستدعية لما يربط به ما بعده بما قبله، وذلك أنه تعالى لما أنكر حُسبان منكري الحشر، وزعمهم أن لا حساب ولا عقاب، ولا رجوع ولا ثواب، وأنه تعالى خلقهم سُدى، نزه ذاته الأقدس عما يؤدي إلى ذلك الحسبان من العبث في الخلق، وعظم سلطانه، يعني: كيف يليق بمن هو الملك على الإطلاق وأنه

стр. 5595

العرش بالكرم لأن الرحمة تنزل منه والخير والبركة. أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين، كما يقال: بيت كريم، إذا كان ساكنوه كراما. وقرئ. (الكريم)، بالرفع. ونحوه: (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ)] البروج: ١٥ [. (لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ) كقوله (ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً)] آل عمران: ١٥١ [وهي صفة لازمة، نحو قوله (يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) [الأنعام: ٣٨] جيء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ منفردٌ في الإلهية، وأنه رب العرش الكريم، أن يكون في فعله عبث؟ ثم بين أن هذا القول لايقوله إلا من يدعو مع الله إلها آخر لا برهان له، فالآيات قريبة من الآيات السابقة، هي قوله: (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً) [المؤمنون: ٨٢] إلى آخرها. وانظر إلى هذا الخطاب العظيم الذي لو نزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله، ثم اقطع على المتسمين بالإسلام من الذين في قلوبهم زيغٌ بالكفر الصريح، حيث يشتغلون بالفضول من العلوم مما يؤديهم إلى تكذيب الله. روينا عن البخاري النسائي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك. أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علىّ من إعادته". قوله: (أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين)، يعني أنه كناية، كقول الشنفري: يبيت بمنجاةٍ من اللوم بيتها … إذا ما بيوتٌ بالملامة حلت والوجه الأول: من الاستعارة المكنية، كان العشر في نفسه كريم، وأن الرحمة والخير والبركة تصدر عنه. ويجوز أن يكون إسناداً مجازياً. قال القاضي: العرش الكريم: الذي يحيط بالأجرام، وينزل منه محكمات الأقضية والأحكام. قوله: (صفة لازمة)، أي: مؤكدةٌ، نحوه قولك: أمس الدابر لا يعود. ومن ثم استشهد

стр. 5596

بها للتوكيد لا أن يكون في الآلهة ما يجوز أن يقوم عليه برهان «٢». ويجوز أن يكون اعتراضا بين الشرط والجزاء، كقولك: من أحسن إلى زيد لا أحق بالإحسان منه، فالله مثيبه. وقرئ: أنه لا يفلح بفتح الهمزة. ومعناه: حسابه عدم الفلاح، والأصل: حسابه أنه لا يفلح هو، فوضع (الكافرون) موضع الضمير، لأنّ (مَنْ يَدْعُ) في معنى الجمع، وكذلك (حِسابُهُ … إِنَّهُ لا يُفْلِحُ) في معنى «حسابهم أنه لا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بقوله تعالى: (وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) [الأنعام: ٣٨]، وليس بصفةٍ مخصصةٍ ليمتاز بها عن الآلهة التي يجوز أن يقوم عليها برهانٌ. قوله: (اعتراضاً بين الشرط والجزاء)، وذلك أن معنى: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) ومن يشرك بالله فالله يتولى عقابه، فإذا لا أحد أقل حيلةً منه، فحينئذٍ يحسن أن يكون قوله: (لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ) توكيداً لمضمون الشرط والجزاء، وعكسه من أحسن إلى زيد فالله مثيبه، فإذاً لا أحد أحق بالإحسان منه. قوله: (وكذلك (حسابه … إنه لا يفلح))، يعني: كما أن (وَمَنْ يَدْعُ) مفردُ اللفظ مجموع المعنى، فكذلك (حِسَابُهُ) مفرد اللفظ مجموع المعنى، والمشبه والمشبه به تعليلٌ لوضع (الْكَافِرُونَ) موضع الضمير المفرد، وإنما وجب الجمع؛ لأن الآية تذييلٌ للآيات الواردة في حق المعاندين المصرين. وأما الضمير في (إنهُ): فللشأن. وتلخيصه: أن من أشرك بالله وأصر عليه فإن عاقبته وخيمةٌ، ولا نجاح له البتة. هو تسليةٌ للرسول صلوات الله وسلامه عليه، ومن ثم قال ابن جني: معناه: أن حسابه يؤخر إلى أن يقلى ربه، فيُحاسب حينئذ. وذلك أنه لا تنفع فيه الموعظة، ولا التذكير في الدنيا، فيؤخر حسابه إلى أن يحاسب عند ربه، لعدم انتفاعه. وقلت: إنما وضع (الْكَافِرُونَ) موضع الضمير المفرد بعد الإفراد في حسابه؛ للإشعار بأن عدم الفرح معللٌ بالكفر، أو لرعاية التوافق في الفواصل، وليتطابق أول السورة

стр. 5597

يفلحون». جعل فاتحة السورة (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) وأورد في خاتمتها (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة. عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة المؤمنون بشرته الملائكة بالروح والريحان وما تقرّ به عينه عند نزول ملك الموت. وروى: أنّ أوّل سورة (قد أفلح) وآخرها من كنوز العرش، من عمل بثلاث آيات من أوّلها، واتعظ بأربع آيات من آخرها: فقد نجا وأفلح وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحى يسمع عنده دوىّ كدوىّ النحل، فمكثنا ساعة، فاستقبل القبلة ورفع يده وقال: «اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وآخرها، كما قال: وافتتح بـ (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)، وأورد في خاتمتها: (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ). وكل هذه الرموز يعضده النظم الذي أشرنا إليه في أثناء السورة، ألا ترى كيف أمر حبيبه صلوات الله وسلامه عليه بعد أن سلاه عن إسلام من لا ينجع دعاؤه فيه، بأن يطلب الغفران والرحمة في دعائه لنفسه ولمتبعيه، ورمز فيه إلى متاركة مخالفيه بقوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ)؟ قوله: (كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي)، الحديث، رواه أحمد بن حنبل في "مسنده"، والترمذي في "سننه"، عن عمر ﵁. قوله: (وآثرنا ولا تؤثر علينا)، النهاية: آثر يؤثر إيثاراً: إذا أعطى، يقال: يستأثر عليكم،

стр. 5598

وارض عنا وأرضنا» ثم قال «لقد أنزلت علىّ عشر آيات من أقامهنّ دخل الجنة» ثم قرأ: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) حتى ختم العشر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: يُفضل عليكم غيركم في نصيبه. في حديث عمر رضي الله تعالى عنه: والله ما استأثر بها عليكم، ولا آخذها دونكم. تمت، والحمد لله رب العالمين

стр. 5599

سورة النور مدنية، وهي ثنتان وستون آية، وقيل: أربعٌ وستون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ١] ﴿سُورَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف. و ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ صفة. أو هي مبتدأٌ موصوفٌ والخبر محذوف، أي: فيما أوحينا إليك سورةٌ أنزلناها. وقرئ بالنصب على: زيداً ضربته، ولا محل لـ ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾، لأنها مفسرةٌ للمضمر، فكانت في حكمه. أو على: دونك سورة، أو: اتل سورة، و ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ صفة. ومعنى "فرضناها": فرضنا أحكامها التي فيها. وأصل الفرض: القطع، أي: جعلناها واجبةً مقطوعاً بها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة النور مدنية، وهي ثنتان وستون آية، وقيل: أربعٌ وستون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (وقرئ بالنصب)، قال ابن جني: هي قراءة أم الدرداء، وعيسى الثقفي، ورويت عن عمر بن عبد العزيز. قوله: (أي: جعلناها واجبةُ)، الراغب: الفرض: قطع الشيء الصلب والتأثير فيه،

стр. 5600

والتشديد للمبالغة في الإيجاب وتوكيده: أو: لأن فيها فراض شتى، وإنك تقول: فرضت الفريضة، وفرضت الفرائض. أو: لكثرة المفروض عليهم من السلف ومن بعدهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كقطع الحديد، والفرض كالإيجاب، لكن الإيجاب يقال اعتباراً بوقوعه وثباته، والفرض بقطع الحكم فيه. قال تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾، أي: أوجبنا العمل بها. ومنه يقال لما ألزم الحاكم من النفقة: فرض. وكل موضع ورد فيه: فرض الله عليه، ففي الإيجاب الذي أدخله الله فيه. وما ورد من: فرض الله له، فهو في أن لا يحظره على نفسه، نحو قوله: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] أي: سميتم لهن مهرًا، وأوجبتم على أنفسكم بذلك، وعلى هذا يقال: فرض له في العطاء، وبهذا النظر، ومن هذا الغرض قيل للعطية: فرضٌ، وللدين: فرضٌ، قال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي: من عين على نفسه إقامة الحج، وإضافة فرض الحج إلى الإنسان دلالةٌ على أنه غير معين الوقت. وقال الإمام: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾: فرضنا ما بين فيها، وإنما قال ذلك، لأن أكثر ما في هذه السورة من باب الأحكام والحدود. وقلت: فقوله: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ بمنزلة براعة الاستهلال، لأن قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا .... ﴾ إلى آخر السورة من الأحكام كالتفصيل، ونحوه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] على ما سبق بيانه. قوله: (والتشديد للمبالغة)، أي: من شدد ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ وهو ابن كثير وأبو عمرو، فللمبالغة في الإيجاب.

стр. 5601

﴿تَذَكَّرُونَ﴾ بتشديد الذال وتخفيها. رفعهما على الابتداء، والخبر محذوفٌ عند الخليل وسيبويه، على معنى: فيما فرض عليكم. [﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ أي: جلدهما. ويجوز أن يكون الخبر: ﴿فَاجْلِدُوا﴾، وإنما دخلت الفاء، لكون الألف واللام بمعنى "الذي"، وتضمينه معنى الشرط، تقديره: التي زنت، والذي زنى فاجلدوهما، كما تقول: من زنى فاجلدوه، وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤]. وقرئ بالنصب على إضمار فعل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ بتشديد الذال وتخفيفها)، بالتخفيف: حفصٌ وحمزة والكسائي، والباقون: بالتشديد. قوله: (وقرئ بالنصب)، قال ابن جني: وهي قراءة عيسى الثقفي، وهو منصوبٌ بمضمر، أي: اجلدوا الزانية، وتفسيرها: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ وجاز دخول الفاء، لأنه في موضع أمر، ومآل معناه إلى الشرط، ولا يجوز: زيدًا فضربته، لأنه خبر. وقال الزجاج: وزعم الخليل وسيبويه أن النصب المختار، وزعم غيرهما من البصريين والكوفيين أن المختار الرفع، وكذا عندي، لأن الرفع كالإجماع في القراءة، وهو أقوى في العربية، لأن معناه: من زنى فاجلدوه، على الابتداء، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَاتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، وإنما اختار الخليل وسيبويه النصب، لأنه أمرٌ، والأمر بالفعل أولى. وقد مر فيه الكلام مستقصى في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].

стр. 5602

يفسره الظاهر، وهو أحسن من (سورةً أنزلناها)، لأجل الأمر. وقرئ: (والزان) بلا ياء. والجلد: ضرب الجلد، يقال: جلده، كقولك: ظهره وبطنه ورأسه. فإن قلت: أهذا حكم جميع الزنية والزواني، أم حكم بعضهم؟ قلت: بل هو حكم من ليس بمحصن منهم، فإن المحصن حكمه الرجم. وشرائط الإحصان عند أبي حنيفة ست: الإسلام، والحرية، والعقل، والبلوغ، والتزويج بنكاحٍ صحيح، والدخول، إذا فقدت واحدةٌ منها فلا إحصان. وعند الشافعي: الإسلام ليس بشرط، لما روى: أن النبي ﷺ رجم يهوديين. وحجة أبي حنيفة: قوله ﷺ : "من أشرك بالله فيس بمحصن" فإن قلت: اللفظ يقتضي تعليق الحكم بجميع الزنية والزواني، لأن قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ عام في الجميع، يتناول ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وشرائط الإحصان)، عن بعضهم: أحصن الرجل: تزوج فهو محصنٌ، وهو أحد ما جاء على "أفعل" فهو "مفعل". وأحصنت المرأة: عفت، وحصنها زوجها، فهي محصنةٌ ومحصنة، قال ثعلبٌ: كل امرأة عفيفة محصنةٌ ومحصنةٌ، وكل امرأة متزوجة محصنةٌ بالفتح لا غير. قوله: (رجم يهوديين)، الحديث مشهورٌ مخرجٌ في "الصحيحين". قال القاضي: لا يعارضه "من أشرك بالله فليس بمحصن"، إذ المراد المحصن: الذي يقتص له من المسلم. قوله: (اللفظ يقتضي تعليق الحكم بجميع الزنية والزواني)، أي: اللفظ عامٌ، كيف يذهب على أنه حكم من ليس بمحصن؟ وتوجيه الجواب: أنا لا نسلم أنه عامٌ، بل هو

стр. 5603

المحصن وغير المحصن. قلت: الزانية والزاني يدلان على الجنسين المنافقين لجنسي العفيف والعفيفة دلالة مطلقة، والجنسية قائمةٌ في الكل والبعض جميعاً، فأيهما قصد المتكلم فلا عليه، كما يفعل بالاسم المشترك. وقرئ: (ولا يأخذكم) بالياء، و (رأفةٌ) بفتح الهمزة، و (رآفة) على: فعالة. والمعنى: أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله ويستعملوا الجد والمتانة فيه، ولا يأخذهم اللين والهوادة في استيفاء حدوده، وكفى برسول الله ﷺ أسوةً في ذلك، حيث قال: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مطلق، فإن لام الجنس إذا دخلت على مفهوم دل دلالةً مطلقةً شائعةً في جنسه، فيصح حمله على البعض وعلى الكل، فإذا انتهضت قرينةٌ تعين المراد منها كاللفظ المشترك، فإن إرادة أخد مفهوميه إنما تتعين عند قيام القرينة، وقرينة تقييد هذا المطلق آية الرجم، وهي: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" إلى آخرها، وفيه بحث، لأنه لا مانع عندهم أن تجري الآية على العامٌ المخصص على ما سبق في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وروى عن المصنف أنه قال: الألف واللام في الصفات عند المازني ومن تبعه كالمبرد وغيره بمنزلتهما في الأسماء للتعريف، وعند سيبويه هما بمعنى: الذي، والصفة بمعنى الفعل. قوله: ("رأفةٌ" بفتح الهمزة)، ابن كثير، والباقون: بإسكانها. و"رأفةٌ" على: فعالة شاذةٌ. قال الزجاج: و"رآفةٌ" مثل السآمة والكآبة، وفعالةٌ من أسماء المصادر. قوله: (والهوادة)، الجوهري: هي الصلح والميل: وقيل: الهوادة: أن لا يجد في الأمر.

стр. 5604

"لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها". وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ من باب التهييج وإلهاب الغضب لله ولدينه. وقيل: لا تترحموا عليهما حتى تعطلوا الحدود، أو حتى لا توجعوهما ضرباً. وفي الحديث: "يؤتي بوال نقص من الحد سوطاً، فيقول: رحمةٌ لعبادك، فيقال له: أنت أرحم بهم مني! فيؤمر به إلى النار. ويؤتي بمن زاد سوطاً، فيقول: لينتهوا عن معاصيك. فيؤمر به إلى النار"، وعن أبي هريرة: إقامة حد بأرض خيرٌ لأهلها من مطر أربعين ليلة. وعلى الإمام أن ينصب للحدود رجلاً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لو سرقت فاطمة)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود، عن عائشة قالت: إن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ ؟ فكلمه أسامة، فقال رسول الله ﷺ : أتشفع في حد من حدود الله؟ إلى قوله: وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد- ﵉ سرقت لقطعت يدها. قوله: (وقيل: لا تترحموا عليهما)، هذا تفسيرٌ آخر لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ﴾، والفرق أن على الأول تحريضٌ على إقامة الحد نفسه، والثاني على إقامته مع الإيجاع فيه، يدل على الأول قوله: "ولا يأخذكم اللين في استيفاء حدود الله تعالى"، وعلى الثاني: قوله: "أو حتى لا توجعوهما ضرباً". قوله: (إقامة حد بأرض)، عن ابن ماجه، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "إقامة حد من حدود اله خيرٌ من مطر أربعين ليلةٌ في بلاد الله ". وعن ابن ماجه والنسائي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "حدٌ يعمل به في الأرض خيرٌ لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً"، وفي رواية النسائي: "ثلاثين صباحاً".

стр. 5605

عالماً بصيراً يعقل كيف يضرب. والرجل يجلد قائماً على مجرده ليس عليه إلا إزاره، ضرباً وسطاً لا مبرحاً ولا هيناً، مفرقاً على الأعضاء كلها، لا يستثنى منها إلا ثلاثاً: الوجه، والرأس، والفرج. وفي لفظ الجلد: إشارةٌ إلى أنه لا ينبغي أن يتجاوز الأم إلى اللم. والمرأة تجلد قاعدةً، ولا ينزع من ثيابها إلى الحشو والفرو، وبهذه الآية استشهد أبو حنيفة ﵀ على أن الجلد حد غير المحصن بلا تغريب. وما احتج به الشافعي ﵀ على وجوب التغريب من قوله ﷺ : "البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام"، وما يروي عن الصحابة: أنهم جلدوا ونفا، منسوخٌ عنده وعند أصحابه بالآية، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على مجرده)، أي: ظاهر بشرته عارياً. الجوهري: يقال: فلانٌ حسن الجردة والمجرد، كقولك: حسن العرية والمعري، وهما بمعنى واحد. قوله: (لا مبرحاً)، النهاية: ضربٌ غير مبرح: غير شاق. قوله: (وفي لفظ الجلد: إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتجاوز الألم إلى اللحم)، وهو المعنى بالإدماج عند علماء البيان، وإشارة النص في الأصول. قوله: (البكر بالبكر جلد مئة)، عن مسلم والترمذي وأبي داود، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: "خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مئة ورجمٌ". هذه رواية مسلم، والمعنى: زنى البكر بالبكر حده جلد مئة، أو: حد زنى البكر بالبكر جلد مئة. وفي قوله: "وما يروي عن الصحابة: أنهم جلدوا ونفوا، منسوخ"، بحثٌ، لأن إجماع الصحابة متأخرٌ عن نزول الآية، فكيف يكون منسوخاً بها؟ وفي هذا الإجماع دلالةٌ على أن الآية غير ناسخةٍ للسنة، وهذه الزيادة ليست بناسخةٍ للآية عند الشافعية خلافاً للحنفية. وروينا عن الترمذي عن ابن عمر، قال: إن النبي ﷺ ضرب وغرب، وإن أبا بكرٍ ضرب وغرب، وإن عمر ضرب وغرب.
следующие страницы →