Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.
стр. 5916
قلت: قد دلّ "كُلِّ" على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و "كَمْ" على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة، فهذا معنى الجمع بينهما، وبه نبه على كمال قدرته. فإن قلت: فما معنى وصف الزوج بالكريم؟ قلت: يحتمل معنيين، أحدهما: أن النبات على نوعين: نافع وضارّ، فذكر كثرة ما أنبت في الأرض من جميع أصناف النبات النافع، وخلى ذكر الضارّ. والثاني: أن يعم جميع النبات نافعة وضارّه، ويصفهما جميعا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهو المراد من قوله: فإذا أدخلت "كل" آذنت بتكثير آحاد كل صنف. هذا شرح كلامه، لكن هذا التركيب لا يفيد إلا ما قال المصنف كما سنقرره.
وقيل: على ما ذكره المصنف: "من": بيانٌ، والأولى أن يقال: إنها للابتداء، أو للتبعيض، أي: أنبتنا من كل صنفٍ أفراداً كثيرةً، ونباتاتٍ متعددةً، فيكون إشارةً إلى كثرة الأفراد من كل صنف، و"كل: إشارةٌ على الإحاطة بجميع الأصناف، و"كم": إشارةٌ إلى كثرة الأفراد من أي صنفٍ فرض من هذه الأصناف، ويجوز أن يكون هذا المعنى هو مراد المصنف، وظاهر كلامه يوهم خلافه.
وقلت: معنى كلام المصنف: "أن هذا المحيط متكاثرٌ": أن هذا الذي أحاط بأزواج النبات متكاثرٌ، فالمحيط: الكل، والمحاط به: الأصناف والظاهر معه، لأن مدخول "كم" قوله: ﴿أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾، فيلزم تكاثر هذا المجموع، فيدخل فيه آحاد كل صنف، بدليل الخطاب، لكون المقام مقام مبالغة، ولهذا تبعه الإمام، ونقل ألفاظ "الكشاف" بعينها من غير تغيير. وقال القاضي: "كلٌ": لإحاطة الأزواج، و"كم": لكثرتها، فظهر أن فائدة الجمع بين "كم" و"كل": التكميل، إذ لو اقتصر على أحدهما لم يعلم المعنى الآخر، ولهذا قال: "ونبه به على كمال قدرته".
قوله: (والثاني: أن يعم جميع النبات نافعه وضاره)، فعلى هذا: الصفة مادحهٌ، وعلى الأول: فارقةٌ.
стр. 5917
بالكرم وينبه على أنه ما أنبت شيئا إلا وفيه فائدة، لأنّ الحكيم لا يفعل فعلا إلا لغرض صحيح ولحكمة بالغة، وإن غفل عنها الغافلون، ولم يتوصل إلى معرفتها العاقلون. فإن قلت: فحين ذكر الأزواج ودلّ عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة، وكانت بحيث لا يحصيها إلا عالم الغيب، كيف قال: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً)؟ وهلا قال: آيات؟ قلت: فيه وجهان: أن يكون ذلك مشارا به إلى مصدر (أَنبَتْنَا)، فكأنه قال: إن في الإنبات لآية أىّ آية. وأن يراد: أن في كل واحدة من تلك الأزواج لآية. وقد سبقت لهذا الوجه نظائر.
[(وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ)].
سجل عليهم بالظلم بأن قدّم القوم الظالمين، ثم عطفهم عليهم عطف البيان، كأن معنى القوم الظالمين وترجمته قوم فرعون، وكأنهما عبارتان تعتقبان على مؤدى واحد: إن شاء ذاكرهم عبر عنهم بالقوم الظالمين، وإن شاء عبر بقوم فرعون. وقد استحقوا هذا الاسم من جهتين: من جهة ظلمهم أنفسهم بكفرهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إلا لغرضٍ صحيح)، وعن بعضهم: الغرض من الغرضة، وهي العقدة، كما سميت الحاجة حاجةً وهي الشوكة، والله تعالى يتعالى عن ذلك، لأنهما ما لم يقضيا تكون عقدةً في قلب الطالب والمحتاج.
قوله: وقد سبقت لهذا الوجه نظائر)، ونظيره في هذه السورة قوله تعالى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]، أي: كل واحدٍ منا، ومنه قولهم: دخلنا على الأمير فكسانا حلةً، أي: كل واحدٍ منا.
قوله: (وقد استحقوا هذا الاسم من جهتين)، يعني: إنما سموا بالظالمين وصار كاللقب لهم، لما عهد منهم ظلمهم أنفسهم ولبني إسرائيل، فجئ بقوله: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ كشفاً لذلك المعنى، وتشديداً لذلك الاسم، كما أن الحق إنما يثبت على الغريم بتاً إذا كتب الصك وسجل عليه، وإليه الإشارة بقوله: "سجل عليهم بالظلم".
стр. 5918
وشرارتهم، ومن جهة ظلمهم لبني إسرائيل باستعبادهم لهم. قرئ: (ألا يتقون) بكسر النون، بمعنى: ألا يتقوننى فحذفت النون لاجتماع النونين، والياء للاكتفاء بالكسرة. فإن قلت: بم تعلق قوله: (أَلا يَتَّقُونَ)؟ قلت: هو كلام مستأنف أتبعه إرساله إليهم للإنذار، والتسجيل عليهم بالظلم، تعجيبا لموسى ﵇ من حالهم التي شنعت في الظلم والعسف، ومن أمنهم العواقب وقله خوفهم وحذرهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وشرارتهم)، الأساس: طارت من النار شرارةٌ وشررة، وتقول: كان أبوك نار شرارةٍ، وأنت منها شرارةٌ.
قوله: (هو كلامٌ مستأنف)، قال أبو البقاء: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ يقرأ بالياء على الاستئناف، وبالتاء على الخطاب، والتقدير: يا قوم فرعون.
قوله: (أتبعه الله إرساله)، أي: أتبع الله تعالى بقوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ قوله: ﴿ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وهو كلامٌ مشتملٌ على إرسال الله تعالى موسى ﵇ إلى فرعون المسجل بقوله: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، فقوله: "تعجيباً": مفعولٌ له لأتبعه، وذلك أنه تعالى لما قال: ﴿ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ توطئةً، ثم بينه بقوله: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ تسجيلاً، ويتم عليهم ذلك المعنى بقوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾، فهو كالتتميم للمعنى. وأما معنى التعجيب فكأنه قيل: يا موسى إما انتهى تماديهم في الظلم، وإما بلغ زمان إنذارهم وأوان تخويفهم بأيامي وعقابي فيتقون، ما أعجب حالهم في الظلم!
قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال في الغيبة: ائت قوم فرعون قائلاً قولي لهم: ألا يتقون، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦]، أي: فقل
стр. 5919
من أيام الله. ويحتمل أن يكون "لا يَتَّقُونَ" حالا من الضمير في (الظَّالِمِينَ)، أي: يظلمون غير متقين الله وعقابه، فأدخلت همزة الإنكار على الحال. وأمّا من قرأ: (ألا تتقون) على الخطاب؛ فعلى طريقة الالتفات إليهم، وجبههم، وضرب وجوههم بالإنكار، والغضب عليهم، كما ترى من يشكو من ركب جناية إلى بعض أخصائه والجاني حاضر، فإذا اندفع في الشكاية وحرّ مزاجه وحمى غضبه قطع مباثة صاحبه وأقبل على الجاني يوبخه ويعنف به، ويقول له: ألا تتق الله، ألم تستح من الناس. فإن قلت: فما فائدة هذا الالتفات، والخطاب مع موسى ﵇ في وقت المناجاة، والملتفت إليهم غيب لا يشعرون؟ قلت: إجراء ذلك في تكليم المرسل إليهم في معنى إجرائه بحضرتهم وإلقائه إلى مسامعهم، لأنه مبلغه ومنهيه وناشره بين الناس، وله فيه لطف وحث على زيادة التقوى، وكم من آية أنزلت في شأن الكافرين وفيها أوفر نصيب للمؤمنين، تدبرا لها واعتبارا بموردها. وفي (أَلا يَتَّقُونَ) بالياء وكسر النون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لهم قولي: إني قريبٌ، أو مبلغاً قولي، وكذا في قراءة كسر النون، وفي الخطاب قائلاً لهم: ألا تتقون، وفي الأوجه: ألا تتقون: منصوب المحل على أنه مفعولٌ، لأنه مقولٌ.
قوله: (من أيام الله)، أيام الله تعالى: وقائعه ممن مضى من الأمم، كقولهم: أيام العرب لوقائعهم، واليوم يعبر به عن الشدة.
قوله: (وجبههم)، الأساس: جبهته: ضربت جبهته، ومن المجاز: جبهته: لقيته بما يكره، ولقيت منه جبهةً، أي: مذلةً وأذى، وأنشد بعضهم:
حييت عنها أيها الوجه … ولغيرك الشحناء والجبه
قوله: (أخصائه)، قيل: هو جمع "خصيص"، أي المخصوص.
قوله: (وكم من آية أنزلت في شأن الكافرين وفيها أوفر نصيبٍ للمؤمنين)، الأول من عبارة النص، والثاني من إشارته.
стр. 5920
وجه آخر، وهو أن يكون المعنى: ألا يا ناس اتقون، كقوله: (أَلَّا يَسْجُدُوا) [النمل: ٢٥].
[(قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ* وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ)].
و(يَضِيقُ) و (يَنطَلِقُ) بالرفع لأنهما معطوفان على خبر "إنّ"، وبالنصب لعطفهما على صلة (أن).
والفرق بينهما في المعنى: أنّ الرفع يفيد أنّ فيه ثلاث علل:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ألا يا ناس اتقون)، هذا من باب حذف المنادى، وحق الكناية هكذا: ألا يا اتقون، وألا يا اسجدوا، ولكن في الإمام كتبا متصلين، ونحوه قول الشاعر:
ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى … ولا زال منهلاً بجر عائك القطر
أي: ألا يا دار، فحذف المنادى.
قوله: (وبالنصب)، قال القاضي: قرأ يعقوب: "يضيق"، "ولا ينطلق"، بالنصب.
قوله: (أن الرفع يفيد أن فيه ثلاث علل)، قال القاضي: رتب استدعاء ضم أخيه إليه وإشراكه له في الأمر في الأمر على الأمور الثلاثة: خوف التكذيب، وضيق القلب انفعالاً عنه، وازدياد الحبسة في اللسان بانقباض الروح إلى باطن القلب عند ضيقه بحيث لا ينطلق، لأنها إذا اجتمعت مست الحاجة إلى معين يقوي قلبه، وينوب منابه، حتى لا تختل دعوته ولا تنبتر حجته.
стр. 5921
خوف التكذيب، وضيق الصدر، وامتناع انطلاق اللسان، والنصب على أنّ خوفه متعلق بهذه الثلاثة. فإن قلت: في النصب تعليق الخوف بالأمور الثلاثة، وفي جملتها نفي انطلاق اللسان. وحقيقة الخوف إنما هي غم يلحق الإنسان لأمر سيقع، وذلك كان واقعا، فكيف جاز تعليق الخوف به؟ قلت: قد علق الخوف بتكذيبهم وبما يحصل له بسببه من ضيق الصدر، والحبسة في اللسان زائدة على ما كان به، على أنّ تلك الحبسة التي كانت به قد زالت بدعوته. وقيل: بقيت منها بقية يسيرة. فإن قلت: اعتذارك هذا يردّه الرفع، لأنّ المعنى: إنى خائف ضيق الصدر غير منطلق اللسان. قلت: يجوز أن يكون هذا قبل الدعوة واستجابتها، ويجوز أن يريد القدر اليسير الذي بقي به، ويجوز أن لا يكون مع حل العقدة من لسانه من الفصحاء المصاقع الذين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على أن تلك الحبسة التي كانت به قد زالت بدعوتة)، يعني بقوله ﵇: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: ٢٧]، والحاصل أن المتوقع زيادة الحبسة على تقدير بقائها، أو معاودتها على تقدير زوالها إن زالت بالكلية ولو بقيت منها بقيةٌ.
قوله: (اعتذارك هذا يرده الرفع)، يعني: قد أجبت أنا ما يخاف عليه يجب أن يكون متوقعاً، لا واقعاً، وأن المراد بالحبسة: الزائدة الطارئة، أو معاودة الزائل، هذا على تقدير النصب صحيحٌ، لأن "يضيق"، "ولا ينطلق": معطوفان على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، وأما على قراءة الرفع فلا، لأنهما معطوفان على "أخاف"، فلم يكونا متوقعين، لأن الخوف غير مسلطٍ عليهما، فيلزم الوقوع كالخوف، وأن المعنى: إني خائفٌ ضيق الصدر، وإني غير منطلق اللسان، والواجب اتفاق القراءتين في أصل المعنى. وأجاب بما يجمع القراءتين في المعنى، وذلك أن قراءة الرفع مبنيةٌ على أن هذه القول كائنٌ قبل أن يقول: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: ٢٧] وقراءة النصب على أنه بعده، فاختلاف الزمانين دافعٌ للتناقض الواقع بين القراءتين، وفيه بحثٌ، فالمختار هي القراءة بالرفع التي عليها الجمهور.
قوله: (المصاقع)، الأساس: صقع الديك، وخطيبٌ مصقع، مجهرٌ في خطبته، وقيل: المصقع: الخطيب البليغ، كأنه يقصد كل صقع من الكلام، أي: كل ناحية.
стр. 5922
أوتوا سلاطة الألسنة وبسطة المقال، وهارون كان بتلك الصفة، فأراد أن يقرن به. ويدل عليه قوله : (وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً) [القصص: ٣٤]. ومعنى: (فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ): أرسل إليه جبرائيل، واجعله نبيا، وآزرنى به، واشدد به عضدي، وهذا كلام مختصر. وقد بسطه في غير هذا الموضع، وقد أحسن في الاختصار حيث قال: (فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ)، فجاء بما يتضمن معنى الاستنباء، ومثله في تقصير الطويلة والحسن قوله تعالى: (فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً) [الفرقان: ٣٦]؛ حيث اقتصر على ذكر طرفي القصة أوّلها وآخرها، وهما الإنذار والتدمير، ودلّ بذكرهما على ما هو الغرض من القصة الطويلة كلها، وهو أنهم قوم كذبوا بآيات الله، فأراد إلزام الحجة عليهم، فبعث إليهم رسولين فكذبوهما، فأهلكهم. فإن قلت: كيف ساغ لموسى ﵇ أن يأمره الله بأمر فلا يتقبله بسمع وطاعة من غير توقف وتشبث بعلل، وقد علم أن الله من ورائه؟ قلت: قد امتثل وتقبل، ولكنه التمس من ربه أن بعضده بأخيه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (سلاطة الألسنة)، الأساس: امرأةٌ سليطةٌ: طويلة اللسان صخابةٌ، ورجلٌ سليطٌ، وقد سلط سلاطةً، وقيل: رجلٌ سليطٌ، أي: فصيحٌ حديد اللسان.
قوله: (وقد بسطه في غير هذا الموضع) منه: في طه: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٩ - ٣٢].
قوله: (بما يتضمن)، وهو الإرسال، لأن ما تثبت به النبوة هنا إرسال الملك.
قوله: (وقد علم أن الله تعالى من ورائه)، قال في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠]: "هذا مثلٌ، لأنهم لا يفوتونه كما لا يفوت فائتٌ الشيء المحيط به"، والمعنى: كيف ساغ له التوقر والتعلل، وقد علم أن سلطان الله وقهره مانعٌ لذلك، وأنه تحت قهره لا يفوته أحدٌ؟ وقوله: "وقد علم أن الله تعالى": حالٌ مقررةٌ لجهة الإشكال.
قوله: (قد امتثل وتقبل، ولكنه التمس من ربه أن يعضده بأخيه)، قال الإمام:
стр. 5923
حتى يتعاونا على تنفيذ أمره وتبليغ رسالته. فمهد قبل التماسه عذره فيما التمسه، ثم التمس بعد ذلك، وتمهيد العذر في التماس المعين على تنفيذ الأمر ليس بتوقف في امتثال الأمر، ولا بتعلل فيه، وكفى بطلب العون دليلا على التقبل لا على التعلل.
[(وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ)].
أراد بالذنب: قتله القبطي. وقيل: كان خباز فرعون واسمه فاتون. يعني: ولهم علي تبعة ذنب، وهي قود ذلك القتل، فأخاف أن يقتلوني به، فحذف المضاف. أو سمى تبعة الذنب ذنبا، كما سمي جزاء السيئة سيئة. فإن قلت: قد أبيت أن تكون تلك الثلاث عللا، وجعلتها تمهيدا للعذر فيما التمسه، فما قولك في هذه الرابعة؟ قلت: هذه استدفاع للبلية المتوقعة. وفرق من أن يقتل قبل أداء الرسالة، فكيف يكون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليس في التماس موسى ﵇ ما يدل على أنه استعفى من الذهاب، بل مقصود فيه أن يقع ذلك الذهاب على أقوى الوجوه في الوصول إلى المراد، واختلفوا فقال بعضهم: إنه وإن كان نبياً فهو غير عالم بأنه يبقى حتى يؤدي الرسالة، وأنه إنما أمر بذلك بشرط التمكين، والأقرب أن الأنبياء ﵈ يعلمون إذا حملهم الله تعالى على أداء الرسالة أنه يمكنهم منه، وأنهم سيبقون إلى ذلك الوقت.
قوله: (حتى يتعاونا في تنفيذ أمره)، وأنشد في معناه:
فقلت ادعي وأدع فإن أندى … لصوتٍ أن ينادي داعياني
قوله: (تبعه ذنب)، التبعة والتباعة: حقٌ يجب للمظلوم قبل الظالم، يقال: لي قبل فلانٍ تبعةٌ وتباعةٌ، أي: ظلامةٌ.
النهاية: التبعة، ما يتبع المال من نوائب الحقوق، وهو من تبعت الرجل بحقي.
стр. 5924
تعللا. والدليل عليه ما جاء بعده من كلمة الردع، والموعد بالكلاءة والدفع.
[(قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ* فَاتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ* أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ* قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ* وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ* قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ* فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ*وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ)].
جمع الله له الاستجابتين معا في قوله: (كَلَّا فَاذْهَبا)؛ لأنه استدفعه بلاءهم فوعده الدفع بردعه عن الخوف، والتمس منه الموازرة بأخيه فأجابه بقوله فَاذْهَبا، أي: اذهب أنت والذي طلبته وهو هارون. فإن قلت: علام عطف قوله: (فَاذْهَبا)؟ قلت: على الفعل الذي يدل عليه (كَلَّا)، كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظنّ، فاذهب أنت وهارون. وقوله: (مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ) من مجاز الكلام، يريد: أنا لكما ولعدوّكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجرى بينكما وبينه. فأظهركما وأغلبكما وأكسر شوكته عنكما وأنكسه. ويجوز أن يكونا خبرين لأنّ، أو يكون (مُسْتَمِعُونَ) مستقرا، و (مَعَكُمْ) لغوا. فإن قلت: لم جعلت (مُسْتَمِعُونَ) قرينة (مَعَكُمْ) في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من مجاز الكلام)، أي: الاستعارة، بدليل قوله: كالناصر الظهير، حيث صرح بأداة التشبيه، وقد عرفت أن الاستعارة مجازٌ والعلاقة فيها: التشبيه.
قوله: (ويجوز أن يكونا خبرين)، إلى آخره، وعلى الأول: كان ﴿مَعَكُمْ﴾ حالاً من ضمير ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، أي: مستمعون مشبهين بالناصر والظهير، والمراد بقوله: "مستقراً" أنه خبر "إن"، و ﴿مَعَكُمْ﴾ متعلقٌ به قدم عليه.
قوله: (لم جعلت ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ قرينة ﴿مَعَكُمْ﴾؟ )، أي: مقارناً له في جعله مجازاً، أي: استعارة تمثيلية.
стр. 5925
كونه من باب المجاز، والله تعالى يوصف على الحقيقة بأنه سميع وسامع؟ قلت: ولكن لا يوصف بالمستمع على الحقيقة، لأنّ الاستماع جار مجرى الإصغاء، والاستماع من السمع بمنزلة النظر من الرؤية. ومنه قوله تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً) [الجن: ١]، ويقال: استمع إلى حديثه، وسمع حديثه، أي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن الاستماع جارٍ مجرى الإصغاء)، فيه نظرٌ، لأن السمع في الحقيقة: إدراكٌ بحاسة السمع، وهو أيضاً مما لا يجوز على الله تعالى حقيقةً. ولما استعمل هذا في مطلق الإدراك كذلك ذلك، وعليه كلام القاضي: الاستماع: الذي بمعنى الإصغاء عبارةٌ عن السمع الذي هو لمطلق إدراك الحروف والأصوات. نعم، لو لم يأت بالتعليل كان يحتمل كلامه أولاً أن السامع والسميع مما أذن فيهما الإطلاق على الله تعالى، وورد في أسمائه الحسنى فجريا لذلك مجرى الحقيقة في مطلق الإدراك، بخلاف المستمع الذي يعطيه معنى ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾. قال الإمام في "لوامع البينات": لفظ السامع والسميع موضوعٌ في اللغة لهذا الانكشاف والتجلي، فلما وردا في حق الله تعالى اعتقدنا بثبوت جنس هذا الانكشاف، لا نوعٍ منه، لأن الانكشافات الحاصلة لله تعالى بالنسبة إلى انكشافات العبيد كنسبة ذاته المقدسةً إلى ذواتهم، ولما كان لا مشاركة بين الذاتين إلا في الاسم، فكذا القول في الانكشافين. والعمدة أن الحاصل عند عقول الخلق من معاني صفات الله تعالى خيالاتٌ ضعيفةٌ، ورسومٌ خفيةٌ، جلت صفاته عن مشابهة صفات المحدثات، وتقدست صمديته عن مناسبة الممكنات.
قوله: (والاستماع من السمع بمنزلة النظر من الرؤية)، يعني: كما أن النظر تقليب الحدقة نحو المرئي التماساً لرؤيته، كذلك الاستماع: استعمال حاسة السمع نحو المسموع التماساً لسماعه، كالإصغاء، والله أعلم.
стр. 5926
أصغى إليه وأدركه بحاسة السمع. ومنه قوله ﷺ : «من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صبّ في أذنيه البرم». فإن قلت: هلا ثني الرسول كما ثني في قوله: (إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ) [طه: ٤٧]؟ قلت: الرسول يكون بمعنى المرسل، وبمعنى الرسالة، فجعل ثم بمعنى المرسل فلم يكن بدّ من تثنيته، وجعل هاهنا بمعنى الرسالة فجاز التسوية فيه - إذا وصف به - بين الواحد والتثنية والجمع، كما يفعل بالصفة بالمصادر، نحو: صوم، وزور. قال:
ألكنى إليها وخير الرّسو … ل أعلمهم بنواحي الخبر
فجعله للجماعة. والشاهد في الرسول بمعنى الرسالة قوله:
لقد كذب الواشون ما فهت عندهم … بسر ولا أرسلتهم برسول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (البرم)، ذكر صاحب "النهاية" الحديث، ثم قال: البرم: هو الكحل المذاب.
قوله: (وزور)، النهاية: الزور: الزائر، والأصل مصدرٌ وضع موضع الاسم، كصوم ونومٍ بمعنى صائم ونائم، وقد يكون الزور جمع زائرٍ كراكبٍ وركب. وفي نسخةٍ بدل "البرم": الآنك. وفسر بالبرم والمتبرم، ويروى الحديث بالثلاث، وهذه الصيغة صيغة الجمع كالأبحر، وصيغة الفرد شاذٌ فيه كالأسد والسرب، عجمة الآنك.
قوله: (ألكني) البيت، ألكني: أرسلني، والألوك: الرسالة، وقيل: تحمل رسالتي إليه وقيل: اجعلني رسولاً، والرسول فيه بمعنى الرسل لإضافة خبرٍ إليهم، ولقوله: أعلمهم.
قوله: (لقد كذب الواشون) البيت، قبله لكثير:
стр. 5927
ويجوز أن يوحد، لأنّ حكمهما لتساندهما واتفاقهما على شريعة واحدة، واتحادهما لذلك وللإخوة كان حكما واحدا، فكأنهما رسول واحد. أو أريد أنّ كل واحد منا (أَنْ أَرْسِلْ) بمعنى: أي أرسل، لتضمن الرسول معنى الإرسال. وتقول: أرسلت إليك أن افعل كذا، لما في الإرسال من معنى القول، كما في المناداة والكتابة ونحو ذلك. ومعنى هذا الإرسال: التخلية والإطلاق كقولك: أرسل البازي، يريد: خلهم يذهبوا معنا إلى فلسطين، وكانت مسكنهما. ويروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة، حتى قال البواب: إنّ هاهنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حلفت برب الراقصات إلى منى … خلال الملا يمددن كل جديل
بعده:
فلا تعجلي يا عز أن تتفهمي … بنصح أتى الواشون أم بحبول
الحبول: جمع حبل. الأساس: ومن المجاز: رقص البعير رقصاً ورقصاناً: خب، وأرقصوا في سيرهم وترقصوا: ارتفعوا وانخفضوا، خلال الملا: وسط الناس، والجديل: الحبل المفتول والزمام المجدول. "ما" في قوله: "ما فهمت": نافيةٌ، يقال: ما فهمت بكلمة، أي: ما تكلمت.
في الاستشهاد بقوله: " ولا أرسلتهم برسول" نظرٌ، لأنه يحتمل أن يكون بمعنى المرسل.
قوله: (ويروى: أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما)، إلى قوله: "فعرف موسى ﵇ فقال له: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ﴾: "بيانٌ لوجه اتصال قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ بقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، ولما يحتاج إليه من المقدرات ليتصل صدر هذه الآية بعجز تلك. والعجب أن قول المؤلف: "فأديا إليه الرسالة" بعد قوله: "فقال: ائذن له" من هذا الباب، لكون التقدير: فذهب البواب إليهما فأذن لهما بالدخول، فدخلا. لكن في كلام المصنف فاءً فصيحةً.
стр. 5928
ائذن له لعلنا نضحك منه، فأدّيا إليه الرسالة، فعرف موسى فقال له: (أَلَمْ نُرَبِّكَ)؟ حذف: فأتيا فرعون فقالا له ذلك، لأنه معلوم لا يشتبه. وهذا النوع من الاختصار كثير في التنزيل. الوليد: الصبي لقرب عهده من الولادة. وفي رواية عن أبي عمرو: (من عمرك)، بسكون الميم. (سِنِينَ) قيل: مكث عندهم ثلاثين سنة. وقيل: وكز القبطي وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وفرّ منهم على أثرها، والله أعلم بصحيح ذلك.
وعن الشعبي: (فِعْلَتَك) بالكسر، وهي قتلة القبطي، لأنه قتله بالوكزة؛ وهو ضرب من القتل. وأما الفعلة، فلأنها كانت وكزة واحدة. عدّد عليه نعمته من تربيته وتبليغه مبلغ الرجال، ووبخه بما جرى على يده من قتل خبازه، وعظم ذلك وفظعه بقوله: (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ) يجوز أن يكون حالا، أي: قتلته وأنت لذاك من الكافرين بنعمتي. أو: وأنت إذ ذاك ممن تكفرهم الساعة. وقد افترى عليه أو جهل أمره، لأنه كان يعايشهم بالتقية، فإنّ الله عز وعلا عاصم من يريد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعظم ذلك وفظعه بقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾، الانتصاف: وجه تفظيعه أنه أتى به مجملاً إيذاناً بأنه لفظاعته لا ينطق به، كقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]، ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦].
قوله: (وقد افترى عليه أو جهل أمره)، يتعلق بقوله: "أو أنت إذ ذاك ممن تكفرهم الساعة"، أي: قال: فرعون ذلك القول، وقد افترى، المعنى: كنت مثلهم حينئذٍ، وفي دينهم، وداخلاً في زمرتهم، كأنه قال: وكنت منا، ومن ديننا.
وقوله: "فإن الله عاصم"، تعليلٌ لنسبة اللعين إلى الافتراء وتجهيله.
قوله: (بالتقية)، النهاية: التقية والتقاة بمعنى، وهو أن يتقي الرجل الناس، ويرى الصلح والاتفاق، والباطن بخلاف ذلك، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، أي: يوافقهم ظاهراً، ويخالفهم
стр. 5929
أن يستنبئه من كل كبيرة ومن بعض الصغائر، فما بال الكفر. ويجوز أن يكون قوله: (وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ) حكما عليه بأنه من الكافرين بالنعم، ومن كانت عادته كفران النعم لم يكن قتل خواص المنعم عليه بدعا منه. أو بأنه من الكافرين بفرعون وإلهيته. أو من الذين كانوا يكفرون في دينهم، فقد كانت لهم آلهة يعبدونهم، يشهد لذلك قوله تعالى: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ) [الأعراف: ١٢٧]، وقرئ: (وإلهتَك)، فأجابه موسى صلوات الله عليه بأن تلك الفعلة إنما فرطت منه وهو (مِنَ الضَّالِّينَ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باطناً، ومنه قولهم: كن وسطاً وامش جانباً.
قوله: (ومن بعض الصغائر)، وهو ما ينفر، كالكذب والتطفيف، وفيه خلافٌ سيجيء في النمل إن شاء الله تعالى.
قوله: (ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ حكماً عليه بأنه من الكافرين بالنعم)، فعلى هذا: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ اعتراضٌ أو تذييلٌ، يدل عليه قوله: "ومن كانت عادته كفران النعم لم يكن قتل خواص المنعم عليه بدعاً منه"، كما سبق في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١]، وقوله: "أو بأنه من الكافرين" أيضاً على الاعتراض، فالكافرون في الآية يجوز أن يفسر بالكفران الذي هو في إزاء النعمة والمقابل للشكر، وأن يفسر بالذي هو مقابلٌ للإيمان، والحاصل أن قوله: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ إما: حالٌ، أو: تذييلٌ، والكفر على الوجهين ففيه الأوجه المذكورة في الكتاب".
قوله: (فقد كانت لهم آلهةٌ يعبدونهم)، متفرعٌ على معنى الكفر بهذا التأويل، أي: يجوز استعمال لفظ الكفر من كل من تدين بدينٍ، ويعبد معبوداً، سواءٌ كان حقاً أو باطلاً فيمن يخالف نحلته، أي: أنت من الكافرين بمعبودنا، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
стр. 5930
أي: الجاهلين. وقراءة ابن مسعود ﵁: (من الجاهلين) مفسرة. والمعنى: من الفاعلين فعل أولي الجهل والسفه. كما قال يوسف لإخوته: (قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ) [يوسف: ٨٩]؛ أو المخطئين كمن يقتل خطأ من غير تعمد للقتل. أو الذاهبين عن الصواب. أو الناسين، من قوله: (أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى) [البقرة: ٢٨٢]. وكذب فرعون ودفع الوصف بالكفر عن نفسه، وبرّأ ساحته، بأن وضع (الضَّالِّينَ) موضع (الْكَافِرِينَ)؛ ربئاً بمحل من رشح للنبوّة عن تلك الصفة، ثم كرّ على امتنانه عليه بالتربية، فأبطله من أصله واستأصله من سنخه، وأبى أن تسمى نعمته إلا نقمة. حيث بين أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد بني إسرائيل؛ لأنّ تعبيدهم وقصدهم بذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته، فكأنه امتن عليه بتعبيد قومه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو الذاهبين عن الصواب)، عطفٌ على قوله: "أي: الجاهلين".
قوله: (أو الناسين، من قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، يعني: جاء الضلال بمعنى النسيان كما في هذه الآية، لأن التذكير لا يكون إلا بعد النسيان لا الضلال الحقيقي.
قوله: (ربئاً بمحل من رشح للنبوة)، ربأت بنفسي عن عمل كذا، وإني لأربأ بك عن هذا الأمر، أي: أرفعك عنه ولا أرضاه لك، ومن المجاز: هو مرشحٌ للخلافة، وأصله ترشيح الظبية ولدها لتعوده المشي فترشح، وقد رشح: إذا مشى، وأمه مرشحٌ، وأرشحت، كما يقال: مشدن وأشدنت، ورشح فلانٌ لأمر كذا وترشح له: كل ذلك في "الأساس". وعن بعضهم: يقال: فلانٌ يرشح للوز ارة: أي يربى ويؤهل لها، من ترشيح الأم ولدها: تقليل اللبن، وهو أن تجعله في فيه إلى أن يقوى على المص.
قوله: (من سنخه)، أي: من أصله. الجوهري: وأسناخ الأسنان: أصولها، صح "سنخٌ" بكسر السين عن تصحيح الصغاني، بكسر السين عن تصحيح الصغاني، وإنما قال: "سنخه"، لأن قوله: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا﴾ متضمنٌ لإبطال امتنانه، كما سنقرره إن شاء الله تعالى.
стр. 5931
إذا حققت، وتعبيدهم: تذليلهم واتخاذهم عبيدا. يقال: عبدت الرجل وأعبدته، إذا اتخذته عبدا. قال:
علا م يعبدني قومي وقد كثرت … فيهم أباعر ما شاءوا وعبدان
فإن قلت: "إذن" جواب وجزاء معا، والكلام وقع جوابا لفرعون، فكيف وقع جزاء قلت:
قول فرعون: (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ) فيه معنى: إنك جازيت نعمتي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إذا حققت)، أي: إذا حققت التربية والمنة التي امتن بها فرعون على موسى ﵇، كانت تعبيد بني إسرائيل نقمةً لا نعمةً، فهو من تعكيس الكلام، ويروى: "حققت" بفتح التاء، أي: إذا حققت النظر أيها المخاطب.
قوله: (قول فرعون: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾) إلى آخره، قيل: هذا الجواب لا يلائم قوله: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾، لأنه يدل على أنه اعترف أنه فعل ذلك جاهلاً أو ناسياً، لكن المعنى: لما قال: جازيت نعمتي بما فعلت، أجا به بأن تلك صادرةٌ من الجهل والنسيان لا من العلم والقصد، وكنت إذ ذاك جاهلاً، فخفت ففررت، فوهب الله تعالى النبوة، والآن أنا نبيٌ بخلاف ما كنت. وقلت: فإذن ﴿إِذاً﴾ جوابٌ وعذرٌ فأين الجزاء؟ وجواب المصنف موقوفٌ على معرفة أصولٍ خمسة: النحو، والمعاني، والبيان، والبديع، والأصول. أما النحو فإن "إذن" موضوعٌ على أن يكون جواباً وجزاءً معاً، فيجب أن يكون مدخوله مما يصح أن يكون مسبباً عن معنى القول السابق، نحو قولك: إذن أكرمك لمن قال: أنا آتيك، فإن إكرامك مسببٌ عن إتيانه. فهاهنا الجواب ظاهرٌ، لكن الجزاء على أن يكون هذا الكلام مسبباً عن كلام فرعون خفيٌ، فلابد من بيانه. فالتقدير: إن كان الأمر كما زعمت أنك أنعمت علي، ولم تكن تلك النعمة إلا تعبيدك بني إسرائيل، فأنا جازيتك أيضاً بتلك المجازاة، وهي قتل القبطي، وإليه أشار بقوله: "لأن نعمته كانت عنده جديرةً بأن تجازى
стр. 5932
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بنحو ذلك الجزاء". ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦]، قال بعضهم: تقديره: إن كان الأمر على ما تصفون بأنا خنا، إنا إذن لمن الآثمين.
وأما المعاني، فإن عطف قوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ على الكلام السابق من باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ١٥] على رأي صاحب "المفتاح": كان اللعين أخبر عن حصول تربيته له ﵇، وعن حصول جزائه ﵇ عن تلك التربية.
وأما البيان فإن هذا الترتيب على أسلوب قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، يعني: وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون التكذيب، أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر، وإليه الإشارة بقوله: "إنك جازيت نعمتي بما فعلت".
وأما الأصول فإن الجواب مبني على قاعدة القول بالموجب، وهو تسليم مقتضى قول المستدل مع بقاء الخلاف، فإن الكليم ﵇ قرر ما جعله اللعين جزاءً لفعله، حيث قال: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾، فلما قرر ما جعله اللعين جزاءً لفعله أتى بقوله: ﴿إِذًا﴾، هذا معنى جواب المصنف عن السؤال. ثم علق بالجواب ما قلعه من سنخه بقوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، وإليه الإشارة بقوله: "ثم كر على امتنانه عليه بالتربية فأبطله".
وأما البديع فإن وضع قوله: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ موضع الكافرين كالتتميم صوناً عن إبهام تصور ما ينافي النبوة من الكفر، وإليه الإشارة بقوله: "ودفع الوصف بالكفر عن نفسه بأن وضع الضالين موضع الكافرين، ربئاً بمحل من رشح للنبوة"، وهذا لما شارك التتميم
стр. 5933
بما فعلت، فقال له موسى: نعم فعلتها مجازيا لك، تسليما لقوله، لأنّ نعمته كانت عنده جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء. فإن قلت: لم جمع الضمير في (مِنكُمْ) و (خِفْتُكُمْ) مع إفراده في (تَمُنُّهَا) و (عَبَّدتَّ)؟ قلت: الخوف والفرار لم يكونا منه وحده، ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله، بدليل قوله: (إِنَّ الْمَلَأَ يَاتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ) [القصص: ٢٠] وأما الامتنان فمنه وحده، وكذلك التعبيد.
فإن قلت: "تِلْكَ" إشارة إلى ماذا، و (أَنْ عَبَّدْتَ) ما محلها من الإعراب؟ قلت: (تِلْكَ) إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة، لا يدرى ما هي إلا بتفسيرها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في إرادة الصيانة قلنا: هو كالتتميم، لأن التتميم هو: تقييد الكلام بتابع يفيد مبالغةً، أو صيانةً عن احتمال المكروه. قال أبو الطيب:
وتحتقر الدنيا احتقار مجربٍ … يرى كل ما فيها- وحاشاك- فانيا
وتحريره: أنه لما قال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ وأتى بهمزة التقرير على سبيل التوبيخ، ورتب عليه قوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ كما قررناه، أي: إني ربيتك، وأحسنت إليك لتفعل ما تقر به عيني، وتشكر إحساني إليك، لما تقرر في النفوس أن شكر المنعم واجب، فعكست القضية وقابلتها بالكفران؟ أجاب ﵇ بقوله: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾، يعني: سلمت أن شكر المنعم واجبٌ، وأني عكست المجازاة، لكن أين النعمة؟ فإن تلك التربية التي مننت بها علي كانت مسببةً عن تعبيد قومي، فهي جديرةٌ بأن تجازى بتلك المجازاة، وإليه الإشارة بقوله: "نعم، فعلتها مجازياً لك، تسليماً لقوله: لأن نعمته عنده كانت جديرةً بأن تجازى بذلك الجزاء"، والله تعالى أعلم.
قوله: (﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى خصلةٍ شنعاء مبهمة)، يعني: تصور نبي الله ﵇ قوله: ﴿نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أنها نقمةٌ، فتكون خصلةً شنعاء، فأشار إليها، وجعلها مبتدأ، وأخبر عنها، ثم بين عنها كما تقول: هذا أخوك، فلا يكون هذا إشارةً إلى غير الأخ.
стр. 5934
ومحل (أَنْ عَبَّدْتَ) الرفع؛ عطف بيان لـ (تِلْكَ)، ونظيره قوله تعالى: (وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ) [الحجر: ٦٦]. والمعنى: تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها علي! وقال الزجاج: ويجوز أن يكون (أَنْ) في موضع نصب، المعنى: إنما صارت نعمة علىّ لأن عبدت بني إسرائيل، أي: لو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليم.
[(قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ)].
لما قال له بوّابه: إن هاهنا من يزعم أنه رسول رب العالمين قال له عند دخوله: (وَما رَبُّ الْعالَمِينَ)؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومحل ﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾ الرفع، عطف بيانٍ لـ ﴿تِلْكَ﴾)، فالتقدير: تعبيدك بني إسرائيل نعمةٌ تمنها علي، يعني: تمن علي بتربيتك إياي، وفي الحقيقة تعبيد بني إسرائيل أدى إلى تربيتي، وكان امتنانك علي بقولك: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ امتناناً علي بتعبيد بني إسرائيل، فأطلق السبب، وأريد المسبب إيجازاً، وإليه الإشارة بقوله: "لأن تعبيدهم، وقصدهم بذبح أبنائهم، هو السبب في حصوله عنده". قال محيي السنة: الكلام متضمن للإنكار، أي: كيف تمن علي بالتربية وقد عبدت قومي؟ ومن أهين قومه ذل، فتعبيدك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إلي.
قوله: (ويجوز أن يكون ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب)، فالمشار إليه حينئذٍ معنى قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾، والإخبار على ظاهره، وإليه الإشارة بقوله: "لو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي".
قوله: (لما قال له بوابه: إن هاهنا من يزعم أنه رسول رب العالمين، قال له عند ذلك: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؟ )، قلت: هذا نظمٌ مختلٌ لسبق المقاولة بينهم، كما أشار إليه:
стр. 5935
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"فأديا الرسالة، فعرف موسى ﵇، فقالا له ذلك"، أي: إنا رسول رب العالمين، فأرسل معنا بني إسرائيل.
وقال الإمام: لم يقل لموسى ﵇: وما رب العالمين؟ إلا وقد دعاه إلى طاعة رب العالمين، يبين ذلك ما تقدم من قوله تعالى: ﴿فَاتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تم كلامه. والنظم يساعد عليه، لأنه تعالى لما أمرهما بقوله: ﴿فَاتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ لابد أن يكونا ممتثلين مؤديين لتلك الرسالة بعينها عند اللعين، وعند ذلك أنكر اللعين ذلك الكلام مفصلاً، رد أولاً صدر الكلام، وكونهما رسولين بقوله: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ إلى آخره. وثانيا بقوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ولذلك جيء بالواو العاطفة، وكرر ﴿قَالَ﴾ للطول، فكأنه قال: أأنت الرسول؟ وما رب العالمين؟ وتقرير الأول: ألم نعرفك؟ أما كنت عندنا رضيعاً صغيراً ونحن ربيناك سنين كالأولاد، وعرفناك أيضاً كافر النعمة، حيث جازيت تلك النعمة بقتل بعض خدمنا، فمن أين أنت والرسالة؟ فأنكر نبوته بتحقير شأنه وكفرانه النعمة، فإنه من رذائل الأخلاق، وأدمج فيه معنى الامتنان، وأجابه به موسى ﵇ بقوله: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ الآية، مسلماً مقتضاه، ومثبتاً رسالته، ومبطلاً إنعامه، يعني: هب أني كنت كما تقول: صبياً رضيعاً عندكم، قاتلاً للنفس، وذلك كيف يقدح في دعوى رسالتي، لأن الله تعالى فاعلٌ مختارٌ يختص برسالته من يشاء من غير استحقاقٍ منه، فاختارني للرسالة، ووهب لي حكماً.
فوزان هذه الآية وزان قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]، يعني: إني كنت غير عالم بالشرائع، وطريقة السمع، فوهب لي معرفة الأحكام، وجعلني مرسلاً، ثم كر إلى جواب ما أدمج اللعين في الاعتراض من الامتنان قائلاً: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، فأبلطه من أصلها تبرياً من تلك الرذيلة التي نسبها إليه من كفران النعم،
стр. 5936
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفيه أن كفران نعمة الكافر قبيحٌ، فكيف بنعمة المسلم، فضلاً عن نعم الله تعالى السابغة ظاهراً وباطناً؟ ثم كر اللعين إلى قول موسى ﵇: ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ بعد ما ألقمه نبي الله الحجر في إنكار الرسالة مستفهماً ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؟ يعني: هب أنك رسول رب العالمين، وأن لك رباً وهب لك حكماً، وجعلك من المرسلين، فما تعني بقولك: رب العالمين، وما قصدك فيه وفيه تخصيصه؟ أتعني به التعريض بإنكار إلهيتي أم غير ذلك؟ يدل عليه قوله تعالى بعد هذا: لا ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾.
وقول المؤلف: "والذي يليق بحال فرعون ويدل عليه الكلام: أن يكون سؤاله هذا إنكاراً لأن يكون للعالمين ربٌ سواه"، فأجابه ﵇ بما فيه إنكار إلهيته، وأن يكون رباً للعالمين تعريضاً من قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، أي: أنت أحقر من ذلك وأذل، فإن رب العالمين رب السموات والأرض وما بينهما إن كنت أنت وهؤلاء البهائم الذين اتخذوك إلهاً وسموك برب العالمين من الذين يحققون الأشياء بالنظر الصحيح الذين يؤديهم إلى الإيقان، هل تدرون ما معنى العالم، فإن العالم الذي تدعون أنه ربه عبارةٌ عن: كل ما علم به الخلائق من السموات والأرض وما بينهما، فهل تيقنتم أنه خالقها، ورازق من فيها، ومدبر أمورها، أم تفوهون بذلك جزافاً رمياً على العمياء؟ وتكرير لفظ الرب وإعادته في كل مرةٍ لتعظيم ما نسبوا إليه، فعند ذلك احتد اللعين وقال لمن حوله: ألا ترون هذه الجرأة وتسمعون هذه العظيمة، وهي نسبة الجهل إلينا عاجزاً؟ فثنى نبي الله التقريع بقوله: ﴿رَبَّكُمْ وَرَبَّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ مفصلاً لذلك المجمل، فإن الآيات المشاهدة تنقسم إلى دليلي الآفاق والأنفس، نبه به على غباوتهم، وأن الرب ينبغي أن يكون متقدماً على المربوب ومتأخراً عنه، فكيف تتخذونه رباً لكم؟ وآباؤكم الأولون قد تقدموا عليه، وأنه سيموت قبلكم أو قبل أبنائكم، فحينئذٍ زاد في تفر عنه، وشدة شكيمته، ونسبته إلى الجنون استكباراً وعناداً، وتهكم به بقوله: ﴿رَسُولَكُمْ﴾، وتوكيده بوصفٍ يدل على مزيد تقرير التهكم برسالته سفاهةً.
فعاد نبي الله ﵇ إلى تقريع ثالثٍ بقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، عرض به أن الرب ينبغي أن يكون قادراً على ما في يده وتحت تصرفه، وأنتم تعلمون أن مشارق
стр. 5937
يريد: أي شيء رب العالمين؟ وهذا السؤال لا يخلو: إما أن يريد به: أى شيء هو من الأشياء التي شوهدت وعرفت أجناسها؟ فأجاب بما يستدل به عليه من أفعاله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأرض ومغاربها ليست في تصرفه، ولا يملك منها على شيءٍ ولا أحاط منها علماً بشيء، وذيله بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ رداً لنسبته الجنون إليه على طريق المشاكلة المعنوية، أي: كيف تنسبون إلى الجنون وأنتم مسلوبو العقول فاقدون اللب، حيث لا تميزون بين هذه الشواهد، ولا تنظرون إلى هذه الآيات البينات. ولما عجز اللعين عن الحجاج عدل إلى التخويف بالسجن دأب المفحم المبهوت.
ولما قهره نبي الله ﷺ في الاحتجاج انتقل إلى نوع آخر من الدليل، وهو إظهار المعجزة قائلاً: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾، فعلى هذا هو متعلقٌ بأول المحاجة من لدن وقعت المكالمة مع اللعين، يعني: أو تقر بتوحيد الله تعالى وبرسالتي لو جئتك بما يدل على ذلك دلالةً ظاهرةً مكشوفةً عياناً من انقلاب العصا حيةً، ونزع اليد من الجيب مشرقةً؟
هذا أوضح من تقرير المصنف، وأوفق لتأليف النظم.
ولعله يقرب من هذا المعنى قول صاحب "المفتاح": ويحتمل أن يكون فرعون قد سأل بـ "ما" عن الوصف، لكون رب العالمين عنده مشتركاً بين نفسه وبين من دعا إليه موسى ﵇، لجهله، وفرط عتوه، وتسويل نفسه الشيطانية له بتسليم أولئك البهائم له إياها، وادعائهم له بذلك، وتلقيبهم إياه برب العالمين، وشهرته فيما بينهم بذلك إلى درجة دعت السحر إذ عرفوا الحق، وقالوا: آمنا برب العالمين، إلى أن يعقبوه بقولهم: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [نفياً] لاتهامهم أن يعنوا فرعون، وكذا فسر المصنف هذه الآية.
قوله: (أي شيءٍ هو من الأشياء التي شوهدت وعرفت أجناسها؟ ) قال صاحب "المفتاح": ولكون "ما" للسؤال عن الجنس، وللسؤال عن الوصف وقع بين فرعون وبين موسى ﵇ ما وقع، لأن فرعون كان جاهلاً بالله تعالى معتقداً أن لا موجود مستقلاً
стр. 5938
الخاصة، ليعرّفه أنه ليس بشيء مما شوهد وعرف من الأجرام والأعراض، وأنه شيء مخالف لجميع الأشياء، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: ١١]؛ وإما أن يريد به: أى شيء هو على الإطلاق، تفتيشا عن حقيقته الخاصة ما هي، فأجابه بأنّ الذي إليه سبيل وهو الكافي في معرفته معرفة ثباته بصفاته، استدلالا بأفعاله الخاصة على ذلك. وأمّا التفتيش عن حقيقته الخاصة التي هي فوق فطر العقول، فتفتيش عما لا سبيل إليه، والسائل عنه متعنت غير طالب للحق. والذي يليق بحال فرعون ويدل عليه الكلام: أن يكون سؤاله هذا إنكارا لأن يكون للعالمين رب سواه؛ لادعائه الإلهية، فلما أجاب موسى بما أجاب، عجب قومه من جوابه؛ حيث نسب الربوبية إلى غيره، فلما ثنى بتقرير قوله، جننه إلى قومه وطنز به، حيث سماه رسولهم. فلما ثلث بتقرير آخر: احتدّ واحتدم وقال: (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي) [الشعراء: ٢٩]، وهذا يدل على صحة هذا الوجه الأخير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بنفسه سوى أجناس الأجسام، كأنه قال: أي أجناس الأجسام هو؟ وحين كان موسى ﵇ عالماً بالله ، أجاب عن الوصف تنبيهاً على النظر المؤدي إلى العلم، وهو المراد من قول المصنف: "فأجاب بما يستدل به عليه من أفعاله الخاصة، ليعرفه أنه ليس بشيءٍ مما شوهد وعرف من الأجرام"، أراد أن الجواب من الأسلوب الحكيم، أرشده بقوله: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ إلى طريق المعرفة وتحصيل الإيقان، يعني: من تكون هذه الأجرام العظام مربوبة ومخلوقة، وهو مالكها ومدبر أمرها، لا يكون هو من جنسها.
قوله: (وهو الكافي في معرفته)، أي: هذا القدر من المعرفة كافٍ للمسترشد دون المعاند المتعنت، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
قوله: (واحتدم)، الجوهري: احتدمت النار: التهبت، واحتدم صدر فلانٍ غيظاً، وقيل: يومٌ محتدمٌ: شديد الحر، واحتدم الدم: اشتدت حمرته حتى يسود.
стр. 5939
[(قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ)].
قلت: كيف قيل: (وَمَا بَيْنَهُمَا) على التثنية، والمرجوع إليه مجموع؟ قلت: أريد وما بين الجنسين، فعل بالمضمر ما فعل بالظاهر من قال:
في الهيجا جمالين
فإن قلت: ما معنى قوله: (إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ)؟ وأين عن فرعون وملئه الإيقان؟ قلت: معناه إن كان يرجى منكم الإيقان الذي يؤدي إليه النظر الصحيح نفعكم هذا الجواب، وإلا لم ينفع. أو إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما توقنون به، لظهوره وإنارة دليله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والمرجوع إليه مجموع)، المراد به: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وفي عكسه قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجرات: ٩]، حيث جمع بعد التثنية، لأنها في معنى الجمع والناس.
قوله: (في الهيجا جمالين)، قبله:
سعى عقالاً يترك لنا سبداً … فكيف لو قد سعى عمروٌ عقالين
لأصبح الناس أوباداً فلم يجدوا … عند التفرق في الهيجا جمالين
عمرو: تنازع فيه العاملان. يقال: ما له سبدٌ ولا لبدٌ، أي: شيءٌ، وأصل السبد، الشعر. والعقال: صدقة عام، وانتصابه على الظرف، أوباداً: جمع وبدٍ، أي: هلكى، والوبد، سيء الحال، وحاصله أنه يجوز تثنية الجمع على تأويل الجماعتين.
قوله: (أو: إن كنتم موقنين بشيء قط)، يريد أن قوله: ﴿مُوقِنِينَ﴾ مطلقٌ خص بقيد
стр. 5940
[(قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ* قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ* قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ* قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)].
فإن قلت: ومن كان حوله؟ قلت: أشراف قومه قيل: كانوا خمس مائة رجل عليهم الأساور وكانت الملوك خاصة. فإن قلت: ذكر السماوات والأرض وما بينهما قد استوعب به الخلائق كلها، فما معنى ذكرهم وذكر آبائهم بعد ذلك وذكر المشرق والمغرب؟ قلت: قد عم أوّلا، ثم خصص من العام للبيان أنفسهم وآباءهم. لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ومن ولد منه، وما شاهد وعاين من الدلائل على الصانع، والناقل من هيئة إلى هيئة وحال إلى حال من وقت ميلاده إلى وقت وفاته، ثم خصص المشرق والمغرب، لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قرينة المقام، وهو الكلام في الاستدلال والنظر في الإلهية، أو ترك على إطلاقه، بمعنى: إن وجد منكم شيءٌ من هذه الحقيقة، فهذا أولى، ويمكن أن يجرى على العموم ليدخل فيه ما سبق له الكلام دخولاً أولياً.
قوله: (لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه)، هذا يشعر بأن الترقي في الاحتجاجات الثلاثة بحسب اعتبار قلة النظر وقرب المنظور فيه، فإن الدلائل المثبتة في السموات والأرض وما بينهما أبعد متناولاً من النظر من دليلٍ أنفسهم وآبائهم فقط، لأن الأول مشتملٌ عليه وعلى الآفاقية أيضاً، والثاني أبعد منظوراً من الثالث، لأن المنظور في الثاني الانتقال من هيئة إلى هيئة، ومن حالٍ إلى حالٍ من وقت ميلاده إلى وقت وفاته في نفس الناظر وأنفس آبائه، ولا كذلك النظر في طلوع الشمس وغروبها في فصول السنة، وإليه الإشارة بقوله: "ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج به خليل الله ﵇".
قوله: (الخافقين)، الخافقان: أفقا المشرق والمغرب، قال ابن السكيت: لأن الليل والنهار يخفقان فيهما بسرعة، من خفقان الطائر، إذا صفق بجناحيه، وخفوق الراية.
стр. 5941
في الآخر على تقدير مستقيم في فصول السنة وحساب مستو من أظهر ما استدل به؛ ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج به خليل الله، عن الاحتجاج بالإحياء والإماتة على نمروذ بن كنعان، فبهت الذي كفر. وقرئ: (رَبُّ المَشَارِقِ والْمَغَارِبِ)، (الذي أَرسل إليكم) بفتح الهمزة. فإن قلت: كيف قال أوّلا: (إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) وآخرا: (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)؟ قلت: لاين أوّلا، فلما رأى منهم شدّة الشكيمة في العناد وقلة الإصغاء إلى عرض الحجج خاشن وعارض "إنّ رسولكم لمجنون"، بقوله: (إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ).
[(قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)].
فإن قلت: ألم يكن: لأسجننك، أخصر من (لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) ومؤديا مؤداه؟ قلت: أما أخصر فنعم. وأما مؤدّ مؤدّاه فلا، لأنّ معناه: لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني. وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه فيطرحه في هوّة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فردا لا يبصر فيها ولا يسمع، فكان ذلك أشدّ من القتل وأشدّ.
[(قالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ* قالَ فَاتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال صاحب "المفتاح": ومن التغليب: الخافقان، للمشرق والمغرب ويؤيده ما في "المغرب" عن الأزهري: خفق النجم: إذا غاب، ومنه: الخافقان، للمشرق والمغرب.
قوله: (لاين أولاً)، إلى قوله: "خاشن وعارض". قال الإمام: أراد بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾: إن كنت من العقلاء وعرفت أن لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت، لأنك طلبت تعريف حقيقته، وقد أرشدتك أنه لا يمكن.
стр. 5942
الواو في قوله: (أَوَلَوْ جِئْتُكَ) واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام. معناه: أتفعل بى ذلك ولو جئتك بشيء مبين؟ أي: جائيا بالمعجزة. وفي قوله: (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) أنه لا يأتي بالمعجزة إلا الصادق في دعواه، لأن المعجزة تصديق من الله لمدعي النبوّة، والحكيم لا يصدّق الكاذب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أتفعل بي ذلك، ولو جئتك بشيءٍ مبين؟ )، يريد أن عامل الحال وصاحبها: ما دل عليه قوله تعالى: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾، فجعل وعيده تخلصاً للانتقال إلى نوع آخر من الدليل. قال القاضي: المعجزة جامعةٌ بين الدلالة على وجود الصانع وحكمته، والدلالة على صدق مدعي نبوته.
قلت: ويمكن أن يقال: إن الواو في ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ عاطفةٌ، وهي تستدعي معطوفاً عليه، وهو ما سبق في أول المكالمة بين نبي الله تعالى وعدوه. والهمزة مقحمةٌ بين المعطوف والمعطوف عليه للتقرير. المعنى: أو تقر بالوحدانية وبرسالتي إن جئتك بعد الاحتجاج بالبراهين القاهرة والمعجزات الباهرة الظاهرة؟ كما سبق تقريره، و"لو" بمعنى "أن" غير عزيز.
ويؤيد هذا التأويل ما في الأعراف: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَاتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٥ - ١٠٦].
قال المصنف: "إن كنت جئت من عند من أرسلك بآية فأتني بها، وأحضرها عندي، ليصح دعواك ويثبت صدقك".
قوله: (وفي قوله: ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أنه لا يأتي بالمعجزة إلا الصادق)، يعني: في سياق هذا التركيب أدمج معنى أن المعجزة تصديقٌ من الله تعالى لمدعي النبوة، والحكيم لا يصدق الكاذب.
стр. 5943
ومن العجب أن مثل فرعون لم يخف عليه هذا، وخفي على ناس من أهل القبلة؛ حيث جوّزوا القبيح على الله تعالى حتى لزمهم تصديق الكاذبين بالمعجزات! وتقديره: إن كنت من الصادقين في دعواك أتيت به، فحذف الجزاء، لأن الأمر بالإتيان به يدل عليه.
[(فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ* وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ)].
(ثُعْبانٌ مُبِينٌ): ظاهر الثعبانية، لا شيء يشبه الثعبان، كما تكون الأشياء المزوّرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومن العجب أن مثل فرعون لم يخف عليه [هذا]، وقد خفي على ناسٍ من أهلٍ القبلة، حيث جوزوا القبيح على الله حتى لزمهم تصديق الكاذبين بالمعجزات)، قال صاحب "الانتصاف": هذا تعريضٌ بتفضيل فرعون على أهل السنة، وحكمٌ على القدرية أن فيهم نصيباً من الفراعنة، إذ كل أحدٍ يزعم أنه خالقٌ ومبدعٌ لأفعاله، وجحودٌ على الله تعالى أن يفعل إلا ما واطأ عقولهم، وأنه حسنٌ في الشاهد.
وقلت: المصنف بنى كلامه على الحسن والقبح العقليين، ثم شنع على أهل السنة، ولا يلزم من قولهم: يفعل الله ما يشاء، ويحكم ما يريد، وأنه لا يوجد شيءٌ في الكائنات إلا بإرادته ومشيئته: تصديق الكاذبين بالمعجزات، لأنه ظهر وعلم بالاستقراء أنه تعالى ما حكم ولا أرد تصديق الكاذبين بالمعجزات، ولهذا قطع الأصحاب بأن سنة الله جرت على أن لا يظهر المعجزة على يد الكاذب.
هذا، وإن تفسيره لقوله: ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ يخالف جعله ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ حالاً وتقريراً للعطف الذي ذهبنا إليه، لأن الكلام على الحال في السجن، لا في إثبات النبوة، وتصديقه بالمعجزة، والله تعالى أعلم.
قوله: (لا شيءٌ يشبه الثعبان)، توكيدٌ لقوله: "ظاهر الثعبانية"، لأن الله تعالى حمل "ثعبانٌ" على ضمير العصا، فيتوهم أنه مثل: زيدٌ هو أسدٌ، فأزال التوهم بقوله: "لا شيءٌ يشبه الثعبان"، يدل عليه قوله: ﴿مُبِينٍ﴾.
стр. 5944
بالشعوذة والسحر. وروي: أنها انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة إلى فرعون، وجعلت تقول: يا موسى، مرني بما شئت. ويقول فرعون: أسألك بالذي أرسلك إلا أخذتها، فأخذها فعادت عصا (لِلنَّاظِرِينَ) دليل على أن بياضها كان شيئا يجتمع النظارة على النظر إليه، لخروجه عن العادة، وكان بياضا نوريا. روي: أنّ فرعون لما أبصر الآية الأولى قال: فهل غيرها؟ فأخرج يده فقال له: ما هذه؟ قال: يدك فما فيها؟ فأدخلها في إبطه ثم نزعها ولها شعاع يكاد يغشي الأبصار ويسدّ الأفق.
[(قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ* يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَامُرُونَ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بالشعوذة)، الأساس: فلانٌ شعوذيٌ، ومشعوذٌ، ومشعبذٌ، وعملها الشعوذة، والشعبذة، وهي: خفةٌ في اليد، وأخذٌ كالسحر، وقيل للبريد: الشعوذي، لخفته
قوله: (إلا أخذتها)، أي: ما أطلب منك إلا أخذها، كقول ابن عباسٍ ﵄: بالإيواء والنصر إلا جلستم، وقد دخل مجلساً غاصاً من الأنصار، قال صاحب "المقتبس": والقسم يسلك فيه الطرائق، لكثرة وقوعه في كلامهم، والفعل والمصدر لما كانا في اتصالٍ من جهة التوالد والتناشؤ، جاز أن يقع كلٌ منهما موقع صاحبه، يدل على ما يدل عليه الآخر. وفي "ربيع الأبرار": أمر الحجاج بقتل رجل، فقال: أسألك بالذي أنت غداً بين يديه أذل موقفاً مني بين يديك اليوم إلا عفوت عني، فعفا عنه.
قوله: (يدك، فيما فيها؟ )، وهو من جملة المقول، أي: هو يدك، فأي شيء؟ أي: ليس فيها معجزةٌ ولا عجب، وقال بعضهم: معنى ما هذه: أي شيءٍ فيها من الآية؟
стр. 5945
فإن قلت: ما العامل في (حَوْلَهُ)؟ قلت: هو منصوب نصبين: نصب في اللفظ، ونصب في المحل، فالعامل في النصب اللفظي ما يقدر في الظرف، والعامل في النصب المحلي- وهو النصب على الحال: (قَالَ): ولقد تحير فرعون لما أبصر الآيتين، وبقي لا يدري أي طرفيه أطول، حتى زلّ عنه ذكر دعوى الإلهية، وحط عن منكبيه كبرياء الربوبية، وارتعدت فرائصه، وانتفخ سحره خوفا وفرقا، وبلغت به الاستكانة لقومه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (نصبٌ في اللفظ، ونصبٌ في المحل)، قال صاحب "المطلع": العامل في النصب اللفظي: ما يقدر في الظرف من معنى الفعل، تقديره: للملأ مستقرين، أو مجتمعين حوله، والعامل في المحلي، وهو النصب على الحال، قال: تقديره: قال لهم وهم حوله.
قوله: (﴿قَالَ﴾)، خبرُ لقوله: "والعا مل" والجملة، وهو النصب على الحال: معترضةٌ، أي: قال في قوله: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ عاملٌ في ﴿حَوْلَهُ﴾ وهو حال.
قوله: (لا يدري أي طرفيه أطول)، مثلٌ في التحير. عن بعضهم يقال: بقي فلانٌ حيران لا يدري أي طرفيه أطول، لطولٍ يتراءى له الشبح شبحين، قال الميداني: قال الأصعمي: معناه: لا يدري أنسب أبيه أفضل أم نسب أمه. وقال غيره: يقال: إن وسط الإنسان: سرته، والطرف الأسفل أطول من الأعلى، وهذا يكاد يجهله أكثر الناس حتى يقدر له. وقال ابن الأعرابي" طرفاه: ذكره ولسانه، يضرب في نفي العلم.
قوله: (فرائصه)، الفريضة: اللحم بين الجنب والكتف الذي لا يزال يرعد من الدابة.
قوله: (وانتفخ سحره)، بالخاء المعجمة، وفي نسخةٍ صحيحة: بالجيم، من قولهم: "هنيئاً لك النافجة" أي: المعظمة لمالك. والسحر: الرئة.
الأساس: وانتفخ سحره، وانتفخت مساحره، إذا مل وجبن. وانقطع منه سحري: إذا يئست، يقال: وأنا منه غير صريم سحر: غير قانط.
стр. 5946
الذين هم بزعمه عبيده وهو إلههم: أن طفق يؤامرهم ويعترف لهم بما حذر منه وتوقعه وأحسّ به من جهة موسى وغلبته على ملكه وأرضه، وقوله: (إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ) قول باهت إذا غلب ومتمحل إذا ألزم. (تَامُرُونَ) من المؤامرة وهي المشاورة. أو من الأمر الذي هو ضدّ النهي. جعل العبيد آمرين وربهم مأمورا لما استولى عليه من فرط الدهش والحيرة. و"ماذا" منصوب: إما لكونه في معنى المصدر، وإما لأنه مفعول به من قوله:
أمرتك الخير
[(قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ* يَاتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ)].
قرئ: (أَرجِئْه) و (أَرْجِهْ)، بالهمز والتخفيف، وهما لغتان. يقال: أرجأته وأرجيته،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من جهة موسى ﵇، "من": بيان "ما" في "بما حذر منه".
قوله: (و"ماذا" منصوبٌ، إما لكونه في معنى المصدر)، أي: أي أمرٍ تأمرون؟ قال في قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة: ١٠٩]: " ﴿مَاذَا﴾: منتصبٌ بـ ﴿أُجِبْتُمْ﴾ انتصاب مصدره، على معنى: أي إجابةٍ أجبتم؟
قوله: (قرئ: "أرجئه")، ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، والباقون: بالتخفيف قال صاحب "الكشف": "قالوا أرجئه وأخاه"، و"أرجه" و ﴿أَرْجِهْ﴾ باختلاس الكسرة، كل ذلك في السبعة، والأصل: "أرجئهو" بالضم والإشباع، ثم يليه "أرجئه" بضم الهاء من دون الإشباع اكتفاءً بالضمة عن الواو، ثم "أرجئه" بكسر الهاء، لمجاورة الجيم، ولا
стр. 5947
إذا أخرته. ومنه: المرجئة، وهم الذين لا يقطعون بوعيد الفساق ويقولون: هم مرجؤون لأمر الله. والمعنى: أخره ومناظرته لوقت اجتماع السحرة. وقيل: احبسه (حاشِرِينَ) شرطا يحشرون السحرة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اعتداد بالحاجز، أعني: الهمزة الساكنة. فأما من قال: ﴿أَرْجِهْ﴾ فهي من: أرجيته، دون أرجأته، بلا همز، والهمزة أفصح، فلما حذف الياء للأمر أشبع الهاء، وكسرها لمجاورة الجيم، وأضعف الوجوه "أرجه" بإسكان الهاء، لأن هذه الهاء إنما تسكن في الوقف، لكنه أجرى الوصل مجرى الوقف.
قوله: (وهم الذين لا يقطعون بوعيد الفساق، ويقولون: هم مرجؤون لأمر الله)، الانتصاف: حرف في تفسير المرجئة، فأهل السنة هم الذين لا يقطعون بوعيد الفساق، ويرجعون أمرهم إلى المشيئة، فإن كان المرجئة هؤلاء فاشهدوا أنا مرجئةٌ.
النهاية: المرجئة: فرقةٌ من فرق الإسلام، يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصيةٌ، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، سموا مرجئةً، لاعتقادهم أن الله تعالى أرجأ تعذيبهم على المعاصي، أي: أخره عنهم، والمرجئة تهمز ولا تهمز، وكلاهما بمعنى التأخير.
قوله: (شرطاً يحشرون)، يريد أن ﴿حَاشِرِينَ﴾ صفة موصوفٍ هو مفعولٌ به.
النهاية: الأشراط: العلامات، واحدتها: شرطٌ بالتحريك، وبه سميت شرط السلطان، لأهم جعلوا لأنفسهم علاماتٍ يعرفون بها، هكذا قال أبو عبيد. وحكى الخطابي عن بعض أهل اللغة أنه أنكر هذا التفسير، وقال: أشراط الساعة: ما ينكره الناس من صغار أمورها قبل أن تقوم الساعة. وشرط السلطان: نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده.
стр. 5948
وعارضوا قوله: (إنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ) [الشعراء: ٣٤]، بقولهم: (بِكُلِّ سَحَّارٍ)، فجاءوا بكلمة الإحاطة وصفة المبالغة، ليطامنوا من نفسه ويسكنوا بعض قلقه. وقرأ الأعمش: (بكل ساحر).
[(فَجُمِع َ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ* وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ* لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ)].
اليوم المعلوم: يوم الزينة. وميقاته: وقت الضحى، لأنه الوقت الذي وقته لهم موسى صلوات الله عليه من يوم الزينة في قوله: (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) [طه: ٥٩]. والميقات: ما وقت به، أي: حدد من زمان أو مكان. ومنه: مواقيت الإحرام. (هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ) استبطاء لهم في الاجتماع، والمراد منه: استعجالهم واستحثاثهم، كما يقول الرجل لغلامه: هل أنت منطلق؟ إذا أراد أن يحرّك منه ويحثه على الانطلاق، كأنما يخيل له أن الناس قد انطلقوا وهو واقف. ومنه قول تأبط شرا:
هل أنت باعث دينار لحاجتنا … أو عبد ربّ أخا عون بن مخراق؟
يريد: ابعثه إلينا سريعا ولا تبطئ به. (لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ) أي: في دينهم إن غلبوا موسى،
ولا نتبع موسى في دينه. وليس غرضهم باتباع السحرة، وإنما الغرض الكلي: أن لا يتبعوا موسى،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعارضوا قوله)، لم يرد بالمعارضة الاعتراض، بل: المقابلة، فإن فرعون لما قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ قابلوه بقولهم: ﴿يَاتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾.
قوله: (هل أنت باعث ينارٍ؟ )، البيت. هل أنتً: حثٌ وتحريضٌ على الاستحثاث. دينار: اسم رجل، وكذا عبد رب، و"عبد رب": منصوبٌ معطوفٌ على محل "دينار"، وأخا عونٍ: منادى لا نعتٌ، ويجوز أن يكون عطف بيانٍ لـ "عبد رب".
стр. 5949
فساقوا الكلام مساق الكناية؛ لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا متبعين لموسى.
[(فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)].
وقرئ: (نعم) بالكسر، وهما لغتان. ولما كان قوله: (إِنَّ لَنا لَأَجْراً) في معنى جزاء الشرط، لدلالته عليه، وكان قوله: (وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) معطوفا عليه ومدخلا في حكمه، دخلت (إذا) قارّة في مكانها الذي تقتضيه من الجواب والجزاء، وعدهم أن يجمع لهم إلى الثواب على سحرهم الذي قدروا أنهم يغلبون به موسى: القربة عنده والزلفى.
[(قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فساقوا الكلام مساق الكناية)، يعني: لم يرد بقوله: ﴿نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾: إتباعهم حقيقةً، فكيف وإنه مدع للإلهية؟ وإرادته دفع موسى ﵇ فقط.
قوله: ("نعم" بالكسر)، الكسائي.
قوله: (ولما كان قوله: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ في معنى جزاء الشرط)، يعني: قد تقرر أن الجزاء لا يتقدم على الشرط، لأنه مسببٌ عنه، فإذا تقدم ما في معنى الجزاء عليه ينبغي أن يقدر مثله بعده، فحكم ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ كذلك، وقد عطف عليه قوله: ﴿وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾، والمعطوف له حكم المعطوف عليه، فصح حينئذٍ دخول "إذا" فيه، فكأنهم لما قالوا: إن كنا نحن الغالبين، فهل لنا من أجرٍ؟ أجيبوا بقوله: ﴿نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾، أي: إن غلبتم فلكم الأجر والقربة. وهو قريبٌ من التأويل الذي سبق في قوله تعالى: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾.
стр. 5950
أقسموا بعزة فرعون وهي من أيمان الجاهلية، وهكذا كل حلف بغير الله، ولا يصح في الإسلام إلا الحلف بالله معلقا ببعض أسمائه أو صفاته، كقولك: بالله، والرحمن، وربي، ورب العرش، وعزة الله، وقدرة الله، وجلال الله، وعظمة الله. قال رسول الله ﷺ : "لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمّهاتكم ولا بالطواغيت، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون". ولقد استحدث الناس في هذا الباب في إسلامهم جاهلية نسيت لها الجاهلية الأولى، وذلك أنّ الواحد منهم لو أقسم بأسماء الله كلها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (معلقاً ببعض أسمائه)، حالٌ من الحلف، و"ببعض أسمائه أو صفاته": لفٌ، وقوله: "بالله والرحمن" هما اسمان لله تعالى خاصان به، وقوله: "رب العرش وربي" هما اسمان لله تعالى غالبان، وهذه الأربع: نشرٌ لقوله: "أسمائه" وقوله: "وعزة الله، وقدرة الله، وجلال الله، وعظمة الله" هذه الأربع: نشرٌ لقوله: "أو صفاته"، والمراد بالاسم هاهنا: ما يصح حمله على الله تعالى، وبالصفة: خلافه، فيقال: الله الرحمن والرب، لا يقال: الله العزة والقدرة. مضى تم تقريره في سوره الحجر عند قوله تعالي: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] على القسم.
قوله: (الجاهلية الأولى)، عن بعضهم: الجاهلية الأولى: هي زمان ولد قابيل، بعث إليهم نوح ﵇، والأخرى بعث إليهم محمد صلوات الله عليه.
قوله: (لا تحلفوا بآبائكم)، الحديث من رواية أبي داود والنسائي، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحلفوا بآبائكم، ولا بالأنداد، لا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون". وروى النسائي، عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله تعالى عنه: "لا تحلفوا بآبائكم، ولا بالطواغيت".
стр. 5951
وصفاته على شيء: لم يقبل منه، ولم يعتدّ بها حتى يقسم برأس سلطانه، فإذا أقسم به فتلك عندهم جهد اليمين التي ليس وراءها حلف لحالف.
[(فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَافِكُونَ* فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ* قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ* رَبِّ مُوسى وَهارُونَ)].
(ما يَافِكُونَ): ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم وكيدهم، ويزوّرونه فيخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى، بالتمويه على الناظرين أو إفكهم: سمى تلك الأشياء إفكا مبالغة. روي: أنهم قالوا: إن يك ما جاء به موسى سحرا فلن يغلب، وإن كان من عند الله فلن يخفى علينا، فلما قذف عصاه فتلقفت ما أتوا به، علموا أنه من الله فآمنوا. وعن عكرمة: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء. وإنما عبر عن الخرور بالإلقاء، لأنه ذكر مع الإلقاآت، فسلك به طريق المشاكلة. وفيه أيضا مع مراعاة المشاكلة أنهم حين رأوا ما رأوا، لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين، كأنهم أخذوا فطرحوا طرحا. فإن قلت: فاعل الإلقاء ما هو لو صرح به؟ قلت: هو الله بما خوّلهم من التوفيق. أو إيمانهم. أو ما عاينوا من المعجزات الباهرة، ولك أن لا تقدّر فاعلا، لأنّ (أَلْقُوا) بمعنى خرّوا وسقطوا. (رَبِّ مُوسى وَهارُونَ) عطف بيان لرب العالمين، لأنّ فرعون لعنة الله عليه كان يدعي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو: إفكهم)، وعلى هذا: "ما" مصدريةٌ، وسمى مأفوكهم بالإفك مبالغةً، لأن المعنى لا يتناوله. الجوهري: لقفت الشيء- بالكسر- ألقفه لقفاً، وتلقفته أيضاً، أي: تناولته بسرعة.
قوله: (ولك أن لا تقدر فاعلاً)، قال صاحب "الفرائد": هذا منظورٌ فيه، لأن المعدى إلى مفعولٍ لابد له من الفاعل، وإذا أسند إلى المفعول صار الفاعل متروكاً، وما ذكر، من لوازم معناه، لا معناه.
قلت: أراد بقوله: "أن لا تقدر فاعلاً": أن لا يخصص، على نحو: قتل الخارجي، فإن
стр. 5952
الربوبية، فأرادوا أن يعزلوه. ومعنى إضافته إليهما في ذلك المقام: أنه الذي يدعو إليه هذان، والذي أجرى على أيديهما ما أجرى.
[(قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ)].
(فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) أي: وبال ما فعلتم.
[(قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ* إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ)].
الضر والضير والضور: واحد، أرادوا: لا ضرر علينا في ذلك، بل لنا فيه أعظم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المقصود حصول قلته، وكونه مقتولاً، لا أن القاتل من هو؟ كذا القصد هنا، كونهم ملقين ساقطين، لا أن الملقي من هو؟
قوله: (أنه الذي يدعو إليه)، خبر مبتدأٍ محذوف"، الجملة: خبر "معنى إضافته"، والضمير في "أنه" راجعٌ إلى الرب المحذوف، وفاعل يدعو: "هذان"، يريد أن قوله: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ عطف بيانٍ لـ "رب العالمين"، وهو كتابةٌ عمن عرفت إلهيته بواسطتهما.
قوله: (لا ضرر علينا في ذلك)، اعلم أنهم أجابوا الملعون بقولهم: ﴿لَا ضَيْرَ﴾، وعللوه بقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾، والمصنف فسره بوجوه، أحدها: اعتبر في ﴿لَا ضَيْرَ﴾ جميع ما تهدد به المعلون من القطع والصلب، حيث أتى باسم الإشارة في قوله: "لا ضرر علينا في ذلك"، ثم أتى في العلة بمتعدد: "من تكفير الخطايا والثواب العظيم والأعواض. والثواب: هو الجزاء على أعمال الخير، والأعواض على ما ذهب إليه المعتزلة هي: السلامة التي هي بدل الألم، والنعم التي هي مقابلةٌ للبلايا والمحن والرزايا والفتن.
وثانيهما: قوله: "ولا ضير علينا فيما توعدنا به من القتل"، اعتبر وعيده بجملته، وعبر
стр. 5953
النفع لما يحصل لنا في الصبر عليه لوجه الله، من تكفير الخطايا والثواب العظيم، مع الأعواض الكثيرة. أو: لا ضير علينا فيما تتوعدنا به من القتل أنه لا بد لنا من الانقلاب إلى ربنا بسبب من أسباب الموت. والقتل أهون أسبابه وأرجاها. أو لا ضير علينا في قتلك، إنك إن قتلتنا انقلبنا إلى ربنا انقلاب من يطمع في مغفرته ويرجو رحمته، لما رزقنا من السبق إلى الإيمان. وخبر (لَا) محذوف. والمعنى: لا ضير في ذلك، أو علينا (أَنْ كُنَّا) معناه: لأن كنا، وكانوا أوّل جماعة مؤمنين من أهل زمانهم، أو من رعية فرعون، أو من أهل المشهد. وقرئ: (إن كنا) بالكسر، وهو من الشرط الذي يجيء به المدلّ بأمره، المتحقق لصحته، وهم كانوا متحققين أنهم أوّل المؤمنين. ونظيره
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عنه بالقتل، وعلله بقوله: إنه لابد لنا من الانقلاب إلى ربنا"، والانقلاب حينئذٍ عبارةٌ عن الرجوع إلى الله ، ولابد لكل أحدٍ منه، وأسباب الرجوع إليه تعالى كثيرة، ولهذا قال: "والقتل أهون أسبابه".
وثالثها: "أو لا ضير عليها في القتل، فاعتبر في هذا الوجه نفس القتل من غير اعتبار تفصيله، ولا الوعيد به، وهو بمنزلة الموت حينئذٍ، وعلل بقوله: "إنك إن قتلتنا انقلبنا إلى ربنا انقلاب من يطمع في مغفرته"، فأدخل ﴿إِنَّا نَطْمَعُ﴾ في التعليل، وجعله بدلاً منه، وفيه إظهار الرغبة في القتل، يعني: إنه مطلوبنا، لما يحصل منه الفوز بهذه البغية السنية. وذكر وجهاً رابعاً في الأعراف، وهو: "أنا جميعاً، يعنون أنفسهم وفرعون، ننقلب إلى الله تعالى، فيحكم بيننا"، أي: ينتقم لنا منك بما فعلت بنا، ويثيبنا على ما قاسينا منك، لأنا نطمع أن يغفر لنا وأنت لا تطمع، والله تعالى أعلم.
قوله: (المدل بأمره)، الأساس: تدللت المرأة على زوجها، وذلك أن تريه جرأةً عليه في تغنج وتشكل، كأنها تخالفه وليس بها خلافٌ، وأدل على قريبه، وعلى من له عنده منزلةٌ، وهو مدلٌ بفضله وبشجاعته، ومنه أسدٌ مدلٌ، وأما تنظير الآية بالمثال فلتتميم معنى
стр. 5954
قول العامل لمن يؤخر جعله: إن كنت عملت لك فوفني حقي. ومنه قوله : (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي) [الممتحنة: ١] مع علمه أنهم لم يخرجوا إلا لذلك.
[(وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ* فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ* إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ* وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ* وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ)].
قرئ: (أَسْرِ) بقطع الهمزة ووصلها. و (سِرْ). (إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ): علل الأمر بالإسراء باتباع فرعون وجنوده آثارهم. والمعنى: أني بنيت تدبير أمركم وأمرهم على أن تتقدّموا ويتبعوكم، حتى يدخلوا مدخلكم، ويسلكوا مسلككم من طريق البحر، فأطبقه عليهم فأهلكهم. وروي: أنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوتهم ولد،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الانكسار، وهضم الحق الذي يعطيه قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ﴾ كقوله ﵊: ﴿أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢].
قوله: (قرئ: ﴿أَسْرِ﴾ بقطع الهمزة، نافعٌ وابن كثيرٍ، بالوصل، والباقون: بالقطع.
قوله: ("سر")، أي: وقرئ: "سر"، من السير.
قوله: (علل الأمر بالإسراء بإتباع فرعون)، كأنه قيل: أسر بعبادي، لأن فيه نجاتكم وهلاك القوم، وليس بإتباعهم عرضاً للأمر بالإسراء ظاهراً، لأن الغرض في الأمر بالإسراء إهلاك القوم بإتباعهم، ونجاة موسى ﵇ وقومه، لكن الإهلاك لما كان مسبباً عن الإتباع وضع موضعه، نحوه: أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه، وإليه الإشارة بقوله: "إني بنيت تدبير أمركم وأمركم وأمرهم" إلى آخره، لأن إعداد الخشبة لإدعام الحائط إذا مال تدبيرٌ.
стр. 5955
واشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه. وروي: أنّ الله أوحى إلى موسى: أن اجمع بنى إسرائيل، كل أربعة أبيات في بيت، ثم اذبحوا الجداء واضربوا بدمائها على أبوابكم، فإني سآمر الملائكة أن لا يدخلوا بيتا على بابه دم، وسآمرهم بقتل أبكار القبط، واخبزوا خبزا فطيرا؛ فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري، فأرسل فرعون في أثره ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسوّر، مع كل ملك ألف، وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت مقدّمته سبعمائة ألف: كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة. وعن ابن عباس: خرج فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث، فلذلك استقل قوم موسى وكانوا ست مائة ألف وسبعين ألفا، وسماهم شرذمة قليلين. (إِنَّ هؤُلاءِ) محكي بعد قول مضمر. والشرذمة: الطائفة القليلة. ومنها قولهم: ثوب شراذم، للذي يلي وتقطع قطعا، ذكرهم بالاسم الدال على القلة. ثم جعلهم قليلا بالوصف، ثم جمع القليل فجعل كل حزب منهم قليلا،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الجداء)، الجداء: جمع جدي، والأجداء أيضاً.
قوله: (فيأتيك أمري)، عن بعضهم: أمري، أي: شأني، أو عقوبتي، من قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: ٨٢]، ومن قوله: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥]. وقلت: ويمكن أ، يكون واحد الأوامر، وهو قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾.
قوله: (ثوبٌ شراذم)، وصف الواحد بشراذم كوصف الإزار بالسراويل في أحد القولين، ونظيره: الحضاجر للمنتفخ البطن.
قوله: (فجعل كل حزبٍ منهم قليلاً)، يريد أن الأصل أن يقال: "لشر ذمةٌ قليلة"، فعدل إلى: ﴿قَلِيلُونَ﴾، ليؤذن بتفرقهم أحزاباً. الانتصاف: يعني: قللهم، من أربعة أوجهٍ: عبر عنه بـ "شرذمة"، ووصفهم بالقلة، وجمع وصفهم، ليعلم أن كل حزبٍ منهم قليل، واختار جمع السلامة المفيد للقلة، وفيه وجهٌ خامسٌ: جمع الصفة والموصوف مفردٌ، وهو
следующие страницы →