Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.
стр. 5951
وصفاته على شيء: لم يقبل منه، ولم يعتدّ بها حتى يقسم برأس سلطانه، فإذا أقسم به فتلك عندهم جهد اليمين التي ليس وراءها حلف لحالف.
[(فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَافِكُونَ* فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ* قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ* رَبِّ مُوسى وَهارُونَ)].
(ما يَافِكُونَ): ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم وكيدهم، ويزوّرونه فيخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى، بالتمويه على الناظرين أو إفكهم: سمى تلك الأشياء إفكا مبالغة. روي: أنهم قالوا: إن يك ما جاء به موسى سحرا فلن يغلب، وإن كان من عند الله فلن يخفى علينا، فلما قذف عصاه فتلقفت ما أتوا به، علموا أنه من الله فآمنوا. وعن عكرمة: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء. وإنما عبر عن الخرور بالإلقاء، لأنه ذكر مع الإلقاآت، فسلك به طريق المشاكلة. وفيه أيضا مع مراعاة المشاكلة أنهم حين رأوا ما رأوا، لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين، كأنهم أخذوا فطرحوا طرحا. فإن قلت: فاعل الإلقاء ما هو لو صرح به؟ قلت: هو الله بما خوّلهم من التوفيق. أو إيمانهم. أو ما عاينوا من المعجزات الباهرة، ولك أن لا تقدّر فاعلا، لأنّ (أَلْقُوا) بمعنى خرّوا وسقطوا. (رَبِّ مُوسى وَهارُونَ) عطف بيان لرب العالمين، لأنّ فرعون لعنة الله عليه كان يدعي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو: إفكهم)، وعلى هذا: "ما" مصدريةٌ، وسمى مأفوكهم بالإفك مبالغةً، لأن المعنى لا يتناوله. الجوهري: لقفت الشيء- بالكسر- ألقفه لقفاً، وتلقفته أيضاً، أي: تناولته بسرعة.
قوله: (ولك أن لا تقدر فاعلاً)، قال صاحب "الفرائد": هذا منظورٌ فيه، لأن المعدى إلى مفعولٍ لابد له من الفاعل، وإذا أسند إلى المفعول صار الفاعل متروكاً، وما ذكر، من لوازم معناه، لا معناه.
قلت: أراد بقوله: "أن لا تقدر فاعلاً": أن لا يخصص، على نحو: قتل الخارجي، فإن
стр. 5952
الربوبية، فأرادوا أن يعزلوه. ومعنى إضافته إليهما في ذلك المقام: أنه الذي يدعو إليه هذان، والذي أجرى على أيديهما ما أجرى.
[(قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ)].
(فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) أي: وبال ما فعلتم.
[(قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ* إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ)].
الضر والضير والضور: واحد، أرادوا: لا ضرر علينا في ذلك، بل لنا فيه أعظم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المقصود حصول قلته، وكونه مقتولاً، لا أن القاتل من هو؟ كذا القصد هنا، كونهم ملقين ساقطين، لا أن الملقي من هو؟
قوله: (أنه الذي يدعو إليه)، خبر مبتدأٍ محذوف"، الجملة: خبر "معنى إضافته"، والضمير في "أنه" راجعٌ إلى الرب المحذوف، وفاعل يدعو: "هذان"، يريد أن قوله: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ عطف بيانٍ لـ "رب العالمين"، وهو كتابةٌ عمن عرفت إلهيته بواسطتهما.
قوله: (لا ضرر علينا في ذلك)، اعلم أنهم أجابوا الملعون بقولهم: ﴿لَا ضَيْرَ﴾، وعللوه بقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾، والمصنف فسره بوجوه، أحدها: اعتبر في ﴿لَا ضَيْرَ﴾ جميع ما تهدد به المعلون من القطع والصلب، حيث أتى باسم الإشارة في قوله: "لا ضرر علينا في ذلك"، ثم أتى في العلة بمتعدد: "من تكفير الخطايا والثواب العظيم والأعواض. والثواب: هو الجزاء على أعمال الخير، والأعواض على ما ذهب إليه المعتزلة هي: السلامة التي هي بدل الألم، والنعم التي هي مقابلةٌ للبلايا والمحن والرزايا والفتن.
وثانيهما: قوله: "ولا ضير علينا فيما توعدنا به من القتل"، اعتبر وعيده بجملته، وعبر
стр. 5953
النفع لما يحصل لنا في الصبر عليه لوجه الله، من تكفير الخطايا والثواب العظيم، مع الأعواض الكثيرة. أو: لا ضير علينا فيما تتوعدنا به من القتل أنه لا بد لنا من الانقلاب إلى ربنا بسبب من أسباب الموت. والقتل أهون أسبابه وأرجاها. أو لا ضير علينا في قتلك، إنك إن قتلتنا انقلبنا إلى ربنا انقلاب من يطمع في مغفرته ويرجو رحمته، لما رزقنا من السبق إلى الإيمان. وخبر (لَا) محذوف. والمعنى: لا ضير في ذلك، أو علينا (أَنْ كُنَّا) معناه: لأن كنا، وكانوا أوّل جماعة مؤمنين من أهل زمانهم، أو من رعية فرعون، أو من أهل المشهد. وقرئ: (إن كنا) بالكسر، وهو من الشرط الذي يجيء به المدلّ بأمره، المتحقق لصحته، وهم كانوا متحققين أنهم أوّل المؤمنين. ونظيره
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عنه بالقتل، وعلله بقوله: إنه لابد لنا من الانقلاب إلى ربنا"، والانقلاب حينئذٍ عبارةٌ عن الرجوع إلى الله ، ولابد لكل أحدٍ منه، وأسباب الرجوع إليه تعالى كثيرة، ولهذا قال: "والقتل أهون أسبابه".
وثالثها: "أو لا ضير عليها في القتل، فاعتبر في هذا الوجه نفس القتل من غير اعتبار تفصيله، ولا الوعيد به، وهو بمنزلة الموت حينئذٍ، وعلل بقوله: "إنك إن قتلتنا انقلبنا إلى ربنا انقلاب من يطمع في مغفرته"، فأدخل ﴿إِنَّا نَطْمَعُ﴾ في التعليل، وجعله بدلاً منه، وفيه إظهار الرغبة في القتل، يعني: إنه مطلوبنا، لما يحصل منه الفوز بهذه البغية السنية. وذكر وجهاً رابعاً في الأعراف، وهو: "أنا جميعاً، يعنون أنفسهم وفرعون، ننقلب إلى الله تعالى، فيحكم بيننا"، أي: ينتقم لنا منك بما فعلت بنا، ويثيبنا على ما قاسينا منك، لأنا نطمع أن يغفر لنا وأنت لا تطمع، والله تعالى أعلم.
قوله: (المدل بأمره)، الأساس: تدللت المرأة على زوجها، وذلك أن تريه جرأةً عليه في تغنج وتشكل، كأنها تخالفه وليس بها خلافٌ، وأدل على قريبه، وعلى من له عنده منزلةٌ، وهو مدلٌ بفضله وبشجاعته، ومنه أسدٌ مدلٌ، وأما تنظير الآية بالمثال فلتتميم معنى
стр. 5954
قول العامل لمن يؤخر جعله: إن كنت عملت لك فوفني حقي. ومنه قوله : (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي) [الممتحنة: ١] مع علمه أنهم لم يخرجوا إلا لذلك.
[(وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ* فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ* إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ* وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ* وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ)].
قرئ: (أَسْرِ) بقطع الهمزة ووصلها. و (سِرْ). (إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ): علل الأمر بالإسراء باتباع فرعون وجنوده آثارهم. والمعنى: أني بنيت تدبير أمركم وأمرهم على أن تتقدّموا ويتبعوكم، حتى يدخلوا مدخلكم، ويسلكوا مسلككم من طريق البحر، فأطبقه عليهم فأهلكهم. وروي: أنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوتهم ولد،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الانكسار، وهضم الحق الذي يعطيه قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ﴾ كقوله ﵊: ﴿أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢].
قوله: (قرئ: ﴿أَسْرِ﴾ بقطع الهمزة، نافعٌ وابن كثيرٍ، بالوصل، والباقون: بالقطع.
قوله: ("سر")، أي: وقرئ: "سر"، من السير.
قوله: (علل الأمر بالإسراء بإتباع فرعون)، كأنه قيل: أسر بعبادي، لأن فيه نجاتكم وهلاك القوم، وليس بإتباعهم عرضاً للأمر بالإسراء ظاهراً، لأن الغرض في الأمر بالإسراء إهلاك القوم بإتباعهم، ونجاة موسى ﵇ وقومه، لكن الإهلاك لما كان مسبباً عن الإتباع وضع موضعه، نحوه: أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه، وإليه الإشارة بقوله: "إني بنيت تدبير أمركم وأمركم وأمرهم" إلى آخره، لأن إعداد الخشبة لإدعام الحائط إذا مال تدبيرٌ.
стр. 5955
واشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه. وروي: أنّ الله أوحى إلى موسى: أن اجمع بنى إسرائيل، كل أربعة أبيات في بيت، ثم اذبحوا الجداء واضربوا بدمائها على أبوابكم، فإني سآمر الملائكة أن لا يدخلوا بيتا على بابه دم، وسآمرهم بقتل أبكار القبط، واخبزوا خبزا فطيرا؛ فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري، فأرسل فرعون في أثره ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسوّر، مع كل ملك ألف، وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت مقدّمته سبعمائة ألف: كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة. وعن ابن عباس: خرج فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث، فلذلك استقل قوم موسى وكانوا ست مائة ألف وسبعين ألفا، وسماهم شرذمة قليلين. (إِنَّ هؤُلاءِ) محكي بعد قول مضمر. والشرذمة: الطائفة القليلة. ومنها قولهم: ثوب شراذم، للذي يلي وتقطع قطعا، ذكرهم بالاسم الدال على القلة. ثم جعلهم قليلا بالوصف، ثم جمع القليل فجعل كل حزب منهم قليلا،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الجداء)، الجداء: جمع جدي، والأجداء أيضاً.
قوله: (فيأتيك أمري)، عن بعضهم: أمري، أي: شأني، أو عقوبتي، من قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: ٨٢]، ومن قوله: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥]. وقلت: ويمكن أ، يكون واحد الأوامر، وهو قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾.
قوله: (ثوبٌ شراذم)، وصف الواحد بشراذم كوصف الإزار بالسراويل في أحد القولين، ونظيره: الحضاجر للمنتفخ البطن.
قوله: (فجعل كل حزبٍ منهم قليلاً)، يريد أن الأصل أن يقال: "لشر ذمةٌ قليلة"، فعدل إلى: ﴿قَلِيلُونَ﴾، ليؤذن بتفرقهم أحزاباً. الانتصاف: يعني: قللهم، من أربعة أوجهٍ: عبر عنه بـ "شرذمة"، ووصفهم بالقلة، وجمع وصفهم، ليعلم أن كل حزبٍ منهم قليل، واختار جمع السلامة المفيد للقلة، وفيه وجهٌ خامسٌ: جمع الصفة والموصوف مفردٌ، وهو
стр. 5956
واختار جمع السلامة الذي هو للقلة، وقد يجمع القليل على أقلة وقلل. ويجوز أن يريد بالقلة: الذلة والقماءة، ولا يريد قلة العدد. والمعنى: أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم وعلوهم، ولكنهم يفعلون أفعالا تغيظنا وتضيق صدورنا، ونحن قوم من عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور، فإذا خرج علينا خارج، سارعنا إلى حسم فساده، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن، لئلا يظنّ به ما يكسر من قهره وسلطانه ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قد يكون مبالغةً للصوق الصفة بالموصوف وتناهيه فيها، كقولك: "معًي جياعاً"، وههنا الأصل: "لشرذمةٌ قليلة"، كقوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، لتناهيهم في القلة، ويبقى نظرٌ، فإن هذا المعنى هل ينفي الوجوه الأربعة، أو يذهب منها شيئاً؟ فتأمله.
قال صاحب "الإنصاف": ينبغي أن لا يسقط منها شيئاً، إذ هو مبالغةٌ في أحدها، وهو وصفهم بالقلة.
قلت: بل هو عين ما قال المصنف: "ثم جمع القليل فجعل كل حزبٍ منهم قليلاً"، واستشهد بقوله: "ثوبٌ شراذم"، كما أن القائل جعل كل جزءٍ من أجزاء المعي خالياً من الغذاء، صفراً من الطعام، مبالغةً في الجوع. قال صاحب "الكشف": جمع "قليلاً" بالواو والنون، لموافقة رؤوس الآي، وإن أفردها جاز، لأن لفظ "الشرذمة" مفردٌ.
قوله: (والقماءة)، الأساس: وقد قمؤ قماءةً وقميء قمأً، إذا ذل وصغر في الأعين.
стр. 5957
وقرئ: (حَذِرُون) و (حَاذِرُونَ) و (حادِرُون) بالدال غير المعجمة. فالحَذِر: اليقظ، والحاذر: الذي يجدّد حذره. وقيل: المؤدى في السلاح، وإنما يفعل ذلك حذرا واحتياطا لنفسه. والحادر: السمين القوي. قال:
أحبّ الصّبي السوء من أجل أمّه … وأبغضه من بغضها وهو حادر
أراد أنهم أقوياء أشداء. وقيل مدججون في السلاح، قد كسبهم ذلك حدارة في أجسامهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "حذرون" و ﴿حَاذِرُونَ﴾، الكوفيون وابن ذكوان: "حاذرون" بالألف، والباقون: بغير ألف.
قوله: (و"حادرون" بالدال) المهملة، قال ابن جني: قرأها ابن أبي عمار: الحادر: القوي الشديد، ومنه: الحادرة الشاعر، وحدر الشاعر، إذا قوي جسمه وامتلأ لحماً وشحماً.
قوله: (فالحذر)، اليقظ، الحاذر: الذي يجدد حذره". هذا التفاوت معلومٌ بين الصفة المشبهة، وبين اسم الفاعل. قال الزجاج: وجاء في التفسير أن معنى "حاذرون": مؤدون، أي: ذووا أداةٍ وسلاح. والسلاح: أداة الحرب، فالحاذر: المستعد، والحذر: المتيقظ.
الجوهري: آدى الرجل، أي: قوي، من الأداة، فهو مؤدٍ بالهمز، أي: شاكٍ في السلاح، ورجلٌ مدجج، أي شاكٍ في السلاح.
قوله: (وقيل: مدججون في السلاح)، عطفٌ على قوله: "أنهم أقوياء أشداء"، أي:
стр. 5958
[(فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ* كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ* فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ)].
وعن مجاهد: سماها كنوزا؛ لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله. والمقام: المكان، يريد: المنازل الحسنة والمجالس البهية. وعن الضحاك: المنابر. وقيل السرر في الحجال. (كَذلِكَ) يحتمل ثلاثة أوجه: النصب على: أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه. والجر على أنه وصف لـ "مقام"، أي: لمقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم. والرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي: الأمر كذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال: حاذرون، وأراد أنهم شاكون في السلاح، بالكناية، لأن الرجل الشديد القوي لا يخلو في مثل هذه المواطن من السلاح، لأن ادعاء القوة والشدة لازمة التدجج في السلاح. وإليه الإشارة بقوله: "قد كسبهم ذلك حدارةً في أجسامهم".
قوله: (سماها كنوزاً، لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله ، مأخوذٌ مما رواه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: كل ما أديت زكاته فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وما لم تؤد زكاته الذي ذكر الله تعالى وإن كان على وجه الأرض.
قوله: (وقيل: السرور في الحجال)، الجوهري: الحجلة- بالتحريك-: واحدة حجال العروس، وهو بيتٌ يزين بالثياب والأسرة والستور؟
قوله: (أي: الأمر كذلك)، هذا الوجه أقوى الوجوه، ليكون قوله: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾ عطفاً عليه، والجملتان معترضتان بين المعطوف عليه وهو ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ﴾ وبين ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾، لأن الإتباع عقب الإخراج، لا الإيراث. قال الواحدي: إن الله تعالى رد بني إسرائيل إلى مصر بعد ما أغرق فرعون وقومه وأعطاهم جميع ما كان لقوم فرعون من الأموال
стр. 5959
(فَأَتْبَعُوهُمْ): فلحقوهم. وقرئ: (فاتَّبَعوهم)، (مُشْرِقِينَ): داخلين في وقت الشروق، من شرقت الشمس شروقا إذا طلعت.
[(فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ* قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ* فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ* وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ)].
(سَيَهْدِينِي) طريق النجاة من إدراكهم وإضرارهم. وقرئ: (إنا لُمدّرِكون) بتشديد الدال وكسر الراء، من ادّرك الشيء إذا تتابع ففني، ومنه قوله تعالى: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ) [النمل: ٦٦]، قال الحسن: جهلوا علم الاخرة. وفي معناه بيت "الحماسة":
أبعد بني أمّي الّذين تتابعوا … أرجّى الحياة أم من الموت أجزع!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والعقار والمساكن، وعلى أن يكون ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة مصدرٍ محذوفٍ لـ "أخرجنا" مع ما قيد توكيداً، ويكون ﴿وَأَوْرَثَنَا﴾: عطفاً على ﴿وَأَخْرَجْنَا﴾، لابد من تقديرٍ نحو: فأردنا إخراجهم، وإيراث بني إسرائيل ديارهم، فخرجوا وأتبعوهم.
قوله: (﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾: فلحقوهم)، ليس تفسيراً لقوله: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾، بل هو مقدرٌ، والفاء في ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ فصيحةٌ تستدعي هذا المقدر ليتصل بقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾. قال الواحدي: فلما تراءى الجمعان، أي: تقابلا، بحيث يرى كل فريقٍ صاحبه.
قوله: (أبعد بني أمي)، البيت. الاستفهام للتوجع والاستبعاد والإنكار على نفسه
стр. 5960
والمعنى: إنا لمتتابعون في الهلاك على أيديهم، حتى لا يبقى منا أحد.
الفرق: الجزء المتفرّق منه. وقرئ: (كل فِلْق)، والمعنى واحد. والطود: الجبل العظيم المنطاد في السماء.
(وَأَزْلَفْنا ثَمَّ) حيث انفلق البحر (الْآخَرِينَ): قوم فرعون، أي: قربناهم من بني إسرائيل: أو أدنينا بعضهم من بعض، وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد، أو قدمناهم إلى البحر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالترجية، أي: لا يحسن الطمع في الحياة بعد إخواني الذين انقرضوا واندرج واحدٌ إثر واحد، ولا أجزع من الموت عقيب التفجع بهم.
قوله: (الفرق: الجزء المتفرق منه)، التعريف في "الفرق": للعهد في قوله: ﴿كُلُّ فِرْقٍ﴾، والضمير في منه عائدٌ إلى البحر.
الراغب: الفرق يقارب الفلق، لكن الفلق يقال اعتباراً بالانشقاق، والفرق اعتباراً بالانفصال، والفرق: القطعة المنفصلة، ومنه الفرقة: للجماعة المنفردة من الناس، والفريق: الجماعة المنفردة عن الآخرين. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨]، ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧].
قوله: (المنطاد)، الأساس: ما هو إلا طودٌ من الأطواد، وهو الجبل المنطاد في السماء الذاهب صعداً.
قوله: (أو قدمناهم إلى البحر)، عطفٌ على قوله: "قربناهم من بني إسرائيل"، فـ "أزلفنا"- على هذا- كنايةٌ عن "قدمنا".
قال الواحدي: قربنا إلى البحر فرعون وقومه حتى أغرقناهم.
стр. 5961
وقرئ: (وأزلَقْنا) بالقاف، أي: أزللنا أقدامهم. والمعنى: أذهبنا عزهم، كقوله:
تداركتما عبسا وقد ثلّ عرشها … وذبيان إذ زلّت بأقدامها النّعل
ويحتمل أن يجعل الله طريقهم في البحر على خلاف ما جعله لبني إسرائيل يبسا فيزلقهم فيه.
[(وأَنجَيْنَا مُوسَى ومَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ* ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ)].
عن عطاء بن السائب: أن جبريل كان بين بني إسرائيل وبين آل فرعون، فكان يقول لبني إسرائيل: ليلحق آخركم بأولكم. ويستقبل القبط فيقول: رويدكم يلحق آخركم. فلما انتهى موسى إلى البحر قال له مؤمن آل فرعون، وكان بين يدي موسى: أين أمرت فهذا البحر أمامك وقد غشيك آل فرعون؟ قال: أمرت بالبحر ولا يدري موسى ما يصنع، فأوحى الله تعالى إليه: أن اضرب بعصاك البحر. فضربه فصار فيه اثنا عشر طريقا: لكل سبط طريق. وروي: أنّ يوشع قال: يا كليم الله، أين أمرت؟ فقد غشينا فرعون والبحر أمامنا؟ قال موسى: هاهنا. فخاض يوشع الماء، وضرب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ("وأزلقنا"، بالقاف)، قال ابن جني: هي قراءة عبد الله بن الحارث.
قوله: (تداركتما عبساً)، البيت. عبسٌ وذبيان: قبيلتان. ثل عرشها: أي زوال ملكها، فإن العرش كنايةٌ عن الملك، وفي المثل: زلت نعله: يضرب لمن نكب وزالت نعمته
стр. 5962
موسى بعصاه البحر فدخلوا. وروى: أنّ موسى قال عند ذلك: يا من كان قبل كل شيء، والمكوّن لكل شيء، والكائن بعد كل شيء. ويقال: هذا البحر هو بحر القلزم. وقيل: هو بحر من وراء مصر، يقال له: إِسَاف. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً) أية آية، وآية لا توصف، وقد عاينها الناس وشاع أمرها فيهم.
[(إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ومَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ* وإنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ)].
وما تنبه عليها أكثرهم، ولا آمن بالله. وبنو إسرائيل: الذين كانوا أصحاب موسى، المخصوصون بالإنجاء قد سألوه بقرة يعبدونها، واتخذوا العجل، وطلبوا رؤية الله جهرة. (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ) المنتقم من أعدائه (الرَّحِيمُ) بأوليائه.
[(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ* إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ* قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ)].
كان إبراهيم صلوات الله عليه يعلم أنهم عبدة أصنام، ولكنه سألهم ليريهم أنّ ما يعبدونه ليس من استحقاق العبادة في شيء، كما تقول للتاجر: ما مالك؟ وأنت تعلم أنّ ماله الرقيق، ثم تقول له: الرقيق جمال وليس بمال. فإن قلت: (ما تَعْبُدُونَ) سؤال عن المعبود فحسب، فكان القياس أن يقولوا: أصناما، كقوله تعالى: (وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) [البقرة: ٢١٩]، (مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ) [سبأ: ٢٣]، (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً) [النحل: ٣٠]. قلت: هؤلاء قد جاءوا بقصة أمرهم كاملة كالمبتهجين بها والمفتخرين، فاشتملت على جواب إبراهيم، وعلى ما قصدوه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقول: تداركتما حال القبيلتين بعد انهدامهما وتضعضعهما.
قوله: (﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ المنتقم من أعدائه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بأوليائه)، وقد سبق أن هذا التذييل تسل لحبيبه ﷺ .
стр. 5963
من إظهار ما في نفوسهم من الابتهاج والافتخار. ألا تراهم كيف عطفوا على قولهم: (نَعْبُدُ) (فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ) ولم يقتصروا على زيادة (نَعْبُدُ) وحده؟ ومثاله أن تقول لبعض الشطار: ما تلبس في بلادك؟ فيقول: ألبس البرد الأتحمى، فأجرّ ذيله بين جواري الحي. وإنما قالوا: نظل، لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل.
[(قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ)].
لا بد في (يَسْمَعُونَكُمْ) من تقدير حذف المضاف، معناه: هل يسمعون دعاءكم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (البرد الأتحمي)، وأنشد الجوهري:
وعليه أتحمي … نسجه من نسج هوزم
غزلته أم خلمي … كل يوم وزن درهم
وأنشد المصنف في "الأساس": زانه من الثناء الأهتمي، بأبهى من البرد الأتحمي.
قوله: (كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل)، أي: هذا أيضاً تتميمٌ لمعنى الابتهاج والافتخار، أي: يعبدها جهراً لا سرًا، ولا يلبث في عبادتها لبثاً قليلاً بل طويلاً، ثم لا يكون ذلك البث إلا خضوعاً وخشوعاً، لأن الاعتكاف عبادةٌ معروفة.
قوله: (لابد في ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾ من تقدير حذف المضاف)، قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ [آل عمران: ١٩٣]: يقول: سمعت رجلاً يقول كذا، فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع، لأنك وصفته بما يسمع، أو جعلته حالاً منه فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بد، وأن يقال: سمعت كلام فلان، وههنا قرينة المحذوف الظرف، وهو ﴿إِذْ تَدْعُونَ﴾، فإن فيه دلالةً على الدعاء.
стр. 5964
وقرأ قتادة: (يُسمِعونكم)، أي: هل يسمعونكم الجواب عن دعائكم؟ وهل يقدرون على ذلك؟ وجاء مضارعا مع إيقاعه في "إذ" على حكاية الحال الماضية. ومعناه: استحضروا الأحوال الماضية التي كنتم تدعونها فيها، وقولوا: هل سمعوا أو أسمعوا قط؟ وهذا أبلغ في التبكيت.
[(قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ* قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ* أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ* فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ* الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ* وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ* وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ* وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)].
لما أجابوه بجواب المقلدين لآبائهم قال لهم: رقوا أمر تقليدكم هذا إلى أقصى غاياته وهي عبادة الأقدمين الأوّلين من آبائكم، فإن التقدّم والأوّلية لا يكون برهانا على الصحة، والباطل لا ينقلب حقا بالقدم، وما عبادة من عبد هذه الأصنام إلا عبادة أعداء له، ومعنى العداوة: قوله تعالى: (كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) [مريم: ٨٢]؛ ولأنّ المغري على عبادتها أعدى أعداء الإنسان وهو الشيطان، وإنما قال: (عَدُوٌّ لِي) تصويرا للمسألة في نفسه، على معنى: أني فكرت في أمري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وجاء مضارعاً مع إيقاعه في "إذ")، وذلك أن إذ يجعل المضارع في معنى الماضي، كقوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، وفائدته: استحضار جميع الأحوال الماضية وقتاً فوقتاً، يعني: قولوا لنا: هل قدروا على السماع أو الإسماع قط في تلك الأوقات؟ وهو أدخل في الإلزام من لو قيل: إذ دعوتموهم.
قوله: (ولأن المغري)، عطفٌ على قوله: "ومعنى العداوة قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ﴾ ".
قوله: (قال: ﴿عَدُوٌّ لِي﴾ تصويراً للمسألة)، وذلك أنه ﵊ لما بكتهم بقوله: ﴿إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ ما أجابوه إلا بالتقليد المحض، وهو قولهم: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، أراد أن يصور لهم بطلان التقليد، قال: أخبروني ما
стр. 5965
فرأيت عبادتي لها عبادة للعدوّ، فاجتنبتها وآثرت عبادة من الخير كله منه، وأراهم بذلك أنها نصيحة نصح بها نفسه أوّلا وبنى عليها تدبير أمره، لينظروا فيقولوا: ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه، وما أراد لنا إلا ما أراد لروحه، ليكون أدعى لهم إلى القبول، وأبعث على الاستماع منه. ولو قال: فإنه عدوّ لكم لم يكن بتلك المثابة، ولأنه دخل في باب من التعريض، وقد يبلغ التعريض للمنصوح ما لا يبلغه التصريح، لأنه يتأمّل فيه، فربما قادة التأمّل إلى التقبل. ومنه ما يحكى عن الشافعي ﵀: أنّ رجلا واجهه بشيء فقال: لو كنت بحيث أنت، لاحتجت إلى أدب، وسمع رجل ناسا يتحدثون في الحجر فقال: ما هو ببيتي ولا بيتكم. والعدوّ والصديق: يجيئان في معنى الوحدة والجماعة. قال:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كنتم تعبدونه أنتم وآباؤكم الأقدمون، هل عرفتم أن تلك العبادة كانت في الحقيقة هي عبادة الأعداء، وهل رأيت عاقلاً يعبد عدوه، ومن ضره أقرب من نفعه، ويترك عبادة رب العالمين الذي وسعت رحمته كل شيء، وهو الذي خلقه، ورزقه، وأحياه، وأماته؟ فعرض بالكلام استدراجاً ليكون أدخل في النصح، وإليه الإشارة بقوله: "ربما قاده التأمل إلى التقبل".
قوله: (ولأنه دخل في بابٍ من التعريض)، نحوه قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢]، وهذا العريض يحتمل أن يكون من الكناية، وأن يكون من المجاز. فإذا قيل: إن الأصنام لا تصلح أن تكون عدواً لإبراهيم ﵇، كان مجازاً، وإلا فيكون كنايةً، ونحوه قولك: آذيتني فستعرف. قال صاحب "المفتاح": إذا أردت به المخاطب ومع المخاطب إنساناً آخر، كان من الكناية، وإن لم ترد إلا غير المخاطب كان من المجاز.
قوله: (وسمع رجلٌ ناساً يتحدثون)، قيل: هو علي بن سند مجاور مكة. والحجر بكسر الحاء: الحطيم المدار بالبيت.
стр. 5966
وقوم عليَّ ذوي مئرة … أراهم عدوّا وكانوا صديقا
ومنه قوله تعالى: (وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ) [الكهف: ٥٠]، شبها بالمصادر للموازنة، كالقبول والولوع، والحنين والصهيل. (إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ) استثناء منقطع، كأنه قال: ولكن رب العالمين فَهُوَ يَهْدِينِي يريد أنه حين أتمّ خلقه ونفخ فيه الروح،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقوم علي ذوي مئرةٍ)، البيت، مئرةٍ): أي مجادلةٍ ومخاصمة. المئرة بالهمز: الذحل والعداوة، وجمعها مئرٌ، يريد: أنه أطلق العدو على الجماعة، والعدو والصديق يجيئان بمعنى الواحدة والجماعة، قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: إن الصديق والعدو كالرسول في أنه يقال للواحد والتثنية والجمع، قال تعالى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وذلك أن الجمع بمنزلة الواحد في الاتفاق على المعنى المقصود.
قوله: (﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾: استثناءٌ منقطع)، قال صاحب "الكشف": لأنه تعالى ليس من جملة الأعداء أخبر عن الأصنام بأنهم أعداءٌ، ثم أخذ في حديثٍ آخر، فقال: لكن رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون متصلاً، لأن آبائهم قد كان منهم من يعبد الله تعالى وغير الله. والاختيار الأول، لأن قوله: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ تخلصٌ إلى الأوصاف الآتية. وذهب أبو البقاء وصاحب "الكشف" أن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾: مبتدأٌ، و ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾: الخبر، وما بعدها من ﴿الَّذِي﴾: صفات ﴿الَّذِي﴾: الأولى، ويجوز إدخال الواو في الصفات، وقيل: المعطوف: مبتدأٌ، وخبره محذوفٌ استغناءً: بخبر الأول، وضعف صاحب "الكشف" هذا.
وقلت: الأول أيضاً ضعيفٌ، والأولى ما عليه ظياهر كلام المصنف، أن الكل صفاتٌ
стр. 5967
عقب ذلك هدايته المتصلة التي لا تنقطع إلى كلّ ما يصلحه ويعنيه، وإلا فمن هداه إلى أن يغتذى بالدم في البطن امتصاصا؟ ومن هداه إلى معرفة الثدي عند الولادة؟ وإلى معرفة مكانه؟ ومن هداه لكيفية الارتضاع؟ إلى غير ذلك من هدايات المعاش والمعاد، وإنما قال: (مَرِضْتُ) دون "أمرضني"؛ لأنّ كثيرا من أسباب المرض يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك. ومن ثم قالت الحكماء: لو قيل لأكثر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقوله: ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ والفاء في ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾: للتعقيب لا للتسبيب، كما يلزم من كلامهما، ويعضده (ثم) في قوله: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، لأنها للتراخي في الزمان كما أن تلك الفاء لغير التراخي لتقابلهما.
قوله: (عقب ذلك هدايته المتصلة)، يعني: عطف ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ بالفاء- وهو جملةٌ من اسمٍ وفعلٍ مضارع- مفيدٌ لمعنى الاستمرار، وفي هذا المقام على ﴿خَلَقْتَنِي﴾ وهو ماضٍ، ليدل على الاتصال الذي لا ينقطع، وإليه أشار بقوله: "فمن هداه إلى معرفة الثدي" إلى قوله: "من هدايات المعاش والمعاد" وإلى دار القرار: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ [يونس: ٩]، وعل هذا العموم ينبغي أن يحمل على ﴿يَهْدِيَنِ﴾، لا على المتعارف، وإلا فما معنى قوله: "فمن هداه" إلى آخره؟ ونحوه قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] على معنى: أعطى خليقته كل شيءٍ يحتاجون إليه، ويرتفقون به، ثم عرفهم كيف يرتفعون بما أعطاهم وكيف يتوصلون إليه، و"ثم" في هذه الآية مثل الفاء فيما نحن فيه، وبين بها تفضيل الهداية على الإعطاء.
قوله: (لأن كثيراً من أسباب المرض يحدث بتفريطٍ من الإنسان)، وفي معناه أنشد صاحب "المطلع":
عدوك من صديقك مستفادٌ … فلا تستكثرن من الصحاب
فإن الداء أكثر ما تراه … يكون من الطعام أو الشراب
стр. 5968
الموتى: ما سبب آجالكم؟ لقالوا: التخم. وقرئ: (خطاياي)، والمراد: ما يندر منه من بعض الصغائر، لأنّ الأنبياء معصومون مختارون على العالمين. وقيل: هي قوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) [الصافات: ٨٩]، وقوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) [الأنبياء: ٦٣]، وقوله لسارّة: هي أختي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال صاحب "الانتصاف": وقال غيره: هو أدبٌ مع اله تعالى: بنسبة النعمة إليه، ولعل الزمخشري عدل عن هذا لأن إبراهيم ﵇ نسب الإماتة إلى الله تعالى وهو أشد من المرض، وهو أيضاً يرد على الزمخشري، فإن الموت أيضاً يكون بتسيبٍ وتفريط، ويمكن الفرق بين الموت والمرض بأن يقال: إن الموت: قضاءٌ محتوم على جميع البشر، بخلاف المرض، فكم من معافًى منه إلى أن يموت، فلا يكون بنسبته إلى الله تعالى سوء أدب، ويؤيده أن كل ما ذكر مع غير المرض ذكره وبتاً، وأما المرض فجعله مع الشرط.
قولت- والله تعالى أعلم-: قد سبق أن قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ واردٌ على الاستدراج وإرخاء العنان، فيكون قوله: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ تخلصاً منه إلى التمكن من إجراء الأوصاف التي يصحح بها معنى الإلهية من كونه خالقاً رازقاً، محيياً ومميتاً، معاقباً ومثيباً، تربيةً لمعنى النصح والاستدراج، وبعثاً على التفكر والتدبر، وأما ذكر المرض والشفاء فكالمتابع لمعنى الإطعام والسقي، ولذلك ترك فيهما الموصول إلى الشرط والجزاء، فروعيت فيهما تلك النكتة، ولا يصح مثلها في تلك القرينة. وفي "المطلع": دخول "هو" دليلٌ على أنه لا يهدي ولا يطعم ولا يسقي ولا يمرض ولا يشفي إلى الله تعالى وحده، وذلك أنهم كانوا يقولون: المرض من الزمان، ومن الأغذية، والشفاء من الأطباء والأدوية.
قوله: (التخم)، الجوهري: وخم الرجل بالكسر، أي: اتخم، وقد اتخمت من الطعام، وعن الطعام، والاسم التخمة بالتحريك، والجمع تخماتٌ وتخمٌ.
стр. 5969
وما هي إلا معاريض كلام، وتخييلات للكفرة، وليست بخطايا يطلب لها الاستغفار. فإن قلت: إذا لم يندر منهم إلا الصغائر وهي تقع مكفرة، فما له أثبت لنفسه خطيئة أو خطايا وطمع أن تغفر له؟ قلت: الجواب ما سبق لي: أن استغفار الأنبياء تواضع منهم لربهم، وهضم لأنفسهم، ويدل عليه قوله (أَطْمَعُ) ولم يجزم القول بالمغفرة. وفيه تعليم لأممهم، وليكون لطفا لهم في اجتناب المعاصي والحذر منها، وطلب المغفرة مما يفرط منهم. فإن قلت: لم علق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، وإنما تغفر في الدنيا؟ قلت: لأنّ أثرها يتبين يومئذ، وهو الآن خفي لا يعلم.
[(رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ* وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ* وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ* وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ* وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ* يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ* إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)].
الحكم: الحكمة، أو الحكم بين الناس بالحق. وقيل: النبوّة، لأنّ النبي ذو حكمة وذو حكم بين عباد الله. والإلحاق بالصالحين: أن يوفقه لعمل ينتظم به في جملتهم، أو يجمع بينه وبينهم في الجنة. ولقد أجابه حيث قال: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) [البقرة: ١٣٠].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وما هي إلا معاريض كلام)، سبق تحقيقه في أول البقرة.
قوله: (ويدل عليه قوله: ﴿أَطْمَعُ﴾ ولم يجزم)، أي: يدل على أن استغفار إبراهيم ﵇ كان لمجرد التواضع، لا لطلب الغفران عن الذنوب، لأنه لو كان طلباً للغفران كان الواجب الجزم في الطلب، لا الظن والرجاء. قال الإمام: هذا الكلام لا يستقيم إلا على مذهبنا، حيث نقول: لا يجب على الله شيءٌ، وأنه يحسن منه كل شيء، ولا اعتراض لأحدٍ عليه.
قوله: (أو يجمع بينه وبينهم)، عطفٌ على: "أن يوفقه لعمل ينتظم به"، وكلا الوجهين حسنان، لكن الأول أوفق لتأليف النظم، لأن قوله: ﴿هَبْ لِي حُكْمًا﴾: طلبٌ للعلم
стр. 5970
والإخزاء: من الخزي وهو الهوان. ومن الخزاية؛ وهي الحياء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والنبوة و ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ طلبٌ للعمل بمقتضى العلم، ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ﴾ طلبٌ للذكر الجميل المستلزم لتكميل الغير بعد طلب كمال النفس، ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾: طلبٌ لجمع الشمل معهم في دار الكرامة. وقال القاضي: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: لا تعاتبني على ما فرطت ولا تنقص مرتبتي عن مرتبة بعض الوراث.
الراغب: الصدق والكذب أصلهما في القول، وقد يستعملان في كل ما يحق ويحصل في الاعتقاد، نحو: صدق ظني، وفي فعل الجوارح، نحو: صدق في القتال: إذا وفى حقه وفعل ما يجب، وكذب في القتال، ويعبر عن كل فعلٍ فاضل ظاهراً وباطناً: بالصدق، فيضاف إليه، قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ﴾، سأل بحيث إذا أثنى عليه من بعده، لم يكن ذلك الثناء كذباً قال:
إذا نحن أثنينا عليك بصالحٍ … فأنت كما نثني وفوق الذي نثني
قوله: (أو من الخزاية)، بفتح الخاء، النهاية: يقال: خزي يخزى خزايةً، أي: استحياء، فهو خزيان، وخزي يخزى خزياً، أي: ذل وهان.
الراغب: خزي الرجل: لحقه انكسارٌ إما من نفسه أو من غيره، فالأول هو الحياء المفرط، ومصدره الخزاية، ورجلٌ خزيان وامرأةٌ خزيا وجمعه خزايا، وفي الحديث: "اللهم احشرنا غير خزايا ولا نادمين".
والثاني: يقال: هو ضربٌ من الاستخفاف، ومصدره الخزي، ورجلٌ خز- قال تعالى:
стр. 5971
وهذا أيضا من نحو استغفارهم مما علموا أنه مغفور وفي (يُبْعَثُونَ) ضمير العباد، لأنه معلوم. أو ضمير (الضَّالِّينَ). وأن يجعل من جملة الاستغفار لأبيه، يعني: ولا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ [المائدة: ٣٣]- وأخزى يقال منهما، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] يحتملهما.
قوله: (وهذا أيضاً من نحو استغفارهم مما علموا أنه مغفورٌ)، ردٌ إلى قوله: "أن استغفار الأنبياء ﵈ تواضعٌ منهم، وهضمٌ لأنفسهم"، يعني: أن الأنبياء ﵈ معصومون عن الذنوب التي تستوجب الاستغفار، لكن استغفارهم لأنفسهم تواضعٌ منهم، ولغيرهم من الضلال إيذانٌ بما علموا أن ذلك الغير مغفورٌ كما في قوله: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾، فإنه ﵊ ما قال: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾ إلا بعدما ظن أنه خارجٌ من زمرة الضالين منخرطٌ في سلك المغفورين، ولذلك قال: ﴿كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾، لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] تفسيرٌ لهذه الآية. قال القاضي: إن كان هذا الدعاء بعد موته فلعله كان لظنه أنه كان يخفي الإيمان تقيةً من نمرود، ولذلك وعده به، أو لأنه لم يمنع بعد من الاستغفار للكفار.
قوله: (وأن يجعل من جملة الاستغفار لأبيه)، عطفٌ تفسيريٌ على قوله: "أو: ضمير الضالين"، يعني: إذا جعل الضمير في ﴿يُبْعَثُونَ﴾ للعباد يكون قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ من جملة الأدعية السابقة مستقلةً بنفسها، معطوفةٌ عليها كما سبق، وإذا جعل الضمير للضالين يكون من تتمة الاستغفار لأبيه عطفاً على قوله: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾ فحسب، والأول أوفق، لأن قوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ بدلٌ من قوله: ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، وهو عامٌ في الضالين وغيرهم.
стр. 5972
تخزني يوم يبعث الضالون وأبي فيهم. (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ): إلا حال من أتى الله (بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) وهو من قولهم:
تحيّة بينهم ضرب وجيع
وما ثوابه إلا السيف. وبيانه: أن يقال لك: هل لزيد مال وبنون؟ فتقول: ماله وبنوه: سلامة قلبه، تريد نفي المال والبنين عنه، وإثبات سلامة القلب له بدلا عن ذلك. وإن شئت حملت الكلام على المعنى وجعلت المال والبنين في معنى الغنى،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهي من قوله: تحية بينهم ضربٌ وجيع)، أي: من أسلوب نفي الشيء على المبالغة، يعني: إن عد الضرب تحيةً، فتحيتهم ذلك. قال صاحب "المفتاح": ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾: مقدرٌ على حذف المضاف، وهو إلا سلامة من أتى الله مدلولاً عليه بقرائن الكلام، منزلة السلامة المضافة منزلة المال والبنين بطريق قولهم: عتاب فلانٍ السيف، وأنيسه الأصداء. وقال الذبياني:
وقفت فيها أصيلالاً أسائلها … عيت جواباً وما بالربع من أحد
إلا أواري … البيت
أراد: إن كان الأرى يعد أحداً فلا أحد فيه إلا إياه، فالمعنى: يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا سلامة القلب إن عد مالاً وبنين، ولا ارتياب في أنها ليست بمالٍ ولا بنين، فإذاً لا ينفع مالٌ ولا بنون البتة.
قوله: (وإن شئت حملت الكلام على المعنى، وجعلت المال والبنين في معنى الغنى)، أي
стр. 5973
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جعلتهما نوعين لجنس الغنى، كما جعلهما الله تعالى في معنى الزينة في قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]، ولما ناسب سلامة القلب هذا المعنى، لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه، أدخلته فيهما ثم أخرجت بالاستثناء أحد أنواع هذا الجنس، وهو سلامة القلب، ومنه ما روينا عن أحمد بن حنبلٍ والترمذي وابن ماجه، عن ثوبان ﵁ قال: لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] الآية، قال بعض أصحاب رسول الله ﷺ : لو علمنا أي المال خيرٌ اتخذناه، فقال رسول الله ﷺ : "أفضل المال لسانٌ ذاكر، وقلبٌ شاكر، وزوجةٌ صالحةٌ تعين المؤمن على إيمانه".
والوجهان متقاربان، والفرق هو أن القصد في الأول نفي المدعى على البت بإثبات ما يقابله ويناقضه، والقصد في الثاني إدخاله في جنس ما يخالفه لمعنى مجازيٍّ يشتركان فيه، ثم إخراجه منه، وسيجيء تحقيق هذا الأسلوب، والاختلاف فيه في النمل إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، والله أعلم.
ويمكن أن يحمل على معنى الزينة، بأن يقال: يوم لا ينفع زينةٌ قط إلا زينة من حلي قلبه بالإخلاص، وبالرضا عن الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٤٦]، إذ المعنى بالباقيات: ما يبقى لصاحبه من الأعمال ولم يجعله هباء منثوراً بالرياء والسمعة، ولذلك أوثر لفظة "أتى"، كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ [النمل: ٨٩]، أي: لم يتركها للغير رياءً، وكما تستدعي كلمة "خير" إدخال الباقيات في معنى الزينة، كذلك توجب كلمة "إلا" إدخال سلامة القلب في حكم ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ﴾ المعبران بالزينة. روى السلمي عن بعضهم: علامة سلامة القلب أن يرى راضياً عن اله تعالى في جميع الأفعال غير متخلل قلبه خلافه بكل حال. وقال أبو عثمان: وهو على أربع منازل: السلامة عن الشرك، وعن الأهواء المضلة، وعن الرياء والعجب، وعن ذكر كل شيءٍ سوى الله تعالى.
стр. 5974
كأنه قيل: يوم لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم، لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه، كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه. ولك أن تجعل الاستثناء منقطعا، ولا بدّ لك مع ذلك من تقدير المضاف؛ وهو الحال، والمراد بها سلامة القلب، وليست هي من جنس المال والبنين، حتى يؤوّل المعنى إلى أن المال والبنين لا ينفعان، وإنما ينفع سلامة القلب. ولو لم يقدر المضاف لم يتحصل للاستثناء معنى. وقد جعل (مَنْ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولابد لك مع ذلك من تقدير المضاف)، يعني: إنك إن حملت الاستثناء على الانقطاع فلا تستغني عن تقدير المضاف، كما أنك ما استغنيت في الاتصال من تقدير حالٍ، أي سلامة، أو غنى.
قوله: (ولو لم يقدر المضاف لم يتحصل للاستثناء معنى)، قال صاحب "التقريب": إذ شرط المنقطع: أن يصح إسناد الفعل الأول إليه ولا يدخل في المستثنى منه. قيل: فيه نظرٌ، لأنا إذا قدرنا المضاف يكون التقدير: لكن حال من أتى الله بقلبٍ سليم ينفعه، ويستقيم المعنى، وكذلك لو لم يقدر، ويكون التقدير: لكن من أتى الله بقلبٍ سليم ينفعه حاله، يستقيم المعنى. وإذا استقام المعنى على التقديرين بناءً على أنه لابد في الاستثناء المنقطع من جعل إلا بمعنى لكن، وتقدير الخبر بعد ذلك، فلا يتعين تقدير المضاف، ولا يفسد المعنى إذا لم يقدر، ويؤيده قول أبي البقاء: أي: لكن من أتى الله يسلم أو ينتفع.
وقلت: لكن مراد المصنف من قوله: "ولو لم يقدر المضاف لم يتحصل للاستثناء معنى" شيءٌ آخر، وهو أن المذكور بعد حرف الاستثناء كلمة ﴿مَنْ﴾، وهو بمعنى النفس أو الشخص، وليس المعنى أن نفس الآتي تنفعه، أو تنفع أحداً بالدفع أو الشفاعة أو النصرة، لكن المعنى: لا ينفعه إلا سلامة قلبه، فلابد من التأويل كيف ما كان، ويدل على أن المستدعي للمضاف لفظ ﴿مَنْ﴾ قوله: "وقد جعل ﴿مَنْ﴾ مفعولاً لـ ﴿يَنْفَعُ﴾، لأن على هذا التأويل لا يحتاج إلى تقدير المضاف، كأنه قيل: لا ينفع مالٌ ولا بنون أحداً إلا رجلاً سليم قلبه مع ماله. قال أبو البقاء: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ﴾ متصلٌ، وفي موضع نصب بدلاً من المحذوف،
стр. 5975
مفعولا لـ (يَنفَعُ)، أي: لا ينفع مال ولا بنون، إلا رجلا سلم قلبه مع ماله؛ حيث أنفقه في طاعة الله، ومع بنيه حيث أرشدهم إلى الدين وعلمهم الشرائع. ويجوز على هذا (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) من فتنة المال والبنين. ومعنى سلامة القلب: سلامته من آفات الكفر والمعاصي، ومما أكرم الله تعالى به خليله ونبه على جلالة محله في الإخلاص: أن حكى استثناءه هذا حكاية راضٍ بإصابته فيه، ثم جعله صفة له في قوله: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ، إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الصافات: ٨٤]. ومن بدع التفاسير: تفسير بعضهم السليم باللديغ من خشية الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أو استثناءً منه، أي: لا ينفع مالٌ ولا بنون أحداً إلا من أتى، والمعنى أن المال إذا صرف في وجوه البر، والبنين الصالحين ينتفع بهم من نسب إليهم وإلى صلاحهم، أو: هو في موضع رفع على البدل من فاعل ﴿يَنْفَعُ﴾ وغلب من يعقل، والتقدير: إلا مال من، أو بنو من، فإنه ينفع نفسه أو غيره بالشفاعة.
قوله: (ومعنى سلامة القلب: سلامته من آفات الكفر والمعاصي)، قال الإمام: المراد: سلامة القلب عن الجهل، والأخلاق الرذيلة، وكما أن صحة البدن وسلامته: عبارةٌ عن حصول ما ينبغي من استقامة المزاج والتركيب والاتصال، ومرضه: عبارةٌ عن زوال إحدى تلك الأمور، كذلك سلامة القلب: عبارةٌ عن حصول ما ينبغي له، وهو العلم والخلق الفاضل، ومرضه: عبارةٌ عن زوال أحدهما، والمعنى: بقلبٍ سليم الخالي عن العقائد الفاسدة، والميل إلى شهوات الدنيا ولذاتها. ويتبع الأعمال الصالحات، إذ من علامة سلامة القلب تأثيره إلى الجوارح.
قوله: (تفسير بعضهم السليم باللديغ)، في "حقائق السلمي" عن بعض العارفين: السليم في لسان العرب: اللديغ، واللديغ هو القلق المزعج، فكأنه يقول: قلبٌ لا يهدأ من الجزع والتضرع من مخافة القطيعة.
стр. 5976
وقول آخر: هو الذي سَلِمَ وسَلَّم وأسْلَمَ وسَالَم واستَسْلَم. وما أحسن ما رتب إبراهيم ﵇ كلامه مع المشركين، حين سألهم أوّلا عما يعبدون سؤال مقرّر لا مستفهم، ثم أنحى على آلهتهم فأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع على تقليدهم آباءهم الأقدمين، فكسره وأخرجه من أن يكون شبهة فضلا أن يكون حجة، ثم صوّر المسألة في نفسه دونهم حتى تخلص منها إلى ذكر الله عز وعلا، فعظم شأنه وعدّد نعمته، من لدن خلقه وإنشائه إلى حين وفاته، مع ما يرجى في الآخرة من رحمته، ثم أتبع ذلك أن دعاه بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأوّابين، ثم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقولٌ آخر)، يجوز أن يحمل على بدع التفاسير، لأن التفسير الصحيح شرطه أن يكون مطابقاً للفظ من حيث الاستعمال، سليماً من التكلف، عرياً عن التعسف، أراد هذا المفسر أن قوله تعالى: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ مطابق، والمقام يقتضي الحمل على معانٍ متعددة، سلم، سلم، وأسلم، وسالم، واستسلم، أي: سلم من الشرك والمعاصي، وسلم نفسه وابنه لحكم الله ، وسالم أولياء الله تعالى وحارب أعداءه، وأسلم حيث نظر فعرف من قوله تعالى: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، واستسلم: انقاد لله تعالى وأذعن لعبادته.
قوله: (ثم أنحى على آلهتهم). الأساس: انتحاه: قصده، وأنحى عليه باللوائم: إذا أقبل عليه. وعن بعضهم: وحقيقته الإتيان من ناحية، وعلى هذا قراءة من قرأ: "فاليوم ننجيك ببدنك" أي: نلقيك على ناحية من قارعة الطريق.
قوله: (ثم صور المسألة في نفسه)، يعني في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ كما قال: قال: "عدوٌ لي" تصوير للمسألة في نفسه على معنى: أني فكرت في نفسي، إلى آخره، ومعنى قوله: "حتى تخلص منها": أنه جعل تصوير المسألة كالتخلص إلى ثناء الله تعالى وحمده وتعظيم شأنه وتعديد آلائه وهو قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ إلى آخره.
стр. 5977
وصله بذكر يوم القيامة وثواب الله وعقابه وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال وتمني الكرة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا.
[(وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ* وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ* وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ* مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ* فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ* وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ)].
الجنة تكون قريبة من موقف السعداء ينظرون إليها ويغتبطون بأنهم المحشورون إليها، والنار تكون بارزة مكشوفة للأشقياء بمرأى منهم، يتحسرون على أنهم المسوقون إليها: قال الله تعالى: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ) [ق: ٣١]، وقال: (فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الملك: ٢٧]، يجمع عليهم الغموم كلها والحسرات، فتجعل النار بمرأى منهم، فيهلكون غما في كل لحظة، ويوبخون على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وتمني الكرة)، عطفٌ على "الندم والحسرة"، والمراد بالدفع في قوله: "وما يدفع إليه المشركون" هو قوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أي: لا ينفع شيءٌ قط، إلا الندم على ما فوتوا على أنفسهم من الإتيان بسلامة القلب، وإلا الحسرة على ما كانوا عليه من الضلال، ولا يمنيهم الكرة إلى الدنيا ليؤمنوا ويتعظوا، ومن ثم ختمت هذه القصة بقوله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، إلى قوله: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذه الطريقة إنما تحسن على رأي صاحب "المفتاح"، وذلك أن يحمل قوله: ﴿لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ على معنى لا ينفع شيءٌ ما حمل قولك: لا ينفع زيدٌ ولا عمروٌ، على معنى: لا ينفع إنسانٌ ما.
قوله: (فتجعل النار بمرأى منهم)، إلى آخره، تفصيلٌ لقوله: "تجمع عليهم الغموم كلها"، والفاء في "فيهلكون غمًا": للتسبيب لأن النظر إلى النار سببٌ للغم، وفي "فيقال لهم": للتعقيب، أي: إذا قصد التوبيخ يقال ذلك القول. وقوله: "لأنهم وآلهتهم" وقوله: "وقود النار" تعليلٌ لقوله: "يوبخون"، أي: يقال لهم: أين آلهتكم؟ وهي حاضرةٌ معهم
стр. 5978
إشراكهم، فيقال لهم: أين آلهتكم؟ هل ينفعونكم بنصرتهم لكم؟ أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم؟ لأنهم وآلهتهم وقود النار، وهو قوله: (فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ) أي: الآلهة (وَالْغاوُونَ): وعبدتهم الذين برزت لهم الجحيم. والكبكبة: تكرير الكب، جعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى، كأنه إذا ألقى في جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقرّ في قعرها، اللهم أجرنا منها يا خير مستجار. (وَجُنُودُ إِبْلِيسَ): شياطينه، أو متبعوه من عصاة الجن والإنس.
[(قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ* تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ* إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ* وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ* فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ* وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ* فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)].
يجوز أن ينطق الله الأصنام حتى يصح التقاول والتخاصم. ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين. والمراد بالمجرمين الذين أضلوهم: رؤساؤهم وكبراؤهم، كقوله: (رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) [الأحزاب: ٦٧]، وعن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في النار، للتوبيخ، وفي معنى قوله: ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ الترقي والمبالغة، أي: كيف يخلصونكم من عذاب النار، بل كيف يقدرون على خلاص أنفسهم منها؟ فوضع ينتصرون، وهو من انتصر منه، أي: انتقم، موضع الاستخلاص مبالغةً وتهكماً. وقوله: "وهو قوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ بيانٌ لمعنى قوله: أنهم وآلهتهم وقود النار". قال الواحدي: وقيل لهم في ذلك اليوم على وجه التوبيخ: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ أي: يمنعونكم من العذاب ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ يمتنعون منه؟ ثم يؤمر بهم فيلقون في النار، فكذلك قوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾.
قوله: (يجوز أن ينطق اله تعالى الأصنام)، يعني: أن الضمير في ﴿قَالُوا﴾ للأصنام والغاوين وجنود إبليس، يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
стр. 5979
السدّي: الأوّلون الذين اقتدينا بهم. وعن ابن جريج: إبليس، وابن آدم القاتل، لأنه أوّل من سنّ القتل وأنواع المعاصي. (فَمَا لَنَا مِنْ شافِعِينَ) كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين (وَلا صَدِيقٍ) كما نرى لهم أصدقاء، لأنه لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون. وأما أهل النار فبينهم التعادي والتباغض، قال الله تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف: ٦٧]؛ أو: (فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ* ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء، لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله، وكان لهم الأصدقاء من شياطين الإنس. أو أرادوا أنهم وقعوا في مهلكة علموا أنّ الشفعاء والأصدقاء لا ينفعونهم ولا يدفعون عنهم، فقصدوا بنفيهم نفي ما يتعلق بهم من النفع، لأنّ ما لا ينفع: حكمه حكم المعدوم.
والحميم من الاحتمام، وهو الاهتمام،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو أرادوا: أنهم وقعوا في مهلكةٍ)، يريد: دل مجموع قولهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ على سبيل الكناية وأخذ الزبدة على الإيقاع في المهلكة، ثم الفرق بين الوجوه الثلاثة أنهم- في الأول- نفوا ابتداءً الشفعاء والأصدقاء رأساً، كما قال: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ كما نرى للمؤمنين، ولا صديق كما نرى لهم، وفي الثاني: أثبتوا في الدنيا شفعاء وأصدقاء، فلما أضلوهما هناك نفوهما، وفي الثالث: وجدوهما حاضرين هنالك، لكن حين لم ينفعونهم جعلوهما كالمعدومين، لأن ما لا ينفع حكمه حكم المعدوم، وقد فسر بالوجوه الثلاثة قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢].
قوله: (والحميم: من الاحتمام، وهو الاهتمام)، النهاية: وفي حديث أبي بكرٍ ﵁: أن أبا الأعور السلمي قال له: "إنا جئناك في غير محمة"، يقال: أحمت الحاجة: إذا أهمت ولزمت.
الراغب: الحميم: الماء الشديد الحرارة، قال تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾ [محمد: ١٥]، وسمي العرق حميماً على التشبيه. وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ فهو
стр. 5980
وهو الذي يهمه ما يهمك. أو من الحامة بمعنى الخاصة، وهو الصديق الخاص. فإن قلت: لم جمع الشافع ووحد الصديق؟ قلت: لكثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق. ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم نهضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته، رحمة له وحسبة، وإن لم يسبق له بأكثرهم معرفة. وأما الصديق - وهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما أهمك - فأعز من بيض الأنوق. وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال: اسم لا معنى له. ويجوز أن يريد بالصديق: الجمع. الكرّة: الرجعة إلى الدنيا. ولو في مثل هذا الموضع في معنى التمني، كأنه قيل: فليت لنا كرة. وذلك لما بين معنى «لو» و «ليت» من التلاقي في التقدير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القريب المشفق، فكأنه الذي يحتد حماية لذويه، واحتم فلانٌ لفلان: احتد، وذلك أبلغ من اهتم، لما فيه من معنى الاحتمام، وعبر عن الموت بالحمام كقولهم: حم كذا، أي قدر، والحمى سميت بذلك إما لما فيها من الحرارة المفرطة، وعلى ذلك قوله صلوات الله وسلامه عليه: "الحمى من فيح جهنم"، وإما لما يعرض فيه من الحميم، أي العرق، وإما لكونها من أمارات الموت، لقولهم: الحمى بريد الموت، وقيل: باب الموت.
قوله: (أو من الحامة بمعنى الخاصة)، الأساس: وهو مولاي الأحم، أي: الأخص والأحب.
قوله: (فأعز من بيض الأنوق)، الجوهري: الأنوق، على فعول: طائرٌ وهو الرخمة، وفي المثل: أعز عن بيض الأنوق، لأنها تحرزه ولا يكاد يظفر بها، لأن أوكارها في رؤوس الجبال والأماكن الصعبة البعيدة.
قوله: (لما بين معنيي "لو" و"ليت" من التلاقي في التقدير)، بيانٌ لوجه العلاقة، يعني: كما يقدر بـ "لو" غير الواقع، نحو: لو كان لي مالٌ لحججت، يقدر بـ "ليت" غير الواقع،
стр. 5981
ويجوز أن تكون على أصلها ويحذف الجواب، وهو: لفعلنا كيت وكيت.
[(كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)].
القوم: مؤنثة، وتصغيرها قويمة. ونظير قوله (الْمُرْسَلِينَ) - والمراد نوح ﵇: قولك: فلان يركب الدواب ويلبس البرود، وماله إلا دابة وبرد. قيل: .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نحو: ليت الشباب يعود، وإنما الفرق أن الثاني يستعمل في طلب ما لا يمكن حصوله حقيقةً، قال صاحب "المفتاح": إذا قلت: لو يأتيني زيدٌ فيحدثني، بالنصب، طالباً لحصول الوقوع فيما يفيد "لو" من تقدير غير الواقع واقعاً، وكذا التمني، فعلى هذا: ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ منصوبٌ على جواب التمني.
قوله: (ويجوز أن تكون على أصلها)، أي: على الامتناع، فعلى هذا ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوفٌ على ﴿كَرَّةً﴾، أي: لو أن لنا أن نكر فنكون، أي: فأن نكون، قاله أبو البقاء، وعن بعضهم: قوله: ﴿فَنَكُونَ﴾ في تقدير المصدر عطفاً عى "أن"، أي: لو ثبت حصول الكرة فنكون من المؤمنين لفعلنا.
قوله: (ونظير قوله: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ … قولك: فلان)، مبتدأٌ وخبر. قال صاحب "الانتصاف": من كذاب نبياً واحداً فقد كذب وجه دلالة معجزته على الصدق، وهذا مشتركٌ بين الجميع، فمن كذب واحداً فقد كذب الجميع، وهو معنى قوله : ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وقال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: إنهم لما كذبوا نوحاً ومن قبله كذبوا إرسال الله أصلاً، كأنهم كذبوا المرسلين، ولما أنكروا إرسال نوح ﵇ كأنهم منكرون المرسلين.
стр. 5982
(أَخُوهُمْ)، لأنه كان منهم، من قول العرب: يا أخا بني تميم، يريدون: يا واحدا منهم. ومنه بيت "الحماسة":
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النّائبات على ما قال برهانا
كان أمينا فيهم مشهورا بالأمانة، كمحمد صلوات الله عليه وسلامه في قريش. (وَأَطِيعُونِ) في نصحي لكم وفيما أدعوكم إليه من الحق. (عَلَيْهِ): على هذا الأمر، وعلى ما أنا فيه، يعنى: دعاءه ونصحه ومعنى (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ): فاتقوا الله في طاعتي، وكرره ليؤكده عليهم ويقرّره في نفوسهم، مع تعليق كل واحد منهما بعلة، جعل علة الأوّل كونه أمينا فيما بينهم، وفي الثاني حسم طمعه عنهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا يسألون أخاهم)، البيت، يندبهم: أي: يدعوهم، يقول: لا يسألون من يدعوهم إلى الإغاثة حجةً، ولا يراجعونه في كيفية ما ألجاؤا إليهم فيه، لكنهم يعجلون الإغاثة، وعن بعضهم: الأخوة إما في الدين أو في النسب أو في النسب أو في الشبه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: ٤٨] أي: شبيهتها في الإعجاز.
قوله: (جعل علة الأول كونه أميناً فيما بينهم)، يعني: لما قال ﵇: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ رتب عليه ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، يعني: إذا كنت رسولاً من عند الله تعالى يجب عليكم أن تعرفوا من أرسلني إليكم، ومن لوازم المعرفة الخشية ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وإذا كنت أميناً يجب عليكم أن تطعيوني، لأن نصحي لا يكون عن غدرٍ وخيانة، ولما قال: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ رتب عليه أيضاً ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، يعني: من يدعوكم إلى ما ينفعكم دنيا وديناً بلا شائبة طمع
стр. 5983
[(قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ)].
وقرئ: (وأَتْباعُك) جمع تابع، كشاهد وأشهاد. أو جمع تبع، كبطل وأبطال. والواو للحال. وحقها أن يضمر بعدها "قَدْ" في: (واتَّبَعَكَ). وقد جمع الأرذل على الصحة وعلى التكسير في قوله: (الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا) [هود: ٢٧] والرذالة والنذالة: الخسة والدناءة. وإنما استرذلوهم لا تضاع نسبهم وقلة نصيبهم من الدنيا. وقيل: كانوا من أهل الصناعات الدنية، كالحياكة والحجامة. والصناعة لا تزري بالديانة، وهكذا كانت قريش تقول في أصحاب رسول الله ﷺ ، وما زالت أتباع الأنبياء كذلك، حتى صارت من سماتهم وأماراتهم. ألا ترى إلى هرقل حين سأل أبا سفيان عن أتباع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجب عليكم طاعته، وإذا كان رب العالمين هو الذي يكفل أجره يجب عليكم شكره والحذر من كفران نعمته، والله تعالى أعلم.
قوله: (وقرئ: "وأتباعك")، قال ابن جني: قرأها ابن مسعودٍ والضحاك وابن السميفع، وفيها وجهان، أحدها: "أتباعك": مرفوعٌ بالابتداء، و"الأرذلون": الخبر، وثانيهما: أن يكون "أتباعك" معطوفاً على الضمير في "نؤمن"، أي: نؤمن بك وأتباعك الأرذلون؟ والأرذلون: وصفٌ لـ "أتباعك"، ويجوز العطف لوقوع الفصل بقوله ﴿لَكَ﴾.
قوله: (والصناعة لا تزري بالديانة)، أنشد أبو العتاهية في المعنى:
وليس على عبدٍ تقيٍّ نقيصهٌ … إذا صحح التقوى وإن حاك أو حجم
قوله: (حتى صارت من سماتهم)، أي: صارت متابعة من اتضع نسبه وقل نصيبه من الدنيا من أمارات من اتسم بسمة النبوة وعلامات من انتصب لمنصب الرسالة.
قوله: (ألا ترى إلى هرقل حين سأل أبا سفيان) روينا عن البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: حدثني أبو سفيان من فيه إلى في قال: انطلقت في المدة التي كانت بيني
стр. 5984
رسول الله ﷺ ، فلما قال: ضعفاء الناس وأراذلهم قال: ما زالت أتباع الأنبياء كذلك؟ وعن ابن عباس: هم الغاغة. وعن عكرمة: الحاكة والأساكفة. وعن مقاتل: السفلة.
[(قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ* إِنْ حِسابُهُمْ إِلاَّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ* وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ* إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ)].
(وَمَا عِلْمِي وأى شيء علمى؟ والمراد: انتفاء علمه بإخلاص أعمالهم لله واطلاعه على سر أمرهم وباطنه. وإنما قال هذا لأنهم قد طعنوا - مع استرذالهم - في إيمانهم، وأنهم لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما آمنوا هوى وبديهة، كما حكى الله عنهم في قوله: (الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّايِ) [هود: ٢٧]. ويجوز ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبين رسول الله ﷺ ، قال: فبينا أنا في الشام إذ جئ بكتابٍ من النبي ﷺ إلى هرقل، فقال هرقل: هل هاهنا أحدٌ من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيٌ؟ قالوا: نعم، فدعيت في نفرٍ من قريش فأجلسوني بين يديه، وأصحابي خلفي، ثم قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حسب، إلى أن قال: اتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم، وساق الحديث إلى أن قال: سألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أو أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل. هذا مختصٌر من حديثٍ طويل.
قوله: (الغاغة)، الجوهري: الغاغة من الناس هم الكثير المختلطون، وعن بعضهم: الغاغة: السفلة يصخبون في الفتن الناس، ونعوذ بالله من قوم إذا اجتمعوا غلبوا، وإذا تفرقوا لم يعرفوا.
قوله: (الأساكفة)، الأساس: هو إسكافٌ من الأساكفة، وهو الخراز، وقيل: كل صانع.
قوله: (﴿بَادِيَ الرَّايِ﴾)، بغير همز، أي: ظاهره، من بدا، أي: ظهر. ويهمز، أي: قلدوك بديهةً من غير تفكرٍ وتروٍّ.
стр. 5985
أن يتغابى لهم نوح ﵇. فيفسر قولهم: الأرذلين، بما هو الرذالة عنده، من سوء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن يتغابى لهم نوحٌ ﵇، النهاية: الغبي: القليل الفطنة، وقد غبي يغبى غباوةً، ومن حديث علي: تغاب عن كل ما لا يصح لك، أي: تغافل، وفي معناه أنشد صاحب "المفتاح":
أتت تشتكي عندي مزاولة القرى … وقد رأت الضيفان ينحون منزلي
فقلت- كأني ما سمعت كلامها-: … هم الضيف جدي في قراهم وعجلي
وعن بعضهم: التغابي من أخلاق الكرام، والتجاهل من أخلاق السفهاء، قال:
ليس الغبي بسيدٍ في قومه … لكن سيد قومه المتغابي
وفي الحديث: "عظموا أقداركم بالتغابي"، وذلك أنهم لما قالوا: ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾، وعنوا الذين لا نسب لهم ولا نصيب من الدنيا، خيل لهم أنهم عنوا بالأراذل: من لا إخلاص له من العمل، ولم يؤمن عن نظرٍ وبصيرة، فأجابهم بقوله: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾، أي: ما علمي بإخلاص أعمال الأراذل، ولا لي اطلاعٌ على سرائرهم إن كان لهم عملٌ سيءٌ أو حسنٌ، فالله محاسبهم ومجازيهم عليه، كأنه أراهم أنه ما عرف من الأراذل والأنذال إلا ذلك، ونحوه سبق في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، وقوله ﷺ : "سأزيد على السبعين"، ثم جاءه بقوله: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ تتميماً لما خطأهم فيه، وإليه الإشارة بقوله: "وقصد بذلك رد اعتقادهم وإنكار أن يسمى المؤمن رذلاً وإن كان أفقر الناس وأوضعهم نسباً"، قال:
أبي الإسلام لا أب لي سواه … إذا افتخروا بقيسٍ أو تميم
стр. 5986
الأعمال وفساد العقائد، ولا يلتفت إلى ما هو الرذالة عندهم، ثم يبنى جوابه على ذلك فيقول: ما علىّ إلا اعتبار الظواهر، دون التفتيش عن أسرارهم والشق عن قلوبهم، وإن كان لهم عمل سيئ، فالله محاسبهم ومجازيهم عليه، وما أنا إلا منذر لا محاسب ولا مجاز (لَوْ تَشْعُرُونَ) ذلك، ولكنكم تجهلون فتنساقون مع الجهل حيث سيركم، وقصد بذلك ردّ اعتقادهم وإنكار أن يسمى المؤمن رذلا، وإن كان أفقر الناس وأوضعهم نسبا، فإن الغنى غنى الدين، والنسب نسب التقوى. (وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ) يريد: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم وأطيب نفوسكم بطرد المؤمنين الذين صح إيمانهم طمعا في إيمانكم، وما علىّ إلا أن أنذركم إنذارا بينا بالبرهان الصحيح الذي يتميز به الحق من الباطل، ثم أنتم أعلم بشأنكم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فعلى هذا، التعريف في ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾: للجنس، وعلى الأول: للعهد، لما كان بين نبي الله ﷺ وبين القوم ناس أراذل بادي الرأي بزعمهم، ولذلك استشهد بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّايِ﴾ [هود: ٢٧].
قوله: (رذلاً)، بسكون الذال المعجمة. الجوهري: الرذل: الدون الخسيس.
قوله: (فإن الغنى غنى الدين)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس".
قوله: (ليس من شأني أن أتبع شهواتكم)، يريد أن إيلاء الضمير حرف النفي في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، نحو قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١]، دل على أنهم زعموا أنه موصوفٌ بصفتين، إحدا هما: اتباع أهوائهم بطرد المؤمنين، لأجل أن يؤمنوا. وثانيتهما: أنه نذيرٌ مبين، لأنه جوابٌ عن قولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ فقصر الحكم على الثاني دون الأول، وإليه الإشارة بقوله: ما علي إلا أن أنذركم إنذاراً مبيناً، إلى قوله: "ثم أنتم أعلم بشأنكم".
стр. 5987
[(قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ* قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ* فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ* ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ* إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)].
ليس هذا بإخبار بالتكذيب، لعلمه أن عالم الغيب والشهادة أعلم، ولكنه أراد أنى لا أدعوك عليهم لما غاظونى وآذوني، وإنما أدعوك لأجلك ولأجل دينك، ولأنهم كذبوني في وحيك ورسالتك، فاحكم (بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ). والفتاحة: الحكومة. والفتاح: الحاكم، لأنه يفتح المستغلق كما سمي فيصلا، لأنه يفصل بين الخصومات. الفلك: السفينة، وجمعه فلك: قال الله تعالى: (وتَرَى الفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ) [فاطر: ١٢]؛ فالواحد بوزن قفل، والجمع بوزن أسد، كسروا فعلا على فعل، كما كسروا فعلا على فعل، لأنهما أخوان في قولك: العَرَب والعُرْب، والرَّشَد والرُّشْد. فقالوا: أَسَد وأُسْد،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ليس هذا بإخبار بالتكذيب)، يعني قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ وذلك أنما لما توعدوا بقولهم: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ كان من حق الظاهر أن يقول: يا رب، إن قومي أوعدوني بأن يرجموني، لكن رفع حصة نفسه من البين، ورفع قصة ما يتعلق با لدين، وقال: يا رب، إني لا أدعوك عليهم لما أوعدوني بالرجم، وإنما أدعوك لأنهم كذبوني في وحيك، وإلى هذ المعنى أشار قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، وما روينا عن البخاري ومسلم ومالكٍ وأبي داود، عن عائشة رضي الله تعالى عنها: ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيءٍ قط، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم.
قوله: (لأنهما أخوان)، ذكر أبو علي في "القصريات" أن الضمة في "فعل" منزلةٌ
стр. 5988
وفلك وفلك. ونظيره: بعير هجان، وإبل هجان. ودرع دلاص. ودروع دلاص، فالواحد بوزن كناز، والجمع بوزن كرام. والمشحون: المملوء. يقال: شحنها عليهم خيلا ورجالا.
[(كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ* أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ* وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ* وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)].
قرئ: (بِكُلِّ رِيعٍ) بالكسر والفتح: وهو المكان المرتفع. قال المسيب بن علس:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منزلة الفتحتين في "فعل"، يعني: أن الضمة التي هي أثقل الحركات قائمةٌ مقام ثنتين خفيفتين.
قوله: (دروعٌ دلاصٌ)، الأساس: درعٌ دلاصٌ ودلامص، ودروعٌ دلاصٌ ودلص: ملساء براقة.
قوله: (فالواحد بوزن كناز)، الأساس: وكنز التمر: الوعاء. وكنزت الجراب فاكتنز، إذا ملأته جداً، وناقةٌ كناز اللحم.
قوله: (فالواحد بوزن كناز)، الأساس: وكنز التمر: الوعاء. وكنزت الجراب فاكتنز، إذا ملأته جداً، وناقةٌ كناز اللحم.
قوله: (شحنها عليهم خيلاً)، الضمير للمدينة. الجوهري: شحنت البلد بالخيل: ملأته.
قوله: (وهو المكان المرتفع)، الراغب: الريع: المكان المرتفع الذي يبدو من بعيد، الواحدة ريعةٌ، وريعان كل شيء: أوائله التي تبدو، وفيه استعير الريع للزيادة والارتفاع الحاصل.
قوله: (قال المسيب)، المسيب: صح بكسر الياء، وهو خال الأعشى، سمي مسيباً
стр. 5989
في الآل يرفعها ويخفضها … ريع يلوح كأنّه سحل
ومنه قولهم: كم ريع أرضك؟ وهو ارتفاعها. والآية: العلم وكانوا ممن يهتدون بالنجوم في أسفارهم. فاتخذوا في طرقهم أعلاما طوالا فعبثوا بذلك، لأنهم كانوا مستغنين عنها بالنجوم.
وعن مجاهد: بنوا بكل ريع بروج الحمام. والمصانع: مآخذ الماء. وقيل: القصور المشيدة والحصون. (لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) ترجون الخلود في الدنيا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لأن [أباه] استرعاه إبلاً فسيبها وأبهل أصرتها، فقال له: سيبت إبلي، فسمي مسيباً.
قوله: (في الآل يرفعها)، اليبت، علس، بفتح العين المهملة: ضربٌ من الحنطة، تكون حبتان في قشرةٍ. الجوهري: العلس: القراد الضخم، وبه سمي الرجل. يصف الشاعر ظعناً.
الآل: السراب، والسحل: الثوب لا يبرم غزله. الجوهري: السحل: ثوبٌ أبيض من الكرسف من ثياب اليمن.
قوله: (لأنهم كانوا مستغنين عنها بالنجوم)، الانتصاف: وليس بعبثٍ، لأن الحاجة قد تدعو إليه لغيم مطبق أو غيره.
قوله: (وقيل: القصور المشيدة والحصون)، هذا أظهر من العبث من المصانع، لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾. قال الإمام: البناء على المرتفع إنما كان مذموماً لدلالته على السرف والخيلاء، واتخاذ القصور لدلالته على الأمل الطويل والغفلة عن أن الدنيا دار ممر، لا دار مقر.
стр. 5990
أو تشبه حالكم حال من يخلد. وفي حرف أبي: (كأَنَّكم). وقرئ: (تُخلَدون) بضم التاء مخففا ومشددا (وَإِذا بَطَشْتُمْ) بسوط أو سيف كان ذلك ظلما وعلوا، وقيل: الجبار الذي يقتل ويضرب على الغضب. وعن الحسن: تبادرون تعجيل العذاب، لا تتثبتون متفكرين في العواقب.
[(وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ* أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ* وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)].
بالغ في تنبيههم على نعم الله، حيث أجملها ثم فصلها مستشهدا بعلمهم، وذلك أنه أيقظهم عن سنة غفلتهم عنها حين قال: (أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ)، ثم عدّدها عليهم وعرّفهم المنعم بتعديد ما يعلمون من نعمته، وأنه كما قدر أن يتفضل عليكم بهذه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تشبه حالكم حال من يخلد)، لعل هذا واردٌ على الاستعارة التمثيلية، نزل فعلهم منزلة الرجاء، كما في قوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤]، قال: "اذهبا على رجائكما وطعمكما، وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر عمله.
قوله: (كان ذلك ظلماً وعلواً)، فيه أن قوله تعالى: ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ جزاءٌ لقوله: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ﴾، فأتى بالجزاء نفس الشرط للمبالغة، وأوقع ﴿جَبَّارِينَ﴾ حالاً من الضمير المرفوع في ﴿بَطَشْتُمْ﴾. قال القاضي: ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ أي: متسلطين غاشمين بلا رأفةٍ ولا قصد تأديبٍ ونظرٍ في العاقبة، وهو معنى قوله: "يتبادرون في تعجيل العذاب" أي: تعذيب الناس.
قوله: (وأنه كما قدر)، عطفٌ على "تعديد"، أي: عرفهم المنعم بأنه كما قدر، أشار بهذا إلى اتصال قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ بما قبله.
следующие страницы →