Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.
стр. 5881
نفقته وأحواله فقال: الحسنة بين السيئتين، فعرف عبد الملك أنه أراد ما في هذه الآية فقال لابنه: يا بنىّ، أهذا أيضا مما أعدّه؟ وقيل: أولئك أصحاب محمد ﷺ ، كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوبا للجمال والزينة، ولكن كانوا يأكلون ما يسدّ جوعتهم ويعينهم على عبادة ربهم، ويلبسون ما يستر عوراتهم ويكنهم من الحرّ والقرّ. وقال عمر ﵁: كفى سرفا أن لا يشتهي رجل شيئا إلا اشتراه فأكله. والقوام: العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما. ونظير القوام من الاستقامة: السواء من الاستواء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الحسنة بين السيئتين)، أي: الاقتصاد، وهو حسنةٌ بين الإسراف والتقتير، وهما سيئتان، ومن كلام بعضهم:
كلا طرفي [قصد] الأمور ذميم
وخير الأمور أوساطها.
قوله: (وقيل: أولئك أصحاب محمدٍ صلوات اله عليه)، عطفٌ على قوله: "وصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير"، وعلى الأول كان عاماً فيهم وفي غيرهم. والمراد بالإنفاق الوسط: السخاوة التي هي بين التبذير والبخل. وعلى الثاني، الوسط: عبارةٌ عن الإنفاق على أنفسهم بما لا يبلغ إلى حد التلذذ والتنعم، بل يكون سد الجوعة، وستر العورة.
قوله: (ونظير القوام من الاستقامة: السواء من الاستواء)، يعني: نظيره في علة التسمية به، لا أنه مشتقٌ منه، لأن الثلاثي لا يشتق من المزيد، أي: إنما قلنا: قواماً للشيء الذي هو عدلٌ بين الشيئين لاستقامة الطرفين، وكذلك السواء من الاستواء.
стр. 5882
وقرئ: (قِواماً) بالكسر، وهو ما يقام به الشيء. يقال: أنت قوامنا، بمعنى ما تقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص، والمنصوبان أعني (بَيْنَ ذلِكَ قَواماً) - جائز أن يكونا خبرين معا، وأن يجعل (بَيْنَ ذَلِكَ) لغوا، و (قَوَاما) مستقرا. وأن يكون الظرف خبرا، و (قَوَامًا) حالا مؤكدة. وأجاز الفراء أن يكون (بَيْنَ ذلِكَ) اسم "كان"، على أنه مبني؛ لإضافته إلى غير متمكن، كقوله:
لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "قواماً"، بالكسر)، قال ابن جني: قرأها حسان بن عبد الرحمن صاحب عائشة ﵂ ويروي عنه قتادة. القوام بالفتح: الاعتدال في الأمر، وبالكسر: ملاك الأمر وعصامه، فلو اقتصر على قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ كان كافياً، فـ ﴿قَوَامًا﴾ تأكيدٌ، وجارٍ مجرى الصفة، أي: توسطاً مقيماً للحال وناظماً، كالصفات المؤكدة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠] فالأخرى توكيدٌ.
قوله: (وأن يجعل ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ لغواً، و ﴿قَوَامًا﴾ مستقراً)، قيل: إطلاق المستقر على ﴿قَوَامًا﴾ مع أنه ظرف، لمزاوجة الكلام، وهو كونه مذكوراً مع الظرف، وهو بين ذلك. قال ابن الحاجب: المستقر: ما كان خبراً محتاجاً إليه، وسمي مستقراً، لأنه يتعلق بالاستقرار، فالاستقرار فيه هو مستقرٌ فيه، أي: موضعٌ للتقرير، ثم حذف لفظة "فيه" اختصاراً، واللغو: هو ما لو حذف لكان الكلام مستغنى عنه.
قوله: (لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت)، تمامه:
حمامةٌ في غصونٍ ذات أو قال
стр. 5883
وهو من جهة الإعراب لا بأس به، ولكن المعنى ليس بقوي؛ لأنّ ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة؛ فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منها: ضمير الراحلة. الأوقال: جمع وقل، وهو الحجارة. أي: في غضونٍ نابتةٍ بأرض ذات أو قال، وقيل: الوقل: شجر المقل، يقول: لم يمنع الراحلة الشرب إلا صوت حمامة، أي: إنها حديدة الحس، فيها فزعٌ وذعرٌ لحدة نفسها. والاستشهاد في قوله: "غير أن نطقت"، وهو فاعل "يمنع"، وإنما بني، لإضافته إلى المبنى.
قوله: (فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدةٌ)، وفائدته: بيان اتصاف المخبر عنه بالخبر، فيجب أن يكون وصف الشيء بغيره، ليفيد لا بنفسه لئلا يؤدي إلى أن يقال: وكان القوام قواماً. وأجاب عنه صاحب "المطلع": أن ما بين الإسراف والإقتار لا يلزم أن يكون قواماً، أي: عدلاً، لأنه يجوز أن يكون دون الإسراف بقليل، أو فوق الإقتار بقليل فما بينهما وسطٌ، بسكون السين، يتناول العدل وغيره، فالتقدير: وكان الوسط ن ذلك قواماً. والجواب عنه: أنه يلزم من هذا الحرج المنفي في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فإن في إيقاع قواماً على ما قرره الدلالة على مراعاة حاق الوسط، بمعنى أن قوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ كان يحتمل معنى الوسط بالسكون الذي هو اسمٌ مبهم لداخل الدائرة، فأخبر بقوله: ﴿قَوَامًا﴾ أن المراد منه الوسط بالتحريك، الذي هو اسمٌ لعين ما بين طرفي الشيء كمركز الدائرة، ولا ارتياب أن مراعاة ذلك متعذرٌ ولا يتيسر إلا بالندرة.
وقال صحاب "الفرائد": ما أورده صاحب "الكشاف" على الفراء واردٌ عليه في قوله: "المنصوبان- أعني ﴿بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ - جائزٌ أن يكونا خبرين معاً، ويمكن أن يقال: المراد من القوام: العدل، فصح أن يكون خبراً لـ ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ولا يخلو عن فائدة".
والجواب عنه ما ذكره ابن جني، أن الثاني جارٍ مجرى الصفة المؤكدة، كأنه قيل: كان إنفاقهم وسطاً بسكون السين البتة، لا أن الإنفاق في عين الوسط لا يتجاوزه أصلاً، كما يلزم من الاسم والخبر إذا اتحدا معنى. والجواب عن قوله: المراد من القوام العدل: هو ما أجيب عن صاحب "المطلع".
стр. 5884
[(وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً* يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً* إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً)].
(حَرَّمَ اللَّهُ) أي: حرّمها. والمعنى: حرّم قتلها. و (إِلَّا بِالْحَقِّ) متعلق بهذا القتل المحذوف. أو بـ (ولا يَقْتُلُونَ). ونفى هذه المقبحات العظام عن الموصوفين بتلك الخلال العظيمة في الدين؛ للتعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم، كأنه قيل: والذين برأهم الله وطهرهم مما أنتم عليه. والقتل بغير حق يدخل فيه الوأد وغيره. وعن ابن مسعود ﵁: قلت: يا رسول الله، أىّ الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندّا وهو خلقك» قلت: ثم أىّ؟ قال «أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك» قلت: ثم أى؟ قال «أن تزاني حليلة جارك»، فأنزل الله تصديقه. وقرئ: (يلق فيه أثاما). وقرئ: (يلقى) بإثبات الألف، وقد مر مثله. والأثام: جزاء الإثم، بوزن الوبال والنكال ومعناهما، قال:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ونفي هذه المقبحات العظام عن الموصوفين بتلك الخلال العظيمة في الدين للتعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش)، يعضد ما ذهبنا إليه من أن قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ مقابلٌ للقائلين: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَامُرُنَا﴾، فمدحهم الله بتلك الخلال الحميدة التي تختص بأوليائه ثم نفى عنهم هذه الخصال الرذيلة التي عليها أعداؤه.
قوله: (عن ابن مسعودٍ ﵁، قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ )، الحديث بتمامه، أخرجه البخاري ومسلمٌ وغيرهما.
قوله: (وقرئ: "يلقى"، بإثبات الألف)، قال في "المطلع": جعل أثر الجازم حذف الحركة من المعتل لا حذف الألف كقوله:
стр. 5885
جزى الله ابن عروة حيث أمسى … عقوقا والعقوق له أثام
وقيل هو الإثم. ومعناه: يلق جزاء أثام. وقرأ ابن مسعود: (أيَّامًا)، أي: شدائد. يقال: يوم ذو أيام؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ألم يأتيك -والأنباء تنمي- … بما لاقت لبنون بني زياد
"والأنباء تنمي": جملةٌ معترضةٌ، و"بما لاقت": متعلقٌ بـ "يأتيك".
قوله: (جزى الله ابن عروة) البيت، العقوق: العاق، والعقوق، بالضم: مصدرٌ، وهو ترك بر الوالدين وقطعه، وكذا في الرحم، وعقوقاً: نصبٌ على الحال، ومعناه: جزى الله ابن عروة شر جزاءٍ عاقًا والعقوق له جزاءٌ سيئ.
قوله: (وقيل: هو الإثم، ومعناه: يلق جزاء أثام) يريد أن "الأثام" إما أن يراد به جزاء الإثم كالثوب لجزاء الطاعة، وإما أن يراد به مطلق الإثم، فحينئذٍ يحتاج إلى تقدير مضاف، وهو المراد بقوله: "ومعناه: يلق جزاء أثام".
الأساس: كانوا يفزعون من الأنام أشد ما يفزعون من الأثام، وهو وبال الإثم، قال:
لقد فعلت هذي النوى بي فعلة … أصاب النوى قبل الممات أثامها
قوله: (يومٌ ذو أيام)، الأساس: ويومٌ ذو أيام: كأيام. قال النابغة:
стр. 5886
لليوم العصيب. (يُضاعَفْ) بدل من (يَلْقَ)؛ لأنهما في معنى واحد، كقوله:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا … تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا
وقرئ: (يُضَعَّف)، و (نُضَعِّف له العذابَ)، بالنون ونصب العذاب. وقرئ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إني لأخشى عليكم أن يكون لكم … من أجل بغضائهم يومٌ كأيام
وذكر في أيام العرب، أي: في وقائعها. ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] أي: بدمادمه على الكفرة.
قوله: (لليوم العصيب) الأساس: عصب القوم بفلانٍ: أحاطوا به، ووجدتهم عاصبين به، ومنه: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] وعصبصب، وقيل: اعصوصب واعصبصب، والقوم: إذا اجتمعوا، واليوم: إذا اجتمعت فيه الشدائد.
قوله: (متى تأتنا تلمم) البيت، "تلمم"، أي: تنزل، وهو بدلٌ من "تأتنا"، والألف في "تأججا" للتثنية، وذكر لتغليب الحطب على النار. وقيل: تأججن بالنون الخفيفة، كقوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعَا﴾ [العلق: ١٥]، وكقول الشاعر:
ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا
أي: فاعبدن، وقد مضى في "آل عمران" تحقيق هذا البدل عن ابن جني.
قوله: (وقرئ: "يضعف" و"نضعف")، ابن عامرٍ وأبو بكر: "يضاعف له" "ويخلد" برفع الفاء والدال، والباقون: بجزمهما، وابن كثيرٍ وابن عامرٍ على أصلهما: يحذفان الألف ويشددان العين.
стр. 5887
بالرفع على الاستئناف أو على الحال، وكذلك (يَخْلُدْ) وقرئ: (ويخلد) على البناء للمفعول مخففا ومثقلا، من الإخلاد والتخليد. وقرئ: (وتخلد) بالتاء على الالتفات (يُبَدِّلُ) مخفف ومثقل، وكذلك (سَيِّئَاتِهِمْ). فإن قلت: ما معنى مضاعفة العذاب وإبدال الحسنات سيئات؟ قلت: إذا ارتكب المشرك معاصي مع الشرك عذب على الشرك وعلى المعاصي جميعا، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه. وإبدال السيئات حسنات: أنه يمحوها بالتوبة، ويثبت مكانها الحسنات:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "تخلد" بالتاء على الالتفات)، قال ابن جني: قرأ طلحة بن سليمان: "نضعف" بالنون، و"العذاب" بالنصب، "وتخلد فيه": جزم، أي: تخلد فيه أيها المضعف على ترك الغيبة إلى الخطاب.
في "علل القرآن" للأزهري: اتفق القراء كلهم على "يخلد" بفتح الياء وضم اللام.
قوله: (﴿يُبَدِّلُ﴾، مخففٌ ومثقل)، أي: قرئ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ بتثقيل الدال. سبعةٌ، وبالتخفيف: شاذ.
قوله: (وإبدال الحسنات سيئات)، خلاف ما في التلاوة.
قوله: (وإبدال السيئات حسنات: أنه يمحوها بالتوبة ويثبت مكانها الحسنات)، قال محيي السنة: ذهب جماعةٌ إلى أن هذا التبديل في الدنيا، قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهدٌ، والسدي، والضحاك: يبدلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيماناً، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفةً وإحصاناً.
стр. 5888
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال سعيد بن المسيب ومكحولٌ: يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسناتٍ يوم القيامة، يدل عليه حديث أبي ذر، قال النبي ﷺ : "إني لأعلم آخر رجلٍ يخرج من النار، يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، ويخبأ عنه كبارها، فيقال له: علمت يوم كذا وكذا وهو مقرٌ لا ينكر، وهو مشفقٌ من كبارها، فيقال: أعطوه مكان كل سيئةٍ حسنة، فيقول: إن لي ذنوباً ما أراها هاهنا". قال أبو ذر: فلقد رأيت النبي ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه. رواه الترمذي. ورواه مسلمٌ أيضاً عن أبي ذر مع تغييرٍ فيه.
فهذه المعاملة مع من هو آخر الناس خروجاً من النار، فكيف بالمؤمن التائب الآتي بالأعمال الصالحة؟
وروى الإمام عن سعيد بن المسيب ومحكولٍ: تمحى السيئة ويثبت له بدلها الحسنة، لما ورد: "ليتمنين أقوامٌ أنهم أكثروا من السيئات"، قيل من هم؟ قال: "الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات"، ولا يبعد ذلك من حيث الدليل، فإن التائب النادم كلما تحسر على ذنبٍ صدر منه واستغفر الله تعالى لأجله أو خضع واستكان، نال من الزلفى من الله من الدرجات ما لا يناله بالطاعة.
ثم النظم يساعد هذا التأويل، فإن الإشارة بقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ما سبق من الشرك بالله، وقتل النفس المحرمة، والزنا، وقد ترتب عليه مضاعفة العذاب، والتخليد والإهانة، واستثنى من الوعيد المؤمن التائب الآتي بالأعمال الصالحة، فحينئذٍ لم يفد إذا عقب بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾، وفسر بمحو الذنوب وإثبات
стр. 5889
الإيمان، والطاعة، والتقوى. وقيل: يبدّلهم بالشرك إيمانا، وبقتل المسلمين: قتل المشركين، وبالزنى عفة وإحصانا.
[(وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً)].
يريد: ومن يترك المعاصي ويندم عليها ويدخل في العمل الصالح فإنه بذلك تائب إلى الله (مَتَاباً) مرضيا عنده مكفرا للخطايا محصلا للثواب. أو فإنه تائب متابا إلى الله الذي يعرف حق التائبين ويفعل بهم ما يستوجبون، والذي يحب التوابين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإيمان والطاعة والتقوى إفادة ما إذا قيل: بفضل الله عليهم بالثواب والكرامات، وأن يبدل الله سيئاتهم حسناتٍ يوم القيامة، لاسيما إيراد إبدال السيئات بالحسنات بعد اسم الإشارة المؤذن بأن ما يرد عقيبه جديرٌ بمن قبله، لأجل اكتسابه الخلال الحميدة، والمذكور قبله: التائب، والخصال الحميدة: الإيمان والأعمال الصالحة، فلابد إذاً من أمرٍ آخر زائدٍ وليس ذلك إلا الثواب في الآخرة.
ويؤيده قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: غفوراً حيث حط عنهم بالتوبة والإيمان مضاعفة العذاب، والخلود في النار والإهانة، رحيماً حيث بدل سيئاتهم بالثواب الدائم، والكرامة في الجنة، وكذا تذييل الكلام بقوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ المفسر بقوله: "متابا مرضياً عنده مكفراً للخطايا، محصلاً للثواب وإلى الله الذي يعرف حق التائبين ويفعل بهم ما هو أهله، ويحب التوابين"، وأنت قد علمت أن التذييل كالتأكيد للمذيل، فلابد من مراعاة معنى الثواب فيه ليصح.
قوله: (﴿متاباً﴾ مرضياً عنده مكفراً)، وذلك أن الشرط والجزاء إذا اتحدا معنى حمل الجزاء على نهاية ما يحتمله من المعنى، ونحوه قولهم: من أدرك الصمان فقد أدرك.
قوله: (أو: فإنه تائبٌ متاباً إلى الله)، يعني: أعيد المعنى ليناط به صريح اسمه الجامع،
стр. 5890
ويحب المتطهرين. وفي كلام بعض العرب: لله أفرح بتوبة العبد من المضل الواجد،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليؤذن به أن من تكون توبته إلى من اسمه الله فأعظم بتوبته، وقد سبق أن اسمه الأعظم جامعٌ لسائر صفاته الحسنى وأسمائه العظمى، وله في كل مقامٍ تجل بحسب اقتضاء ذلك المقام، والمقابل له. وهذا المقام مقام التوبة، فالتجلي بوصف التوابية، وإليه الإشارة بقوله: "إلى الله الذي يعرف حق التائبين، ويفعل بهم ما يستوجبون، والذي يحب التوابين ويحب المتطهرين"، والذي يفرح بتوبة التائبين فرحاً لا فرح فوقه.
قوله: (لله أفرح بتوبة العبد)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن الحارث بن سويد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجلٍ نزل بأرض دويةٍ مهلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومةً فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله، قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ، فإذا راحلته عنده، وعليها زاده وشرابه، فالله أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته". الدوية: الفلاة والمفازة. والراحلة: البعير الذي يركبه الإنسان، ويحمل عليه متاعه، والفرح من الله : غاية الرضا.
يقول العبد العاصي الغريق في بحر المعاصي: أنا أتوسل بما صدر عن صدر حبيبك لقبول توبتي ومحو حوبتي: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" أخرجه البخاري والترمذي والنسائي، عن شداد بن أوس، عن رسول الله ﷺ وهو سيد الاستغفار.
باء بإثمه يبوء بوءاً، أي: رجع به، وصار عليه. وتقول: باء بحقه، أي: أقر، وذا يكون أبداً بما عليه، لا له.
стр. 5891
والظمآن الوارد، والعقيم الوالد. أو: فإنه يرجع إلى الله وإلى ثوابه مرجعا حسنا وأىّ مرجع! .
[(وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً)].
يحتمل أنهم ينفرون عن محاضر الكذابين ومجالس الخطائين فلا يحضرونها ولا يقربونها، تنزها عن مخالطة الشر وأهله، وصيانة لدينهم عما يثلمه؛ لأنّ مشاهد الباطل شركة فيه، ولذلك قيل في النظارة إلى كل ما لم تسوّغه الشريعة: هم شركاء فاعليه في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو فإنه يرجع إلى الله وإلى ثوابه مرجعاً حسناً)، وعلى هذا معنى "يتوب": يرجع لغةً.
فإن قلت: لم وضع في الوجهين السابقين "تائب" في موضع "يتوب"، وصرح في الأخير بالمضارع حيث قال: يرجع؟ قلت: ليؤذن في الوجهين أن المضارع للاستمرار والدوام، وفي الأخير بأن الثواب منتظرٌ.
فإن قلت: ما الفرق بين الوجه الأول والثاني حين جعل الموصوف في الأول ﴿مَتَابًا﴾ وفي الثاني الله تعالى، والشرط والجزاء متحدان فيهما؟ قلت: ما ذكرنا أن القصد الأولى في التكرير على الأول إلى جعل الجزاء عين الشرط من غير نظرٍ إلى ذكر الله، فوصف مصدر الفعل، وعلى الثاني إلى مجرد إناطة اسم الله به، من غير نظرٍ إلى المنوط به، فوصف ما جلب له المكرر، لأنه المقصود.
قوله: (ينفرون عن محاضر الكذابين)، فالشهادة بمعنى الحضور، والزور بمعنى الباطل، النهاية: الزور: الكذب، والباطل، والتهمة. الأساس: وفي صدره زورٌ: اعوجاجٌ، وهو شاهد زور.
قوله: (ما لم تسوغه الشريعة) فيدخل فيه أبنية الظلمة وما يلحق بمسجد الضرار، هذا بطريق العموم، ويمكن سلوك طريق الخصوص ويحمل اللغو مجازاً على ما نسقطه من الأبنية، وقد استعار جريرٌ في الأعيان في قوله:
стр. 5892
الإثم، لأنّ حضورهم ونظرهم دليل الرضا به، وسبب وجوده، والزيادة فيه، لأنّ الذي سلط على فعله هو استحسان النظارة ورغبتهم في النظر إليه. وفي مواعظ عيسى بن مريم صوات الله عليه: إياكم ومجالسة الخطائين. ويحتمل أنهم لا يشهدون شهادة الزور، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وعن قتادة: مجالس الباطل. وعن ابن الحنفية: اللهو والغناء. وعن مجاهد: أعياد المشركين. اللغو: كل ما ينبغي أن يلغى ويطرح. والمعنى: وإذا مروا بأهل اللغو والمشتغلين به. مرّوا معرضين عنهم، مكرمين أنفسهم عن التوقف عليهم والخوض معهم، كقوله: (وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ) [القصص: ٥٥]،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويذهب بينها المرئي لغواً … كما ألغيت بالدية الحوارا
وهي استعارة مصرحة تحقيقية، فالقرينة استعمال المرور فيه، فالمناسب أن يحمل الشهود على الحضور، ويجعل الزور استعارةً عنها، لأنها باطلة كما استعير ﴿شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩] للقاعدة الباطلة لمسجد الضرار، فيكون اللغو مظهراً وضع موضع المضمر، كأنه قيل: لا يحضرون تلك المشاهد، وإذا مروا بها مروا غير ملتفتين إليها ولا يجيلون النظر إليها استحساناً، لأن قصدهم في البناء سلب نظر الخلق إليها. قال أبو حامد في "الإحياء": إن السلاطين في زماننا هذا ظلمة قلما يأخذون شيئاً على وجهه بحقه، فلا يحل معاملتهم ولا معاملة من يتعلق بهم، حتى القاضي، ولا التجارة في الأسواق التي بنوها بغير حق، والورع اجتناب الربط والمدارس والقناطير التي بنوها بالأموال المغصوبة التي لا يعلم مالكها.
قوله: (هو استحسان النظارة)، واستحسان ما قضى الإسلام بقبحه، يضرب إلى الكفر، ولهذا قيل: الابتهار بالذنب أعظم من ركوبه، والابتهار: أن يقول: فعلت، وقد فعل
стр. 5893
وعن الحسن: لم تسفههم المعاصي. وقيل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عن الحسن: لم تسفههم المعاصي)، روى محيي السنة عن الحسن والكلبي: اللغو: المعاصي كلها، يعني: إذا مروا بمجالس يعصى اله فيها مروا مسرعين معرضين إذ لو وقف أو لم يعرض، بل نظر، عد سفيهاً، يقال: تكرم فلانٌ عما يشينه: إذا تنزه وأكرم نفسه عنه.
ثم هذه الخاتمة، أعنى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ إذا فسر قوله: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ بأنهم ينفرون عن محاضر الكذابين والخطائين، على أن ﴿يَشْهَدُونَ﴾ بمعنى يحضرون، كانت كالتميم له، وإذا فسر بأنهم لا يشهدون شهادة الزور كانت كالتكميل له، ويجوز أن يكون تتميماً على تفسير الحسن، لأن من وقف مواقف السفهاء سفه، ويكون قدحاً في عدالته.
قوله: (إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا)، عبر أولاً عن سماع اللغو بالمرور به، لأن المرور به دل على أصحابه، ودل ذلك على سماعه منهم. وثانياً: عن الإعراض عنه بالمرور به. على تلك الحالة، فإن الكريم إذا مر باللغو أعرض عنه. قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. قال:
وأعرض عن شتم اللئيم تكرما
وتخصيص المرور بالذكر، للإيذان بأن ذلك دأبهم وعادتهم، قال تعالى: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٩]، أي: استمرت بذلك الحمل ولم يثقلها قط. قال الزجاج: فمرت به، معناه: استمرت به، قعدت وقامت ولم يثقلها. ونحوه في المعنى قول الشاعر:
وقد أمر على اللئيم يسبني … فمضيت ثمة قلت لا يعنيني
стр. 5894
وصفحوا. وقيل: إذا ذكروا النكاح كنوا عنه.
[(وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً)].
(لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها) ليس بنفي للخرور، وإنما هو إثبات له، ونفي للصمم والعمى، كما تقول:
لا يلقاني زيد مسلما، هو نفي للسلام لا للقاء. والمعنى: أنهم إذا ذكروا بها أكبوا عليها حرصا على استماعها، وأقبلوا على المذكر بها، وهم في إكبابهم عليها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي: هذا الإعراض والصفح شيمتى وخلقي، ولذلك قرنه بحرف التقليل المفيد للتكثير تمليحاً، كقوله:
قد أترك القرن مصفراً أنامله
قوله: (كنوا عنه)، أي: بالغشيان والمسيس والمباشرة والإتيان دائمين مستمرين.
قوله: (ليس بنفي للخرور، بل إثباتٌ له ونفيٌ للصمم والعمى)، يعني: أدخل حرف النفي على المثبت، وأريد نفي ما يتبعه، كقولك: ما هو بمؤمنٍ مخادع. والنكتة فيه التعريض بمن هو ليس على صفتهم، ولذلك قال: "لا كالذين يذكرون بها فتراهم مكبين عليها، إلى قوله: "وهو كالصم والعميان"، وما أحسن اقتران هذا الوصف مع قوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ لا يختلط جدهم بهزل، وحقهم بباطل، فإذا اعتراهم الهزل تنزهوا عنه كل تنزه، وإذا اشتغلوا بالحق لا يحوم بالباطل حوله، ومنه قول المنصور لابن عمران: بلغني أنك بخيلٌ. قال: ما أجمد في حق، ولا أذوب في باطل، أو يقال: إذا مروا بالهزل مروا مكرمين متغافلين متغابين، كأنهم ما سمعوه ولا نظروا إليه، وإذا حاولوا الجد أقبلوا إليه بشر اشرهم واجتنبوا عن أن يكونوا كالغافلين عنه لا يسمعونه بآذانٍ واعية، ولا يبصرونه بأعينٍ راعية. اللهم اجعلنا من زمرتهم برحمتك الواسعة يا رب العالمين.
стр. 5895
سامعون بآذان واعية، مبصرون بعيون راعية، لا كالذين يذكرون بها فتراهم مكبين عليها مقبلين على من يذكر بها، مظهرين الحرص الشديد على استماعها، وهم كالصم العميان حيث لا يعونها ولا يتبصرون ما فيها كالمنافقين وأشباههم.
[(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً)].
قرئ: (ذريتنا)، و (وذرياتنا)، و (قرة أعين) و (قرّات أعين). سألوا ربهم أن يرزقهم أزواجا وأعقابا عمالا لله، يسرون بمكانهم وتقرّبهم عيونهم. وعن محمد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (سامعون بآذانٍ واعية، مبصرون بأعينٍ راعية)، خبرٌ بعد خبر، لقوله: "وهم".
قوله: (وقرئ: "ذريتنا" و ﴿ذُرِّيَّاتِنَا﴾، الحرميان وابن عامرٍ وحفص: "ذرياتنا" بالألف على الجمع، والباقون: بغير الألف على التوحيد.
قوله: (سألوا ربهم أن يرزقهم أزواجاً وأعقاباً عمالاً لله)، فإذن، التقدير: هب لنا أزواجاً وذرياتٍ مطيعين لك، ولما كانت طاعتهم سبباً لسرورهم وضع المسبب موضع السبب للمبالغة، وأن المطلوب الأولى بالأولاد طاعة اله، وجعل هذا الدعاء من جملة صفات الكملة من المؤمنين للدلالة على عظم منزلة من يطلب النكاح لذلك، وهذا بالنسبة إلى الداعي، فكيف بمن يتصف بذلك؟
وقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، كالتكميل للدعاء، أي: اجعلنا كاملين في أنفسنا، ومكملين لغيرنا، وفي جعل المقتدين متقين إشارةٌ إلى علو درجة الإمام.
قوله: (يسرون بمكانهم وتقربهم عيونهم)، "وتقر بهم": عطفٌ تفسيريٌ لـ "يسرون"،
стр. 5896
بن كعب: ليس شيء أقرّ لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله. وعن ابن عباس: هو الولد إذا رآه يكتب الفقه. وقيل: سألوا أن يلحق الله بهم أزواجهم وذريتهم في الجنة ليتم لهم سرورهم. أراد. أئمة، فاكتفى بالواحد؛ لدلالته على الجنس ولعدم اللبس، كقوله: (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) [غافر: ٦٧]. أو أرادوا: اجعل كل واحد منا إماما. أو أراد جمع آمّ، كصائم وصيام. أو أرادوا: اجعلنا إماما واحدا لا تحادنا واتفاق كلمتنا. وعن بعضهم: في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يجب أن تطلب ويرغب فيها. وقيل: نزلت هذه الآيات في العشرة المبشرين بالجنة. فإن قلت: (مِنْ) في قوله: (مِنْ أَزْواجِنا) ما هي؟ قلت: يحتمل أن تكون بيانية، كأنه قيل: هب لنا قرّة أعين، ثم بينت القرّة وفسرت بقوله: (مِنْ أَزْوَاجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا)، ومعناه: أن يجعلهم الله لهم قرّة أعين، وهو من قولهم: رأيت منك أسدا، أي: أنت أسد، وأن تكون ابتدائية على معنى: هب لنا من جهتهم ما تقرّ به عيوننا من طاعة وصلاح.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والظاهر العكس، لأنه بصدد أن يفسر "قرة أعين" بالسرور، كأنه ادعى الشهرة، وأنه الأصل في الاعتبار.
النهاية: وفي حديث الاستسقاء: "لو رآك لقرت عيناه"، أي: لسر بذلك وفرح، وحقيقته: أبرد الله دمعة عينية، لأن دمعة الفرح والسرور باردةٌ، ونقل عن الأصمعي: دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة، ولهذا قيل: أسخن الله عينيك، وقيل: أقر الله عينيه: أعطاه ما يسكن به عينه، ولا ينظر إلى غيره، من: قر يقر- من باب ضرب-: إذا ثبت.
قوله: (وأن تكون ابتدائيةً على معنى: هب لنا من جهتهم)، في كلامه إشعارٌ بأن "من" البيانية تجريديةٌ، لقوله: "وهو من قولهم: رأيت منك أسداً"، و"من" الابتدائية بمعنى: لأجل، كذا قدر في المائدة عند قوله: ﴿أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣].
стр. 5897
فإن قلت: لم قال: (قُرَّةَ أَعْيُنٍ) فنكر وقلل؟ قلت: أما التنكير فلأجل تنكير القرّة، لأن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه، كأنه قيل: هب لنا منهم سرورا وفرحا. وإنما قيل (أَعْيُنٍ) دون عيون، لأنه أراد أعين المتقين، وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم، قال الله تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ: ١٣]، ويجوز أن يقال في تنكير (أَعْيُنٍ): إنها أعين خاصة، وهي أعين المتقين.
(أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً) [الفرقان: ٧٦].
المراد يجزون الغرفات؛ وهي العلالي في الجنة، فوحد اقتصارا على الواحد الدال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يقال في تنكير ﴿أَعْيُنٍ﴾، عطفٌ على قوله: "أما التنكير فلأجل تنكير القرة"، وفي هذا العطف على الجواب بعد السؤال الثاني نوع بلاغة، فإنه لما أجاب عن سؤال التنكير بقوله: أما التنكير فلأجل تنكير القرة فهم أن المضاف تابعٌ للمضاف إليه، وكان المراد من التنكير في المضاف التفخيم والتعظيم، فنكر المضاف إليه لذلك، أي: سروراً لا يكتنه كنهه. ولما أجاب عن سؤال البناء وأن "أعين" جمعٌ بنيت للقلة ليؤذن به إلى تقليل صاحبها وهم المتقون، قال: "إنها أعينٌ خاصة"، والتنكير تنكير التقليل، ليناسب البناء في التقليل، كأنه قرة أعين الشكور من عباد الله.
الانتصاف: والظاهر أن المحكي كلام كل واحدٍ من المتقين، أي: يقول كل واحدٍ منهم: اجعل لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، وهذا أحسن من تأويله، فإن المتقين، وإن كانوا قليلين، فهم كثيرون في أنفسهم، وقلتهم بالنسبة إلى غيرهم. والمعتبر في جمع القلة أن يكون الشيء قليلاً في نفسه لا بالنسبة.
قوله: (وهي العلالي في الجنة)، الجوهري: العلية: الغرفة، والجمع: العلالي، وهو فعليةٌ مثل مريقة، وأصله: عليوةٌ، فأبدلت الواو ياءً وأدغمت، وهي من: علوت.
стр. 5898
على الجنس، والدليل على ذلك: قوله: (وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ) [سبأ: ٣٧]، وقراءة من قرأ: (في الغرفة). (بِما صَبَرُوا): بصبرهم على الطاعات، وعن الشهوات، وعلى أذى الكفار ومجاهدتهم، وعلى الفقر وغير ذلك.
وإطلاقه لأجل الشياع في كل مصبور عليه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والدليل على ذلك)، أي: على أن المراد بـ "الغرفة" الجنس: مجيئها في "سبأ" جمعاً وإفراداً، فإن حمزة أفرد بها مفرداً، والجماعة أجمعوا على جمعها، فدل قراءة الجمع على أن المراد من الإفراد الجنس ليتوافق القراءتان، ويمكن أن يقال: القرينة هي إثبات الغرفة الواحدة للجماعة. وأما فائدة العدول في هذا المقام فلاتحاد ترتب الحكم على الأوصاف المشتركة بخلافه في "سبأ"، فإنه مرتبٌ على الإيمان والعمل الصالح مطلقاً. ولا ارتياب في التفاوت في الأعمال، فناسب الجمع ليتفاوت الجزاء بحسب العاملين. وأما إفراد حمزة فيها فمن باب حمل المطلق على المقيد.
قوله: (وإطلاقه لأجل الشياع في كل مصبورٍ عليه)، يعني: لم يؤت بمتعلق صبور لئلا يقتصر عليه، فيتناول كل مصبورٍ عليه إلى أن يحاط به.
فإن قلت: قد تقرر أن اسم الإشارة إذا عقب به من أجرى عليه الأوصاف دل على أن المذكور قبله جديرٌ بما بعده لأجل تلك الأوصاف الجارية عليه، فإذن السبب في أنهم يجزون الغرفة تلك الأوصاف التي أجريت على عباد الرحمن، فكان من حق الظاهر أن يجاء بدل ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾: بما فعلوا كناية عن تلك المذكورات بأسرها، فما فائدة العدول؟ قلت: الإيذان بأن ملاك العبادات الصبر، وأن حبس النفس على طاعة اله هي الطلبة، وقطعها عن مشتهياتها هي المرام.
الراغب: الصبر: حبس النفس عما يقتضيه الهوى، وتختلف مواقعه وربما يخالف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعة. فإن كان في مصيبةٍ فيقال: صبرٌ لا غير، وضده الجزع،
стр. 5899
وقرئ: (ويُلَقَّوْنَ)، كقوله تعالى: (وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً) [الإنسان: ١١]، و (يَلْقَوْن)، كقوله: و (يَلْقَ أَثاماً) [الفرقان: ٦٨]. والتحية: دعاء بالتعمير. والسلام: دعاء بالسلامة، يعني: أن الملائكة يحيونهم ويسلمون عليهم. أو يحيى بعضهم بعضا ويسلم عليه أو يعطون التبقية والتخليد مع السلامة من كل آفة. اللهم وفقنا لطاعتك، واجعلنا مع أهل رحمتك، وارزقنا مما ترزقهم في دار رضوانك.
[(قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً)].
لما وصف عبادة العباد، وعدّد صالحاتهم وحسناتهم، وأثنى عليهم من أجلها،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإن كان في محاربةٍ سمي شجاعةً، وضدها الجبن، وإن كان في نائبةٍ مضجرة سمي صاحبه رحيب الصدر، وضده ضيق الصدر، وإن كان في إمساك النفس عن الفضولات سمي قناعةً وعفة، وضدها الحرص والشره، وإن كان في إمساك الكلام في الضمير سمي كتماناً، وضده الإفشاء وعلى هذا يقاس جميع الفضائل من الأخلاق ورذائلها.
قوله: (وقرئ: ﴿وَيُلَقَّوْنَ﴾)، بالتشديد، كلهم إلا أبا بكرٍ وحمزة والكسائي، فإنهم قرؤوا: "ويلقون" بالتخفيف.
قوله: (أو يعطون التبقية)، عطفٌ على قوله: "إن الملائكة يحيونهم"، هذان الوجهان مبنيان على القراءتين على تشديد ﴿وَيُلَقَّوْنَ﴾ وتخفيفه، فعلى التشديد المناسب أن يكون التحية بمعنى الدعاء بالتعمير، أي: تتلقاهم الملائكة ويحيونهم ويسلمون عليهم، وعلى التخفيف التحية بمعنى التبقية والتخليد، أي: يلقون البقاء والتخليد مع السلامة، لكن فسر المصنف يلقون بقوله: "يعطون، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]، أي: أعطاهم، وفي بعض الحواشي: التحية مشتقةٌ من الحياة، وهي التبقية في الحقيقة، ومنه قولنا: التحيات لله، أي: التبقيات له تعالى.
стр. 5900
ووعدهم الرفع من درجاتهم في الجنة؛ أتبع ذلك بيان أنه إنما اكترث بأولئك وعبأ بهم وأعلى ذكرهم ووعدهم ما وعدهم، لأجل عبادتهم، فأمر رسوله أن يصرّح للناس، ويجزم لهم القول بأن الاكتراث لهم عند ربهم، إنما هو للعبادة وحدها لا لمعنى آخر، ولولا عبادتهم لم يكترث لهم البتة، ولم يعتدّ بهم، ولم يكونوا عنده شيء يبالى به. والدعاء: العبادة. و (مَا) متضمنة لمعنى الاستفهام، وهي في محل النصب، وهي عبارة عن المصدر، كأنه قيل: وأي عبء يعبأ بكم لولا دعاؤكم. يعنى أنكم لا تستأهلون شيئا من العبء بكم لولا عبادتكم. وحقيقة قولهم ما عبأت به: ما اعتددت به من فوادح همومى ومما يكون عبئا علىّ، كما تقول: ما اكترثت له، أى: ما اعتددت به من كوارثي ومما يهمني. وقال الزجاج في تأويل (مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي): أي وزن يكون لكم عنده؟ ويجوز أن تكون (مَا) نافية، (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ): يقول: إذا أعلمتكم أن حكمي أني لا أعتدّ بعبادي إلا لعبادتهم، فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي، فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم حتى يكبكم في النار. ونظيره في الكلام أن يقول الملك لمن استعصى عليه: إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني ويتبع أمري، فقد عصيت فسوف ترى ما أحلّ بك بسبب عصيانك. وقيل: معناه ما يصنع بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام. وقيل: ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة. فإن قلت: إلى من يتوجه هذا الخطاب؟ قلت: إلى الناس على الإطلاق، ومنهم مؤمنون عابدون ومكذبون عاصون، فخوطبوا بما وجد في جنسهم من العبادة والتكذيب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من فوادح همومي) وكوارثي، الجوهري: فدحه الدين: أثقله، وأمرٌ فادحٌ، إذا عاله وبهظه، وكرثه الغم يكرثه، بالضم، أي: اشتد عليه، وبلغ منه المشقة.
قوله: (فخوطبوا بما وجد في جنسهم من العبادة والتكذيب)، أي: الخطاب في قوله: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ متوجهٌ إلى جنس الناس من غير تقييدٍ
стр. 5901
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بنوع من أنوع هذا الجنس، وإنما صح ذلك لما وجد في صنفٍ من الأصناف التكذيب، وفي صنفٍ العبادة، وهو قريبٌ من قوله:
فسيف بني عبس وقد ضربوا به … نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
فقد أسند الضرب إلى بني عبس مع قوله: نبا بيدي ورقاء.
وقلت: ما أبعد هذا التأويل، فإن الآية منه على صريخ وعويل، أم كيف يتصور أن يدخل الأنبياء والصالحون من التابعين في خطاب ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾؟ والوجه أن يكون الخطاب متوجهاً إلى قريش، لاسيما واللزام مفسرٌ بيوم بدر.
روينا عن البخاري ومسلم، عن عبد الله: خمسٌ قد مضين: الدخان، والقمر، والروم، والبطشة، واللزام، وفي رواية الترمذي: اللزام: يوم بدر.
وروى البرقاني عن الشيخين: اللزام: يوم بدر، وفي "معالم التنزيل": ما يفعل بعذابكم لولا شرككم؟ أي: دعاؤكم الآلهة، كما قال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧]. وقيل: فقد كذبتم أيها الكافرون، فخاطب أهل مكة، يعني: أن الله دعاكم بالرسول إلى توحيده وعبادته، فكذبتم الرسول ولم تجيبوه.
وقال صاحب "الفرائد": أصل الكلام: لولا دعاؤكم- أي: عبادتكم- لم يعبأ بكم،
стр. 5902
وقرئ: (فقد كذب الكافرون). وقيل: يكون العذاب لزاما. وعن مجاهد: هو القتل يوم بدر، وأنه لوزم بين القتلى لزاما. وقرئ: (لَزامًا) بالفتح بمعنى اللزوم، كالثبات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لكن لم تكن عبادتكم، لأنه أرسل الرسول إليكم فقد كذبتموه فلم يعبأ بكم، فقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ واقعٌ موقع لم يعبأ بكم.
والنظم يساعد هذا التأويل، لأن هذه السورة الكريمة على ما سبق مشتملةٌ على بيان عناد كفار قريش، وتكذيبهم آيات الله وتسميتهم القرآن بأساطير الأولين، وطعنهم في الرسول: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧]، كما شرحناه. وأما ذكر المؤمنين فتعريضٌ لهم وقد صرح به في قوله: "ونفي هذه المقبحات العظام عن الموصوفين بتلك الخصال العظيمة في الدين للتعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم"، ثم إن هذه الخاتمة ناظرةٌ إلى الفاتحة، أي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] المعنى: قد أنذر وبالغ فيه، وبين بالآيات الظاهرة، والبراهين الباهرة، تصريحاً وتعريضاً، أن الحكمة في الإيجاد معرفة الخالق، أما تصريحاً ففي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]، وأما تعريضاً ففي عد فضائل المؤمنين، وإذا أعلمكم رسولي أن حكمي ذلك، وأني لا أعتد بعبادي إلا بعبادتهم، فقد خالفتم أنتم بتكذيبكم كتابي ورسولي حكمتي في الإيجاد، فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم، وهو الاستئصال يوم بدر، والعذاب السرمد في النار يوم القيامة، وبالله التوفيق.
قوله: (وقرئ: "لزاماً" بالفتح)، في "المطلع": "لزاما" بالفتح، بمعنى: اللزوم، كالثبات والثبوت، وبالكسر: بمعنى الملازمة، وكلاهما وصفٌ بالمصدر بمعنى: ملازماً أو لازماً.
стр. 5903
والثبوت. والوجه أن ترك اسم "كان" غير منطوق به بعدما علم أنه مما توعد به، لأجل الإبهام وتناول ما لا يكتنهه الوصف، والله أعلم بالصواب.
عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة الفرقان لقي الله يوم القيامة وهو مؤمن بأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأدخل الجنة بغير نصب".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والوجه أن ترك اسم "كان" غير منطوقٍ به)، يريد أنه غير ملفوظ، لكنه مضمرٌ بالبال، لقوله: "بعد ما علم أنه مما توعد به".
والله تعالى أعلم
* * *
стр. 5904
سورة الشعراء
مكية، إلا قوله (وَالشُّعَراءُ) إلى آخر السورة وهي مئتان وسبع وعشرون آية.
وفي رواية: وست وعشرون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١ إلى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) [الشعراء: ١ - ٢].
طسم بتفخيم الألف وإمالتها، وإظهار النون وإدغامها. (الْكِتابِ الْمُبِينِ):
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الشعراء
مكية، إلا قوله: ﴿والشعراء﴾ إلى آخر السورة
وهي مئتان وسبع وعشرون آية، وفي رواية: ست وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (﴿طسم﴾ بتفخيم الألف)، أبو بكرٍ وحمزة والكسائي: بإمالة فتحة الطاء، والباقون: بإخلاص فتحها. وأظهر حمزة النون من هجاء السين عند الميم، وأدغمها الباقون.
стр. 5905
الظاهر إعجازه، وصحة أنه من عند الله. والمراد به السورة أو القرآن. والمعنى: آيات هذا المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب المبين.
[(لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)].
البخع: أن يبلغ بالذبح البخاع- بالباء، وهو عرق مستبطن الفقار، وذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الظاهر إعجازه)، أراد أن المبين من أبان بمعنى بان.
قوله: (والمراد به السورة أو القرآن)، اعلم أن ﴿طسم﴾ إما أن يجعل اسماً للسورة، أو تعداداً لحروف التهجي، والثاني إما واردةٌ على قرع العصا، أو تقدمةً لدلائل الإعجاز كما سبق في الفواتح، ثم المناسب أن يفسر الكتاب بالقرآن إذا جعل ﴿طسم﴾ اسماً لله، ويكون مبتدأ وتلك: مبتدأٌ ثانٍ، وآيات الكتاب: الخبر، والجملة خبر المبتدأ الأول، وإذا جعل تعداداً للحروف يفسر الكتاب بالسورة، ويقدر مضافٌ كما قال: "آيات هذه المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب المبين"، يعني: آيات المؤلف من هذه الحروف، وهو القرآن، كآيات هذه السورة المتحدى به، فأنتم عجزتم عن الإتيان بمثل هذه السورة، فحكم تلك الآيات كذلك. و ﴿تِلكَ﴾ على هذه: إشارةٌ إلى القريب إعلاماً ببعد المنزلة والتناهي في الرتبة، وفي الوجه الأول: الإشعار بالتحدي بهذه السورة أيضاً، يعني: هذه السورة من جملة المتحدى به فأتوا بمثلها.
قوله: (البخع: أن يلغ بالذبح البخاع- بالباء-)، الموحدة، قال ابن الأثير في "النهاية": بحثت في كتب اللغة والطب والتشريح فلم أجد بخاع بالباء. وفي "الكواشي" وأهل اللغة: النخاع بالنون والخاء والعين. الجوهري: النخاع بضم النون: الخيط الأبيض الذي في جوف الفقار. الواحدي: قال جماعةٌ من المفسرين: باخعٌ نفسك: قاتل نفسك، يقال: بخع الرجل نفسه: إذا قتلها غيظاً من شدة وجده بالشيء. وأنشد الزجاج لذي الرمة:
стр. 5906
أقصى حدّ الذبح، ولعل للإشفاق، يعنى: أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على ما فاتك من إسلام قومك، (أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ): لئلا يؤمنوا، أو لامتناع إيمانهم، أو خيفة أن لا يؤمنوا. وعن قتادة: (باخع نفسك) على الإضافة.
[(إِنْ نَشَا نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه … بشيءٍ نحته عن يديه المقادر
المعنى: ألا أيهذا الذي أهلك الوجد نفسه. وفي "الأساس"، في باب الباء مع الخاء: بخع الشاة: بلغ بذبحها الفقار، ومن المجاز: بخعه الوجد: إذا بلغ منه المجهود، وأنشد بيت ذي الرمة.
قوله: (يعني: أشفق على نفسك أن تقتلها حسرةً على ما فاتك من إسلام قومك)، دل على الأمر بالإشفاق قضية الإنكار، أي: إنك تفعل ذلك فلا تفعل. قال الإمام: لما بين الله تعالى أن الكتاب مبينٌ للأشياء، قال بعده: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ منبهاً على أن الكتاب وإن بلغ في البيان كل غايةٍ فلا مدخل له في إيمانهم، لما سبق أن حكم الله بخلافه، فلا تبالغ في الحزن والأسف، لأنك إن بالغت فيه كنت بمنزلة من يقتل نفسه، ثم لا ينتفع بذلك أصلاً، فصبره وعزاه وعرفه أن غمه لا ينفع، كما أن مجرد وجود الكتاب ووضوحه لا ينفع.
قوله: (أو خيفة أن لا يؤمنوا)، إنما قدر الوجهين، لأن قوله: ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ تعليلٌ لقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾، وليس بفعل لفاعل الفعل المعلل، فكان من الظاهر ذكر حرف التعليل، وإنما ترك لأن في "أن" دلالةً عليه لما اطرد حذف الجار منه، أو أنه فعل له على تقدير المضاف، ومن ثم قال: "خيفة أن لا يؤمنوا".
стр. 5907
أراد: آية ملجئة إلى الإيمان قاصرة عليه. (فَظَلَّتْ) معطوف على الجزاء الذي هو (نُنَزِّلْ)، لأنه لو قيل: أنزلنا، لكان صحيحا. ونظيره: (فَأَصَّدَّقَ وأَكُن) [المنافقون: ١٠]،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (آيةً ملجئةً إلى الإيمان)، عن بعضهم: الآية عند أهل السنة غير ملجئةٍ كما قالت المعتزلة، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام: ١١١]، والآيات من الله ليست بعلةٍ للإيمان، وإنما هي أسبابٌ توجب الاعتبار على سبيل الاختيار، وفيه بحثٌ. قال الواحدي: أعلم الله تعالى أنه لو أراد أن ينزل ما يضطرهم إلى الطاعة لقدر على ذلك. وقال ابن جريج: ولو شاء لأراهم أمراً من أمره لا يعمل أحدٌ بعده منهم معصية الله.
وقال القاضي: "آيةً"، أي: دلالةً ملجئةً إلى الإيمان.
قوله: (﴿فَظَلَّتْ﴾ معطوفٌ على الجزاء الذي هو ﴿نُنَزِّلْ﴾)، فالفاء إذن: للتعقيب، والأوجه أن الفاء للسببية، لأن الإنزال سببٌ للخضوع.
قوله: (لو قيل: أنزلنا، لكان صحيحاً)، يعني: ﴿فَظَلَّتْ﴾: معطوفٌ على المضارع الذي لو استعمل بدله الماضي لكان صحيحاً، ويمكن أن يقال: إن فائدة وضع ﴿نُنَزِّلْ﴾ موضع "أنزلنا" استحضار صورة إنزال تلك الآية العظيمة الملجئة إلى الإيمان، وحصول خضوع رقابهم عند ذلك في ذهن السامع ليتعجب منه، وإلا لم يصح عطف الماضي على المستقبل بحرف التعقيب، أو جعل الماضي مسبباً عن المستقبل، أو يقال: الأصل "فتظل" فوضع الماضي موضعه ليؤذن بسرعة الانفعال، وأن نزول الآية لقوة سلطانه بمنزلة أن لم يتوقف حصول الخضوع عند وجوده، كفأنه قد مضى يخبر عنه، وإلى هذا المعنى ينظر قوله: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾ [الأعراف: ١٦٠].
стр. 5908
كأنه قيل: أصدق. وقد قرئ: (لو شئنا لأنزَلْنا)، وقرئ: (فتَظل أعناقُهم) فإن قلت: كيف صح مجيء (خَاضِعينَ) خبرا عن الأعناق؟ قلت: أصل الكلام: فظلوا لها خاضعين، فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "فتظل")، على فك الإدغام. قال الحريري في "درة الغواص": فك الإدغام ضعيفٌ، لأن العرب استعملت الإدغام طلباً للخفة، واستثقالاً للنطق بالحرفين المتماثلين، ورأت أن إبراز الإدغام بمنزلة اللفظ المكرر والحديث المعاد، ثم لم تفرق بين الماضي والمستقبل، وتصاريف المصادر وقد يشتمل قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] على الإدغام في الفعل الماضي والمستقبل: وهذا الحكم مطردٌ في كل ما جاء من الأفعال المضاعفة على وزن فعل وأفعل وفاعل وافتعل وتفاعل واستفعل، نحو: مد الحبل، وأمد، وماد، وامتد وتماد، واستمد، اللهم إلا أن يتصل به ضمير المرفوع أو يؤمر به جماعة التأنيث، نحو: رددت ورددنا وارددن وامددن، لسكون آخر المتماثلين. وقد جوز الإدغام والإظهار في الأمر للواحد، كقولك: رد واردد، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وفي قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ﴾ [الأنفال: ١٣]، فأما ما عدا هذه المواطن فلا يجوز إبراز التضعيف إلا في ضرورة، قال قعنب ابن أم صاحب [في الأفعال]:
مهلاً أعاذل قد جربت من خلقي … أني أجود لأقوام وإن ضننوا
وقد شذ قولهم: قطط شعره، ومششت الدابة، ولححت عينه، أي: التصقت، وضببت البلد: إذا كثر ضبابه. وصككت من الصكك في القوائم، كل ذلك مما لا يعتد به ولا يقاس عليه.
стр. 5909
وترك الكلام على أصله، كقوله: ذهبت أهل اليمامة، كأنّ الأهل غير مذكور. أو لما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء قيل: (خَاضِعِينَ)، كقوله: (لِي ساجِدِينَ) [وقيل أعناق الناس: رؤساؤهم ومقدّموهم، شبهوا بالأعناق كما قيل لهم الرؤوس والنواصي، والصدور. قال:
في محفل من نواصي النّاس مشهود
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وترك الكلام على أصله)، أي: ترك باقي الكلام على أصله، أي: لم يغير، وقيل: ﴿خَاضِعِينَ﴾ خاضعين، وحقه: "خاضعةً".
قوله: (كقوله: ذهبت)، أي: أنث الفعل، وأصله مذكرٌ، لأن الأصل في الاستعمال: "ذهبت اليمامة"، والأهل مقحمٌ لبيان الذاهبين، فترك ذهبت على ما كان، وفي أصل السيرافي: النحويون يجعلون: ذهبت بعض أصحابه، وشرقت صدر القناة، مما يجوز في الشعر، وأبو العباس يجيزه في الكلام، واحتج بهذا الوجه في الآية، فكأنه قال: فظلوا لها خاضعين، واعتمدت على أصحاب الأعناق، وكذلك: شرقت صدر القناة، كأنه لم يذكر الصدر، واعتمدت على ما أضيف الصدر إليه.
قال أبو البقاء: لما أضيف الأعناق إلى المذكر، وكانت متصلةً بهم في الخلقة، أجرى عليها حكمهم. وقال الكسائي: ﴿خَاضِعِينَ﴾ هو: حالٌ من الضمير المجرور، لا من "الأعناق"، وهذا بعيدٌ في التحقيق، لأنه حينئذٍ جارٍ على غير فاعل "ظلت"، فيفتقر إلى إبراز ضمير الفاعل، وإنما يقال: خاضعين م، وكذا في "الكشف".
قوله: (في محفلٍ من نواصي الناس مشهود)، أوله:
стр. 5910
وقيل: جماعات الناس. يقال: جاءنا عنق من الناس؛ لفوج منهم. وقرئ: (فظلَّتْ أعناقُهم لها خاضعةً).
وعن ابن عباس: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية. قال: ستكون لنا عليهم الدولة، فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة، ويلحقهم هوان بعد عزة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومشهدٍ قد كفيت الغائبين به
أراد بالمشهد: المجلس، أي: رب مشهدٍ عظيم الشأن تكلمت فيه وخاصمت عن الغيب عنه، وكشفت الغمة، وأتيت بالحجة بقلب ثابت.
قوله: (وقيل: جماعات الناس)، الأساس: ومن المجاز: أتاني عنقٌ من الناس، للجماعة المتقدمة، وجاؤوا رسلاً رسلاً، وعنقاً عنقاً، والكلام يأخذ بعضه بأعناق بعض. قال العجاج:
حتى بدت أعناق صبح أبلجا
ويفهم من تقابل "رسلاً رسلاً"، لقوله: "عنقاً عنقاً": أن في إطلاق الأعناق على الجماعات اعتبار الهيئة المجتمعة، فالمعنى: فظلوا خاضعين مجتمعين على الخضوع، متفقين عليه لا يخرج أحدٌ منهم عنه، كقولك للجماعة: هم يدٌ، وفائدة الوجه الأول، وهو إقحام العنق، تصوير حالة الخضوع إدخالاً للروعة.
والوجه الثاني من باب إجراء ما لا يعقل مجرى العقلاء مبالغةً لخضوعهم، فكأنه سرى منهم إليها.
والثالث من إطلاق الجزء على الكل، فإن المتكبر إنما يظهر تجبره في عنقه، وليه له، ولهذا سمي الملك بالصيد يقال: ملكٌ أصيد، لا يلتفت من زهوه يميناً وشمالاً.
стр. 5911
[(وَما يَأتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَاتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)].
أي: وما يجدد لهم الله بوحيه موعظة وتذكيرا، إلا جددوا إعراضا عنه وكفرا به.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: وما يجدد لهم الله بوحيه موعظةً وتذكيراً، إلا جددوا إعراضاً عنه وكفراً به)، فإن قلت: هب أن قولهن: ﴿مُحْدَثٍ﴾ يدل على التجدد، لكن قوله: ﴿كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ وقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ وقوله: ﴿كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ لا يدل إلا على المضي، فمن أين قال: "إلا جددوا إعراضاً"؟ ولذلك قال الإمام: الآية من تمام قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَا نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ﴾، فنبه تعالى أنه مع قدرته على أن يجعلهم مؤمنين بالإلجاء رحيمٌ بهم، حيث يأتيهم بالقرآن حالاً بعد حال، ويكرره عليهم، وهم مع ذلك على جدٍّ واحدٍ في الإعراض والتكذيب والاستهزاء".
قلت: المصنف ما اعتبر التجدد والاستمرار من لفظٍ ﴿مُحْدَثٍ﴾، بل من وقوع المضارع مقابلاً للمضي، وهو: ﴿وَمَا يَاتِيهِمْ﴾ كما اعتبروه من وقوع المضارع في حد المضي في قولهم: لو تحسن إلى لشكرت. قال صاحب "المفتاح": قصدوا بـ "تحسن": أن إحسانه مستمر الامتناع فيما مضى وقتاً فوقتاً، وأما لفظة ﴿مُحْدَثٍ﴾، فلتوكيد معنى التجدد والاستمرار فيما يأتيهم.
وأما قضية النظم فإن هذه الآية متصلةٌ معنى بقول تعالى: ﴿طسم (١) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، فإنه تعالى أعلم أولاً أنه أنزل هذا الكتاب الكريم في نهايةٍ من الوضوح والبيان، وأنهم ما رفعوا له رأساً، ثم نبه ثانياً على أن هذا الكتاب مع وضوح آياته إنما أنزل على سبيل التدرج، ليكون أدخل في التذكير، وأنجع في الاتعاظ به، وهم مع ذلك قابلوا كل حصةٍ منه بتكذيبٍ واستهزاء، كل ذلك تسليةً لحبيبه ﷺ لئلا يذهب بنفسه حسرات، ولذلك أوقع قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ الآيتين اعتراضاً، يعني: انظر إليهم وإلى ما
стр. 5912
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فعلوا بمثل هذا الكتاب الكريم، وبمنزله، على أنه قادرٌ على أن يقسرهم على الإيمان وهم مهانون خاضعون، فأشفق على نفسك أن تقتلها حسرةً على ما فاتك من إسلامهم.
وأنت يا أيها المتأمل في كتاب الله المجيد إذا أمعنت النظر فيما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة وجدته نازلاً تسليةً لقلب الحبيب صلوات الله وسلامه عليه من تكذيب القوم إياه، والطعن فيما أنزل إليه والاستهزاء به، ألا ترى كيف ذيل كل قصةٍ من القصص المذكورة فيها بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾، وجعل كالتخلص إلى قصةٍ أخرى وكالمهتم بشأنه، فيرجع إليه إذا وجد له مجالاً، يعني: لا تتحسر على إصرارهم على الكفر، وتكذيبهم ما أنزلنا عليك، إن ربك عزيزٌ ينتقم منهم، ويرحم عليك بأن يقدر لك من يؤمن بك إن لم يؤمن هؤلاء. ومن ثم قرن معه وقدم عليه كل مرةٍ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وإليه الإشارة بقوله: "لهو العزيز في انتقامه من الكفرة، الرحيم لمن تاب" وأحسن. يعني: لك التأسي بربك مع كبريائه وجلاله، وبالأنبياء ﵈ السالفة، ولذلك بدأ بأمر نفسه، وذكر أنه تعالى أنزل عليهم دليل السمع، فأعرضوا وكذبوا واستهزأوا، ونصب لهم الدلائل الظاهرة، وأراهم آياتٍ يفتح بها أعينهم: من إنبات كل صنفٍ بهيج، وما التفتوا ولا رفعوا له رأساً، ثم فصل ذلك بتلك الفاصلة، وقرنها بتلك القرينة، وثنى بقصة موسى ﵇ وختمها أيضاً بتلك الفاصلة والقرينة، وثلث بقصة الخليل ﵇ وختمها بهما، وهلم جراً إلى آخر السورة.
انظر- أيها المتأمل في كتاب الله المجيد، المستخرج للطائفة من قعر بحره، الملتقط لدرره بغوص فكره- إلى رفعة منزلة سيدنا محمدٍ صلوات الله وسلامه عليه، ونباهة قدره، كأنه التنزيل بجملته نازلٌ لتسكين بادرته، وتسلي حزنه، وتثبيت خلده، ورباطة جأشه، وتهذيب أخلاقه، وإرشاد أمته، مع مراعاة ألفاظ التلويح والتعريض والرمز، كالمناغاة بين المتحابين، ولله در شيخنا شيخ الإسلام أبي حفص السهر وردي قدس الله تعالى روحه حيث
стр. 5913
فإن قلت: كيف خولف بين الألفاظ والغرض واحد، وهي: الإعراض والتكذيب والاستهزاء؟ قلت:
إنما خولف بينها لاختلاف الأغراض، كأنه قيل. حين أعرضوا عن الذكر فقد كذبوا به، وحين كذبوا به فقد خف عندهم قدره وصار عرضة للاستهزاء والسخرية، لأنّ من كان قابلا للحق مقبلا عليه، كان مصدقا به لا محالة ولم يظنّ به التكذيب. ومن كان مصدقا به، كان موقرا له. (فَسَيَاتِيهِمْ) وعيد لهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال: بين قوله : ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] وبين قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] مناسبةٌ تشعر بقول أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما: كان خلقه القرآن، وفي رمزٌ غامضٌ وإيماءٌ خفيٌ إلى الأخلاق الربانية، وهو أنها احتشمت الحضرة الإلهية بأن تقول: بأنه صلوات الله عليه وسلامه كان متخلفاً بأخلاق الله تعالى، فعبرت بقولها: "كان خلقه القرآن"، استحياءً من سبحات الجلال، وستراً للحال بلطف المقال، وهذا من وفور علمها وكمال أدبها، لأن الله تعالى أبرز إلى الخلق أسماء منبئةً عن صفات الكمال، وما أظهرها لهم إلا ليدعوهم إليها، ولولا أنه تعالى أودع في القوى البشرية التخلق بالأخلاق ما أبرزها لهم، لكن يختص برحمته من يشاء.
قوله: (والغرض واحدٌ)، وهو دفعه والكفر به، كما قال: إعراضاً عنه وكفراً به. وتلخيص الجواب: منع ذلك، وأن المراد التدرج من غرضٍ إلى غرضٍ هو المقصود، وتصوير معنى ما صدر منهم من الاستهزاء، وأنه نتيجة التكذيب المسبب عن الإعراض، فالفاء في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ عاطفةٌ كما مر، وفي قولهم: ﴿فَسَيَاتِيهِمْ﴾ سببيةٌ فصيحة، لأن مدخولها وعيدٌ للمستهزئ، والوعيد مسبوقٌ بحصول الاستهزاء، ولذلك قدر: "فقد خف عندهم قدره، وصار عرضةً للاستهزاء والسخرية".
стр. 5914
وإنذار بأنهم سيعلمون إذا مسهم عذاب الله يوم بدر أو يوم القيامة (مَا) الشيء الذي كانوا يستهزءون به؛ وهو القرآن، وسيأتيهم أنباؤه وأحواله التي كانت خافية عليهم.
[(أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ* إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)].
وصف الزوج وهو الصنف من النبات بالكرم، والكريم: صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه، يقال: وجه كريم، إذا رضي في حسنه وجماله، وكتاب كريم: مرضىّ في معانيه وفوائده، وقال:
حتّي يشقّ الصّفوف من كرمه
أي: من كونه مرضيا في شجاعته وبأسه، والنبات الكريم: المرضي فيما يتعلق به
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حتى يشق الصفوف من كرمه)، أوله:
ولا يخيم اللقاء فارسهم
قبله:
لا يسلمون الغداة جارهم … حتى يزل الشراك عن قدمه
أي: إلا إذا مات صاحبه. لا يخيم: لا يجبن، وانتصاب "اللقاء" على حذف "عن" وإيصال الفعل. وقوله: "حتى يشق الصفوف من كرمه"، يريد: إلى أن يشقها كرماً منه، وأنه لا يرضى بأدنى المنزلتين في اللقاء بنفسه، بل يأتي إلى النهاية في العلو، أي: من كونه مرضياً في شجاعته وبأسه. وأما قول المصنف: "والكرم صفة ٌ لك ما يرضى ويحمد في بابه"، فبيانٌ للقدر المشترك فيما يطلق عليه اسم الكرم، والقدر المشترك من الاعتبار المجازي. قال في "الأساس": ومن المجاز: كرم السحاب تكريماً: جاد بمطره، وأرضٌ مكرمةٌ للنبات، إذا جاد نباتها، ولا يكرم الحب حتى يكثر العصف.
стр. 5915
من المنافع (إِنَّ فِي) إنبات تلك الأصناف (لَآيَةً) على أن منبتها قادر على إحياء الموتى، وقد علم الله أن أكثرهم مطبوع على قلوبهم، غير مرجوّ إيمانهم (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ) في انتقامه من الكفرة (الرَّحِيمُ) لمن تاب وآمن وعمل صالحا. فإن قلت: ما معنى الجمع بين "َكم" و"كُلّ"؟ ولو قيل كم أنبتنا فيها من زوج كريم؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿إِنَّ فِي﴾ إنبات تلك الأصناف: ﴿لَآَيَةً﴾ على أنها منبتها قادرٌ على إحياء الموتى) إشارةٌ إلى بيان النظم، وأن الذكر المحدث المطلق في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ مقيدٌ بقيد إثبات الحشر والنشر، وأن المقدر بعد همزة الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الاستهزاء والتكذيب، وهو المعطوف عليه، أي: أكذبوا بالبعث، ولم يروا إلى الأرض؟ وعليه قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠].
قوله: (ما معنى الجمع بين "كم" و"كل"؟ ولو قيل: كم أنبتنا فيها من زوج كريم)، أي: لو قيل لكان كافياً، وأجاب: أن مقام بيان كمال قدرة الله تعالى يقتضي إيراد ما يستوعب الأصناف كلها مع بيان تكاثرها، ولا يحصل ذلك إلا بالجمع بين كم وكل. ونقل صاحب "الانتصاف" الجواب، ثم قال: فيكون المراد بالتكثير: الأنواع، والظاهر أن المراد به آحاد الأزواج والأنواع، فلو أسقطت "كلًا" وقلت: انظر إلى الأرض كم أنبت الله تعالى فيها من الصنف الفلاني، لكنت مكثراً آحاد ذلك الصنف، فإذا أدخلت "كل" آذنت بتكثير آحاد كل صنفٍ لا آحاد صنفٍ معين.
وقلت: هاهنا صورٌ ثلاث:
إحداها: كم أنبتنا فيها من زوج كريم، فالكثرة في آحاد صنف، لا آحاد كل صنف. وثانيتها: أنبتنا فيها كل زوج، فليس فيها إلا استيعاب الأصناف المعلومة. وثالثتها: ما عليه التلاوة، فالكل: لإحاطة جميع الأصناف، وكم: لكثرة أفراد كل صنفٍ من تلك الأصناف،
стр. 5916
قلت: قد دلّ "كُلِّ" على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و "كَمْ" على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة، فهذا معنى الجمع بينهما، وبه نبه على كمال قدرته. فإن قلت: فما معنى وصف الزوج بالكريم؟ قلت: يحتمل معنيين، أحدهما: أن النبات على نوعين: نافع وضارّ، فذكر كثرة ما أنبت في الأرض من جميع أصناف النبات النافع، وخلى ذكر الضارّ. والثاني: أن يعم جميع النبات نافعة وضارّه، ويصفهما جميعا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهو المراد من قوله: فإذا أدخلت "كل" آذنت بتكثير آحاد كل صنف. هذا شرح كلامه، لكن هذا التركيب لا يفيد إلا ما قال المصنف كما سنقرره.
وقيل: على ما ذكره المصنف: "من": بيانٌ، والأولى أن يقال: إنها للابتداء، أو للتبعيض، أي: أنبتنا من كل صنفٍ أفراداً كثيرةً، ونباتاتٍ متعددةً، فيكون إشارةً إلى كثرة الأفراد من كل صنف، و"كل: إشارةٌ على الإحاطة بجميع الأصناف، و"كم": إشارةٌ إلى كثرة الأفراد من أي صنفٍ فرض من هذه الأصناف، ويجوز أن يكون هذا المعنى هو مراد المصنف، وظاهر كلامه يوهم خلافه.
وقلت: معنى كلام المصنف: "أن هذا المحيط متكاثرٌ": أن هذا الذي أحاط بأزواج النبات متكاثرٌ، فالمحيط: الكل، والمحاط به: الأصناف والظاهر معه، لأن مدخول "كم" قوله: ﴿أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾، فيلزم تكاثر هذا المجموع، فيدخل فيه آحاد كل صنف، بدليل الخطاب، لكون المقام مقام مبالغة، ولهذا تبعه الإمام، ونقل ألفاظ "الكشاف" بعينها من غير تغيير. وقال القاضي: "كلٌ": لإحاطة الأزواج، و"كم": لكثرتها، فظهر أن فائدة الجمع بين "كم" و"كل": التكميل، إذ لو اقتصر على أحدهما لم يعلم المعنى الآخر، ولهذا قال: "ونبه به على كمال قدرته".
قوله: (والثاني: أن يعم جميع النبات نافعه وضاره)، فعلى هذا: الصفة مادحهٌ، وعلى الأول: فارقةٌ.
стр. 5917
بالكرم وينبه على أنه ما أنبت شيئا إلا وفيه فائدة، لأنّ الحكيم لا يفعل فعلا إلا لغرض صحيح ولحكمة بالغة، وإن غفل عنها الغافلون، ولم يتوصل إلى معرفتها العاقلون. فإن قلت: فحين ذكر الأزواج ودلّ عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة، وكانت بحيث لا يحصيها إلا عالم الغيب، كيف قال: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً)؟ وهلا قال: آيات؟ قلت: فيه وجهان: أن يكون ذلك مشارا به إلى مصدر (أَنبَتْنَا)، فكأنه قال: إن في الإنبات لآية أىّ آية. وأن يراد: أن في كل واحدة من تلك الأزواج لآية. وقد سبقت لهذا الوجه نظائر.
[(وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ)].
سجل عليهم بالظلم بأن قدّم القوم الظالمين، ثم عطفهم عليهم عطف البيان، كأن معنى القوم الظالمين وترجمته قوم فرعون، وكأنهما عبارتان تعتقبان على مؤدى واحد: إن شاء ذاكرهم عبر عنهم بالقوم الظالمين، وإن شاء عبر بقوم فرعون. وقد استحقوا هذا الاسم من جهتين: من جهة ظلمهم أنفسهم بكفرهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إلا لغرضٍ صحيح)، وعن بعضهم: الغرض من الغرضة، وهي العقدة، كما سميت الحاجة حاجةً وهي الشوكة، والله تعالى يتعالى عن ذلك، لأنهما ما لم يقضيا تكون عقدةً في قلب الطالب والمحتاج.
قوله: وقد سبقت لهذا الوجه نظائر)، ونظيره في هذه السورة قوله تعالى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]، أي: كل واحدٍ منا، ومنه قولهم: دخلنا على الأمير فكسانا حلةً، أي: كل واحدٍ منا.
قوله: (وقد استحقوا هذا الاسم من جهتين)، يعني: إنما سموا بالظالمين وصار كاللقب لهم، لما عهد منهم ظلمهم أنفسهم ولبني إسرائيل، فجئ بقوله: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ كشفاً لذلك المعنى، وتشديداً لذلك الاسم، كما أن الحق إنما يثبت على الغريم بتاً إذا كتب الصك وسجل عليه، وإليه الإشارة بقوله: "سجل عليهم بالظلم".
стр. 5918
وشرارتهم، ومن جهة ظلمهم لبني إسرائيل باستعبادهم لهم. قرئ: (ألا يتقون) بكسر النون، بمعنى: ألا يتقوننى فحذفت النون لاجتماع النونين، والياء للاكتفاء بالكسرة. فإن قلت: بم تعلق قوله: (أَلا يَتَّقُونَ)؟ قلت: هو كلام مستأنف أتبعه إرساله إليهم للإنذار، والتسجيل عليهم بالظلم، تعجيبا لموسى ﵇ من حالهم التي شنعت في الظلم والعسف، ومن أمنهم العواقب وقله خوفهم وحذرهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وشرارتهم)، الأساس: طارت من النار شرارةٌ وشررة، وتقول: كان أبوك نار شرارةٍ، وأنت منها شرارةٌ.
قوله: (هو كلامٌ مستأنف)، قال أبو البقاء: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ يقرأ بالياء على الاستئناف، وبالتاء على الخطاب، والتقدير: يا قوم فرعون.
قوله: (أتبعه الله إرساله)، أي: أتبع الله تعالى بقوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ قوله: ﴿ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وهو كلامٌ مشتملٌ على إرسال الله تعالى موسى ﵇ إلى فرعون المسجل بقوله: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، فقوله: "تعجيباً": مفعولٌ له لأتبعه، وذلك أنه تعالى لما قال: ﴿ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ توطئةً، ثم بينه بقوله: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ تسجيلاً، ويتم عليهم ذلك المعنى بقوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾، فهو كالتتميم للمعنى. وأما معنى التعجيب فكأنه قيل: يا موسى إما انتهى تماديهم في الظلم، وإما بلغ زمان إنذارهم وأوان تخويفهم بأيامي وعقابي فيتقون، ما أعجب حالهم في الظلم!
قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال في الغيبة: ائت قوم فرعون قائلاً قولي لهم: ألا يتقون، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦]، أي: فقل
стр. 5919
من أيام الله. ويحتمل أن يكون "لا يَتَّقُونَ" حالا من الضمير في (الظَّالِمِينَ)، أي: يظلمون غير متقين الله وعقابه، فأدخلت همزة الإنكار على الحال. وأمّا من قرأ: (ألا تتقون) على الخطاب؛ فعلى طريقة الالتفات إليهم، وجبههم، وضرب وجوههم بالإنكار، والغضب عليهم، كما ترى من يشكو من ركب جناية إلى بعض أخصائه والجاني حاضر، فإذا اندفع في الشكاية وحرّ مزاجه وحمى غضبه قطع مباثة صاحبه وأقبل على الجاني يوبخه ويعنف به، ويقول له: ألا تتق الله، ألم تستح من الناس. فإن قلت: فما فائدة هذا الالتفات، والخطاب مع موسى ﵇ في وقت المناجاة، والملتفت إليهم غيب لا يشعرون؟ قلت: إجراء ذلك في تكليم المرسل إليهم في معنى إجرائه بحضرتهم وإلقائه إلى مسامعهم، لأنه مبلغه ومنهيه وناشره بين الناس، وله فيه لطف وحث على زيادة التقوى، وكم من آية أنزلت في شأن الكافرين وفيها أوفر نصيب للمؤمنين، تدبرا لها واعتبارا بموردها. وفي (أَلا يَتَّقُونَ) بالياء وكسر النون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لهم قولي: إني قريبٌ، أو مبلغاً قولي، وكذا في قراءة كسر النون، وفي الخطاب قائلاً لهم: ألا تتقون، وفي الأوجه: ألا تتقون: منصوب المحل على أنه مفعولٌ، لأنه مقولٌ.
قوله: (من أيام الله)، أيام الله تعالى: وقائعه ممن مضى من الأمم، كقولهم: أيام العرب لوقائعهم، واليوم يعبر به عن الشدة.
قوله: (وجبههم)، الأساس: جبهته: ضربت جبهته، ومن المجاز: جبهته: لقيته بما يكره، ولقيت منه جبهةً، أي: مذلةً وأذى، وأنشد بعضهم:
حييت عنها أيها الوجه … ولغيرك الشحناء والجبه
قوله: (أخصائه)، قيل: هو جمع "خصيص"، أي المخصوص.
قوله: (وكم من آية أنزلت في شأن الكافرين وفيها أوفر نصيبٍ للمؤمنين)، الأول من عبارة النص، والثاني من إشارته.
стр. 5920
وجه آخر، وهو أن يكون المعنى: ألا يا ناس اتقون، كقوله: (أَلَّا يَسْجُدُوا) [النمل: ٢٥].
[(قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ* وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ)].
و(يَضِيقُ) و (يَنطَلِقُ) بالرفع لأنهما معطوفان على خبر "إنّ"، وبالنصب لعطفهما على صلة (أن).
والفرق بينهما في المعنى: أنّ الرفع يفيد أنّ فيه ثلاث علل:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ألا يا ناس اتقون)، هذا من باب حذف المنادى، وحق الكناية هكذا: ألا يا اتقون، وألا يا اسجدوا، ولكن في الإمام كتبا متصلين، ونحوه قول الشاعر:
ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى … ولا زال منهلاً بجر عائك القطر
أي: ألا يا دار، فحذف المنادى.
قوله: (وبالنصب)، قال القاضي: قرأ يعقوب: "يضيق"، "ولا ينطلق"، بالنصب.
قوله: (أن الرفع يفيد أن فيه ثلاث علل)، قال القاضي: رتب استدعاء ضم أخيه إليه وإشراكه له في الأمر في الأمر على الأمور الثلاثة: خوف التكذيب، وضيق القلب انفعالاً عنه، وازدياد الحبسة في اللسان بانقباض الروح إلى باطن القلب عند ضيقه بحيث لا ينطلق، لأنها إذا اجتمعت مست الحاجة إلى معين يقوي قلبه، وينوب منابه، حتى لا تختل دعوته ولا تنبتر حجته.
следующие страницы →