← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

فتركه. وأبدهم: ما داموا أحياءً مكلفين. و ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فيه تهييجٌ لهم ليتعظوا، وتذكيرٌ بما يوجب ترك العود، وهو اتصافهم بالإيمان الصاد عن كل مقبح. ويبين الله لكم الدلالات على علمه وحكمته بما ينزل عليكم من الشرائع، ويعلمكم من الآداب الجميلة، ويعظكم به من المواعظ الشافية، والله عالمٌ بكل شيء، فاعلٌ لما يفعله بدواعي الحكمة. [﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ١٩]. المعنى: يشيعون الفاحشة عن قصدٍ إلى الإشاعة، وإرادةٍ ومحبةٍ لها. وعذاب الدنيا: الحد، ولقد ضرب رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي وحساناً ومسطحاً، وقعد صفوان لحسان فضربه ضربةً بالسيف، وكف بصره. وقيل: هو المراد بقوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ [النور: ١١]. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما في القلوب من الأسرار والضمائر ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني: أنه قدم علم محبة من أحب الإشاعة، وهو معاقبه عليها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يقال: عاده، وعاد له، وعاد إليه، وعاد فيه بمعنى. وعاد له في هذه الآية هو إعادة الحالة الأولى نحو: عاد إليه وفيه. وقد يكون العدو: ابتداء الشروع في الشيء، قال تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ٨٩] أي: نشرع فيه ابتداءً. قوله: (وتذكيرٌ بما يوجب ترك العود)، يريد أن قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تتميمٌ لقوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾، إما للزجر تهييجًا، وإما للتحريض على الاتعاظ تعليلًا، نحوه سيجيء في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي﴾ في الممتحنة: [١]، وهو من الشرط الذي لا يضمر له الجزاء لتحققه. قوله: (وقيل: هو المراد بقوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾، يعني: التعريف في ﴿الَّذِينَ

стр. 5637

[﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢٠] وكرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب، حاذفاً جواب ﴿لَوْلَا﴾ كما حذفه ثمة. وفي هذا التكرير مع حذف الجواب مبالغةٌ عظيمة، وكذلك في التواب والرؤوف والرحيم. [﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢١] الفحشاء والفاحشة: ما أفرط قبحه. قال أبو ذؤيب: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ للعهد، والمعهود قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾، قال: "والذي تولاه عبد الله، لإمعانه في عداوة رسول الله ﷺ " يدل عليه قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾، وهو الذي مات منافقًا. قوله: (وكرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب) إلى قوله: (وكذلك في التواب والرؤوف والرحيم) يريد: أنه تعالى جعل هذا المعنى أولًا خاتمةً لأحكام الزاني والرامي والملاعن، ثم أتى به في حديث الإفك للإيذان بأنهما سيان في استيجاب سخط الله ونكاله ولعنه، وجعل الفاصلة هنالك ﴿تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠] وهاهنا ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ تنبيهًا على أن هذا أعظم من ذلك، وأن هذا مما لا يرفع بالتوبة، لكن بمحض رحمته ورأفته، ولهذا كرر ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾ في حديث الإفك مرارًا ثلاثًا، وكما جعل ذلك خاتمةً لتلك الآيات جعله مفتتحًا لهذه العظيمة. ويمكن أن يحمل قول ابن عباسٍ على هذا المعنى، وهو: من أذنب ذنبًا، ثم تاب منه قبل وتوبته، إلا من خاض في أم عائشة رضي الله تعالى عنها.

стр. 5638

ضرائر حرميٍّ تفاحش غارها أي: أفرطت غيرتها. والمنكر: ما تنكره النفوس فتنفر عنه ولا ترتضيه. وقرئ: (خطوات) بفتح الطاء وسكونها. و (زكى) بالتشديد، والضمير لله . ولولا أن الله تفضل عليكم بالتوبة الممحصة، لما طهر منكم أحدٌ آخر الدهر من دنس إثم الإفك، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ يطهر التائبين بقبول توبتهم إذا محضوها، وهو ﴿سَمِيعٌ﴾ لقولهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بضمائرهم وإخلاصهم. [﴿وَلَا يَاتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢٢] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ضرائر حرميٍّ تفاحش غارها)، أوله في "المطلع": لهن نشيجٌ بالنشيل كأنها يصف قدورًا وصوت غليانها باللحم. نشج نشيجًا: إذا بكى حتى يسمع لذلك صوتٌ، ونشج القدر: إذا على حتى يسمع لذلك صوت. ونشل اللحم من القدر: انتزاعه منها، والنشيل: لحمٌ يطبخ بلا توابل، والحرمي: المنسوب إلى الحرم، وهو من التغييرات في النسبة، كما يقال: بضريٌ وبصري. تفاحش غارها، أي: أفرطت غيرتها، وإنما خصت بها لأن أهل الحرم دأبهم الرحيل والتجارات، فإذا قدموا بالتحف والطرف يتخاصمن عليها ويتغايرن. قوله: (والمنكر: ما تنكره النفوس)، أي: النفوس الشريفة القدسية الطاهرة من أوضار الذنوب وأوساخ الآثام، وإلا فالنفس الأمارة بالسوء مائلةٌ إلى الشهوات، وإلى ما يدعوه الشيطان من اللذات. قوله: (الممحصة)، الجوهري: محصت الذهب بالنار: إذا خلصته مما يشوبه.

стр. 5639

وهو من: ائتلى، إذا حلف، افتعال من الألية. وقيل: من قولهم: ما ألوت جهداً، إذا لم تدخر منه شيئاً. ويشهد للأول قراءة الحسن: (ولا يتأل). والمعنى: لا يحلفوا على أن لا يحسنوا على المستحقين للإحسان. أو: لا يقصروا في أن يحسنوا إليهم وإن كانت بينهم وبينهم شحناء لجنايةٍ اقترفوها، فليعودوا عليهم بالعفو والصفح، وليفعلوا بهم مثل ما يرجون أن يفعل بهم ربهم، مع كثرة خطاياهم وذنوبهم. نزلت في شأن مسطح، وكان ابن خالة أبي بكر الصديق ﵁، وكان فقيراً من فقراء المهاجرين، وكان أبو بكرٍ ينفق عليه، فلما فرط منه ما فرط آلي أن لا ينفق عليه. وكفي به داعياً إلى المجاملة وترك الاشتغال بالمكافأة للمسيء. ويروى: أن رسول الله ﷺ قرأها على أبي بكر، فال: بلى أحب أن يغفر الله لي. ورجع إلى مسطح نفقته، وقال: والله لا أنزعها أبداً. وقرأ أبو حيوة وابن قطيب: (أن تؤتوا) بالتاء على الالتفات، ويعضده قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. [﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢٣]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نزلت في شأن مسطح)، حديث الإفك أورده بتمامه البخاري ومسلمٌ والترمذي والنسائي، عن عائشة ﵂، وفيه: قال أبو بكرٍ ﵁، وكان ينفق على مسطح بن أثاثه لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد ما قال لعائشة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَاتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ الحديث. قوله: (وكان ابن خالة أبي بكرٍ الصديق ﵁، وكان فقيرًا من فقراء المهاجرين)، أراد أن الواو العاطفة بين الصفات، يعني في قوله: ﴿أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ الواردة في شأن مسطح، للدلالة على أن هذا الموصوف جامعٌ لها، قال القاضي: يجوز أن تكون الصفات لموصفاتٍ أقيمت مقام الصفات، فيكون أبلغ في تعليل المقصود.

стр. 5640

﴿الْغَافِلَاتِ﴾: السليمات الصدور، النقيات القلوب، اللاتي ليس فيهن دهاء، ولا مكر، لأنهن لم يجربن الأمور، ولم يرزن الأحوال، فلا يفطن لما تفطن له المجربات العرافات. قال: وقد لهوت بطفلةٍ ميالةٍ … بلهاء تطلعني على أسراها وكذلك البله من الرجال في قوله ﵊: "أكثر أهل الجنة البله". [﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ ٢٤ - ٢٥]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولٌه: (ولقد لهوت بطفلة) البيت، لهوت: لعبت. والطفلة بفتح الطاء: جاريةٌ ناعمة ميالة، ويقال: غصنٌ ميال. البلهاء: التي لا مكر فيها ولا دهاء. قوله: (أكثر أهل الجنة البله)، النهاية: هو جمع الأبلة، وهو الغافل عن الشر، المطبوع على الخير، وقيل: هم الذي غلبت عليهم سلامة الصدور وحسن الظن بالناس، لأنهم أغفلوا أمر دنياهم، فجهلوا حذق التصرف فيها، وأقبلوا على آخرتهم فشغلوا نفوسهم بها، فاستحقوا أن يكونوا أكثر أهل الجنة. وأما الأبله الذي لا عقل له فغير مرادٍ في الحديث. وقلت: لأن المقام مقام مدح، فينبغي أن يأول بما ينبئ عن المدح، وكذلك الغافلات، ولذلك أطنب المصنف فيها. ومنه: ما روينا عن أبي داود والترمذي، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "المؤمن غرٌ كريم، والفاجر خبٌ لئيم".

стр. 5641

وقرئ: (يشهد) بالياء. و ﴿الْحَقَّ﴾ بالنصب: صفةٌ للدين، وهو الجزاء، وبالرفع، صفةٌ لله. ولو فليت القرآن كله وفتشت عما أوعد به من العصاة لم تر الله قد غلظ في شيءٍ في إفك عائشة رضوان الله عليها، ولا أنزل من الآيات القوارع، المشحونة بالوعيد الشديد، والعتاب البليغ، والزجر العنيف، واستعظام ما ركب من ذلك، واستفظاع ما أقدم عليه، ما أنزل فيه على طرقٍ مختلفة وأساليب مفتنة، كل واحدٍ منها كافٍ في بابه، ولو لم ينزل إلا هذه الثلاث لكفى بها، حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعاً، وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة، وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا، وأنه يوفيهم جزاءهم الحق الواجب الذي هم أهله، حتى يعلموا عند ذلك ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾، فأوجز في ذلك ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "يشهد" بالياء)، التحتاني: حمزة والكسائي، والباقون بالتاء. قوله: (ولو فليت القرآن)، الجوهري: فليت الشعر، إذا تدبرته واستخرجت معانيه وغريبه، عن ابن السكيت. قوله: (فأوجز في ذلك)، أي: في المذكور من معنى قوله: "جعل الله القذفة معلونين إلى آخره". قوله: (فأوجز)، عطفٌ على "جعل" على طريقة ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٣]، يعني: أشبع الكلام حيث لم يترك من النكال والإهانة واللعن في الدارين والعذاب الأليم، وشهادة الجوارح، والتهديد والوعيد بتوفية الجزاء إلا أتى به، وبالغ فيه وأوجز، حيث جاء بالمعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة، لأن من أراد أن يقرر المعاني التي تعطيها هذه الألفاظ، ويستوفي حقها من البيان، أطال وأطنب، وفصل وأجمل، حيث

стр. 5642

وأشبع، وفصل وأجمل، وأكد وكرر، وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين عبدة الأوثان إلا ما هو دونه في الفظا عة، وما ذاك إلا لأمر. وعن ابن عباس ﵁: أنه كان بالبصرة يوم عرفة، وكان يسأل عن تفسير القرآن، حتى سئل عن هذه الآيات، فقال: من أذنب ذنباً ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة. وهذه منه مبالغةٌ لأمر الإفك. ولقد برأ الله تعالى أربعةً بأربعة: برأ يوسف ﵇ بلسان الشاهد: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦]، وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠]، وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز المتلو على وجه الدهر، مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات. فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك! وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله ﷺ ، والتنبيه على إنافة محل سيد ولد آدم، وخيرة الأولين والآخرين، وحجة الله على العالمين. ومن أراد أن يتحقق عظمة شأنه ﷺ ، وتقدم قدمه، وإحرازه لقصب السبق دون كل سابق، فليتلق ذلك من آيات الإفك، وليتأمل كيف غضب الله في حرمته، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أوقع ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ إجمالًا لما سبق، وأكد وكرر من حيث إن البدل، وهو قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل تكريرٍ للمبدل وتوكيدٌ له، وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين إلا ما هو دونه في الفظاعة، وهو قوله: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾. ويجوز أن يراد وجاء بالمذكور. قوله: (وهذا منه مبالغةٌ وتعظيم)، يعني: أن قوله: توبة من خاض في أمر أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها غير مقبولة، من باب التغليظ والمبالغة، وعليه مفهوم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآيات، أي: أنها من باب التغليظ والمبالغة، نحو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ … ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وإليه أشار بقوله: "لم تر الله قد غلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة ﵂".

стр. 5643

وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه. فإن قلت: إن كانت عائشة هي المرادة، فكيف قيل: ﴿الْمُحْصَنَاتُ﴾ [النور: ٢٣]؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يراد بالمحصنات أزواج رسول الله ﷺ وأن يخصص بأن من قذفهن فهذا الوعيد لا حقٌ به، وإذا أردن وعائشة كبراهن منزلةً وقربةً عند رسول الله ﷺ ، كانت المرادة أولًا. والثاني: أنها أم المؤمنين، فجمعت إرادةً لها ولبناتها من نساء الأمة الموصوفات بالإحصان والغفلة والإيمان، كما قال: قدني من نصر الخبيبين قدي أراد عبد الله بن الزبير وأشياعه، وكان أعداؤه يكنونه بخبيبٍ ابنه، وكان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في نفي التهمة عن حجابه)، "حجابه" أيضًا: كنايةٌ، تعظيمًا لجانب رسول الله ﷺ لله دره، ما أحسن نظره وما أدق فكره، وما أشد حرصه في تعظيم جانب سيد البشر، وخيرة الأولين والآخرين. قوله: (وأن يخصصن)، عطفٌ على قوله: "أن يراد بالمحصنات" على البيان والتفسير، يعني: تخصيص العام بأزواج الرسول ﷺ على معنى: من قذفهن فهذا الوعيد لا حقٌ به، دون سائر النساء، لشرفهن وعلو مرتبتهن. ولما جعل المخصص الشرف، وكانت عائشة كبراهن منزلةً، كانت المرادة أولًا. والحاصل: أن عائشة ﵂ هي المرادة بالمحصنات لكن بمزيتين. قوله: (قدني من نصر الخبيبين قدي)، تمامه: ليس الإمام بالشحيح الملحد قدني: أي: حسبي. الملحد: أي: الذي ألحد في الحرام، أي: أقام الحرب فيه.

стр. 5644

مضعوفاً، وكنيته المشهورة أبو بكر، إلا أن هذا في الاسم وذاك في الصفة. فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾؟ قلت: معناه: ذو الحق البين، أي: العادل الظاهر العادل، الذي لا ظلم في حكمه. والمحق الذي لا يوصف بباطل. ومن هذه صفته لم تسقط عنده إساءة مسيء، ولا إحسان محسن، فحق مثله أن يتقى وتجتنب محارمه. [﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ٢٦]. أي: ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من xxxx، تقال أو تعد ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الرجال والنساء، ﴿وَالْخَبِيثُونَ﴾ منهم يتعرضون ﴿لِلْخَبِيثَاتِ﴾ من القول. وكذلك الطيبات والطيبون و ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةٌ على الطيبين، وأنهم مبرؤون مما يقول الخبيثون من خبيثات الكد. وهو كلامٌ جارٍ مجرى المثل لعائشة وما رميت به من قولٍ لا يطابق حالها في النزاهة والطيب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مضعوفًا)، الجوهري: الضعف خلاف القوة، وأضعفت الشيء فهو مضعوف على غير قياس، وقيل: مضعوفًا: مصحوبًا بالضعف ومضروبًا به كما يقال: رجلٌ مركوبٌ أي مضروبٌ بالركبة. قوله: (أي: العادل الظاهر xxxx)، قال القاضي: أي: الثابت بذاته، الظاهر ألوهيته، لا يشاركه في ذلك غيره، ولا يقدر في الثواب والعقاب سواه. والمصنف قيد المطلق الذي: ﴿الْحَقُّ﴾ بالعدل، لاقتضاء مقام الجزاء إياه، بقرينة قوله تعالى: ﴿يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾، وجعل ﴿الْمُبِينُ﴾ وصفًا مؤكدًا لقوله: ﴿الْحَقَّ﴾، فقال: "الظاهر العدل"، وجنح إلى مذهبه، والقاضي بنى الكلام على القهارية، وأنه فاعلٌ لما يشاء، لا راد لحكمه، فتركه على الإطلاق.

стр. 5645

ويجوز أن يكون ﴿أُولَئِكَ﴾، إشارةً إلى أهل البيت، وأنهم مبرؤون مما يقول أهل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يكون ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةً إلى أهل البيت)، عطفٌ على قوله: "أولئك: إشارةٌ إلى الطيبين"، وما ينبئ عن إرادة أهل البيت قوله: ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، والآية- على الأول- عامةٌ تذييل للكلام السابق، والمراد بالطيبين: كل من لم يلوث جيبه بدنس الآثام، وبالخبيثين: xxxx، وبالطيبات والخبيثات: المقالات الموصوفة بها. ولما كان الكلام مسوقًا xxxx ساحة أم المؤمنين دخلت فيها دخولًا أوليًا، ومن ثم قال: "وهو كلامٌ جارٍ مجرى المثل لعائشة ﵂" وجعل قوله: "جارٍ مجرى المثل" وروده مورد المثل في كونه يستحق أن يضار به، ويضرب في كل ما يصلح هذا المعنى فيه، لأن المثل قول سائر، ممثلٌ مضربه بمورده، هكذا ينبغي أن يتصور معنى المثل هنا، لا كما توهم. وأورد على المصنف أن لفظ المثل هاهنا ليس بجيد، ولفظ المورد: أن المثل في هذا الكلام مقحمٌ منحى مؤهمٌ، وحقه أن ينفي ولا يكتب. وأجيب: بأن المورد غفل عن قول علماء المعاني: مثلك لا يبخل، بمعنى: أنت لا تبخل، وليس مثلٌ، وعن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] بل الحق أن لفظ المثل ليس بزائد، والمراد به ما ذكرناه: المثل لعائشة رضي الله تعالى عنها. فإن قلت: "الخبيثات" و"الطيبات" صفاتٌ لموصوفات، أما المقالات أو الذوات، فلم خصتا في الوجه الأول بالمقالات وفي الثاني بالنساء؟ قلت: إن ﴿أُولَئِكَ﴾ لما كان إشارةً إلى أهل البيت وفيهم الرجال والنساء، أوجب حملها على الذوات، وقد علم مما سبق من الآيات أن التبري مم هو. وأما ﴿أُولَئِكَ﴾ على الوجه الأول لما كان مشارًا إلى الطيبين مطلقًا وقد حمل على أولئك قوله: ﴿مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾، أوجب حمل "الخبيثات" و" الطيبات" على المقالات، ليعلم أن قوله: ﴿مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ﴾ أي شيءٍ هو، إذ الآية حينئذٍ مستقلةٌ في الدلالة. الانتصاف: وعلى الوجه الثاني يكون تفصيلًا لما أجمل في قوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا

стр. 5646

الإفك، وأن يراد بالخبيثات والطيبات: النساء، أي: الخبائث يتزوجن الخباث، والخباث الخبائث. وكذلك أهل الطيب. وذكر الرزق الكريم هاهنا مثله في قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إِلَّا زَانٍ﴾ [النور: ٣]، فصرحت الآية بالأقسام الأربعة وزيادة، وهي شهادتها على أن عائشة زوجة أطيب الطيبين، فلا تكون إلا طاهرةً طيبة. ويقوي الثاني أيضًا وعدهم بالمغفرة والرزق الكريم، وهو الموعود به في قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١]. قوله: (وذكر الرزق الكريم هاهنا مثله في قوله)، أي: في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١]، يعني: كما أريد بالرزق الكريم هنالك البشارة بالجنة، لقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ بدليل قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، كذلك ينبغي أن يكون هاهنا، لأن الآيتين مثلان، وكما أن الرزق الكريم هناك مسبوقٌ بآيتنا أجرها مرتين، كذلك هاهنا مسبوقٌ بقوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، وكما أن آتينا الأجر هناك مسببٌ عن قنوتهن، كذلك هنا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ مسبب عن كونها مبرأة عما قيل فيها، وليس ذلك إلا لقنوتها وطهارتها، وكما أن تلك الآية في شأن نساء النبي ﷺ ، كذلك هذه في شان حبيبته وصفيته، فالكلام مبنيٌ على حمل المطلق على المقيد. وجدت بخط مولاي وشيخي الإمام المغفور [له] بهاء الدين تغمده الله بغفرانه: أن ابن عباس دخل على عائشة ﵄، في مرضها الذي ماتت فيه، فبكت، وقالت: أخاف ما أقدم عليه، فقال ابن عباسٍ: لا تخافي فو الذي أنزل الكتاب على محمدٍ صلوات الله عليه وسلامه، لا تقدمين إلا على مغفرةٍ ورزقٍ كريم. فقالت: رحمك الله، أهذا شيءٌ أنبأك به رسول الله ﷺ ؟ قال: بل هو شيءٌ نبأنيه كتاب الله ، قالت: فاتل علي، فتلا: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، فخرج من عندها،

стр. 5647

وعن عائشة ﵂: لقد أعطيت تسعاً ما أعطيتهن امرأة: لقد نزل جبريل ﵇ بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ أن يتزوجني، ولقد تزوجني بكراً، وما تزوج بكراً غيري، ولقد توفي وإن رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفته الملائكة في بيتي، وإن الوحي لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإني لابنة خليفته وصديقته، ولقد نزل عذري من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فصيح عليها، فقال: وما لها؟ قالوا: غشي عليها فرحًا بما تلوت. ويؤيده ما روينا عن ابن أبي ملكية، قال: استأذن ابن عباسٍ على عائشة رضي الله تعالى عنها قبيل موتها وهي مغلوبةٌ، قالت: أخشى أن يثنى علي، فقيل: ابن عم رسول الله ﷺ ، ومن وجوه المسلمين، قالت: إيذانوا له، فقال: كيف تجدينك؟ قالت: بخيرٍ إن اتقيت، قال: فأنت بخيرٍ إن شاء الله تعالى، زوجة رسول الله ﷺ ، ولم ينكح بكرًا غيرك، ونزل عذرك من السماء. أخرجه البخاري. قوله: (لقد نزل جبريل ﵇ بصورتي)، روينا في "صحيح البخاري" عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنهم، قالت: قال رسول الله ﷺ : "أريتم في المنام مرتين، إذ رجلٌ يحملك في سرقةٍ من حرير، فيقول: هذه امرأتك فاكشفها، فإذا هي أنت، فأقول: إن يكن هذا من عند الله يمضه". وفي روايةٍ أخرى: "رأيت الملك يحملك". النهاية: "سرقة من حرير": قطعةٍ من جيد الحرير. قوله: (ولقد توفي وإن رأسه لفي حجري)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن عائشة: "فلما كان يومي قبضه الله تعالى بين سحري ونحري"، وفي أخرى" (ودفن في بيتي". قوله: (لينزل عليه وأنا معه في لحافه)، عن البخاري ومسلم والترمذي، عن عائشة: أن فاطمة رضي الله تعالى عنها كلمت رسول الله ﷺ فقال لها: "لا تؤذيني في عائشة، فإن

стр. 5648

السماء، ولقد خلقت طيبةً عند طيب، ولقد وعدت مغفرةً ورزقاً كريماً. [﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَانِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٢٧]. ﴿تَسْتَانِسُوا﴾ فيه وجهان أحدهما: أنه من الاستئناس الظاهر الذي هو خلاف الاستيحاش، لأن الذي يطرق باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا، فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا أذن له استأنس، فالمعنى: حتى يؤذن لكم، كقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وهذا من باب الكناية والإرداف، لأن هذا النوع من الاستئناس يردف الإذن، فوضع موضع الإذن. والثاني: أن يكون من الاستئناس الذي هو الاستعلام والاستكشاف، استفعال من آنس الشيء، إذا أبصره ظاهراً مكشوفاً. والمعنى: حتى تستعلموا وتستكشفوا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الوحي لم يأتني، وأنا في ثوب امرأةٍ إلا عائشة". قوله: (ولقد خلقت طيبةً عند طيب)، "خلقت" بالقاف، أي: طيبها الله تعالى لرسوله ﷺ الطيب، أو مات إلى قوله: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ ويروي بالفاء بتشديد اللام، أي: تركت عند رسول الله ﷺ بعد وفاته في الحجرة طيبةً. قوله: (ولقد وعدت مغفرةً ورزقًا كريمًا)، ليس هذا من التسعة، بل هي الكرامة الموعود بها لها رضي الله تعالى عنها، وقولها: "ولقد أعطيت تسعًا" هي الكرامة المعجلة في الدنيا.

стр. 5649

الحال: هل يراد دخولكم أم لا. ومنه قولهم: استأنس هل ترى أحداً. و: استأنست فلم أر أحداً، أي: تعرفت واستعلمت. ومنه بيت النابغة: . .... على مستأنسٍ وحد ويجوز أن يكون من الإنس، وهو أن يتعرف هل ثم إنسان. وعن أبي أيوب الأنصاري قلنا: يا رسول الله، ما الاستئناس؟ قال: "يتكلم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على مستأنسٍ وحد). تمامه في "المطلع": كأن رحلي وقد زال النهار بنا … بذي الجليل على مستأنسٍ وحد قال الأصمعي: زال النهار، أي انتصف، وبنا، بمعنى: علينا، الجليل: شجرٌ له خوصٌ مثل خوص النخل، وذا الجليل: موضعٌ فيه ذلك الشجر، والمستأنس: الذي يرفع رأسه هل يرى شبحًا أو شخصًا. حد: منفرد، يقال: وحدٌ ووحدٌ مثل فردٌ وفرد. وقيل: المستأنس: الذي يخاف الأنيس، شبه جمله بحمار وحش مر سريعًا خائفًا مما رآه. الانتصاف: ويجوز على بعدٍ، يكون معنى الآية: حتى تعلموا أن فيها إنسانًا، استفعل من الأنس، والأول أظهر، وعدل على المجاز تأديبًا للمخاطبين ببيان ثمرة الاستئذان من ميل النفوس، والتنفير عن xxxx بتقدير عدم الاستئذان. قوله: (وعن أبي أيوب الأنصاري) الحديث رواه ابن ماجه عنه. وأما حديث أبي موسى فرواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن أبي سعيدٍ. هذا الذي ذكره المصنف مختصرٌ منه، ومفهوم الحديث يمكن أن ينزل في الوجوه كلها على البدل. قوله: (ما الاستئناس)، أي ما المسنون في باب الاستئناس شرعًا، لقول جبريل عليه

стр. 5650

الرجل بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة، يتنحنح، يؤذن أهل البيت". والتسليم: أن يقول: السلام عليكم، أَأَدخل؟ ثلاث مرات، فإن أدن له وإلا رجع. وعن أبي موسى الأشعري: أنه أتى باب عمر، فقال: السلام عليكم أأدخل؟ قالها ثلاثاً ثم رجع، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الاستئذان ثلاثاً". واستأذن رجلٌ على رسول الله ﷺ ، فقال: أأَلج؟ فقال ﷺ يقال لها: روضة: "قومي إلى هذا فعلميه، فإنه لا يحسن أن يستأذن، قولي له يقول: السلام عليكم، أأدخل"، فسمعها الرجل، فقالها، فقال: "ادخل". وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته: حييتم صباحاً، وحييتم مساءً، ثم يدخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحافٍ واحد، فصد الله عن ذلك، وعلم الأحسن والأجمل، وكم من بابٍ من أبواب الدين هو عند الناس كالشريعة المنسوخة، قد تركوا العمل به، وباب الاستئذان من ذلك، بينا أنت في بيتك، إذ رعف عليك الباب بواحدٍ من غي استئذانٍ ولا تحيةٍ من تحايا إسلام ولا جاهلية، وهو ممن سمع ما أنزل الله فيه، وما قال رسول الله ﷺ ، ولكن أين الأذن الواعية؟ ! وفي قراءة عبد الله: (حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا). وعن ابن عباسٍ وسعيد بن جبير: إنما هو (حتى تستأذنوا)، فأخطأ الكاتب. ولا يعول على هذه الرواية. وفي قراءة أبي: (حتى تستأذنوا). ﴿ذَلِكُمْ﴾ الاستئذان والتسليم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من تحية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السلام لرسول الله ﷺ : ما الإيمان؟ أي: ما الذي يؤمن به؟ قوله: (رعف عليك الباب بواحد)، الأساس: يقال: رعف فلانٌ بين يدي القوم، واسترعف: تقدم، ومن المجاز: بينا نحن نذكرك رعف بك الباب. وما في الكتاب متضمنٌ بمعنى: سبق وغلب. أي: غلب الباب تقدمًا، يقال: رعف عليك، أي: سبق، مستعارٌ من رعاف الدم، ورواعف الخيل: سوابقها، ورواعف الدمع: بوادره.

стр. 5651

الجاهلية والدمور، وهو الدخول بغير إذن، واشتقاقه من الدمار، وهو الهلاك، كأن صاحبه دامر، لعظم ما ارتكب. وفي الحديث: "من سبقت عينه استئذانه فقد دمر". وروي: أن رجلًا قال للنبي ﷺ . أأستأذن على أمي؟ قال: "نعم"، قال: إنها ليس لها خادمٌ غير، أأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: "أتحب أن تراها عريانةً؟ " قال الرجل: لا. قال: "فاستأذن". ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أنزل عليكم، أو: قيل لكم هذا، إرادة أن تذكروا وتتعظوا وتعملوا بما أمرتم به في باب الاستئذان. [﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ٢٨]. يحتمل ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ من الآذنين ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا﴾ واصبروا حتى تجدوا من يأذن لكم. ويحتمل: فإن لم تجدوا فيها أحداً من أهلها ولكم فيها حاجةٌ فلا تدخلوها إلا بإذن أهلها، وذلك أن الاستئذان لم يشرع لئلا يطلع الدامر على عورة، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه فقط، وإنا شرع لئلا يوقف على الأحوال التي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من سبقت عينه استئذانه فقد دمر)، النهاية: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد دمر"، وفي روايةٍ: "من سبق طرفه استئذانه فقد دمر عليهم"، أي: هجم ودخل بغير إذن، وهو الدمار: الهلاك لأنه هجومٌ بما يكره. والمعنى: أن إساءة المطلع مثل إساءة الدامر. قوله: (أأستأذن على أمي؟ )، الحديث، أخرجه مالكٌ عن عطاء بن يسار. قوله: (ويحتمل: فإن لم تجدوا فيها أحدًا من أهلها)، هذا الوجه أخص من الأول من وجهين، أحدهما: قوله: "أحدًا من أهلها"، وثانيهما: "ولكم فيها حاجةٌ".

стр. 5652

يطويها الناس في العادة عن غيرهم ويتحفظون من اطلاع أحد عليها، ولأنه تصرف في ملك غيرك، فلابد من أن يكون برضاه، وإلا أشبه الغصب والتغلب. ﴿فَارْجِعُوا﴾ أي: لا تلحوا في إطلاق الإذن، ولا تلجوا في تسهيل الحجاب، ولا تقفوا على الأبواب منتظرين، لأن هذا مما يجلب الكراهة ويقدح في قلوب الناس خصوصاً إذا كانوا ذوي مروءة ومرتاضين بالآداب الحسنة. وإذا نهى عن ذلك لأدائه إلى الكراهية، وجب الانتهاء عن كل ما يؤدي إليها: من قرع الباب بعنف، والتصييح بصاحب الدار، وغير ذلك مما يدخل في عادات من لم يتهذب من أكثر الناس، وعن أبي عبيد ﵀، ما قرعت باباً على عالمٍ قط. وكفى بقصة بني أسدٍ زاجرةً وما نزل فيها من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤]. فإن قلت: هل يصح أن يكون xxxx: وإن لم يؤذن لكم وأمرتم بالرجوع فامتثلوا ولا تدخلوا مع كراهتهم؟ قلت: بعد أن جزم النهي عن الدخول مع فقد الإذن وحده ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هل يصح أن يكون المعنى: وإن لم يؤذن لكم وأمرتم بالرجوع فامتثلوا ولا تدخلوا)، السؤال متوجهٌ على تفسيره قوله: ﴿فَارْجِعُوا﴾ بمعنى "لا تلحوا في إطلاق الإذن، ولا تلجوا في تسهيل الحجاب"، على أن الأمر بمعنى النهي لدلالة قوله: "وإذا نهي عن ذلك" ليطابق قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾. يعني: قد علم من ذلك التفسير أن الأمر محمولٌ على النهي، للمطابقة، فهل يصح إجراءه على ظاهره وأن يقال: وأمرتم بالرجوع فارجعوا، أي: فامتثلوا؟ وأجاب: أن نعم، لأن قوله: ﴿فَارْجِعُوا﴾ مذكورٌ بعد قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾، ولا يلتبس أن المراد بالرجوع النهي عن الدخول لاسيما قيام القرينة معه، وهو فقد الإذن، فيكون الأمر بالرجوع بعد النهي عن الدخول من باب قوله تعالى. ﴿أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [هود: ٨٥]. قوله: (فقد الإذن وحده)، قالوا: "وحده" منصوبٌ على الظرفية عند الكوفيين، وعلى المصدر عند البصريين. في كل حالٍ إذا قلت: رأيته وحده، فكأنك قلت: أو حدته برؤيتي

стр. 5653

من أهل الدار حاضرين وغائبين، لم تبق شبهةٌ في كونه منهيًا عنه مع انضمام الأمر بالرجوع إلى فقد الإذن. فإن قلت: فإذا عرض أمرٌ في دار، من حريق، أو هجوم سارق، أو ظهور منكر يجب إنكاره؟ قلت: ذلك مستثنًى بالدليل. أي: الرجوع أطيب لكم وأطهر، لما فيه من سلامة الصدور والبعد من الريبة، أو: أنفع وأنمى خيراً. ثم أوعد المخاطبين بذلك بأنه عالمٌ بما يأتون وما يذرون مما خوطبوا به فموف جزاءه عليه. [﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ ٢٩]. استثنى من البيوت التي يجب الاستئذان على داخلها: ما ليس بمسكونٍ يمنها، وذلك نحو: الفنادق- وهي الخانات- والربط وحوانيت البياعين. والمتاع: المنفعة، كالاستكنان من الحر والبرد، وإيواء الرحال والسلع والشراء والبيع. ويروى: أن أبا بكرٍ ﵁ قال: يا رسول الله، إن الله تعالى قد أنزل عليك آيةً في الاستئذان، وإنا نختلف في تجاراتنا فننزل هذه الخانات، أفلا ندخلها إلا بإذن؟ فنزلت. وقيل: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إيحادًا، فوضعت وحده مكانه، أي لم أر غيره. وقال أبو العباس: يحتمل أيضًا أن يكون الرجل منفرداً في نفسه، كأنك قلت رأيته منفردًا، ثم وضعت وحده موضعه. قوله: (فإذا عرض أمر) إلى أخره، جوابه محذوفٌ، أي: فما حكمه؟ قوله: (مستثنى بالدليل)، ولو: الضرورات تبيح المحظورات، وفي كلام الفقهاء: مواضع الضرورة مستثناةٌ من قواعد الشرع. قوله: (وأنمى خيرًا)، أنمى أرفع، لميت الشيء على الشيء. رفعته عليه، ونميت الحديث إلى فلانٍ: أسندته ورفعته xxxx

стр. 5654

الخربات يتبرز فيها. والمتاع: التبرز. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ وعيدٌ للذين يدخلون الخربات والدور الخالية من أهل الريبة. [﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ ٣٠]. ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، والمراد غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل. وجوز الأخفش أن تكون مزيدةً، وأباه سيبويه. فإن قلت: كيف دخلت في غض البصر دون حفظ الفروج؟ قلت: دلالةً على أن أمر النظر أوسع، ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وثديهن وأعضادهن وأسوقهن وأقدامهن، وكذلك الجواري المستعرضان، والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها وقدميها في إحدى الروايتين! وأما أمر الفرج فمضيق، وكفاك فرقاً أن أبيح النظر إلا ما استثنى منه، وحظر الجماع إلا ما استثني منه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وجوز الأخفش أن تكون مزيدةً، وأباه سيبويه)، لأن "مِنْ" عنده تزاد في النفي خاصةً لتأكيده وعمومه، ولذلك جاز: ما جاءني من أحد، وما من رجلٍ عندي، لإفادة تأكيد التعميم فيما تدخل عليه، ولم يجز: ما من زيدٍ قائمٌ، ولا: ما زيدٌ من قائم، لتعذر معنى العموم فيهما، وعن الأخفش: زيادته تأكيدٌ في الإيجاب، واستشهد بقوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤]، ووجهه: أنه جاء: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، فإن لم يحمل على الزيادة جاء التناقض، وليس بمستقيم، لكونه محتملًا أيضًا غير ما ذكر كما مضى في موضعه. قوله: (وكفاك فرقًا أن أبيح النظر)، يريد: أن الحكم يقع بالأصالة على المستثنى منه، ثم إذا أخرج منه شيءٌ يكون ذلك الأمر ضروريًا، لأنه على خلاف الأصل، فإذًا الأصل

стр. 5655

ويجوز أن يراد: مع حفظها عن الإفضاء إلى ما لا يحل حفظها عن الإبداء. وعن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حفظ الفرج لئلا يشارك البهائم، ورفع اللوم عن لأمرٍ عارضي، وهو بقاء النسل، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]، ولا كذلك النظر، فإن العيون خلقت للنظر وندبت إليه، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، والمنع منه للضرورة، والوقوع في الفتنة، ولذلك نزلت آية الحجاب بعد الإباحة. قوله: (ويجوز أن يراد: مع حفظها)، جوابٌ آخر عن السؤال، وفاعل "أن يراد" قوله: "حفظها على الإبداء" أي: يجوز أن يراد من الآية حفظ الفروج عن الإبداء، مع حفظها عن الإفضاء إلى الزنى، أي: كما يجب أن تحفظ الفروج عن الإفضاء إلى ما لا يحل، يجب أن تحفظ عن إبدائها للنظر إليها. كأنه قيل: قل للمؤمنين: يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم عن الإفضاء إلى ما لا يحل من الزنى، والإبداء إلى ما لا يحل من النظر إليها، وذلك من إيقاع الحفظ عليها مطلقًا، فدل على حفظها ما أمكن، والنظم يساعد هذا التأويل، لأن الكلام السابق حديثٌ في الاستئذان، وجل الغرض منه المحافظة على إبداء ما يفضي إلى ما لا يحل، وكذلك اللاحق، وهو قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ عطفٌ بالنهي عن إبداء مواقع الزين من الجسد على الأمر بإغضاء البصر تأكيدًا، ولما كان النهي عن إبداء الزين كنايةً عن إبداء مواقعها المفضي إلى ما لا يحل، كذلك كان النهي عن إبداء الفروج المؤدي إلى ما لا يحل كنايةً عن النهي عن الزنى. فإذًا النهي واردٌ على غض البصر عن الفروج لئلا يؤدي إلى ما لا يحل. وهو موافق لما قال الإمام: الظاهر العموم، وفي سائر ما حرم من الزنى والمس والنظر، على أنه لو أريد حظر النظر لكان في مفهوم الخطاب ما يوجب حظر الزنى، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣].

стр. 5656

ابن زيد: كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنى، إلا هذا فإنه أراد به الاستتار. ثم أخبر أنه ﴿خَبِيرٌ﴾ بأحوالهم، أفعالهم، وكيف يجيلون أبصارهم، وكيف يصنعون بسائر حواسهم وجوارحهم، فعليهم إذا عرفوا ذلك أن يكونوا منه على تقوى وحذرٍ في كل حركةٍ وسكون. [﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣١]. النساء مأموراتٌ- أيضًا- بغض الأبصار، ولا يحل للمرأة أن تنظر من الأجنبي إلى ما تحت سرته إلى ركبته، وإن اشتهت غضت بصرها رأساً، ولا تنظر من المرأة إلا مثل ذلك. وغضها بصرها من الأجانب أصلاً أولى بها وأحسن. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال صاحب "الفرائد": ويمكن أن يقال: المراد غض البصر عن الأجنبية، والأجنبية يحل النظر إلى بعضها كما ذكر. وأما الفرج فلا طريق إلى الحل أصلاً بالنسبة إلى الأجنبية، فلا وجه لدخول "من" فيه. وقال القاضي: يحفظوا فروجهم إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، ولما كان المستثنى كالشاذ النادر بخلاف الغض أطلقه، وقيد الغض بحرف التبعيض.

стр. 5657

ومنه حديث ابن أم مكتوم، عن أم سلمة قالت: كنت عند النبي ﷺ ، وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب، فدخل علينا، فقال: "احتجبا"، فقلنا: يا رسول الله أليس أعمى لا يبصرنا؟ قال: "أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟ ". فإن قلت: لم قدم غض الأبصار على حفظ الفروج؟ قلت: لأن النظر يريد الزنى ورائد الفجور xxxx فيه أشد وأكثر، ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه. الزينة: ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، فما كان ظاهراً منها، كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب: فلا بأس بإبدائه للأجانب، وما خفي منها، كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط: فلا تبديه إلا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومنه حديث ابن أم مكتوم)، الحديث، رواه الترمذي، وأبو داود مع تغيير يسيرٍ فيه. قوله: (عن أم سلمة)، بيان الحديث ابن أم مكتوم، لا أنه يروى عنها. قوله: (لأن النظر بريد الزنى ورائد الفجور)، أخذه من قول الخماسي. وكنت إذا أرسلت xxxx رائداً … لقلبك يوماً أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادرٌ … عليه، ولا عن بعضه أنت صابر قوله: (الفتخة)، الفتخة- بالتحريك-: حلقةٌ من فضةٍ لا فص فيها، فإذا كان فيها فصٌ فهو الخاتم، والدملوج: المعضد، وكذلك الدملج. والإكليل: شبه عصابةٍ مزينٌ بالجواهر، ويسمى التاج إكليلاً، والوشاح بنسج من أديم عريضاً، ويرضع بالجواهر، وتشده المرأة بين عاتقها وكشحيها.

стр. 5658

لهؤلاء المذكورين. وذكر الزينة دون مواقعها: للمبالغة في الأمر بالتصون والتستر، لأن هذه الزين واقعةٌ على مواضع الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء، وهي: الذراع، والساق، والعضد، والعنق، والرأس، والصدر، والأذن، فنهي عن إبداء الزين نفسها، ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها، لملابستها تلك المواقع بدليل أن النظر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ القرمل: ما تشده المرأة في شعرها. كلها من "الصحاح"، وقيل: الوشاح: قلادةٌ طويلةٌ تضع المرأة وسطها على عنقها ثم تخالف بين طرفيها على صدرها حتى تكون كهيئة لام ألف، ثم تديره على حقويها. قوله: (بدليل)، تعليلٌ، وهو قوله: "لملابستها"، أي: النظر إنما لا يحل إلى الزين، لملابستها تلك المواضع، يدل عليه جواز النظر إليها غير ملابسةٍ لها. وقوله: "كان النظر إلى المواضع"، جواب "إذا". وقوله: "لا مقال في حله"، خبر "أن"، والشرط والجزاء خبر "أن" الأولى، تقريره يشرع بأن هذه العبارة من باب الكناية، على نحو قول الشاعر: تبيت بمنجاةٍ من اللوم بيتها … إذا ما بيوتٌ حلت وقولهم: فلانٌ طاهر الحبيب نقي الذيل. وقال صاحب "الفرائد": هو من باب إطلاق اسم الحال على المحل، فالمراد بالزينة: مواقعها، فيكون حرمة النظر إلى المواقع بعبارة النص، لا بدلالتها كما ذهب إليه، وعبارة النص أقوى من دلالته. اعلم أن عبارة النص كما حددها البزدوي: هو العمل بظاهر ما سيق الكلام له، ودلالة النص: هو ما ثبت بمعنى النص لغةً لا اجتهاداً واستنباطاً، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٢]، لأنها معلومٌ بظاهرها وبمعناها، فلا يحتاج إلى إخراج معناه بالاجتهاد.

стр. 5659

إليها غير ملابسةٍ لها لا مقال ف يحله، كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكناً في الحظر، ثابت القدم في الحرمة، شاهداً على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها، ويتقين الله في الكشف عنها. فإن قلت: ما تقول في القراميل، هل يحل نظر هؤلاء إليها؟ قلت: نعم. فإن قلت: أليس موقعها الظهر ولا يحل لهم النظر إلى ظهرها وبطنها؟ وربما ورد الشعر فوقعت القراميل على ما يحاذي ما تحت السرة! قلت: الأمر كما قلت ولكن أمر القراميل خلاف أمر سائر الحلي، لأنه لا يقع إلا فوق اللباس، ويجوز النظر إلى الثوب الواقع على الظهر والبطن للأجانب فضلًا عن هؤلاء، إلا إذا كانت يصف لرقته، فلا يحل النظر إليه، فلا يحل النظر إلى القراميل واقعةً عليه. فإن قلت: ما المراد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومال صاحب "الفرائد" إلى المجاز دون الكناية، وإلى أن اللفظ كلما كان أسهل متناولاً كان أقوى دلالةً، كما عليه الأصوليون، وذهب عنه إلى أن مال نفي الحال لإرادة نفي المحل إلى الكناية، وإثبات المقصود بطريق البرهان، ألا ترى كيف بالغ في قوله: "كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكناً في الحظر، ثابت القدم في الحرمة". وأيضاً، إن الكناية لا تنافي الحقيقة، فيجوز أن يراد النهي عن إبداء ما يتزين به نفسه أيضاً محترزاً عن كسر قلوب الفقراء، بخلاف المجاز، ولهذا قال صاحب "الانتصاف": قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ يحقق أن إبداء الزينة مقصودٌ بالنهي. وأيضاً، لو أريد المحل دون الحال كما عليه إرادة المجاز للزم أن يحل للأجانب النظر إلى ما ظهر من مواقع الزين الظاهر، وهذا باطلٌ، لأن كل بدن الحرة عورةٌ لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة، كالمعالجة وتحمل الشهادة، وإن كان هذا المعنى لا يساعد عليه قوله: "لم سومح مطلقاً في الزينة الظاهرة؟ ". قوله: (ورد الشعر)، عن بعضهم ورد الشعر: طال، يقال: فلانٌ وارد الأرنبة: إذا كان فيها طول. الأرنبة: طرف الأنف.

стр. 5660

بموقع الزينة؟ ذلك العضو كله. أم المقدار الذي تلابسه الزينة منه؟ قلت: الصحيح أنه العضو كله كما فسرت مواقع الزينة الخفية، وكذلك مواقع الزينة الظاهرة: الوجه موقع الكحل في عينيه، والخضاب بالوسمة في حاجبيه وشاربه، والغمرة في حديه، والكف والقدم موقعاً الخاتم و xxxx والخضاب بالحناء. فإن قلت لم xxxx مطلقاً في الزينة الظاهرة؟ قلت: لأن xxxx فيه حرج، فإن المرأة لا xxxx من مزاولة الأشياء بيديها، ومن الحاجة إلى كشف وجهها، خصوصاً في الشهادة والمحاكمة والنكاح، وتضطر إلى المتنبي في الطرقات، وظهور قدميها، وخاصة الفقيرات منهن، وهذا معنى قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، يعني: إلا ما رجت العادة والجبلة على ظهوره والأصل فيه الظهور، وإنما xxxx في الزينة الخفية أولئك المذكورون لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطر، إلى مداخلتهم ومخالطتهم، ولقلة توقع الفتنة من جهاتهم، ولما في ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كما فسرت مواقع xxxx)، الذراع، والساق xxxx. قوله: (الوجه)، وهو مبتدأ، و"موقع الكحل في عينيه" جملةٌ من مبتدأ وخبر للمبتدأ الأول، والضمير في "عينيه" عائدٌ على الوجه، و"الخضاب" بالكسر، على أن المضاف محذوفٌ تقديره: الوجه موقع الخضاب xxxx في حاجبه وشاربيه، والوجه من موقع الغمرة في خديه. قوله: (والغمرة)، بضم العين وسكون الميم: طلاءٌ من الورس، وقد غمرت المرأة وجهها تغميراً، أي: طلبت، وجهها ليصفو لونها في "الصحاح". قوله: (أولئك المذكورين). هو مرفوعٌ بقوله: "سومح"، و" الزينة الخفية": ظرفٌ لقوله: "سومح". قوله: (من الحاجة المضطرة)، قالوا: هو اسم فاعل، كقولهم: المغتاب- فض الله فمه- أكل لحم المغتاب، وبشرب دمه.

стр. 5661

الطباع من النفرة عن مماسة القرائب، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ذلك. كانت جيوبهن واسعةً تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها، وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفةٌ، فأمرن بأن يسدلنها من قدامهن حتى يغطينها. ويجوز أن يراد بالجيوب: الصدور تسميةً بما يليها ويلابسها. ومنها قولهم: ناصح الجيب، وقولك: ضربت بخمارها على جيبها، كقولك: ضربت بيدي على الحائط، إذا وضعتها عليه. وعن عائشة: ما رأيت نساء خيرًا من نساء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ناصح الجيب)، xxxx: النصح لغة: الخلوص، يقال: نصحته ونصحت له وعرفاً: هي الكلمة المعبر بها عن جملة إرادة الخبر للمنصوح له، فقوله: "ناصح الجيب" كناية عن xxxx xxxx xxxx مما يكدره من الغل والغش والحقد ونحوها. ومعنى xxxx والبلقين معانقهن العريضات الصفقات على صدورهن ليسترن بذلك صدورهن وما حولها من الشعور والأعناق يدل عليه قول ابن عباسٍ: تغطي بذلك شعرها وترائبها، وصدورها وسوالفها، وهي أعلى العنق، وإنما أمرن به، لأن جيوبهن كانت متسعة، ودل على الشمول والإحاطة قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ﴾، لأنه كقوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١]. قوله: (وعن عائشة) الحديث، من رواية البخاري وأبي داود، عنها: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ﴾ الآية، شققن أكنف مروطهن فاختمرن بها. النهاية: xxxx من صول، وربما كان من خز أو غيره، والمرخل: الذي قد نقش فيه تصاوير الرجال.

стр. 5662

الأنصار، لما نزلت هذه الآية قامت كل واحدةٍ منهن إلى مرطها المرحل فصدعت منه صدعةً، فاختمرن، فأصبحن على رؤوسهن الغربان. وقرئ: (جيوبهن) بكسر الجيم لأجل الياء، وكذلك ﴿بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٢٧]. قيل في ﴿نِسَائِهِنَّ﴾: هن المؤمنات، لأنه ليس للمؤمنة أن تتجرد بين يدي مشركة أو كتابة. عن ابن عباس: والظاهر أنه عني بنسائهن وما ملكت أيمانهن: من في صحبتهن وخدمتهن من الحرائر والإماء والنساء، كلهن سواء في حل نظر بعضهن إلى بعض. وقيل: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾: هم الذكور والإناث جميعاً. وعن عائشة: أنها أباحت النظر إليها لعبدها، وقالت لذكوان: إنك إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حر. وعن سعيد بن المسيب مثله، ثم رجع وقال: لا تغرنكم آية النور، فإن المراد بها الإماء. وهذا هو الصحيح، لأن عبد المرأة بمنزلة الأجنبي منها، خصيًا كان أو فحلًا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "جيوبهن")، قرأ نافعٌ وعاصمٌ وأبو عمروٍ وهشام: ﴿جُيُوبِهِنَّ﴾ بضم الجيم، والباقون: بكسرها. قوله: (وكذلك "بيوتاً غير بيوتكم")، قال الزجاج: من ضم فعلى أصل الجمع، بيتٌ وبيوت، مثل قلبٍ وقلوب، ومن كسر فللياء التي بعدها، وذلك عند البصريين رديءٌ جداً، لأنه ليس في الكلام "فعولٌ" بكسر الفاء، والقراءة شاذة. قوله: (وهذا هو الصحيح، لأن عبد المرأة بمنزلة الأجنبي)، ذكر محيي السنة في "المعالم": عبد المرأة محرمٌ لها، فيجوز له، إذا كان عفيفاً، النظر إلى بدن مولاته إلا ما بين السرة والركبة، كالمحارم، وهو ظاهر القرآن. وروي ذلك عن عائشة وأم سلمة رضي الله

стр. 5663

وعن ميسون بنت بحدلٍ الكلابية: أن معاوية دخل عليها ومعه خصي، فتقنعت منه، فقال: هو خصي. فقالت: يا معاوية، أترى أن المثلة به تحلل ما حرم الله؟ وعند أبي حنيفة ﵀: لا يحل إمساك الخصيان واستخدامهم وبيعهم وشراؤهم، ولم ينقل عن أحدٍ من السلف إمساكهم. فإن قلت: روي: أنه أهدى لرسول الله ﷺ خصيٌ فقبله. قلت: لا يقبل فيما تعم به البلوى إلا حديثٌ مكشوف، فإن صح فلعله قبله ليعتقه، أو لسببٍ من الأسباب. الإربة: الحاجة. قيل: هم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم، ولا حاجة لهم إلى النساء لأنهم بلةٌ لا يعرفون شيئاً من أمرهن. أو شيوخٌ صلحاء إذا كانوا معهن غضوا أبصارهم، أو بهم عنانة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تعالى عنهما، وروى ثابتٌ عن أنس، أن النبي ﷺ أتى فاطمة بعبدٍ قد وهبه لها، وعلى فاطمة ﵂ ثوبٌ إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذ غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى رسول الله ﷺ ما تلقى قال: "إنه ليس عليك بأسٌ، إنما هو أبوك وغلامك". ورواه أبو داود في "سننه" قوله: (تعم به البلوى)، الجوهري: البلية والبلوى والبلاء واحد. الأساس: وقد بلى بكذا، وابتلى به، وأصابته بلوى، والعبارة كنايةٌ عن أمرٍ له خطر، لأن المراد إذا التبس به البلاء تحاماه الناس وهابوه فتتوفر الدواعي في الاهتمام به للاحتراز عنه، أي: لا يقبل في أمرٍ يهتم بشأنه إلا حديثٌ مشهور. قوله: (أو بهم عنانة)، الجوهري: رجلٌ عنين: لا يريد النساء، بين العنينية، وامرأةٌ عنينة: ٌ لا تشتهي الرجال. وهو فعيلٌ بمعنى مفعول، وعنن الرجل عن امرأته: إذا حكم القاضي عليه بذلك، والاسم منه العنة، ولم يذكر الجوهري عنانة. وفي حاشية "الصحاح"

стр. 5664

وقرئ: ﴿غَيرَ﴾ بالنصب على الاستثناء أو الحال، والجر على الوصفية. وضع الواحد موضع الجمع، لأنه يفيد الجنس، ويبين ما بعده أنه يراد به الجمع، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بخط ابن حبيب: الصواب: العنين للذي لا ينتشر ذكره. وفي "المغرب": العنة على زعمهم: اسمٌ من العنين، وهو الذي لا يقدر على إتيان النساء من عن: إذا حبس في العنة، وهي حظيرة الإبل، أو من: عن: إذا عرض، لأنه يعن يميناً وشمالاً ولا يقصده، ولم أعثر عليها إلا في "الصحاح". وفي "البصائر" xxxx حيان التوحيدي: فلانٌ عنينٌ بين التعنين، ولا تقل: بين العنة، كما يقول الفقهاء، فإنه كمٌ مرذول. ووجدت بخط مولاي بهاء الدين: روي عن المصنف، أنه كتب في الحواشي: ذكر أبو حيان في كتاب"البصائر" عنينٌ بين التعنين والعنينة والعنينية، والعنانة والعنة كذبٌ على العرب، وأولادها بالاستعمال: العناد ولا يغرنك قول الفقهاء: بين العنة، فإنهم إنما يقولون ذلك لقة عنايتهم بلغة نبيهم. قوله: (وقرئ: ﴿غَيرَ﴾ بالنصب) أبو بكرٍ وابن عامر، والباقون: بالجر. قال الزجاج: أما ﴿غَيرَ﴾ فصفةٌ لـ ﴿التَّابِعِينَ﴾، لأن ﴿التَّابِعِينَ﴾ هنا ليس بمقصود به إلى قوم بأعيانهم، xxxx لكل تابع غير أولي إربة. وأما نصبها فعلى الاستثناء، أي لا يبدين زينتهن إلا للتابعين إلا أولي الإربة فلا يبدين زينتهن لهم. وإما على الحال، أي أو التابعين غير مريدين النساء، أي: في هذه الحال. قوله: (وضع الواحد) أي: xxxx ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾. قوله: (ويبين ما بعده)، أي: xxxx ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾.

стр. 5665

ونحوه ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]. ﴿لَمْ يَظْهَرُوا﴾: إما من ظهر على الشيء، إذا اطلع عليه، أي: لا يعرفون ما الغورة، ولا يميزون بينها وبين غيرها، وإما من ظهر على فلان، إذا قوي عليه، وظهر على القرآن: أخذه وأطاقه، أن لم يبلغوا أو أن القدرة على الوطء. وقرئ: (عورات) وهي لغة xxxx . فإن قلت: لم لم يذكر الله الأعمام والأحوال؟ قلت: سئل الشعبي عن ذلك، فقال: لئلا يصفها xxxx عند ابنه، والخال كذلك. ومعناه: أن سائر القرابات بشترك الأب والابن في المحرمية إلا العم والخال وأبناءهما. فإذا رآها الأب xxxx وصفها لابنه وليس بمحرم. فيداني تصوره لها بالوصف نظره إليها. وهذا أيضاً من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط عليهن في التستر. كانت المرأة تضرب الأرض برجلها، ليتقعقع خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال. وقيل: كانت تضرب بإحدى رجليها الأخرى، لتعلم أنها ذات طحالين. وإذا نهين عن إظهار صوت الحلي بعدما نهين عن إظهار الحي، علم بذلك أن النهي عن إظهار مواضع الحلي أبلغ وأبلغ. أوامر الله ونواهيه في كل بابٍ لا يكاد العبد الضعيف يقدر على مراعاتها إن ضبط نفسه واجتهد، ولا يخلو من تقصيرٍ يقع منه، فلذلك وصى المؤمنين جميعاً xxxx والاستغفار، وبتأميل الفلاح إذا تابوا واستغفروا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "عورات")، في المطلع، "عوراتٌ" بالتحريك، لأنه الأصل في جمع "فعلة" بالسكون، إذا كان اسماً، والشكوك في الجمع لمكان حرف العلة. قوله: (أن سائر القرابات يشترك الأب والابن في المحرمية)، يعني: كل من له قرابةٌ كابنه وأبوه يشترك معه في القرابة كالأخ، فإنه لما كان محرماً، فابنه أيضاً محرمٌ، وأبوه كذلك، والأب، وابنه وأبوه إلا العم والخال، فإنهما لم يشتركا مع ابنيهما في المحرمية.

стр. 5666

وعن ابن عباس: توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية، لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة. فإن قلت: قد صحت التوبة بالإسلام، والإسلام يجب ما قبله، فما معنى هذه التوبة؟ قلت: أراد بها ما يقوله العلماء: إن من أذنب ذنباً ثم تاب عنه، يلزمه كلما تذكره أن يجدد عنه التوبة، لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه وعزمه إلى أن يلقى ربه وقرئ: (أيه المؤمنون) بضم الهاء، ووجهه: أنها كانت مفتوحةً، لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألف، لالتقاء الساكنين، أتعبت حركتها حركة ما قبلها. [﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣٢] الأيام واليتامى: أصلهما: أيائم ويتائم، فقلبا، والأيم: للرجل والمرأة، وقد آم وآمت وتأيما: إذا لم يتزوجا بكرين كانا أو ثيبين. قال: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "أيه المؤمنون")، قرأها ابن عامر، وفي الزخرف: "أيه الساحر"، وفي الرحمن: (أيه الثقلان) بضم الهاء في الوصل في الثلاثة، والباقون: بفتحها. ووقف أبو عمرو والكسائي عليهن: "أيها" بالألف، ووقف الباقون بغير ألف. قال أبو علي: وهذا لا يتجه، لأن آخر الاسم الهاء هاهنا، لأنه آخر الكلمة، لجاز ضم الميم في اللهم، لأنه آخرها. والعذر ما ذكره المصنف: "أنها كانت مفتوحةً" إلى آخره، وعن بعضهم: أنها تكتب في ثلاثة مواضع من التنزيل بلا ألف.

стр. 5667

فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي … وإن كنت أفتى منكم- أتأيم وعن رسول الله ﷺ : "اللهم إنا نعوذ بك من العيمة والغيمة والأيمة والكزم والقرم"، والمراد: أنكحوا من تأيم منكم من الأحرار والحرائر، ومن كان فيه صلاٌ من غلمانكم وجواريكم. وقرئ: (من عبيدكم). وهذا الأمر للندب، لما علم من أن النكاح أمرٌ مندوب إليه، وقد يكون للوجوب في حق الأولياء عند طلب المرأة ذلك، وعند أصحاب الظواهر: النكاح واجب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فإن تنكحي أنكح)، البيت. أفتى: أفعل من الفتى، أي: أقرب إلى الشباب، و"أتأيم": جزاء الشرط، "وإن كنت أفتى منكم": جملةٌ معترضةٌ. يقول: أوافقك في حالتي التزوج والتأيم، وإن كنت أفتى منك. قوله: (من العيمة والغيمة)، النهاية: العيمة بالعين المهملة: شدة شهوة اللبن، وقد عام يعام ويعيم عيماً. والغيمة بالغين المعجمة: شدة العطش. و"الكزم" بالزاي والتحريك: شدة الأكل، والمصدر ساكنٌ، وقيل: هو البخل، من قولهم: هو أكزم البنان، أي: قصيرها، كما يقال: جعد الكف، وقيل: هو أن يريد الرجل المعروف ولا يقدر على الشيء. والقرم: شدة شهوة اللحم حتى لا يصبر عنه. قوله: (وهذا الأمر للندب)، قال القاضي: لما نهى عما عسى يفضي إلى السفاح المخل بالنسبة المقتضي للألفة وحسن التربية ومزيد الشفقة المؤدية إلى بقاء النوع، بعد الزجر عنه مبالغةً فيه، أمر بالنكاح الحافظ له، والخطاب للأولياء والسادة. وفيه دليلٌ على وجوب تزويج المولية والمملوك، وذلك عند طلبهما، وإشعارٌ بأن المرأة والعبد لا يستبدان به، إذ لو استبدا لما وجب على الولي والمولى.

стр. 5668

ومما يدل على كونه مندوباً إليه: قوله ﷺ : "من أحب فطرتي فليستن بسنتي، وهي النكاح"، وعنه: "من كان له ما يتزوج به فلم يتزوج فليسا منا"، وعنه: "إنا نوج أحدكم عج شيطانه: يا ويله، عصم ابن آدم مني ثلثي دينه"، وعنه: "يا عياض، لا تزوجن عجوزاً ولا عاقراً، فإني مكاثر والأحاديث فيه عن رسول الله ﷺ والآثار كثيرة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: ويمكن أن يقرر بأن الأمر هاهنا للوجوب، فإنه تعالى لما نهى المؤمنين من الرجال والنساء عما يوقعهم في السفاح من إرسال النظر الذي هو رائد القلب، وأمرهم بغض الأبصار على المبالغة ولم xxxx من تفصيل ذلك إلا وأطنت فيه، أقبل على الأولياء والسادة بالأمر بالنكاح خوف xxxx والفساد، وأزال المانع وأزاح العلة، وهو خوف الفقر، يعني: إن كان المانع ذلك فالله واسع فهو يغنيهم من فضله إن شاء عليهم يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، فانكحوا أنتم ولا xxxx ثم وجه الخطاب إلى الطالبين وأمرهم بالاستعفاف، يعني: لا تلحوا أنتم أيضاً على xxxx بالطلب وأنتم فقراء محاويج، بل اطلبوا من أنفسكم العفة، واحملوها على العفاف حتى xxxx الله من فضله، ثم حض إرشاد العبيد والإماء بما هو أصلح لأمورهما من الاستقلال بأنفسهما ثم التزوج بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ الآية، وسيجيء عن قريبٍ من سلام لصاحب "الانتصاف" ما يشد بعضد هذا البيان، فنعم ما قال المصنف وما أحسن ما رتب هذه الأمور. قوله: (من أحب فطرتي)، أي xxxx عليه النهاية: في حديث حذيفة: "على غرير فطرة محمدٍ ﷺ "، أراد دين الإسلام xxxx هو منسوبٌ إليه. قوله: (من كان له ما يتزوج فلم يتزوج فليس منا)، الانتصاف: هذا يدل على الوجوب، كقوله: "من غشنا فليس منا"، "ومن شهر السلاح فليس منا".

стр. 5669

وربما كان واجب الترك إذا أدى إلى معصية أو مفسدة. وعن النبي ﷺ : "إذا أتى على أمتي مئةٌ وثمانون سنةً فقد حلت لهم العزبة والعزلة والترهب على رؤوس الجبال"، وفي الحديث: "يأتي على الناس زمانٌ لا تنال المعيشة فيه إلا بالمعصية، فإذا كان ذلك الزمان حلت العزوبة". فإن قلت: لم حص الصالحين؟ قلت: ليحصن دينهم ويحفظ عليهم صلاحهم، ولأن الصالحين من الأرقاء لهم الذين مواليهم يشفقون عليهم وينزلونهم منزلة الأود في الأثرة والمودة، فكانوا مظنةً للتوصية بشأنهم والاهتمام بهم وتقبل الوصية فيهم، وأما المفسدون منهم فحالهم عند مواليهم على عكس ذلك. أو أريد بالصلاح: القيام بحقوق النكاح. ينبغي أن تكون شريطة الله غير منسيةٍ في هذا الموعد ونظائره، وهي مشيئته، ولا يشاء الحكيم إلا ما اقتضته الحكمة وما كان مصلحة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في الأثرة)، الأساس هو أثيري: الذي أوثره وأقدمه، وله عندي أثرة. قوله: (شريطة الله)، الأساس: شرط عليه كذا واشترط، وهذا شريطتي، وقد تشرط فلانٌ في عمله تنوق وتكلف شروطاً ما هي عليه. قوله: (ينبغي أن تكون شريطة الله غير منسيةٍ في هذا الموعد)، يعني: في قوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، وفي نظائره نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣ - ٤]، والآيتان وإن كانتا مطلقتين في الظاهر لكنهما مقيدتان بالشريطة، أي: بمشيئة الله تعالى ، فلذلك قد يتخلف الغنى عن التقوى، وعن النكاح في بعض الصور. والحاصل أن الآيتين وإن كانتا مطلقتين في الوعد، لكنهما محمولتان على المقيد، وهو: إما دليل العقل فكما ذكره: "ولا يشاء الحكيم إلا ما اقتضته الحكمة، وما كان مصلحةً"، وإما دليل النص فكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة: ٢٨]، ومن نسى الشريطة، أي: القيد إذا سمع ظاهر الآيتين انتصب معترضاً إذا كان فقيراً وما استغنى، يقول: ما بالي اتقيت، أو تزوجت فما استغنيت، وإذا كان غنياً وافتقر يقول: ما بالي افتقرت؟ هذا تقرير كلام

стр. 5670

ونحوه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، وقد جاءت الشريطة منصوصةً في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المصنف، لكن الآية ليست بمطلقة، بل هي مقيدةٌ بقوله: ﴿عَلِيمُ﴾ كما قال: "ولكنه عليمٌ يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر". قال صاحب "الانتصاف": شرط المصلحة على قاعدته، فحجر واسعاً من رحمة الله تعالى، واحتجاجه عليه لا له، فإن الآية شرط فيها المشيئة لا المصلحة. وهاهنا نكتةٌ، وذلك أنا رأينا من يتزوج فلا يحصل له الغنى، ووعد الله تعالى صدقٌ فلابد من شرطٍ مضمر، فهم يضمرون المصلحة، ونحن نضمر المشيئة، فمن لم يغنه الله تعالى بعد تزوجه فهو ممن لم يشأ غناه. فإن قيل: فكذلك العزب، فإن غناهم معلقٌ بالمشيئة، وليس هذا كإضمار المشيئة في الغفران للعاصي، فإن الغفران شريطة التوحيد، وله ارتباطٌ بالمشيئة، فإذا تاب غير الموحد لا يغفر له حتماً، والموحد مقيدٌ بالمشيئة، وهاهنا لا يقال: غير الناكح لا يغنيه الله. فجوابه: أنه قد تكرر في الطباع المساكنة إلى الأسباب أن العيال سببٌ في الفقر، وعدمه سبب توفر المال، فأريد قطع هذا التوهم المتمكن بأن الله تعالى قد ينمي المال مع كثرة العيال التي هي في الوهم سببٌ لقلة المال، وقد يحصل الإقلال مع العزوبة، والواقع يشهد له، فدل على أن ذلك الارتباط الوهمي باطلٌ، وأن الغنى والفقر بفعل الله مسبب الأسباب، ولا يقف إلا على المشيئة، فإذا علم الناكح أن النكاح لا يؤثر في الإقتار لم يمنعه من الشروع فيه، ومعنى الآية حينئذٍ: أن النكاح لا يمنعهم الغنى من فضل الله، فعبر عن النفي كونه مانعاً من الغنى بوجوده معه. ومنه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠] ظاهره أمرٌ بالانتشار عند انقضاء الصلاة، فالمراد تحقيق زوال المانع، وأن الصلاة إذا قضيت فلا مانع من الانتشار، فعبر عن نفي الانتشار بما يقتضي تقاضي الانتشار مبالغة.

стр. 5671

مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، ومن لم ينس هذه الشريطة لم ينتصب معترضاً بعزبٍ كان غنياً فأفقره النكاح، وبفاسقٍ تاب واتقى الله وكان له شيءٌ ففني وأصبح مسكيناً. وعن النبي ﷺ : "التمسوا الرزق بالنكاح". وشكا إليه رجلٌ الحاجة، فقال "عليك بالباءة"، وعن عمر ﵁: عجبٌ لمن لا يطلب الغنى بالباءة! ولقد كان عندنا رجلٌ رازح الحال، ثم رأيته بعد سنين وقد انتعشت حاله وحسنت، فسألته، فقال: كنت في أول أمري على ما علمت، وذلك قبل أن أرزق ولداً، فلما رزقت بكر ولدي تراخيت عن الفقر، فلما ولد لي الثاني زدت خيراً، فلما تتاموا ثلاثة صب الله على الخير صباً، فأصبحت إلى ما ترى. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ أي: غنىٌ ذو سعة لا يرزؤه إغناء الخلائق، ولكنه ﴿عَلِيمٌ﴾ يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (رازح الحال)، الأساس: بعيرٌ رازحٌ: ألقى نفسه من الإعياء. وقيل: هو الشديد الهزال وبه حراكٌ، ومن المجاز: رزحت حاله، وله حالٌ رازحة. قوله: (بكر ولدي)، أي: أوله، ما هذا الأمر منك ببكرٍ ولا بثني، أي: لا بأولٍ ولا ثان. وحاجةٌ بكرٌ هو أول حاجةٍ رفعت. "تتاموا ثلاثةً" مبالغةٌ في التمام، رجلٌ تميمٌ، وامرأةٌ تامة الخلق: وثيقاه، واجتمعوا فتتاموا عشرةً، وجعلته لك تماً، أي: بتمامه، كل ذلك من "الأساس". قوله: (لا يرزؤه إغناء الخلائق)، الأساس: ما رزأته شيئاً مرزئةً ورزأً: ما نقصته، وفعل كذا من غير مرزئة، أي: غير نقصانٍ وضرر. قوله: (ولكنه ﴿عَليِمُ﴾ يبسط الرزق لمن يشاء)، هذا الاستدراك يؤذن بأن قوله: ﴿عَليِمُ﴾ تكميل لقوله: ﴿وَاسِعُ﴾، كقوله: حليمٌ إذا ما الحلم زين أهله … مع الحلم في عين العدو مهيب

стр. 5672

[﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣٣]. ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾: وليجتهد في العفة وظلف النفس، كأن المستعف طالبٌ من نفسه العفاف وحاملها عليه. ﴿لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ أي: استطاعة تزوج. ويجوز أن يراد بالنكاح: ما ينكح به من المال. ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ﴾ ترجيةً للمستعفين وتقدمة وعدٍ بالتفضل عليهم بالغنى، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وظلف النفس)، الأساس: ظلف نفسه: كفها عما لا يحل. قال ربيعة بن مقروم: وظلفت نفسي من لئيم المأكل قوله: (كان المستعف طالب من نفسه العفاف وحاملها عليه)، أي: جرد من نفسه شخصاً غيره، وطلب منه العفاف. قوله: (أن يراد بالنكاح ما ينكح به من المال)، ومعنى هذين الوجهين قريبٌ من معنى الوجهين في ﴿طَوْلًا﴾ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، في الشافعية فسرته بالزيادة في المال، والحنفية بعدم ملك فراش الحرة. يؤيد هذا الوجه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، فالنكاح على هذا على زنة "فعال" للآلة: المطلع: هو مثل الهوام والحزام: اسمٌ لما يقام ويحزم به.

стр. 5673

ليكون انتظار ذلك وتأميله لطفاً اسم في استعفافهم، وربطاً على قلوبهم، وليظهر بذلك أن فصله أولى بالإعفاء وأدنى من الصلحاء، وما أحسن ما رتب هذه الأوامر: حيث أمر أولًا بما يعصم من الفتنة ويبعد من مواقعة المعصية، وهو غض البصر، ثم بالنكاح الذي يحصن به الدين، ويقع به الاستغناء بالحلال عن الحرام، ثم بالحمل على النفس الأمارة بالسوء وعزفها عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن يرزق القدرة عليه ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ﴾ وقوعٌ على الابتداء، أو منصوبٌ بفعل مضمر يفسر، ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾. كقولك: زيداً xxxx، ودخلت الفاء لتضمن معنى الشرط. والكتاب والمكاتبة، كالعتاب والمعاتبة، وأن يقول الرجل لمملوكه: كاتبتك على ألف درهم، فإن أداها عتق. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ليكون انتظار ذلك أن تأميله] لطفاً لهم في استعفافهم)، يعني في إيقاع الغنى غايةً للأمر بالاستعفاف فائدتا xxxx إحداهما: ليوطن المستعفف نفسه على الإمساك على الإمساك عن النكاح ولا يستعجل قبل xxxx لئلا يورط، فيما يفضحه من كثرة العيال وقلة المال، فتكون الترجية لطفاً له. وثانيهما أنه تعلل لما رتب الأمر بالاستعفاف على قوله: ﴿يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ آذن أن فضله أولى الإعفاء، لأن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعرٌ بالعلية، وكأنه قيل: استعفوا إلى أن يغنيكم الله من فضله، ففي كلامه لف xxxx، لأن قوله: استعفوا إلى أن يغنيكم الله من فضله، ففي كلامه لف xxxx، لأن قوله: "ليكون انتظار ذلك وتأميله" متعلل بقوله: "ترجيةً للمستعفين". وقوله: (وليظهر بذلك)، xxxx تقدمة وعدٍ بالفضل، قوله: (وعزفها عن الطموح) النهاية: وفي حديث حارثة "عزفت نفسي عن الدنيا"، أي: xxxx وكرهتها، ويروى: "عرفت نفسي" بضم التاء، أي: منعتها وصرفتها، وطمح بصره إليه، أي. امتد وعلا، ومنه طمحت عيناه إلى السماء.

стр. 5674

ومعناه: كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال، وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك. أو: كتبت عليك الوفاء بالمال، وكتبت على العتق. ويجوز عند أبي حنيفة ﵀ حالًا ومؤجلًا، ومنجماً وغير منجم، لأن الله لم يذكر التنجيم، وقياساً على سائر العقود. وعند الشافعي ﵀: لا يجوز إلا مؤجلاً منجماً، ولا يجوز عنده بنجمٍ واحد، لأن العبد لا يملك شيئاً، فعقده حالًا منعٌ من حصول الغرض، لأنه لا يقدر على أداء البدل عاجلاً. ويجوز عقده على مالٍ قليل وكثير، وعلى خدمةٍ معلومة، وعلى عملٍ معلوم مؤقت، مثل: حفر بئرٍ في مكانٍ بعينه معلومة الطول والعرض، وبناء دارٍ قد أراه آجرها وجصها وما تبنى به. وإن كاتبه على قيمته: لم يجز. فإن أداها: عتق، وإن كاتبه على وصيف: جاز، لقلة الجهالة، ووجب الوسط. وليس له أن يطأ المكاتبة. وإذا أدى عتق، وكان ولاؤه لمولاه، لأنه جاد عليه بالكسب الذي هو في الأصل له. وهذا الأمر للندب عند عامة العلماء. وعن الحسن: ليس ذلك بعزم، إن شاء كاتب وإن شاء لم يكاتب. وعن عمر ﵁: هي عزمةٌ من عزمات الله. وعن ابن سيرين مثله، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن الله تعالى لم يذكر التنجيم، وقياساً على سائر العقود)، قال القاضي: واحتجاج الحنفية بإطلاقه على جواز الكتابة الحالة ضعيفٌ، لأن المطلق لا يعم مع أن العجز عن الأداء في الحال يمنع صحتها، كما في السلم فيما لا يوجد عند المحل. قوله: (على وصيف)، الجوهري: الوصيف: الخادم، غلاماً كان أو جاريةً. يقال: وصف الغلام: إذا بلغ الخدمة، فهو وصيف بين الوصافة. قوله: (وهذا الأمر للندب عند عامة العلماء)، قال القاضي: لأن الكتابة معاوضةٌ تتضمن الإرفاق، فلا تجب كغيرها.

стр. 5675

وهو مذهب داود. ﴿خَيْرًا﴾: قدرةً على أداء ما يفارقون عليه. وقيل: أمانةً وتكسباً. وعن سلمان أن مملوكاً له ابتغى أن يكاتبه، فقال: أعندك مالٌ؟ قال: لا، قال: أفتأمرني أن آكل غسالة أيدي الناس! ﴿وَآَتُوهُمْ﴾ أمرٌ للمسلمين على وجه الوجوب بإعانة المكاتبين وإعطائهم سهمهم الذي جعل الله لهم من بيت المال، كقوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، عند أبي حنيفة وأصحابه. فإن قلت: ل يحل لمولاه إذا كان غنياً أن يأخذ ما تصدق به عليه؟ قلت: نعم، وكذلك إذا لم تف الصدقة بجميع البدل وعجز ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهو مذهب داود)، هو داو بن علي الأصفهاني، وهو الذي يرجح الاستصحاب على القياس وهو من أصحاب الظواهر. قوله: ﴿خَيْرًا﴾: قدرةً على أداء ما يفارقون عليه)، وفي الحاشية: صادرته، وفارقته على مال، أي: صدر هذا وتفارقا عليه. والأظهر أن التقدير على أداء ما تقع الفرقة عليه من مالٍ أو خدمةٍ عمل. الأساس: ومن المجاز: وقفته على مفارق الحديث، أي: على وجوهه الواضحة. قوله: (قلت: نعم، وكذلك إذا لم تفق الصدقة)، إلى آخره، قيل: عند الشافعي ﵁ أنه إذا رق المكاتب، أو أعتق من غير جهة الكتابة، غرم المدفوع إليه، إلا أن يتلف المال قبل العتق، وإنما وجب الرد إذا لم يعتق المكاتب لو عتق من غير جهة الكتابة، لأنه علم من طريق التبين أن ما صرف إلى المكاتب لم يقع الموقع حينئذ، إذ لم يترتب عليه الغرض المطلوب، وبهذا يظهر أن قياس ذلك على الصدقة التي اشتريت من الفقير غير صحيح. وكذا إلحاقه بحديث بريرة، فإنه لم يحدث هنالك ما يظهر به بطلان صرف الصدقة إلى من صرفت إليه.
следующие страницы →