← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

﴿تَذَكَّرُونَ﴾ بتشديد الذال وتخفيها. رفعهما على الابتداء، والخبر محذوفٌ عند الخليل وسيبويه، على معنى: فيما فرض عليكم. [﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ أي: جلدهما. ويجوز أن يكون الخبر: ﴿فَاجْلِدُوا﴾، وإنما دخلت الفاء، لكون الألف واللام بمعنى "الذي"، وتضمينه معنى الشرط، تقديره: التي زنت، والذي زنى فاجلدوهما، كما تقول: من زنى فاجلدوه، وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤]. وقرئ بالنصب على إضمار فعل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ بتشديد الذال وتخفيفها)، بالتخفيف: حفصٌ وحمزة والكسائي، والباقون: بالتشديد. قوله: (وقرئ بالنصب)، قال ابن جني: وهي قراءة عيسى الثقفي، وهو منصوبٌ بمضمر، أي: اجلدوا الزانية، وتفسيرها: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ وجاز دخول الفاء، لأنه في موضع أمر، ومآل معناه إلى الشرط، ولا يجوز: زيدًا فضربته، لأنه خبر. وقال الزجاج: وزعم الخليل وسيبويه أن النصب المختار، وزعم غيرهما من البصريين والكوفيين أن المختار الرفع، وكذا عندي، لأن الرفع كالإجماع في القراءة، وهو أقوى في العربية، لأن معناه: من زنى فاجلدوه، على الابتداء، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَاتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، وإنما اختار الخليل وسيبويه النصب، لأنه أمرٌ، والأمر بالفعل أولى. وقد مر فيه الكلام مستقصى في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].

стр. 5602

يفسره الظاهر، وهو أحسن من (سورةً أنزلناها)، لأجل الأمر. وقرئ: (والزان) بلا ياء. والجلد: ضرب الجلد، يقال: جلده، كقولك: ظهره وبطنه ورأسه. فإن قلت: أهذا حكم جميع الزنية والزواني، أم حكم بعضهم؟ قلت: بل هو حكم من ليس بمحصن منهم، فإن المحصن حكمه الرجم. وشرائط الإحصان عند أبي حنيفة ست: الإسلام، والحرية، والعقل، والبلوغ، والتزويج بنكاحٍ صحيح، والدخول، إذا فقدت واحدةٌ منها فلا إحصان. وعند الشافعي: الإسلام ليس بشرط، لما روى: أن النبي ﷺ رجم يهوديين. وحجة أبي حنيفة: قوله ﷺ : "من أشرك بالله فيس بمحصن" فإن قلت: اللفظ يقتضي تعليق الحكم بجميع الزنية والزواني، لأن قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ عام في الجميع، يتناول ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وشرائط الإحصان)، عن بعضهم: أحصن الرجل: تزوج فهو محصنٌ، وهو أحد ما جاء على "أفعل" فهو "مفعل". وأحصنت المرأة: عفت، وحصنها زوجها، فهي محصنةٌ ومحصنة، قال ثعلبٌ: كل امرأة عفيفة محصنةٌ ومحصنةٌ، وكل امرأة متزوجة محصنةٌ بالفتح لا غير. قوله: (رجم يهوديين)، الحديث مشهورٌ مخرجٌ في "الصحيحين". قال القاضي: لا يعارضه "من أشرك بالله فليس بمحصن"، إذ المراد المحصن: الذي يقتص له من المسلم. قوله: (اللفظ يقتضي تعليق الحكم بجميع الزنية والزواني)، أي: اللفظ عامٌ، كيف يذهب على أنه حكم من ليس بمحصن؟ وتوجيه الجواب: أنا لا نسلم أنه عامٌ، بل هو

стр. 5603

المحصن وغير المحصن. قلت: الزانية والزاني يدلان على الجنسين المنافقين لجنسي العفيف والعفيفة دلالة مطلقة، والجنسية قائمةٌ في الكل والبعض جميعاً، فأيهما قصد المتكلم فلا عليه، كما يفعل بالاسم المشترك. وقرئ: (ولا يأخذكم) بالياء، و (رأفةٌ) بفتح الهمزة، و (رآفة) على: فعالة. والمعنى: أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله ويستعملوا الجد والمتانة فيه، ولا يأخذهم اللين والهوادة في استيفاء حدوده، وكفى برسول الله ﷺ أسوةً في ذلك، حيث قال: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مطلق، فإن لام الجنس إذا دخلت على مفهوم دل دلالةً مطلقةً شائعةً في جنسه، فيصح حمله على البعض وعلى الكل، فإذا انتهضت قرينةٌ تعين المراد منها كاللفظ المشترك، فإن إرادة أخد مفهوميه إنما تتعين عند قيام القرينة، وقرينة تقييد هذا المطلق آية الرجم، وهي: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" إلى آخرها، وفيه بحث، لأنه لا مانع عندهم أن تجري الآية على العامٌ المخصص على ما سبق في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وروى عن المصنف أنه قال: الألف واللام في الصفات عند المازني ومن تبعه كالمبرد وغيره بمنزلتهما في الأسماء للتعريف، وعند سيبويه هما بمعنى: الذي، والصفة بمعنى الفعل. قوله: ("رأفةٌ" بفتح الهمزة)، ابن كثير، والباقون: بإسكانها. و"رأفةٌ" على: فعالة شاذةٌ. قال الزجاج: و"رآفةٌ" مثل السآمة والكآبة، وفعالةٌ من أسماء المصادر. قوله: (والهوادة)، الجوهري: هي الصلح والميل: وقيل: الهوادة: أن لا يجد في الأمر.

стр. 5604

"لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها". وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ من باب التهييج وإلهاب الغضب لله ولدينه. وقيل: لا تترحموا عليهما حتى تعطلوا الحدود، أو حتى لا توجعوهما ضرباً. وفي الحديث: "يؤتي بوال نقص من الحد سوطاً، فيقول: رحمةٌ لعبادك، فيقال له: أنت أرحم بهم مني! فيؤمر به إلى النار. ويؤتي بمن زاد سوطاً، فيقول: لينتهوا عن معاصيك. فيؤمر به إلى النار"، وعن أبي هريرة: إقامة حد بأرض خيرٌ لأهلها من مطر أربعين ليلة. وعلى الإمام أن ينصب للحدود رجلاً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لو سرقت فاطمة)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود، عن عائشة قالت: إن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ ؟ فكلمه أسامة، فقال رسول الله ﷺ : أتشفع في حد من حدود الله؟ إلى قوله: وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد- ﵉ سرقت لقطعت يدها. قوله: (وقيل: لا تترحموا عليهما)، هذا تفسيرٌ آخر لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ﴾، والفرق أن على الأول تحريضٌ على إقامة الحد نفسه، والثاني على إقامته مع الإيجاع فيه، يدل على الأول قوله: "ولا يأخذكم اللين في استيفاء حدود الله تعالى"، وعلى الثاني: قوله: "أو حتى لا توجعوهما ضرباً". قوله: (إقامة حد بأرض)، عن ابن ماجه، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "إقامة حد من حدود اله خيرٌ من مطر أربعين ليلةٌ في بلاد الله ". وعن ابن ماجه والنسائي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "حدٌ يعمل به في الأرض خيرٌ لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً"، وفي رواية النسائي: "ثلاثين صباحاً".

стр. 5605

عالماً بصيراً يعقل كيف يضرب. والرجل يجلد قائماً على مجرده ليس عليه إلا إزاره، ضرباً وسطاً لا مبرحاً ولا هيناً، مفرقاً على الأعضاء كلها، لا يستثنى منها إلا ثلاثاً: الوجه، والرأس، والفرج. وفي لفظ الجلد: إشارةٌ إلى أنه لا ينبغي أن يتجاوز الأم إلى اللم. والمرأة تجلد قاعدةً، ولا ينزع من ثيابها إلى الحشو والفرو، وبهذه الآية استشهد أبو حنيفة ﵀ على أن الجلد حد غير المحصن بلا تغريب. وما احتج به الشافعي ﵀ على وجوب التغريب من قوله ﷺ : "البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام"، وما يروي عن الصحابة: أنهم جلدوا ونفا، منسوخٌ عنده وعند أصحابه بالآية، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على مجرده)، أي: ظاهر بشرته عارياً. الجوهري: يقال: فلانٌ حسن الجردة والمجرد، كقولك: حسن العرية والمعري، وهما بمعنى واحد. قوله: (لا مبرحاً)، النهاية: ضربٌ غير مبرح: غير شاق. قوله: (وفي لفظ الجلد: إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتجاوز الألم إلى اللحم)، وهو المعنى بالإدماج عند علماء البيان، وإشارة النص في الأصول. قوله: (البكر بالبكر جلد مئة)، عن مسلم والترمذي وأبي داود، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: "خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مئة ورجمٌ". هذه رواية مسلم، والمعنى: زنى البكر بالبكر حده جلد مئة، أو: حد زنى البكر بالبكر جلد مئة. وفي قوله: "وما يروي عن الصحابة: أنهم جلدوا ونفوا، منسوخ"، بحثٌ، لأن إجماع الصحابة متأخرٌ عن نزول الآية، فكيف يكون منسوخاً بها؟ وفي هذا الإجماع دلالةٌ على أن الآية غير ناسخةٍ للسنة، وهذه الزيادة ليست بناسخةٍ للآية عند الشافعية خلافاً للحنفية. وروينا عن الترمذي عن ابن عمر، قال: إن النبي ﷺ ضرب وغرب، وإن أبا بكرٍ ضرب وغرب، وإن عمر ضرب وغرب.

стр. 5606

أو محمولٌ على وجه التعزير والتأديب من غير وجوب. وقول الشافعي في تغريب الحر واحد، وله في العبد ثلاثة أقاويل: يغرب سنةً كالحر، ويغرب نصف سنة كما يجلد خمسين جلدة، ولا يغرب، كما قال أبو حنيفة. وبهذه الآية نسخ الحبس، والأذى في قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥]، وقوله: ﴿فَآَذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]. قيل: تسميته عذاباً دليلٌ على أنه عقوبة. ويجوز أن يسمى عذاباً، لأنه يمنع من المعاودة، كما سمي نكالاً. الطائفة: الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة، وأقلها ثلاثةٌ أو أربعة، وهي صفةٌ غالبة كأنها الجماعة الحافة حول الشيء. وعن ابن عباس في تفسيرها: أربعةٌ إلى أربعين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو محمول على وجه التعزير والتأديب لا على الوجوب)، بناءً على أن الزيادة على النص نسخ، وأنه لا ينسخ الكتاب بخبر الواحد. قال القاضي: ليس في الآية ما يدفع حديث التغريب لينسخ أحدهما بالآخر. قوله: (أن يسمى عذاباً، لأنه يمنع من المعاودة)، الأساس: يقال: أعذب عن الشيء واستعذب: إذا امتنع، ويقال: أعذبوا عن الآمال أشد الإعذاب، فإن الآمال تورث الغفلة، وتعقب الحسرة. قوله: (الجماعة الحافة)، الراغب: الطائفة من الناس: جماعةٌ منهم، ومن الشيء: القطعة منه، قال بعضهم: قد يقع على واحد فصاعداً، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، والطائفة إذا أريد بها الجمع: فجمع طائف، وإذا أريد بها الواحد فيصح أن يكون جمعًا وكني به عن الواحد وكني به عن الواحد، ويصح أن يجعل كراوية وعلامة. والخلود بالنار يؤذن بوضع الحديث.

стр. 5607

رجلاً من المصدقين بالله. وعن الحسن: عشرة. وعن قتادة: ثلاثةٌ فصاعداً. وعن عكرمة: رجلان فصاعداً. وعن مجاهد: الواحد فما فوقه. وفضل قول ابن عباس، لأن الأربعة هي الجماعة التي يثبت بها هذا الحد، والصحيح أن هذه الكبيرة من أمهات الكبائر، ولهذا قرنها الله بالشرك وقتل النفس في قوله: ﴿وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، وقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وعن النبي ﷺ : "يا معشر الناس، اتقوا الزنى فإن فيه ست خصال، ثلاثٌ في الدنيا، وثلاثٌ في الآخرة: فأما اللاتي في الدنيا: فيذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما اللاتي في الآخرة: فيوجب السخطة، وسوء الحساب، والخلود في النار"، ولذلك وفى الله فيه عقد المئة بكماله، بخلاف حد القذف وشرب الخمر، وشرع فيه القتلة الهولة، وهي الرجم، ونهى المؤمنين عن الرأفة على المجلود فيه، وأمر بشهادة الطائفة للتشهير، فوجب أن تكون طائفة يحصل بها التشهير، والواحد والاثنان ليسوا بتلك المثابة، واختصاصه المؤمنين، لأن ذلك أفضح، والفاسق بين صلحاء قومه أخجل، ويشهد له قول ابن عباس: إلى أربعين رجلاً من المصدقين بالله. [﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣]. الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنى والتقحب، لا يرغب في نكاح الصوالح ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الهولة)، عن بعضهم: إدخال التاء في الهولة على تأويل الوصفية كقولهم: الجبة الحتفة، والمرأة الكلبة، على تأويل الهائلة والقائلة والسليطة. قوله: (الزنى والتقحب)، الراغب: الزنى: وطء المرأة من غير عقد شرعي. ويقصر، وإذا مد يصح أن يكون مصدر المفاعلة. وزنأ في الجبل زنأ وزنوءاً، والزناء: الحاقن بوله،

стр. 5608

من النساء واللاتي على خلاف صفته، وإنما يرغب في فاسقة خبيثة من شكله، أو في مشركة، أو في مشركة، والفاسقة الخبيثة المسافحة كذلك لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال، وينفرون عنها، وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من الفسقة والمشركين، ونكاح المؤمن الممدوح عند اله الزانية ورغبته فيها وانخراطه فيها في سلك الفسقة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ونهي الرجل أن يصلي وهو زناء. وقيل: الزنى: سفح الماء في محل محرم، يمد ويقصر، والقصر لغة الحجاز، والمد لغة نجد. الأساس: يسمى أهل اليمن المرأة القحبة، ويقولون: لا تثق بقول القحبة، ولا تغتر بطول الصحبة. وقاحبت المرأة: وقحبت وتقحبت. وقوله: (ونكاح المؤمن)، إلى آخره، هو معنى قوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهو عطفٌ على قوله: "الفاسق الخبيث" إلى آخره. اعلم أن قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾ يصح أن يحمل على الخبر المحض، وعلى معنى النهي، كما نص عليه في آخر كلامه، فإذا حمل على الخبر يكون معنى الحرمة في قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ التنزيه، ويسمى حرامًا للتغليظ والتشديد، وإليه الإشارة بقوله: "لما فيه من التشبه بالفساق"، والمعنى: أن من شأن الفاسق الخبيث وعادته ذلك، فعلى المؤمن أن لا يدخل نفسه تحت هذه العادة، ويتصون عنها كما ذكره، فعلى هذا: الظاهر أن قوله: "وقد أجازه ابن عباس ﵄"، وقوله: "أنه سئل عن ذلك، فقال: أوله سفاح وآخره نكاح" مبني على هذا الوجه، والآية غير منسوخة. وإذا حمل على النهي فيكون قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ على ظاهره مؤكدًا لمعنى النهي، ويكون قوله: "وقيل: كان بالمدينة موسراتٌ من بغايا المشركين" إلى آخره، وقول عائشة رضي الله تعالى عنها: "إن الرجل إذا زنى

стр. 5609

المتسمين بالزنى: محرمٌ عليه محظور، لما فيه من التشبه بالفساق، وحضور موقع التهمة، والتسبب لسوء القالة فيه والغيبة، وأنواع المفاسد، ومجالسة الخطائين كم فيها من التعرض لاقتراف الآثام، فيكف بمزواجة الزواني والقحاب؟ ! وقد نبه على ذلك بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. وقيل: كان بالمدينة موسرات من بغايا المشركين، فرغب فقراء المهاجرين في نكاحهن، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بامرأة، ليس له أن يتزوجها" مبنيين على هذا، والآية منسوخة. قال القاضي: وإنما حرم ذلك على المؤمنين، لأنه تشبيهٌ بالفساق، ولذلك عبر عن التنزيه بالتحريم مبالغةً، وقيل: النفي بمعنى النهي، وقد قرئ به، والحرمة على ظاهرها، والحكم مخصوصٌ بالسبب الذي ورد فيه، وهو نكاح الموسرات من بغايا المشركين، أو منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فإنه يتناول المسافحات. قوله: (لسوء القالة فيه)، الراغب: القالة: كل قول فيه طعنٌ وغميزة وقال: بعضهم: القال والقالة: ما ينتشر من القول، قال الخليل: يوضع القال موضع القائل، فيقال: أنا قال كذا، أي: قائله. قوله: (وقد نبه على ذلك بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ﴾، يعني: إذا كان الصالحون من الأرقاء والمماليك موصى في حقهم التزوج بسبب الصلاح، فالحرائر أولى بالتوصية أن يحترزن عن نكاح الفاسقين، والأحرار عن الفواسق، لأن السبب في شرعية النكاح التحصن في الدين، وحفظ الصلاح، والتكاثر من الصلحاء، فعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] تأكيدٌ للآية وموافقةٌ لها، ولهذا كانت الآية على هذا الوجه غير منسوخة.

стр. 5610

فاستأذنوا رسول الله ﷺ ، فنزلت. وعن عائشة ﵂: أن الرجل إذا زنى بامرأة: ليس له أن يتزوجها، لهذه الآية، وإذا باشرها كان زانياً. وقد أجازه ابن عباس وشبهه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه. وعن النبي ﷺ : أنه سئل عن ذلك، فقال: "أوله سفاحٌ وآخره نكاح، والحرام لا يحرم الحلال"، وقيل: المراد بالنكاح الوطء. وليس بقول، لأمرين: أحدهما: أن هذه الكلمة أينما وردت في القرآن لم ترد إلا في معنى العقد. والثاني: فساد المعنى وأداؤه إلى قولك: الزاني لا يزنى إلا بزانية، والزانية لا يزني بها إلا زان. وقيل: كان نكاح الزانية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (سفاح)، النهاية: السفاح: الزنى، مأخوذٌ من سفحت الماء: إذا صببته، وأراد به أن المرأة تسافح رجلاً مدةً ثم يتزوجها، وهو مكروهٌ عند بعض الصحابة، وعن بعضهم: المرأة مسافحٌ بها ومسفوحٌ فيها، فتسميتها مسافحة مجازٌ، كالزانية من: زنأت الجبل، إذا علوت. الانتصاف: كره مالكٌ نكاح المشهورين بالفاحشة، ونقل بعض أصحابه إجماع المذاهب أن للمرأة أو لوليها فسخ نكاح الفاسق. قوله: (أن هذه الكلمة أينما وردت في القرآن لم ترد إلا في معنى العقد)، قال الزجاج: لا يعرف شيءٌ من ذكر النكاح في كتاب الله إلا على معنى التزويج، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النور: ٣٢]، ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]. قوله: (وأداؤه إلى قولك: الزاني لا يزني إلا بزانية)، قال صاحب "التقريب": وليس فساده لأنه بيانٌ للواضحات، بل لأنه غير مسلم، إذ قد يزني الزاني بغير الزانية لعلم أحدهما بالزنى، والآخر جاهلٌ به، يظن الحل، وقال القاضي: لأنه يؤول المعنى إلى نهي الزاني عن الزنى إلا بزانية، والزانية أن يزني بها إلا زان وهو فاسد.

стр. 5611

محرماً في أول الإسلام، ثم نسخ، والناسخ قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وقيل: الإجماع، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب. فإن قلت: أي فرقٍ بين معنى الجملة الأولى ومعنى الثانية؟ قلت: معنى الأولى: صفة الزاني بكونه غير راغبٍ في ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: الإجماع)، أي: الناسخ الإجماع، وعن بضعهم: فيه نظرٌ، لأن النسخ لا يجوز إلا زمان ورود النص، وإذا وافق النبي ﷺ أهل الاجتهاد في حكم كان ذلك نصاً لا إجماعًا. قوله: (أي فرق بين معنى الجملة الأولى ومعنى الثانية؟ )، يعني معنى قوله: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ﴾، يعود إلى قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾، لأن إسناد النكاح في الجملتين إلى الزاني. وأجاب بأن المسند إليه هو الذي يستدعي أن يحكم عليه، فهو في الحقيقة الموصوف، والخبر كالصفة تابعٌ له، ومن ثم سمى ابن جني المبتدأ رب الجملة، فيرجع معنى الجملة الأول إلى أن الزاني هو الذي يجتهد في تحصيل الفاجرة، ويرغب عن نكاح العفائف، ومعنى الثانية إلى أن الزانية حكمها أن لا يرغب فيها إلا عقابل الزنية، فيكون الذم راجعًا إليها بالأصالة، كما رجع إلى الزاني في الأولى بالأصالة، وإن استتبع كلٌ منهما ذم الآخر، ولو لم يذكر الثانية لم يعلم ذلك. الانتصاف: ليس ما ذكره الزمخشري موضحًا لتطابق الجملتين، وإيضاحه: أن الأقسام أربعة: الزاني لا يرغب إلا في زانية، والزانية لا ترغب إلا في زان، والعفيف لا يرغب إلا في عفيفة، والعفيفة لا ترغب إلا في عفيف، فذكر منها قسمان دالان على القسمين المسكوت عنهما، فالقسم الأول دالٌ على قرينه، وهو انحصار رغبة العفيف في العفيفة. والقسم الثاني: يفهم منه الرابع وهو انحصار رغبة العفيفة في العفيف، وعبر عن الزنية بما لا ينفك عن الزنى، فذكر الأعفاء بسلب نقائصهم، وأسند النكاح في القسمين المذكورين إلى الذكور، بخلاف قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ جعل كل واحد منهما زانياً، وقدم الزانية في الكلام

стр. 5612

العفائف، ولكن في الفواجر. ومعنى الثانية: صفة الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء، ولكن للزناة، وهما معنيان مختلفان. فإن قلت: كيف قدمت الزانية على الزاني أولاً، ثم قدم عليها ثانياً؟ قلت: سيقت تلك الآية لعقوبتهما على ما جنيا، والمرأة هي المادة التي منها نشأت الجناية، لأنها لو لم تطمع الرجل، ولم تومض له، ولم تمكنه لم يطمع، ولم يتمكن، فلما كانت أصلاً وأولاً في ذلك: بدئ بذكرها. وأما الثانية فمسوقةٌ لذكر النكاح، والرجل أصلٌ فيه، لأنه هو الراغب والخاطب، ومنه يبدأ الطلب. وعن عمرو بن عبيد: (لا ينكح) بالجزم على النهي. والمرفوع أيضاً فيه معنى النهي، ولكن أبلغ وآكد، كما أن "رحمك الله" و"يرحمك": أبلغ من "ليرحمك" ويجوز أن يكون خبراً محضاً، على معنى: أن عادتهم جاريةٌ على ذلك، وعلى المؤمن أن لا يدخل نفسه تحت هذه العادة ويتصون عنها. وقرئ: (وحرم) بفتح الحاء. [﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٤ - ٥]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأول، لأن الأصل في الزنى المرأة لما يبدو من إطماعها، والثاني في النكاح، إذ المعتبر فيه الرجل، وهم البادون بالخطبة. ولما كان الغرض تنفير الإعفاء من الزنى قربنه بالشرك. تم كلامه. وليس بطائلٍ، لأن قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ متضمنٌ لمعنى القسمين المقدرين. قوله: (ولم تومض له)، الجوهري: أومضت المرأة: إذا سارقت النظر من: "ومض البرق وميضًا": إذا لمع لمعاناً خفيفاً. قوله: (كما أن "رحمك الله" و "يرحمك": أبلغ)، وهم يسلكون هذه الطريقة للتفاؤل، كأنهم أسعفوا بمطلوبهم، فهم يخبرون عنه. قوله: (ويجوز أن يكون خبرًا محضًا)، عطفٌ على قوله: "والمرفوع أيضًا فيه معنى النهي".

стр. 5613

القذف يكون بالزنى وبغيره، والذي دل على أن المراد قذفهن بالزنى شيئان، أحدهما: ذكر المحصنات عقيب الزواني. والثاني: اشتراط أربعة شهداء، لأن القذف بغير الزنى يكفي فيه شاهدان، والقذف بالزنى: أن يقول الحر العاقل البالغ لمحصنة: يا زانية، أو لمحصن: يا زاني، يا ابن الزاني، يا ابن الزانية، يا ولد الزنى، لست لأبيك، لست لرشدة. والقذف بغير الزنى أن يقول: يا آكل الربا، يا شارب الخمر، يا يهودي، يا مجوسي، يا فاسق، يا خبيث، يا ماض بظر أمه، فعليه التعزير، ولا يبلغ به أدنى حد العبيد، وهو أربعون، بل ينقص منه. وقال أبو سيف: يجوز أن يبلغ به تسعةٌ وسبعون. وقال: للإمام أن يعزر إلى المئة. وشروط إحصان القذف خمسة: الحرية، والبلوغ، والعقل، والإسلام، والعفة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لست لرشدة)، النهاية: يقال: هذا ولد رشدة: إذا كان لنكاح صحيح، كما يقال في ضده: ولد زنية، بالكسر. قوله: (يا يهودي، يا مجوسي)، فيه أن هذا ليس موجباً للتكفير، لأنه قال: فعليه التعزير، وفي "الروضة": قال المتولي: ولو قال المسلم: يا كافر، بلا تأويل: كفر، لأنه سمى الإسلام كفرًا. وفيها: ولو قيل للمسلم: يا يهودي أو: يا مجوسي، فقال: لبيك: كفر. قوله: (يا ماص بظر أمه)، النهاية: في الحديث: امصص ببظر اللات. البظر، بفتح الباء: الهنة التي تقطعها الخافضة من فرج المرأة عند الختان. والعرب تطلق هذا اللفظ في معرض الذم. وعن بعضهم: مصصت الماء: شرب منه رشفًا، وفي الحديث: "مصوا الماء، ولا تعبوا عبًا، فإن الكباد من العب". وقولهم للرجل: يا مصان، وللمرأة: يا مصانة: شتم.

стр. 5614

وقرئ: (بأربعة شهداء) بالتنوين. و (شهداء) صفة. فإن كنت: كيف يشهدون: مجتمعين أو متفرقين؟ قلت: الواجب عند أبي حنيفة وأصحابه أن يحضروا في مجلسي واحد، وإن جاؤوا متفرقين: كانوا قذفة، . وعند الشافعي: يجوز أن يحضروا متفرقين. فإن قلت: هل يجوز أن يكون زوج المقذوفة واحداً منهم؟ قلت: يجوز عند أبي حنيفة خلافاً للشافعي. فإن قلت: كيف يجلد القاذف؟ قلت: كما جلد الزاني، إلا أنه لا ينزع عنه من ثيابه إلا ما ينزع عن المرأة من الحشو والفرو. والقاذفة أيضًا كالزانية. وأشد الضرب: ضرب التعزيز، ثم ضرب الزنى، ثم ضرب شرب الخمر، ثم ضرب القاذف. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "بأربعة شهداء" بالتنوين)، قال ابن جني: هي قراءة عبد الله بن مسلم ابن يسار وأبي زرعة، وهذا حسنٌ في معناه، وذلك أن أسماء العدد من الثلاثة إلى العشرة لا تضاف إلى الأوصاف، لا يقال: عندي ثلاثة طريقين، إلا إذا أقيمت الصفة مقام الموصوف، وهذا هو الوجه في قراءة الجماعة ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ بالإضافة، فإنهم استعملوا الشهداء استعمال الأسماء. قوله: (وأشد الضرب: ضرب التعزير)، النهاية: وأصل التعزير: المنع والرد، ولهذا قيل للتأديب الذي هو دون الحد: تعزيرٌ، لأنه لا يمنع الجاني أن يعاود الذنب. وقيل: وفي كتاب سلالة "التفريد": أشد الضرب التعزير، ثم حد الزنى، ثم حد الشرب، ثم حد القذف، فإن التعزير نقص من العدد، وزيد في وصفه. وحد الزنى منصوصٌ في تغليظه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ﴾، وحد الشرب متيقنٌ، بخلاف القذف، فيكون أبلغ، ولذلك لا يجرد في حد القذف، لأن سببه غير متقين. وقال الإمام: قيل: أشد الضرب في الحدود ضرب الزنى، ثم ضرب شرب الخمر، ثم ضرب القاذف. وقال القاضي: إنما كان ضرب القاذف أخف، لضعف سببه، واحتمال

стр. 5615

قالوا: لأن سبب عقوبته محتملٌ للصدق والكذب، إلا أنه عوقب صيانةً للأعراض وردعاً عن هتكها. فإن قلت: فإذا لم يكن المقذوف محصناً؟ قلت: يعزر القاذف ولا يحد، إلا أن يكون المقذوف معروفاً بما قذف به، فلا حد ولا تعزير. رد شهادة القاذف معلق عند أبي حنيفة ﵀ باستيفاء الحد، فإذا شهد قبل الحد أو قبل تمام استيفائه: قبلت شهادته، فإذا استوفى: لم يقبل شهادته أبداً وإن تاب وكان من الأبرار الأتقياء. وعند الشافعي: يتعلق رد شهادته بنفس القذف، فإذا تاب عن القذف بأن يرجع عنه: عاد مقبول الشهادة. وكلاهما متمسكٌ بالآية، فأبو حنيفة ﵀ جعل جزاء الشرط- الذي هو الرمي- الجلد، ورد الشهادة عقيب الجلد على التأبيد، فكانوا مردودي الشهادة عنده في أيدهم، وهو مدة حياتهم، وجعل قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ كلاماً مستأنفاً غير داخل في حيز جزاء الشرط، كأنه حكاية حال الرامين عند الله بعد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صدق ما قال، ولذلك نقص عدده. قوله: (صيانةً للأعراض)، العرض: النفس، صنت عرضي أي: نفسي، وفلانٌ نقي العرض، إذا كان بريئاً عما يقرف ويعاب به. وقيل: العرض: الحسب من مكارم [أخلاق] الرجل. قوله: (أبداً)، الأبد: اسمٌ لزمانٍ طويلٍ انتهى أو لم ينته، يقال: أبدٌ أبيدٌ، كقولهم: دهرٌ داهر وساعةٌ سوعاء، أي: طويلة. قوله: (كلاماً مستأنفاً)، أي: مبتدأ، كما قال ابن الحاجب في "شرح المفصل" في قوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ على معنى التشريك بينهما في عامل واحد، كأنك عطفت خبراً على خبر، أو على الابتداء بجملة معربةٍ إعراب نفسها غير مشتركٍ بينها وبين ما قبلها في عاملٍ واحد،

стр. 5616

انقضاء الجملة الشرطية. و ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ استثناءٌ من الفاسقين، ويدل عليه قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والشافعي ﵀ جعل جزاء الشرط الجملتين أيضاً، غير أنه صرف الأبد إلى مدة كونه قاذفاً، وهي تنتهي بالتوبة والرجوع عن القذف، وجعل الاستثناء متعلقاً بالجملة الثانية. وحق المستثنى عنده أن يكون مجروراً بدلاً من "هم" في ﴿لَهُمْ﴾، وحقه عند أبي حنيفة أن يكون منصوباً، لأنه عن موجب، والذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها: أن تكون الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء الشرط، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ إلى أخره: عطفٌ على الجملة الشرطية بتمامها، للإعلام بأن الجملة الأولى مشتملةٌ على حكم الرامين عند الناس في ظاهر الشرع، والثانية على حكمهم عند الله تعالى، ويدل على أن الثانية كذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، لأن هذه الفاصلة لا تليق بحال قبول الشهادة وردها، ويمكن أن يجاب بأن الفاصلة متعلقةٌ بمجموع الكلام، وأن قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ جملةٌ معترضةٌ دخلت بين المستثنى والمستثنى منه مؤكدةٌ لمعنى ما اعترض فيه، والمناسبة حاصلةٌ على أن التعذيب نوعان: تعذيب إيلام، وتعذيب تشوير، فإذا قبلت توبة القاذف وسمعت شهادته، كأنه غفر له ورحم عيه وأنقذ من عذاب التشوير. قوله: (والذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها: أن تكون الجمل الثلاث بمجموعهن جزاءً للشرط)، وبيانه ما قرره الإمام، وتلخيصه على وجهين: أحدهما: أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ استثناءٌ مذكورٌ عقيب جمل منسوقةٍ بحرف النسق، وهي: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾، ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، فهي في حكم واحد، فلم يكن رجوع الاستثناء إلى بعضٍ أولى من بعض، فوجب عوده إليها بأسرها. ونظيره قول أبي حنيفة ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٦]، فإن فاء

стр. 5617

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التعقيب ما دخلت على غسل الوجه فقط، بل على المجموع من حيث إن الواو للجمع المطلق لا للترتيب، فإن قيل: إن الواو كما تكون للجمع فقد تكون للاستئناف، فقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ جملةٌ خبريةٌ، والجملتان السابقتان طلبية، ولا يجوز عطف الخبرية على الطلبية، فالواو: للاستئناف، بخلافه في آية الوضوء؟ الجواب: إذا انتهض الجامع القوي لا يمنع الاختلاف من العطف، أي: من قذف المحصنات فاجلدوهم، وردوا شهادتهم، وفسقوهم، أي: اجمعوا لهم هذه الثلاث إلا الذين تابوا عن القذف، وأصلحوا فإن الله تعالى يغفر لهم فينقلبون غير مجلودين ولا مردودين ولا مفسقين. وإنما خولف في الثالثة بالخبرية، لأنه أبلغ وألزم، ولذلك جئ بها معرفة الخبر متوسطة بضمير الفصل. وثانيهما: أن مجيء: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ عقيب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ يدل على أن العلة في عدم قبول الشهادة كونهم فاسقين، لأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعرٌ بالعلية، وإذا ثبت أن العلة لرد الشهادة كونهم فاسقين، فعند زوال الفسق زالت العلة، فوجب أن يزول الحكم. فإن قيل: إن الاستثناء لو رجع إلى الكل لوجب أنه إذا تاب أن لا يجلد، وهذا باطلٌ بالإجماع؟ وأجاب الإمام: أن ترك العمل فيه لدليل الإجماع، فلم يترك في الباقي. وقال القاضي: الاستثناء راجعٌ إلى الحكم، وهو اقتضاء الشرط لهذه الأمور، ولا يلزمه سقوط الحد به كما قيل، لأن من تمام التوبة الاستسلام للحد، أو الاستحلال. وقلت: لأن الغفران إنما يكون في حقوق الله تعالى، وحد القذف من حقوق العباد، ثم المختار من الوجهين الثاني، لأن قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ جملةٌ معترضةٌ بين المستثنى

стр. 5618

كأنه قيل: ومن قذف المحصنات فاجلدوهم وردوا شهادتهم وفسقوهم، أي: فاجمعوا لهم الجلد والرد والتفسيق، إلا الذين تابوا عن القذف وأصلحوا فإن الله يغفر لهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والمستثنى منه لتوكيد مضمون الجملة وكالتعليل لها. والواو للاستئناف لا محيد عنه، لورودها على التأكيد، وتعريف الخبر بلام الجنس المؤذن بكمال هذا المعنى فيهم، وتوسط ضمير الفصل المقيد للحصر. وكل هذا ينافي العطف، مع أن الجملتين السابقتين إنشائيتان، ولذلك جعل الإمام الشافعي الاستثناء متعلقًا به: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ كما قال. وقال ابن الحاجب في "الأمالي": رجوع الاستثناء إلى الجمل كلها ليس بمستقيم، أما الجلد فلم يرجع إليه بالاتفاق، وأما قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، فإنما جيء به لتقرير تعليل منع الشهادة، فلم يبق إلا قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾. وينصر هذا القول فعل عمر رضي الله تعالى عنه، وإجماع فقهاء التابعين على ما روينا في "صحيح البخاري": جلد عمر ﵁ عنه أبا بكرة وشبل ابن معبد ونافعًا بقذف المغيرة، ثم استتابهم وقال: من تاب قبلت شهادته. وأجازه عبد الله بن عتبة، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، وطاووس، ومجاهدٌ والشعبي، وعكرمة، والزهري، ومحارب، وشريح، ومعاوية بن قرة. قال بعض الناس: لا تجوز شهادة القاذف وإن تاب، ثم قال: لا يجوز نكاحٌ بغير شاهدين، وإن تزوج بشهادة محدودين: جاز. وإن تزوج بشهادة عبدين: لم يجز، وأجاز شهادة المحدود والعبد والأمة لرؤية هلال رمضان.

стр. 5619

فينقلبون غير مجلودين ولا مردودين ولا مفسقين. فإن قلت: الكافر يقذف فيتوب عن الكفر فتقبل شهادته بالإجماع، والقاذف من المسلمين يتوب عن القذف فلا تقبل شهادته عند أبي حنيفة! كأن القذف مع الكفر أهون من القذف مع الإسلام! قلت: المسلمون لا يعبؤون بسبب الكفار، لأنهم شهروا بعداوتهم والطعن فيهم بالباطل، فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر من الشين والشنار ما يحلقه بقذف مسلم مثله، فشدد على القاذف من المسلمين، ردعاً وكفًأ عن إلحاق الشنار. فإن قلت: هل للمقذوف أو للإمام أن يعفو عن حد القاذف؟ قلت: لهما ذلك قبل أن يشهد الشهود ويثبت الحد، والمقذوف مندوبٌ إلى أن لا يرافع القاذف ولا يطالبه بالحد. ويحسن من الإمام أن يحمل المقذوف على كظم الغيظ، ويقول له: أعرض عن هذا ودعه لوجه الله، قبل ثبات الحد، فإذا ثبت لم يكن لواحدٍ منهما أن يعفو، لأنه خالص حق الله، ولهذا لم يصح أن يصالح عنه بمال. فإن قلت: هل يورث الحد؟ قلت: ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (المسلمون لا يعبؤون بسبب الكفار) إلى آخره، قال: صاحب "الفراند": أبو حنيفة لا يحتاج إلى هذا الجواب الضعيف، والكافر إنما قبلت شهادته بعد الإسلام، لأن هذه الشهادة غير شهادة الكفر، لأنها مستفادٌة من الإسلام، فلم تدخل تحت الرد، ويدل عليه أن شهادته مقبولةٌ بعد الإسلام على المسلم والذمي، وتلك الشهادة غير مقبولةٍ على المسلم، ولو كان كما قال، وهو عدم لحوق الشين، لوجب أن لا يحد، لعدم اعتبار قذفه. قوله: (والشنار)، النهاية: الشنار: العيب والعار. وقيل: هو العيب الذي فيه عارٌ، من: شنر عليه، أي: عابه وطعن فيه. قوله: (لأنه خالص حق الله تعالى)، عن بضعهم: حد القذف مما اجتمع فيه الحقان، وحق الله تعالى غالبٌ أو حق العبد غالبٌ على قول بعض أصحابنا، ولم يقل أحدٌ بما قاله المصنف عرف في أصول الفقه.

стр. 5620

عند أبي حنيفة: لا يورث، لقوله ﷺ : "الحد لا يورث"، ويورث عند الشافعي، وإذا تاب القاذف قبل أن يثبت الحد: سقط وقيل: نزلت هذه الآية في حسان بن ثابت حين تاب مما قال في عائشة ﵄. [﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٦ - ٩]. قاذف امرأته إذا كان مسلماً حرًا عاقلاً بالغًا، غير محدود في القذف، والمرأة بهذه الصفة مع العفة: صح اللعان بينهما إذا قذفهما بصريح الزنى، وهو أن يقول لها: يا زانية، أو: زنيت، أو: رأيتك تزنين. وإذا كان الزوج عبداً، أو محدوداً في قذف، والمرأة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عند أبي حنيفة: لا يورث … ، ويورث عند الشافعي)، قال الإمام: قال مالكٌ والشافعي: حد القذف يورث، فإذا مات المقذوف قبل استيفاء الحد والعفو ثبت لوارثيه الحد، وكذا لو أنشأ القذف بعد موت المقذوف، وعند أبي حنيفة: لا يورث. حجة الشافعي أن حد القذف الآدمي، لأنه يسقط بعفوه، ولا يستوفي إلا بطلبه، ويحلف المدعى عليه إذا أنكر، وقال أبو حنيفة: لو كان موروثاً لكان للزوج والزوجة نصيبٌ فيه، وليس كذلك، لأنه حقٌ ليس من قبيل المال، فلا يورث كالمضاربة والوكالة. والجواب: أن الأصح عند الشافعي أنه يرثه جميع الورثة كالمال، وفيه وجهٌ أنه لا يرثه الزوج والزوجة، لأن المقصود من الحد دفع العار، وذلك لا يلحق الزوج والزوجة، لأن الزوجية تنقطع بالموت.

стр. 5621

محصنة: حد، كما في قذف الأجنبيات، وما لم ترافعه إلى الإمام لم يجب اللعان. واللعان: أن يبدأ الرجل فيشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنى، ويقول في الخامسة: إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنى. وتقول المرأة أربع مرات: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى، ثم تقول في الخامسة: إن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنى. وعند الشافعي ﵀: يقام الرجل قائماً حتى يشهد، والمرأة قاعدة، وتقام المرأة والرجل قاعدٌ حتى تشهد، ويأمر الإمام من يضع يده على فيه ويقول له: إن أخاف إن لم تكن صادقاً أن تبوء بلعنة الله. وقال: اللعان بمكة بين المقام والبيت، وبالمدينة على المنبر، وببيت المقدس في مسجده، ولعان المشرك في الكنيسة وحيث يعظم، وإذا لم يكن له دين ففي مساجدنا إلا في المسجد الحرام، لقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، ثم يفرق القاضي بينهما، ولا تقع الفرقة بينهما إلا بتفريقه عند أبي حنيفة وأصحابه، إلا عند زفر، فإن الفرقة تقع باللعان. وعن عثمان البتي: لا فرقة أصلاً. وعند الشافعي ﵀: تقع بلعان الزوج. وتكون هذه الفرقة في حكم التطليقة البائنة عند أبي حنيفة ومحمد، ولا يتأبد حكمها، فإذا أكذب الرجل نفسه بعد ذلك فحد: جاز أن يتزوجها. وعند أبي يوسف وزفر والحسن بن زياد والشافعي: هي فرقةٌ بغير طلاقٍ توجب تحريمها مؤبداً، ليس لهما أن يجتمعا بعد ذلك بوجه. وروى: أن آية القذف لما نزلت قرأها رسول اله ﷺ على المنبر، فقام ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعن عثمان البتي)، قيل: هو خليفة الحسن البصري، وكتب أبو حنيفة كتاب "الرسالة" من تصنيفه إليه، والبتي: بائع البيت، وهو الكساء الغليظ. قوله: (روي: أن آية القذف لما نزلت قرأها رسول الله ﷺ )، في هذه الرواية تخليطٌ، لأن حديث عاصم بن عدي رواه البخاري ومسلمٌ والنسائي عن ابن عباسٍ من غير هذا

стр. 5622

عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني الله فداك، إن وجد رجلٌ مع امرأته رجلاً فأخبر جلد ثمانين وردت شهادته أبداً وفسق وفسق، وإن ضربه بالسيف قتل، وإن سكت سكت على غيظ، وإلى أن يجيء بأربعة شهداء فقد قضى الرجل حاجته ومضى! اللهم افتح. وخرج فاستقبله هلال بن أمية أو عويمر، فقال: ما وراءك؟ قال: شرٌ، وجدت على بطن امرأتي خولة- وهي بنت عاصم- شريك بن سحماء، فقال هذا والله سؤالي، ما أسرع ما ابتليت به! فرجعا، فأخبر عاصمٌ رسول الله ﷺ ، فكلم خولة، فقالت: لا أدري، ألغيرةٍ أدركته، أم بخلاً على الطعام! وكان شريكٌ نزيلهم، وقال هلال: لقد رأيته على بطنها. فنزلت، ولا عن بينهما. وقال رسول الله ﷺ عند قوله وقولها: أن لعنة الله عليه إن غضب الله عليها: "آمين"، وقال القوم: آمين، وقال لها: "إن كنت ألممت بذنب فاعترفي به، فالرجم أهون عليك من غضب الله، إن غضبه هو النار". وقال: "تحينوا بها الولادة، فإن جاءت به أصهيب أثيبج يضرب إلى السواد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الوجه. وروى مسلمٌ وأبو داود، عن ابن مسعودٍ معنى أول هذا الحديث كما أورده، وليس فيه ذكر الأسامي. وأما قصة هلال بن أمية وشريك بن سحماء فقد رواها مسلمٌ والنسائي، وليس في أوله ذكر عاصم وغيره. وعلى الجملة، معنى هذا الحديث مرويٌ برواياتٍ شتى، وأحاديث متفرقة. ومن أراد تحقيقه فعليه بـ "جامع الأصول". قوله: (تحينوا بها)، الحين: الوقت، أي: اطلبوا وقتها. والأصيهب: هذا الذي يعلو لونه صهبةٌ، وهي الشقرة، وهي تصغير أصهب. والأثيبج: تصغير الأثبج، وهو الناتئ

стр. 5623

فهو لشريك، وإن جاءت به أوراق جعداً جمالياً خدلج الساقين فهو لغير الذي رميت به". قال ابن عباس: فجاءت بأشبه خلق الله لشريك، فقال ﷺ : "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن". وقرئ: (ولم تكن) بالتاء، لأن الشهداء جماعة، أو لأنهم في معنى الأنفس التي هي بدل. ووجه من قرأ (أربع) أن ينتصب، لأنه في حكم المصدر، والعامل فيه المصدر الذي هو ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، وهي مبتدأٌ محذوف الخبر، تقديره: فواجبٌ شهادة أحدهم أربع شهادات ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الثبج: أي: ما بين الكتفين والكاهل، وقد جاء رجلٌ أثبج عظيم الجوف. والأورق: الأسمر، والورقة: السمرة، الجمالي: الضخم الأعضاء التام الأوصال، يقال: ناقةٌ جماليةٌ: مشبهةٌ بالجمل عظمًا وبدانةً. وخدلج الساقين: العظيم الممتلئ الساق. كلها في "النهاية". وقال صاحب "الجامع": وإنما جاء بهذه الألفاظ مصغرةً لكونها صفةً للمولود. قوله: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن)، أي: لولا الإيمان الذي في اللعان، وفي رواية مسلم والنسائي، عن أنسٍ: "لولا ما سبق فيها من كتاب الله لكان لي ولها شأنٌ"، ورواية البخاري وأبي داود: "لولا ما مضى من كتاب الله". قوله: (وهي: مبتدأ)، أي: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، والخبر المقدر: واجب، و (أربع شهادات): في حكم المصدر، والتقدير: فواجبٌ شهادة أحدهم أربع شهادات، والجملة خبر ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾، ودخلت الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط. قال صاحب "الكشف": من نصب فالتقدير: فالواجب أن يشهد أحدهم أربع شهادات، فيكون المصدر مضافًا إلى الفاعل، ومن رفع فقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾، فقد أخبر بالمرفوع عن المبتدأ، فيتحقق إذن تعلق الباء من قوله: ﴿بِاللَّهِ﴾ بما يليه، وهو ﴿شَهَادَاتٍ﴾، ولا يجوز حينئذٍ تعليقها بقوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، لأنه أخبر عن المبتدأ، ولا يجوز بعد الإخبار عنه أن يتعلق به شيءٌ، ومن نصب فالجار يتعلق بالثاني على مذهب سيبويه، وبالأول على مذهب الفراء.

стр. 5624

وقرئ: (أن لعنة الله)، و: (أن غضب الله) على تخفيف (أن) ورفع ما بعدها. وقرئ: (أن غضب الله) على فعل الغضب. وقرئ بنصب الخامستين، على معنى: ويشهد الخامسة. فإن قلت: لم خصت الملاعنة بأن تخمس بغضب الله؟ قلت: تغليظاً عليها، لأنها هي أصل الفجور ومنبعه بخلابتها وإطماعها، ولذلك كانت مقدمةً في آية الجلد. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقري: "أن لعنة الله")، قرأن نافعٌ: "أن لعنة الله"، و"أن غضب الله"، بتخفيف النون فيهما ورفع التاء وكسر الضاد، من: غضب، ورفع ﴿اللهُ﴾. والباقون: بتشديد النون ونصب التاء وفتح الضاد وجر الهاء. وقوله: (على فعل الغضب)، يريد أنه قرئ: "غضب"، على الفعل الماضي، ورفع ﴿اللهُ﴾، لموافقة الرواية صورة خط الإمام، وأما "لعنة الله عليه" فإن كانت صورتها صورة الفعل، لكن لتكرر الضمير في "عليه"، وعدم مساعدتها الرواية ما قرئ بالفعل، وبهذا ظهر صحة قول الكواشي: السبعة: ما صح سنده، ووافق لفظه خط الإمام. وقوله: (وقرئ بنصب الخامستين)، حفصٌ: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ﴾ بنصب التاء، والباقون: برفعها. قوله: (بخلابتها)، أي خداعها. كما قال "والمرأة هي المادة التي منها نشأت الخيانة، لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تومض له لم يطمع". النهاية: وفي الحديث "لا خلابة"، أي: لا خداع، وفيه: أن بيع المحفلات خلابةٌ، وفي أمثالهم: إذا لم تغلب فاخلب.

стр. 5625

ويشهد لذلك قوله ﷺ لخولة: "فالرجم أهون عليك من غضب الله". [﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ ١٠]. الفضل: التفضل. وجواب "لولا" متروك، وتركه دالٌ على أمرٍ عظيم لا يكتنه، ورب مسكوتٍ عنه أبلغ من منطوقٍ به. [﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١١]. الإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء. وقيل: هو البهتان لا تشعر به حتى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويشهد لذلك قوله صلوات الله وسلامه عليه لخولة)، يعني الذي يدل على أن التغليظ متوجهٌ إلى المرأة دون الرجل تخصيصه صلوات الله عليه بهذا القول إياها دون الرجل عند الملاعنة. قوله: (وجواب "لولا" متروكٌ، وتركه دالٌ على أمرٍ عظيم)، أي: لفضحكم، أو: لعاجلكم بالعقوبة، أو: لترككم حيارى في أمر الزواني حتى لا تعلموا كيف الخلاص، كما تحير عاصمٌ، وقال: اللهم افتح، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ عطفٌ على ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾. هذه الآية كالتذييل لما سبق، بمعنى: من فضله ورحمته أنه بين لكم حكم اللعان، ومن كونه توابًا إذا حصلت التوبة قبل الرفع إلى الإمام، يتوب عليكم، ويستره عليكم، ومن حكمته أنه يلعن القاذف الكاذب، ويغضب على الزواني بأن يأمر بالرجم والجلد في المحصن وغيره، لأنه يعلم عاقبة الأمور كلها، ويضع كل شيءٍ في موضعه. قوله: (هو البهتان)، البهت: الأخذ بالفجاءة، بهته بهتاً وبهتانًا، إذا قال عليه ما لم يفعل. والبهيتة: بمعنى الافتراء، ومنه قول المفترى عليه: يا للبهتية بالكسر، على حذف المدعو.

стр. 5626

يفجأك. وأصله: الأفك، وهو القلب، لأنه قولٌ مأفوك عن وجهه. والمراد: ما أفك به على عائشة ﵂. والعصبة: الجماعة من العشرة إلى الأربعين، وكذلك العصابة. واعصوا صبوا: اجتمعوا، وهم عبد الله بن أبي رأس النفاق، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ومن ساعدهم. وقرئ: ﴿كِبْرَهُ﴾ بالضم والكسر، وهو عظمة. والذي تولاه: عبد الله، لإمعانه في عداوة رسول الله ﷺ ، وانتهازه الفرص، وطلبه سبيلاً إلى الغميزة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الأفك، وهو القلب)، النهاية: يقال: أفكه يأفكه إفكًا: إذا صرفه عن الشيء فقلبه. ومنه: ائتفكت البلدة بأهلها، أي: انقلبت، فهي مؤتفكة. قوله: (وقرئ: ﴿كِبْرَهُ﴾ بالضم والكسر)، قال ابن جني: "كبره" بالضم قراءة أبي رجاءٍ وحميدٍ ويعقوب وغيرهم، أي: عظمه، ومن كسره أراد: وزره وإثمه. وقال الزجاج: فمن قرأ ﴿كِبْرَهُ﴾ بالكسر فمعناه: من تولى الإثم في ذلك، ومن قرأ "كبره" بالضم أراد: معظمه. قوله: (لإمعانه)، الجوهري: أمعن الفرس: تباعد في عدوه، وأمعن فلانٌ بحقي: ذهب به. وأمعنت الأرض: رويت. قوله: (وانتهازه الفرص)، والفرصة في الأصل: نوبة الماء، تفارص القوم: تناوبوا في السقي، ثم عمت حتى استعملت في كل نوبة. قوله: (إلى الغميزة)، أي: الطعن. الجوهري: ليس في فلان غميزةٌ، أي: مطعن. الراغب: أصل الغمزة: الإشارة بالجفن أو اليد طلبًا إلى ما فيه معابٌ، ومنه قيل: ما في فلانٍ غميزةٌ، أي: نقيصةٌ يشار بها إليها، وجمعها غمائز. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المصطفين: ٣٠]، وأصله من: غمزت الكبش، إذا لمسته هل به طرقٌ، نحو: غبطته.

стр. 5627

أي: يصيب كل خائض في حديث الإفك من تلك العصبة نصيبه من الإثم على مقدار خوضه، والعذاب العظيم لبعد الله، لأن معظم الشر كان منه. يحكي: أن صفوان مر بهودجها عليه وهو في ملأٍ من قومه، فقال: من هذه؟ فقالوا: عائشة، فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها. وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجلٍ حتى أصبحت ثم جاء يقودها! . والخطاب في قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لمن ساءه ذلك من المؤمنين، وخاصةً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يحكى: أن صفوان مر بهودجها عليه)، وكان في حديثه على ما روته عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ خرج في غزاةٍ غزاها وأنا معه أحمل في هودجي، فلما رجعنا ودنونا من المدينة آذن ليلةً بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت من شأني، فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري وهم يحسبون أني فيه، وكنت جاريةً حديثة السن، خفيفة اللحم، وساروا، فوجدت عقدي، وجئت منازلهم وليس بها منهم داع، فتيممت منزلي، فغلبت عيناي فنمت، وكان صفوان بن معطل السلمي قد عرس من وراء الجيش الذي كان مع رسول الله ﷺ . فأدلج وأصبح عند المنزل، فرأى سواد إنسانٍ فرآني فعرفني، وكان رآني فعرفني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه فخمرت بجلبابي، والله ما كلمني بكلمةٍ سوى الاسترجاع، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يديها، فركبتها، فانطلق يقودني حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول. هذا مختصرٌ من حديث الإفك على ما رواه البخاري ومسلمٌ والترمذي والنسائي. قوله: (وخاصة)، دخل رسول الله ﷺ وأبو بكر وعائشة وصفوان في هذا الخطاب دخولًا أوليًا، غذ خوطب بذلك من ساءه وخصوا بذلك خاصةً، أي: خصوصاً، وخاصةً: مصدرٌ، كالخالية والعافية والخالصة.

стр. 5628

رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعائشة، وصفوان بن المعطل. ومعنى كونه خيراً لهم: أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم، لأنه كان بلاءً مبيناً ومحنةً ظاهرة، وأنه نزلت فيه ثماني عشرة أيةً كل واحدة منها مستقلة بما هو تعظيمٌ لشأن رسول الله ﷺ ، وتسليةٌ له، وتنزيهٌ لأم المؤمنين رضوان الله عليها، وتطهيرٌ لأهل البيت، وتهويلٌ لمن تكلم في ذلك، أو سمع به فلم تمجه أذناه، وعدة ألطافٍ للسامعين والتالين إلى يوم القيامة، وفوائد دينية، وأحكامٌ وآدابٌ لا تخفى على متأملها. [﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ ١٢]. ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: بالذين منهم من المؤمنين والمؤمنات، كقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]، وذلك نحو ما يروى: أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب: ألا ترين ما يقال؟ فقالت: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله ﷺ سوءًا؟ قال: لا. قالت: ولو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله ﷺ ، فعائشة خيرٌ مني، وصفوان خيرٌ منك. فإن قلت: هلا قيل: لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيراً وقلتم؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: بالذين منهم)، "من" في ﴿مِنْهُمْ﴾: اتصاليةٌ، كقوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]. قوله: (هلا قيل: لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرًا وقلتم؟ ) يعني: أصل الكلام هذا، لأن المخاطبين من بحضرة الرسول صلوات الله وسلامه عليه. وقلت: الأصل أيضًا: وظننتم بها، أي: بأم المؤمنين ﵂ خيرًا، فلم عدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن المضمر إلى المظهر، ومن المفرد إلى الجماعة؟ وخلاصة الجواب: أن في العدول من الخطاب إلى الغيبة توبيخ المخاطبين ومعاتبةً شديدةً وإبعادًا من مقام الزلفى، أي: كيف سمعوا ما لا ينبغي الإصغاء إليه، فضلًا عن أن يتفوهوا به؟ وفي العدول من المضمر إلى المظهر: الدلالة على أن صفة الإيمان جامعةٌ لهم، فينبغي لمن اشترك فيها أن لا يسمع فيمن شاركه فيها قول عائب، ولا طعن طاعن، لأن عيب أخيه عيبه، والطعن فيه طعنٌ فيه.

стр. 5629

ولم عدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر؟ قلت: ليبلغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، وليصرح بلفظ الإيمان، دلالةً على أن الاشتراك فيه مقتضٍ أن لا يصدق مؤمنٌ على أخيه ولا مؤمنةٌ على أختها قول غائبٍ ولا طاعن. وفيه تنبيهٌ على أن حق المؤمن إذا سمع قالةً في أخيه، أن يبني الأمر فيها على الظن لا على الشك، وأن يقول بملء فيه بناءً على ظنه بالمؤمن الخير: ﴿هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾، هكذا بلفظ المصرح ببراءة ساحته، كما يقول المستيقن المطلع على حقيقة الحال. وهذا من الأدب الحسن الذي قل القائم به والحافظ له، وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يشيع ما سمعه بأخوات! [﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَاتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ١٣] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: "كونوا إخواناً كما أمركم، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره". وعن البخاري وأحمد ابن حنبل، عن أبي موسى، قال: "المؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا". ولهذا فسر قوله: ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾: بالمؤمنين والمؤمنات، وفي العدول من المفرد إلى الجماعة وسلوك طريق الكناية الإشعار بتعظيم شأنها، ورفعة منزلتها. وفيه أيضاً أن النبي ﷺ أبو المؤمنين، وأزواجه أمهاتهم، واستعظامه يرجع إلى استعظامهم، والقالة فيه كالقالة في أنفسهم، ثم في انضمام لفظ الظن معه إدماجٌ وتنبيهٌ على أنه إذا سمع المؤمن في أخيه المؤمن ما يشينه يتبادر إلى بناء الأمر على الظن الراجح بأن الأصل براءة ساحة المؤمن عن كل شنارٍ وعيب، ولا يبني على الشك فيه. هذا ما يختص بالباطن. وأما بالظاهر، فيصرح بالقول الدال على الشهادة له بالخير، وتنزيهه عن كل سوء، ولا يتلعثم في الكلام، ويقول بملء فيه: هذا إفكٌ مبين، ومن ثم قال: "هذا من الأدب الحسن".

стр. 5630

جعل الله التفصلة بين الرمي الصادق والكاذب ثبوت شهادة الشهود الأربعة وانتفاءها، والذين رموا عائشة لم تكن لهم بينةٌ على قولهم، فقامت عليهم الحجة، وكانوا ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ - أي: في حكمه وشريعته- كاذبين. وهذا توبيخٌ وتعنيف للذين سمعوا الإفك فلم يجدوا في دفعه وإنكاره، واحتجاجٌ عليهم بما هو ظاهرٌ مكشوف في ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: في حكمه وشريعته كاذبين)، قال: "في حكمه وشريعته"، دون "علمه"، ليؤذن بأنه تعالى إذا أحاط بوقوع الزنى علمًا، ولم يأت القاذف بالشهداء يحكم بمقتضى الشهود، دون العلم، ولهذا قال صلوات الله وسلامه عليه في حديث شريك بن سحماء بعد ما رأى الولد مشابهًا للزاني: "لولا كتاب الله لكان لي ولها شأن". فإن قلت: إنما اختلف الناس في أن الخبر الكاذب هل هو: ما لا يطابق الواقع، أو هو: ما لا يطابق اعتقاد المخبر، وهو أمرٌ ثالث؟ قلت: مطابقة الواقع على هذا إما مطابقة نفس الأمر، أو مطابقة حكم الشارع، لأن الشارع يقطع الحكم على الظاهر كما ورد: نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر. قوله: (وهذا توبيخٌ وتعنيفٌ للذين سمعوا الإفك)، "لولا" هاهنا فيها معنى التعنيف، لكون مدخولها ماضيًا، أي: لم ما وجد إتيان الشهداء، وهلا جاءت العصبة الكاذبة على قذفهم بالشهداء؟ يعني لم وقع التقصير منكم أيها السامعون في طلب البينة في الحال، وحين لم يقيموها: لم ما أسرعتم في تكذيبهم وتنكيلهم في الحال، وتركتم الشنعاء حتى فشت؟ وقوله: (وهذا توبيخٌ وتعنيفٌ للذين سمعوا الإفك فلم يجدوا في دفعه)، وذلك أن معنى ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾: لم توقفتم في الرد على الرامين وتكذيبهم، فهلا جاءوكم حين قذفوا بالبينة وحققوا قولهم بإقامة الشهداء الذين يثبت بهم أمثال هذه الدعاوى؟ فإذ

стр. 5631

الشرع، من وجوب تكذيب القاذف بغير بينة، والتنكيل به إذا قذف امرأة محصنة من عرض نساء المسلمين، فكيف بأم المؤمنين الصديقة بنت الصديق حرمة رسول الله ﷺ وحبيبة حبيب الله؟ ! [﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ ١٤ - ١٥]. ﴿لَوْلَا﴾ الأولى للتحضيض، وهذه لامتناع الشيء لوجود غيره. والمعنى: ولولا أني قضيت أن أتفضل عليكم في الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة، لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك. يقال: أفاض في الحديث، واندفع، وهضب، وخاض. ﴿إِذْ﴾ ظرفٌ لـ "مسكم"، أو لـ ﴿أَفَضْتُمْ﴾. ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾: يأخذه بعضكم من بعض. يقال: تلقى القول وتلقنه وتلقفه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لم يأتوا بهم، قامت عليهم الحجة، فلم توقفتم في تكذيبهم وأبطأتم في القول بأن هذا إفكٌ مبين؟ وكذلك معنى قوله: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾، لأن في تقديم الظرف على عامله توبيخًا على التواني في الرد، يعني: كان الواجب عليكم عند سماعكم بالإفك ثم حينئذٍ أن لا تتوقفوا عن ظن الخير، وعن تكذيب الرامين، والقول بأن هذا إفكٌ مبين، فلم توانيتم فيه؟ قوله: (من عرض نساء المؤمنين)، يقال: فلانٌ من عرض العشيرة، أي: شقها، لا من صميمها، وأصل العرض: الجانب. الأساس: واستعرض الخوارج الناس: إذا خرجوا لا يبالون من قتلوا. قوله: (﴿لَوْلَا﴾ الأولى للتحضيض)، يعني في قوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾، و ﴿لَوْلَا جَاءُوا﴾، وإنما جعلهما واحدًا وهما شيئان، لأن مفهومها واحدٌ، ولأن الآية الثاني المصدرة بـ "لولا" كالتقرير للأولى، يدل عليه قوله في جواب "هلا قيل: لولا إذ سمعتموه": "ليبالغ في التوبيخ".

стр. 5632

وقرئ على الأصل: (تتلقونه)، و (إتلقونه) بإدغام الذال في التاء، و (تلقونه) من: لقيه، بمعنى: لقفه، و (تلقونه) من إلقائه بعضهم على بعض، و (تلقونه) و (تألقونه) من الولق والألق، وهو الكذب، و (تلقونه) محكية عن عائشة ﵂. وعن سفيان: سمعت أمي تقرأ: (إذ تثقفونه)، وكان أبوها يقرأ بحرف عبد الله ابن مسعود. فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، والقول لا يكون إلا بالفم؟ قلت: معناه: أن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب، فيترجم عنه اللسان، وهذا الإفك ليس إلا قولًا يجري على ألسنتكم ويدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علمٍ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ على الأصل: "تتلقونه")، قال ابن جني: قراءة عائشة وابن عباس وابن يعمر: "إذ تلقونه"، وقرأ ابن السميفع: "إذ تلقونه"، وقرأ الجماعة: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾، وروى عن ابن عيينة أنه قال: سمعت أمي تقرأ: "إذ تثقفونه"، قال: وكان أبوها يقرأ كما يقرأ عبد الله. وقال: معنى "إذ تلقونه": تسرعون فيه وتخفون إليه، وأصله: تلقون فيه أو إليه، فحذف حرف الجر، وأوصل الفعل. وأما "تلقونه" فمعناه: تلقونه من أفواهكم، وأما "تثقفونه" فمن: ثقفت الشيء: إذا طلبته وأدركته، أي: تتصيدون الكلام في ذلك من هنا ومن هنا. روى عن المصنف أنه قال: تألقونه، أصله من الولق، وهو السرعة، من قولهم: ناقةٌ ولقى أي: سريعةٌ، ومنه الأولق: للمجنون، لأن العقل من باب السكون والتماسك، والجنون من باب التسرع والتهافت. وروينا عن البخاري، عن عائشة ﵂، أنها كانت تقرأ: "إذ تلقونه بألسنتكم"، وتقول: الولق: الكذب، وقال ابن أبي مليكة: وكانت أعلم بذلك من غيرها، لأنه نزل فيها، وقال ابن الأنباري: هو من: ولق الحديث، أي: أنشأه. قوله: (وهذا الإفك ليس إلا قولًا يجري على ألسنتكم)، الانتصاف: أو يكون قوله: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ توبيخًا، كقولك: أتقول ذلك بملء فيك؟ فإن القائل ربما رمز أو

стр. 5633

به في القلب، كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، أي: تحسبونه صغيرةً وهو عند الله كبيرةٌ موجبة. وعن بعضهم: أنه جزع عند الموت، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عرض، وربما تشدق جازمًا كالعالم، وقد قيل هذا في قوله: ﴿بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]. وقال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: فائدة ذكر ﴿بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ أن لا يظن أنهم قالوا ذلك بالقلب، لأن القول يطلق على غير الصادر من الأفواه ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وقول الشاعر: وإن أتاه خليلٌ يوم مسألةٍ … يقول: لا غائبٌ مالي ولا حرم وقال: وإن الكلام لفي الفؤاد وإنما … جعل اللسان على الفؤاد دليلا ولأن الذكر باللسان أشنع وأقبح من الذكر بالقلب، لأن الذكر باللسان لا يمكن بدون الذكر بالقلب، والذكر بالقلب يمكن بدونه، فيكون الإثم مضاعفًا. وقلت: النظم مع المصنف، لأنه تعالى يعد على المؤمنين ما جرى منهم في حديث الإفك من تهاونهم فيه، وتغميضهم في ذلك، الأمر العظيم، كما سبق في قوله: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾، ﴿لَوْلَا جَاءُو﴾، فلما فرغ من ذكر الرامين حتى بلغ ذلك الأمر أنفسكم إذ كنتم تأخذون تلك العظيمة منهم، وتلقونه بألسنتكم من غير أن تحققوا هل يجوز ذلك أم لا؟ وحتى كنتم تقولونه أيضًا بأفواهكم من غير رؤيةٍ وفكر، وكنتم تحسبون أنه من قبيل الأراجيف والخرافات لا تبالون فيه وهو عند الله عظيم. قوله: (كبيرةٌ موجبة)، أي: للنار، وقيل: للخلود فيها، سواءٌ بين الشرك والكبيرة بناءً على مذهبه.

стр. 5634

فقيل له، فقال: أخاف ذنباً لم يكن مني على بالٍ وهو عند الله عظيم. وفي كلام بعضهم: لا تقولن لشيء من سيئاتك: حقير، فلعله عند الله نخلة وهو عندك نقير. وصفهم بارتكاب ثلاثة آثام، وعلق مس العذاب العظيم بها، أحدها: تلقي الإفك بألسنتهم، وذلك أن الرجل كان يلقى الرجل فيقول له: ما وراءك؟ فيحدثه بحديث الإفك حتى شاع وانتشر، فلم يبق بيتٌ ولا نادٍ إلا طار فيه. والثاني: التكلم بما لا علم لهم به. والثالث: استصغارهم لذلك، وهو عظيمةٌ من العظائم. [﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ١٦]. فإن قلت: كيف جاز الفصل بين ﴿لَوْلَا﴾ و ﴿قُلْتُمْ﴾؟ قلت: للظروف شأنٌ، وهو تنزلها من الأشياء منزلة أنفسها، لوقوعها فيها، وأنها لا تنفك عنها، فلذلك يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها. فإن قلت: فأي في تقديم الظرف حتى أوقع فاصلًا؟ قلت: الفائدة فيه بيان أنه كان الواجب عليهم أن يتفادوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به، فلما كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم. فإن قلت: فما معنى ﴿يَكُونُ﴾، والكلام بدونه متلئبٌ لو قيل: ما لنا أن نتكلم بهذا؟ قلت: ما معناه معنى: ينبغي، ويصح، أي: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا، و: ما يصح لنا. ونحوه: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نقير)، نقير النواة: نقرتها، وفتيلها: الخيط الذي في النقرة، وقطميرها: الجلدة الرقيقة اللاصقة بها. قوله: (كيف جاز الفصل بين ﴿لَوْلَا﴾ و ﴿قُلْتُمْ﴾؟ ، يعني: كان من حلق الظاهر أن يقال: لولا قلتم إذ سمعتموه، أي: هلا قلتم: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا إذ سمعتموه؟ قوله: (أن يتفادوا)، الجوهري: تفادى الرجل من كذا: إذا تحاماه وانزوى عنه. قوله: (متلئب)، أي: مستقيم. الجوهري: اتلأب الأمر اتلئبابًا: استقام.

стр. 5635

[المائدة: ١١٦]. و ﴿سُبْحَانَكَ﴾ للتعجب من عظم الأمر. فإن قلتك: ما معنى التعجب في كلمة التسبيح؟ قلت: الأصل في ذلك أن يسبح الله عند رؤية العجيب من صنائعه، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه، أو لتنزيه الله من أن تكون حرمة نبيه فاجرةً. فإن قلت: كيف جاز أن تكون امرأة النبي كافرةً كامرأة نوحٍ ولوط، ولم يجز أن تكون فاجرةً؟ قلت: لأن الأنبياء مبعوثون إلى الكفار ليدعوهم ويستعطفوهم، فيجب أن لا يكون معهم ما ينفرهم عنهم، ولم يكن الكفر عندهم مما ينفر، وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات. [﴿يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١٧ - ١٨]. أي: كراهة ﴿أَنْ تَعُودُوا﴾، أو: في أن تعودوا، من قولك وعظت فلاناً في كذا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات)، المغرب: الكشخان بالشين المثلثة والخاء المعجمة: الديوث الذي لا غيرة له، وكشخه وكشخته: شتمته. وفي حاشية "الصحاح" بخط ابن الحبيب: قال الخليل: الكشخان ليس من كلام العرب، بل معربٌ، ويقال للشاتم: لا تكشخ فلانًا. الانتصاف: لم أعلم كلامًا أبرد من هذا، وكيف يخفى مثله على ذي لب. قوله: (أو: في أن تعودوا)، يعني: ﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ يقتضي الزجر والمنع، كأنه قيل: يذكركم الله ويخوفكم في شأن العود إلى مثله. قال أبو البقاء: حذف حر الجر حملا على معنى يعظكم، أي: يزجركم عن العود،

стр. 5636

فتركه. وأبدهم: ما داموا أحياءً مكلفين. و ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فيه تهييجٌ لهم ليتعظوا، وتذكيرٌ بما يوجب ترك العود، وهو اتصافهم بالإيمان الصاد عن كل مقبح. ويبين الله لكم الدلالات على علمه وحكمته بما ينزل عليكم من الشرائع، ويعلمكم من الآداب الجميلة، ويعظكم به من المواعظ الشافية، والله عالمٌ بكل شيء، فاعلٌ لما يفعله بدواعي الحكمة. [﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ١٩]. المعنى: يشيعون الفاحشة عن قصدٍ إلى الإشاعة، وإرادةٍ ومحبةٍ لها. وعذاب الدنيا: الحد، ولقد ضرب رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي وحساناً ومسطحاً، وقعد صفوان لحسان فضربه ضربةً بالسيف، وكف بصره. وقيل: هو المراد بقوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ [النور: ١١]. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما في القلوب من الأسرار والضمائر ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني: أنه قدم علم محبة من أحب الإشاعة، وهو معاقبه عليها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يقال: عاده، وعاد له، وعاد إليه، وعاد فيه بمعنى. وعاد له في هذه الآية هو إعادة الحالة الأولى نحو: عاد إليه وفيه. وقد يكون العدو: ابتداء الشروع في الشيء، قال تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ٨٩] أي: نشرع فيه ابتداءً. قوله: (وتذكيرٌ بما يوجب ترك العود)، يريد أن قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تتميمٌ لقوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾، إما للزجر تهييجًا، وإما للتحريض على الاتعاظ تعليلًا، نحوه سيجيء في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي﴾ في الممتحنة: [١]، وهو من الشرط الذي لا يضمر له الجزاء لتحققه. قوله: (وقيل: هو المراد بقوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾، يعني: التعريف في ﴿الَّذِينَ

стр. 5637

[﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢٠] وكرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب، حاذفاً جواب ﴿لَوْلَا﴾ كما حذفه ثمة. وفي هذا التكرير مع حذف الجواب مبالغةٌ عظيمة، وكذلك في التواب والرؤوف والرحيم. [﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢١] الفحشاء والفاحشة: ما أفرط قبحه. قال أبو ذؤيب: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ للعهد، والمعهود قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾، قال: "والذي تولاه عبد الله، لإمعانه في عداوة رسول الله ﷺ " يدل عليه قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾، وهو الذي مات منافقًا. قوله: (وكرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب) إلى قوله: (وكذلك في التواب والرؤوف والرحيم) يريد: أنه تعالى جعل هذا المعنى أولًا خاتمةً لأحكام الزاني والرامي والملاعن، ثم أتى به في حديث الإفك للإيذان بأنهما سيان في استيجاب سخط الله ونكاله ولعنه، وجعل الفاصلة هنالك ﴿تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠] وهاهنا ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ تنبيهًا على أن هذا أعظم من ذلك، وأن هذا مما لا يرفع بالتوبة، لكن بمحض رحمته ورأفته، ولهذا كرر ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾ في حديث الإفك مرارًا ثلاثًا، وكما جعل ذلك خاتمةً لتلك الآيات جعله مفتتحًا لهذه العظيمة. ويمكن أن يحمل قول ابن عباسٍ على هذا المعنى، وهو: من أذنب ذنبًا، ثم تاب منه قبل وتوبته، إلا من خاض في أم عائشة رضي الله تعالى عنها.

стр. 5638

ضرائر حرميٍّ تفاحش غارها أي: أفرطت غيرتها. والمنكر: ما تنكره النفوس فتنفر عنه ولا ترتضيه. وقرئ: (خطوات) بفتح الطاء وسكونها. و (زكى) بالتشديد، والضمير لله . ولولا أن الله تفضل عليكم بالتوبة الممحصة، لما طهر منكم أحدٌ آخر الدهر من دنس إثم الإفك، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ يطهر التائبين بقبول توبتهم إذا محضوها، وهو ﴿سَمِيعٌ﴾ لقولهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بضمائرهم وإخلاصهم. [﴿وَلَا يَاتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢٢] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ضرائر حرميٍّ تفاحش غارها)، أوله في "المطلع": لهن نشيجٌ بالنشيل كأنها يصف قدورًا وصوت غليانها باللحم. نشج نشيجًا: إذا بكى حتى يسمع لذلك صوتٌ، ونشج القدر: إذا على حتى يسمع لذلك صوت. ونشل اللحم من القدر: انتزاعه منها، والنشيل: لحمٌ يطبخ بلا توابل، والحرمي: المنسوب إلى الحرم، وهو من التغييرات في النسبة، كما يقال: بضريٌ وبصري. تفاحش غارها، أي: أفرطت غيرتها، وإنما خصت بها لأن أهل الحرم دأبهم الرحيل والتجارات، فإذا قدموا بالتحف والطرف يتخاصمن عليها ويتغايرن. قوله: (والمنكر: ما تنكره النفوس)، أي: النفوس الشريفة القدسية الطاهرة من أوضار الذنوب وأوساخ الآثام، وإلا فالنفس الأمارة بالسوء مائلةٌ إلى الشهوات، وإلى ما يدعوه الشيطان من اللذات. قوله: (الممحصة)، الجوهري: محصت الذهب بالنار: إذا خلصته مما يشوبه.

стр. 5639

وهو من: ائتلى، إذا حلف، افتعال من الألية. وقيل: من قولهم: ما ألوت جهداً، إذا لم تدخر منه شيئاً. ويشهد للأول قراءة الحسن: (ولا يتأل). والمعنى: لا يحلفوا على أن لا يحسنوا على المستحقين للإحسان. أو: لا يقصروا في أن يحسنوا إليهم وإن كانت بينهم وبينهم شحناء لجنايةٍ اقترفوها، فليعودوا عليهم بالعفو والصفح، وليفعلوا بهم مثل ما يرجون أن يفعل بهم ربهم، مع كثرة خطاياهم وذنوبهم. نزلت في شأن مسطح، وكان ابن خالة أبي بكر الصديق ﵁، وكان فقيراً من فقراء المهاجرين، وكان أبو بكرٍ ينفق عليه، فلما فرط منه ما فرط آلي أن لا ينفق عليه. وكفي به داعياً إلى المجاملة وترك الاشتغال بالمكافأة للمسيء. ويروى: أن رسول الله ﷺ قرأها على أبي بكر، فال: بلى أحب أن يغفر الله لي. ورجع إلى مسطح نفقته، وقال: والله لا أنزعها أبداً. وقرأ أبو حيوة وابن قطيب: (أن تؤتوا) بالتاء على الالتفات، ويعضده قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. [﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢٣]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نزلت في شأن مسطح)، حديث الإفك أورده بتمامه البخاري ومسلمٌ والترمذي والنسائي، عن عائشة ﵂، وفيه: قال أبو بكرٍ ﵁، وكان ينفق على مسطح بن أثاثه لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد ما قال لعائشة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَاتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ الحديث. قوله: (وكان ابن خالة أبي بكرٍ الصديق ﵁، وكان فقيرًا من فقراء المهاجرين)، أراد أن الواو العاطفة بين الصفات، يعني في قوله: ﴿أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ الواردة في شأن مسطح، للدلالة على أن هذا الموصوف جامعٌ لها، قال القاضي: يجوز أن تكون الصفات لموصفاتٍ أقيمت مقام الصفات، فيكون أبلغ في تعليل المقصود.

стр. 5640

﴿الْغَافِلَاتِ﴾: السليمات الصدور، النقيات القلوب، اللاتي ليس فيهن دهاء، ولا مكر، لأنهن لم يجربن الأمور، ولم يرزن الأحوال، فلا يفطن لما تفطن له المجربات العرافات. قال: وقد لهوت بطفلةٍ ميالةٍ … بلهاء تطلعني على أسراها وكذلك البله من الرجال في قوله ﵊: "أكثر أهل الجنة البله". [﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ ٢٤ - ٢٥]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولٌه: (ولقد لهوت بطفلة) البيت، لهوت: لعبت. والطفلة بفتح الطاء: جاريةٌ ناعمة ميالة، ويقال: غصنٌ ميال. البلهاء: التي لا مكر فيها ولا دهاء. قوله: (أكثر أهل الجنة البله)، النهاية: هو جمع الأبلة، وهو الغافل عن الشر، المطبوع على الخير، وقيل: هم الذي غلبت عليهم سلامة الصدور وحسن الظن بالناس، لأنهم أغفلوا أمر دنياهم، فجهلوا حذق التصرف فيها، وأقبلوا على آخرتهم فشغلوا نفوسهم بها، فاستحقوا أن يكونوا أكثر أهل الجنة. وأما الأبله الذي لا عقل له فغير مرادٍ في الحديث. وقلت: لأن المقام مقام مدح، فينبغي أن يأول بما ينبئ عن المدح، وكذلك الغافلات، ولذلك أطنب المصنف فيها. ومنه: ما روينا عن أبي داود والترمذي، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "المؤمن غرٌ كريم، والفاجر خبٌ لئيم".
следующие страницы →