← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

إذا قوي رجاؤه: سأفعل كذا، وسيكون كذا مع تجويزه الخيبة. فإن قلت: كيف جاء بسين التسويف؟ قلت: عدة لأهله أنه يأتيهم به وإن أبطأ، أو كانت المسافة بعيدة. فإن قلت: فلم جاء بأو دون الواو؟ قلت: بني الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه جميعا لم يعدم واحدة منهما: إمّا هداية الطريق، وإما اقتباس النار، ثقة بعادة الله؛ أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده، وما أدراه حين قال ذلك أنه ظافر على النار بحاجتيه الكليتين جميعا؟ وهما العزّان: عز الدنيا، وعز الآخرة. [(فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)]. (أَنْ) هي المفسرة؛ لأنّ النداء فيه معنى القول. والمعنى: قيل له بورك. فإن قلت: هل يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة وتقديره: نودي بأنه بورك. والضمير ضمير الشأن؟ قلت: لا، لأنه لا بدّ من (قَدْ). فإن قلت: فعلى إضمارها؟ قلت: لا يصح، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وما أدراه)، "ما" استفهاميةٌ متضمنةٌ للإنكار، وهو مبتدأ، و"أراه" الخبر، وضمير الفاعل راجعٌ إلى "ما"، أي: أي شيءٍ أعلمه حين قال: ﴿أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ﴾ "أنه ظافرٌ بحاجتيه الكليتين"؟ انظر أيها المتأمل إلى العناية الأبدية، فإنه ﵇ طلب الدلالة على الطريق والنار لحاجة الأهل، ففاز بعز الدارين! قوله: (لا يصح)، أي: لا يصح أن تكون مخففةً من الثقيلة، و"قد" مضمرة. قال في "المفصل": والمفتوحة يعوض عما ذهب منها أحد الأحرف الأربعة: حرف النفي، وقد، وسوف، والسين، نحو: علمت أن لا يخرج زيد، وأن قد خرج، وأن سوف يخرج، وأن سيخرج. قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، لجواز ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ﴾ [النساء: ٩٠] بإضمار "قد"، و ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣]، ويمكن تعسف فرقٍ.

стр. 6057

لأنها علامة لا تحذف. ومعنى (بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها): بورك من في مكان النار، ومن حول مكانها. ومكانها: البقعة التي حصلت فيها وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى: (نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ) [القصص: ٣٠] وتدل عليه قراءة أبي: "تباركت الأرض ومن حولها". وعنه: "بوركت النار"، والذي بوركت له البقعة، وبورك من فيها وحواليها حدوث أمر ديني فيها: وهو: تكليم الله موسى واستنباؤه له وإظهار المعجزات عليه، وربّ خير يتجدّد في بعض البقاع، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال أبو البقاء: ﴿أَنْ بُورِكَ﴾ هي مخففةٌ من الثقيلة، وجاز ذلك من غير عوض، لأن ﴿أَنْ بُورِكَ﴾ دعاء، والدعاء مخالفٌ غيره في أحكامٍ كثيرة. وقال صاحب "الكشف": التقدير: أنه بورك، ولم يأت بعوضٍ، كما في قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: ٩٢] وقوله: ﴿أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا﴾ [الجن: ٢٨]، لأنه دعاء. قوله: (ويدل عليه قراءة أبي)، أي: تدل على أن معنى ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٨] بورك من في مكان النار، إظهار الأرض في هذه القراءة، فإن هذه القراءة الشاذة ليست في الدلالة أقل من تفسير مفسر. قال ابن جني: تبارك: تفاعل من البركة، وهو توكيدٌ لمعناه، كقولك: تعالى الله، فهو أبلغ من: علا كما أن "اعشوشب" أبلغ من: أعشب، وذلك لكثرة الحروف. وعن بعضهم: وإسناد التبارك إلى الأرض كإسناد التعالي إلى الضوء في قول المعري: نشأن كضوء البارق المتعالي … ببغداد وهنا ما لهن ومالي؟

стр. 6058

فينشر الله بركة ذلك الخير في أقاصيها، ويبث آثار يمنه في أباعدها، فكيف بمثل ذلك الأمر العظيم الذي جرى في تلك البقعة. وقيل: المراد بالمبارك فيهم: موسى والملائكة الحاضرون. والظاهر أنه عامّ في كل من كان في تلك الأرض، وفي ذلك الوادي وحواليهما من أرض الشام، ولقد جعل الله أرض الشام بالبركات موسومة في قوله: (وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ) [الأنبياء: ٧١]؛ وحقت أن تكون كذلك، فهي مبعث الأنبياء صلوات الله عليهم، ومهبط الوحي إليهم، وكفاتهم أحياء وأمواتا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: المراد بالمبارك فيهم موسى والملائكة)، الضمير في "فيهم" راجعٌ إلى اللام. وقيل: عطف على قوله: "بورك من في مكان النار ومن حول مكانها"، فذكر في المعطوف عليه أن ذلك المكان أي مكانٍ هو، والذي بوركت به البقعة ما هو، وهو حدوث أمرٍ ديني، ثم بين في المعطوف أن المراد بالذي بورك فيه من هو، وهو إما موسى والملائكة وما أعم منه. وعن بعضهم: البقعة من الأبقع، كالحمرة من الأحمر، وهي قطعةٌ فيها سوادٌ وبياضٌ، من الغراب الأبقع، والبقعان جمع أبقع، كالحمران جمع أحمر، ثم قيل لقطعةٍ من الأرض: بقعة، ومنه قولهم: إن للبقاع دولًا. وهذا من التعميم بعد التخصيص. قوله: (وكفاتهم أحياءً وأمواتًا)، قال: الكفات من: كفت الشيء: إذا ضمه وجمعه، وهو اسم ما يكفت، كقولهم: الضمام والجماع لما يضم ويجمع، كأنه قيل: كافتاً أحياءً وأمواتاً، والمعنى: يكفت أحياءً على ظهرها وأمواتاً في بطنها. الراغب: الكفت: القبض والجمع. قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦]، أي: تجمع الناس أحياءهم وأمواتهم. وقيل: معناه: تضم الأحياء التي هي الإنسان والحيوانات والنبات، والأموات التي هي الجمادات من التراب والماء

стр. 6059

فإن قلت: فما معنى ابتداء خطاب الله موسى بذلك عند مجيئه؟ قلت: هي بشارة له بأنه قد قضى أمر عظيم تنتشر منه في أرض الشام كلها البركة. (وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) تعجيب لموسى ﵇ من ذلك، وإيذان بأنّ ذلك الأمر مريده ومكوّنه رب العالمين، تنبيها على أن الكائن من جلائل الأمور وعظائم الشؤون. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وغير ذلك. والكفات قيل: هو الطيران السريع، وحقيقته: قبض الجناح للطيران، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]، فالقبض هنا كالكفات هناك، والكفت: السوق الشديد، واستعمال الكفت في سوق الإبل كاستعمال القبض فيه، كقولهم: قبض الراعي الإبل، وراعٍ قبضةٌ. وكفت الله فلاناً إلى نفسه، كقولهم: قبضه. وفي الحديث: "اكفتوا صبيانكم بالليل". قوله: (فما معنى ابتداء خطاب الله موسى بذلك؟ )، جاء بالفاء في السؤال، لأن السؤال واردٌ على قوله: "والظاهر أنه عامٌ في كل من كان في حوالي أرض الشام" يعني: إذا أريد بمن بورك من في النار: العموم، فما معنى ابتداء الخطاب لموسى ﵇، لأنه وغيره سواءٌ في ذلك. وأجاب بأنه بشارةٌ لموسى ﵇ بتجديد بركةٍ أخرى إلى تلك البركات، وبواسطته تنتشر تلك البركة في تلك الأراضي، وتتصل إلى ساكنها. قوله: (﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تعجيبٌ لموسى)، يعني: في ذكر موسى: "سبحان الله"، في هذا المقام فائدتان: إحداهما: تعجيبٌ لموسى من ذلك الأمر العظيم، وهو إحداث أمرٍ دينيٍّ من تكليمه واستنبائه. وثانيهما: إعلامٌ له بأن مريد ذلك الأمر هو رب السماوات والأرض وما بينهما، فأعظم بأمرٍ مريده من هو رب العالمين! وإليه الإشارة بقوله: "تنبيهاً على أن الكائن من

стр. 6060

[(يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)]. الهاء في (إِنَّهُ) يجوز أن يكون ضمير الشأن. والشأن (أَنَا اللَّهُ) مبتدأ وخبر. و (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) صفتان للخبر. وأن يكون راجعا إلى ما دل عليه ما قبله، يعني: أنّ مكلمك أنا، و (اللهُ) بيان لأنا. و (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ): صفتان للمبين، وهذا تمهيد لما أراد أن يظهره على يده من المعجزة، يريد: أنا القوي القادر على ما يبعد من الأوهام؛ كقلب العصا حية، الفاعل كل ما أفعله بحكمة وتدبير. [(وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ)]. فإن قلت: علام عطف قوله: (وَأَلْقِ عَصاكَ)؟ قلت: على بورك، لأن المعنى: نودي أن بورك من في النار، وأن ألق عصاك: كلاهما تفسير لنؤدي. والمعنى: قيل له: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جلائل الأمور"، نحوه قول الفرزدق: إن الذي سمك السماء بنى لنا … بيتاً دعائمه أعز وأطول والحاصل أن قوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كالتذييل والتأكيد لما تضمن قوله: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ من المعاني التي أشير إليها فيما سبق. قوله: (وهذا تمهيدٌ لما أراد أن يظهره)، اعلم أنه تعالى كما جعل ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تذييلاُ للكلام السابق تنبيهاً على جلالة الأمر الحادث، جعل قوله: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تمهيداً للكلام اللاحق تنبيهاً على فخامته، وأن مظهره الله العزيز الحكيم. وإليه الإشارة بقوله: "أنا القوي القادر على ما يبعد من الأوهام".

стр. 6061

"بورك من في النار"، وقيل له: (أَلْقِ عَصَاكَ). والدليل على ذلك قوله عز من قائل: (وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ) [القصص: ٣١] بعد قوله: (أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ) [القصص: ٣٠] على تكرير حرف التفسير، كما تقول: كتبت إليك أن حج وأن اعتمر، وإن شئت أن حج واعتمر. وقرأ الحسن: (جأنّ) على لغة من يجدّ في الهرب من التقاء الساكنين، فيقول: شأبّة ودأبّة. ومنها قراءة عمرو بن عبيد: (وَلا الضَّالِّينَ). (وَلَمْ يُعَقِّبْ): لم يرجع، يقال: عقب المقاتل، إذا كرّ بعد الفرار. قال: فما عقّبوا إذ قيل: هل من معقّب؟ … ولا نزلوا يوم الكريهة منزلا وإنما رعب لظنه أن ذلك لأمر أريد به، ويدل عليه: (إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والدليل على ذلك)، أي: على أنه معطوفٌ على قوله: ﴿أَنْ بُورِكَ﴾ مجيئه في القصص: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [القصص: ٣٠ - ٣١] وإن كرر فيه حرف التفسير. قوله: (فما عقبوا إذ قيل) البيت، يوم الكريهة: يوم الحروب. يصف فرار قومٍ من المحاربة بحيث لا يرجعون بعده، ولا ينزلون منزلًا من الخوف. قوله: (رعب)، رعب الرجل: ملئ خوفًا. رعب السيل الوادي: ملأه. وامرأةٌ رعبوبةٌ: ملئت شحماً ولحمًا. قوله: (لأمرٍ أريد به)، يعني: إنما ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾، لخوفٍ عظيمٍ واستشعارٍ ظن أن في قلب العصا حيةً أمرًا أريد به هلاكه.

стр. 6062

و (إِلَّا) بمعنى (لكنّ)؛ لأنه لما أطلق نفي الخوف عن الرسل، كان ذلك مظنة لطروّ الشبهة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و ﴿إِلَّا﴾ بمعنى "لكن")، يريد أن الاستثناء منقطع، و ﴿مَن﴾ منصوب المحل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آَلَ لُوطٍ﴾ استثناءٌ منقطع، لأن القوم موصوفون بالإجرام، فاختلف لذلك الجنسان، وهاهنا بالعكس، لأن المستدرك جنسٌ غير المعصومين استدرك من المعصومين، وإليه الإشارة بقوله: "ولكن من ظلم منهم، كالذي فرط من آدم ويونس وداود وسليمان وإخوة يوسف، ومن موسى" ﵈، وأما فرطة آدم وإخوة يوسف وموسى فظاهرةٌ، وأما فرطة يونس فما دل عليها: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠]، وفرطة داود ما يشعر به قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص: ٢٤] وفرطة سليمان قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٤]. الكواشي: المعنى على الانقطاع، أي: من أمنته من عذابي لا ينبغي أن يخاف من حية. قوله: (لما أطلق نفي الخوف عن الرسل كان ذلك مظنةً لطرو الشبهة)، هذا إشارةٌ إلى الخلاف بين الناس في جواز الذنب على الأنبياء أو عدمه. قال الإمام: فيه خمسة أقوال: أولها: قول الحشوية، فإنهم يقولون بجواز صدور الكبائر عنهم عمدًا. وثانياً: المعتزلة، فإنهم لا يجوزون عليهم الكبائر، ويجوزون الصغائر إلا ما ينفر، كالكذب والتطفيف، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: "مما يجوز على الأنبياء". وثالثها: الجبائي أنه قال: لا تجوز الصغيرة ولا الكبيرة على جهة العمد، بل على التأويل. ورابعها: لا يقع منهم ذنبٌ قط، وأنهم معصومون من وقت مولدهم. وهذا قول الرافضة.

стр. 6063

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثم قال الإمام: والمختار عندنا أنه لم يصدر عنهم ذنبٌ حال النبوة لا الصغيرة ولا الكبيرة. وفي تضاعيف كلامه إشعارٌ بأن ترك الأولى منهم كالصغيرة منا، لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين. وإذا علم هذا فقول المصنف: "لما أطلق نفي الخوف عن الرسل كان ذلك مظنةً لطرو الشبهة" معناه: لطرو شبهة من ينفي عنهم الكبائر والصغائر، وأن ليس لهم خوفٌ البتة، لا من جهة الصغائر، ولا من جهة الكبائر، فاستدرك بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ هذا الظن، وأثبت أن منهم من "فرطت منه صغيرةٌ مما يجوز على الأنبياء، كالذي فرط من آدم … " إلى آخره. وقلت: وجه التأويل على رأينا ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ قبل النبوة، ثم بدل بعدها حسناً. يؤيده لفظة: ﴿ثٌمَّ﴾، فإنها للتراخي. وقال صاحب "المطلع": والمعنى: ولكن من ظلم من العباد ثم تاب، فإني أغفر له. وعلى هذا لا يخاف الأنبياء، وهو اختيار الزجاج. تم كلام "المطلع". ويجوز أن يكون الاستثناء متصلاً، وموضع ﴿مَن﴾ رفعٌ على البدل من الفاعل، كما قال أبو البقاء. والمعنى: إني لا يخاف لدى المرسلون، إلا الذي فرط منه ما غفر له ثم ترحم عليه، فإنه يخاف، وقد علم وتحقق أن المغفور له والمرحوم عليه لا يخاف الله من الذنب الذي غفر له البتة، فإذن لا يخاف منهم من أحدٍ على البت والقطع. والمقام يقتضي هذا المعنى، لأن مقام تلقي الرسالة وابتداء المكالمة مع الكليم يوجب إزالة الخوف بالكلية، لاسيما الخوف من قبيل ما يعتري البشرية من توهم مكروهٍ نفساني.

стр. 6064

فاستدرك ذلك. والمعنى: ولكن من ظلم منهم أي: فرطت منه صغيرة مما يجوز على الأنبياء، كالذي فرط من آدم ويونس وداود وسليمان وإخوة يوسف، ومن موسى بوكزة القبطي، ويوشك أن يقصد بهذا التعريض بما وجد من موسى، وهو من التعريضات التي يلطف مأخذها. وسماه ظلما، كما قال موسى: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) [القصص: ١٦]، والحسن والسوء: حسن التوبة، وقبح الذنب. وقرئ: "ألا من ظلم"، بحرف التنبيه. وعن أبي عمرو في رواية عصمة: "حسنا". [(وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وروى الإمام عن بعضهم: إني إذا أمرت المرسلين بإظهار معجز، فينبغي أن لا يخافوا فيما يتعلق بإظهار ذلك، وإلا فالمرسل قد يخاف لا محالة. قوله: (وسماه ظلمًا، كما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [القصص: ١٦]، لما سمى موسى ﵇ فعله ظلمًا قابله تعالى بالمشاكلة. قوله: (وقرئ: "ألا من ظلم" بحرف التنبيه)، قال ابن جني: وهي قراءة زيد بن أسلم وأبي جعفرٍ القارئ. ومن مرفوعة بالابتداء، وخبره: ظلم، كقولك: من يقم أضرب زيدًا. فـ "يقم" خبر "من" حيث كان شرطاً، كأنه قال: هذا حقٌ. وعليه معنى انقطاع الاستثناء في القراءة الفاشية. المعنى: لا يخاف لدى المرسلون، لكن من ظلم كان كذا.

стр. 6065

و (تِسْعِ آياتٍ) كلام مستأنف، وحرف الجرّ فيه يتعلق بمحذوف. والمعنى: اذهب في تسع آيات إِلى فِرْعَوْنَ ونحوه: فقلت: إلى الطّعام، فقال منهم … فريق: نحسد الإنس الطّعاما ويجوز أن يكون المعنى: وألق عصاك، وأدخل يدك: في تسع آيات، أي: في جملة تسع آيات وعدادهنّ. ولقائل أن يقول: كانت الآيات إحدى عشرة: ثنتان منها اليد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والمعنى: اذهب في تسع آياتٍ)، أي: اذهب إلى فرعون في شأن تسع آياتٍ بأن تتحدى بهن، وتظهر بها نبوتك، وتلزم عليه حجة الله. قوله: (وأدخل يدك، في تسع آياتٍ)، فعلى هذا هو حالٌ من المفعول، وهو يدك، أي: أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء مسفرةً في تسع آياتٍ معدودةٍ في جملتهن. قال أبو البقاء: ﴿بَيْضَاءَ﴾ حالٌ، و ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ حالٌ أخرى، و ﴿فِي تِسْعِ آَيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢] حالٌ ثالثة، والتقدير: آيةٌ في تسع آياتٍ، و ﴿إِلَى﴾ متعلقةٌ بمحذوفٍ، أي: مرسلاً إلى فرعون. ويجوز أن تكون صفةً لـ ﴿تِسْعِ﴾ أو لـ ﴿آَيَاتٍ﴾، أي: واصلةٍ إلى فرعون. قوله: (ولقائلٍ أن يقول: كانت الآيات إحدى عشرة)، عن بعضهم: كأنه يقول: ليس بلازمٍ أن يقال: هذا داخلٌ فيها. قال صاحب "التقريب": ولعل الطمسة والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم يرجع إلى واحد. وقال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: الجراد والقمل واحدةٌ، والجدب والنقصان واحدةٌ، لأنهما متقاربان.

стр. 6066

والعصا، والتسع: الفلق، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمسة، والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم. [(فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ)]. المبصرة: الظاهرة البينة. جعل الإبصار لها وهو في الحقيقة لمتأمّليها، لأنهم لابسوها وكانوا بسبب منها بنظرهم وتفكرهم فيها. ويجوز أن يراد بحقيقة الإبصار: كل ناظر فيها من كافة أولى العقل، وأن يراد إبصار فرعون وملئه، كقوله: (وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ) [النمل: ١٤] أو جعلت كأنها تبصر فتهدي، لأنّ العمي لا تقدر على الاهتداء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضي: ولمن عد العصا واليد من التسع أن يعد الأخيرين واحداً، ولا يعد الفلق، لأنه لم يبعث به إلى فرعون. قوله: (وكانوا بسببٍ منها)، قيل: كل ما يكون وصلةً بين شيئين يسمى سببًا، تشبيهًا بالسبب الذي هو الحبل. و"من"- في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ - اتصالية، يعني: لما كان المتأملون ملابسين متصلين من الآيات بسبب نظرهم وتفكرهم فيها، جعلت الآيات مبصرةً. وهذا الوجه من الإسناد المجازي، أسند الإبصار إلى الآيات، وهو في الحقيقة لذوي البصائر، وهم إما كل أحدٍ، أو فرعون وملأه بقرينة: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾. قوله: (أو جعلت كأنها تبصر فتهدي)، وعلى هذا الوجه هو استعارةٌ مكنيةٌ، شبهت الآيات في جلائها في نفسها وأنها بحيث يهتدي بها الناس، كأنها الشخص تبصر بنفسها فتهدي الناس، والهادي لتهدي غيرها، فإن العمى لا تقدر على الاهتداء، فضلاً أن تهدي غيرها.

стр. 6067

فضلا أن تهدي غيرها. ومنه قولهم: كلمة عيناء، وكلمة عوراء، لأن الكلمة الحسنة ترشد، والسيئة تغوي. ونحوه قوله تعالى: (لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ) [الإسراء: ١٠٢] فوصفها بالبصارة، كما وصفها بالإبصار. وقرأ علىّ بن الحسين ﵄ وقتادة: (مبصرة)، وهي نحو: مجبنة ومبخلة ومجفرة، أي: مكانا يكثر فيه التبصر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال القاضي: ﴿مُبْصِرَةً﴾ مبينةً: اسم فاعل، أطلق للمفعول، وإشعارًا بأنها لفرط اجتلائها للأبصار بحيث تكاد تبصر نفسها لو كانت مما يبصر، أو ذات تبصر من حيث إنها تهدي، والعمى لا تهتدي فضلًا عن أن تهدي، أو: مبصرةً كل من نظر إليها وتأمل فيها. قوله: (وكلمةٌ عوراء) أي: سقطةٌ لا اعتداد فيها. قال حاتم: وأغفر عوراء الكريم ادخاره … وأعرض عن شتم اللئيم تكرما قوله: (ومجفرة)، النهاية: "صوموا ووفروا أشعاركم، فإنها مجفرة"، أي: مقطعةٌ للنكاح ونقصٌ للماء. ومنه حديث علي ﵁: أنه رأى رجلًا في الشمس، فقال: قم عنها فإنها مجفرة. أي: تذهب شهوة النكاح. يقال: جفر الفحل يجفر جفورًا: إذا انقطع عن الضراب وعدل عنه وتركه وانقطع. وقال ابن جني: وقد كثرت المفعلة بمعنى الشياع والكثرة في الجواهر والأحداث جميعًا، نحو: أرضٌ مضبةٌ: كثيرة لاضباب ومثعلةٌ كثيرة الثعالي، ومحيأة كثيرة الحيات، وفي الأحداث نحو البطنة موسنةٌ، وأكل الرطب موردةٌ.

стр. 6068

[(وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)]. الواو في (وَاسْتَيْقَنَتْها) واو الحال، و "قد" بعدها مضمرة، والعلو: الكبر والترفع عن الإيمان بما جاء به موسى، كقوله تعالى: (فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ) [المؤمنون: ٤٦]، (فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ) [المؤمنون: ٤٧] وقرئ: (عُلِيّا و (عِلِيّا) بالضم والكسر، كما قرئ (عِتِيًّا) و (عُتِيًّا) [مريم: ٨]. وفائدة ذكر الأنفس: أنهم جحدوها بألسنتهم، واستيقنوها في قلوبهم وضمائرهم. والاستيقان أبلغ من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كما قرئ: ﴿عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]، الجوهري: يقال: عتوت تعتو عتوًا وعتيًا وعتيًا. الأصل عتوٌ، ثم أبدلوا إحدى الضمتين كسرةً، فانقلبت الواو ياءً، فقالوا: عتيًا، ثم أتبعوا الكسرة الكسرة، فقالوا: عتيًا ليؤكدوا البدل. قوله: (جحدوا بألسنتهم)، الراغب: الجحد: نفي ما في القلب ثباته، وإثبات ما في القلب نفيه. يقال: جحد جحودًا وجحدًا ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾، وتجحد: تخصص بفعل ذلك، يقال: رجلٌ جحدٌ: شحيحٌ قليل الخير يظهر الفقر، وأرضٌ جحدٌ: قليل النبت. يقال: جحداً ونكدًا. وقال أيضًا: اليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها، يقال: علم يقين، ولا يقال: معرفة يقينٍ، وهو: سكون النفس مع ثبات الحكم، يقال: أيقن واستيقن. وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧]، أي: ما قتلوه قتلًا تيقنوه، بل إنما حكموا به تخمينًا ووهمًا.

стр. 6069

الإيقان، وقد قوبل بين "المبصرة" و "المبين"، وأى ظلم أفحش من ظلم من اعتقد واستيقن أنها آيات بينة واضحة جاءت من عند الله، ثم كابر بتسميتها سحرا بينا مكشوفا لا شبهة فيه. [(وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ)]. (عِلْماً) طائفة من العلم، أو علما سنيا غزيرا. فإن قلت: أليس هذا موضع الفاء دون الواو، كقولك: أعطيته فشكر، ومنعته فصبر؟ قلت: بلى، ولكن عطفه بالواو إشعار بأن ما قالاه بعض ما أحدث فيهما إيتاء العلم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقد قوبل بين "المبصرة" و"المبين")، لم يرد أنه من باب المقابلة التي هي الجمع بين المتضادين، بل أراد أنه كما وصف ﴿آَيَاتُنَا﴾ بقوله: ﴿مُبْصِرَةً﴾، قوبل وصف السحر بالمبين دوماً للتطابق بين الفظين. ويجوز أن يعتبر معنى التضاد من كونهما وصفين للمتضادين: الآيات والسحر، فيفيد بلوغ كلٍّ من الحق والباطل غايته. قوله: (طائفةً من العلم أو علمًا سنيًا)، الانتصاف: والظاهر أن التنكير في ﴿عِلْمًا﴾ للتعظيم، لأنه في سياق الامتنان. قوله: (ولكن عطفه بالواو إشعارٌ بأن ما قالاه) بعض ما أحدث فيهما إيتاء العلم)، يعني: أن إيتاء العلم من جلائل النعم وفواضل المنح، يستدعي إحداث الشكر أكثر مما ذكر، فجيء بالواو لأنها تستدعي معطوفاً عليه مضمراً، فيقدر بحسب ما يقتضيه موجب الشكر من قوله: "فعملا به وعلماه"، لأنهما من الشكر بالجوارح، "وعرفا حق النعمةٍ فيه والفضيلة"، فإنه من الشكر بالقلب، ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، فإنه من الشكر اللساني، فيستوعب جميع أنواع الشكر، ويوازي قول الشاعر:

стр. 6070

وشيء من مواجبه، فأضمر ذلك ثم عطف عليه التحميد، كأنه قال: ولقد آتيناهما علما فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة، (وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا). والكثير المفضل عليه: من لم يؤت علما. أو من لم يؤت مثل علمهما. وفيه: أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير. وفي الآية دليل على شرف العلم، وإنافة محله وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم. وأجزل القسم، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلا على كثير من عباد الله، كما قال: (وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) [المجادلة: ١١]، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أفادتكم النعماء مني ثلاثًة … يدي ولساني والضمير المحجبا ولو نص بالفاء لاقتصر على المذكور وفات المقصود. وبهذا التقرير ظهر أن ما ذهب إليه المصنف قمينٌ أن يتبع ويؤثر على ما اختاره صاحب "المفتاح" حيث قال: ويحتمل عندي أنه أخبر تعالى عما صنع بهما، وأخبر عما قالا، فكأنه قال: نحن فعلنا إيتاء العلم، وهما فعلا الحمد تفويضاً لاستفادة ترتب الحمد على إيتاء العلم إلى فهم السامع، لأن الشكر على هذا يختص بالقول وحده والنعمة خطيرةٌ. قوله: (وشيءٌ من مواجبه)، قيل: المواجب: جمع موجب، بضم الميم وفتح الجيم، و"ذلك" إشارةٌ إلى ما دل عليه قوله: "بعض" و"شيء"، وهو البعض الآخر والشيء الآخر الذي لم يذكر. قوله: (دليلٌ على شرف العلم وإنافة محله)، قال القاضي: لأنهما شكرا على العلم وجعلاه أساس الفضل، ولم يعتبرا دونه مما أوتيا من الملك الذي لم يؤت غيرهما.

стр. 6071

وما سماهم رسول الله ﷺ "ورثة الأنبياء" إلا لمداناتهم لهم في الشرف والمنزلة، لأنهم القوّام بما بعثوا من أجله. وفيها أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة لوازم، منها: أن يحمدوا الله على ما أوتوه من فضلهم على غيرهم. وفيها التذكير بالتواضع، وأن يعتقد العالم أنه وإن فضل على كثير فقد فضل عليه مثلهم. وما أحسن قول عمر: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وما سماهم رسول الله ﷺ ورثة الأنبياء)، روينا عن أبي داود والترمذي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء، لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافرٍ". قوله: (لأنهم القوام)، والقوام: الآمر عليهم، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، أي: أمراء عليهن، أي: لا يجري القصاص بالضرب بين الزوجين. قوله: (وأن يعتقد العالم أنه وإن فضل على كثيرٍ فقد فضل عليه مثلهم)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، إذ يدل بالمفهوم على أنهما لم يفضلا على القليل، فأما أن يفضل القليل عليهما أو يساوياه فلا. قلت: ولعله أشعر بأن المصنف رمز إلى أن المفضل عليهما الملائكة، كما قال في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ … وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]. وأما الفرق بين المقامين فهو أن مقام المدح خلاف مقام الشكر والتواضع، وذلك أنه تعالى في ذلك المقام لما ذكر كرامة أبيهم من جعله مسجوداً للملائكة المقربين، وما منحوا من نعمة الدارين، عقبه بذكر كرامتهم وفضلهم على كثيرٍ من المخلوقين، أي: جمعهم كما

стр. 6072

"كل الناس أفقه من عمر". [(وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ)]. ورث منه النبوّة والملك دون سائر بنيه، وكانوا تسعة عشر، وكان داوود أكثر تعبدا، وسليمان أقضى وأشكر لنعمة الله (وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ)؛ تشهيرا لنعمة الله، وتنويها بها، واعترافا بمكانها، ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير، وغير ذلك مما أوتيه من عظائم الأمور. والمنطق: كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف، المفيد وغير المفيد. وقد ترجم يعقوب بن السكيت كتابه بإصلاح المنطق، وما أصلح فيه إلا مفردات الكلم، وقالت العرب: "نطقت الحمامة، وكل صنف من الطير يتفاهم أصواته"، والذي علمه سليمان من منطق الطير: هو ما يفهم بعضه من بعض من معانيه وأغراضه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سبق، وهاهنا، ذكر ما يجب عليهما من الشكر على كرامة الله إياهما وفضله، ومقام التواضع فيه توسعة، كما قال صلوات الله عليه: "لا ينبغي لعبدٍ أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متى"، أخرجه البخاري ومسلم. قوله: (كل الناس أفقه من عمر)، قاله حين خطب فقال: يا أيها الناس، لا تغالوا بصدق النساء، فقامت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين، لم تمنعنا حقاً جعله الله لنا، والله يقول: ﴿وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]؟ ! فقال عمر: كل أحدٍ أعلم من عمر. أورده المصنف في "النساء". قوله: (هو ما يفهم بعضه من بعضٍ، من معانيه وأغراضه)، قال القاضي: والنطق

стр. 6073

ويحكى أنه مر على بلبل في شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه، فقال لأصحابه: "أتدرون ما يقول"؟ قالوا: "الله ونبيه أعلم". قال: "يقول: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء". وصاحت فاختة، فأخبر أنها تقول: "ليت ذا الخلق لم يخلقوا". وصاح طاوس، فقال: "يقول: كما تدين تدان". وصاح هدهد، فقال: "يقول: استغفروا الله ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والمنطق في المتعارف: كل لفظٍ يعبر به عما في الضمير، مفرداً كان أو مركباً، وقد يطلق على كل ما يصوت به على التشبيه أو التبع، كقولهم: نطقت الحمامة، ومنه الناطق والصامت للحيوان والجماد، فإن الأصوات الحيوانية- من حيث إنها تابعةٌ- منزلةٌ منزلة العبارات، سيما وفيها ما يتفاوت باختلاف الأغراض، بحيث يفهمها ما هو من جنسه، ولعل سليمان ﵇ مهما صوت حيوانٌ علم بقوته الحدسية المخيل الذي صوته والغرض الذي توخاه، ومن ذلك ما يحكى أنه مر بلبلٌ، إلى آخره. الراغب: النطق في التعارف: الأصوات المقطعة التي يظهرها اللسان وتعيها الآذان، قال تعالى: ﴿أَلَا تَاكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩١، ٩٢]، ولا يكاد يقال إلا للإنسان، ولا يقال لغيره إلى على سبيل التبع، نحو: النطق والصامت، فيراد بالناطق: ما له صوتٌ، وبالصامت: ما لا صوت له، وقوله: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾: سمى أصوات الطير نطقاً اعتبارًا بسليمان ﵇ الذي كان يفهمه، فمن فهم من شيءٍ معنى، فذلك الشيء بالإضافة إليه ناطقٌ وإن كان صامتًا، وبالإضافة إلى من لم يفهم عنه صامتٌ وإن كان ناطقًا. وقيل: حقيقة النطق اللفظ الذي هو كالنطاق للمعنى في ضمه وحصره. قوله: (فعلى الدنيا العفاء)، النهاية: وفي حديث صفوان: إذا دخلت بيتي فأكلت رغيفاً، وشربت عليه، فعلى الدنيا العفا، أي: الدروس وذهاب الأثر، وقيل: العفا: التراب. قوله: (كما تدين تدان)، المرزوقي: الدين لفظٌ مشتركٌ في عدة معانٍ: الجزاء، والعادة،

стр. 6074

يا مذنبون". صاح طيطوى، فقال: "يقول: كل حىّ ميت، وكل جديد بال". وصاح خطاف، فقال: "يقول: قدّموا خيرا تجدوه". وصاحت رخمة، فقال: "تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه". وصاح قمري، فأخبر أنه يقول: "سبحان ربي الأعلى". وقال: "الحدأ" يقول: "كل شيء هالك إلا الله". والقطاة تقول: "من سكت سلم"، والببغاء تقول: "ويل لمن الدنيا همه"، والديك يقول: "اذكروا الله يا غافلين". والنسر يقول: "يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت"، والعقاب يقول: "في البعد من الناس أنس"، والضفدع يقول: "سبحان ربي القدوس". وأراد بقوله مِنْ كُلِّ شَيْءٍ كثرة ما أوتى، كما تقول: "فلان يقصده كل أحد، ويعلم كل شيء"، تريد: كثرة قصاده ورجوعه إلى غزارة في العلم واستكثار منه. ومثله قوله: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: ٢٣]. (إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ): قول وارد على سبيل الشكر والمحمدة، كما قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"، أي: أقول هذا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والطاعة، والحساب. وهو قولهم: دناهم كما دانوا الجزاء، ويقولون: كما تدين تدان، أي: كما تصنع يصنع بك. قيل: سمى الأول باسم الثاني مشاكلةً. قوله: (رخمة)، الجوهري: الرخمة: طائرٌ أبقع يشبه النسر في الخلقة، يقال له: الأنوق، والجمع: رخمٌ. قوله: (والببغاء)، والببغى: بالتشديد مقصورٌ يكتب بالياء، والببغاء: بالتخفيف ممدودٌ، كالباقلا والباقلى. قوله: ("أنا سيد ولد آدم ولا فخر")، الحديث على ما رواه الترمذي، عن أبي سعيدٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذٍ- آدم فمن سواه- إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض

стр. 6075

القول شكراً ولا أقوله فخرا. فإن قلت: كيف قال علمنا وأوتينا؛ وهو من كلام المتكبرين؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يريد نفسه وأباه. والثاني: أن هذه النون يقال لها نون الواحد المطاع. وكان ملكا مطاعا، فكلم أهل طاعته على صفته وحاله التي كان عليها، وليس التكبر من لوازم ذلك، وقد يتعلق بتجمل الملك وتفخمه وإظهار آيينه وسياسته مصالح، فيعود تكلف ذلك واجبا. وقد كان رسول الله ﷺ يفعل نحوا من ذلك إذا وفد عليه وفد، أو احتاج أن يدحج في عين عدوّ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولا فخر"، أي: أقول هذا القول ليعلم الناس فيتبعوني ويقتدروا بي، فيحصل لهم النجاة والسعادة في الدارين، ولا أقوله فخرًا. وقال صاحب " الفرائد": ويمكن أن يقال إنه صلوات الله عليه أراد بذلك إظهار مرتبته واختصاصه بمزيد فضلٍ من الله تعالى من بين الناس، حتى حصل له استحقاق أن يقول مثل ذلك، وهذا من باب الشكر. وقلت: يجوز أن يقال: إن هذا الإخبار كسائر ما تفضل الله عليه من نعم الدارين، وأنه صلوات الله عليه مأمورٌ بتبليغها إلى الأمة، يشهد له قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧]. قوله: (أبهته)، الجوهري: الأبهة: العظمة والكبرياء. وفي بعض النسخ: "آيينه"، أي: مراتبه وبهائه. وقيل لذي القرنين: بيت على العدو، فقال: ليس من أيين الملوك استراق الظفر. وقيل: ليس البيان من أبين الملوك، ما وجدت في الأصول لهذا اللفظ ذكرًا.

стр. 6076

ألا ترى كيف أمر العباس بأن يحبس أبا سفيان حتى تمرّ عليه الكتائب. [(وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ)]. روي أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة: خمسة وعشرون للجنّ، وخمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة منكوحة. وسبعمائة سرية، وقد نسجت له الجنّ بساطا من ذهب وإبريسم فرسخا في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه وهو من ذهب، فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس وحول الناس الجنّ والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ألا ترى كيف أمر العباس بأن يحبس أبا سفيان)، وذلك عند فتح مكة على ما روينا عن الباري، عن عروة بن الزبير بعد ذكر نبذٍ من أخبار أبي سفيان: فأسلم أبو سفيان، فلما سار قال ﷺ للعباس: "احبس أبا سفيان عند حطم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين"، فحبسه، فجعلت القبائل تمر كتيبةً كتيبةً على أبي سفيان، فمرت كتيبةٌ فقال: يا عباس، من هذه؟ فقال: هذه غفارٌ، قال: مالي ولغفار، ثم مرت جهينة فقال مثل ذلك، ثم مرت سعد بن هذيم فقال مثل ذلك، ثم مرت سليمٌ فقال ذلك، حتى أقبلت كتيبةٌ لم ير مثلها، قال أبو سفيان: من هذه؟ فقال: هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية. ثم جاءت كتيبةٌ وهي من أجل الكتائب، وفيهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وراية النبي ﷺ مع الزبير. الحديث. قوله: (حتى لا تقع) بالرفع، أراد الحال، كقوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾

стр. 6077

ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر. ويروى أنه كان يأمر الريح العاصف تحمله، ويأمر الرخاء تسيره، فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض: أني قد زدت في ملكك؛ لا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك، فيحكى أنه مر بحرّاث فقال: لقد أوتى آل داود ملكا عظيما، فألقته الريح في أذنه، فنزل ومشى إلى الحرّاث وقال: إنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه، ثم قال: لتسبيحة واحدة يقبلها الله، خير مما أوتى آل داود. (يُوزَعُونَ): يحبس أولهم على آخرهم، أي: توقف سلاف العسكر حتى تلحقهم التوالي فيكونوا مجتمعين لا يتخلف منهم أحد، وذلك للكثرة العظيمة. [(حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)]. قيل: هو واد بالشام كثير النمل. فان قلت: لم عدّى (أَتَوْا) بعلى؟ قلت: يتوجه على معنيين أحدهما: أن إتيانهم كان من فوق، فأتى بحرف الاستعلاء، كما قال أبو الطيب: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [البقرة: ٢١٤]، "لا" لا تمنع العامل، و"ما" تمنعه، تقول: زيداً لا أضرب، ولا تقول: زيداً ما ضربت. قوله: (﴿يُوزَعُونَ﴾ يحبس أولهم على آخرهم)، الراغب: ﴿يُوزَعُونَ﴾ إشارةٌ إلى أنهم مع كثرتهم [وتفاوتهم] لم يكونوا مهملين ومبعدين كما يكون الجيش الكثير المتأذي بمعرتهم، بل كانوا مسوسين ومقموعين وقيل: لابد للسلطان من وزعةٍ. يقال: وزعته عن كذا: كففته. قوله: (سلاف العسكر)، الأساس: وسلف القوم: تقدموا سلفاً، وهم سلفٌ لمن وراءهم، وهم سلاف العسكر.

стр. 6078

ولشدّ ما قربت عليك الأنجم لما كان قربا من فوق. والثاني: أن يراد قطع الوادي وبلوغ آخره، من قولهم: أتى على الشيء إذا أنفذه وبلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي، لأنهم ما دامت الريح تحملهم في الهواء لا يخاف حطمهم، وقرئ (نُمُلة)، (يا أيُّها النَّمُلُ)، بضم الميم وبضم النون والميم، وكان الأصل: النمل، بوزن الرجل، والنمل الذي عليه الاستعمال: تخفيف عنه، كقولهم: "السبع" في السبع. قيل: "كانت تمشي وهي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولشد ما قربت عليك الأنجم)، أوله: فلشد ما جاوزت قدرك صاعداً يهجو رجلاً طلب منه أن يمدحه، يقول: ما أشد تجاوزك قدرك حين تطلب مني المدح، وعني بـ "الأنجم" أبيات شعره. قوله: (عند مقطع الوادي)، الوادي: من ودى، إذا سال، وإطلاقه على المكان مجازٌ، كقولهم: جرى النهر. قوله: (وقرئ: "نملة")، قال ابن جني: قرأ سليمان التيمي: "نملة"، "يا أيها النمل" بضم النون والميم، وهو تثقيل النملة. الراغب: طعامٌ منمولٌ، والنملة: قرحةٌ تخرج بالجنب تشبيهاً بالنمل في الهيئة وشقٌ في الحافر، ومنه: فرسٌ نمل القوائم، ويستعار النمل للنميمة تصورًا لدبيبه، فيقال: هو نملٌ وذو نملةٍ ونمال، أي: نمام، وتنمل القوم: تفرقوا للجمع تفرق النمل، ولذلك يقال: هو أجمع من نملةٍ.

стр. 6079

عرجاء تتكاوس، فنادت: (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ): الآية، فسمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال". وقيل: "كان اسمها طاخية". وعن قتادة أنه دخل الكوفة فالتف عليه الناس، فقال: "سلوا عما شئتم"، وكان أبو حنيفة ﵀ حاضرا وهو غلام حدث. فقال: سلوه عن نملة سليمان، أكانت ذكرا أم أنثى؟ فسألوه فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى، فقيل له: من أين عرفت؟ قال: من كتاب الله، وهو قوله: (قالَتْ) نَمْلَةٌ ولو كانت ذكرا لقال: قال نملة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تتكاوس)، الجوهري: يقال: كاس البعير: إذا مشى على ثلاث قوائم وهو معرقبٌ. قوله: (وعن قتادة)، قال صاحب "الجامع": هو أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي البصري الأعمى، يعد في الطبقة الثالثة من تابعي البصرة، روى عن أنس بن مالك كثيراً. قوله: (وهو قوله: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾، ولو كانت ذكرًا لقال: قال نملةٌ)، الانتصاف: العجب من أبي حنيفة ﵁ إن ثبت ذلك عنه، لأن النملة كالحمامة والشاة تقع على الذكر والأنثى، فيقال: نملةٌ أنثى، وشاةٌ وحمامةٌ، كذلك فلفظها مؤنث، ومعناه محتملٌ، وتأنيثها لأجل لفظها، وإن كان المراد بها ذكرًا وهو الأفصح المستعمل قال ﷺ : "لا تضح بعوراء ولا عمياء ولا عجفاء" أجرى الصفات على اللفظ المؤنث، ولا يعني الإناث من النعم خاصةً، كذا هاهنا، وكيف يسأل أبا حنيفة بهذا ويفحم به قتادة مع غزارة علمه. والأشبه أن هذا لا يصح عنهما. قال ابن الحاجب: التأنيث اللفظي: هو أن لا يكون بإزائه ذكرٌ في الحيوان، كظلمةٍ وعينٍ، ولا فرق بين أن يكون حيوانًا أو غيره، كدجاجة وحمامةٍ إذا قصد به مذكر، فإنه

стр. 6080

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مؤنث لفظيٌ، ولذلك كان قول من زعم أن النملة في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل: ١٨] أنثى لورود تاء التأنيث في ﴿قَالَتْ﴾ وهما لجواز أن يكون مذكرًا في الحقيقة، وورود تاء التأنيث كورودها في الفعل المؤنث اللفظي، نحو: جاءت الظلمة. وأجابه بعض فضلاء ما وراء النهر، وقال: لعمري إن ابن الحاجب تعسف هاهنا وترك الواجب، حيث اعترض على إمام أهل الإسلام، واعتراضه بقوله: "وورود تاء التأنيث كورودها في الفعل المؤنث اللفظي وهو مذكر"، ليس بشيءٍ، إذ لو كان جائزًا أن يؤتى بتاء التأنيث في الفعل بمجرد صورة التأنيث في الفاعل المذكر الحقيقي، لكان ينبغي أن يقال: جاءتني طلحة، وهو غير جائزٍ. وجوابه عن ذلك في "شرحه" بقوله: "وليس ذلك كتأنيث أسماء الأعلام، فإنها لا يعتبر فيها إلا المعنى دون اللفظ، خلافًا للكوفيين. والسر فيه هو أنهم نقلوها عن معانيها إلى مدلولٍ آخر، فاعتبروا فيها المدلول الثاني، ولو اعتبر تأنيثها لكان اعتبارًا للمدلول الأول، فيفسد المعنى، فلذلك لا يقال: أعجبتني طلحة" تناقضٌ محضٌ، كأنه نسى ما أمضى في صدر كتابه من قوله: "فإن سمى به مذكرٌ فشرطه الزيادة" يعني: فإن سمى بالمؤنث المعنوي، فشرطه الزيادة على ثلاثة أحرفٍ. فلا يخفى على من له أدنى مسكة أن عقرب مع أن علامة التأنيث فيها مقدرةٌ، فالعلمية لا تمنعها عن اعتبار تأنيثها، حتى لا تمتنع من الصرف، فكيف تمنع العلمية عن اعتبار التأنيث في طلحة مع أن علامة التأنيث فيها لفظية؟ ! فإذن ليس طرح التاء عن الفعل إلا لأن التاء إنما يجاء بها علامةً لتأنيث الفاعل، فالفاعل هاهنا مذكرٌ حقيقيٌ، فكذا النملة لو كان مذكرًا لكان هو مع طلحة حذو القذة بالقذة.

стр. 6081

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وينصر قول أبي حنيفة ﵁ ما نقل عن ابن السكيت حيث قال: هذا بطةٌ ذكرٌ، وهذا حمامةٌ، وهذا شاةٌ، إذا عنيت كبشًا، وهذا بقرةٌ، إذا عنيت ثورًا. فإن عنيت أنثى قلت: هذه بقرةٌ. وقلت: نظر الإمام الأعظم وتفسير المصنف راجعٌ إلى أن مثل: حمامة وشاة ونملة، ألفاظٌ مشتركةٌ تقع على الذكر والأنثى، والتاء لبيان الوحدة مفتقرةٌ في تعيينها، لأحد مفهوميها إلى نصب قرينةٍ، إما صفةً مميزةً، نحو: حمامةٌ ذكر، وشاةٌ أنثى، أو علامةً تلحق الفعل، نحو: قالت نملة، وقال نملة، أو جعلها خبرًا لاسم الإشارة، نحو: هذا بقرةٌ، وهذه بقرةٌ. ومما يقوي هذا المذهب قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩] وصفها بالصفراء بعد إجراء ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] عليها، وهي من أوصف النساء. فظهر أن القول ما قالت حذام، والمذهب ما سلكه الإمام. وفي "جامع الأصول" قال: لو ذهبنا إلى شرح مناقب الإمام أبي حنيفة ﵁ وبسط فضائله لأطلنا الخطب، ولم نصل إلى الغرض منها، فإنه كان عالمًا ورعًا، زاهدًا، عابدًا تقيًا، إمامًا في علوم الشريعة مرضيًا. قال الشافعي ﵁: من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيالٌ على أبي حنيفة. وقال: قيل لم لمالكٍ ﵁: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم. رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته.

стр. 6082

وذلك أنّ النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى، فيميز بينهما بعلامة، نحو قولهم: حمامة ذكر، وحمامه أنثى، وهو وهي. وقرئ: (مَسْكَنكُم) و (لا يَحْطِمَنْكُمْ)، وقرئ: (لا يَحْطِمَنَّكُمْ) بفتح الحاء وكسرها. وأصله: لا يَحْطِمَنَّكُمْ. ولما جعلها قائلة والنمل مقولا لهم كما يكون في أولى العقل: أجرى خطابهم مجرى خطابهم. فإن قلت: لا يحطمنكم ما هو؟ قلت: يحتمل أن يكون جوابا للأمر، وأن يكون نهيا بدلا من الأمر، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والنمل مقولًا لهم)، أي: لأجلهم، فجعلهم كالمخاطبين، واللام في "لهم" مثلها في قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [مريم: ٧٣]، أي: لأجلهم، فجعلهم كالمخاطبين. قوله: (يحتمل أن يكون جوابًا للأمر، وأن يكون نهيًا بدلًا من الأمر)، روى صاحب "الفرائد"، عن الفراء: هو نهيٌ فيه طرفٌ من الجزاء. وعن الأخفش: بل هذا على تقدير الواو العاطفة يكون نهياً بعد أمرٍ. والتقدير: ادخلوا مساكنكم لا يحطنكم سليمان، وعلى قول الفراء التقدير: إن دخلتم مساكنكم لا يحطمنكم سليمان. وقال صاحب "الكشف": هذا وإن كان في المعنى صحيحًا إلا أن اللفظ يمنع من فصاحته، ولو حمل عليه، لأن النون لا تدخل في الجزاء إلا في ضرورة الشعر. وقال صاحب "الفرائد" يمكن أن يقال: لم يعطف، لأن توكيدٌ للطلب، فهو كما في الخبر، نحو قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] لقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢].

стр. 6083

والذي جوّز أن يكون بدلا منه: أنه في معنى: لا تكونوا حيث أنتم فيحطمكم، على طريقة: لا أرينك هاهنا، أراد: لا يحطمنكم جنود سليمان، فجاء بما هو أبلغ، ونحوه: عجبت من نفسي ومن إشفاقها. [(فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ)]. ومعنى (فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً) تبسم شارعا في الضحك وآخذا فيه، بمعنى أنه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في معنى: لا تكونوا حيث أنتم فيحطمكم)، ومعنى هذا الأسلوب وهو أن ينهى الغير، والمراد: نهي المخاطب النهي عن أن يكون المخاطب على وصفٍ هو ملزوم المنهي عنه، فمآل المعنى: لا تكونوا خارجين عن مساكنكم فيحطمنكم سليمان وجنوده، ولذلك صح أن يكون بدلً من ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾. قوله: (عجبت من نفسي ومن إشفاقها)، بعده: … ومن طرادي الطير عن أرزاقها في سنةٍ قد كشفت عن ساقها … حمراء تبري اللحم عن عراقها كشف الساق: عبارةٌ عن شدة الأمر، لأن الإنسان إذا أصابته شدةٌ شمر عن ساقه، والعراق: العظم الذي لا لحم عليه، والذي عليه لحمٌ فهو عرقٌ بفتح العين. بري اللحم. قشره، أي: عجبت من إشفاق نفسي، فجاء بقوله: "من نفسي ومن إشفاقها"، كما كان الأصل: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ جنود سليمان، فجاء بقوله: ﴿سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ [النمل: ١٨]، ليكون أبلغ للإجمال والتفصيل والتكرير مع التبيين. قوله: (تبسم شارعًا في الضحك)، قال أبو البقاء: ﴿ضَاحِكًا﴾، حالٌ موكدة.

стр. 6084

قد تجاوز حدّ التبسم إلى الضحك، وكذلك ضحك الأنبياء. وأما ما روي: أن رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه؛ فالغرض المبالغة في وصف ما وجد منه من الضحك النبوي، وإلا فبدوّ النواجذ على الحقيقة إنما يكون عند الاستغراب، وقرأ ابن السميقع: (ضحكا). فان قلت: ما أضحكه من قولها؟ قلت: شيئان، إعجابه بما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال صاحب "الكشف": هي حال مقدرة، أي: فتبسم مقدرًا الضحك، ولا يكون محمولًا على الحال المطلق، لأن التبسم غير الضحك، وأنه ابتداء الضحك، وإنما يصير التبسم ضحكاً إذا اتصل ودام، فلابد من هذا التقدير. قوله: (إن رسول الله ضحك حتى بدت نواجذه)، مذكورٌ في حديث القيامة، آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولًا الجنة. أخرجه البخاري ومسلمٌ والترمذي عن ابن مسعود. النهاية: النواجذ من الأسنان: الضواحك، وهي التي تبدو عند الضحك، والأكثر الأشهر أنها أقصى الأسنان، والمراد: الأول، لأنه ما كان يبلغ به الضحك حتى يبدو آخر أضراسه، ولو أريد الثاني لكان مبالغةً في ضحكه من غير أن يراد ظهور نواجذه في الضحك، وهو أقيس لاشتهار النواجذ بأواخر الأسنان. وإليه أشار المصنف بقوله: "فالغرض المبالغة في وصف ما وجد منه من الضحك النبوي". قوله: (عند الاستغراب)، النهاية: وفي الحديث: إنه ضحك حتى استغرب، أي: بالغ فيه. يقال: أغرب في ضحكه واستغرب، وكأنه من الغرب: البعد، وقيل: هو القهقهة. قوله: (وقرأ ابن السميفع: ضحكاً)، السميفع: بفتح السين والفاء، وقد يضم.

стр. 6085

دل من قولها على ظهور رحمته ورحمة جنوده وشفقتهم، وعلى شهرة حاله وحالهم في باب التقوى، وذلك قولها: (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ): تعني: أنهم لو شعروا لم يفعلوا. وسروره بما آتاه الله مما لم يؤت أحدا: من إدراكه بسمعه ما همس به بعض الحكل الذي هو مثل في الصغر والقلة، ومن إحاطته بمعناه، ولذلك اشتمل دعاؤه على استيزاع الله ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال ابن جني: "ضحكًا" منصوبٌ على المصدر بفعل مضمر يدل عليه "تبسم"، كأنه قيل: ضحك ضحكًا. هذا مذهب صاحب "الكتاب"، وقياس قول أبي عثمان في قولهم: تبسمت وميض البرق، أنه منصوبٌ بنفس "تبسمت"، لأنه في معنى: أومضت. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون اسم فاعلٍ مثل: نصب، لأنه ماضيه: ضحك، فهو لازمٌ. قوله: (الحكل)، الحكل: ما لا يسمع له صوتٌ. وقال رؤبة: لو كنت قد أوتيت علم الحكل … علم سليمان كلام النمل قوله: (ولذلك اشتمل دعاؤه)، أي: ولأجل أن قوله: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ كان منيًا على أمرين: على شهرة حاله وحال جنوده في باب التقوى، وعلى إحاطته بمعنى ما أدركه سمعه ما همس به الحكل، أردفه بقوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، لأنهما نعمتان جليلتان موجبتان شكر منعمهما. قوله: (على استيزاع الله)، الراغب: قيل: الوزوع: الولوع بالشيء، ورجل وزوعٌ،

стр. 6086

شكر ما أنعم به عليه من ذلك، وعلى استيفاقه لزيادة العمل الصالح والتقوى. وحقيقة (أَوْزِعْنِي): اجعلني أزع شكر نعمتك عندي، وأكفه وأرتبطه لا ينفلت عني، حتى لا أنفك شاكرا لك. وإنما أدرج ذكر والديه؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقوله: ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، قيل: ألهمني، وتحقيقه: أولعني ذلك واجعلني بحيث أزع نفسي عن الكفران. وقال الزجاج: ﴿أَوْزِعْنِي﴾: ألهمني: وتحقيقه وتأويله في اللغة: كفني عن الأشياء التي تباعد عنك. فعلى هذا هو كنايةٌ تلويحيةٌ، فإنه طلب أن يكفه عما يؤدي إلى كفران النعمة بأن يلهمه ما به يقيد تلك النعمة من الشكر، وعلى تقدير المصنف: استعارةٌ مكنية بحيث جعل شكر النعمة كالناقة، فطلب أن يجعله كعقاله مرتبطاً إياه. وإليه الإشارة بقوله: "لا ينفلت عني"، والمراد: قيد النعمة باستدامة الشكر والمحافظة عليها. ومنه الحديث: "النعمة وحشية قيدوها بالشكر، فإنها إذا شكرت قرت، وإذا كفرت فرت". وقوله: "احذروا نفار النعم بقلة الشكر، فما كل شاردٍ بمردودٍ". قوله: (وعلى استيفاقه)، الجوهري: واستوقفت الله، أي: سألته التوفيق. وقال أبو القاسم القشيري: التوفيق ما تتفق به الطاعة، وهو القدرة التي تصلح للطاعة، واختص هذا الاسم بما يتفق به الخير دون الشر عرفًا شرعيًا.

стр. 6087

لأنّ النعمة على الولد نعمة على الوالدين، خصوصا النعمة الراجعة إلى الدين، فإنه إذا كان تقيا نفعهما بدعائه وشفاعته، وبدعاء المؤمنين لهما كلما دعوا له، وقالوا: رضي الله عنك وعن والديك. وروي أن النملة أحست بصوت الجنود ولا تعلم أنهم في الهواء، فأمر سليمان ﵇ الريح فوقفت لئلا يذعرن حتى دخلن مساكنهنّ، ثم دعا بالدعوة. ومعنى (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ) واجعلني من أهل الجنة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن النعمة على الولد نعمةٌ على الولدين)، هذا إذا قيدت النعمة المطلقة في ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ بما سبق من النعمتين، وأما إذا تركت على إطلاقها لتدخل فيها هاتان النعمتان دخولًا أوليًا يكون الحكم بالعكس، أي: النعمة على الوالد نعمةٌ على الولد، كما في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٧] إلى قوله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩] إلى آخر الآيات، ويعضده قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبا: ١٣] بعد قوله: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ [سبأ: ١٠]، وقوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ [سبأ: ١٢] إلى آخره، ولأن قوله: ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [النمل: ١٩] مطابقٌ لقوله: ﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] لإرادة المبالغة، فليتأمل. قوله: (لئلا يذعرن)، ذعرته: أفزعته، ذعر فهو مذعورٌ. قال: ذعرت به القطا وبقيت عنه … مقام الذئب كالرجل اللعين ومعنى: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾: واجعلني من أهل الجنة، أي أنه كنايةٌ عنه، كقوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٩، ٣٠]، أي: ادخلي في جملة عبادي الصالحين، وانتظمي في سلكهم، وادخلي جنتي معهم.

стр. 6088

[(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَاتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ)]. (أَمْ) هي المنقطعة: نظر إلى مكان الهدهد فلم يبصره، فقال: (ما لِيَ لا أَراهُ" على معنى أنه لا يراه وهو حاضر لساتر ستره أو غير ذلك، ثم لاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول: "أهو غائب"؟ كأنه يسأل عن صحة ما لاح له. ونحوه قولهم: إنها لإبل أم شاء، وذكر من قصة الهدهد أنّ سليمان حين تم له بناء بيت المقدس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ونحوه قولهم: إنها لإبلٌ أم شاءٌ)، قيل: لو قال ونحوه قوله: "أزيدٌ عندك أم عندك عمرٌو" كأن أولى، لأن "أم" المنقطعة تقع في الاستفهام والخبر، وما نحن فيه من قبيل الاستفهام، وأنت في الاستفهام تكون مستفهمًا عن واحد بعينه بعد إضرابك عن الآخر، فكأنك قلت: أزيدٌ عندك؟ ظانًا أنه عند المخاطب، ليوقفك على حقيقة الأمر بلا ونعم، ثم بدا لك وصرت ظاناً أن الذي عنده هو عمرٌو، وأردت أن تترك الاستفهام عن زيدٍ إلى الاستفهام عن عمروٍ، فقلت: أم عندك عمروٌ؟ ولذلك ذكرت لكل واحدٍ منهما خبرة، لإضرابك عن الكلام الأول، واستفهامك عن الكلام الآخر. وأما الخبر الثابت فأنت في قولك: "إنها لإبلٌ" جئت بالإخبار المحض، ثم جئت بعدها بالاستفهام، كأن قائل هذا سبق بصره إلى شبحٍ فظنه إبلاً فأخبر عن مقتضى ظنه، ثم اعتراه الشك فأعرض عنه، فـ "أم" هذه متضمنةٌ الهمزة "وبل"، فـ "بل" تدل على أنه قد أضرب عما سبق من الكلام، والهمزة على أنه يستفهم كلامًا آخر. وقلت: معنى قوله: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ الإخبار وإن كان لفظه الطلب، وإليه الإشارة بقوله: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى﴾ على معنى أنه لا يراه وهو حاضرٌ لساترٍ ستره أو غير ذلك، فإنه في الجزم كونه حاضرًا مثل قوله: "إنها لإبلٌ"، وليس مثل: "أزيدٌ عندك"، لأنه ينكر على نفسه إنكارًا بليغًا عدم رؤيته، وهو حاضرٌ، وكذا الجملة الثانية تقريرٌ لإثبات خلافه، وأنه غائبٌ قطعاً لمجيء "كان" وإيقاع "من الغائبين" خبراً له لدلالتهما على أنه متوغلٌ في الغيبة. قال: بعيد، هذا في قوله: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]: "إن كنت من

стр. 6089

تجهز للحج بحشره، فوافى الحرم وأقام به ما شاء، وكان يقرّب كل يوم طول مقامه بخمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة، ثم عزم على السير إلى اليمن فخرج من مكة صباحا يؤم سهيلا، فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا حسناء أعجبته خضرتها، فنزل ليتغدّى ويصلى فلم يجدوا الماء، وكان الهدهد قناقنه، وكان يرى الماء من تحت الأرض كما يرى الماء في الزجاجة فيجيء الشياطين فيسلخونها كما يسلخ الإهاب ويستخرجون الماء، فتفقده لذلك، وحين نزل سليمان حلق الهدهد فرأى هدهدا واقعا، فانحط إليه فوصف له ملك سليمان وما سخر له من كل شيء، وذكر له صاحبه ملك بلقيس، وأنّ تحت يدها اثنا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكاذبين" أبلغ من: كذبت، لأنه إذا كان معروفًا بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذبًا لا محالة، فالهمزة للتقرير، وإليه أومأ بقوله: "كأنه يسأل عن صحة ما لاح له". قوله: (بحشرةٍ)، فعلٌ بمعنى مفعول، كالنقص والخطب، وقيل: جمع حاشرٍ، كالحرس في جمع حارس، إذا كانت الرواية "بحشرةٍ" بفتح الشين. قوله: (قناقنه)، الجوهري: القنقن: الدليل الهادي والبصير بالماء في حفر القني، وكذلك القناقن بالضم، والجمع القناقن بالفتح، كالجلاجل جمع الجلاجل. ونظير القناقن- بالضم- في أنه نعت فردٍ: العذافر، وهو الجمل القوي، وتحليق الطائر: ارتفاعه في طيرانه. قوله: (فتفقده)، الفقد: عدم الشيء بعد وجوده، وهو أخص من العدم، فإن العدم يقال فيه وفيما لم يوجد بعد. قال تعالى: ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧١، ٧٢]، والتفقد: التعهد، لكن حقيقة التفقد تعرف فقدان الشيء، والتعهد: تعرف العهد المتقدم. قال تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾. الفاقد: المرأة تفقد ولدها أو زوجها. قوله: (ملك بلقيس)، بلقيس: بالعربية بكسر الباء، وبالعجمية: بفتح الباء: وهي بيت قريقيس.

стр. 6090

عشر ألف قائد تحت كل قائد مائة ألف، وذهب معه لينظر فما رجع إلا بعد العصر، وذكر أنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خال فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عنه فلم يجد عنده علمه، ثم قال لسيد الطير وهو العقاب: علىّ به، فارتفعت فنظرت، فإذا هو مقبل فقصدته، فناشدها الله وقال: "بحق الذي قوّاك وأقدرك علىّ إلا رحمتينى"، فتركته وقالت: "ثكلتك أمك، إنّ نبى الله قد حلف ليعذبنك"، قال: "وما استثنى"؟ قالت: "بلى قال: أو ليأتينى بعذر مبين"، فلما قرب من سليمان أرخى ذنبه وجناحيه يجرّها علىّ الأرض تواضعا له، فلما دنا منه أخذ برأسه فمدّه إليه، فقال: "يا نبي الله، اذكر وقوفك بين يدي الله"، فارتعد سليمان وعفا عنه، ثم سأله. تعذيبه: أن يؤدّب بما يحتمله حاله ليعتبر به أبناء جنسه. وقيل: " كان عذاب سليمان للطير أن ينتف ريشه ويشمسه". وقيل: "أن يطلى بالقطران ويشمس". وقيل: "أن يلقى للنمل يأكله". وقيل: "إيداعه القفص". وقيل: "التفريق بينه وبين إلفه". وقيل: "لألزمنه صحبة الأضداد". وعن بعضهم: "أضيق السجون معاشرة الأضداد". وقيل: "لألزمنه خدمة أقرانه". فإن قلت: من أين حل له تعذيب الهدهد؟ قلت: يجوز أن يبيح له الله ذلك. لما رأى فيه من المصلحة والمنفعة، كما أباح ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع: وإذا سخر له الطير ولم يتم ما سخر له من أجله إلا بالتأديب والسياسة: جاز أن يباح له ما يستصلح به. وقرئ: (ليأتينى) و (ليأتينن). والسلطان: الحجة والعذر. فإن قلت: قد حلف ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عفريت الطير)، نقل صاحب "النهاية" عن المصنف: العفر والعفرية والعفريت والعفارية: القوي المتشيطن الذي يعفر قرنه، والياء في عفرية وعفارية للإلحاق، والتاء في عفريت للإلحاق بقنديل. وفي بعض النسخ: "عريف الطير"، العريف: النقيب، وهو دون الرئيس عرف عرافةً بالضم والكسر: صار عريفاً. قوله: ("ليأتينني" و"ليأتينن")، قرأ ابن كثيرٍ: "ليأتينني" بنونين، الأولى مفتوحةٌ

стр. 6091

على أحد ثلاثة أشياء: فحلفه على فعليه لا مقال فيه، ولكن كيف صح حلفه على فعل الهدهد؟ ومن أين درى أنه يأتي بسلطان، حتى يقول: "والله ليأتيني بسلطان"؟ قلت: لما نظم الثلاثة بـ "أو" في الحكم الذي هو الحلف: آل كلامه إلى قولك: ليكونن أحد الأمور، يعنى: إن كان الإتيان بالسلطان لم يكن تعذيب ولا ذبح، وإن لم يكن كان أحدهما، وليس في هذا ادّعاء دراية، على أنه يجوز أن يتعقب حلفه بالفعلين وحي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مشددةُ، والباقون: بواحدةٍ مكسورةٍ مشددةٍ، والأصل قراءة ابن كثيرٍ، لكن حذفت النون التي قبل ياء المتكلم لاجتماع النونات. قوله: (لما نظم الثلاثة بـ "أو" في الحكم الذي هو الحلف)، يعني: إن كان العطف جمع الأمور الثلاثة في حكم الحلف ظاهراً، لكن "أو" الثانية للترديد، والأولى للتخيير، فيكون قوله: ﴿أَوْ لَيَاتِيَنِّي﴾ معطوفاً على ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾، لا على ﴿لَأَذْبَحَنَّهُ﴾، ليؤول معنى الثلاثة إلى الآيتين، فكأنه قيل: إن كان الإتيان بالسلطان لم يكن تعذيبٌ ولا ذبحٌ، وإن لم يكن كان أحدهما من غير تعيينٍ، فليس حينئذٍ في الكلام ادعاء درايةٍ من سليمان ﵇ لانبناء الكلام على التخيير والترديد. قال القاضي: والحلف في الحقيقة على أحد الأولين بتقدير عدم الثالث. قوله: (أن يتعقب حلفه)، الجوهري: عاقبه أي جاءه بعقبه، فهو معاقبٌ وعقيبٌ، والتعقيب مثله، يعني قوله: ﴿أَوْ لَيَاتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أوحي إليه بعد حلفه بالفعلين، أي: فلما أتم كلامه عقبه بما أوحى إليه، وما أوحى إليه لا يكون إلا يقيناً عن درايةٍ. الدراية: علمٌ يحصل بالتكلف، ولهذا لا يجوز إطلاقه على الله تعالى.

стр. 6092

من الله بأنه سيأتيه بسلطان مبين، فثلث بقوله: (أَوْ لَيَاتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ) عن دراية وإيقان. [(فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ)]. (فَمَكَثَ) قرئ بفتح الكاف وضمها. (غَيْرَ بَعِيدٍ) غير زمان بعيد، كقولك: عن قريب. ووصف مكثه بقصر المدّة للدلالة على إسراعه خوفا من سليمان، وليعلم كيف كان الطير مسخرا له، ولبيان ما أعطى من المعجزة الدالة على نبوّته وعلى قدرة الله . (أَحَطْتُ): بإدغام الطاء في التاء؛ بإطباق وبغير إطباق: ألهم الله الهدهد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما قول الشاعر: والله لا أدري وأنت الداري فشاذٌ، يقال: دريته ودريت به دريًا، ودريةً ودرايةً. قوله: (﴿فَمَكَثَ﴾ قرئ بفتح الكاف وضمها)، بالفتح عاصمٌ، وبالضم الباقون. قوله: (﴿أَحَطتُ﴾ بإدغام الطاء في التاء بإطباقٍ وبغير إطباقٍ)، قيل: ذهب بعضهم إلى أن الحروف المطبقة تدغم في غيرها مع بقاء الإطباق، ورده ابن الحاجب بأن الإطباق صفةٌ للمطبقة ولا يكون إلا بها، وإذا لم يكن إلا بها ينافي الإدغام، لأنه يجب إبدالها إلى المدغم فيه، فيؤدي إلى أن تكون موجودةً غير موجودةٍ وهو متناقضٌ، وذلك أن الإطباق رفع اللسان إلى ما يحاذيه من الحنك للتصويت بصوت الحرف المخرج عنده، فلا يستقيم

стр. 6093

فكافح سليمان بهذا الكلام على ما أوتي من فضل النبوّة والحكمة والعلوم الجمة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إلا بنفس الحرف، وإذا كان كذلك فالتحقيق أن نحو: ﴿فَرَّطْتُ﴾ [الزمر: ٥٦]، و"أغلطت"، و ﴿أَحَطتُ﴾ بالإطباق ليس معه إدغامٌ، ولكنه لما اشتد التقارب وأمكن النطق بالثاني مع الأول من غير نقل اللسان كان كالنطق بالمثل بعد المثل، فأطلق عليه الإدغام. وأيضاً الإنسان يحس من نفسه عند قوله: ﴿أَحَطتُ﴾ النطق بالطاء خفيفةً وبالتاء بعدها، فلا يجوز أن يقال: إن الطاء مدغمةً، لأن إدغامها يوجب قلبها إلى ما بعدها. قوله: (فكافح سليمان)، الأساس: كافحه لاقاه مواجهةً عن مفاجأةٍ، ولقيته كفاحًا وكافحوهم في الحرب: ضاربوهم تلقاء الوجوه. الجوهري: أي ليس دونها ترسٌ ولا غيره. وكافح هاهنا مستعارٌ لمواجهة الكلام وسلوك طريق التصريح، دون الإيماء والتلويح كما هو عادة المتسفل أن يتكلم بين يدي المستعلي، لاسيما المخاطب نبي الله، ومن ثم قال محيي السنة: الإحاطة: العلم بالشيء من جميع جهاته، يقول: علمت ما لم تعلم، وبلغت ما لم تبلغه أنت ولا جنودك، وجئتك ﴿مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. وليست هذه المكافحة من قبيل رفع الصوت بين يدي رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] حتى تعارض به، ويقال: كيف يمكن للهدهد المكافحة وهو أضعف مخلوق، وقد أمر الله تعالى المؤمنين الذين هم أشرف الخلائق بخفض الصوت عند نبيه بقوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ [الحجرات: ٢]، لأن هذا تأديب وتهذيب لسليمان ﵇ وذلك تعظيم لجلالة حضرة الرسالة ورفع منزلتها، ولكل مقام مقال. فعلى الخائض في الطعن إلقاء البال، وذلك أن نبي الله سليمان حينما رأى سوابغ نعم الله- والآية في حقه وفي حق أبيه- ملكًا وعلمًا واستبدادهما بالمزية والفضل على سائر الناس، حتى قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وعقبه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا

стр. 6094

والإحاطة بالمعلومات الكثيرة، ابتلاء له في علمه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِين﴾ [النمل: ١٦]، وأراد الله تعالى أن يثبته على هذا الشكر، ولا تؤديه تلك النعم إلى العجب والطغيان، ألهم الهدهد لمكافحته تهييجًا له وإلهاباً وابتلاءً وتنبيهًا. وقريبٌ منه قوله تعالى في حق أفضل الخلق: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَاب﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ [يونس: ٩٤، ٩٥]، أي: دم على ما أنت عليه من انتفاء المرية عنك والتكذيب بآيات الله. ونظير هذا الابتلاء الكليم بالخضر ﵉. روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا أعلم. قال: فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى إليه أن عبداً من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك". الحديث بتمامه. ولعل المصنف نظر في كلام سليمان ﵇ وافتخاره بالعلم والملك فبنى كلامه عليهما، فقوله: "لتتحاقر إليه نفسه"، ينظر إلى الملك، و"يتصاغر إليه علمه" إلى العلم، فعلى هذا قوله: "ابتلاءً له في علمه"، مفعولٌ له لقوله: "ألهم الله"، و"تنبيهاً" عطفٌ عليه. وقوله: "لتتحاقر"، تعليلٌ لقوله: "تنبيهاً"، وإنما أتى باللام فيه، لأنه ليس فعلًا للمنبه، بخلافه في قوله: "تنبيهًا"، لأنه فعلٌ للملهم، والضميران في "إليه" و"نفسه" في الصيغتين لسليمان ﵇. قال في "الأساس": تحاقرت إليه نفسه، وقد حقر في عيني حقارةً، وتصاغرت إليه نفسه: صارت صغيرة الشأن ذلًا ومهانةً، ولله أن يمتحن أفضل الخلق بأحقره بناءً على المشيئة المحضة أو المصلحة على الخلاف.

стр. 6095

وتنبيها على أنّ في أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علما بما لم يحط به، لتتحاقر إليه نفسه، ويتصاغر إليه علمه، ويكون لطفا له في ترك الإعجاب؛ الذي هو فتنة العلماء، وأعظم بها فتنة، والإحاطة بالشيء علما: أن يعلم من جميع جهاته، لا يخفى منه معلوم. قالوا: وفيه دليل على بطلان قول الرافضة إنّ الإمام لا يخفى عليه شيء، ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في أدنى خلقه وأضعفه)، لأن الهدهد من البغاث لا من العتاق، قال: سليمان ذو ملكٍ تفقد هدهدا … وإن أخس الطائرات الهداهد قوله: (قالوا: فيه دليلٌ على بطلان قول الرافضة)، يعني: دل بإشارة النص والإدماج على أن ما قالوا: إن الإمام ينبغي أن لا يخفى عليه شيءٌ من الجزئيات باطلٌ، لأن هذا الهدهد قد اطلع على ما خفي على نبي الله سليمان، ولا يلزم من ذلك فضل آحاد الناس على سيدنا صلوات الله عليه. روينا عن الإمام أحمد وابن ماجه، عن طلحة بن عبيد الله قال: مررت مع رسول الله ﷺ بقومٍ على رؤوس النخل، فقال: "ما يصنع هؤلاء"؟ قالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى تلقح، فقال رسول اله ﷺ : "ما أظن ذلك يغني شيئاً" فأخبروا بذلك فتركوه، فاخبر رسول الله ﷺ ، فقال: "فإن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظناً، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله بشيءٍ فخذوا مني، فإني لن أكذب على الله". وفي رواية أحمد: فقال: "إذا كان شيئاً من أمر دنياكم فشأنكم به". وأما تحقيق المسألة: فقد ذكره الإمام في "نهاية العقول" قال: اتفقت الإمامية على أن
следующие страницы →