Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.
стр. 5986
الأعمال وفساد العقائد، ولا يلتفت إلى ما هو الرذالة عندهم، ثم يبنى جوابه على ذلك فيقول: ما علىّ إلا اعتبار الظواهر، دون التفتيش عن أسرارهم والشق عن قلوبهم، وإن كان لهم عمل سيئ، فالله محاسبهم ومجازيهم عليه، وما أنا إلا منذر لا محاسب ولا مجاز (لَوْ تَشْعُرُونَ) ذلك، ولكنكم تجهلون فتنساقون مع الجهل حيث سيركم، وقصد بذلك ردّ اعتقادهم وإنكار أن يسمى المؤمن رذلا، وإن كان أفقر الناس وأوضعهم نسبا، فإن الغنى غنى الدين، والنسب نسب التقوى. (وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ) يريد: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم وأطيب نفوسكم بطرد المؤمنين الذين صح إيمانهم طمعا في إيمانكم، وما علىّ إلا أن أنذركم إنذارا بينا بالبرهان الصحيح الذي يتميز به الحق من الباطل، ثم أنتم أعلم بشأنكم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فعلى هذا، التعريف في ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾: للجنس، وعلى الأول: للعهد، لما كان بين نبي الله ﷺ وبين القوم ناس أراذل بادي الرأي بزعمهم، ولذلك استشهد بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّايِ﴾ [هود: ٢٧].
قوله: (رذلاً)، بسكون الذال المعجمة. الجوهري: الرذل: الدون الخسيس.
قوله: (فإن الغنى غنى الدين)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس".
قوله: (ليس من شأني أن أتبع شهواتكم)، يريد أن إيلاء الضمير حرف النفي في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، نحو قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١]، دل على أنهم زعموا أنه موصوفٌ بصفتين، إحدا هما: اتباع أهوائهم بطرد المؤمنين، لأجل أن يؤمنوا. وثانيتهما: أنه نذيرٌ مبين، لأنه جوابٌ عن قولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ فقصر الحكم على الثاني دون الأول، وإليه الإشارة بقوله: ما علي إلا أن أنذركم إنذاراً مبيناً، إلى قوله: "ثم أنتم أعلم بشأنكم".
стр. 5987
[(قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ* قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ* فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ* ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ* إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)].
ليس هذا بإخبار بالتكذيب، لعلمه أن عالم الغيب والشهادة أعلم، ولكنه أراد أنى لا أدعوك عليهم لما غاظونى وآذوني، وإنما أدعوك لأجلك ولأجل دينك، ولأنهم كذبوني في وحيك ورسالتك، فاحكم (بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ). والفتاحة: الحكومة. والفتاح: الحاكم، لأنه يفتح المستغلق كما سمي فيصلا، لأنه يفصل بين الخصومات. الفلك: السفينة، وجمعه فلك: قال الله تعالى: (وتَرَى الفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ) [فاطر: ١٢]؛ فالواحد بوزن قفل، والجمع بوزن أسد، كسروا فعلا على فعل، كما كسروا فعلا على فعل، لأنهما أخوان في قولك: العَرَب والعُرْب، والرَّشَد والرُّشْد. فقالوا: أَسَد وأُسْد،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ليس هذا بإخبار بالتكذيب)، يعني قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ وذلك أنما لما توعدوا بقولهم: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ كان من حق الظاهر أن يقول: يا رب، إن قومي أوعدوني بأن يرجموني، لكن رفع حصة نفسه من البين، ورفع قصة ما يتعلق با لدين، وقال: يا رب، إني لا أدعوك عليهم لما أوعدوني بالرجم، وإنما أدعوك لأنهم كذبوني في وحيك، وإلى هذ المعنى أشار قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، وما روينا عن البخاري ومسلم ومالكٍ وأبي داود، عن عائشة رضي الله تعالى عنها: ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيءٍ قط، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم.
قوله: (لأنهما أخوان)، ذكر أبو علي في "القصريات" أن الضمة في "فعل" منزلةٌ
стр. 5988
وفلك وفلك. ونظيره: بعير هجان، وإبل هجان. ودرع دلاص. ودروع دلاص، فالواحد بوزن كناز، والجمع بوزن كرام. والمشحون: المملوء. يقال: شحنها عليهم خيلا ورجالا.
[(كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ* أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ* وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ* وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)].
قرئ: (بِكُلِّ رِيعٍ) بالكسر والفتح: وهو المكان المرتفع. قال المسيب بن علس:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منزلة الفتحتين في "فعل"، يعني: أن الضمة التي هي أثقل الحركات قائمةٌ مقام ثنتين خفيفتين.
قوله: (دروعٌ دلاصٌ)، الأساس: درعٌ دلاصٌ ودلامص، ودروعٌ دلاصٌ ودلص: ملساء براقة.
قوله: (فالواحد بوزن كناز)، الأساس: وكنز التمر: الوعاء. وكنزت الجراب فاكتنز، إذا ملأته جداً، وناقةٌ كناز اللحم.
قوله: (فالواحد بوزن كناز)، الأساس: وكنز التمر: الوعاء. وكنزت الجراب فاكتنز، إذا ملأته جداً، وناقةٌ كناز اللحم.
قوله: (شحنها عليهم خيلاً)، الضمير للمدينة. الجوهري: شحنت البلد بالخيل: ملأته.
قوله: (وهو المكان المرتفع)، الراغب: الريع: المكان المرتفع الذي يبدو من بعيد، الواحدة ريعةٌ، وريعان كل شيء: أوائله التي تبدو، وفيه استعير الريع للزيادة والارتفاع الحاصل.
قوله: (قال المسيب)، المسيب: صح بكسر الياء، وهو خال الأعشى، سمي مسيباً
стр. 5989
في الآل يرفعها ويخفضها … ريع يلوح كأنّه سحل
ومنه قولهم: كم ريع أرضك؟ وهو ارتفاعها. والآية: العلم وكانوا ممن يهتدون بالنجوم في أسفارهم. فاتخذوا في طرقهم أعلاما طوالا فعبثوا بذلك، لأنهم كانوا مستغنين عنها بالنجوم.
وعن مجاهد: بنوا بكل ريع بروج الحمام. والمصانع: مآخذ الماء. وقيل: القصور المشيدة والحصون. (لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) ترجون الخلود في الدنيا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لأن [أباه] استرعاه إبلاً فسيبها وأبهل أصرتها، فقال له: سيبت إبلي، فسمي مسيباً.
قوله: (في الآل يرفعها)، اليبت، علس، بفتح العين المهملة: ضربٌ من الحنطة، تكون حبتان في قشرةٍ. الجوهري: العلس: القراد الضخم، وبه سمي الرجل. يصف الشاعر ظعناً.
الآل: السراب، والسحل: الثوب لا يبرم غزله. الجوهري: السحل: ثوبٌ أبيض من الكرسف من ثياب اليمن.
قوله: (لأنهم كانوا مستغنين عنها بالنجوم)، الانتصاف: وليس بعبثٍ، لأن الحاجة قد تدعو إليه لغيم مطبق أو غيره.
قوله: (وقيل: القصور المشيدة والحصون)، هذا أظهر من العبث من المصانع، لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾. قال الإمام: البناء على المرتفع إنما كان مذموماً لدلالته على السرف والخيلاء، واتخاذ القصور لدلالته على الأمل الطويل والغفلة عن أن الدنيا دار ممر، لا دار مقر.
стр. 5990
أو تشبه حالكم حال من يخلد. وفي حرف أبي: (كأَنَّكم). وقرئ: (تُخلَدون) بضم التاء مخففا ومشددا (وَإِذا بَطَشْتُمْ) بسوط أو سيف كان ذلك ظلما وعلوا، وقيل: الجبار الذي يقتل ويضرب على الغضب. وعن الحسن: تبادرون تعجيل العذاب، لا تتثبتون متفكرين في العواقب.
[(وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ* أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ* وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)].
بالغ في تنبيههم على نعم الله، حيث أجملها ثم فصلها مستشهدا بعلمهم، وذلك أنه أيقظهم عن سنة غفلتهم عنها حين قال: (أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ)، ثم عدّدها عليهم وعرّفهم المنعم بتعديد ما يعلمون من نعمته، وأنه كما قدر أن يتفضل عليكم بهذه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تشبه حالكم حال من يخلد)، لعل هذا واردٌ على الاستعارة التمثيلية، نزل فعلهم منزلة الرجاء، كما في قوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤]، قال: "اذهبا على رجائكما وطعمكما، وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر عمله.
قوله: (كان ذلك ظلماً وعلواً)، فيه أن قوله تعالى: ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ جزاءٌ لقوله: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ﴾، فأتى بالجزاء نفس الشرط للمبالغة، وأوقع ﴿جَبَّارِينَ﴾ حالاً من الضمير المرفوع في ﴿بَطَشْتُمْ﴾. قال القاضي: ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ أي: متسلطين غاشمين بلا رأفةٍ ولا قصد تأديبٍ ونظرٍ في العاقبة، وهو معنى قوله: "يتبادرون في تعجيل العذاب" أي: تعذيب الناس.
قوله: (وأنه كما قدر)، عطفٌ على "تعديد"، أي: عرفهم المنعم بأنه كما قدر، أشار بهذا إلى اتصال قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ بما قبله.
стр. 5991
النعمة، فهو قادر على الثواب والعقاب، فاتقوه. ونحوه قوله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) [آل عمران: ٣٠]. فإن قلت: كيف قرن البنين بالأنعام؟ قلت: هم الذين يعينونهم على حفظها والقيام عليها.
[(قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ* إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ* وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ* فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)].
فإن قلت: لو قيل أَوَعَظْتَ أو لم تعظ، كان أخصر. والمعنى واحد. قلت: ليس المعنى بواحد وبينهما فرق، لأنّ المراد: سواء علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ، أم لم تكن أصلا من أهله ومباشريه، فهو أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه، من قولك: أم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ونحوه قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾)، يعني: ضم وصف القهارية مع وصف الرحمانية.
قوله: (كيف قرن البنين بالأنعام)، يعني: الجمع بينهما كالجمع بين البنين والأنعام، وأجاب: أنهم كانوا أصحاب مواشٍ، وجل اهتمامهم بشأنها، محتاجين إلى من يعينهم على حفظها فمن عليهم بالبنين لذلك، كما أن قوم نوح ﵇ كانوا أرباب بساتين وسائر الأموال قيل لهم: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٢].
قوله: (لأن المراد: سواءٌ علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ، أم لم تكن أصلًا من أهله)، يعني: أتوا في طرف الإثبات بالفعل الصريح الذي دل على حصوله منه مرةً، وفي النفي باسم الفاعل على الاستغراق، نفوا أن يكون من زمرة من حصل منهم هذا الفعل، واستهزأوا فيه، أي: سواءٌ علينا أجددت الوعظ أم استمررت على ما كنت عليه من الإمساك عنه والخمول فيه. واعلم أن في أكثر النسخ: "أو لم تعظ"، بحرف الترديد، والصواب "أم" كما هو في بعض النسخ.
стр. 5992
لم تعظ. من قرأ: (خَلْقُ الأوّلين) بالفتح، فمعناه: أنّ ما جئت به اختلاق الأوّلين وتخرّصهم، كما قالوا:
(أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ). أو: ما خلقنا هذا إلا خلق القرون الخالية، نحيا كما حيوا ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب. ومن قرأ: (خُلُقُ) بضمتين، وبواحدة، فمعناه. ما هذا الذي نحن عليه من الدين إلا خلق الأولين وعادتهم، كانوا يدينونه ويعتقدونه، ونحن بهم مقتدون. أو ما هذا الذي نحن عليه من الحياة والموت الإعادة لم يزل عليها الناس في قديم الدهر أو ما هذا الذي جئت به من الكذب إلا عادة الأولين، كانوا يلفقون مثله ويسطرونه.
[(كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ* أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ* فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال ابن الحاجب في الفصل بين "أو" و"أم"- في قولك: أزيدٌ عندك أو عمروٌ، وأزيدٌ عندك أم عمروٌ-: إنك في الأول لا تعلم كون أحدهما عنده، فأنت تسأل عنه، وفي الثاني تعلم أن أحدهما عنده إلا أنك لا تعلمه بعينه، فأنت تطالبه بالتعيين. وذكر كلاماً حاصله يؤول إلى أنهم استعملوا الهمزة و"ام" في معنى التسوية مجرداً من غير استفهام، نحو: سواءٌ على أقمت أم قعدت، واستعملوا الجملتين، والثانية معطوفةٌ بـ "أو" في معنى الحال، كقولك: أضرب زيداً قام أو قعد، ثم قال: فمثل ذلك يلتبس فيه موضع "أم" بموضع "أو"، وكثيراً ما ترى في كلام المتأخرين وأشعارهم لا يفرقون بينهما، وشرط استعمال "أم": أن تسبقها الهمزة، واستعمال "أو": أن لا تسبقها الهمزة.
قوله: (خلق الأولين)، بفتح الخاء وسكون اللام: ابن كثيرٍ وأبو عمروٍ والكسائي، وبضمهما: الباقون.
стр. 5993
[(بُيُوتاً فارِهِينَ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ* الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ)].
(أَتُتْرَكُونَ) يجوز أن يكون إنكارا لأن يتركوا مخلدين في نعيمهم لا يزالون عنه، وأن يكون تذكيرا بالنعمة في تخلية الله إياهم وما يتنعمون فيه من الجنات وغير ذلك، مع الأمن والدّعة، (فِي مَا هَاهُنَا): في الذي استقر في هذا المكان من النعيم، ثم فسره بقوله: (فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) وهذا أيضا إجمال ثم تفصيل. فإن قلت: لم قال: (وَنَخْلٍ) بعد قوله: (فِي جَنَّاتِ)، والجنة تتناول النخل أوّل شيء كما يتناول النعم الإبل كذلك من بين الأزواج، حتى أنهم ليذكرون الجنة ولا يقصدون إلا النخيل، كما يذكرون النعم ولا يريدون إلا الإبل. قال زهير:
......... تسقي جنّة سحقا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والدعة)، الجوهري: الدعة: الخفض، والهاء عوضٌ من الواو، ورجلٌ متدعٌ، أي: صاحب دعةٍ وراحة.
قوله: (وهذا- أيضاً- إجمالٌ ثم تفصيل)، يعني: كما أن قوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ مجملٌ، وتفصيله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ واردٌ على المبالغة في التنبيه على نعم الله تعالى، كذلك قوله: ﴿فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ﴾ مجملٌ، وتفصيله: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ واردٌ على المبالغة في التنبيه على نعم الله تعالى، وبهذا ظهر أن الوجه الثاني، وهو أن يكون ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ تذكيراً للنعمة والهمزة للتقرير لا الإنكار والتوبيخ أولى، لأنه أوفق لتأليف النظم.
قوله: (يتناول النعم الإبل كذلك)، أي: يتناول النعم أول شيء الإبل من بين الأزواج الثمانية المذكورة في الأنعام، هذا يختلف باختلاف العرف والأمكنة، وقوم صالح ﵇ كانوا أعراباً، وأكثر بساتينهم نخيلٌ وأعظم أموالهم إبل.
قوله: (تسقي جنةً سحقا)، أوله:
стр. 5994
قلت: فيه وجهان: أن يخص النخل بإفراده بعد دخوله في جملة سائر الشجر، تنبيها على انفراده عنها بفضله عليها، وأن يريد بالجنات: غيرها من الشجر، لأنّ اللفظ يصلح لذلك، ثم يعطف عليها النخل. الطلعة: هي التي تطلع من النخلة، كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو. والقنو: اسم للخارج من الجذع كما هو بعرجونه وشماريخه. والهضيم: اللطيف الضامر، من قولهم: كشح هضيم، وطلع إناث النخل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كأن عيني في غربي مقتلةٍ … من النواضح
غربي: دلوي: مقتلة، أي: ناقةٌ مدللة، نخلةٌ سحوقٌ: بعيدة الطول في السماء.
قوله: (لأن اللفظ يصلح لذلك)، لأن ﴿جَنَّاتٍ﴾ مطلقٌ يصلح للكل وللبعض، وقرينة إرادة البعض: عطف ﴿وَنَخْلٍ﴾ عليه.
قوله: (الطلعة: هي التي تطلع من النخلة)، المغرب: الطلع: ما يطلع من النخلة، وهو الكم قبل أن ينشق، ويقال لما يبدو من الكم: طلعٌ أيضاً، وهو شيءٌ أبيض يشبه بلونه الأشنان، وبرائحته المني.
قوله: (شماريخ)، النهاية: العثكال: العذق، وكل غصنٍ من أغصانه شمراخ، وهو الذي عليه البسر، والعرجون: العود الأصفر الذي فيه شماريخ العذق، وهو فعلون من الانعراج، وهو الانعطاف، والواو والنون زائدتان.
المغرب: العذق، بالفتح: النخلة، وبالكسر: الكباسة، وهي عنقود الثمر.
قوله: (والهضيم: اللطيف الضامر)، الراغب: الهضم: شدخ ما فيه رخاوة، يقال: هضمته فانهضم، وذلك كالقصبة المهضومة التي يزمر بها، ومزمارٌ مضهم، وقال تعالى: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ أي: داخلٌ بعضه في بعض، كأنما شدخ، والهاضوم: ما يهضم الطعام وبطنٌ هضوم، وكشحٌ مهضم، وامرأةٌ هضيمة الكشحين.
стр. 5995
فيه لطف، وفي طلع الفحاحيل جفاء، وكذلك طلع البرني ألطف من طلع اللون، فذكرهم نعمة الله في أن وهب لهم أجود النخل وأنفعه: لأنّ الإناث ولادة التمر، والبرني: أجود التمر وأطيبه ويجوز أن يريد أن نخيلهم أصابت جودة المنابت وسعة الماء، وسلمت من العاهات، فحملت الحمل الكثير، وإذا كثر الحمل هضم، وإذا قل جاء فاخرا. وقيل: الهضيم: اللين النضيج، كأنه قال: ونخل قد أرطب ثمره. قرأ الحسن: (وتَنْحَتون) بفتح الحاء. وقرئ: (فَرِهين)، و: (فَارِهِينَ). والفَراهة: الكيس والنشاط. ومنه: خيل فرهة، استعير لامتثال الأمر، وارتسامه طاعة الآمر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الفحاحيل)، المغرب: الفحال: واحد فحاحيل النخل خاصةً، وهو: ما يلقح به من ذكر النخل، والفحل عامٌ فيها وفي الحيوان، وجمعه: فحولٌ وفحولة.
قوله: (من طلع اللون)، المغرب: اللون: بفتح اللام: الردئ من التمر، وأهل المدينة يسمون النخل كله ما خلا البرني والعجوة: الألوان، ويقال للنخلة اللينة: اللونة، بالكسر والضم.
قوله: (وإذا قل جاء فاخراً)، الجوهري: نخلةٌ فخورٌ، أي: عظيمة الجذع غليظة السعف. الأساس: رطبٌ فاخرٌ: كبيرٌ ضخم، وتقول: إذا قل التمر جاء فاخراً.
قوله: (وقرئ: "فرهين")، الكوفيون وابن عامر: ﴿فَارِهِينَ﴾ بالألف. والباقون: بغير الألف.
قوله: (استعير لامتثال الأمر وارتسامه طاعة الآمر)، يعني: عدل عن أن يقال: ولا تمثلوا أمر المسرفين، إلى قوله: لا تطيعوا أمر المسرفين، والفرق أن الطاعة إنما تكون
стр. 5996
المطاع. أو جعل الأمر مطاعا على المجاز الحكمي، والمراد الآمر. ومنه قولهم: لك عليّ إمرة مطاعة. وقوله تعالى: (وَأَطِيعُوا أَمْرِي) [طه: ٩٠]. فإن قلت: ما فائدة قوله: (وَلا يُصْلِحُونَ)؟ قلت: فائدته أنّ فسادهم فساد مصمت ليس معه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح.
[(قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَاتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للآمر لا للأمر كما أن الامتثال يكون للأمر لا للآمر، يقال: أمر زيداً فأطاعه، ويقال: أمره فامتثل أمره. المغرب: امتثل أمره: احتذاه وعمل على مثاله، وقوله: من إعادة محمد بن الحسن ﵀ في تصانيفه أن يمثل بكتاب الله تعالى، فكأنه ظن أنه بمعنى "يقتدي"، فعداه تعديته.
قوله: "وارتسامه"، الجوهري: رسمت له كذا فارتسمه، أي: امتثله.
قوله: (على المجاز الحكمي)، أي: الإسناد المجازي، قال صاحب "المفتاح": إنما سمي حكميًا لتعلقه بالحكم.
قوله: (لك علي أمرةٌ مطاعة)، الجوهري: معناه: لك علي أمرةٌ أطيعك فيها، وهي المرة الواحدة من الأمر، ولا تقل: إمرةٌ بالكسر، إنما الإمرة من الولاية.
قوله: (فسادٌ مصمتٌ)، المغرب: بابٌ مصمتٌ: مغلق، وحقيقة المصمت: ما لا جوف له، وحائطٌ مصمت: لا فرجة فيه. والتركيب من باب الطرد والعكس، وفائدته التوكيد والمبالغة كما سيجيء في الروم.
стр. 5997
المسحر: الذي سحر كثيرا حتى غلب على عقله. وقيل: هو من السحر الرئة، وأنه بشر.
[(قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَاخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ)].
الشرب: النصيب من الماء، نحو السقي والقيت، للحظ من السقي والقوت، وقرئ بالضم.
روى أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا، فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل: صل ركعتين وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة وبركت بين أيديهم ونتجت سقبا مثلها في العظم. وعن أبى موسى: رأيت مصدرها فإذا هو ستون ذراعا.
وعن قتادة: إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، ولهم شرب يوم لا تشرب فيه الماء (بِسُوءٍ): بضرب أو عقر أو غير ذلك. عظم اليوم لحلول العذاب فيه .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من السحر: الرئة)، الجوهري: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ يقال: المسحر: الذي خلق ذا سحر.
قوله: (وأنه بشرٌ)، عطفٌ- من حيث التفسير- على قوله: "من السحر: الرئة"، وفي كلامه إشعارٌ بأن قولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ كنايةٌ عن كونه بشراً، لأن قولهم: هو ذو سحر: كنايةٌ عن الحيوان، وجمعه بالواو والنون يخصه بالبشر، وقيل: هو خبرٌ بعد خبرٍ لقوله: "هو".
قوله: (نحو السقي)، الراغب: يقال للنصيب من السقي، سقيٌ، وللأرض التي تسقى: سقيٌ، لكونهما مفعولين كالنقض.
قوله: (ونتجت سقباً)، الجوهري: السقب: الذكر من ولد الناقة، ولا يقال للأنثى: سقبةٌ، ولكن: حائل.
стр. 5998
ووصف اليوم به أبلغ من وصف العذاب، لأن الوقت إذا عظم بسببه كان موقعه من العظم أشد.
[(فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)].
وروي: أن مسطعا ألجأها إلى مضيق في شعب، فرماها بسهم فأصاب رجلها فسقطت: ثم ضربها قدار. وروي: أنّ عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين، فكانوا يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون: أترضين؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم. فإن قلت: لم أخذهم العذاب وقد ندموا؟ قلت: لم يكن ندمهم ندم تائبين، ولكن ندم خائفين أن يعاقبوا على العقر عقابا عاجلا، كمن يرى في بعض الأمور رأيا فاسدا ويبني عليه، ثم يندم ويتحسر كندامة الكسعي. أو: ندموا ندم تائبين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ووصف اليوم به أبلغ)، لأنه حينئذٍ من باب الكناية.
قوله: (ويتحسر كندامة الكسعي)، أي: كتحسر الكسعي عند الندامة. قال الميداني: هو رجلٌ من كسعة، واسمه محارب بن قيس، أنه كان يرعى إبلاً له بوادٍ معشب، فبصر نبعةً في صخرة، فأعجبته، فجعل يتعهدها، حتى إذا أدركت قطعها واتخذ منها قوساً وخمسة أسهم، ثم خرج حتى أتى موارد خمرٍ فكمن فيها، فمر قطيعٌ فرمى عيراً منها فأنفذ فيه وجازه، وأصاب الجبل فأورى ناراً، فظن أنه أخطأه، هكذا خمس مرات، ثم عمد إلى قوسه فضرب بها حجراً فكسرها، فلما أصبح نظر إلى الحمر مطرحةً حوله، وأسهمه بالدم مضرجةٌ، فندم على كسر القوس، فشد على إبهامه فقطعها، وأنشأ يقول:
ندمت ندامةً لو أن نفسي … تطاوعني إذن لقطعت خمسي
تبين لي سفاه الرأي مني … لعمر أبيك حين كسرت قوسي
стр. 5999
ولكن في غير وقت التوبة، وذلك عند معاينة العذاب. وقال : (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) الآية [النساء: ١٨]. وقيل: كانت ندامتهم على ترك الولد، وهو بعيد. واللام في (العذاب): إشارة إلى (عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [الشعراء: ١٥٦].
[(كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ* أَتَاتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ* وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ)].
أراد بـ (العَالَمِينَ): الناس، أي: أتأتون من بين أولاد آدم- على فرط كثرتهم وتفاوت أجناسهم وغلبة إناثهم على ذكورهم في الكثرة - ذُكرانهم، كأن الإناث قد أعوزنكم. أو أتأتون أنتم - من بين من عداكم من العالمين - الذكران، يعنى أنكم -
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الفرزدق:
ندمت ندامة الكسعي لما … غدت مني مطلقةً نوار
وقال آخر:
ندمت ندامة الكسعي لما … رأت عيناه ما فعلت يداه
قوله: (ولكن في غير وقت التوبة، وذلك عند معاينة العذاب)، فعلى هذا: الفاء في ﴿فَأَصْبَحُوا﴾ فصيحةٌ، أي: فعقروها فرأوا العذاب فندموا فأخذهم العذاب.
قوله: (ذكرانهم)، نصبٌ مفعول "أتأتون".
قوله: (قد أعوزنكم)، أعوزه الشيء: إذا احتاج إليه فلم يقدر عليه.
стр. 6000
يا قوم لوط وحدكم مختصون بهذه الفاحشة. والعالمون على هذا القول: كل ما ينكح من الحيوان. (مِنْ أَزْواجِكُمْ) يصلح أن يكون تبيينا لـ (مَا خَلَقَ)، وأن يكون للتبعيض، ويراد بـ (مَا خَلَقَ): العضو المباح منهنّ.
وفي قراءة ابن مسعود: (ما أصلح لكم ربكم من أزواجكم)، وكأنهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم. العادي: المتعدّى في ظلمه، المتجاوز فيه الحدّ، ومعناه: أترتكبون هذه المعصية على عظمها؟ ! (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ) في جميع المعاصي، فهذا من جملة ذاك، أو بل أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان، حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والعالمون على هذا [القول]: كل ما ينكح)، أي: الناكح، وعلى الأول: مراده المنكوح، فيختص بالعقلاء، يقال: فلانٌ ناكحٌ بني فلان، أي: ذات الزوج منهم، ونكحها زوجها: وطئها، والنكاح في الوطء حقيقةٌ، وفي التزوج مجاز، ثم إن العالم إما: اسمٌ لذوي العلم، فهو المعنى بقوله: "من عداكم من العالمين"، أو: لكل ما علم به الخالق، فهو المعني به بهذا التفسير، فاختص الأول بالناس، لقرينة ﴿أَتَاتُونَ الذُّكْرَانَ﴾، والثاني بالحيوان لتلك القرينة، فـ "من"- على الأول- بيانٌ للذكران، وعلى الثاني: بيانٌ للضمير في ﴿أَتَاتُونَ﴾، وعلى الأول يجوز أن يكون تبعيضاً، ذكر في الأعراف في قوله تعالى: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] أنها تبعيضٌ.
قوله: (وأن يكون للتبعيض، ويراد بـ ﴿مَا خَلَقَ﴾: العضو المباح)، فـ "من": منصوبٌ: بدلٌ من: ﴿مَا خَلَقَ﴾: المعنى: أتجمعون بين إتيان الذكران، وترك ما أصلح لكم ربكم من العضو المباح في النساء؟ ويؤيده قراءة ابن مسعودٍ.
قوله: (أو: بل أنتم قومٌ أحقاء بأن توصفوا بالعدوان)، هذا مبنيٌ على أن ﴿عَادُونَ﴾ مطلقٌ، ولا يقال في أي شيءٍ كان عداوتهم، وعلى الأول مجرى على العموم في جميع ما يصح فيه العدوان من المعاصي.
стр. 6001
[(قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ)].
(لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ) عن نهينا وتقبيح أمرنا (لَتَكُونَنَّ) من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا وطردناه من بلدنا، ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوإ حال: من تعنيف به، واحتباس لأملاكه. وكما يكون حال الظلمة إذا أجلوا بعض من يغضبون عليه، وكما كان يفعل أهل مكة بمن يريد المهاجرة.
[(قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ* رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ* فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ* إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ* ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ* وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ* إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)].
و(مِنَ الْقالِينَ) أبلغ من أن يقول: إني لعملكم قال، كما تقول: فلان من العلماء، فيكون أبلغ من قولك: فلان عالم، لأنك تشهد له بكونه معدودا في زمرتهم، ومعروفة مساهمته لهم في العلم. ويجوز أن يريد: من الكاملين في قلاكم. والقلى: البغض الشديد،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾ أبلغ من أن يقول: إني لعملكم قالٍ)، الانتصاف: كثيراً ما ورد في القرآن خصوصاً في هذه السورة من التعبير عن الفعل إلى الصفة المشتقة، وجعل الموصوف واحداً من جمع، لأن التعبير بالفعل يفهم وقوعه خاصةً، وأما بالصفة وجعل الموصوف واحداً من جمع، فيفهم أمراً زائداً، وهو جعل ذلك سمةً للموصوف ثابتة التعلق كاللقب المشهور، ولو قلت- مكان قوله تعالى: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧]-: رضوا بأن يتخلفوا، لم يزد على الإخبار بتخلفهم، والمتلو ﴿مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ ألحقهم لقباً رديئاً وصيرهم نوعاً رذلاً. تم كلامه.
قوله: (ويجوز أن يريد: من الكاملين)، عطفٌ على قوله: "كما تقول: فلانٌ من العلماء"، ومن حيث المعنى اللام: للعهد، وعلى الثاني: للجنس، وأريد: قومٌ مشهورون، لأن الجنس إذا أطلق على بعضه في مقام المدح حمل على الكمال. قال أبو البقاء: تقديره: إني لعملكم
стр. 6002
كأنه بغض يقلي الفؤاد والكبد. وفي هذا دليل على عظم المعصية، والمراد: القلى من حيث الدين والتقوى، وقد تقوى همة الدّين في دين الله حتى تقرب كراهته للمعاصي من الكراهة الجبلية. (مِمَّا يَعْمَلُونَ) من عقوبة عملهم وهو الظاهر. ويحتمل أن يريد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقالٍ من القالين، فـ "من": صفةٌ للخبر متعلقةٌ بمحذوف، واللام متعلقةٌ بالخبر المحذوف، وبهذا تخلص من تقديم الصلة على الموصول، إذ لو جعلت ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾ الخبر لأعملته في ﴿لِعَمَلِكُمْ﴾.
قوله: (من عقوبة عملهم، وهو الظاهر)، وذلك من وجهين، أحدهما: أن استعمال النجاة في الخلاص من العقوبة أظهر من استعماله في العصمة عن الذنوب، وثانيهما: دلالة الدعاء بعد قولهم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ﴾ إلى آخره، على أنه ﵇ حصل على يأسٍ عظيم من إيمان القوم فأذن بأن الإنذار لم يجد فيهم فلم يبق إلا حلول العذاب.
ولابد من تحرير هذا المقام والنظر فيه بحسب تأدية الألفاظ للمعاني الواقعة، والواقع أن القوم هلكوا بعذابين: التدمير، وإمطار الحجارة، كما قال: "المراد بتدميرهم: الائتفاك"، وأما الأمطار، فعن قتادة: أمر الله تعالى على شذاذ القوم حجارةً، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢]، فإذن لابد من بيان إفادة الفاء في قوله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ وإفادة "ثم" في ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ﴾، ﴿دَمَّرْنَا﴾ على ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ يلزم أن يكون العذاب ثلاثةً، فلابد من تأويل ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ إما بمعنى الاستجابة، أي: استجابة التنجية لم تتخلف عن الدعاء، أو تقدير الإرادة حتى يصح العطف، وفي قول المصنف إشعارٌ بأن قوله: ونجيناه المراد منه: التنجية من العذاب الكائن قبل التدمير والإمطار لقوله: "لم يكن الغبور صفتها وقت تنجيتهم"، والمعنى على التأويل الصحيح: قال لوطٌ: رب نجني وأهلي مما يعملون، فاستجبنا دعاءه في تنجيته وأهله إلا عجوزاً قدرنا غبورها، ثم دمرنا الآخرين وأمطرنا عليهم.
стр. 6003
بالتنجية: العصمة. فإن قلت: فما معنى قوله: (فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزاً)؟ قلت: معناه أنه عصمه وأهله من ذلك إلا العجوز، فإنها كانت غير معصومة منه، لكونها راضية به ومعينة عليه ومحرشة، والراضي بالمعصية في حكم العاصي. فإن قلت: كان أهله مؤمنين ولولا ذلك لما طلب لهم النجاة، فكيف استثنيت الكافرة منهم: قلت الاستثناء إنما وقع من الأهل وفي هذا الاسم لها معهم شركة بحق الزواج وإن لم تشاركهم في الإيمان. فإن قلت: (فِي الْغابِرِينَ) صفة لها، كأنه قيل: إلا عجوزا غابرة، ولم يكن الغبور صفتها وقت تنجيتهم قلت: معناه إلا عجوزا مقدّرا غبورها. ومعنى (الْغابِرِينَ): في العذاب والهلاك: غير الناجين. قيل: إنها هلكت مع من خرج من القرية بما أمطر عليهم من الحجارة. والمراد بتدميرهم: الائتفاك بهم، وأمّا الإمطار: فعن قتادة: أمطر الله على شذاذ القوم حجارة من السماء فأهلكهم. وعن ابن زيد: لم يرض بالائتفاك حتى أتبعه مطرا من حجارة. وفاعل "ساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ"- ولم يرد بالمنذرين قوما بأعيانهم، إنما هو للجنس، والمخصوص بالذّم محذوف، وهو مطرهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قيل: إنها هلكت)، قيل: هو بيانٌ لقوله: "أن معنى الغابرين هو: غير الناجين، لأنها هلكت بما وقعت عليها من الحجارة مع قومها الخارجين من تلك البلدة، وهو المراد بكونها في الغابرين، لا أنها كانت في البلدة الموبقة المنقلبة على أهلها.
قوله: (الائتفاك بهم)، أفكه عن الشيء يأفكه إفكاً: صرفه، وائتفكت البلاد بأهلها: هلكت.
قوله: (شذاذ القوم)، وهم الذين يكونون في القوم وليسوا من قبيلتهم".
قوله: (إنما هو للجنس)، قيل: لأن فاعل "ساء" و"بئس" و"نعم" مشروطٌ بأن يكون جنساً أو مضافاً إلى جنس، ليكون المخصوص بالذم تفسيراً له، فيحصل في الكلام إبهامٌ وتفسير، فيتمكن في الذهن فضل تمكن، ويحصل به مزيد مدح أو ذم.
стр. 6004
[(كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ)].
قرئ: (أَصْحَابُ الأَيْكَةِ) بالهمزة وبتخفيفها، وبالجرّ على الإضافة وهو الوجه. ومن قرأ بالنصب وزعم أن ليكة بوزن ليلة: اسم بلد، فتوهم قاد إليه خط المصحف، حيث وجدت مكتوبة في هذه السورة وفي سورة صاد بغير ألف. وفي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قرئ: ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ بالهمزة وبتخفيفها)، الحرميان وابن عامر: "أصحاب ليكةً" بلام مفتوحةٍ من غير همزةٍ بعدها ولا ألفٍ قبلها وفتح التاء، والباقون: بالألف واللام مع الهمزة وخفض التاء وتخفيفها، وبالجر على الإضافة: شاذةٌ.
قوله: (ومن قرأ بالنصب وزعم أن "ليكة"- بوزن "ليلة"- اسم بلد، فتوهمٌ)، قال في "الكواشي": هذا تحكمٌ ظاهر، ولعله كان مع آدم ﵇ حين علم آدم الأسماء كلها وضبطها إلى وقت دعواه.
وقلت: روى الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في "صحيحه": الأيكة وليكة: الغيضة.
وقال الزجاج: ويجوز- وهو حسنٌ جداً- "ليكة" بغير ألفٍ على الكسر، على أن الأصل: الأيكة، وألقيت الهمزة فقيل: ليكة، وأهل المدينة يفتحون- على ما جاء في "التفسير"- اسم المدينة التي كان أرسل إليهم شعيبٌ ﵇. وكان أبو عبيدٍ القاسم بن سلام يختار هذه القراءة، لأن "ليكة" لا تنصرف، وذكر أنه اختارها لموافقة الكتاب مع ما جاء في التفسير: كان المدينة تسمى ليكة، وتسمى الغيضة التي تضم هذا الشجر.
стр. 6005
المصحف أشياء كتبت على خلاف قياس الخط المصطلح عليه، وإنما كتبت في هاتين السورتين على حكم لفظ اللافظ، كما يكتب أصحاب النحو "لان" و "لولى"، على هذه الصورة؛ لبيان لفظ المخفف، وقد كتبت في سائر القرآن على الأصل، والقصة واحدة، على أن ليكة اسم لا يعرف. وروى أن أصحاب الأيكة كانوا أصحاب شجر ملتف، وكان شجرهم الدوم. فإن قلت: هلا قيل: أخوهم شعيب، كما في سائر المواضع؟ قلت: قالوا: إن شعيبا لم يكن من أصحاب الأيكة. وفي الحديث: إن شعيبا أخا مدين، أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة.
[(أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ* وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ* وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ* وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ)].
الكيل على ثلاثة أضرب: واف، وطفيف، وزائد. فأمر بالواجب الذي هو الإيفاء، ونهى عن المحرّم الذي هو التطفيف، ولم يذكر الزائد، وكأن تركه عن الأمر والنهي دليل على أنه إن فعله فقد أحسن، وإن لم يفعله فلا عليه. قرئ: (بالقسطاس)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كما يكتب أصحاب النحو: "لان" و"لولى"، على هذه الصورة لبيان لفظ المخفف)، قال الزجاج: الأولى بسكون اللام وإثبات الهمزة أجود اللغات، وبعدها "لولى" بضم اللام وطرح الهمزة، والقياس: إذا تحركت اللام أن يسقط ألف الوصل، لأن ألف الوصل إنا اجتلبت لسكون اللام، وقد قرئ: "عاد اللولى" على هذه اللغة، فعلى هذا "لان" أصله: الآن، فألقيت حركة الهمزة الثانية على لام التعريف حين خففت، وحذفت همزتها فصار: لان، ذكر في كتاب "خط المصحف" أن في مصحف عبد الله وأبي: "لولى" بلا همزة.
قوله: (الدوم)، الجوهري: هو شجرة المقل.
стр. 6006
مضموماً ومكسورا وهو الميزان وقيل: القرسطون، فإن كان من القسط؛ وهو العدل وجعلت العين مكررة: فوزنه فعلاس، وإلا فهو رباعي. وقيل: وهو بالرومية العدل. يقال: بخسته حقه، إذا نقصته إياه. ومنه قيل للمكس: البخس، وهو عامّ في كل حق ثبت لأحد أن لا يهضم، وفي كل ملك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: القرسطون)، قيل: القرسطون: القبان الصغير، وهو لغةٌ رومية.
قوله: (فوزنه: فعلاس)، قيل: فيه نظرٌ، والصواب أن وزنه: فعلاع، لأن التكرير يقتضي أن يوزن بما قبله. فإن قلت: فعل ذلك لعدم "فعلاع" كما قيل في بطنان؟ قلت: ذلك لوجود "فعلان"، نحو عثمان وغفران، وأما فعلاسٌ فلم يوجد أصلاً. وأيضاً فقد نتكلم هنا على فرض كونه من القسط وتكرير العين، فعلى هذا يجب التعبير عنه بما تقدمه جزماً.
فإن قيل: عدول المصنف إلى أن وزنه "فعلاسٌ" إشارةٌ إلى أنه ليس هذا بالحقيقة تكريراً للعين، فإن العين لا تضاعف وحدها مع تخلل اللام، لما يلزم من الفصل الممتنع عندهم، ولذلك قالوا: لا تزاد الفاء وحدها مطلقاً.
قلت: قد صرح بتكرير العين، فكيف يحمل على ذلك، فهو واردٌ عليه من هذا الوجه أيضاً، إلا أن يقال: في عبارته تساهلٌ، على أن الكوفيين يجوزون مثل هذه الزيادة.
قوله: (وهو عامٌ في كل حقٍّ ثبت لأحد)، ففي الكلام ترق، ذكر أولاً الأمر بإيفاء الكيل، وأكده بقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ على الطرد والعكس، ثم ترقى إلى الأمر بالعدل في الموازين فإنها أكثر استعمالاً من المكاييل، ثم جاء بها العام، ثم بأعم منه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، فإن بخس الأشياء أعم من أن يكون في المكيال أو الميزان، والعثو أعم من تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد، وإليه الإشارة بقوله: "وذلك نحو قطع الطريق والغارة وإهلاك الزروع".
стр. 6007
أن لا يغصب عليه مالكه ولا يتحيف منه، ولا يتصرف فيه إلا بإذنه تصرفا شرعيا. يقال: عثي في الأرض وعثى وعاث، وذلك نحو: قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع، وكانوا يفعلون ذلك مع توليهم أنواع الفساد فنهوا عن ذلك. وقرئ: (الجُبُلَّة) بوزن الأبلة. و: (الجِبْلة) بوزن الخلقة. ومعناهنّ واحد، أى: ذوى الجبلة، وهو كقولك: والخلق الأوّلين.
[(قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ* وَما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ)].
فإن قلت: هل اختلف المعنى بإدخال الواو هاهنا وتركها في قصة ثمود؟ قلت: إذا أدخلت الواو فقد قصد معنيان: كلاهما مناف للرسالة عندهم: التسحير والبشرية،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن لا يغصب عليه مالكه)، قال نور الدين الحكيم: هذا الاستعمال غير موافقٍ لما ذكره في "المفصل" في قوله: غصبت عليه الضيعة.
من "الصحاح". الغصب: أخذ الشيء حكماً ظلماً، تقول: غصبته منه، وغصبته عليه. فما في "المفصل" هو الصحيح المعول عليه، والعذر في هذا الاستعمال أنه على تقدير أن لا يغصب مالكه حال كونه متسلطاً عليه شرعاً.
قوله: (وقرئ: "الجبلة")، قال ابن جني: وهي قراءة الحسن بخلافٍ وأبي حصين.
قوله: (الأبلة)، الجوهري: الأبلة، بالضم وتشديد اللام: الفدرة من التمر، أي القطعة، والأبلة: اسم مدينةٍ إلى جنب البصرة.
قوله: (إذا دخلت الواو فقد قصد معنيان)، إلى آخره. فإن قلت: هذا بيان خاصية
стр. 6008
وأن الرسول لا يجوز أن يكون مسحرا، ولا يجوز أن يكون بشرا، وإذا تركت الواو فلم يقصد إلا معنى واحد وهو كونه مسحرا، ثم قرر بكونه بشرا مثلهم. فإن قلت: "إن" المخففة من الثقيلة ولامها كيف تفرقتا على فعل الظنّ وثاني مفعوليه؟ قلت: أصلهما أن يتفرقا على المبتدأ والخبر، كقولك: إن زيد لمنطلق، فلما كان البابان - أعنى باب "كان" وباب "ظننت"- من جنس باب المبتدأ والخبر، فعل ذلك في البابين فقيل: إن كان زيد لمنطلقا، وإن ظننته لمنطلقا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التركيب، فما بيان الأبلغية واختصاص الواو بموضع دون موضع؟ قلت: التركيب بدون الواو في قصة ثمود يفيد التوكيد والتقرير، والقطع بأنه بشرٌ مثلهم، أي: لا ينبغي أن نؤمن برسالاتك إلا بشيء تمتاز به عنا، ولهذا قالوا: ﴿فَاتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، والقوم أنصفوا في الطلب، ولهذا قال: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ﴾، وأما قوم شعيبٍ ﵇ فإنهم أثبتوا له شيئين: كونه مسحراً، وكونه بشراً مثلهم، كل واحدٍ منهما مستقلٌ في المنع من كونه رسولاً، يعني: نحن وأنت في عدم صلاحية الرسالة لكوننا بشراً سواءٌ، ولك المزيد علينا في كونك مسحراً دوننا، ثم أكدوا ذلك بقولهم: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، والظن بمعنى اليقين، ولذلك أدخل "إن" واللام. ولما كان هذا الرد أبلغ من الأول ما طلبوا البرهان كما طلبوا، حيث قالوا: ﴿فَاتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، بل قطعوا بما يدل على اليأس من إيمانهم بقولهم: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ استهزاءً كما قطع قريشٌ بقولهم: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وإلى هذا المعنى رمز بقوله: "ولو كان فيهم أدنى ميل إلى التصديق لما أخطروه ببالهم"، ثم بين الله تعالى استمرارهم على ما كانوا عليه بقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ﴾ أي: استمروا على ذلك وكذبوه تكذيباً غب تكذيب، هذا معنى الفاء والتكرير في ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾، واتصل بذلك عذاب يوم الظلة.
انظر أيها المتأمل في إعجاز التنزيل ومواقع هذه الحروف الثلاثة، أعين: الواو والفاءين، لئلا تغفل عن موقع كل حرف، فتكون أهلاً لأن تخوض فيه، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كان لنهتدي لولا أن هدانا الله.
стр. 6009
[(فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)].
قرئ: (كِسَفًا) بالسكون والحركة، وكلاهما جمع كسفة، نحو: قطع وسدر. وقيل: الكسف والكسفة، كالريع والريعة، وهي القطعة. وكسفه: قطعه. والسماء: السحاب، أو المظلة. وما كان طلبهم ذلك إلا لتصميمهم، كالجحود والتكذيب. ولو كان فيهم أدنى ميل إلى التصديق لما أخطروه ببالهم فضلا أن يطلبوه. والمعنى: إن كنت صادقا أنك نبىّ، فادع الله أن يسقط علينا كسفا من السماء.
(قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ) [الشعراء: ١٨٨].
رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ) يريد: أنّ الله أعلم بأعمالكم وبما تستوجبون عليها من العقاب، فإن أراد أن يعاقبكم بإسقاط كسف من السماء فعل، وإن أراد عقابا آخر فإليه الحكم والمشيئة.
[(فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ* إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ومَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ* وإنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ)].
(فَأَخَذَهُمْ) الله بنحو ما اقترحوا من عذاب الظلة إن أرادوا بالسماء السحاب،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قرئ: ﴿كِسَفًا﴾ بالسكون والحركة)، بالحركة: حفصٌ، والباقون: بالسكون.
قوله: (﴿فَأَخَذَهُمْ﴾ الله بنحو ما اقترحوا من عذاب الظلة)، يعني: الظلة في عذاب يوم الظلة عين السماء في قوله: ﴿كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ فالسماء إن أريد بها السحاب فأخذهم الله تعالى بنحو ما اقترحوا وإن أريد به المظلة فقد خالف بهم.
وقلت: المخالفة أنسب على أن يفسر شعيبٍ ﵇ على غير ما فسره المصنف بأن يجعل من باب الأسلوب الحكيم، فإنهم حين طلبوا إسقاط الكسف من السماء
стр. 6010
وإن أرادوا المظلة فقد خالف بهم عن مقترحهم. يروى: أنه حبس عنهم الريح سبعا، وسلط عليهم الومد، فأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ظلّ ولا ماء ولا سرب، فاضطرّوا إلى أن خرجوا إلى البرية فأظلتهم سحابة وجدوا لها بردا ونسيما، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا. وروي: أنّ شعيبا بعث إلى أمتين: أصحاب مدين، وأصحاب الأيكة، فأهلكت مدين بصيحة جبريل، وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة. فإن قلت: كيف كرّر في هذه السورة في أوّل كل قصة وآخرها ما كرّر؟ قلت: كل قصة منها كتنزيل برأسه، وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها، فكانت كل واحدة منها تدلي بحق في أن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها، وأن تختتم بما اختتمت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عناداً وجحوداً، قال: ربي أعلم بعملكم وبما تستحقونه من العذاب، فإنه فوق ما تطلبونه، ولذلك عاقبهم بحبس الريح، وتسليط الوعد، ثم أمطرت عليهم ناراً فاحترقوا كما قال.
قوله: (وسلط عليهم الومد)، الجوهري: الومد والومدة بالتحريك: شدة حر الليل.
قوله: (فأهلكت مدين بصيحة جبريل ﵇، قالوا: الصواب: برجفة الأرض، لقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٩١]، والصيحة كانت لقوم صالح ﵇، لقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [المؤمنون: ٤١]، وفيه نظر، لما ورد في سورة الأعراف في حق قوم صالح وشعيب: الرجفة، وفي سورة هود في حقهما: الصيحة.
قوله: (كيف كرر في هذه السورة)، يعني قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ وفي آخرها: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
قوله: (كل واحدةٍ منها تدلي بحق)، الأساس: ومن المجاز: أدلى بحقه وحجته: أحضرها، وأدلى بمال فلانٍ إلى الحكام: رفعه.
стр. 6011
به، ولأنّ في التكرير تقريرا للمعاني في الأنفس، وتثبيتا لها في الصدور. ألا ترى أنه لا طريق إلى تحفظ العلوم إلا ترديد ما يراد تحفظه منها، وكلما زاد ترديده كان أمكن له في القلب وأرسخ في الفهم وأثبت للذكر وأبعد في النسيان؟ ولأنّ هذه القصص طرقت بها آذان وقر عن الإنصات للحق، وقلوب غلف عن تدبره، فكوثرت بالوعظ والتذكير، وروجعت بالترديد والتكرير لعل ذلك يفتح أذنا، أو يفتق ذهنا، أو يصقل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو يفتق ذهناً)، من فتق الفجر: انشقاقه، لعله أخذه من قوله تعالى: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]، أو من الفتق الذي هو بمعنى الافتضاض تشبيهاً للنكاح بالأبكار.
ذكر من فوائد التكرير وعدها خصالاً ثلاثاً، أولاها: أن الفائدة راجعةٌ إلى القصص وأن كل واحدةٍ منها كافيةٌ في الاعتبار مزجرةٌ للزاجرين.
وثانيتها: الدلالة على أن التكرير في نفسه مفيدٌ ومؤثرٌ في نفسه وبه تحصل الملكات.
وثالثتها: أن الفائدة راجعةٌ إلى المخاطبين ومؤذنةٌ بأنهم من المصممين الذين لا تنجع فيهم المواعظ مرةً أو مرتين، وهذا الوجه هو المقصود في الإيراد في هذه السورة، لأن السورة من مفتتحها إلى مختتمها مشحونةٌ بذكر المعاندين من قوم رسول الله ﷺ ، وذكر القصص لوعيدهم وتسليةً لقلب حبيبة صلوات الله وسلامه عليه، ومع ذلك لا ينافي اعتبار الفائدتين الأخيرتين، ومن ثم وصل قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ أي: حفظكه وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى حتى اتصل بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بياناً لعنادهم، وتقريراً بأن كلاً من القصص مستقلة. قال القاضي: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تقريرٌ لحقيقة تلك القصص، وتنبيهٌ على إعجاز القرآن ونبوة محمدٍ ﷺ ، فإن الإخبار عنها ممن لم يتعلمها لا يكون إلا وحياً من الله تعالى.
стр. 6012
عقلا طال عهده بالصقل، أو يجلو فهما قد غطى عليه تراكم الصدأ.
[(وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ* وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ)].
(وَإِنَّهُ): وإن هذا التنزيل، يعنى: ما نزل من هذه القصص والآيات. والمراد بالتنزيل:
المنزل. والباء في (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ) و (نَزَّلَ به الرُّوحَ) على القراءتين للتعدية. ومعنى (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ): جعل الله الروح نازلا به (عَلى قَلْبِكَ) أي: حفظكه وفهمك إياه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، كقوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى) [الأعلى: ٦]. (بِلِسانٍ) إما أنّ يتعلق بـ (المُنذِرِينَ)، فيكون المعنى: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان، وهم خمسة: هود، وصالح، وشعيب، وإسماعيل ومحمد ﵈.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على القراءتين للتعدية)، ابن عامرٍ وأبو بكرٍ وحمزة والكسائي: "نزل به" بتشديد الزاي "الروح الأمين" بنصبهما، والباقون: بتخفيف الزاي والرفع للاسمين.
قوله: (ومعنى "نزل به الروح": جعل الله تعالى الروح نازلاً به ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾)، هذا بيان اتصال ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ﴾ بقوله: ﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وكيفية التنزيل من رب العالمين، يعني: كان ذلك التنزيل بواسطة ملكٍ مقربٍ مطاع عند ذي العرش مكين، وفيه رمزٌ على قوله بعد ذلك: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، ثم في تعلق ﴿بِلِسَانٍ﴾ بقوله: ﴿نَزَلَ﴾ تتميمٌ لهذا المعنى، ومن ثم قال: "وفي هذا الوجه أن تنزيله بالعربية … تنزيلٌ له على قلبك"، وفي اختلاف مجيء ﴿لِسَانَ﴾ من التنكير في التنزيل، والتعريف في التفسير، حيث قال: "المعنى: نزله باللسان العربي" الإشارة إلى أن الأصل التعريف فيه، وأنه للعهد، وأوثر التنكير في التنزيل، ليؤذن بالتعظيم والتفخيم.
стр. 6013
وإما أن يتعلق بـ (نَزَلَ)، فيكون المعنى: نزله باللسان العربي؛ لتنذر به، لأنه لو نزله باللسان الأعجمى، لتجافوا عنه أصلا، ولقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه فيتعذر الإنذار به. وفي هذا الوجه: أن تنزيله بالعربية التي هي لسانك ولسان قومك تنزيل له على قلبك، لأنك تفهمه ويفهمه قومك. ولو كان أعجميا لكان نازلا على سمعك دون قلبك، لأنك تسمع أجراس حروف لا تفهم معانيها ولا تعيها، وقد يكون الرجل عارفا بعدّة لغات، فإذا كلم بلغته التي لقنها أو لا ونشأ عليها وتطبع بها، لم يكن قلبه إلا إلى معاني الكلام يتلقاها بقلبه ولا يكاد يفطن للألفاظ كيف جرت، وإن كلم بغير تلك اللغة وإن كان ماهرا بمعرفتها، كان نظره أولا في ألفاظها ثم في معانيها، فهذا تقرير أنه نزل على قلبه لنزوله بلسان عربى مبين. (وَإِنَّهُ): وإن القرآن، يعني: ذكره مثبت في سائر الكتب السماوية. وقيل: إن معانيه فيها. وبه يحتج لأبي حنيفة ﵀
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: إن معانيه فيها)، وفيه إشعارٌ بأن الوجه هو الأول، لأن المقصود في الإيراد إثبات النبوة، وتقريع المكذبين على أن القرآن المجيد نازلٌ من عند الله نزل به الروح الأمين، وأنه ليس من قبيل إلقاء الجن: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، وفي قوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ إيماءٌ على بيان $$$$، وأنه بنفسه دليلٌ بينٌ على حقيقته، ومع ذلك أنه مذكورٌ في كتب الأولين، ومبشرٌ على لسان الأقدمين، ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ والضمير في ﴿يَعْلَمَهُ﴾ راجعٌ إلى القرآن، ولذلك قال: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ﴾ [القصص: ٥٣]. ولقد أنصف المصنف من نفسه في الفروع في هذا المقام وفي كثيرٍ مما يحاكيه، ليته ما بالغ في الأصول، تجاوز الله تعالى عنه.
وقال صاحب "التقريب": وفي الاحتجاج نظرٌ، لأنه على حذف المضاف، وهو المعاني، لا على تسميتها قرآناً. ولناصر القول الثاني أن يقول: إن الضمير في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هو هذا بعينه، كرر لإناطة معنى آخر به، وهو بمعنى اسم الإشارة، والمشار إليه ما سبق من القصص والآيات، يدل عليه قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ﴾، يعني: ما نزل من هذه القصص والآيات، فيكون المعنى: إن هذ المذكور منزلٌ عليك بلسانٍ عربيٍّ مبين ومعانيه
стр. 6014
في جواز القراءة بالفارسية في الصلاة على أن القرآن قرآن إذا ترجم بغير العربية، حيث قيل: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ)؛ لكون معانيه فيها. وقيل: الضمير لرسول الله ﷺ وكذلك في (أَنْ يَعْلَمَهُ) [الشعراء: ١٩٧]، وليس بواضح.
[(أَوَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ)].
وقرئ: (يَكُنْ) بالتذكير. و (آيَةً) بالنصب على أنها خبره، و (أَنْ يَعْلَمَهُ) هو الاسم. وقرئ:
(تكن) بالتأنيث، وجعلت (آيَةً) اسماء، و (أَنْ يَعْلَمَهُ) خبرا، وليست كالأولى لوقوع النكرة اسما والمعرفة خبرا، وقد خرّج لها وجه آخر ليتخلص من ذلك، فقيل: في (يَكُنْ) ضمير القصة، و (آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ) جملة واقعة موقع الخبر. ويجوز على هذا أن يكون (لَهُمْ آيَةً) هي جملة الشأن، و (أَنْ يَعْلَمَهُ) بدلا عن (آيةٌ). ويجوز مع نصب "الآية" تأنيث (تَكُنْ)، كقوله: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا) [الأنعام: ٢٣] ومنه بيت لبيد:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منزلٌ في سائر الكتب، ولذلك يصدقه علماء بني إسرائيل، حيث وجدوه موافقاً لما في كتبهم. وعلى هذا سائر المعاني من إثبات التوحيد، وتأسيس الأحكام، والحث على مكارم الأخلاق. وأما الاحتجاج به على جواز القراءة بالفارسية فمشكلٌ. والله تعالى أعلم.
قوله: (وقرئ: ﴿يَكُن﴾ بالتذكير)، قرأ ابن عامرٍ بالتاء الفوقانية، و"آيةٌ" بالرفع، والباقون: بالياء والنصب.
قوله: (وقد خرج لها وجهٌ)، في "المطلع): قال أبو علي الفارسي: إذا اجتمع في باب كان معرفةٌ ونكرة، فالذي يجعل الاسم منهما المعرفة كما في المبتدأ والخبر، وقد يجيء على قلبه في الشعر إذا اضطر إليه، ولا يجوز في التنزيل، ووجهه أن في ﴿يَكُن﴾ ضمير القصة، و"آيةٌ": خبر مبتدأٍ متقدم عليه، فالجملة في موضع نصب، كما تقول: كان زيدٌ منطلقٌ، على معنى: كان الأمر هذا.
قوله: (ويجوز مع نصب "الآية" تأنيث "تكن")، لأن المراد بالعلم الآية، كقولهم: من كانت أمك، قال: وإنما أنث لوقوع الخبر مؤنثاً.
стр. 6015
فمضى وقدّمها وكانت عادة … منه إذا هي عرّدت أقدامها
وقرئ: (تعلمه) بالتاء. عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ: عبد الله بن سلام وغيره. قال الله تعالى: (وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) [القصص: ٥٣]. فإن قلت: كيف خط في المصحف (عُلَمَؤا) بواو قبل الألف؟ قلت: خط على لغة من يميل الألف إلى الواو، وعلى هذه اللغة كتبت الصلوة والزكاة والربوا.
[(وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ* فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ* كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ* لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ* فَيَاتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ* فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ* أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ* أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ* ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ* ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ)].
الأعجم: الذي لا يفصح وفي لسانه عجمة واستعجام. والأعجمي مثله، إلا أن فيه لزيادة ياء النسبة زيادة تأكيد. وقرأ الحسن: (الأعجميين). ولما كان من يتكلم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فمضى وقدمها)، البيت، يصف الحمار والأتان.
وعردت: تأخرت وجبنت، والتعريد: التأخير والجبن، وقيل: الإقدام بمعنى التقدمة، ولذلك أنث فعلها، وقيل: لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه. والاستشهاد في تأنيث الفعل لتأنيث الخبر، وإن كان الاسم، أي: إقدامها، مذكراً، والضمير في إقدامها للأتان. يقول: مضى العير نحو الماء وقدم الأتان لئلا يتأخر، وكانت إقدام الأتان عادةً من العير إذا هي تأخرت عن الجبن.
قوله: (وقرأ الحسن: الأعجميين)، قال: ابن جني: هذه القراءة عذرٌ في القراءة المجتمع عليها، وتفسيرٌ للغرض فيها، وذلك أن ما كان من الصفات على أفعل وأنثاه فعلاء لا يجمع بالواو والنون عجماء، ولكن سببه أنه يريد الأعجميين، ثم حذف ياء النسب، وجعل جمعهما
стр. 6016
بلسان غير لسانهم لا يفقهون كلامه، قالوا له: أعجم وأعجمي، شبهوه بمن لا يفصح ولا يبين، وقالوا لكل ذي صوت من البهائم والطيور وغيرها: أعجم، قال حميد:
ولا عربيّا شاقه صوت أعجما
(سَلَكْناهُ): أدخلناه ومكناه. والمعنى: إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربيٍّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالواو والنون دليلاً عليها، وأمارةً لإرادتها كما جعلت صحة الواو في عواور أمارةً لإرادة الياء في عواوير.
قوله: (ولا عربياً شاقه صوت أعجما)، قبله:
وما هاج هذا الشوق إلا حمامةٌ … دعت ساق حرٍّ ترحةً وترنما
تغنت على غصنٍ عشاءً فلم تدع … لنائحةٍ في نوحها متندما
عجبت لها أنى يكون غناؤها … فصيحاً ولم تفغر بمنطقها فما
ولم أر مثلي شاقه صوت مثلها … ولا عربياً شاقه صوت أعجما
يصف صوت قمري: ساق حر: ذكر القماري. متندماً: لائماً. فغرفاه: أي فتحه، ويقال لكل صوتٍ من البهائم والطيور: أعجم.
قوله: (والمعنى: إنا أنزلنا هذا القرن)، بيانٌ لنظم قوله: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ﴾ بالمعاني السابقة، فقوله: "إنا أنزلنا هذا القرآن على رجلٍ عربي بلسان عربيٍّ مبين" إشارةٌ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾. وقوله: "وإنه معجزٌ لا يعارض بكلام مثله" إشارةٌ إلى قوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. وقوله: "وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتب المنزلة قبله" إشارةٌ إلى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وقوله: "ولو نزلناه على بعض الأعاجم" إلى آخره، إشارةٌ إلى الآية الأخيرة، هذا، وإن ظاهر قوله:
стр. 6017
بلسان عربي مبين، فسمعوا به وفهموه وعرفوا فصاحته وأنه معجز لا يعارض بكلام مثله، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتب المنزلة قبله على أن البشارة بإنزاله وتحلية المنزل عليه وصفته في كتبهم، وقد تضمنت معانيه وقصصه، وصحّ بذلك أنها من عند الله وليست بأساطير كما زعموا، فلم يؤمنوا به وجحدوه، وسموه شعرا تارة، وسحرا أخرى، وقالوا: هو من تلفيق محمد وافترائه. (وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ) الأعاجم الذي لا يحسن العربية، فضلا أن يقدر على نظم مثله (فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ) هكذا فصيحا معجزا متحدّى به، لكفروا به كما كفروا، ولتمحلوا لجحودهم عذرا، ولسموه سحرا، ثم قال: (كَذلِكَ سَلَكْناهُ) أي: مثل هذا السلك سلكناه في قلوبهم، وهكذا مكناه وقرّرناه فيها، وعلى مثل هذه الحال وهذه الصفة من الكفر به والتكذيب له وضعناه فيها، فكيفما فعل بهم وصنع وعلى أي وجه دبر أمرهم، فلا سبيل أن يتغيروا عما هم عليه من جحوده وإنكاره، كما قال: (وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) [الأنعام: ٧]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"مثل ذلك السلك سلكناه في قلوبهم"، وعلى قلوبهم، وقوله: "لا يؤمنون به" موضحٌ لقوله: ﴿نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ مشعرٌ بأن المشار إليه هو قوله: ﴿نَسْلُكُهُ﴾، حيث جعله صفة مصدرٍ محذوف، وجعل ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بياناً له، ولو جعل ﴿كَذَلِكَ﴾ متبدأ، و ﴿نَسْلُكُهُ﴾ الخبر ليكون المشار إليه ما تضمن معنى الآيات السابقة من مفتتح السورة، وهو ما ذكره: "وليست بأساطير كما زعموا، فلم يؤمنوا به وجحدوه وسموه شعراً"، إلى قوله: "لكفروا به كما كفروا، ولتمحلوا لجحودهم" إلى آخره. وكان قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ استئنافاً لبيان موجب ذلك السلك على مذهب أهل السنة، لجاء النظم غير متعسف. قال القاضي في سورة الحجر: وفيه دليلٌ على انه تعالى يوجد الباطل في قلوبهم.
قوله: (وتحلية المنزل)، يقال: حليت الرجل تحليةً: وصفت حليته.
стр. 6018
فإن قلت: كيف أسند السلك بصفة التكذيب إلى ذاته؟ قلت: أراد به الدلالة على تمكنه مكذبا في قلوبهم أشدّ التمكن، وأثبته فجعله بمنزلة أمر قد جبلوا عليه وفطروا. ألا ترى إلى قولهم: هو مجبول على الشح؟ يريدون: تمكن الشحّ فيه، لأنّ الأمور الخلقية أثبت من العارضة، والدليل عليه: أنه أسند ترك الإيمان به إليهم على عقبه؛ وهو قوله: (لا يُؤْمِنُونَ بِهِ). فإن قلت: ما موقع (لا يُؤْمِنُونَ بِهِ) من قوله: (سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ)؟ قلت: موقعه منه موقع الموضح والملخص، لأنه مسوق لثباته مكذبا مجحودا في قلوبهم، فأتبع ما يقرّر هذا المعنى من أنهم لا يزالون على التكذيب به وجحوده حتى يعاينوا الوعيد. ويجوز أن يكون حالا، أى: سلكناه فيها غير مؤمن به. وقرأ الحسن: (فتأتِيهم) بالتاء يعني: الساعة. و (بَغَتةً) بالتحريك. وفي حرف أبىّ: (ويروه بغتة). فإن قلت: ما معنى التعقيب في قوله: (فَيَاتِيَهُمْ بَغْتَةً) (فَيَقُولُوا)؟ قلت: ليس المعنى ترادف رؤية العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة فيه في الوجود، وإنما المعنى ترتبها في الشدّة، كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم للعذاب فما هو أشدّ منها؛ وهو لحوقه بهم مفاجأة، فما هو أشدّ منه وهو سؤالهم النظرة. ومثال ذلك أن تقول لمن تعظه: إن أسات مقتك الصالحون فمقتك الله، فإنك لا تقصد بهذا الترتيب أنّ مقت الله يوجد عقيب مقت الصالحين، وإنما قصدك إلى ترتيب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كيف أسند السلك بصفة التكذيب إلى ذاته؟ )، يعني: إذا رجع الضمير من قوله: ﴿نَسْلُكُهُ﴾ إلى المنزل، كان معناه ما قال: "وعلى مثل هذه الحال، وهذه الصفة وضعناه فيها"، فكيف يجوز إسناده إلى الله تعالى؟ وأجاب: أنه أريد بالإسناد إلى الله الدلالة على تمكن المنزل في قلوبهم حال كونه مكذباً به على سبيل الكناية، فقوله: "مكذباً": حالٌ مؤكدةٌ من الضمير في "تمكنه"، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ [الأحقاف: ٧]، وقيل: حالٌ مقدرةٌ، وفي "المطلع": الضمير في سلكناه للشرك والتكذيب، قال ابن عباس والحسن وغيرهما: سلكنا الشرك والتكذيب في قلوب مشركي مكة.
стр. 6019
شدّة الأمر على المسيء، وأنه يحصل له بسبب الإساءة مقت الصالحين، فما هو أشدّ من مقتهم:
وهو مقت الله، وترى "ثمّ" يقع في هذا الأسلوب فيحل موقعه. (أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ) تبكيت لهم بإنكار وتهكم، ومعناه: كيف يستعجل العذاب من هو معرض لعذاب يسأل فيه من جنس ما هو فيه اليوم من النظرة والإمهال طرفة عين فلا يجاب إليها؟ ! ويحتمل أن يكون هذا حكاية توبيخ يوبخون به عند استنظارهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وترى)، أي: وأنت ترى لفظة "ثم"، يريد أن "ثم" إذا وقعت فيما لم يصح فيه معنى ما وضعت له من التراخي في الزمان، حملت على التراخي في الرتبة، ففعل بالفاءين هاهنا، أعني في قوله: ﴿فَيَاتِيَهُمْ﴾ وقوله: ﴿فَيَقُولُوا﴾ حيث لم يستقما أن يجريا على موضوعهما من التعقيب ما فعل بـ "ثم" في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [البلد: ١٧].
قوله: (تبكيتٌ لهم بإنكارٍ وتهكم)، والتبكيت من بكتة بالحجة، أي: غلبه. البكت: القطع، و"من" في "من النظرة": بيان "ما" في "ما هو فيه"، ومعنى التبكيت: أنه لما قيل: ﴿فَيَاتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ عقب ذلك بقوله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ إسكاتاً لهم مع إنكارٍ وتهكم، أي: كيف يستعجلون ما حاله ما ذكر، وهي أنه ما يأتيهم بغتةً، ويسألون عند ذلك الإمهال فلا يمهلون، والعاقل لا يستعجل ما فيه دماره. وهذا معنى التبكيت، لأنه كلامٌ جارٍ على العرف والعادة، والعاقل لا يدفع الكلام المنصف ولهذا قال: "من جنس ما هو [فيه] اليوم النظرة".
قوله: (معرض لعذاب)، أي: منصوبٌ له. الجوهري: وعرضت فلاناً لكذا، فتعرض هو له.
قوله: (يوبخون به عند استنظارهم)، أي: يوبخون يوم القيامة بقوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ حين يطلبون الإمهال بقولهم: هل نحن منظرون؟ و ﴿يَسْتَعْجِلُونَ﴾ على هذا: مضارعٌ وقع موقع الماضي على حكاية الحال الماضية في الدنيا، وكان من حق الظاهر: أفبعذابنا استعجلتم؟
стр. 6020
يومئذ، و (يَسْتَعْجِلُونَ) على هذا الوجه حكاية حال ماضية. ووجه آخر: متصل بما بعده، وذلك أنّ استعجالهم بالعذاب إنما كان لاعتقادهم أنه غير كائن ولا لا حق بهم، وأنهم ممتعون بأعمار طوال في سلامة وأمن، فقال عز وعلا: (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ) أشرا وبطرا واستهزاء واتكالا على الأمل الطويل؟ ! ثم قال: هب أنّ الأمر كما يعتقدون من تمتيعهم وتعميرهم، فإذا لحقهم الوعيد بعد ذلك ما ينفعهم حينئذ ما مضى من طول أعمارهم وطيب معايشهم. وعن ميمون بن مهران: أنه لقي الحسن في الطواف، وكان يتمنى لقاءه فقال له: عظني، فلم يزده على تلاوة هذه الآية. فقال ميمون: لقد وعظت فأبلغت. وقرئ: (يُمْتَعُون) بالتخفيف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ووجهٌ آخر: متصلٌ بما بعده)، يعني بقوله: ﴿أَفَرَءَيْتَ﴾، ويتم الكلام عند قوله: ﴿نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ ثم يبتدئ من قوله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا﴾ على تأويل: أتستهزئون فتستعجلون بعذابنا؟ فالفاء في ﴿أَفَبِعَذَابِنَا﴾ عطفٌ على هذا المقدر، وفي ﴿أَفَرَءَيْتَ﴾ للتسبيب، أي: استهزاؤهم ذلك سببٌ لأن يتعجب منهم ويقال لكل سامع: أرأيت إن متعناهم سنين، فإذن الهمزة ﴿أَفَرَءَيْتَ﴾: مقحمةٌ لمزيد الإنكار والتعجب وعلى الأول الفاء في ﴿أَفَرَءَيْتَ﴾: عاطفةٌ، عطفت ﴿رأيت﴾ على مقدر، أي: أ×بر فيتعجب؟ والهمزة غير مقحمةٍ فتكون الجملة مستقلة.
قوله: (ثم قال: هب أن الأمر كما يعتقدون)، هو معنى قال تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ﴾ أي: أخبرني ﴿إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾.
قوله: (لقد وعظت فأبلغت)، يعني: هذه الآية من الجوامع في باب الوعظ. روينا عن مسلم، عن أنسٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغةً ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيمٌ قط، فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة"، الحديث.
стр. 6021
[(وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ)].
(مُنْذِرُونَ) رسل ينذرونهم (ذِكْرى) منصوبة بمعنى تذكرة، إمّا لأن "أنذَرَ"، و "ذكَّر" متقاربان، فكأنه قيل: مذكرون تذكرة. وإمّا لأنها حال من الضمير في (مُنذِرُونَ)، أي: ينذرونهم ذوي تذكرة. وإمّا لأنها مفعول له، على معنى: أنهم ينذرون لأجل الموعظة والتذكرة. أو مرفوعة على أنها خبر مبتدإ محذوف، بمعنى: هذه ذكرى. والجملة اعتراضية. أو صفة بمعنى: منذرون ذوو ذكرى. أو جعلوا ذكرى، لإمعانهم في التذكرة وإطنابهم فيها. ووجه آخر: وهو أن تكون (ذِكْرَى) متعلقة بـ (أَهْلَكْنَا) مفعولا له. والمعنى: وما أهلكنا من أهل قرية ظالمين إلا بعد ما ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم، ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، فلا يعصوا مثل عصيانهم، (وَما كُنَّا ظالِمِينَ) فنهلك قوما غير ظالمين. وهذا الوجه عليه المعوّل. فإن قلت: كيف عزلت الواو عن الجملة بعد (إلَّا) ولم تعزل عنها في قوله: (وَمَا أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ) [الحجر: ٤]؟ قلت: الأصل عزل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لإمعانهم في التذكرة)، أي: مبالغتهم، كقولك: رجلٌ عدلٌ، ويقال: أمعن الفرس: تباعد في عدوه، وأمعن في السير: أبعد وأسرع.
قوله: (تذكرةً وعبرةً لغيرهم)، الجوهري: العبرة: الاسم من الاعتبار. وعن بعضهم: العبرة: الحالة التي يعبر بها من منزلة الجهل إلى مرتبة العلم، ولهذا سمي القياس عبرة، ومنه العبارة والعبرة.
قوله: (وهذا الوجه عليه المعول)، أي: الاعتماد، لأنه تعالى لما بين أن أولئك المشركين المستهزئين لا يؤمنون بالكتاب ولا بالرسول حتى يروا العذاب الأليم حين لا تنفعهم الآيات، أتى بهذه الآية بياناً لاستحقاقهم العذاب والاستئصال، وأن يجعلوا نكالاً وعبرة لغيرهم كما جرت سنة الله تعالى في الأمم السالفة والقرون الخالية.
стр. 6022
الواو؛ لأن الجملة صفة لـ (قَرْيَةٍ)، وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف كما في قوله: (سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) [الكهف: ٢٢].
[(وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ)].
كانوا يقولون: إنّ محمدا كاهن، وما يتنزل عليه من جنس ما يتنزل به الشياطين على الكهنة، فكذبوا بأنّ ذلك مما لا يتسهل للشياطين ولا يقدرون عليه، لأنهم مرجومون بالشهب معزولون عن استماع كلام أهل السماء. وقرأ الحسن: (الشياطون)، ووجهه: أنه رأى آخره كآخر يبرين وفلسطين، فتخير بين أن يجري الإعراب على النون، وبين أن يجريه على ما قبله، فيقول: الشياطين والشياطون، كما تخيرت العرب بين أن يقولوا. هذه يبرون ويبرين. وفلسطون وفلسطين. وحقه أن تشتقه من الشيطوطة؛ وهي الهلاك،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف)، يعني: ليس افتقار القرية في إهلاكها إلى بعثة الرسول لإلزام الحجة، كافتقارها إلى سبق التقدير، وضرب الأجل، وكم من قريةٍ أهلكت ولم يصل إليها نذيرٌ، نعم، قد يصل إليها إنذارهم.
وقد اعترض صاحب "الفرائد" ومنع صحة دخول الواو بين الصفة والموصوف، وجوابه ما سبق في "الكهف".
قوله: (أن تشتقه من الشيطوطة)، عن بعضهم، أو من شاط، أي: احترق من نار الغضب، وبعضهم جعل نونه أصليةً، قال أمية بن أبي الصلت في وصف سليمان:
أيما شاطنٍ عصاه عكاه … ثم يلقى في السجن والأغلال
عكاه: قيده
стр. 6023
كما قيل له الباطل. وعن الفرّاء: غلط الشيخ في قراءته: (الشياطون)، ظنّ أنها النون التي على هجاءين، فقال النضر بن شميل: إن جاز أن يحتج بقول العجاج ورؤبة، فهلا جاز أن يحتجّ بقول الحسن وصاحبه! - يريد: محمد ابن السميقع - مع أنا نعلم أنهما لم يقرءا به إلا وقد سمعا فيه!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (النون التي على هجاءين)، وفي الحاشية: الكوفيون يسمون جمع السلامة الجمع على هجاءين، أي: ظن أن النون هي النون التي تجيء بعد واو الجمع ويائه. وقال الزجاج: وقرأ الحسن: "وما تنزلت به الشياطون"، وهو غلطٌ عند النحويين، ومخالفٌ للمصحف والقراء.
وقال ابن جني بعد إطنابه في تصحيح هذه القراءة: وعلى كل حال، فـ "الشياطون" غلط.
وقلت: والعجب من المصنف كيف قام على ساق جده في التمحل لهذه القراءة التي ليست تثبت لا روايةً ولا دراية، ويقول: "مع أنا نعلم أنهما لم يقرءا به إلا وقد سمعا فيه"، ويتقاعد إذا سمع من الأئمة المشاهير وأعلام المسلمين أدنى خلاف، كابن عامرٍ وحمزة، لاسيما في هذه السورة في "ليكة" عن الحرميين وابن عامر.
قوله: (فقال النضر بن شميل)، قال ابن الأنباري: هو أخذ العلم عن الخليل وعن فصحاء العرب، وأخذ عنه أبو عبيدٍ القاسم بن سلام، وصنف كتباً.
قوله: (بقول العجاج)، هو: عجاج بن رؤبة الراجز السعدي من بني سعد بن تميم.
стр. 6024
[(فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)].
قد علم أنّ ذلك لا يكون، ولكنه أراد أن يحرّك منه؛ لازدياد الإخلاص والتقوى.
وفيه لطف لسائر المكلفين، كما قال: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ) [الحاقة: ٤٤]، (فَإن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إلَيْكَ) [يونس: ٩٤]. فيه وجهان: أحدهما أن يؤمر بإنذار الأقرب فالأقرب من قومه، ويبدأ في ذلك بمن هو أولى بالبداءة، ثم بمن يليه. وأن يقدّم إنذارهم على إنذار غيرهم، كما روي عنه ﵇: أنه لما دخل مكة قال: "كل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأوّل ما أضعه ربا العباس". والثاني: أن يؤمر بأن لا يأخذه ما يأخذ القريب للقريب من العطف والرأفة، ولا يحابيهم في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كل رباً في الجاهلية موضوع)، روينا عن الترمذي وابن مجاه والدرامي، عن عمرو بن الأحوص، سمعت رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "ألا أن كل رباً في الجاهلية موضوعٌ، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون".
وعن ابن ماجه والدرامي عن عمر بن الخطاب: أن آخر ما نزل آية الربا. وكذا عن البخاري عن ابن عباس.
قوله: (تحت قدمي)، أي: مهدرٌ. يقول الموادع لصاحبه: اجعل ما سلف تحت قدميك: طأه واقمعه.
قوله: (أن يؤمر بأن لا يأخذه ما يأخذ القريب)، الفرق أن "أفعل" على الأول على بابه، وعلى هذا لمجرد الزيادة، ولذلك قال في الأول: "الأقرب فالأقرب"، وفي الثاني: "القريب للقريب".
стр. 6025
الإنذار والتخويف. وروي: أنه صعد الصفا لما نزلت، فنادى الأقرب فالأقرب فخذا فخذا، وقال: "يا بنى عبد المطلب، يا بنى هاشم، يا بنى عبد مناف، يا عباس عمّ النبي يا صفية عمة رسول الله، إني لا أملك لكم من الله شيئا، سلوني من مالى ما شئتم".
وروي: أنه جمع بني عبد المطلب- وهم يومئذ أربعون رجلا: الرجل منهم يأكل الجذعة، ويشرب العس- على رجل شاة وقعب من لبن، فأكلوا وشربوا حتى صدروا، ثم أنذرهم فقال: "يا بني عبد المطلب، لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدّقى؟ " قالوا: نعم. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".
وروي: أنه قال: "يا بني عبد المطلب، يا بني هاشم، يا بني عبد مناف، افتدوا أنفسكم من النار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وروي: أنه صعد الصفا)، الحديث مرويٌ عن الأئمة مع اختلافٍ كثير، وأما حديث جمع بني عبد المطلب قد ذكره أحمد بن حنبلٍ في "مسنده" مع اختلافٍ أيضاً. وأما ذكر عائشة وحفصة في الرواية الأخيرة فيتوهم أنهما كانتا زوجين لرسول الله ﷺ حينئذٍ، وليس كذلك، فإنه صلوات الله وسلامه عليه تزوج بهما بعد قدومه المدينة.
قوله: (يا عباس عم النبي ﷺ )، ترقى في القريب من العم وإلى العمة في الأشخاص، كما ترقى من بني عبد المطلب إلى بني منافٍ في القبيلة.
قوله: (ويشرب العس)، الجوهري: العس: القدح العظيم، والرفد أكبر منه. والقصب: قدحٌ صغير. و"على رجل": متعلقٌ بـ "جمع".
следующие страницы →