Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.
стр. 5671
مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، ومن لم ينس هذه الشريطة لم ينتصب معترضاً بعزبٍ كان غنياً فأفقره النكاح، وبفاسقٍ تاب واتقى الله وكان له شيءٌ ففني وأصبح مسكيناً.
وعن النبي ﷺ : "التمسوا الرزق بالنكاح". وشكا إليه رجلٌ الحاجة، فقال "عليك بالباءة"، وعن عمر ﵁: عجبٌ لمن لا يطلب الغنى بالباءة!
ولقد كان عندنا رجلٌ رازح الحال، ثم رأيته بعد سنين وقد انتعشت حاله وحسنت، فسألته، فقال: كنت في أول أمري على ما علمت، وذلك قبل أن أرزق ولداً، فلما رزقت بكر ولدي تراخيت عن الفقر، فلما ولد لي الثاني زدت خيراً، فلما تتاموا ثلاثة صب الله على الخير صباً، فأصبحت إلى ما ترى. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ أي: غنىٌ ذو سعة لا يرزؤه إغناء الخلائق، ولكنه ﴿عَلِيمٌ﴾ يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (رازح الحال)، الأساس: بعيرٌ رازحٌ: ألقى نفسه من الإعياء. وقيل: هو الشديد الهزال وبه حراكٌ، ومن المجاز: رزحت حاله، وله حالٌ رازحة.
قوله: (بكر ولدي)، أي: أوله، ما هذا الأمر منك ببكرٍ ولا بثني، أي: لا بأولٍ ولا ثان. وحاجةٌ بكرٌ هو أول حاجةٍ رفعت. "تتاموا ثلاثةً" مبالغةٌ في التمام، رجلٌ تميمٌ، وامرأةٌ تامة الخلق: وثيقاه، واجتمعوا فتتاموا عشرةً، وجعلته لك تماً، أي: بتمامه، كل ذلك من "الأساس".
قوله: (لا يرزؤه إغناء الخلائق)، الأساس: ما رزأته شيئاً مرزئةً ورزأً: ما نقصته، وفعل كذا من غير مرزئة، أي: غير نقصانٍ وضرر.
قوله: (ولكنه ﴿عَليِمُ﴾ يبسط الرزق لمن يشاء)، هذا الاستدراك يؤذن بأن قوله: ﴿عَليِمُ﴾ تكميل لقوله: ﴿وَاسِعُ﴾، كقوله:
حليمٌ إذا ما الحلم زين أهله … مع الحلم في عين العدو مهيب
стр. 5672
[﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣٣].
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾: وليجتهد في العفة وظلف النفس، كأن المستعف طالبٌ من نفسه العفاف وحاملها عليه. ﴿لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ أي: استطاعة تزوج.
ويجوز أن يراد بالنكاح: ما ينكح به من المال.
﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ﴾ ترجيةً للمستعفين وتقدمة وعدٍ بالتفضل عليهم بالغنى،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وظلف النفس)، الأساس: ظلف نفسه: كفها عما لا يحل. قال ربيعة بن مقروم:
وظلفت نفسي من لئيم المأكل
قوله: (كان المستعف طالب من نفسه العفاف وحاملها عليه)، أي: جرد من نفسه شخصاً غيره، وطلب منه العفاف.
قوله: (أن يراد بالنكاح ما ينكح به من المال)، ومعنى هذين الوجهين قريبٌ من معنى الوجهين في ﴿طَوْلًا﴾ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، في الشافعية فسرته بالزيادة في المال، والحنفية بعدم ملك فراش الحرة.
يؤيد هذا الوجه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، فالنكاح على هذا على زنة "فعال" للآلة: المطلع: هو مثل الهوام والحزام: اسمٌ لما يقام ويحزم به.
стр. 5673
ليكون انتظار ذلك وتأميله لطفاً اسم في استعفافهم، وربطاً على قلوبهم، وليظهر بذلك أن فصله أولى بالإعفاء وأدنى من الصلحاء، وما أحسن ما رتب هذه الأوامر: حيث أمر أولًا بما يعصم من الفتنة ويبعد من مواقعة المعصية، وهو غض البصر، ثم بالنكاح الذي يحصن به الدين، ويقع به الاستغناء بالحلال عن الحرام، ثم بالحمل على النفس الأمارة بالسوء وعزفها عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن يرزق القدرة عليه ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ﴾ وقوعٌ على الابتداء، أو منصوبٌ بفعل مضمر يفسر، ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾. كقولك: زيداً xxxx، ودخلت الفاء لتضمن معنى الشرط. والكتاب والمكاتبة، كالعتاب والمعاتبة، وأن يقول الرجل لمملوكه: كاتبتك على ألف درهم، فإن أداها عتق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ليكون انتظار ذلك أن تأميله] لطفاً لهم في استعفافهم)، يعني في إيقاع الغنى غايةً للأمر بالاستعفاف فائدتا xxxx إحداهما: ليوطن المستعفف نفسه على الإمساك على الإمساك عن النكاح ولا يستعجل قبل xxxx لئلا يورط، فيما يفضحه من كثرة العيال وقلة المال، فتكون الترجية لطفاً له. وثانيهما أنه تعلل لما رتب الأمر بالاستعفاف على قوله: ﴿يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ آذن أن فضله أولى الإعفاء، لأن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعرٌ بالعلية، وكأنه قيل: استعفوا إلى أن يغنيكم الله من فضله، ففي كلامه لف xxxx، لأن قوله: استعفوا إلى أن يغنيكم الله من فضله، ففي كلامه لف xxxx، لأن قوله: "ليكون انتظار ذلك وتأميله" متعلل بقوله: "ترجيةً للمستعفين".
وقوله: (وليظهر بذلك)، xxxx تقدمة وعدٍ بالفضل،
قوله: (وعزفها عن الطموح) النهاية: وفي حديث حارثة "عزفت نفسي عن الدنيا"، أي: xxxx وكرهتها، ويروى: "عرفت نفسي" بضم التاء، أي: منعتها وصرفتها، وطمح بصره إليه، أي. امتد وعلا، ومنه طمحت عيناه إلى السماء.
стр. 5674
ومعناه: كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال، وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك. أو: كتبت عليك الوفاء بالمال، وكتبت على العتق. ويجوز عند أبي حنيفة ﵀ حالًا ومؤجلًا، ومنجماً وغير منجم، لأن الله لم يذكر التنجيم، وقياساً على سائر العقود. وعند الشافعي ﵀: لا يجوز إلا مؤجلاً منجماً، ولا يجوز عنده بنجمٍ واحد، لأن العبد لا يملك شيئاً، فعقده حالًا منعٌ من حصول الغرض، لأنه لا يقدر على أداء البدل عاجلاً. ويجوز عقده على مالٍ قليل وكثير، وعلى خدمةٍ معلومة، وعلى عملٍ معلوم مؤقت، مثل: حفر بئرٍ في مكانٍ بعينه معلومة الطول والعرض، وبناء دارٍ قد أراه آجرها وجصها وما تبنى به. وإن كاتبه على قيمته: لم يجز. فإن أداها: عتق، وإن كاتبه على وصيف: جاز، لقلة الجهالة، ووجب الوسط. وليس له أن يطأ المكاتبة. وإذا أدى عتق، وكان ولاؤه لمولاه، لأنه جاد عليه بالكسب الذي هو في الأصل له. وهذا الأمر للندب عند عامة العلماء. وعن الحسن: ليس ذلك بعزم، إن شاء كاتب وإن شاء لم يكاتب.
وعن عمر ﵁: هي عزمةٌ من عزمات الله. وعن ابن سيرين مثله،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن الله تعالى لم يذكر التنجيم، وقياساً على سائر العقود)، قال القاضي: واحتجاج الحنفية بإطلاقه على جواز الكتابة الحالة ضعيفٌ، لأن المطلق لا يعم مع أن العجز عن الأداء في الحال يمنع صحتها، كما في السلم فيما لا يوجد عند المحل.
قوله: (على وصيف)، الجوهري: الوصيف: الخادم، غلاماً كان أو جاريةً. يقال: وصف الغلام: إذا بلغ الخدمة، فهو وصيف بين الوصافة.
قوله: (وهذا الأمر للندب عند عامة العلماء)، قال القاضي: لأن الكتابة معاوضةٌ تتضمن الإرفاق، فلا تجب كغيرها.
стр. 5675
وهو مذهب داود. ﴿خَيْرًا﴾: قدرةً على أداء ما يفارقون عليه. وقيل: أمانةً وتكسباً. وعن سلمان أن مملوكاً له ابتغى أن يكاتبه، فقال: أعندك مالٌ؟ قال: لا، قال: أفتأمرني أن آكل غسالة أيدي الناس! ﴿وَآَتُوهُمْ﴾ أمرٌ للمسلمين على وجه الوجوب بإعانة المكاتبين وإعطائهم سهمهم الذي جعل الله لهم من بيت المال، كقوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، عند أبي حنيفة وأصحابه. فإن قلت: ل يحل لمولاه إذا كان غنياً أن يأخذ ما تصدق به عليه؟ قلت: نعم، وكذلك إذا لم تف الصدقة بجميع البدل وعجز
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهو مذهب داود)، هو داو بن علي الأصفهاني، وهو الذي يرجح الاستصحاب على القياس وهو من أصحاب الظواهر.
قوله: ﴿خَيْرًا﴾: قدرةً على أداء ما يفارقون عليه)، وفي الحاشية: صادرته، وفارقته على مال، أي: صدر هذا وتفارقا عليه. والأظهر أن التقدير على أداء ما تقع الفرقة عليه من مالٍ أو خدمةٍ عمل.
الأساس: ومن المجاز: وقفته على مفارق الحديث، أي: على وجوهه الواضحة.
قوله: (قلت: نعم، وكذلك إذا لم تفق الصدقة)، إلى آخره، قيل: عند الشافعي ﵁ أنه إذا رق المكاتب، أو أعتق من غير جهة الكتابة، غرم المدفوع إليه، إلا أن يتلف المال قبل العتق، وإنما وجب الرد إذا لم يعتق المكاتب لو عتق من غير جهة الكتابة، لأنه علم من طريق التبين أن ما صرف إلى المكاتب لم يقع الموقع حينئذ، إذ لم يترتب عليه الغرض المطلوب، وبهذا يظهر أن قياس ذلك على الصدقة التي اشتريت من الفقير غير صحيح. وكذا إلحاقه بحديث بريرة، فإنه لم يحدث هنالك ما يظهر به بطلان صرف الصدقة إلى من صرفت إليه.
стр. 5676
عن أداء الباقي، طاب للمولى ما أخذه، لأنه لم يأخذه بسبب الصدقة، ولكن بسبب عقد المكاتبة، كمن اشترى الصدقة من الفقير أو ورثها أو هبت له، ومنه قوله ﷺ في حديث بريرة: "هو لها صدقةٌ ولنا هدية". وعند الشافعي ﵁: هو إيجابٌ على الموالي أن يحطوا لهم من مال الكتابة، وإن لم يفعلوا أجبروا. وعن علي ﵁: يحط له الربع. وعن ابن عباس ﵄: يرضخ له من كتابته شيئاً، وعن عمر ﵁: أنه كاتب عبداً له يكنى أبا أمية، وهو أول عبدٍ كوتب في الإسلام، فأتاه بأول نجم، فدفعه إليه عمر وقال: استعن به على مكاتبتك. فقال: لو أخرته إلى آخر نجم. قال: أخاف أن لا أدرك ذلك. وهذا عند أبي حنيفة على وجه الندب، وقال: إنه عقد معاوضة، فلا يجبر على الحطيطة، كالبيع. وقيل: معنى ﴿وَآَتُوهُمْ﴾: أسلفوهم. وقيل: أنفقوا عليهم بعد أن يؤدوا ويعتقوا. وهذا كله مستحب. وروي: أنه كان لحويطب بن عبد العزى مملوكٌ يقال له: الصبيح، سأل مولاه أن يكاتبه فأبى، فنزلت.
كانت إماء أهل الجاهلية يساعين على مواليهن، وكان لعبد الله بن أبي رأس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في حديث بريرة)، وحديثها على رواه البخاري ومسلمٌ ومالكٌ، عن عائشة ﵂، قالت: تصدق على بريرة بلحم، فقال رسول الله ﷺ : "هو لها صدقةٌ ولنا هدية" وفي أخرى لمسلم: أن النبي ﷺ أتي بلحم بقرٍ فقيل: هذا ما تصدق به على بريرة، فقال: "هو لها صدقةٌ ولنا هدية".
قوله: (يساعين على مواليهن)، النهاية: المساعاة: الزنى، وكان الأصمعي يجعلها في الإماء دون الحرائر، لأنهن كن يسعين لمواليهن فيكسبن بضرائب كانت عليهن، يقال: ساعت الأمة: إذا فجرت، وساعاها فلانٌ: إذا فجر بها، وهو مفاعلةٌ من السعي، فأبطل الإسلام ذلك، ولم يلحق النسب بها، وعفا عما كان منها في الجاهلية ممن ألحق بها.
قوله: (وكان لعبد الله بن أبي)، الحديث من رواية مسلم وأبي داود، عن جابر، أن جاريةً
стр. 5677
النفاق ست جوار: معاذة، ومسيكة، وأميمة، وعمرة، وأروى، وقتيلة، يكرههن على البغاء، وضرب عليهن ضرائب، فشكت ثنتان منهن إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت. ويكنى بالفتى والفتاة عن العبد والأمة، وفي الحديث: "ليقل أحدكم: فتاي وفتاتي، ولا يقل: عبدي وأمتي". والبغاء: مصدر البغي. فإن قلت: لم أقحم قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾؟ قلت: لأن الإكراه لا يتأتى إلا مع إرادة التحصن، وآمر الطيعة المواتية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لعبد الله بن أبي يقال لها مسيكة، وأخرى يقال لها أميمة، كان يريدهما على الزنى، فشكتا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ الآية.
قوله: (وفي الحديث: "ليقل أحدكم: فتاي")، روى الإمام أحمد بن حنبل، عن أبي هريرة: "لا يقل أحدكم: ربي، وليقل: سيدي، ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي أمتي، وليقل: فتاي فتاتي غلامي".
قوله: (لم أقحم قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾؟ )، يريد أن النهي عن إكراههن مطلق، فلم قيده بقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾؟ وذلك يوهم أن النهي عن الإكراه ينتفي إذا لم توجد إرادة التحصن وهو ليس بمراد، وهذا مبنيٌ على أن المعلق بلفظ ﴿إِنْ﴾ على الشيء، يعدم عندهم عدم المعلق به بشهادة إجماع إهل اللغة أن كلمة ﴿إِنْ﴾ للشرط، والشرط هو ما ينتفي الحكم عند انتفائه. وأجاب أن الإكراه إنما يتصور إذا أردن التحصن، وإذا أردن البغاء، فلا إكراه إذن، على أن كلمة ﴿إِنْ﴾ الدالة على الشك وخلو الجزم مؤذنةٌ بأنهن كن راغباتٍ في الزنى.
الانتصاف: لم يذكر جواباً شافياً، وعندي أنه للإيقاظ، لأن السامع ينبغي أنه يحترز من هذه الرذيلة وإن لم يكن زاجرٌ شرعيٌ، إشعاراً بأن أمته خيرٌ منه، ولولا هذا لما قوي الزاجر النفسي، وقلت: ويقوي هذا التأويل التعريض في قراءة ابن عباس: لهن غفورٌ رحيم.
стр. 5678
للبغاء لا يسمى مكرهاً، ولا أمره إكراهاً. وكلمة ﴿إِنَّ﴾ وإيثارها على "إذا" إيذانٌ بأن المساعيات كن يفعلن ذلك برغبةٍ وطواعية منهن، وأن ما وجد من معاذة ومسيكة من حيز الشاذ النادر.
﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لهم، أو: لهن، أو: لهم ولهن، إن تابوا وأصلحوا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الإمام: ومن الناس من ذكر فيه جواباً آخر وهو: أن في الغالب أن الإكراه لا يحصل إلا عند إرادة التحصن والكلام الوارد على سبيل الغالب لا يكون له مفهوم الخطاب، كما أن الخلع يجوز في غير حالة الشقاق، ولما كان الغالب في حال الشقاق قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وكذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١]، والقصر لا يختص بحال الخوف، لكن أجراه على سبيل الغالب.
قوله: (لهم، أو لهن، أو: لهم ولهن)، يريد أن ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مطلقٌ، والقرينة الدالة على التقييد ﴿وَلَاتُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾، فيجوز أن يقيد بالمكرهين إذا تابوا وبالمكرهات، أو بكليهما جميعاً، وقلت: يجوز أن يتركا على إطلاقهما فيدخلوا فيه دخولًا أولياً، قال القاضي: الثاني أوفق للظاهر ولما في مصحف ابن مسعودٍ: من بعد إكراههن لهن غفورٌ رحيمٌ، ولا يرد عليه أن المكرهة غير آثمةٍ فلا حاجة إلى المغفرة، لأن الإكراه لا ينافي المؤاخذة بالذات، ولذلك حرم على المكره القتل ووجب عليه القصاص.
وقلت: فعلى هذا: في قوله: فإن الله من بعد إكراههن لهن" وعيدٌ شديد، وتهديدٌ عظيمٌ للمكره، وذلك الغفران والرحمة تعريضٌ، ويؤيد إيراد الجزاء على سنن الإخبار، والإطناب بذكر ﴿مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾ يعني انتبهوا أيها المكرهون، أنهن مع كونهن مكرهاتٍ بنحو القتل وإتلاف العضو، يؤاخذن على ما أكرهن لولا أن الله غفورٌ رحيمٌ فيتجاوز عنهن، فكيف
стр. 5679
وفي قراءة ابن عباس: (لهن غفورٌ رحيم).
فإن قلت: لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهن، لأن المكرهة على الزنى بخلاف المكره عليه في أنها غير آثمة. قلت: لعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة- من إكراهٍ بقتل، أو بما يخاف منه التلف أو ذهاب العضو، من ضربٍ عنيفٍ أو غيره- حتى تسلم من الإثم، وربما قصرت عن الحد الذي تعذر فيه فتكون آثمة.
[﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٣٤].
(مبينات): هي الآيات التي بينت في هذه السورة وأوضحت في معاني الكلام والحدود. ويجوز أن يكون الأصل مبيناً فيها فاتسع في الظرف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمن يكرههن؟ مثله قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٢].
قوله: (وفي قراءة ابن عباس: "لهن غفورٌ رحيم")، قال ابن جني: وقرأها سعيد بن جبير، وقال: "لَهُنَّ": متعلق بـ "غفور"، لأنه أدنى إليها، ولأن "فعولاً" أقعد في التعدي من فعيل. ويجوز أن يتعلق بـ "رحيم"، لأجل حرف الجر إذا قدر خبراً بعد خبر، ولم يقدر صفةً لـ "غفور"، لامتناع تقدم الصفة على موصوفها، والمعمول إنما يصح وقوعه حيث يقع عامله، وليس الخبر كذلك، وأيضاً، يحسن في الخبر، لأن رتبة الرحمة أعلى من رتبة المغفرة، ولأن المغفرة مسببةٌ عنها، فكأنها مقدمةٌ معنى وإن تأخرت لفظاً. هذا تخليص كلام ابن جني.
قوله: (فاتسع في الظرف)، أي: أجري مجرى المفعول به، كقوله: ويومٍ شهدناه، أي: آياتٍ مبينات فيها الأحكام والحدود.
стр. 5680
وقرئ بالكسر، أي: بينت هي الأحكام والحدود، جعل الفعل لها على المجاز، أو من: بين، بمعنى: تبين، ومنه المثل: قد بين الصبح لذي عينين. ﴿وَمَثَلًا مِنَ﴾ أمثال من (قبلكم)، أي: قصةً عجيبةً من قصصهم، كقصة يوسف ومريم، يعني: قصة عائشة ﵂.
﴿وَمَوْعِظَةً﴾: ما وعظ به في الآيات والمثل، من نحو قوله: ﴿وَلَا تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]، ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور: ١٢]، ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور: ١٦]، ﴿يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ [النور: ١٧].
[﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣٥].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ بالكسر)، ابن عامرٍ وحمزة وحفصٌ والكسائي في الموضعين هنا وفي "الطلاق"، والباقون: بالفتح.
قوله: (جعل الفعل لها على المجاز)، كقوله:
إذا ردعا في القدر من يستعيرها؟
قوله: (قد بين الصبح لذي عينين)، قال الميداني: "بين" هاهنا بمعنى: تبين، يضرب للأمر الذي يظهر كل الظهور.
قوله: (ما وعظ به في الآيات والمثل)، يريد أن قصة عائشة ﵂ مثل قصة
стр. 5681
نظير قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مع قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ و ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾: قولك: زيدٌ كرمٌ وجود، ثم تقول: ينعش الناس بكرمه وجوده. والمعنى: ذو نور السماوات، وصاحب نور السماوات، ونور السماوات والأرض الحق، شبهه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يوسف ومريم في أنهما بما قرفا، فكانا بريئين منه، وكانت أيضاً موعظةً للمؤمنين في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لما أدمج فيها ذلك الأدب الحسن، وفيها قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ وأكثرها مواعظ وسائر آيات السور من نحو: ﴿وَلَا تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، وقوله: ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، وغير ذلك، وهذه الآية عامةٌ لكن يدخل فيها هذه المعاني دخولاً أولياً.
قوله: (نظير قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مع قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ و ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾: قولك: زيدٌ كرمٌ وجود، ثم تقول: ينعش الناس بكرمه وجوده، يريد: أن نسبة ارتباط هذه الجمل بعضها مع بعض، كنسبة ارتباط الجملتين في المثال، وكذا حمل الخبر على المبتدأ في الآية كحمله في المثال. فإن قلت: المثال ذو جملتين، والآية ذات جمل ثلاث؟ قلت: إذا جعل قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ إلى أخرها يتصل به مبيناً لما سبق، فإن البيان والمبين متحدان في الاعتبار، ثم استؤنف بقوله: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ لينطبق عليه المثال، فإن قوله: ينعش الناس بكرمه مثل قوله: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾، وحين لم يفتقر كرمٌ وجودٌ إلى البيان تركه.
قوله: (ينعش الناس بكرمه)، أي: يرفعهم ويصلح حالهم. وأصله: من نعشة العاثر، وفي بعض الأدعية المأثورة: يا ناعش الضعيف، يا مغيث اللهيف، ويا منتهي رغبة الوضيع والشريف.
قوله: (ونور السماوات والأرض الحق)، أي: المراد بالنور: الحق، يدل عليه قوله: "شبهه بالنور"، أي: شبه الحق بالنور، والمراد بالحق: كونهما دليلين على وجود فاطرهما، وعظمة مبدعهما، وكمال قدرة منشئهما، قال الله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] أي: ما خلقته إلا حقاً. ويؤيده قوله:
стр. 5682
بالنور في ظهوره وبيانه، كقوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]: أي: من الباطل إلى الحق.
وأضاف النور إلى السماوات والأرض لأحد معنيين: إما للدلالة على سعة إشراقه وفشو إضاءته حتى تضئ له السماوات والأرض. وإما أن يراد أهل السماوات والأرض، وأنهم يستضيئون به.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"شبهه بالنور في ظهوره وبيانه"، أي: جعله مبيناً ودليلاً على وحدانيته، ومآل المعنى: الله جاعلهما دليلين على وحدانيته، كما نقل عن بعضهم: الله مدلول السماوات والأرض. ولما احتاج الاستدلال بهما إلى الذهن الثاقب، والفكر الصائب الذي لا يلويه الباطل يميناً وشمالاً، جعل المشبه به في كوةٍ، ليؤذن أن المستضيء به إنما ينتفع إذا انتصب محاذياً له قبلاً إياه، وكذلك المستدل ينبغي أن يكون على الصراط المستقيم، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وإليه الإشارة بقوله: "ولم يذهب عن الجادة الموصلة إليه يميناً وشمالاً".
فإن قلت: تفسيره لقوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بقوله: "للدلالة على سعة إشراقه وفشو إضاءته" غير مطابقٍ لقوله: "إن المصباح إذا كان في مكانٍ متضايقٍ كالمشكاة، كان أضوأ له، وأجمع لنوره"، بخلاف المكان الواسع، فإن الضوء ينبث فيه وينتشر والواجب الموافقة بين ما يجتمع فيه المشبه والمشبه به من المعنى؟ قلت: إنما يكون كذلك أن لو كان وجه الشبه سعة الإشراق وفشوه، وإنا الوجه فرط الضياء وقوة الإنارة. والحاصل أن شبه نور الله الفاشي في قوة ظهوره بالنور المستفاد من المصباح الذي هو في المشكاة، والمراد بالفشو والانتشار: كثرة الدلائل وظهور آثار وحدانيته في الملكوت.
قوله: (وإما أن يراد أهل السماوات والأرض)، وهو ينظر إلى تأويل ابن عباس على ما رواه محيي السنة عنه: الله هادي أهل السماوات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة ينجون. وقال الإمام: الله هادي أهل السماوات والأرض، قول
стр. 5683
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ابن عباس والأكثرين. وقال أيضاً: القول بأن المراد بالنور: الهدى هو المختار، لأنه مطابقٌ لما قبله، وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾. وأقول- والعلم عند الله-: إن هذه الآية مما خاض فيها العارفون والنحارير من العلماء، وبلغت أقوالهم مبلغاً عظيماً، وكلٌ تكلم على مقدار بضاعته، وجاء بما في وسعه وطاقته ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠].
هذا، وإن من جبلة من أفنى عمره في تحصيل صناعةٍ أن تتحرك أريحيته إذا ما لاحت له من تلك الصناعة لمعهٌ، ومما تصديت له، وأفنيت فيه صالح عمري معرفة الفصاحتين، ومراعاة الموافقة بين الطلبتين، أعني المقام والكلام، وكثيراً ما كانت تصدم القريحة معاني هذه الآية إذا حاولت لاقتداح زندها، وانتشاق زبدها مع ما يندبني إليه أخص إخواني في الدين وأخلص أخداني في طلب اليقين، ولما اعتقدت أن التجاسر على كلام الله المجيد، والتجاسر له والتشمير للخوض فيه، مع قلة البضاعة، من أعظم ما يلزم المرء من الغرامة، كنت أقدم رجلاً وأوخر أخرى إلى أن وافق لتحريك القلم شدة الغرام، فاضطرت إلى إبراز هذه الصبابة من تلك الضبابة، فإن صادفها الحق فهو المرام، وإلا فإني أستغفر الله على ما بدا مني أولاً وآخراً.
أقول: الواجب على مقتني صناعة البلاغة تعيين المقام، وتحرير الكلام، لتنقيح المرام. وتحرير ما نحن فيه: أن نبين أولاً أن النور ما هو؟ وما يقتضيه المقام من التأويل، فإذا تعين ذلك ينظر بعد ذلك في حقيقة هذا التشبيه، فإنه من أي قبيلٍ هو؟ أمن المركب العقلي أو الوهمي، أو الحسي، أم من المفرق الحسي أو العقلي، وعلى تقدير كونه مفرقاً فالمشبهات المقدرة ما هي؟ وما التي يجب تصحيحها حتى تقابل بالمذكورات؟ وتنصيصها من أعظم الشؤون، والتقصي من ذلك لا يستتب إلا بعون الله تعالى وتوفيقه، وإلا بلطفه وتسديده. فالكلام مرتبٌ على مطلبين:
стр. 5684
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المطلب الأول: في الكشف عن حقيقة هذه النور:
والقول الجامع فيه ما أورده القاضي في "تفسيره" واختصره من كلام الإمامين: حجة الإسلام، والإمام فخر الدين، ولخصه: النور في الأصل: كيفيةٌ تدركها الباصرة أولًا، وبوساطتها تدرك سائر المبصرات ثانياً، كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما، ويوافقه تفسير أهل اللغة: النور: الضياء. وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى إلا بتقدير مضاف، كقولك: زيدٌ كرمٌ أي: ذو كرم، أو على تجوز، وهو على وجوهٍ:
أ- منور السموات والأرض، لأن الله تعالى نورهما بالكواكب وما يفيض عنها من الأنوار، وبالملائكة والأنبياء.
ب- مدبرهما، من قولهم للرئيس الفائق في التدبير: نور القوم، لأنهم يهتدون به في الأمور.
ج- موجدهما، فإن النور ظاهرٌ بذاته، مظهرٌ لغيره، وأصل الظهور هو الوجود، كما أن أصل الخفاء هو العدم، والله تعالى موجودٌ بذاته، موجدٌ لما عداها.
د- الذي به يدرك، أو يدرك أهلها، ومن ثم أطلق النور على الباصرة لتعلقها به، أو لمشاركتها له في توقف الإدراك عليه ثم على البصيرة، لأنها أقوى إدراكاً، فإنها تدرك نفسها وغيرها من الكليات والجزئيات الموجودات والمعدومات، وتغوص في بواطنها وتتصرف فيها بالتركيب والتحليل، ثم إن هذه الإدراكات ليست لذاتها وإلا لما فارقتها، وهي إذن من سبب يفيضها عليه، وهو الله تعالى، أو بتوسط من الملائكة والأنبياء. ويقرب منه قول ابن عباس: هادي من فيهما، فهم يهتدون بنوره.
وقلت: قول ابن عباس من واد، وهذا من واد، فإن لو حبر الأمة من وادي طور سيناء، وهذا من وادٍ يهيم فيه ابن سيناء، فإن معنى قوله: الله هادي العالمين ومبين ما
стр. 5685
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يهتدون به ويتخلصون من ظلمات الكفر والضلالات وورطات الزيغ والجهالات بوحي ينزله، ونبي يبعثه.
وقد تقرر أن التأويل الذي عليه التعويل ما ساعد عليه النظم. وروينا عن محيي السنة في "المعالم" أنه قال: التأويل صرف الآية إلى معنى محتملٍ موافقٍ لما قبلها ولما بعدها غير مخالفٍ للكتاب والسنة، من طريق الاستنباط.
وعلى مقتضى هذه القضية وجب النظر في هذه الآية إلى السباق والسياق، أما السباق فكما قال الإمام: هو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾، وبيانه أنها جاءت رابطةً لقصة براءة ساحة حجاب رسول الله ﷺ أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق ﵄ بقوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، كما فسره المصنف، وتخلصاً منها إليه، وقد كرر هذا المعنى في هذه السورة الكريمة مراراً ترجيعاً إلى ما هو مهتمٌ به وتخلصاً إلى ما ينبغي أن يشرع فيه. منها: قوله تعالى في فاتحة السورة: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. ومن ثم جاء في هذا المقام مفصولاً استئنافاً على بيان الموجب، امتناناً على المنزل عليهم، كأنه قيل: إنما أنزل الله إليكم هذه الآيات ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم وموعظةً للمتقين، لأنه هادي أهل السموات وأهل الأرض بإنزال الآيات البيانات والكتاب المنير المشتمل على ما تأتون به وتذرون، ففيه مع الامتنان تعظيم شأن الرسول ﷺ ، حيث استشهد لبراءة حجابه بمثل هذه الآية الكريمة الجامعة، وفي جعل تلك الآية تخلصاً لهذه، وإنها من الجوامع المحتوية على الأمهات، فإن قوله: ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾ يشتمل على جميع ما يستحق أن يبين من أصول الدين وفروعه.
وقوله: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ منبئٌ عن أحوال سائر الأمم الخالية، والرسل الماضية، ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ منبئةً عن جميع الآيات المنذرات والمبشرات. واختصاص المتقين، لأنهم الجامعون بين ما يجب أن يؤتى به، ويتحرز منه، دلالةٌ بينةٌ على صحته ما ذهبنا إليه. ثم
стр. 5686
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الانتقال من ضمير التعظيم إلى اسم الذات والحضرة الجامعة خطبٌ جليل وخطرٌ خطير وإيذانٌ بأن تلك الهداية أيضاً جامعةٌ لما يناط به أمور الدين من بعثة الرسل وإنزال الكتب وغير ذلك. وأما السياق فإن قوله تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾ جاء مفصولاً للاستئناف، وبيان أن الله يختص بتلك الهداية من يشاء من خواص حضرته، وأن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾، ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ جاء مقابلاً لهذه الآيات، والمعنى: أن أعمالهم الصالحة التي لم تكن مقتبسةً من مشكاة النبوة ضائعةٌ، ألا ترى كيف أوقع قوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ تنبيهاً على أن الكافر كان فاقد ذلك النور عند عمله؟ " وقال محيي السنة: أراد بالظلمات: أعمال الكفار، وبالبحر اللجي: قلبه، وبالمموج يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة، وبالسحاب: الطبع والرين على قلبه.
وقلت: قوله: " ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ مقابلٌ لقوله: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾، ولهذا ختمها بقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾. وعن الإمام: قال الأصحاب: إنه تعالى لما وصف هداية المؤمن بأنها في نهايةٍ من الجلاء والظهور عقبها بأن قال: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، ولما وصف ضلالة الكافر بأنها في نهاية الظلمة عقبها بقوله: " ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ مظهراً أن المراد بالنور: الهاية بإنزال الكتب، وإرسال الرسل، شبهها في ظهورها في نفسها والبيان والجلاء، وفي كونها مبيناً لغيرها مما يناط به أمر الدين بالنور، لأنه ظاهرٌ في نفسه، مظهرٌ لغيره.
والمطلب الثاني: في الكشف عن حقيقة التمثيل.
قال القاضي: وقد ذكر في معنى التمثيل وجوهٌ:
أ- تمثيلٌ للهدى الذي دل عليه الآيات البينات في جلاء مدلولها وظهور ما تضمنه من الهدى بالمشكاة المنعوتة.
стр. 5687
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ب- تشبيه الهدى من حيث إنه محفوف بظلمات أوهام الناس وخيالاتهم بالمصباح.
ج- تمثيلٌ لما نور الله به قلب المؤمن- من المعارف والعلوم- بنور المشكاة المنبث فيها مصباحها، ويؤيده قراءة أبي: "مثل نور المؤمن".
د- تمثيل ما منح الله به عباده من القوى الدراكة الخمس المترتبة التي ينوط بها المعاش والمعاد، وهي: الحساسة التي تدرك المحسوسات والخيالية التي تحفظ صور تلك المحسوسات لتعرضها على القوة العقلية متى شاءت، والعاقلة التي تدرك بها الحقائق الكلية، والمفكرة التي تؤلف المعقولات لتنتج منها علم ما لا يعلم، والقوة القدسية التي تنجلي فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت المختصة بالأنبياء والأولياء، المعنية بقوله: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] بالأشياء المذكورة في الآية، وهي المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت، فإن الحساسة كالمشكاة، لأن محلها كالكوى، ووجها إلى الظاهر، ولا تدرك ما وراءها، وإضاءتها بالمعقولات لا بالذات، والخيالية كالزجاجة في قبول صور المدركات من الجوانب، وضبطها للأنوار العقلية، وإنارتها بما يشتمل عليها من المعقولات. والعاقلة كالمصباح، لإضاءتها بالإدراكات الكلية، والمعارف الإلهية.
والمفكرة كالشجرة المباركة، لتأديها إلى ثمرات لا نهاية لها. والزيتونة المثمرة للزيت الذي هو مادة المصابيح، التي لا تكون شرقيةً ولا غربيةً، لوقوعها بين الصور والمعاني متصرفةً في القبيلين، منتفعة من الجانبين، والقوة القدسية كالزيت، فإنها لضيائها وشدة ذكائها تكاد تضيء بالمعارف من غير تفكرٍ ولا تعليم.
وقلت: الوجه الأول: من التشبيه المركب العقلي، لأن الوجه مأخوذٌ من الزبدة
стр. 5688
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والخلاصة، ولهذا قال في جلاء مدلولها: وإليه ميل المصنف في الوجه الأول، حيث قال: "ونور السموات والأرض الحق شبهه بالنور في ظهوره وبيانه"، وقال أيضاً: "صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة"، فجعل الوجه الإضاءة، ألا ترى كيف اعتبر الزبدة بقوله: "هذا الذي شبهت به الحق نورٌ متضاعفٌ" إلى آخره؟
والوجه الثاني: من المركب الوهمي، حيث تصور في المشبه الحالة المنتزعة من المشبه به، وهي قوله: من حيث إنه محفوفٌ بظلمات أوهام الناس وخيالاتهم.
والوجه الثالث: من التشبيه المفرق الذي يتكلف فيه للمشبه أشياء متعددةٌ مناسبةٌ لما في المشبهات بها، لكنه مبنيٌ على أصول الحكماء، والمقام ينبو عنه كما ترى.
والوجه الرابع الذي عليه قراءة أبي أقرب، وللمقصود أدعى، ولكن يفتقر إلى فضل تقرير، وذلك أنه لما تقرر في المطلب الأول أن المراد بالنور: الهداية بوحي ينزله ورسولٍ يبعثه، فالواجب أن لا يتجاوز عن حديث الوحي والموحى إليه، فالمشبهات المناسبة صدر الرسول ﷺ وقلبه، واللطيفة الربانية فيه والقرآن نفسه وما يتأثر منه القلب عند استمداده، فهذه مراتب خمسٌ مفيضةٌ ومستفيضةٌ على ترتيب فيض الله على العباد، ومن أراد الوصول فهذه السبيل، وإلا فـ ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾.
وأما التفصيل فإنه شبه صدره صلوات الله عليه بالمشكاة، لأنه كالكوى ذو وجهين فمن وجه يقتبس النور من القلب المستنير، ومن آخر يقتبس ذلك النور المقتبس على الخلق، وذلك لاستعداده بانشراحه مرتين: مرةً في صباه وأخرى عند إسرائه، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، هذا تشبيهٌ صحيحٌ قد اشتهر عند جماعةٍ من المفسرين.
стр. 5689
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روى محيي السنة عن كعب: هذا مثلٌ ضربه الله لنبيه ﷺ : المشكاة: صدره، والزجاجة: قلبه، والمصباح فيه: النبوة، توقد من شجرةٍ مباركةٍ هي شجرة النبوة.
وروى الإمام عن بعضهم: أن المشكاة: صدر محمدٍ صلوات الله وسلامه عليه، والزجاجة: قلبه، والمصباح: ما في قلبه من الدين.
وفي "حقائق السلمي" عن أبي سعيد الخراز: المشكاة: جوف محمدٍ، والزجاجة: قلبه، والمصباح: النور الذي فيه. ومنه خطبة "المصابيح": من مصابيح خرجت عن مشكاة التقوى. وشبه قلبه صلوات الله عليه بالزجاجة المنعوتة بالكوكب الدري لصفائه وإشراقه، وخلوصه من كدورة الهوى، ولوث النفس الأمارة، وانعكاس نور اللطيفة إليه. وشبهت اللطيفة القدسية المزهرة في القلب بالمصباح الثاقب.
روينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن أبي سعيدٍ الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ "القلوب أربعةٌ: قلبٌ أجرد، فيه مثل السراج يزهر". وفيه: "أما القلب الأجرد فقلب المؤمن، سراجه فيه نوره". الحديث، وأورده شيخنا الإسلام أبو حفصٍ السهر وردي قدس الله تعالى سره في "العوارف" مستشهداً لما سنح له في المعنى الروح والقلب والنفس:
стр. 5690
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولهذا المعنى سماه الله تعالى سراجاً في قوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦]، أي: سراجاً يستضاء به في ظلمات الجهالة ويقتبس من نوره أنوار البصائر، وشبه نفس القرآن بالشجرة المباركة لثبات أصلها، وتشعب فروعها، وتأديها إلى ثمراتٍ لا نهاية لها. قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥] الآية. وروى محيي السنة عن الحسن وابن زيد: الشجرة المباركة شجرة الوحي، ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾: تكاد حجة القرآن تتضح وإن لم يقرأ وقيل: هي شجرة النبوة. وقال صاحب "إنسان العين": الشجرة: القرآن لا كذبٌ ولا هزء، يكاد يطرب السامع نظمه قبل فهمه، وشبه ما يستمده نور قلبه صلوات الله عليه وسلامه من القرآن وابتداء تقويه منه بالزيت الصافي، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، فكما جعله سبب توقده منه في قوله: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ جعل ضوءه مستفاداً من انعكاس نور اللطيفة إليه في قوله: ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾، والمعنى ما ذكر في "إنسان العين": يكاد سر القرآن يظهر للخلق قبل دعوة النبي ﷺ به، وفيه مسحةٌ من معنى قوله:
رق الزجاج ورقت الخمر … فتشابها وتشاكل الأمر
فكانها خمرٌ ولا قدحٌ … وكأنها قدحٌ ولا خمر
ومنه وصفت بكونها لا شرقيةٍ ولا غربيةٍ، قال الحسن: ليست هذه من أشجار الدنيا، ولو كانت في الدنيا لكانت شرقيةً أو غربيةً، وإنما هو مثلٌ ضربه الله لنوره. رواه محيي السنة. أو نأخذ في مشرع آخر، وهو أن يشبه القرآن بالمصباح على ما سبق، ونفسه الزكية
стр. 5691
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الطاهرة صلوات الله على صاحبها بالشجرة لكونها ثابتةً من أرض الدين، متشعبةً فروعها إلى سماء الإيمان، متدليةً أثمارها إلى فضاء الإخلاص والإحسان، وذلك لاستقامتها بمقتضى قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] غير مائلةٍ إلى طرفي الإفراط والتفريط، ألا ترى إلى قول الحسن: جعل الله الدين بين لاءين ولا تطغوا ولا تركنوا، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾. ويشبه ما محض من تلك الثمرات بعد التصفية التامة للتهيئة، وقبول تلك الأنوار بالزيت الصافي، لوفور قوة استعدادها للاستضاءة، وهي الدهنية القابلة للاشتعال، ومن ثم خصت شجرة الزيتون لأن لب ثمرتها الزيت الذي تشتعل به المصابيح، وخص هذا الدهن لمزيد إشراقه مع قلة الدخان، يكاد زيت استعداه صلوات الله وسلامه عليه، لصفائه وذكائه، يضيء ولو لم يمسه نور القرآن. روى محيي السنة، عن محمد بن كعبٍ القرظي: تكاد محاسن محمدٍ صلوات الله عليه تظهر للناس من قبل أن أوحي إليه. قال ابن رواحة:
لو لم تكن فيه آياتٌ مبينةٌ … كانت بداهته تنبيك عن خبر
وفيه: أن قلبه المطهر يشرق من نور القرآن، ومشكاة صدره تهدي الناس إلى السبيل السوي بواسطة استقامة نفسه الزكية على الصراط المستقيم وتهيئتها لقبول تلك الأنوار، وفيه مسحةٌ من معنى قوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، وفي "حقائق السلمي": مثل نوره في [قلب] عبده المخلص [كمشكاة]، والمشكاة: القلب، والمصباح: النور الذي قذف فيه، والمعرفة تضيء في قلب العارف بنور التوفيق في مصباح النور، توقد من شجرةٍ مباركةٍ تضيء على شخص مبارك تتبين أنوار باطنه على آداب ظاهره، وحسن معاملته، زيتونةٍ لا شرقية ولا غربية، جوهرةٍ صافيةٍ لا لها حظٌ في الدنيا ولا في
стр. 5692
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الآخرة، لاختصاصها بموالاة العزيز الغفار وتفردها بالفرد الجبار. قال الواسطي: نفسٌ خلقها الله فسماها شجرةً مباركةً وقال: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ لا دنيويةٍ ولا أخروية، جذبها إلى قربه، وأكرمها بضيائه، يكاد ضياء روحها يتوقد ولو لم يسمع كتاباً ولم يدعه نبيٌ. وقال الجنيد: لا شرقيةٍ ولا غربيةٍ: لا هي مائلةٌ إلى الدنيا ولا راغبةٌ في الآخرة، ولكنها فانية الحظ من الأكوان. وقلت: وعند هذا نمسك عنان القلم وننادي بلسان الاضطرار: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] فإن قلت: لم زعمت أن التشبيه من المفرق؟ قلت: التكرير فيه يستدعي ذلك، لأنها من باب الترديد، وهو: تكرير المعنى لتعليق الزائد عليه تقريراً واعتناءً، قال:
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها … لو مسها حجرٌ مسته سراء
فقيل: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ﴾ ثم قيل: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، وقيل: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ ثم قيل: ﴿فِيهَا﴾ أي: في المشكاة: وقيل: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ ثم أعيد المصباح، وقيل: ﴿فِي زُجَاجَةٍ﴾ ثم أعيد الزجاجة، وشبهت بالكوكب الدري لينبه به على كمال إشراق اللطيفة، يعني: إذا بلغ إشراق الزجاجة المستفيضة إلى هذه الغاية فما ظنك بالمصباح المفيضة ونورها؟ وكذا ﴿زَيْتُونَةٍ﴾: تكريرٌ لمعنى الشجرة لإناطة ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ بها. قال أبو البقاء: ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بدلٌ من ﴿شَجَرَةٍ﴾.
و﴿يَكَادُ زَيْتُهَا﴾: تكريرٌ مع البيان لما أجمل من معنى الزيت في قوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. وأما النور المتضاعف في قوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ فنور صدره ﷺ ،
стр. 5693
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ونور قلبه، ونور اللطيفة ونور القرن، وهذا التكرير والتقرير والمتممات توقفك على استقلال كل مرتبةٍ في معنى الإضاءة والاستضاءة، وأن التشبيه من باب التفريق، لا من باب أخذ الزبدة ولا التمثيل، وإلا فالظاهر أن يقال: مثل نوره كمصباح في زجاجةٍ في مشكاة، وإنما لم يقل: كمشكاةٍ فيها زجاجةٌ فيها مصباح على الترتيب السابق، فإن الكوة حاويةٌ للزجاجة وهي المصباح، ليلوح به إلى أن المطلوب المصباح، وأن الزجاجة تابعةٌ، وأن المقصود من القلب ذلك النور المقذوف فيه ولولاه لكان مضغةً لا يعبأ بها، ومن ثم جعل فاقدة فاقد القلب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، ولاحتجاب ذلك الهدى بهذه الحجب النورانية، ولكل منها ظهرٌ وبطنٌ، وحدٌ ومطلعٌ قلما يهتدي إليه إلا من اتبع رضوانه سبل السلام ليهديه إلى صراطٍ مستقيم، وفي قوله: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ الإشعار بأن هذه تقريباتٌ وتلويحاتٌ بحسب الاستعدادات، وأن بيان نوره الحقيقي لا يسعه نطاق التحرير، لكن الله بعلمه الواسع يعلم حقيقته والله بكل شيء عليم.
وما أحسن طباق هذا التأويل مع قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]، فقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ كقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ الآية، لكونهما للامتنان على المنزل إليهم، والتنبيه على عظم شأن هذه النعمة لتتلقى بالشكر الواجب.
وقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ كقوله تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
وأما قوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ الآية، فعطفٌ على سبيل التفسير على قوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾، وفي إيقاع ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ مفعولاً
стр. 5694
﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي: صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ كصفة مشكاة، وهي الكوة في الجدار غير النافذة ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾: سراجٌ ضخمٌ ثاقب ﴿فِي زُجَاجَةٍ﴾ أراد قنديلاً من زجاج شاميٍّ أزهر. شبهه في زهرته بأحد الدراري من الكواكب، وهي المشاهير، كالمشتري والزهرة والمريخ وسهيلٍ ونحوها. ﴿يُوقَدُ﴾ هذا المصباح ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ أي: ابتداء ثقوبه من شجرة الزيتون، يعني: رويت ذبالته بزيتها. ﴿مُبَارَكَةٍ﴾: كثيرة المنافع. أو: لأنها نبتت في الأرض التي بارك فيها للعالمين. وقيل: بارك فيها: أي: هذه الأرض، حيث دفن فيها سبعون نبياً، منهم إبراهيم. وعن النبي ﷺ : "عليكم بهذه الشجرة زيت الزيتون فتداووا به، فإنه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليهدي، وجعله موصولاً، صلته ﴿اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ وجعل ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ مفعولاً فيه، و ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ هي المشكاة، والزجاجة والمصباح والشجرة أسرارٌ أدناها الإشعار بأن السالك لا ينفعه سلوكه إذا لم يخلص فيه، ولم يتبع رضوان الله تعالى، ولما أن متابعة الرضوان، وسلوك سبل السلام سببٌ لهداية الله إياه، أوقعه مفعولاً ليؤذن أن شكر تلك النعمة الخطيرة لا يحصل إلا بمتابعةٍ رضوان الله في سلوك سبل السلام، وأن شكره استزادةٌ لنعمةٍ أخرى أجل منها، ولتقييد تلك الهداية المطلقة، أعني: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، بهذه الهداية المفسرة المعللة، ويقيد الرضوان وسبل السلام المطلقتان بتلك الاستقامة المقيدة بالمجازاة لمشكاة الأنوار، فظهر بهذا التقرير الموافقة بين قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] وقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦] وقوله: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ الآية. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
قوله: (كالمشتري والزهرة والمريخ وسهيل)، ولم يذكر بقية السيارة، وهي: زحل وعطاردٌ والشمس والقمر، وذكر سهيلاً على انه ليس منها، لأنه أراد الكواكب المشهورة عند العرب، وإليه الإشارة بقوله: "وهي المشاهير"، وسهيلٌ من الأسماء التي جاءت مصغرةً كالثريا والكعيب والكميت.
стр. 5695
مصحةٌ من الباسور". ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ أي: منبتها الشام. وأجود الزيتون: زيتون الشام. وقيل: لا في مضحًى ولا مقنأة، ولكن الشمس والظل يتعاقبان عليها، وذلك أجود لحملها وأصفى لدهنها. قال رسول ﷺ : "لا خير في شجرةٍ في مقنأة، ولا نباتٍ في مقنأة، ولا خير فيهما في مضحًى". وقيل: ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها أو غروبها فقط، بل تصيبها بالغداة والعشي جميعاً، فهي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مصحةٌ من الباسور)، النهاية: وفي الحديث: "الصوم مصحةٌ"، يروى بكسر الصاد وفتحها، وهي مفعلةٌ من الصحة: العافية. الجوهري: الباسور، بالسين والصد جميعاً: علةٌ تحدث في مآق العين يسقي فلا ينقطع، وقد تحدث أيضاً في حوالي المقعدة.
قوله: (ولا مقنأة)، المقنأة: المكان الذي لا تطلع عليه الشمس. النهاية: وفي حديث شريك: أنه جلس في مقنوءةٍ له، أي: موضع لا تطلع عليه الشمس، وهي المقنأة أيضاً، وقيل: هما مهموزان.
قوله: (وقيل: ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها أو غروبها فقط)، في "المطلع": هذا كما يقال: فلانٌ لا مقيمٌ ولا مسافر، إذا كان يقيم ويسافر، يريد أنه ليس بمنفردٍ بإقامةٍ ولا سفر، قال الفرزدق:
بأيدي رجالٍ لم يشيموا سيوفهم … ولم تكثر القتلى به حين سلت
يعني: شاموا سيوفهم، وأكثروا بها القتلى. هذا القول اختيار الزجاج.
стр. 5696
شرقية وغربية. ثم وصف الزيت بالصفاء والوبيص، وأنه لتلألؤه ﴿يَكَادُ﴾ يضيء من غير نار. ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ أي: هذا الذي شبهت به الحق نورٌ متضاعفٌ قد تناصر فيه المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت، حتى لم يبق مما يقوي النور ويزيده إشراقاً ويمده بإضاءةٍ بقيةٌ، وذلك أن المصباح إذا كان في مكانٍ متضايق- كالمكشاة- كان أضوأ له وأجمع لنوره، بخلاف المكان الواسع، فإن الضوء ينبث فيه، وينتشر، والقنديل أعون شيءٍ على زيادة الإنارة، وكذلك الزيت وصفاؤه. ﴿يَهْدِي اللَّهُ﴾ لهذا النور الثاقب ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من عباده، أي: يوفق لإصابة الحق من نظر وتدبر بعين عقله والإنصاف من نفسه، ولم يذهب عن الجادة الموصلة إليه يميناً وشمالاً. ومن لم يتدبر فهو كالأعمى الذي سواءٌ عليه جنح الليل الدامس، وضحوة النهار الشامس. وعن علي ﵁: (النور نور السماوات والأرض)، أي: نشر فيها الحق وبثه فأضاءت بنوره، أو: نور قلوب أهلها به. وعن أبي بن كعب: (مثل نور من آمن به). وقرئ: ﴿زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ﴾ بالفتح والكسر، و ﴿دُرِّيٌّ﴾ منسوبٌ إلى الدر، أي: أبيض متلألئ. و (دُرِّيّءٌ) بوزن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: ﴿زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ﴾ بالفتح والكسر)، قال بان جني: قرأ نصر بن عاصم بفتح الزاي فيهما، وفيها ثلاث لغاتٍ: بالفتح والضم والكسر.
قوله: (و ﴿دُرِّيٌّ﴾)، أبو عمرو والكسائي: بكسر الدال والمد والهمزة، وأبو بكرٍ وحمزة: بضم الدال والهمز، والباقون: بضم الدال وتشديد الياء من غير همز. قال ابن جني: قرأ قتادة والضحاك: "دري" مخففةً، وسعيد بن مسيبٍ وغيره: "دُرِّيّء" مفتوحة الدال مشددة الراء مهموزةً، وهذه الأخيرة قراءةٌ غريبةٌ، وذلك أن "فعيلاً" بالفتح وتشديد العين عزيزٌ، وإنما حكى منه السكينة، بفتح السين وتشديد الكاف، حكاها أبو زيد.
وقال الزجاج: والنحويون أجمعون لا يعرفون الوجه في "دُرِّيّء"، لأنه ليس في كلام
стр. 5697
سكيت، يدرأ الظلام بضوئه، و (دُرِّيءٌ) كمريق، و (دُرِّيءٌ) كالسكينة، عن أبي زيد، و (توقد) بمعنى: تتوقد، والفعل للزجاجة، و ﴿يُوقَدُ﴾، و (توقد) بالتخفيف، و (يوقد)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العرب شيءٌ على "فعيل" بضم الفاء وتشديد العين، ولكن الكسر جيدٌ بالهمز على وزن "فعيل" من النجوم الدراري التي تدور، أي: ينحط ويسير متدافعاً، وجاز أن يكون دري بغير همز مخففاً، ولا يجوز أن يضم الدال ويهمز، لأنه ليس في الكلام فعيلٌ. روي عن أبي عبيدٍ أنه قال: أنا أرى له وجهاً، وهو أنه "دروءً" على "فعول" من: درأت، كسبوح، استثقل الضمات، فرد بعضها إلى الكسر كـ ﴿عِتِيًّا﴾.
وفي "اللباب" و "فعيلٌ" غريبٌ ليس له نظيرٌ إلا مريقٌ والعلية، لأنه من: علا يعلو وكذلك السرية عند بعضهم، حكاها أبو علي. وقال الزجاج: مثال ﴿دُرِّيٌّ﴾: فعليٌ، منسوبٌ إلى الدر، من فتح الدال فقال: "دريٌ" كان له أن يهمز ولا يهمز، فمن همز أخذه من: درأ الكواكب يدرأ: إذا تدافع منقضاً، ومن كسر فإنما أصله الهمز فخفف وبقيت كسرة الدال على أصلها.
قوله: (كمريق)، وهو حب العصفر والقرطم بالضم والكسر.
الأساس: ثوب متمرق مصبوغٌ بالمريق، وهو العصفر. وأنشد في السكينة:
تظنينني أقبل سكينةً … هيهات لا أقبل غير العتاق
قوله: (و"توقد" بمعنى: تتوقد)، ابن كثيرٍ وأبو عمرو: "توقد"، بالتاء الفوقانية، وفتح الواو والدال والقاف مشدداً، وأبو بكرٍ وحمزة والكسائي: بالتاء مضمومةً وإسكان الواو وضم الدال مخففاً. والباقون: كذلك إلا أنهم قرؤوا بالياء.
стр. 5698
بالتشديد، و (يوقد) بفتح الياء وحذف التاء، لاجتماع حرفين زائدين، وهو غريب، و (يمسسه) بالياء، لأن التأنيث ليس بحقيقي، والضمير فاصل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و"يوقد" بفتح الياء وحذف التاء)، قال ابن جني: قرأها السلمي والحسن وقتادة وغيرهم. وهي مشكلةٌ، لأن أصله: يتوقد، فحذف التاء لاجتماع حرفين زائدين في أول الفعل، والقياس في هذا إذا كانا مثلين نحو: تفكرون وتذكرون، فكره اجتماع مثلين زائدين، فحذف الثاني للخفة، وليس في "يتوقد" مثلان، لكنه شبه حرف مضارعةٍ بمثله، يعني الياء بالتاء لكونهما زائدتين، كما شبهت التاء والنون في تعد، ونعد بالياء في يعد فحذفت الواو معهما كما حذفت في يعد، ونحوٌ من هذا قراءة ﴿نُجِّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٣]، وهو يريد ﴿نُنْجِ﴾ فحذفت النون الثانية، وإن كانت أصليةً، شبهها لاجتماع المثلين بالزائدة، فشبه هاهنا أصلٌ بزائدٍ لاتفاق اللفظين، كما شبه هنا حرف مضارعةٍ بحرف مضارعةٍ لا للاتفاق، بل لأنهما جميعاً زائدتان.
قوله: (و"يمسسه" بالياء)، قال ابن جني: وهي قراءة ابن عباس، وإنما حسن للفصل، ولأن التأنيث غير حقيقي، وإذا جاز في قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧] مع علامة التأنيث فيها فهو مع النار أمثل.
وأما قولهم: نعم المرأة فإنما جاز وإن كان التأنيث حقيقياً، ولا فصل من قبل إرادة الجنس، لأنها فاعل نعم، والأجناس على الشياع والتنكير، وإذا أضمر الفاعل في فعله وهو مؤنثٌ لم لم يحسن تذكير فعله حسنه إذا كان مظهراً، فإن قولك: قام هندٌ أعذرُ من قولك: هندٌ قام، من قبل أن الفعل منصبغٌ بالفاعل المضمر فيه أشد من انصباغه به إذا كان مظهراً، لأن أصل وضع الفعل: على التذكير.
فإذا قلت: هندٌ قام، فالتذكير الآتي مخالفٌ للتأنيث السابق، فالنفس تعافه بأول استماعه، وقولك: قام هندٌ، فالنفس تقبل التذكير أو استماعه إلى أن يأتي التأنيث.
стр. 5699
[﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٣٦ - ٣٨].
﴿فِي بُيُوتٍ﴾: متعلقٌ بما قبله، أي كمشكاةٍ في بعض بيوت الله، وهي المساجد، كأنه قيل: مثل نوره كما ترى في المسجد نور المشكاة التي من صفتها كيت وكيت، أو بما بعده، وهو ﴿يُسَبِّحُ﴾، أي: يسبح له رجالٌ في بيوت. وفيها تكرير، كقولك: زيدٌ في الدار جالسٌ فيها، أو بمحذوف، كقوله: ﴿فِي تِسْعِ آَيَاتٍ﴾ [النمل: ٢٧]، أي: سبحوا في بيوت. والمراد ب الإذن: الأمر. ورفعها: بناؤها، كقوله: ﴿بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٢٨]، ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾ [البقرة: ١٢٧]. وعن ابن عباس: هي المساجد، أمر الله أن تبني. أو: تعظيمها والرفع من قدرها. وعن الحسن: ما أمر الله أن ترفع بالبناء، ولكن بالتعظيم.
و﴿يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أوفق له، وهو عامً في كل ذكر. وعن ابن عباس: وأن يتلى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿فِي بُيُوتٍ﴾: متعلقٌ بما قبله، أي: كمشكاةٍ في بعض بيوت الله)، فإذن زيد في التشبيه تصوير بيوتٍ مخصوصة، فزيد في تفصيله، وهو على المفرق يزاد على الصدور المنشرحة المشبهة بالمشكاة الأبدان الزكية الطاهرة من أوضار الذنوب، النقية من الأدناس البشرية، كأبدان الأنبياء والأولياء المشبهة بالبيوت التي أذن الله أن ترفع. قال القاضي: ولا ينافي جمع البيوت وحدة المشكاة، إذ المراد بها ما له هذا الوصف بلا اعتبار وحدةٍ ولا كثرة.
قوله: (أو تعظيمها)، عطفٌ على "بناؤها".
قوله: (و ﴿﴿يُذْكَرَ فِيهَا [اسْمُهُ]﴾ أوفق له، وهو عامٌ في كذل ذكر)، أي: أوفق للتعظيم
стр. 5700
فيها كتابه. وقرئ: (يسبح) على البناء للمفعول، ويسند إلى أحد الظروف الثلاثة، أعني: ﴿لَهُ﴾ ﴿فِيهَا﴾ ﴿بِالْغُدُوِّ﴾.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من رفع البناء، قال القاضي: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا﴾ عامٌ فيما يتضمن ذكره حتى المذاكرة في أفعاله، والمباحثة في أحكامه، و ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾، أي: يصلون".
قوله: (وقرئ: "يسبح" على البناء للمفعول)، ابن عامرٍ وأبو بكر، والباقون: على البناء للفاعل.
قوله: (ويسند إلى أحد الظروف الثلاثة، أعني: ﴿لَهُ﴾ ﴿فِيهَا﴾ ﴿بِالْغُدُوِّ﴾، فحينئذٍ يجيء الكلام فيما يتصل بالفعل جزءاً وما ينفصل عنه فضلةٌ، ويتفرغ عليه معنى الاهتمام فيما قدم وأخر ومعنى الإسناد المجازي، فالوجوه ثلاثةٌ، والاعتبارات تسعةٌ، أحدها: أن تجعل الباء في ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ مزيدةً، ويسند الفعل إلى أوقات الغدو والآصال على الإسناد المجازي، لأن الله في الحقيقة هو المسبح، ولكن المسبحين لاهتمامهم بالتسبيح، وأن أوقاتهم مستغرقةٌ فيه، لا يفترون آناء الليل وأطراف النهار، كما قال: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾، كأنها مسبحة. ويؤيده قوله: "على زيادة الباء، وتجعل الأوقات مسبحةً، والمراد ربها". ومنه قولك: زيدٌ نهاره صائم، وليله قائم، لكثرة صيامه بالنهار، وقيامه بالليل، فالتقديم إذن في الفضلات، لأن الأصل تقديم المسند إليها عليها، وتقديم المفعول فيه على المفعول له، لأن الغايات سابقةٌ في القصد، لاحقةٌ في الوجود، فقدم ﴿لَهُ﴾ لإرادة مزيد الاختصاص، كأنه قيل: يسبح أوقاته لأجله، وكرامةً لوجهه الكريم، لا لشيءٍ آخر.
ويفيد تقديم ظرف المكان على الزمان- على أن الفعل أشد اتصالاً بالزمان لكونه جزأه- شدة العناية بإيثار تلك الأمكنة التي رفعت لذكر الله تعالى وتسبيحه. فهذه اعتباراتٌ أربعةٌ: اعتبار الإسناد، وتقديم المفعول له على المفعول فيه، وعلى ما أقيم مقام الفاعل، وتقديم ظرف المكان على الزمان.
стр. 5701
و ﴿رِجَالٌ﴾: مرفوعٌ بما دل عليه ﴿يُسَبِّحُ﴾، وهو يسبح له، و: (تسبح) بالتاء وكسر الباء. وعن أبي جعفر بالتاء وفتح الباء، ووجهها: أن يسند إلى أوقات الغدو والآصال على زيادة الباء، وتجعل الأوقات مسبحة، والمراد ربها، كصيد عليه يومان، والمراد وحشهما. والآصال: جمع أصل، وهو العشي. والمعنى: بأوقات الغدو، أي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وثانيها: أن تجعل اللام في ﴿لَهُ﴾ مزيدةً ويسند الفعل إلى الله تعالى بالحقيقة، فالتقديم حينئذٍ في الظرفين على ما سبق، اعتباران: اعتبار الإسناد الحقيقي، وتقديم ظرف المكان على الزمان.
وثالثهما: أن تجعل "في" في ﴿فِيهَا﴾ مزيدةً ويسند الفعل إلى ضمير البيوت على المجازي، وفي ذلك أن المسبحين لشدة عنايتهم بالعكوف في بيوت الله وملازمتهم لها للذكر فيها، واختصاص الصلاة بها كما قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ﴾، كأن البيوت مسبحةٌ، والمراد ربها، واللام في ﴿لَهُ﴾ بمعنى: لأجل، وتقديمه على ما سبق لمزيد الاختصاص، وأن إكرام الديار لساكنها، فالاعتبارات ثلاثة. والله تعالى أعلم.
قوله: (و ﴿رِجَالٌ﴾: مرفوعٌ بما دل عليه ﴿يُسَبِّحُ﴾، قال الزجاج: المعنى على أنه لما قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ قيل: من يسبح؟ فقيل: يسبح له رجال.
قوله: (كصيد عليه يومان)، قيل: الضمير للفرس، وقيل: للمركوب، واليومان: مصيدٌ فيهما، والأوقات مسبحٌ فيها، فهو من قبيل الاتساع في الظروف، كقوله:
ويومٍ شهدناه سليماً وعامراً
قوله: (والمعنى: بأوقات الغدو)، قال القاضي: و"الغدو" مصدرٌ أطلق للوقت، ولذلك حسن اقترانه بـ "الآصال".
стр. 5702
بالغدوات. وقرئ: (والإيصال)، وهو الدخول في الأصيل. يقال: آصل، كأظهر وأعتم. التجارة: صناعة التاجر، وهو الذي يبيع ويشتري للربح، فإما أن يريد: لا يشغلهم نوعٌ من هذه الصناعة، ثم خص البيع، لأنه في الإلهاء أدخل، من قبل أن التاجر إذا اتجهت له بيعةٌ رابحة- وهي طلبته الكلية من صناعته- ألهته ما لا يلهيه شرى شيءٍ يتوقع فيه الربح في الوقت الثاني، لأن هذا يقينٌ وذلك مظنون، وإما أن يسمى الشرى تجارةً، إطلاقاً لاسم الجنس على النوع، كما تقول: رزق فلانٌ تجارةً رابحة، إذا اتجه له بيعٌ صالح أو شرى. وقيل: التجارة لأهل الجلب، تجر فلانٌ في كذا: إذا جلبه. التاء في "إقامة" عوضٌ من العين الساقطة للإعلال، والأصل: إقوام: فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض، فأسقطت، ونحوه:
وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ثم خص البيع)، أي: التجارة، جنسٌ تحته أنواعٌ من الشرى والبيع وغيرهما، فخص البيع بالذكر، كما خص جبريل في قوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]. وقوله: "وهي طلبته الكلية من صناعته" اعتراضٌ بين إ ذا وجوابه.
قوله: (وقيل: التجارة لأهل الجلب)، لمن يجلب الأمتعة من بلدٍ إلى بلدٍ للبيع.
الأساس: جلب الشيء واجتلبه، والجلب مرزوقٌ، واشتر من الجلب، فعلى هذا: لا حاجة إلى ذكر الشرى، فإنه إنما يجلب للبيع لا للشرى.
قوله: (التاء في "إقامة" عوض)، قال الزجاج: أصلها: أقومت الصلاة إقوماً، ولكن قلبت الواو ألفاً، فاجتمعت ألفان فحذفت إحداهما، لالتقاء الساكنين، فبقي أقمت الصلاة إقاماً، وأدخلت الهاء عوضاً من المحذوف، وقامت الإضافة هاهنا في التعويض مقام الهاء المحذوفة.
قوله: (وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا)، صدره:
стр. 5703
وتقلب القلوب والأبصار: إما أن تتقلب وتتغير في أنفسها، وهو أن تضطرب من الهول والفزع وتشخص، كقوله: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]، وإما أن تتقلب أحوالها وتتغير فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعاً عليها لا تفقه، وتبصر الأبصار بعد أن كانت عمياً لا تبصر. ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ أي: أحسن جزاء أعمالهم، كقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦]، والمعنى: يسبحون ويخافون، ليجزيهم ثوابهم مضاعفاً ويزيدهم على الثواب تفضلاً. وكذلك معنى قوله: ﴿الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]: المثوبة الحسنى وزيادة عليها من التفضل.
وعطاء الله : إما تفضل، وإما ثواب، وإما عوض،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن الخليط أجدوا البين فانجردوا
أي: مضوا وأسرعوا. والخليط بمعنى المخالط، والمراد به الجمع، وعد الأمر، أي: العدة.
قوله: (والمعنى: يسبحون ويخافون)، يريد أن قوله: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا﴾ صفةٌ بعد صفةٍ لرجال، والصفة الأولى: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، أي: تسبيح الله لقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾، فذكر الله مظهرٌ وضع موضع المضمر.
قوله: (وكذلك معنى قوله: ﴿الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، يعني: كما أن الزيادة في هذه الآية من الفضل، كذا يجب أن تفسر الزيادة في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، لأن المطلق محمولٌ على المقيد، إذا كانا عن سبب واحد، ولأنه إذا لم يذكر المزيد فوجب أن يكون من جنس المزيد عليه وإن كان من غير جنسه، فلابد من الذكر، كقولك: أعطاني فلانٌ ديناراً وزيادةً، إذا كانت الزيادةُ من جنس الدينار، ولا تقول: أردت بالزيادة الثواب فيبطل تفسير الزيادة بالرؤية كما هو مذهب أهل السنة، ولم يعلم أن الكل من فضله: الجزاء، والزيادة، والرؤية، وغير ذلك، وتفسير الزيادة بالرؤية واردٌ عن الصادق المصدوق كما سبق بيانه.
قوله: (وعطاء الله تعالى إما تفضلٌ وإما ثوابٌ وإما عوض)، فالتفضل على ما سبق.
стр. 5704
﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ﴾ ما يتفضل به ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، فأما الثواب فله حساب، لكونه على حسب الاستحقاق.
[﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ٣٩].
السراب: ما يرى في الفلاة من ضوء الشمس وقت الظهيرة، يسرب على وجه الأرض كأنه ماءٌ يجري. والقيعة: بمعنى القاع، أو جمع قاعٍ، وهو المنبسط المستوي من الأرض، كجيرةٍ في جار.
وقرئ: (بقيعات) بتاء مموطة، كديماتٍ وقيمات، في ديمةٍ وقيمة. وقد جعل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في سورة النحل عن بعض العدلية هو: إيصال منفعةٍ خالصة إلى الغير من غير استحقاقٍ يستحق بذلك حمداً وثناءً ومدحاً وتعظيماً، ووصفٌ بأنه محسنٌ مجملٌ، وإن لم يفعله لم يستوجب بذلك مدحاً وذماً. والثواب هو: الجزاء على أعمال الخير، والعوض هو البدل عن الفائت، كالسلامة التي هي بدل الألم، والنعم التي هي في مقابلة البلايا والمحن والرزايا والفتن.
قوله: (﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ﴾ ما يتفضل به ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، يعني: ﴿يَرْزُقُ﴾ مطلقٌ يجب أن يقدر بأحد المذكورين: الجزاء أو التفضل، والأول ممتعٌ، لأنه بمعنى الثواب، والثواب له حسابٌ، فلا يقال فيه: بغير حساب، فبقي أن يقيد بالثاني، ويقال: والله يرزق ما يتفضل به بغير حساب.
قوله: ("بقيعات" بتاء مموطة)، أي: ممدودة، قال ابن جني: "قيعاتٌ" بالتاء: جمع قيعة، كديمةٍ وديمات وقيمةٍ وقيمات، ويجوز أن يكون جمع قاعٍ، كنارٍ ونيرة، وجارٍ وجيرة، ومثله أخٌ وإخوة، لأن أخاً عندنا فعلٌ، وحكى عبد الله بن إبراهيم قال: سمعت
стр. 5705
بعضهم (بقيعاةٍ) بتاءٍ مدورة، كرجلٍ عزهاة. شبه ما يعمله من لا يعتقد الإيمان ولا يتبع الحق من الأعمال الصالحة التي يحسبها تنفعه عند الله وتنجيه من عذابه ثم يخيب في العاقبة أمله ويلقى خلاف ما قدر، بسرابٍ يراه الكافر بالساهرة وقد غلبه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[مسلمة] يقرأ: كسراب بقيعاة، بالألف والهاء بعدها، نحو: فعلٍ وفعلاة، كرجل عزهٍ وعزهاة: الذي لا يقرب النساء واللهو.
قوله: (بسراب يراه الكافر)، متعلقٌ بقوله: "شبه ما يعمله"، يعني: شبه الأعمال الصالحة ممن لا إيمان له، وهو يحسب أنها تنفعه ثم يخيب في العاقبة، بسرابٍ يراه الكافر، إلى آخره. إنما قيد المشبه به برؤية الكافر وجعل أحواله ما يلقاه يوم القيامة، ولم يجعلها مطلقاً، لأنه تعالى قيده بقوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾، لأنه من تتمة أحوال المشبه به، وهذا الأسلوب أبلغ، لأن خيبة الكافر أدخل، وحصوله على أمرٍ خلاف ما يأمله أعرق، ونحوه في التشبيه قوله تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٧]، فإن الكافرين الظالمين هم الذين يذهب حرثهم بالكلية، بخلاف مطلق الحرث، كذلك هاهنا. وما أدلة من قاطع على بطلان مذهب الفلاسفة، ومن يريد الهداية من غير المتابعة، فإنه يتوهم أن ما هو عليه من متابعة الوهم هو الحق البحت، فإذا تبين له في الخاتمة بطلانه، ووجد الله عنده، يعرف حينئذٍ: أفرسٌ تحته أم حمار؟ وقد غلب على مقتني يعلم المعقول الذين أضلهم الوهم المعلول الانتباه في آخر عهدهم، والتبري عنه في خاتمة أمرهم لما عرفوا أنه كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً.
الراغب: الحسبان: أن يحكم لأحد نقيضين من غير أن يخطر الآخر بباله فيحسبه، ويعقد ع ليه الأصبع، ويكون بمعرض أن يعتريه فيه شكٌ، ويقارب ذلك الظن، لكن الظن أن يخطر النقيضين بباله فيغلب أحدهما على الآخر.
قوله: (بالساهرة)، الجوهري: يقال: الساهور: ظل الساهرة، وهي وجه الأرض، ومنه
стр. 5706
عطش يوم القيامة، فيحسبه ماءً، فيأتيه فلا يجد ما رجاه، ويجد زبانية الله عنده يأخذونه فيعتلونه إلى جهنهم فيسقونه الحميم والغساق، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣]، و ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]، ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. وقيل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية، قد كان تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية، ثم كفر في الإسلام.
[﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ٤٠]
اللجي: العميق الكثير الماء، منسوبٌ إلى اللج، وهو معظم ماء البحر. وفي ﴿أَخْرَجَ﴾ ضمير الواقع فيه. ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ مبالغةٌ في: لم يرها، أي: لم يقرب أن يراها فضلاً عن أن يراها. ومثله قول ذي الرمة:
إذا غير النأي المحبين لم يكد … رسيس الهوى من حب مية يبرح
أي: لم يقرب من البراح، فما باله يبرح! شبه أعمالهم أولاً في فوات نفعها وحضور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤]، قال: هي الأرض البيضاء المستوية، سيمت بذلك لأن السراب يجري فيها، من قولهم: عينٌ ساهرةٌ: جارية الماء، وفي ضدها: نائمة.
قوله: (فيعتلونه)، الأساس: عتله: إذا أخذ بتلبيبه فجره إلى حبس أو نحوه ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧].
قوله: (وهم الذين قال الله فيهم)، يعني: من لا يعتقد الإيمان ولا يتبع الحق، ويعمل الأعمال الصالحة، وفسرت الآية في موضعها بأن قيل: عملت ونصبت في أعمالٍ لا يجدي عليها في الآخرة.
قوله: (إذا غير النأي المحبين) البيت، الرسيس: الشيء الثابت الذي لزم من بقية
стр. 5707
ضررها بسرابٍ لم يجده من خدعه من بعيدٍ شيئاً، ولم يكفه خيبةً وكمداً أن لم يجده شيئاً كغيره من السراب، حتى وجد عنده الزبانية تعتله إلى النار، ولا تقتل ظمأه بالماء. وشبهها ثانياً في ظلمتها وسوادها، لكونها باطلةً، وفي خلوها عن نور الحق بظلماتٍ متراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب، ثم قال: ومن لم يوله نور توفيقه وعصمته ولطفه، فهو في ظلمة الباطل لا نور له.
وهذا الكلام مجراه مجرى الكنايات، لأن الألطاف إنما تردف الإيمان والعمل، أو كونهما مترقبين، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوًى أو سقمٍ في البدن. يبرح: أي: يزول، يقال: برح برحاً: إذا زال من موضعه، ومنه: لا أبرح كذا أي: لا أزال.
قوله: (ومن لم يوله- أي: لم يعطه- نور توفيقه وعصمته ولطفه فهو في ظلمة الباطل)، يريد: أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، ظاهره: أن من لم يخلق الله تعالى فيه الإيمان والعمل الصالح ليس له إيمانٌ ولا عملٌ، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، لأنه تذييلٌ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ إلى آخره. ولما لم يوافق مذهبه، عدل من التصريح إلى التلويح وقال: "ومن لم يوله نور توفيقه" فيكون المضاف إليه محذوفاً والجملة كما هي مع الحذف كنايةً عن عدم إيمانهم وعملهم الصالح، لأن الإلطاف لازم الإيمان، والعمل الصالح.
قوله: (أو كونهما مترقبين)، نصب عطفٍ على "الإيمان والعمل"، أي: الإلطاف إما أن يكون لازماً للإيمان والعمل الصالح أو لازماً لترقب حصولهما. وقال صاحب "التقريب": التقدير: ومن لم يوله نور توفيقه وعصمته فما له من نور: لا نور لطف التوفيق الذي يسبق الإيمان والعمل الصالح المترقبين، ولا نور العصمة الذي يردف ويلحق الإيمان والعمل الحاصلين. وقلت قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٥] استشهادٌ لقوله: "إن الألطاف إنما تردف الإيمان والعمل"، لأن الهداية هي الدلالة، ولذلك فسره في موضعه بقوله: "لنزيدنهم هدايةً إلى سبيل الخير وتوفيقه، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا
стр. 5708
وقوله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧]؟ وقرئ: (سحاب ظلماتٍ) على الإضافة. و (سحابٌ ظلماتٍ)، برفع "سحابٌ)، برفع "سحابٌ" وتنوينه وجر "ظلماتٍ" بدلاً من "ظلماتٍ" الأولى.
[﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ٤١ - ٤٢].
﴿صَافَّاتٍ﴾: يصففن أجنحتهن في الهواء. والضمير في ﴿صَافَّاتٍ﴾ لـ ﴿كُلٌّ﴾ أو لله، وكذلك في ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ والصلاة: الدعاء. ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها.
[﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٠] "، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] دلٌ على أن إضلال الله تعالى مسبوقٌ بظلمهم. وقال في تفسيره: إن مشيئة الله تعالى تابعةٌ لحكمته، من إضلال الظالمين وخلانهم، والتخلية بينهم وبين شأنهم عند زللهم، وكل ذلك تكلفاتٌ وتعسفاتٌ عن الطريق السوي.
قوله: (والضمير في ﴿عَلِمَ﴾ لـ ﴿كُلٌّ﴾ أو لله تعالى، وكذلك في ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾، قال صاحب "التقريب": إذا عاد ضمير ﴿عَلِمَ﴾ إلى الله تعالى فليعد الأخيران إلى "كلٌّ"، لئلا يخلو المبتدأ عن عائدٍ إليه، إلا أن يقدر منه. وقلت: الضمير إذا كان لـ ﴿كُلٌّ﴾، كان قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ تكميلاً لإرداف العظمة الكاملة والقدرة التامة صفة العلم الشاملة، وإذا كان لله تعالى كان تذييلاً لقوله تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾، ثم الآية بجملتها مع ما يتلوها من الآيات المشتملة على دلائل الآفاق والأنفس مستطردةٌ لذكر التسبيح في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾، ثم قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ جيء به تكريراً وترجيعاً لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ الآية، ليتخلص منه إلى نوع آخر من قبائح رأس النفاق وذويه.
стр. 5709
وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ٤٣ - ٤٤].
﴿يُزْجِي﴾: يسوق. ومنه: البضاعة المزجاة: التي يزجيها كل أحدٍ لا يرضاها. والسحاب يكون واحداً، كالعماء، وجمعاً كالرباب.
ومعنى تأليف الواحد: أنه يكون قزعاً فيضم بعضه إلى بعض. وجاز بينه وهو واحدٌ، لأن المعنى: بين أجزائه، كما قيل في قوله:
..... بين الدخول فحومل
والركام: المتراكم بعضه فوق بعض.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والسحاب يكون واحداً كالعماء)، قال أبو زيد: هو شبه الدخان يركب رؤوس الجبال. والرباب: السحاب الأبيض، الواحد: ربابة. القزع: قطعٌ من السحاب رقيقة، الواحد: قزعة. الراغب: أصل السحب: الجر، كسحب الذيل، ومنه السحاب إما لجر الريح له، أو لانجراره في مره. والسحاب: الغيم فيه ماءٌ، أو لم يكن، ولهذا يقال: سحابٌ جهام. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، وقد يذكر السحاب، ويراد بها الظل والظلمة على طريق التشبيه: ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [الآية: ٤٠]. يقال: سحابٌ مركوم، أي: متراكم، والركام: ما يلقى بعضه على بعض، والركان يوصف به الرمل والجيش، ومرتكم الطريق: جادته التي فيها ركمةٌ، أي: أثرٌ متراكم.
قوله: (كما قيل في قوله: بين الدخول فحومل)، أوله:
قفا نبك من ذكري حبيبٍ ومنزل … بسقط اللوى بين الدخول فحومل
стр. 5710
والودق: المطر. ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾: من فتوقه ومخارجه، جمع خلل، كجبالٍ في جبل. وقرئ: (من خلله)، ﴿وَيُنَزِّلُ﴾ بالتشديد، و (يكاد سنا) على الإدغام، و (برقه) جمع برقة، وهي المقدار من البرق، كالغرمة واللقمة، و (برقه) بضمتين للإتباع، كما قيل في جمع فعلة، فعلات، كظلمات، (وسناء برقة) على المد المقصور، بمعنى الضوء،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال ابن الأنباري: الدخول، وحومل، والمقراة: منازل كلاب. اعلم أن الفاء في "فحومل" هي المانعة من دخول "بين" على "حومل". قال الأصمعي: لا يقال: رأيتك بين زيدٍ فعمرو، بالفاء وقال الفراء: معناه: بين أهل الدخول، فأهل حومل.
وذهب المصنف إلى أن كلاً من الدخول وحومل مكانٌ ذو قطع متجاورات، فالبين داخلٌ على كل واحدٍ منهما على التأويل، أي: بين أماكن الدخول فأماكن الحومل. وقال الزجاج: جاز: ما زلت أدور بين الكوفة، ولم يجز أدور بين زيدٍ حتى تقول: وعمرو، لأن الكوفة اسمٌ يتضمن أمكنةً كثيرة، فكأنك قلت: ما زلت أدور بين طرق الكوفة.
قوله: (والودق: المطر)، الراغب: الودق: قيل: ما يكون خلال المطر كأنه غبار. وقد يعبر به عن المطر كما في قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾، ويقال لما يبدو في الهواء عند شدة الحر: وديقة.
قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ﴾ بالتشديد)، قرأ كلهم إلا ابن كثيرٍ وأبا عمروٍ: "يكاد سنا"، على الإدغام: السوسي عن أبي عمرو.
قوله: (و"سناء برقه")، قال ابن جني: هي قراءة طلحة بن مصرف. السناء ممدوداً: الشرف، يقال: رجلٌ ظاهر النبل والسناء، والسنا مقصوراً: الضوء، وعليه قراءة الكافة.
следующие страницы →