← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

[(وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ)]. (مُنْذِرُونَ) رسل ينذرونهم (ذِكْرى) منصوبة بمعنى تذكرة، إمّا لأن "أنذَرَ"، و "ذكَّر" متقاربان، فكأنه قيل: مذكرون تذكرة. وإمّا لأنها حال من الضمير في (مُنذِرُونَ)، أي: ينذرونهم ذوي تذكرة. وإمّا لأنها مفعول له، على معنى: أنهم ينذرون لأجل الموعظة والتذكرة. أو مرفوعة على أنها خبر مبتدإ محذوف، بمعنى: هذه ذكرى. والجملة اعتراضية. أو صفة بمعنى: منذرون ذوو ذكرى. أو جعلوا ذكرى، لإمعانهم في التذكرة وإطنابهم فيها. ووجه آخر: وهو أن تكون (ذِكْرَى) متعلقة بـ (أَهْلَكْنَا) مفعولا له. والمعنى: وما أهلكنا من أهل قرية ظالمين إلا بعد ما ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم، ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، فلا يعصوا مثل عصيانهم، (وَما كُنَّا ظالِمِينَ) فنهلك قوما غير ظالمين. وهذا الوجه عليه المعوّل. فإن قلت: كيف عزلت الواو عن الجملة بعد (إلَّا) ولم تعزل عنها في قوله: (وَمَا أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ) [الحجر: ٤]؟ قلت: الأصل عزل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لإمعانهم في التذكرة)، أي: مبالغتهم، كقولك: رجلٌ عدلٌ، ويقال: أمعن الفرس: تباعد في عدوه، وأمعن في السير: أبعد وأسرع. قوله: (تذكرةً وعبرةً لغيرهم)، الجوهري: العبرة: الاسم من الاعتبار. وعن بعضهم: العبرة: الحالة التي يعبر بها من منزلة الجهل إلى مرتبة العلم، ولهذا سمي القياس عبرة، ومنه العبارة والعبرة. قوله: (وهذا الوجه عليه المعول)، أي: الاعتماد، لأنه تعالى لما بين أن أولئك المشركين المستهزئين لا يؤمنون بالكتاب ولا بالرسول حتى يروا العذاب الأليم حين لا تنفعهم الآيات، أتى بهذه الآية بياناً لاستحقاقهم العذاب والاستئصال، وأن يجعلوا نكالاً وعبرة لغيرهم كما جرت سنة الله تعالى في الأمم السالفة والقرون الخالية.

стр. 6022

الواو؛ لأن الجملة صفة لـ (قَرْيَةٍ)، وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف كما في قوله: (سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) [الكهف: ٢٢]. [(وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ)]. كانوا يقولون: إنّ محمدا كاهن، وما يتنزل عليه من جنس ما يتنزل به الشياطين على الكهنة، فكذبوا بأنّ ذلك مما لا يتسهل للشياطين ولا يقدرون عليه، لأنهم مرجومون بالشهب معزولون عن استماع كلام أهل السماء. وقرأ الحسن: (الشياطون)، ووجهه: أنه رأى آخره كآخر يبرين وفلسطين، فتخير بين أن يجري الإعراب على النون، وبين أن يجريه على ما قبله، فيقول: الشياطين والشياطون، كما تخيرت العرب بين أن يقولوا. هذه يبرون ويبرين. وفلسطون وفلسطين. وحقه أن تشتقه من الشيطوطة؛ وهي الهلاك، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف)، يعني: ليس افتقار القرية في إهلاكها إلى بعثة الرسول لإلزام الحجة، كافتقارها إلى سبق التقدير، وضرب الأجل، وكم من قريةٍ أهلكت ولم يصل إليها نذيرٌ، نعم، قد يصل إليها إنذارهم. وقد اعترض صاحب "الفرائد" ومنع صحة دخول الواو بين الصفة والموصوف، وجوابه ما سبق في "الكهف". قوله: (أن تشتقه من الشيطوطة)، عن بعضهم، أو من شاط، أي: احترق من نار الغضب، وبعضهم جعل نونه أصليةً، قال أمية بن أبي الصلت في وصف سليمان: أيما شاطنٍ عصاه عكاه … ثم يلقى في السجن والأغلال عكاه: قيده

стр. 6023

كما قيل له الباطل. وعن الفرّاء: غلط الشيخ في قراءته: (الشياطون)، ظنّ أنها النون التي على هجاءين، فقال النضر بن شميل: إن جاز أن يحتج بقول العجاج ورؤبة، فهلا جاز أن يحتجّ بقول الحسن وصاحبه! - يريد: محمد ابن السميقع - مع أنا نعلم أنهما لم يقرءا به إلا وقد سمعا فيه! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (النون التي على هجاءين)، وفي الحاشية: الكوفيون يسمون جمع السلامة الجمع على هجاءين، أي: ظن أن النون هي النون التي تجيء بعد واو الجمع ويائه. وقال الزجاج: وقرأ الحسن: "وما تنزلت به الشياطون"، وهو غلطٌ عند النحويين، ومخالفٌ للمصحف والقراء. وقال ابن جني بعد إطنابه في تصحيح هذه القراءة: وعلى كل حال، فـ "الشياطون" غلط. وقلت: والعجب من المصنف كيف قام على ساق جده في التمحل لهذه القراءة التي ليست تثبت لا روايةً ولا دراية، ويقول: "مع أنا نعلم أنهما لم يقرءا به إلا وقد سمعا فيه"، ويتقاعد إذا سمع من الأئمة المشاهير وأعلام المسلمين أدنى خلاف، كابن عامرٍ وحمزة، لاسيما في هذه السورة في "ليكة" عن الحرميين وابن عامر. قوله: (فقال النضر بن شميل)، قال ابن الأنباري: هو أخذ العلم عن الخليل وعن فصحاء العرب، وأخذ عنه أبو عبيدٍ القاسم بن سلام، وصنف كتباً. قوله: (بقول العجاج)، هو: عجاج بن رؤبة الراجز السعدي من بني سعد بن تميم.

стр. 6024

[(فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)]. قد علم أنّ ذلك لا يكون، ولكنه أراد أن يحرّك منه؛ لازدياد الإخلاص والتقوى. وفيه لطف لسائر المكلفين، كما قال: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ) [الحاقة: ٤٤]، (فَإن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إلَيْكَ) [يونس: ٩٤]. فيه وجهان: أحدهما أن يؤمر بإنذار الأقرب فالأقرب من قومه، ويبدأ في ذلك بمن هو أولى بالبداءة، ثم بمن يليه. وأن يقدّم إنذارهم على إنذار غيرهم، كما روي عنه ﵇: أنه لما دخل مكة قال: "كل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأوّل ما أضعه ربا العباس". والثاني: أن يؤمر بأن لا يأخذه ما يأخذ القريب للقريب من العطف والرأفة، ولا يحابيهم في ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كل رباً في الجاهلية موضوع)، روينا عن الترمذي وابن مجاه والدرامي، عن عمرو بن الأحوص، سمعت رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "ألا أن كل رباً في الجاهلية موضوعٌ، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون". وعن ابن ماجه والدرامي عن عمر بن الخطاب: أن آخر ما نزل آية الربا. وكذا عن البخاري عن ابن عباس. قوله: (تحت قدمي)، أي: مهدرٌ. يقول الموادع لصاحبه: اجعل ما سلف تحت قدميك: طأه واقمعه. قوله: (أن يؤمر بأن لا يأخذه ما يأخذ القريب)، الفرق أن "أفعل" على الأول على بابه، وعلى هذا لمجرد الزيادة، ولذلك قال في الأول: "الأقرب فالأقرب"، وفي الثاني: "القريب للقريب".

стр. 6025

الإنذار والتخويف. وروي: أنه صعد الصفا لما نزلت، فنادى الأقرب فالأقرب فخذا فخذا، وقال: "يا بنى عبد المطلب، يا بنى هاشم، يا بنى عبد مناف، يا عباس عمّ النبي يا صفية عمة رسول الله، إني لا أملك لكم من الله شيئا، سلوني من مالى ما شئتم". وروي: أنه جمع بني عبد المطلب- وهم يومئذ أربعون رجلا: الرجل منهم يأكل الجذعة، ويشرب العس- على رجل شاة وقعب من لبن، فأكلوا وشربوا حتى صدروا، ثم أنذرهم فقال: "يا بني عبد المطلب، لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدّقى؟ " قالوا: نعم. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". وروي: أنه قال: "يا بني عبد المطلب، يا بني هاشم، يا بني عبد مناف، افتدوا أنفسكم من النار ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وروي: أنه صعد الصفا)، الحديث مرويٌ عن الأئمة مع اختلافٍ كثير، وأما حديث جمع بني عبد المطلب قد ذكره أحمد بن حنبلٍ في "مسنده" مع اختلافٍ أيضاً. وأما ذكر عائشة وحفصة في الرواية الأخيرة فيتوهم أنهما كانتا زوجين لرسول الله ﷺ حينئذٍ، وليس كذلك، فإنه صلوات الله وسلامه عليه تزوج بهما بعد قدومه المدينة. قوله: (يا عباس عم النبي ﷺ )، ترقى في القريب من العم وإلى العمة في الأشخاص، كما ترقى من بني عبد المطلب إلى بني منافٍ في القبيلة. قوله: (ويشرب العس)، الجوهري: العس: القدح العظيم، والرفد أكبر منه. والقصب: قدحٌ صغير. و"على رجل": متعلقٌ بـ "جمع".

стр. 6026

فإني لا أغني عنكم شيئا"، ثم قال: "يا عائشة بنت أبي بكر، ويا حفصة بنت عمر، ويا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمة محمد، اشترين أنفسكنّ من النار فإني لا أغني عنكنّ شيئا". [(وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ)]. الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه، فجعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلا في التواضع ولين الجانب. ومنه قول بعضهم: وأنت الشّهير بخفض الجناح … فلا تك في رفعه أجدلا ينهاه عن التكبر بعد التواضع. فإن قلت: المتبعون للرسول هم المؤمنون، والمؤمنون ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فإني لا أغني عنكم)، أي: لا أدفع، قال تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١]. قوله: (مثلاً)، أي: صارت الاستعارة التمثيلية لكثرة استعمالها مثلاً في التواضع، وبلغ مبلغ الأمثال السائرة. قوله: (وأنت الشهير)، أي: المشهور بالتواضع. الأجدل: الصقر، لجدالته، أي: قوته. قوله: (المتبعون للرسول هم المؤمنون)، توجيه السؤال أن قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ظاهراً غير صالح لأن يقع بياناً لقوله تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ﴾، لأن ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ لا إبهام فيه، ولا يحتمل غير المؤمنين.

стр. 6027

هم المتبعون للرسول، فما قوله: (لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)؟ قلت: فيه وجهان: أن يسميهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين؛ لمشارفتهم ذلك، وأن يريد بالمؤمنين المصدّقين بألسنتهم، وهم صنفان: صنف صدّق واتبع رسول الله فيما جاء به، وصنف ما وجد منه إلا التصديق فحسب، ثم إمّا أن يكونوا منافقين أو فاسقين، والمنافق والفاسق لا يخفض لهما الجناح. والمعنى: من المؤمنين من عشيرتك وغيرهم، يعني: أنذر قومك فإن اتبعوك وأطاعوك فاخفض لهم جناحك، فإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم ومن أعمالهم من الشرك بالله وغيره. [(وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ* الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ* وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ* إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)]. (وَتَوَكَّلْ) على الله يكفك شر من يعصيك منهم ومن غيرهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأجاب من وجهين: أن المؤمنين يراد بهم الذين لم يؤمنوا بعد، بل شارفوا لأن يؤمنوا، كالمؤلفة مجازاً باعتبار ما يؤول، وكان من اتبعك شائعاً فيمن آمن حقيقةً، ومن آمن مجازاً، فبين بقوله: ﴿مِنَ﴾ أن المراد بهم المشارفون، أي: تواضع لهؤلاء استمالةً وتأليفاً. وثانيهما: أن يراد بالمؤمنين: الذين قالوا: آمنا، وهم صنفان: صنفٌ صدق واتبع، وصنفٌ ما وجد منهم إلا التصديق، فقيل: من المؤمنين وأريد بعض الذين صدقوا واتبعوا، أي: تواضع لهم محبةً ومودةً، فـ "من"- على الأول: بيانٌ، وعلى الثاني: تبعيضٌ، وموقعه موقع البدل ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ﴾، والتقدير: واخفض جناحك لبعض المؤمنين، وهم الذين اتبعوك، ومن ثم فصلهم بقوله: "فإن اتبعوك وأطاعوك فاخفض لهم جناحك، فإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم". والذي هو أجرى على أفانين البلاغة أن يحمل الكلام على أسلوب وضع المظهر موضع المضمر، وأن الأصل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ منهم، فعدل إلى "المؤمنين"، ليعم وليؤذن أن صفة الإيمان هي التي تستحق أن يكرم صاحبها، ويتواضع لأجلها من اتصف بها، سواءٌ كان من عشيرتك أو من غيرهم.

стр. 6028

والتوكل: تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره ويقدر على نفعه وضره. وقالوا: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والتوكل: تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره ويقدر على نفعه وضره)، هذا موافقٌ لكلام الشيخ العارف الأنصاري: التوكل: كلة الأمر كله إلى مالكه، والتعويل على وكالته. لكن قوله الآخر: "المتوكل: من إن دهمه أمرٌ لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصيةٌ لله" من أحط مراتب التوكل وأدناها. وقال العارف: التوكل على ثلاث درجات، كلها تسير مسير العامة، الأولى: التوكل مع الطلب ومعاطاة السبب على نية شغل النفس ونفع الخلق وترك الدعوى. والثانية: التوكل مع إسقاط الطلب وغض العين عن السبب اجتهاداً في تصحيح التوكل، وقمع تشرف النفس، وتفرغاً لحفظ الواجبات. والثالثة: التوكل مع معرفة التوكل النازعة إلى الخلاص من علة التوكل، وهو أن يعلم أن ملكة الحق تعالى للأشياء ملكة عزةٍ لا يشاركه فيها مشار: ، فيكل شركته إليه، فإن من ضرورة العبودية أن يعلم العبد أن الحق هو مالك الأشياء وحده. وعنى بقوله: "مع معرفة التوكل النازعة إلى الخلاص من علة التوكل": أن يعلم أن الله تعالى لم يترك أمراً مهملاً، بل فرغ من الأشياء كلها وقدرها، وإن اختلف منها شيءٌ في العقول، أو تشوش في المحسوس، أو اضطراب في المعهود المدبر، وشأنه سوق المقادير إلى المواقيت، فالمتوكل: من أراح نفسه من كد النظر، ومطالعة السبب، سكوناً إلى ما سبق من القسمة مع استواء الحالين، وهو أن يعلم أن الطلب لا يجمع، والتوكل لا يمنع، ومتى طالع بتوكله عوضاً كان توكله مدخولاً، وقصده معلولاً، وإذا خلص من رق هذه الأسباب، ولم يلاحظ في توكله سوى خالص حق الله ، كفاه الله تعالى كل مهم. وإلى المرتبة الأولى الإشارة بترتب الأمر بالتوكل على وصف الرحيم، فإن من رحمته تعالى جعله صلوات الله وسلامه عليه سبباً لإرشاد الخلق: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً﴾

стр. 6029

المتوكل من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله، فعلى هذا إذا وقع الإنسان في محنة ثم سأل غيره خلاصه، لم يخرج من حد التوكل، لأنه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله. وفي مصاحف أهل المدينة والشام: (فتوكل)، وبه قرأ نافع وابن عامر، وله محملان في العطف: أن يعطف على (فَقُلْ) [الشعراء: ٢١٦]، أو (فَلا تَدْعُ) [الشعراء: ٢١٣]. (عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ): على الذي يقهر أعداءك بعزته وينصرك عليهم برحمته. ثم أتبع كونه رحيما على رسوله ما هو من أسباب الرحمة: وهو ذكر ما كان يفعله في جوف الليل من قيامه للتهجد، وتقلبه في تصفح أحوال المتهجدين من أصحابه، ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون، ويستبطن سر أمرهم، وكيف يعبدون الله، وكيف يعملون لآخرتهم، كما يحكى: أنه حين نسخ فرض قيام الليل، طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون؛ لحرصه عليهم وعلى ما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [الأنبياء: ١٠٧]، وإلى المرتبة الثانية الإشارة بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، أي: حين تتفرغ لأداء حفظ الواجبات، لأن في حفظ الواجبات تصحيح أمر التوكل، وفي الإخلاص فيها، بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، المومى إليك بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾، فمع تشرف النفس، وإلى الرتبة الثالثة الإشارة بقوله تعالى: ﴿الْعَزِيزِ﴾، كما قال العارف: "أن يعلم أن ملكة الحق تعالى للأشياء ملكة عزة، لا يشاركه فيها مشاركٌ". ولعل السر في تقديم هذا الاسم على الوصفين الأخيرين اقتضاء مقام التسلي عن المشاق اللاحقة من القوم إليه، لأن قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾، كأنه قيل: فإن لم ينتفعوا بإنذارك ولم ينجع فيهم وعظك تبرأ منهم، وكل أمرك وأمرهم إلى العزيز الغالب القاهر، واشتغل بدعوة من يقبل دعوتك، وبلغ إليهم ما أنزل إليك من الرحمة من ربك، واخفض جناحك لهم رحمةً، لأنك رحمةٌ مهداةٌ إلى الخلق، وتفرغ لعبادة ربك بالليل والنهار. قوله: (حين نسخ فرض قيام الليل)، أي: بقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠] أي: أسقط عنكم.

стр. 6030

يوجد منهم من فعل الطاعات وتكثير الحسنات، فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع منها من دندنتهم بذكر الله والتلاوة. والمراد بـ (السَّاجِدِينَ): المصلُّون. وقيل: معناه: يراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة. وتقلبه في الساجدين: تصرفه فيما بينهم بقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذا أمّهم. وعن مقاتل: أنه سأل أبا حنيفة ﵀: هل تجد الصلاة في الجماعة في القرآن؟ فقال: لا تَحضُرُني، فتلا له هذه الآية. ويحتمل أنه: لا يخفى عليه حالك كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في كفاية أمور الدين، (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ) لما تقوله (الْعَلِيمُ) بما تنويه وتعمله. وقيل: هو تقلب بصره فيمن يصلي خلفه، من قوله ﵇: «أتموا الركوع والسجود، فو الله إني لأراكم من خلف ظهري إذا ركعتم وسجدتم". وقرئ: (ويُقَلِّبُك). [(هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ* تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ)]. (كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ): هم الكهنة والمتنبئة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من دندنتهم)، في "الفائق": الدندنة: كلامٌ أرفع من الهينمة تردده في صدرك تسمع نغمته ولا يفهم. قوله: (قوله: إني لأراكم خلف ظهري)، روينا في "صحيح البخاري" عن أنسٍ، قال: أقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه، فقال: "أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري". وفي رواية أبي داود عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ كان يقول: "استووا، استووا، فو الذي نفسي بيده إني لأراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي".

стр. 6031

كشقّ، وسطيح، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كشق وسطيح)، وهما كاهنان، ومسيلمة وطليحة متنبيان. فأما شقٌ فهو ابن صعب بن رهم بن نذير بن بشير. وقصته- على ما رواه الشيخ أبو الوفاء المهدي بن محمدٍ البغدادي في كتاب "مقامات العلماء": أن ربيعة بن نصر اللخمي، من ملوك اليمن، رأى رؤيا هالته، فلم يدع كاهناً ولا ساحراً ولا منجماً من أهل مملكته إلا جمعهم إليه، ثم قال لهم: أخبروني بتأويل رؤيا رأيته، فقالوا: اقصص علينا نخبرك، فقال: لم يعرف تأويلها إلا من يعرفها قبل أن أخبره بها، فقال رجلٌ من أولئك القوم: إن كان الملك يريد هذا فليبعث على سطيح وشق، فأحضر الملك الشق، فقال الملك: أخبرني رؤياي: فإنك إن أصبتها تأويلها. قال: رأيت جمجمة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض تهامة فأكلت منها كل ذاتٍ جمجمة. قال له: ما أخطأت يا شق منها شيئاً، فما عندك في تأويلها؟ قال: أحلف بما بين الحرتين من إنسان لينزلن أرضكم السودان، فليغلبن على كل طفلة البنان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران. قال الملك: وأبيك يا شق، إن هذا لنا لغائظٌ موجع، فمتى هو كائنٌ، أفي زماني أم بعده؟ قال: بل بعده بزمان، ثم يستنقذكم منهم عظيمٌ ذو شأن، ويذيقهم اشد الهوان. قال: ومن هذا العظيم الشأن؟ قال: غلامٌ ليس بدنيٍّ ولا بذيء، يخرج من بيت ذي يزن، قال: فهل يدوم ملكه أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع برسولٍ مرسل يأتي بالحق والعدل من أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل. قال: وما يوم الفصل؟ قال: يومٌ تجزى فيه الولاة يدعى فيه من السماء بدعواتٍ يسمعها الأحياء والأموات، قال: أحقٌ ما تقول يا شق؟ قال: ورب السماء والأرض وما بينهما إن ما أنبأتك به لحقٌ، وكان قد قدم على الملك سطيحٌ قبله فأخبره بنحو ما أخبره شقٌ لا يختلف إلا في ألفاظٍ، منها: قوله: بل ينقطع، قال: ومن يقطع؟ قال: نبيٌ زكيٌ يأتيه الوحي من قبل العلي. قال: ومن هذا النبي؟ قال: رجلٌ من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر؟ يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر، قال: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم، يومٌ يجمع فيه الأولون والآخرون، ويسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون، قال: أحقٌ ما تخبرنا يا سطيح؟ قال: نعم، والشفق والغسق، والفلق إذا اتسق، إن ما نبأتك لحق، فلما فرغ الملك

стр. 6032

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من مسألتهما وقع في نفسه أن الذي قالا له كائنٌ من أمر الحبشة، فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق فسكنوا الحيرة، فمن بقية ربيعة بن نضرٍ كان النعمان بن المنذر. وأما سطيحٌ فهو ابن ربيعة بن عدي بن مسعود بن مازن، وحديثه على ما رواه ابن الجوزي في كتاب "الوفا"، قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجس إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفةً، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، ورأى الموبذان إبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادها، فأصبح كسرى فزعاً مما رأى، فتصبر تشجعاً، ثم رأى أن لا يكتم ذلك عن وزرائه ومرازبته، فلبس تاجه وقعد على سريره، وجمعهم إليه، فقال: أتدرون فيم بعثت إليكم؟ قالوا: لا، فبيناهم كذل ك إذ ورد خبر خمود النار، فازداد غماً إلى غمه، فقال: الموبذان: وأنا، أصلح الله تعالى الملك، قد رأيت في هذه الليلة، وقص عليه الرؤيا، فقال: ماذا يكون هذا يا موبذان؟ قال: حادثٌ يكون من عند العرب، فكتب كسرى إلى النعمان: أما بعد، فوجه إلى رجلاً عالماً بما أريد أن أسأله، فوجه إليه عبد المسيح الغساني، فلما قدم عليه قال: هل عندك علمٌ بما أريد أن أسالك عنه؟ فقال: ليخبرني الملك، فإن كان عندي منه علمٌ أخبرته، وإلا أخبرته بمن يعلمه، فأخبره بما رأى، فقال: علم ذلك عند خالٍ لي يسكن مشارف الشام يقال له: سطيح، قال: فأته فاسأله عما سألتك عنه وائتني بجوابه، فركب عبد المسيح راحلته حتى قدم على سطيح وقد أشفى على الموت، فسلم عليه وحياه فلم يحر جواباً، فأنشد أبياتاً، فلما سمع سطيحٌ شعره رفع رأسه، وقال: عبد المسيح على جملٍ مشيح، جاء إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح بعثك ملك ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، وذكرها بعينها ثم قال: يا عبد المسيح، إذا كثرت التلاوة، وبعث صاحب الهراوة، وفاض وادي سماوة، وغاصت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليست الشام لسطيح شاماً، يملك منهم ملوكٌ وملكات، على عدد الشرفات، وكل ما هو آتٍ آت، ثم قضى سطيحٌ مكانه، فلما قدم عبد المسيح على كسرى أخبره بقول سطيح، فقال:

стр. 6033

ومسيلمة، وطليحة (يُلْقُونَ السَّمْعَ): هم الشياطين، كانوا قبل أن يحجبوا بالرجم يسمعون إلى الملإ الأعلى فيختطفون بعض ما يتكلمون به مما اطلعوا عليه من الغيوب، ثم يوحون به إلى أوليائهم من أولئك (وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ) فيما يوحون به إليهم، لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا. وقيل: يلقون إلى أوليائهم السمع أي: المسموع من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إلى أن يملك منا أربعة عشر قد كانت أمورٌ. فملك منهم عشرةٌ أربع سنين، وملك باقون إلى خلافه عثمان رضي الله تعالى عنه. وأما طليحة فقد روى محيي السنة: هو طليحة بن خويلد بن الوليد، وكان طليحة آخر من ارتد وادعى النبوة في حياة النبي ﷺ ، وأول من قتل بعد وفاة النبي ﷺ من أهل الردة، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد إليه فهزمهم بعد قتال شديد، وأفلت طليحة، فمر على وجهه هارباً نحو الشام. ثم إنه أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه. وأما مسيلمة فقد روى أيضاً محيي السنة أنه قال: اسمه ثمامة بن قيس، وكان قد تنبأ في حياة النبي ﷺ في آخر سنة عشر، وزعم أنه اشترك مع النبي ﷺ في النبوة، وكتب: من مسيلمة رسول الله إلى محمدٍ رسول الله، أما بعد: إن الأرض نصفها لي، ونصفها لك، فأجاب صلوات الله وسلامه عليه: "من محمدٍ رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين". فبعث أبو بكرٍ ﵁ بعد وفاة النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى مسيلمة في جيشٍ كثير حتى أهلكه الله تعالى على يد وحشي، وكان وحشيٌ يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية، وشر الناس في الإسلام، والله تعالى أعلم.

стр. 6034

الملائكة. وقيل: الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون وحيهم إليهم. أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس، وأكثر الأفاكين كاذبون يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم، وترى أكثر ما يحكمون به باطلا وزورا. وفي الحديث: "الكلمة يخطفها الجنىّ فيقرّها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة". والقرّ: الصبّ. فإن قلت: كيف دخل حرف الجرّ على "مَن" المتضمنة لمعنى الاستفهام، والاستفهام له صدر الكلام؟ ألا ترى إلى قولك: أعلى زيد مررت؟ ولا تقول: على أزيد مررت؟ قلت: ليس معنى التضمن أن الاسم دل على معنيين معا: معنى الاسم، ومعنى الحرف، وإنما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الكلمة يحفظها- ويروى: يخطفها- الجني)، الحديث من رواية البخاري ومسلم، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: سأل ناسٌ رسول الله ﷺ عن الكهان، فقال لهم: "ليسوا بشيء". قالوا: يا رسول الله، ف إنهم يحدثون أحياناً بالشيء يكون حقاً، فقال رسول الله ﷺ : "تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مئة كذبة. النهاية: الخطف: استلاب الشيء وأخذه بسرعة، ومنه حديث الجن: يخطفون السمع، أي: يسترقونه ويستلبونه. والقر: ترديدك الكلام في أذن المخاطب حتى يفهمه، تقول: قررته فيه أقره قراً، وقر الدجاجة: صوتها إذا قطعته. وفي حديث: "فيأتي بها إلى الكاهن فيقرها في أذنه كما تقر القارورة، إذا أفرغ فيها". وهذا المعنى هو الذي عناه المصنف بقوله: "والقر: الصب".

стр. 6035

معناه: أن الأصل أمن، فحذف حرف الاستفهام واستمرّ الاستعمال على حذفه، كما حذف من "هل"، والأصل: أهل. قال: أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم؟ فإذا أدخلت حرف الجرّ على "مَن" فقدّر الهمزة قبل حرف الجرّ في ضميرك، كأنك تقول: أعلى من تنزّل الشياطين، كقولك: أعلى زيد مررت. فإن قلت: (يُلْقُونَ) ما محله؟ قلت: يجوز أن يكون في محل النصب على الحال، أي: تنزل ملقين السمع، وفي محل الجرّ صفة لـ (كُلِّ أَفَّاكٍ)، لأنه في معنى الجمع، وأن لا يكون له محل بأن يستأنف، كأن قائلا قال: لم تنزل على الأفاكين؟ فقيل: يفعلون كيت وكيت. فإن قلت: كيف قيل: (وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ) بعد ما قضي عليهم أن كل واحد منهم أفاك؟ قلت: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم؟ )، أوله: سائل فوارس يربوع بشدتنا يربوعٌ: أبو حيٍّ من تميم، بشدتنا، بفتح الشين: حملتنا وصدمتنا. وقد شد عليه في الحرب يشد شداً، ويروى بكسرها، أي: قوتنا، وسفح الجبل: أسفله، والقاع: المستوي من الأرض، والأكمة: التل، والجمع: آكامٌ وأكمٌ، ولا يجوز أن يجعل "هل" للاستفهام، لأن حرف الاستفهام لا يدخل على حرف الاستفهام. قوله: (فإذا أدخلت حرف الجر على "من" فقدر الهمزة قبل حرف الجر)، قال صاحب "الفرائد": يشكل ما ذكر بقولهم: من أين أنت ومن أين جئت؟ وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، وقولهم: فيم، وبم، ومم، وحتام، ونحوها. ويمكن أن يقال: لا اعتبار لتقدم حرف الجر، وقولهم: له صدر الكلام المراد: تقدمه على ما كان، وكذا في الكلام، كقولك: أين زيدٌ، لا يجوز أن تقول: زيدٌ أين، أو مفعولاً من المفاعيل، كقولك: أزيداً ضربت، ولا تقول: ضربت زيداً، ولا: ضربت متى، ولا: ضربت أين؟

стр. 6036

الأفاكون هم الذين يكثرون الإفك، ولا يدل ذلك على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قلّ من يصدق منهم فيما يحكي عن الجني، وأكثرهم مفتر عليه. فإن قلت: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ) [الشعراء: ١٩٢]، (وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ) [الشعراء: ٢١٠]، (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ) لم فرق بينهنّ وهنّ أخوات؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا يدل ذلك على أنهم لا ينطقون إلا بالكذب)، يريد أن "فعالاً" فيه دلالةٌ على التكثير لا الاستغراق، فنبه أولاً بقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ على أن الشياطين ينزلون على من دأبه الإفك والكذب. ثم بين ثانياً بقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ على أن أكثر هؤلاء الأفاكين بناءً على دأبهم وعادتهم يفترون على الشياطين فيما يتلقون منهم، لأنهم يزيدون على ما يسمعون كما سبق في حديث عائشة ﵂، فيخلطون فيها أكثر من مئة كذبة. ويجوز أن يرجع الضمير في "أكثرهم" إلى الشياطين، والحديث يحتمله أيضاً، قال القاضي: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ فيما يوحون به إليهم، أو يسمعونهم لا على وجه ما تكلمت به الملائكة ﵈، لشرارتهم، أو لقصور فهمهم. قوله: (لم فرق بينهن وهن أخواتٌ)، يعني: أن هذه الآيات الثلاث نازلةٌ في شأن القرآن، وفيما ينبغي أن يقال فيه وما لا ينبغي، فلم لم تجئ على نسقٍ واحدٍ ولم يقل: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾، فإنها واردةٌ على وتيرةٍ واحدة؟ ولم فرق بينهن بآياتٍ متباعدة المعاني؟ وحاصل المعنى: أنها كالتراجيع للمعاني التي تخللت بينهن، فإن قوله تعالى: ﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كالترجيع من قصص الأنبياء ﵈ إلى ما بدئ منه في فاتحة السورة من ذكر الكتاب وتكذيب القوم له. وقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ مذكورٌ بعد إهلاك القرى المنذرة. وقوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ مسوقٌ بعد النهي عن إدعاء غير الله

стр. 6037

قلت: أريد التفريق بينهنّ بآيات ليست في معناهنّ، ليرجع إلى المجيء بهنّ وتطرية ذكر ما فيهنّ كرّة بعد كرّة: فيدل بذلك على أن المعنى الذي نزلن فيه من المعاني التي اشتدت كراهة الله لخلافها. ومثاله: أن يحدّث الرجل بحديث وفي صدره اهتمام بشيء منه وفضل عناية، فتراه يعيد ذكره ولا ينفك عن الرجوع إليه. [(والشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ)]. (وَالشُّعَراءُ) مبتدأ. و (يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ) خبره: ومعناه: أنه لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وفضول قولهم وما هم عليه من الهجاء وتمزيق الأعراض، والقدح ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تعالى إلهاً، وكل هذه الآيات متدانية المعاني في نفسها، لكنها تبعد مناسبتها ظاهراً عن معنى تلك الآيات الثلاث، والترجيع كما علم يستدعي شدة الاتصال بما رجع به إليها، فدل ذلك على شدة الكراهية لما نزلت الآيات فيه، وهو إنكار قريش أن القرآن ليس من عند الله، وأنه من جنس ما كان ينزل على الكهنة والشعراء. وروي عن المصنف: أن العبارة المتداولة في قولنا: اشتدت كراهة الله تعالى لخلافها، أي: لأجل خلافها اشتدت العناية بذكره، فاحترز عنها في حق الله تعالى. قوله: (وتطرية ذكر)، تطرية السيف: محادثته بالصقل وتعهده به، قال زهيرٌ: أحادثه بصقلٍ كل يوم … وأعجمه بهامات الرجال قوله: (أن يحدث الرجل بحديث، وفي صدره اهتمامٌ بشيءٍ منه وفضل عناية، فتراه يعيد ذكره ولا ينفك عن الرجوع إليه)، وقلت: هذا المعنى هو الذي اعتمدنا عليه في أكثر ما تصدينا لنظم السور، فليكن على ذكرٍ منك، والله تعالى أعلم. قوله: (ومعناه: أنه لا يتبعهم على باطلهم … إلا الغاوون)، هذا الحصر يفيده بناء

стр. 6038

في الأنساب، والنسيب بالحرم والغزل، والابتهار، ومدح من لا يستحق المدح، ولا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ﴿يَتَّبِعُهُمُ﴾ على "الشعراء" على تقوي الحكم، واللام في "الشعراء" و ﴿الْغَاوُونَ﴾: للجنس، فإن مثل هذا التركيب عند المؤلف يفيد الاختصاص. وقال في المزمل في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [المزمل: ٢٠]: "وتقديم اسمه مبتدأ مبنياً عليه، يقدر: هو الدال على معنى الاختصاص بالتقدير" وقد سبق مراراً ويعضده قراءة عيسى بن عمر: "الشعراء" بالنصب على شريطة التفسير، فإنها تدل على التكرير والتأكيد، وربما دل على التخصيص لتقدير العامل بعد المنصوب، وإلى معنى هذا الحصر ينظر قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، ومن ثم ناسب أن يعقب بهذه الآية قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾، لأنه حديث أمر الوحي كما سبق، وجل منصب الرسالة عن الشعر، وعظم منزلة أمته من الغواية، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. قوله: (والنسب بالحرم والغزل)، الجوهري: نسب الشاعر بالمرأة، ينسب- بالكسر- نسيباً: إذا شبب بها، ومغازلةً النساء: محادثتهن ومراودتهن، تقول: غازلتها وغازلتني، والاسم الغزل. وحرمة الرجل: أهله، والحرم: النساء، قال: والموت أكرم نزالٍ على الحرم قوله: (والابتهار)، الجوهري: الابتهار: ادعاء الشيء كذباً، قال: وما بي أن مدحتهم ابتهار وابتهر فلانٌ بفلانة: اشتهر بها.

стр. 6039

يستحسن ذلك منهم ولا يطرب على قولهم إلا الغاوون والسفهاء والشطار. وقيل: الغاوون: الراوون. وقيل: الشياطين، وقيل: هم شعراء قريش: عبد الله بن الزبعرى، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، ومسافع بن عبد مناف، وأبو عزة الجمحىّ. ومن ثقيف: أمية ابن أبي الصلت. قالوا: نحن نقول مثل قول محمد - وكانوا يهجونه، ويجتمع إليهم الأعراب من قومهم يستمعون أشعارهم وأهاجيهم. وقرأ عيسى بن عمر: (والشعراء) بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر. قال أبو عبيد: كان الغالب عليه حبّ النصب. قرأ: (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) [المسد: ٤]، (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) [المائدة: ٣٨]، و (سُورَةٌ أَنْزَلْناها) [النور: ١]. وقرئ: (يَتْبَعُهم) على التخفيف. و (يَتَّبِعْهم) بسكون العين تشبيها لـ "بَعُهَ" بـ "عَضُد". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلا الغاوون والسفهاء)، قال: الزجاج: يتبعهم الغاوون من الناس، فإذا هجا الشاعر بما لا يجوز، هوي قومٌ ذلك فأحبوه، وإذا مدح بما ليس في الممدوح أحب ذلك قومٌ وتابعوه، فهم الغاوون. قوله: (الغاوون: الراوون)، روى محيي السنة: الغاوون هم الرواة الذين يروون هجاء المسلمين. قله: (وقرئ: "يتبعهم" على التخفيف)، نافع: "يتبعهم" بتخفيف التاء وفتح الباء، والباقون: بفتح التاء وتشديدها وكسر الباء. قوله: (تشبيهاً لـ "بعه")، بفتح الباء أو كسرها وضم العين، حكايةً لبعض حروف يتبعهم. ويروى عن المصنف أنه قال: لما غيروا الضمة في "عضد" واقعةً بعد الفتحة، فلأن يغيروها واقعةً بعد الكسرة أولى.

стр. 6040

ذكر الوادي والهيوم: فيه تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول واعتسافهم وقلة مبالاتهم بالغلو في المنطق ومجاوزة حدّ القصد فيه، حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة، وأشحهم على حاتم، وأن يبهتوا البرىّ، ويفسقوا التقي. وعن الفرزدق: أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله: فبتن بجانبىّ مصرّعات … وبت أفض أغلاق الختام فقال: قد وجب عليك الحدّ، فقال: يا أمير المؤمنين قد درأ الله عني الحدّ بقوله: (وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ). [(إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)]. استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله وتلاوة القرآن، وكان ذلك أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا شعرا قالوه في توحيد الله والثناء عليه، والحكمة والموعظة، والزهد والآداب الحسنة، ومدح رسول الله ﷺ والصحابة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ذكر الوادي والهيوم فيه تمثيلٌ لذهابهم في كل شعبٍ من القول)، قال القاضي: وذلك أن أكثر مقدماتهم خيالاتٌ لا حقيقة لها، وأكثر كلماتهم في النسيب والابتهار وتمزيق الأعراض والوعد الكاذب والافتخار بالباطل. قوله: (فبتن بجانبي)، البيت، أوله: دفعن إلي لم يطمثن قبلي … وهن أصح من بيض النعام ثلاثٌ واثنتان فهن خمسٌ … وسادسةٌ تميل إلى شمام طمث الجارية، أي: افتضها.

стр. 6041

وصلحاء الأمة، وما لا بأس به من المعاني التي لا يتلطخون فيها بذنب ولا يتلبسون بشائنة ولا منقصة، وكان هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم. قال الله تعالى: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) [النساء: ١٤٨]، وذلك من غير اعتداء ولا زيادة على ما هو جواب لقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) [البقرة: ١٩٤]. وعن عمرو بن عبيد ﵀: أن رجلا من العلوية قال له: إن صدري ليجيش بالشعر، فقال: فما يمنعك منه فيما لا بأس به؟ والقول فيه: أن الشعر باب من الكلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام. وقيل: المراد بالمستثنين: عبد الله بن رواحة، وحسان ابن ثابت، والذين كانوا ينافحون عن رسول الله ﷺ ويكافحون هجاة قريش. وعن كعب بن مالك أنّ رسول الله ﷺ قال له: "اهجهم، فو الذي نفسي بيده لهو أشدّ عليهم من النبل"، وكان يقول لحسان: "قل وروح القدس معك". ختم السورة بآية ناطقة بما لا شيء أهيب منه وأهول، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ينافحون)، بالحاء المهملة. النهاية: في الحديث: "نافح عني"، أي: دافع عني، والمنافحة والمكافحة: المدافعة. يريد بمنافحته: هجاء المشركين ومجاوبتهم عن أشعارهم. قوله: (وعن كعب بن مالكٍ)، روي في "شرح السنة" عن كعب بن مالك، عن النبي ﷺ ، قال: "إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم به نضح النبل. قوله: (قل وروح القدس معك)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ : "إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول الله ﷺ .

стр. 6042

ولا أنكى لقلوب المتأمّلين ولا أصدع لأكباد المتدبرين، وذلك قوله: (وَسَيَعْلَمُ) وما فيه من الوعيد البليغ، وقوله: (الَّذِينَ ظَلَمُوا) وإطلاقه. وقوله: (أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) وإبهامه، وقد تلاها أبو بكر لعمر ﵄ حين عهد إليه، وكان السلف الصالح يتواعظون بها ويتناذرون شدّتها. وتفسير الظلم بالكفر تعليل، ولأن تخاف فتبلغ الأمن خير من أن تأمن فتبلغ الخوف. وقرأ ابن عباس: (أي منفلت ينفلتون) ومعناها: إن الذين ظلموا يطمعون ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا أنكى)، النهاية: يقال: نكيت في العدو أنكى نكايةً، إذا أكثرت فيه الجراح والقتل، فوهنوا لذلك، وقد يهمز، يقال: نكأت القرحة أنكأها: إذا قشرتها. قوله: (وقد تلاها أبو بكر لعمر حين عهد إليه)، روي أنه لما أيس أبو بكرٍ من حياته استكتب عثمان ﵁ كتاب العهد: هذا ما عهد ابن أبي قحافة إلى المؤمنين في الحال التي يؤمن فيه الكافر، ثم قال بعدما غشي عليه وأفاق: إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن عدل فذلك ظني فيه، وإن لم يعدل فسيعلم الذين ظلموا. قوله: (ويتناذرون)، بالذال المعجمة. الأساس: هو نذيرة القوم: طليعتهم الذي ينذرهم العدو، وتناذروا: خوف بعضهم بعضاً، قال النابعة: تناذرها الراقون من سوء سمها قوله: (وتفسير الظلم بالكفر تعليلٌ)، يعني: أن الذي فسر قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالذين كفروا يتعلل بـ "عسى"، ولعله يريد أهل السنة لأنه يسميهم المرجئة، كما أنهم يسمونهم بالوعيدية، ويقال: وعلله بالشيء، أي: لهاه به، كما يعلل الصبي بشيءٍ من الطعام يتجزأ به من اللبن، يقال: فلانٌ يعلل نفسه بتعلة، وتعلل به، أي: تلهى وتجزأ، يريد: أن تفسير الظلم بالكفر ليس بجيد، لأدائه إلى سهولة أمر الظالم.

стр. 6043

أن ينفلتوا من عذاب الله، وسيعلمون أن ليس لهم وجه من وجوه الانفلات؛ وهو النجاة: اللهم اجعلنا ممن جعل هذه الآية بين عينيه فلم يغفل عنها، وعلم أن من عمل سيئة فهو من الذين ظلموا، والله أعلم بالصواب. قال رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة الشعراء كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح وكذب به وهود وشعيب وصالح وإبراهيم وبعدد من كذب بعيسى وصدق بمحمد". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: سياق الآية بعد ذكر المشركين الذين آذوا رسول الله ﷺ ، وما لقي منهم من الشدائد كما مر في أول السورة يؤيد قول أهل السنة، وروى محيي السنة: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أشركوا وهجوا رسول الله ﷺ . وقال الإمام: إنه تعالى لما ذكر في هذه السورة ما يزيل الحزن عن قلب رسول الله ﷺ من الدلائل ومن أخبار الأنبياء ﵈، ثم ذكر مقالات المشركين في تسميته تارةً بالكاهن، وأخرى بالشاعر، بين الفرق بينه وبين الكاهن، ثم بينه وبين الشاعر، ثم ختم السورة بهذا التهديد العظيم. والله تعالى أعلم. تمت السورة حامداً لله ومصلياً على رسوله * * *

стр. 6044

سورة النمل مكية وهي ثلاث وتسعون آية، وقيل أربع وتسعون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ* هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)]. (طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ) قرئ بالتفخيم والإمالة، و (تِلْكَ) إشارة إلى آيات السورة والكتاب المبين: إما اللوح، وإبانته: أنه قد خط فيه كل ما هو كائن؛ فهو يبينه للناظرين فيه إبانة. وإما السورة. وإما القرآن، وإبانتهما: أنهما يبينان ما أودعاه من العلوم والحكم والشرائع، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة النمل مكيةٌ، وهي ثلاثٌ وتسعون آيةً، وقيل: أربعٌ وتسعون آيةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (﴿طس﴾ قرئ بالتفخيم والإمالة)، أبو بكرٍ وحمزة والكسائي: بالإمالة، والباقون: بالتفخيم.

стр. 6045

وأنّ إعجازهما ظاهر مكشوف، وإضافة الآيات إلى القرآن والكتاب المبين: على سبيل التفخيم لها والتعظيم، لأنّ المضاف إلى العظيم يعظم بالإضافة إليه. فإن قلت: لم نكر الكتاب المبين؟ قلت: ليبهم بالتنكير فيكون أفخم له، كقوله تعالى: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر: ٥٥]. فإن قلت: ما وجه عطفه على القرآن إذا أريد به القرآن؟ قلت: كما تعطف إحدى الصفتين على الأخرى في نحو قولك: هذا فعل السخي والجواد الكريم، لأنّ القرآن هو المنزل المبارك المصدّق لما بين يديه، فكان حكمه حكم الصفات المستقلة بالمدح، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأن إعجازهما ظاهرٌ مكشوفٌ)، قبل قوله: "أنههما يبينان" مبنيٌ على أن "أبان" بمعنى: أظهر. وقوله: "ظاهرٌ مكشوفٌ" على أنه بمعنى: بان وظهر. وقلت: إذن يلزم استعمال اللفظ الواحد في كلتا لغتيه: المتعدي واللازم، إلا أن يقال: إن الواو بمعنى "أو". والظاهر أن دلالة ﴿مُبِينٍ﴾ على الثاني بطريق اللزوم، فإن الشيء إذا كان مظهراً الجميع العلوم الفائقة، ينبغي أن يكون ظاهرًا في الإعجاز، وعكسه سبق في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. قوله: (﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، أي: مليكٍ مبهمٍ أمره في الملك والاقتدار، فلا شيء إلا وهو تحت ملكه وتصرفه وقدرته، فيقال: أي: كتابٌ مبهمٌ أمره في كونه كتابًا، فلا شيء من أمر الدين ومكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، إلا وهو مشتملٌ عليه. قوله: (لأن القرن هو المنزل المبارك)، تعليلٌ لتنزيل لفظ ﴿الْقُرْآَنِ﴾ منزلة الوصف، ثم عطف ﴿وَكِتَابٍ﴾ عليه، لهذا قال: "كأنه قيل: تلك الآيات آيات المنزل المبارك، وآي كتابٍ"، ودلالة هذا الأسلوب على استقلال كل صفةٍ في تمييز الموصوف، وأنها إذا انفردت كفت بها مميزةً قد علم في موضعه، ولو حمله على باب التجريد كما في قولهم: مررت بالرجل الكريم والنسمة المباركة، كما ذكر في ﴿ص وَالْقُرْآَنِ﴾ [ص: ١] لجاز أيضًا.

стр. 6046

فكأنه قيل: تلك الآيات آيات المنزل المبارك؛ وآي كتاب مبين. وقرأ ابن أبي عبلة: "وكتابٌ مبينٌ" بالرفع على تقدير: وآيات كتاب مبين، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين قوله: (الّر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ وقُرْآنٍ مُّبِينٍ) [الحجر: ١]؟ قلت: لا فرق بينهما إلا ما بين المعطوف والمعطوف عليه من التقدّم والتأخر، وذلك على ضربين: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والثاني: قوله في الحجر: "والمعنى: "تلك آيات الكتاب الكامل" في كونه كتاباً، وآي قرآنٍ مبينٍ" على الاستفهام، وهو م عنى التفخيم في التنكير. قوله: (بين هذا وبين قوله: ﴿آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١]، أي: مطلع سورة الحجر. قوله: (وذلك على ضربين)، يعني: التقديم يجيء لمعنيين: أحدهما: جارٍ مجرى التثنية فقط، فلا يتفاوت المعنى فيهما، سواءٌ قدم في موضع وأخر في آخر، كما في نحو: ﴿حِطَّةٌ﴾ في الآيتين في الآيتين [البقرة: ٥٨، والأعراف: ٦١]. وقولك: "رجلان جاءا" لا ترجيح لمجيء أحدهما على الآخر. هذا هو معنى التثنية. قال شارح "الهادي": الواو دلالتها على الجمع أقوى من دلالتها على العطف، فإنها قد تعدى عن العطف ولا تعرى عن معنى الجمع، وفي المختلفين بمنزلة التثنية، والجمع في المتفقين، وإذ لم يمكنهم التثنية في المختلفين فعدلوا إلى الواو. ثانيهما: ما فيه رعاية الرتبة، كما في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، فإن شهادة الله مقدمةٌ على شهادة الملائكة وأولي العلم، لأن شهادته كالأصل،

стр. 6047

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وشهادتهم كالتابع لشهادته. ومن ثم فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالمفعول به. قال القاضي: تأخير "كتاب" هاهنا باعتبار تعلق علمنا به، وتقديمه في الحجر باعتبار الوجود، أي: الخارجي. قال صاحب "الفرائد" الفخامة فيما نحن بصدده للكتاب، فإن كان المراد به: اللوح، فهي اللوح. وفي الحجر الفخامة للقرآن، فافترقا. وإن كان المراد من الكتاب القرآن في السورتين، فالفخامة للقرآن من حيث إنه كتابٌ هاهنا، وفي الحجر من حيث إنه قرآنٌ. وقلت: قد ذهب إلى أن التنكير في الموضعين هو الفارق، لأنه للتفخيم، وذهب عنه أن التعريف في القرآن للعهد، وأن المراد منه: "المنزل المبارك المصدق لما بين يديه" كما قال، فهو أشد فخامةً منه، لأنه من باب قوله: أنا أبو النجم وشعري شعري أي: هذا المنزل هو الذي اشتهر في الكائنات، وتعورف بين الأسود والأحمر، الموصوف بالكمالات التي لا نهاية لها. والمصنف اقتصر على معنى واحدٍ، وهو كونه مصدقًا لما بين يديه. ويمكن أن يقال: إن التنكير في ﴿كِتَابِ﴾ دل على تفخيمه، ووصفه بـ ﴿مُبِينٍ﴾ دل على أنه ظاهرٌ في نفسه في الإعجاز، مظهرٌ لغيره، فصحت الموازنة بينهما، ولهذا استشهد بقوله: "فعل السخي والجواد الكريم". ولم يفرق بين التقديم والتأخير هاهنا وفي الحجر، فإن مؤدى الصفتين إلى معنى واحدٍ. فإن قلت: فلم جعل التعريف في الحجر للجنس حيث قال: "تلك آيات الكتاب الكامل في كونه كتابًا"، وهاهنا للعهد حيث قال: "المنزل المبارك المصدق لما بين يديه"؟ قلت: إذا رجع المعنيان إلى التعظيم والتفخيم فلا بأس بمثل هذا الاختلاف.

стр. 6048

ضرب جار مجرى التثنية لا يترجح فيه جانب على جانب، وضرب فيه ترجح، فالأول نحو قوله تعالى: (وَقُولُوا حِطَّةٌ) [البقرة: ٥٨، الأعراف: ١٦١]، (وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً) [البقرة: ٥٨، الأعراف: ١٦١]، ومنه ما نحن بصدده. والثاني: نحو قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ) [آل عمران: ١٨]، (هُدىً وَبُشْرى) في محل النصب أو الرفع، فالنصب على الحال، أي: هادية ومبشرة، والعامل فيها؛ ما في (تِلْكَ) من معنى الإشارة، والرفع على ثلاثة أوجه، على: هي هدى وبشرى، وعلى البدل من الآيات، وعلى أن يكون خبرا بعد خبر، أى: جمعت أنها آيات، وأنها هدى وبشرى. والمعنى في كونها هدى للمؤمنين: أنها زائدة في هداهم. قال الله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً) [التوبة: ١٢٤]. فإن قلت: (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) كيف يتصل بما قبله؟ قلت: يحتمل أن يكون من جملة صلة الموصول، ويحتمل أن تتم الصلة عنده، ويكون جملة اعتراضية، كأنه قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات؛ من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة: هم بالآخرة الموقنون، وهو الوجه. ويدل عليه أنه عقد جملة ابتدائية وكرّر فيها المبتدأ الذي هو (وهُمْ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعلى البدل من الآيات)، قال الزجاج: تقديره: تلك هدًى وبشرى، وحسن أن يكون خبرًا بعد خبرٍ لـ ﴿تِلكَ﴾ على نحو: هو حلوٌ حامضٌ. وقد جمع الطعمين، فتجمع أنها آياتٌ، وأنها هاديةٌ مبشرة، وهو المراد من قوله: "جمعت أنها آياتٌ، وأنها هدًى"، أي: جمعت ﴿طس﴾ أن السورة آياتٌ، وأنها هدًى وبشرى. قوله: (أنها زائدٌ في هداهم)، قال صاحب "الفرائد": ويمكن أن يكون المعنى كما مر في قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١]. قوله: (وكرر فيها المبتدأ الذي هو ﴿وَهُم﴾)، الانتصاف: تكرر من الزمخشري أن إيقاع الضمير مبتدأٌ يفيد الحصر، كقوله: ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١]، وعد الضمير من آلات الحصر ليس يثبت، وهاهنا الضمير مكررٌ، لأن الأصل: "وهم يوقنون بالآخرة"،

стр. 6049

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقدم المجرور للعناية، فوقع فاصلاً بين المبتدأ والخبر، فأريد أن يلي المبتدأ خبره، وقد حال المجرور بينهما، فطوي ذكره، ولم يفت العناية بالمجرور حيث بقي مقدمًا. وقلت: هذا كلام من لم يشم رائحة علم البيان، فإنهم أجمعوا على أن مثل: "أنا عرفت" تحتمل التقوى والتخصيص، أما التقوى: فلتكرير الإسناد، وأما التخصيص: فلاعتبار تقدم الفاعل المعنوي على عامله، ولما تقدم ضمير ﴿هُمْ﴾ على ﴿يُوقِنُونَ﴾ وأكد بالتكرير، أفاد التخصيص والتوكيد، ولهذا قال: "ما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون". ولما كان جدوى الاعتراض تأكيد معنى المعترض فيه، ودل مفهوم قوله: ﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ على أن من أيقن بالآخرة حق الإيقان لابد أن يخاف تبعاتها، ومن خاف تحمل المشاق والمتاعب، وكان بهذا الاعتبار مؤكدًا لقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، فصح كونه معترضاً. روينا عن الترمذي، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غاليةٌ، ألا إن سلعة الله الجنة". ثم في قوله: "إلا هؤلاء الجامعون" إشارةٌ إلى أن الضمير الأول وضع موضع اسم الإشارة، وصار مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٣ - ٥]، وفائدته الإشعار بأن ما يرد عقيب اسم الإشارة المذكورون قبله أهلٌ لاكتسابه من أجل الخصال التي عددت لهم، فالمعنى: هم أحقاء بأن يوقنوا بالآخرة، لأنهم

стр. 6050

حتى صار معناها: وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأنّ خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق. [(إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ)]. فإن قلت: كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته، وقد أسنده إلى الشيطان في قوله: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ) [النمل: ٢٤، العنكبوت: ٣٨]؟ قلت: بين الإسنادين فرق، وذلك أنّ إسناده إلى الشيطان حقيقة، وإسناده إلى الله مجاز، وله طريقان في علم البيان. أحدهما: أن يكون من المجاز الذي يسمى الاستعارة. والثاني: أن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هم الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح. هذا معنى قوله: "وهؤلاء الذين يوقنون ويعملون الصالحات، هم الموقنون بالآخرة". هذه المعاني من التخصيص والتوكيد والتعليل إنما يفيدها التركيب إذا جعل معترضًا لاستقلاله، وأما إذا أدخل في حيز الصلة بأن جعل حالاً أو عطفًا على ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [النمل: ٣] على التأويل، لم يحتج إلى هذه العبارة، فتفوت تلك الفوائد، ولهذا قال: "وهو الوجه، ويدل عليه أنه عقد جملةً ابتدائيةً" إلى آخره. يريد أنه لو أريد غير ذلك لقيل: "وهم بالآخرة يوقنون" على تقدير الحال، "وبالآخرة يوقنون" على تقدير العطف. قوله: (من المجاز الذي يسمى الاستعارة) وهي الاستعارة المصرحة التبعية، استعار زيَّن لـ (متَّع) بعد استعارة التزيين للتمتيع. وإليه الإشارة بقوله: (لما متعهم بطول العمر)، فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم. قال صاحب (الفرائد): قال أهل السنة: زينا لهم أعمالهم بما ركبنا فيهم من الشهوات

стр. 6051

يكون من المجاز الحكمي، فالطريق الأوّل: أنه لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق، وجعلوا إنعام الله بذلك عليهم، وإحسانه إليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم، وبطرهم وإيثارهم الروح والترفه، ونفارهم عما يلزمهم فيه التكاليف الصعبة والمشاق المتعبة، فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم. وإليه أشارت الملائكة صلوات الله عليهم في قولهم: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والأماني، حتى رأوا ذلك حسناً، وهو كالختم والطبع. وفيه إثبات خلق الله تعالى أفعال العباد. وقال صاحب "الانتصاف": قول الزمخشري مبنيٌ على قاعدة: "رعاية الأصلح"، ولو عكس فقال: "الإسناد إلى الله حقيقةً"، لكان أصوب، واختار ما رواه الحسن لموافقته، [وأنى لهم ذلك] وقد أتى الله بنيانهم من القواعد بما قد ورد التزيين غالباً في الشر ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤] ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢١٢] ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٧] وورد في الخير قليلاً، كقوله: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] ويبعد الخير هنا إضافة الأعمال إليهم في قوله: ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾، وهم لم يعملوا الخير أصلاً. وقلت: الذي يؤيد قول صاحب "الفرائد" أن وزان فاتحة هذه السورة إلى هاهنا وزان فاتحة البقرة، فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾ كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٦]. وقوله: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ كقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، وقد سبق وجه دلالتها على مذهب أهل السنة هناك، وأن التركيب من باب تحقيق الخبر، وأن المعنى استمرارهم على الكفر، وأنهم بحيث لا يتوقع منهم الإيمان ساعةً فساعةً، أمارةٌ لرقم الشقاوة عليهم في الأزل، والختم على قلوبهم، وأنه تعالى زين لهم سوء عملهم، فهم

стр. 6052

(وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ) [الفرقان: ١٨] والطريق الثاني: أن إمهاله الشيطان، وتخليته حتى يزين لهم، ملابسة ظاهرة للتزيين، فأسند إليه؛ لأن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لذلك في تيه الضلالة يترددون، وفي بيداء الكفر يعمهون. دل على هذا التأويل إيقاع لفظ المضارع في صلة الموصول، والماضي في خبر الموصول، وترتب ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ بالفاعلية، واختصاص الخطاب بما يدل على الكبرياء والجبروت، ومن باب تحقيق الخبر قول الشاعر: إن التي ضربت بيتاً مهاجرةً … بكوفة الجند غالت ودها غول يعني: هذا التبريز أمارةٌ لقطعها الحب وهجرانها، وأنه مما لا يشك فيه. وينصر هذا التأويل ما روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود: عن عمران بن حصين قال: قال رجلٌ: يا رسول الله، أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: "نعم". قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: "كلٌ ميسرٌ لما خلق له". وعن الترمذي، عن ابن عمر قال: قال عمر: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل فيه، أمرٌ مبتدعٌ أو مبتدأٌ، أو فيما فرغ منه؟ فقال: "فيما قد فرغ منه يا ابن الخطاب، وكلٌ ميسرٌ، أما من كان أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء". انظر أيها المتأمل إلى هذه الأسرار.

стр. 6053

المجاز الحكمي يصححه بعض الملابسات. وقيل: هي أعمال الخير التي وجب عليهم أن يعملوها: زينها لهم الله فعمهوا عنها وضلوا، ويعزى إلى الحسن. والعمه: التحير والتردّد، كما يكون حال الضال عن الطريق. وعن بعض الأعراب: أنه دخل السوق وما أبصرها قط، فقال: رأيت الناس عمهين، أراد: متردّدين في أعمالهم وأشغالهم. (سُوءُ الْعَذابِ) القتل والأسر يوم بدر. و (الْأَخْسَرُونَ): أشدّ الناس خسرانا، لأنهم لو آمنوا لكانوا من الشهداء على جميع الأمم، فخسروا ذلك مع خسران النجاة وثواب الله. [(وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ)]. (لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ) لتؤتاه وتلقنه (مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) مِنْ عند أىّ (حَكِيمٍ) وأىّ (عَلِيمٍ) وهذا معنى مجيئهما نكرتين. وهذه الآية بساط وتمهيد، لما يريد أن يسوق بعدها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: هي أعمال الخير)، هذا جوابٌ آخر عن السؤال مبنيٌ على المنع من أن إسناد هذا التزيين محظورٌ، و"هي" أي: الضمير راجعٌ إلى قوله تعالى: ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]. قوله: (وتلقنه)، عن بعضهم: هو كما قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]، أي: تلقن. ومعنى يلقنه الكلمات: أن الله تعالى ألهمه التنصل لهفوته. قوله: (وهذه الآية بساطٌ وتمهيدٌ)، أي: مجملٌ لما يأتي بعدها من التفصيل، وإن المفصل متضمنٌ للطائف حكمته ودقائق علمه. ومن لطائف حكمته اقتصاص ما مضى من الأمم السالفة، لنثبت بها نفسك، ونسليك مما يلحقك من المكاره ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] وأكمل القصص وأتمها قصة موسى ﵇.

стр. 6054

من الأقاصيص وما في ذلك من لطائف حكمته، ودقائق علمه. [(إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)]. (إِذْ) منصوب بمضمر، وهو: اذكر، كأنه قال على أثر ذلك: خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى. ويجوز أن ينتصب بعليم. وروي أنه لم يكن مع موسى ﵇ غير امرأته، وقد كنى الله عنها بالأهل، فتبع ذلك ورود الخطاب على لفظ الجمع، وهو قوله: (امْكُثُوا). الشهاب: الشعلة. والقبس: النار المقبوسة، وأضاف الشهاب إلى القبس؛ لأنه يكون قبسا، وغير قبس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفيه أيضاً نوعٌ من التخلص والانتقال إلى نوعٍ آخر من الإعجاز، وهو الإخبار عن المغيبات، ومن مدح الكتاب إلى قصص الأنبياء. قوله: (وهو قوله: ﴿امْكُثُوا﴾، ليس في هذه الآية، وإنما هي في طه والقصص، فورود الخطاب بالجمع وإطلاق الأهل على امرأته تعظيمٌ لشأنها، ونحوه قوله تعالى: ﴿مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، والمراد بهما موسى وهارون رفعاً لمنزلتهما. قوله: (وأضاف الشهاب إلى القبس، لأنه يكون قبسًا وغير قبسٍ)، قال مكيٌّ: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ من إضافة النوع إلى جنسه، نحو: ثوب خزٍّ. وقال الفراء: وهو إضافة الشيء إلى نفسه، كصلاة الأولى، وليس مثله، لأن صلاة

стр. 6055

ومن قرأ بالتنوين: جعل القبس بدلا، أو صفة لما فيه من معنى القبس. والخبر: ما يخبر به عن حال الطريق، لأنه كان قد ضله. فإن قلت: سآتيكم منها بخبر، ولعلي آتيكم منها بخبر: كالمتدافعين: لأنّ أحدهما ترجّ والآخر تيقن. قلت: قد يقول الراجي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأولى إنما هي في الأصل موصوفٌ وصفة، فأضيف الموصوف إلى صفته، وأصلها: الصلاة الأولى. ومن نون جعل قبساً بدلاً منه: وقيل: هي صفةٌ له. والشهاب: كل ذي نورٍ. والقبس: كل ما يقتبس من جمرٍ ونحوه. الراغب: القبس: المتناول من الشعلة. قال تعالى: ﴿أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾. والقبس والاقتباس: طلب ذلك، ثم يستعار لطلب العلم والهداية. قال تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] وأقتبسه ناراً أو علمًا: أعطيته. والقبيس: فحلٌ سريع الإلقاح، تشبيهاً بالنار في السرعة. وعنه: الشهاب: الشعلة الساطعة من النار الموقدة، ومن العارض في الجو. قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]. والشهبة: بياضٌ مختلطٌ بالسواد، تشبيهاً بالشهاب المختلط بالدخان. ومنه: كتيبةٌ شهباء، اعتباراً بسواد القوم وبياض الحديد. وعنه: الشهاب: الشعلة الساطعة من النار الموقدة، ومن العارض في الجو. قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]. والشهبة: بياضٌ مختلطٌ بالسواد، تشبيهاً بالشهاب المختلط بالدخان. ومنه: كتيبةٌ شهباء، اعتبارًا بسواد القوم وبياض الحديد. قوله: (ومن قرأ بالتنوين)، عاصمٌ وحمزة والكسائي.

стр. 6056

إذا قوي رجاؤه: سأفعل كذا، وسيكون كذا مع تجويزه الخيبة. فإن قلت: كيف جاء بسين التسويف؟ قلت: عدة لأهله أنه يأتيهم به وإن أبطأ، أو كانت المسافة بعيدة. فإن قلت: فلم جاء بأو دون الواو؟ قلت: بني الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه جميعا لم يعدم واحدة منهما: إمّا هداية الطريق، وإما اقتباس النار، ثقة بعادة الله؛ أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده، وما أدراه حين قال ذلك أنه ظافر على النار بحاجتيه الكليتين جميعا؟ وهما العزّان: عز الدنيا، وعز الآخرة. [(فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)]. (أَنْ) هي المفسرة؛ لأنّ النداء فيه معنى القول. والمعنى: قيل له بورك. فإن قلت: هل يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة وتقديره: نودي بأنه بورك. والضمير ضمير الشأن؟ قلت: لا، لأنه لا بدّ من (قَدْ). فإن قلت: فعلى إضمارها؟ قلت: لا يصح، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وما أدراه)، "ما" استفهاميةٌ متضمنةٌ للإنكار، وهو مبتدأ، و"أراه" الخبر، وضمير الفاعل راجعٌ إلى "ما"، أي: أي شيءٍ أعلمه حين قال: ﴿أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ﴾ "أنه ظافرٌ بحاجتيه الكليتين"؟ انظر أيها المتأمل إلى العناية الأبدية، فإنه ﵇ طلب الدلالة على الطريق والنار لحاجة الأهل، ففاز بعز الدارين! قوله: (لا يصح)، أي: لا يصح أن تكون مخففةً من الثقيلة، و"قد" مضمرة. قال في "المفصل": والمفتوحة يعوض عما ذهب منها أحد الأحرف الأربعة: حرف النفي، وقد، وسوف، والسين، نحو: علمت أن لا يخرج زيد، وأن قد خرج، وأن سوف يخرج، وأن سيخرج. قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، لجواز ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ﴾ [النساء: ٩٠] بإضمار "قد"، و ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣]، ويمكن تعسف فرقٍ.

стр. 6057

لأنها علامة لا تحذف. ومعنى (بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها): بورك من في مكان النار، ومن حول مكانها. ومكانها: البقعة التي حصلت فيها وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى: (نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ) [القصص: ٣٠] وتدل عليه قراءة أبي: "تباركت الأرض ومن حولها". وعنه: "بوركت النار"، والذي بوركت له البقعة، وبورك من فيها وحواليها حدوث أمر ديني فيها: وهو: تكليم الله موسى واستنباؤه له وإظهار المعجزات عليه، وربّ خير يتجدّد في بعض البقاع، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال أبو البقاء: ﴿أَنْ بُورِكَ﴾ هي مخففةٌ من الثقيلة، وجاز ذلك من غير عوض، لأن ﴿أَنْ بُورِكَ﴾ دعاء، والدعاء مخالفٌ غيره في أحكامٍ كثيرة. وقال صاحب "الكشف": التقدير: أنه بورك، ولم يأت بعوضٍ، كما في قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: ٩٢] وقوله: ﴿أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا﴾ [الجن: ٢٨]، لأنه دعاء. قوله: (ويدل عليه قراءة أبي)، أي: تدل على أن معنى ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٨] بورك من في مكان النار، إظهار الأرض في هذه القراءة، فإن هذه القراءة الشاذة ليست في الدلالة أقل من تفسير مفسر. قال ابن جني: تبارك: تفاعل من البركة، وهو توكيدٌ لمعناه، كقولك: تعالى الله، فهو أبلغ من: علا كما أن "اعشوشب" أبلغ من: أعشب، وذلك لكثرة الحروف. وعن بعضهم: وإسناد التبارك إلى الأرض كإسناد التعالي إلى الضوء في قول المعري: نشأن كضوء البارق المتعالي … ببغداد وهنا ما لهن ومالي؟

стр. 6058

فينشر الله بركة ذلك الخير في أقاصيها، ويبث آثار يمنه في أباعدها، فكيف بمثل ذلك الأمر العظيم الذي جرى في تلك البقعة. وقيل: المراد بالمبارك فيهم: موسى والملائكة الحاضرون. والظاهر أنه عامّ في كل من كان في تلك الأرض، وفي ذلك الوادي وحواليهما من أرض الشام، ولقد جعل الله أرض الشام بالبركات موسومة في قوله: (وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ) [الأنبياء: ٧١]؛ وحقت أن تكون كذلك، فهي مبعث الأنبياء صلوات الله عليهم، ومهبط الوحي إليهم، وكفاتهم أحياء وأمواتا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: المراد بالمبارك فيهم موسى والملائكة)، الضمير في "فيهم" راجعٌ إلى اللام. وقيل: عطف على قوله: "بورك من في مكان النار ومن حول مكانها"، فذكر في المعطوف عليه أن ذلك المكان أي مكانٍ هو، والذي بوركت به البقعة ما هو، وهو حدوث أمرٍ ديني، ثم بين في المعطوف أن المراد بالذي بورك فيه من هو، وهو إما موسى والملائكة وما أعم منه. وعن بعضهم: البقعة من الأبقع، كالحمرة من الأحمر، وهي قطعةٌ فيها سوادٌ وبياضٌ، من الغراب الأبقع، والبقعان جمع أبقع، كالحمران جمع أحمر، ثم قيل لقطعةٍ من الأرض: بقعة، ومنه قولهم: إن للبقاع دولًا. وهذا من التعميم بعد التخصيص. قوله: (وكفاتهم أحياءً وأمواتًا)، قال: الكفات من: كفت الشيء: إذا ضمه وجمعه، وهو اسم ما يكفت، كقولهم: الضمام والجماع لما يضم ويجمع، كأنه قيل: كافتاً أحياءً وأمواتاً، والمعنى: يكفت أحياءً على ظهرها وأمواتاً في بطنها. الراغب: الكفت: القبض والجمع. قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦]، أي: تجمع الناس أحياءهم وأمواتهم. وقيل: معناه: تضم الأحياء التي هي الإنسان والحيوانات والنبات، والأموات التي هي الجمادات من التراب والماء

стр. 6059

فإن قلت: فما معنى ابتداء خطاب الله موسى بذلك عند مجيئه؟ قلت: هي بشارة له بأنه قد قضى أمر عظيم تنتشر منه في أرض الشام كلها البركة. (وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) تعجيب لموسى ﵇ من ذلك، وإيذان بأنّ ذلك الأمر مريده ومكوّنه رب العالمين، تنبيها على أن الكائن من جلائل الأمور وعظائم الشؤون. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وغير ذلك. والكفات قيل: هو الطيران السريع، وحقيقته: قبض الجناح للطيران، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]، فالقبض هنا كالكفات هناك، والكفت: السوق الشديد، واستعمال الكفت في سوق الإبل كاستعمال القبض فيه، كقولهم: قبض الراعي الإبل، وراعٍ قبضةٌ. وكفت الله فلاناً إلى نفسه، كقولهم: قبضه. وفي الحديث: "اكفتوا صبيانكم بالليل". قوله: (فما معنى ابتداء خطاب الله موسى بذلك؟ )، جاء بالفاء في السؤال، لأن السؤال واردٌ على قوله: "والظاهر أنه عامٌ في كل من كان في حوالي أرض الشام" يعني: إذا أريد بمن بورك من في النار: العموم، فما معنى ابتداء الخطاب لموسى ﵇، لأنه وغيره سواءٌ في ذلك. وأجاب بأنه بشارةٌ لموسى ﵇ بتجديد بركةٍ أخرى إلى تلك البركات، وبواسطته تنتشر تلك البركة في تلك الأراضي، وتتصل إلى ساكنها. قوله: (﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تعجيبٌ لموسى)، يعني: في ذكر موسى: "سبحان الله"، في هذا المقام فائدتان: إحداهما: تعجيبٌ لموسى من ذلك الأمر العظيم، وهو إحداث أمرٍ دينيٍّ من تكليمه واستنبائه. وثانيهما: إعلامٌ له بأن مريد ذلك الأمر هو رب السماوات والأرض وما بينهما، فأعظم بأمرٍ مريده من هو رب العالمين! وإليه الإشارة بقوله: "تنبيهاً على أن الكائن من

стр. 6060

[(يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)]. الهاء في (إِنَّهُ) يجوز أن يكون ضمير الشأن. والشأن (أَنَا اللَّهُ) مبتدأ وخبر. و (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) صفتان للخبر. وأن يكون راجعا إلى ما دل عليه ما قبله، يعني: أنّ مكلمك أنا، و (اللهُ) بيان لأنا. و (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ): صفتان للمبين، وهذا تمهيد لما أراد أن يظهره على يده من المعجزة، يريد: أنا القوي القادر على ما يبعد من الأوهام؛ كقلب العصا حية، الفاعل كل ما أفعله بحكمة وتدبير. [(وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ)]. فإن قلت: علام عطف قوله: (وَأَلْقِ عَصاكَ)؟ قلت: على بورك، لأن المعنى: نودي أن بورك من في النار، وأن ألق عصاك: كلاهما تفسير لنؤدي. والمعنى: قيل له: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جلائل الأمور"، نحوه قول الفرزدق: إن الذي سمك السماء بنى لنا … بيتاً دعائمه أعز وأطول والحاصل أن قوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كالتذييل والتأكيد لما تضمن قوله: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ من المعاني التي أشير إليها فيما سبق. قوله: (وهذا تمهيدٌ لما أراد أن يظهره)، اعلم أنه تعالى كما جعل ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تذييلاُ للكلام السابق تنبيهاً على جلالة الأمر الحادث، جعل قوله: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تمهيداً للكلام اللاحق تنبيهاً على فخامته، وأن مظهره الله العزيز الحكيم. وإليه الإشارة بقوله: "أنا القوي القادر على ما يبعد من الأوهام".
следующие страницы →