Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.
стр. 6091
على أحد ثلاثة أشياء: فحلفه على فعليه لا مقال فيه، ولكن كيف صح حلفه على فعل الهدهد؟ ومن أين درى أنه يأتي بسلطان، حتى يقول: "والله ليأتيني بسلطان"؟ قلت: لما نظم الثلاثة بـ "أو" في الحكم الذي هو الحلف: آل كلامه إلى قولك: ليكونن أحد الأمور، يعنى: إن كان الإتيان بالسلطان لم يكن تعذيب ولا ذبح، وإن لم يكن كان أحدهما، وليس في هذا ادّعاء دراية، على أنه يجوز أن يتعقب حلفه بالفعلين وحي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مشددةُ، والباقون: بواحدةٍ مكسورةٍ مشددةٍ، والأصل قراءة ابن كثيرٍ، لكن حذفت النون التي قبل ياء المتكلم لاجتماع النونات.
قوله: (لما نظم الثلاثة بـ "أو" في الحكم الذي هو الحلف)، يعني: إن كان العطف جمع الأمور الثلاثة في حكم الحلف ظاهراً، لكن "أو" الثانية للترديد، والأولى للتخيير، فيكون قوله: ﴿أَوْ لَيَاتِيَنِّي﴾ معطوفاً على ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾، لا على ﴿لَأَذْبَحَنَّهُ﴾، ليؤول معنى الثلاثة إلى الآيتين، فكأنه قيل: إن كان الإتيان بالسلطان لم يكن تعذيبٌ ولا ذبحٌ، وإن لم يكن كان أحدهما من غير تعيينٍ، فليس حينئذٍ في الكلام ادعاء درايةٍ من سليمان ﵇ لانبناء الكلام على التخيير والترديد.
قال القاضي: والحلف في الحقيقة على أحد الأولين بتقدير عدم الثالث.
قوله: (أن يتعقب حلفه)، الجوهري: عاقبه أي جاءه بعقبه، فهو معاقبٌ وعقيبٌ، والتعقيب مثله، يعني قوله: ﴿أَوْ لَيَاتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أوحي إليه بعد حلفه بالفعلين، أي: فلما أتم كلامه عقبه بما أوحى إليه، وما أوحى إليه لا يكون إلا يقيناً عن درايةٍ.
الدراية: علمٌ يحصل بالتكلف، ولهذا لا يجوز إطلاقه على الله تعالى.
стр. 6092
من الله بأنه سيأتيه بسلطان مبين، فثلث بقوله: (أَوْ لَيَاتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ) عن دراية وإيقان.
[(فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ)].
(فَمَكَثَ) قرئ بفتح الكاف وضمها. (غَيْرَ بَعِيدٍ) غير زمان بعيد، كقولك: عن قريب. ووصف مكثه بقصر المدّة للدلالة على إسراعه خوفا من سليمان، وليعلم كيف كان الطير مسخرا له، ولبيان ما أعطى من المعجزة الدالة على نبوّته وعلى قدرة الله .
(أَحَطْتُ): بإدغام الطاء في التاء؛ بإطباق وبغير إطباق: ألهم الله الهدهد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما قول الشاعر:
والله لا أدري وأنت الداري
فشاذٌ، يقال: دريته ودريت به دريًا، ودريةً ودرايةً.
قوله: (﴿فَمَكَثَ﴾ قرئ بفتح الكاف وضمها)، بالفتح عاصمٌ، وبالضم الباقون.
قوله: (﴿أَحَطتُ﴾ بإدغام الطاء في التاء بإطباقٍ وبغير إطباقٍ)، قيل: ذهب بعضهم إلى أن الحروف المطبقة تدغم في غيرها مع بقاء الإطباق، ورده ابن الحاجب بأن الإطباق صفةٌ للمطبقة ولا يكون إلا بها، وإذا لم يكن إلا بها ينافي الإدغام، لأنه يجب إبدالها إلى المدغم فيه، فيؤدي إلى أن تكون موجودةً غير موجودةٍ وهو متناقضٌ، وذلك أن الإطباق رفع اللسان إلى ما يحاذيه من الحنك للتصويت بصوت الحرف المخرج عنده، فلا يستقيم
стр. 6093
فكافح سليمان بهذا الكلام على ما أوتي من فضل النبوّة والحكمة والعلوم الجمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلا بنفس الحرف، وإذا كان كذلك فالتحقيق أن نحو: ﴿فَرَّطْتُ﴾ [الزمر: ٥٦]، و"أغلطت"، و ﴿أَحَطتُ﴾ بالإطباق ليس معه إدغامٌ، ولكنه لما اشتد التقارب وأمكن النطق بالثاني مع الأول من غير نقل اللسان كان كالنطق بالمثل بعد المثل، فأطلق عليه الإدغام.
وأيضاً الإنسان يحس من نفسه عند قوله: ﴿أَحَطتُ﴾ النطق بالطاء خفيفةً وبالتاء بعدها، فلا يجوز أن يقال: إن الطاء مدغمةً، لأن إدغامها يوجب قلبها إلى ما بعدها.
قوله: (فكافح سليمان)، الأساس: كافحه لاقاه مواجهةً عن مفاجأةٍ، ولقيته كفاحًا وكافحوهم في الحرب: ضاربوهم تلقاء الوجوه. الجوهري: أي ليس دونها ترسٌ ولا غيره.
وكافح هاهنا مستعارٌ لمواجهة الكلام وسلوك طريق التصريح، دون الإيماء والتلويح كما هو عادة المتسفل أن يتكلم بين يدي المستعلي، لاسيما المخاطب نبي الله، ومن ثم قال محيي السنة: الإحاطة: العلم بالشيء من جميع جهاته، يقول: علمت ما لم تعلم، وبلغت ما لم تبلغه أنت ولا جنودك، وجئتك ﴿مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. وليست هذه المكافحة من قبيل رفع الصوت بين يدي رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] حتى تعارض به، ويقال: كيف يمكن للهدهد المكافحة وهو أضعف مخلوق، وقد أمر الله تعالى المؤمنين الذين هم أشرف الخلائق بخفض الصوت عند نبيه بقوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ [الحجرات: ٢]، لأن هذا تأديب وتهذيب لسليمان ﵇ وذلك تعظيم لجلالة حضرة الرسالة ورفع منزلتها، ولكل مقام مقال.
فعلى الخائض في الطعن إلقاء البال، وذلك أن نبي الله سليمان حينما رأى سوابغ نعم الله- والآية في حقه وفي حق أبيه- ملكًا وعلمًا واستبدادهما بالمزية والفضل على سائر الناس، حتى قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وعقبه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا
стр. 6094
والإحاطة بالمعلومات الكثيرة، ابتلاء له في علمه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِين﴾ [النمل: ١٦]، وأراد الله تعالى أن يثبته على هذا الشكر، ولا تؤديه تلك النعم إلى العجب والطغيان، ألهم الهدهد لمكافحته تهييجًا له وإلهاباً وابتلاءً وتنبيهًا.
وقريبٌ منه قوله تعالى في حق أفضل الخلق: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَاب﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ [يونس: ٩٤، ٩٥]، أي: دم على ما أنت عليه من انتفاء المرية عنك والتكذيب بآيات الله.
ونظير هذا الابتلاء الكليم بالخضر ﵉. روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا أعلم. قال: فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى إليه أن عبداً من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك". الحديث بتمامه.
ولعل المصنف نظر في كلام سليمان ﵇ وافتخاره بالعلم والملك فبنى كلامه عليهما، فقوله: "لتتحاقر إليه نفسه"، ينظر إلى الملك، و"يتصاغر إليه علمه" إلى العلم، فعلى هذا قوله: "ابتلاءً له في علمه"، مفعولٌ له لقوله: "ألهم الله"، و"تنبيهاً" عطفٌ عليه.
وقوله: "لتتحاقر"، تعليلٌ لقوله: "تنبيهاً"، وإنما أتى باللام فيه، لأنه ليس فعلًا للمنبه، بخلافه في قوله: "تنبيهًا"، لأنه فعلٌ للملهم، والضميران في "إليه" و"نفسه" في الصيغتين لسليمان ﵇.
قال في "الأساس": تحاقرت إليه نفسه، وقد حقر في عيني حقارةً، وتصاغرت إليه نفسه: صارت صغيرة الشأن ذلًا ومهانةً، ولله أن يمتحن أفضل الخلق بأحقره بناءً على المشيئة المحضة أو المصلحة على الخلاف.
стр. 6095
وتنبيها على أنّ في أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علما بما لم يحط به، لتتحاقر إليه نفسه، ويتصاغر إليه علمه، ويكون لطفا له في ترك الإعجاب؛ الذي هو فتنة العلماء، وأعظم بها فتنة، والإحاطة بالشيء علما: أن يعلم من جميع جهاته، لا يخفى منه معلوم. قالوا: وفيه دليل على بطلان قول الرافضة إنّ الإمام لا يخفى عليه شيء، ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في أدنى خلقه وأضعفه)، لأن الهدهد من البغاث لا من العتاق، قال:
سليمان ذو ملكٍ تفقد هدهدا … وإن أخس الطائرات الهداهد
قوله: (قالوا: فيه دليلٌ على بطلان قول الرافضة)، يعني: دل بإشارة النص والإدماج على أن ما قالوا: إن الإمام ينبغي أن لا يخفى عليه شيءٌ من الجزئيات باطلٌ، لأن هذا الهدهد قد اطلع على ما خفي على نبي الله سليمان، ولا يلزم من ذلك فضل آحاد الناس على سيدنا صلوات الله عليه.
روينا عن الإمام أحمد وابن ماجه، عن طلحة بن عبيد الله قال: مررت مع رسول الله ﷺ بقومٍ على رؤوس النخل، فقال: "ما يصنع هؤلاء"؟ قالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى تلقح، فقال رسول اله ﷺ : "ما أظن ذلك يغني شيئاً" فأخبروا بذلك فتركوه، فاخبر رسول الله ﷺ ، فقال: "فإن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظناً، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله بشيءٍ فخذوا مني، فإني لن أكذب على الله". وفي رواية أحمد: فقال: "إذا كان شيئاً من أمر دنياكم فشأنكم به".
وأما تحقيق المسألة: فقد ذكره الإمام في "نهاية العقول" قال: اتفقت الإمامية على أن
стр. 6096
(سبأ) قرئ بالصرف ومنعه. وقد روي بسكون الباء. وعن ابن كثير في رواية:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإمام يجب أن يكون عالمًا بكل الدين، فإن كان مرادهم بذلك أنه يجب أن يكون عالمًا بجميع القواعد الشرعية وضوابطها، وبكثيرٍ من الفروع الجزئية لتلك القواعد، بحيث لو حدثت حادثةٌ ولا يعلم حكمها يكون متمكنًا من استنباط الحكم فيها على الوجه الصحيح، فذلك مذهبنا، وهو الذي نعني بقولنا: الإمام يجب أن يكون مجتهدًا، وإن عنوا به أن الإمام يجب أن يكون عالمًا على التفصيل بأحكام جميع الحوادث الجزئية التي يمكن وقوعها، فليس الأمر عندنا كذلك.
والمعتمد في إفساده: أن الجزئيات التي يمكن وقوعها غير متناهيةٍ، فيستحيل حصوله للإنسان. قالوا: يجب للإمام أن يحكم في كل الأمور، لأنه لا يحسن من الملك أن يفوض سياسة جنده ورعيته إلى من لا يعرف السياسة وأحكام الملك، ولأنه لو لم يعلم الأحكام كلها لجاز أن يحدث حادثٌ لا يعرف حكمها، ولا يؤدي اجتهاده إليه، ولا يتسع الزمان لمراجعة الاجتهاد، ولأن الجهل بكل الشريعة منفرٌ، ولا يجوز ثبوته للإمام قياسًا على النبي. ويعني بكونه منفرًا أن الناس إذا علموا أنه يخفى على إمامهم شيءٌ من الأحكام استنكفوا منه.
وأجاب الإمام عن الأسئلة بأجوبةٍ شافيةٍ، فلينظر هناك.
وعن بعضهم أنهم تمسكوا بقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] أرادوا به الإمام الذي يستخلف، والصحيح أنه يجوز استخلاف المفضول عند وجود الفاضل، فلهذا ترك عمر ﵁ الخلافة شورى بين ستة نفرٍ وفيهم الفاضل والمفضول، والحق أن المراد بقوله: ﴿إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]: اللوح المحفوظ، لقوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]، والله أعلم.
قوله: (﴿سَبَإِ﴾ قرئ بالصرف ومنعه)، البزي وأبو عمروٍ: "سبأ" هاهنا، وفي سبأ: بفتح
стр. 6097
(سبا)، بالألف كقولهم: ذهبوا أيدي سبا. وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، فمن جعله اسما للقبيلة لم يصرف، ومن جعله اسما للحىّ أو الأب الأكبر صرف. قال:
من سبإ الحاضرين مأرب إذ … يبنون من دون سيله العرما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهمزة من غير تنوينٍ، وقنبل: بإسكانها على نية الوقف، والباقون: بالخفض مع التنوين.
قوله: (ذهبوا أيدي سبا)، الجوهري: ذهبوا أيدي سبا، وأيادي سبا، أي: متفرقين، وهما اسمان جعلا واحدًا، مثل: معدي كرب.
الراغب: سبأ: اسم بلدٍ تفرق أهله، ولهذا يقال: ذهبوا أيادي سبأ، أي: تفرقوا تفرق أهل هذا المكان من كل جانبٍ.
روينا في "مسند الإمام أحمد" وفي "سنن الترمذي" و"أبي داود"، عن فروة بن مسيكٍ، أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : وما سبأ: أرضٌ أو امرأةٌ؟ قال: "ليس بأرضٍ ولا امرأةٍ، ولكنه رجلٌ ولد عشرةً من العرب، فتيامن منهم ستةٌ، وتشاءم منهم أربعةٌ، فأما الذين تشاءموا فلخمٌ وجذام وغسان وعاملة، وأما الذين تيامنوا فالأزد والأشعرون وحمير وكندة ومذحجٌ وأنمار"، فقال: رجلٌ: وما أنمار؟ فقال: "الذين منهم خثعمٌ وبجيلةٌ".
قوله: (من سبأ الحاضرين)، البيت. "الحاضرين": صفة سبأ، و"مأرب" مفعول "الحاضرين"، و"إذ" ظرفه، وقيل: "مأرب" ظرفٌ لـ "الحاضرين" و"إذ" أيضًا. و"العرم": السد يصنع في الوادي لتحبيس الماء.
يمدح رجلًا هو من قبيلة سبأ الحاضرين مدينة مأرب الذين بنوا العرم دون السيل،
стр. 6098
وقال:
الواردون وتيم في ذرى سبإ … قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس
ثم سميت مدينة مأرب بسبإ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث، كما سميت معافر بمعافر بن أدّ. ويحتمل أن يراد المدينة والقوم. و (النبأ): الخبر الذي له شأن. وقوله: (مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ) من جنس الكلام الذي سماه المحدّثون: البديع، وهو من محاسن الكلام الذي يتعلق باللفظ، بشرط أن يجيء مطبوعا. أو يصنعه عالم بجوهر الكلام يحفظ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقيل: العرم المسناة التي بنتها بلقيس سكرًا وسداً، والمعنى: يبنون من دون السيل السد.
قوله: (الواردون)، البيت. الذرى- بالفتح-: كل ما استترت به، يقال: إنا في ظل فلانٍ وفي ذراه، أي: كنفه وستره. وذرى كل شيء: أعاليه، الواحدة: ذروة، يقول: الواردون هم وتيم في أعلى أرض سبأ مغلولين بأغلالٍ من جلد الجواميس، بحيث تعض أعناقهم.
وصرف "سبأ" إذ جعله بمعنى الحي أو الأب الأكبر.
قوله: (معافر)، قيل: معافر حيٌ من همدان، وإليه تنسب الثياب المعافرية.
الأساس: المعافرية: ثياب منسوبةٌ إلى بلد نزل فيه معافر بن أد.
قوله: (الذي سماه المحدثون: البديع)، أي: المتأخرون، جعلوه من قسم البديع، واسم هذه الصنعة في البديع: تضمين المزدوج، وهو أن يقع في أثناء القرائن في النظم أو النثر لفظان مسجعان بعد رعاية حدود الأسجاع والقوافي، وقد جاء في الشعر:
مضى الصاحب الكافي ولم يبق بعده … كريمٌ يروي الأرض فيض غمامه
فقدناه لما تم واعتم بالعلا … كذاك خسوف البدر عند تمامه
стр. 6099
معه صحة المعنى وسداده، ولقد جاء هاهنا زائدا على الصحة فحسن وبدع لفظا ومعنى. ألا ترى أنه لو وضع مكان (بِنَبَإٍ) "بخبر"، لكان المعنى صحيحا، وهو كما جاء أصح، لما في النبإ، من الزيادة التي يطابقها وصف الحال.
[(إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ)].
المرأة بلقيس بنت شراحيل، وكان أبوها ملك أرض اليمن كلها، وقد ولده
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهو كما جاء أصح، لما في النبأ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال)، وهي ما في الإنباء من معنى الإخبار الذي ينبه السامع على الشيء من حيث لا يدري.
الراغب: النبأ: خبرٌ ذو فائدةٍ عظيمةٍ يحصل به علمٌ أو غلبة ظنٍّ، ولا يقال للخبر في الأصل: نبأٌ حتى يتضمن لما ذكر، وحق الخبر الذي يقال فيه نبأٌ أن يتعرى عن الكذب كالتواتر، وخبر الله تعالى وخبر النبي ﷺ ، ولتضمن النبأ لمعنى الخبر يقال: أنبأته بكذا، أي: أخبرته به، ولتضمنه معنى العلم قيل: أنبأته كذا، ويقال: أنبأته ونبأته، ونبأته أبلغ.
الأساس: أتاني نبأٌ من الأنباء، وأنبئت بكذا وكذا، ورجلٌ نابئٌ وسيلٌ نابئٌ طارئٌ من حيث لا يدري، وهل عندكم نبائة خبرٍ. وقال الشاعر:
ألا فاسقياني وانفيا عنكما القذى … فليس القذى بالعود يسقط في الخمر
ولكن قذاها كل أشعث نابئٍ … أتتنا به الأقدار من حيث لا ندري
والخبر الذي يكون بهذه المثابة يعتني بشأنه، ومن ثم قال: "النبأ: الخبر الذي له شأنٌ"، فيكون قد أدمج فيه تتميم معنى المكافحة الذي يعطيه قوله: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢]، كما قال: "فكافح سليمان بهذا الكلام … ابتلاءً ونبهه به على أن في أدنى خلقه من أحاط علمًا بما لم يحط به".
стр. 6100
أربعون ملكا ولم يكن له ولد غيرها، فغلبت على الملك، وكانت هي وقومها مجوسا يعبدون الشمس.
والضمير في (تَمْلِكُهُمْ) راجع إلى سبإ، فإن أريد به القوم فالأمر ظاهر، وإن أريدت المدينة فمعناه تملك أهلها. وقيل في وصف عرشها: "كان ثمانين ذراعا في ثمانين وسمكه ثمانين". وقيل: "ثلاثين مكان ثمانين"، وكان من ذهب وفضة مكللا بأنواع الجواهر، وكانت قوائمه من ياقوت أحمر وأخضر ودرّ وزمرّد، وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق. فإن قلت: كيف استعظم عرشها مع ما كان يرى من ملك سليمان؟ قلت: يجوز أن يستصغر حالها إلى حال سليمان، فاستعظم لها ذلك العرش. ويجوز أن لا يكون لسليمان مثله وإن عظمت مملكته في كل شيء، كما يكون لبعض أمراء الأطراف شيء لا يكون مثله للملك الذي يملك عليهم أمرهم ويستخدمهم. ومن نوكى القصاص من يقف على قوله: (وَلَها عَرْشٌ) ثم يبتدئ (عَظِيمٌ وَجَدْتُها) يريد: أمر عظيم، أن وجدتها وقومها يسجدون للشمس، فرّ من استعظام الهدهد عرشها، فوقع في عظيمة وهي مسخ كتاب الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (نوكى القصاص)، الجوهري: النوك- بالضم-: الحمق. قال:
وداء النوك ليس له دواء
والنواكة: الحماقة، وقومٌ نوكى ونوكٌ أيضًا على القياس، مثل: أهوج وهوج.
قوله: (فر من استعظام الهدهد عرشها فوقع في عظيمةٍ)، قال صاحب "المرشد": ولا
стр. 6101
فإن قلت: كيف قال: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) مع قول سليمان: (وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: ١٦]؛ كأنه سوّى بينهما؟ قلت: بينهما فرق بين، لأن سليمان ﵇ عطف قوله على ما هو معجزة من الله، وهو تعليم منطق الطير، فرجع أوّلا إلى ما أوتي من النبوّة والحكمة وأسباب الدين، ثم إلى الملك وأسباب الدنيا، وعطفه الهدهد على الملك فلم يرد إلا ما أوتيت من أسباب الدنيا اللائقة بحالها؛ فبين الكلامين بون بعيد. فإن قلت: كيف خفي على سليمان مكانها وكانت المسافة بين محطه وبين بلدها قريبة، وهي مسيرة ثلاث بين صنعاء ومأرب؟ قلت: لعل الله أخفى عنه ذلك؛ لمصلحة رآها، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب.
[(وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يوقف على ﴿عَرْشٌ﴾، وقد زعم بعضهم جوازه، وقال: معناه: عظيمٌ عند الناس، وقد أنكر هذا الوقف أبو حاتمٍ وغيره من المتقدمين، ونسبوا القائل به إلى جهل.
وقول من قال: معناه عظيمٌ عبادتهم للشمس من دون اله، قولٌ ركيكٌ لا يعتد به، وليس في الكلام ما يدل عليه، والوقف عند قوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ حسنٌ.
قوله: (فلم يرد إلا ما أوتيت من أسباب الدنيا اللائقة بحالها)، قال صاحب "الكشف": قيل التقدير: وأوتيت من كل شيءٍ يؤتاها، أي: يؤتى المرأة. ألا ترى أنها لم تؤت الذكر.
стр. 6102
فإن قلت: من أين للهدهد التهدي إلى معرفة الله، ووجوب السجود له، وإنكار سجودهم للشمس وإضافته إلى الشيطان وتزيينه؟ قلت: لا يبعد أن يلهمه الله ذلك كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوان المعارف اللطيفة التي لا يكاد العقلاء الرجاح العقول يهتدون لها، ومن أراد استقراء ذلك فعليه بكتاب "الحيوان"، خصوصا في زمن نبىّ سخرت له الطيور وعلم منطقها، وجعل ذلك معجزة له.
من قرأ بالتشديد أراد: (فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) لئلا يسجدوا فحذف الجار مع أن. ويجوز أن تكون (لا) مزيدة، ويكون المعنى: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الرجاح العقول)، الأساس: ومن المجاز: رجلٌ راجح العقل، وفلانٌ في عقله رجاحةٌ، وفي خلقه سجاجةٌ، وقومٌ مراجيح العلم.
قوله: (استقراء ذلك)، الجوهري: قروت البلاد قروًا وقريتها وأقريتها واستقريتها: إذا تتبعتها تخرج من أرض إلى أرضٍ. وقيل: ألف الجاحظ كتابًا سماه "كتاب الحيوان"، وقيل: "طبائع الحيوان".
قوله: (ومن قرأ بالتشديد)، قرأ الكسائي: "ألا يا اسجدوا" بتخفيف اللام، ويقف على "ألا يا" ويبتدئ "اسجدوا" على الأمر، أي: ألا يا أيها الناس اسجدوا. والباقون: يشددون اللام لإدغام النون فيها، ويقفون على الكلمة بأسرها.
قال الزجاج: من قرأ بالتشديد فالمعنى: وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾، أي: فصدهم لأن لا يسجدوا، وموضع "أن" نصبٌ بقوله: ﴿فَصَدَّهُمْ﴾، أو يجوز أن يكون خفضًا، وإن حذفت اللام. ومن قرأ بالتخفيف فهو موضع سجدةٍ، ومن قرأ بالتشديد فلا.
стр. 6103
ومن قرأ بالتخفيف، فهو (ألا يسجدوا)، (ألا) للتنبيه، و (يا) حرف النداء، ومناداه محذوف، كما حذفه من قال:
ألا يا أسلمي يا دار مىّ على البلى
وفي حرف عبد الله وهي قراءة الأعمش: (هَلّا) و (هَلَا)؛ بقلب الهمزتين هاء. وعن عبد الله: (هلا تسجدون) بمعنى ألا تسجدون على الخطاب. وفي قراءة أبىّ: (ألا تسجدون لله الذي يخرج الخبء من السماء والأرض ويعلم سركم وما تعلنون) وسمي المخبوء بالمصدر: وهو النبات والمطر وغيرهما مما خبأه عز وعلا من غيوبه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى)، تمامه لذي الرمة:
ولا زال منهلًا بجرعائك القطر
انهل القطر انهلالًا، أي: سال بشدةٍ، والجرعاء: الرملة المستوية التي لا تنبت شيئًا.
قوله: ("هلا" و"هلا")، بالتشديد والتخفيف على القراءتين، بقلب الهمزة هاءً.
وفي "المطلع": فإن قيل: كيف جاء في قراءة التخفيف مكتوبًا في المصحف ﴿يَسْجُدُوا﴾ كما يكتب المضارع، وحرف النداء لا يوصل بالفعل كتابةً؟ !
قلت: رسم الكتابة الأولى كان على موافقة اللفظ كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦] وأشباهه، فلما وصلت الياء من حرف النداء بسين "اسجدوا" لفظًا كتبت الياء موصولةً بها، على أنه يجوز أن الإمام بناه على القراءة بالتشديد، وهذا هو العذر في قوله: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١١] لمن فسره بـ "ألا يا ناس اتقون".
قوله: (مما خبأه عز وعلا من عيوبه)، الراغب: الخبأ: يقال لك مدخرٍ مستورٍ، ومنه:
стр. 6104
وقرئ: (الخب)، على تخفيف الهمزة بالحذف. والخبا، على تخفيفها بالقلب، وهي قراءة ابن مسعود ومالك بن دينار. ووجهها: أن تخرّج على لغة من يقول في الوقف: هذا الخبو، رأيت الخبا، ومررت بالخبى. ثم أجري الوصل مجرى الوقف، لا على لغة من يقول: الكمأة والحمأة، لأنها ضعيفة مسترذلة. وقرئ: (يخفون ويعلنون) بالياء والتاء.
وقيل: من (أَحَطتُ إلى (العَظِيمِ) هو كلام الهدهد. وقيل: كلام رب العزة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جاريةٌ مخبأة، والخبأة: هي التي تظهر مرةً، وتخبأ أخرى، والخباء: سمةٌ في موضعٍ خفيٍّ.
قوله: (لا على لغة من يقول: الحمأة والكمأة)، أي: يقولون في الحمأة والكمأة بالهمز: الحماة الكماة، لأنها مستر ذلةٌ، لأن الاصل في تخفيف الهمزة- إذا سكن ما قبلها- الحذف، لا القلب، كالحمة والكمة.
الجوهري: الحمأ: الطين الأسود، وكذلك الحمأة بالتسكين، والكمأة واحدها كمءٌ على غير قياس، وكمأت [القوم] كمأ: أطعمتهم الكمأة.
قوله: (وقرئ: "يخفون" و"يعلنون" بالتاء والياء)، بالتاء الفوقانية: حفصٌ، والباقون: بالياء.
قوله: (وقيل: من ﴿أَحَطتُ﴾ إلى ﴿الْعَظِيمِ﴾ هو كلام الهدهد. وقيل: كلام رب العزة)، قال ﵀: معناه: أنه كلام الله ألقى حكايته على لسان الهدهد.
قال صاحب " التقريب": وفي الثاني نظرٌ، لأن قوله: ﴿أَحَطتُ﴾ إلى آخره، ظاهرٌ أنه من كلام الهدهد، فلعل الخلاف من قوله: "ألا يا اسجدوا" على التخفيف، كما هو في
стр. 6105
وفي إخراج الخبء: أمارة على أنه من كلام الهدهد؛ لهندسته ومعرفته الماء تحت الأرض، وذلك بإلهام من يخرج الخبء في السماوات والأرض جلت قدرته ولطف علمه، ولا يكاد تخفى على ذي الفراسة النظار بنور الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"اللباب"، وفيه: من قرأ بلفظ الأمر، أي: "ألا يا اسجدوا"، فهو استئناف كلامٍ من الله تعالى، وقيل: متصلٌ بكلام الهدهد، وقيل: من كلام سليمان.
وقلت: الواجب التوافق بين القراءتين الثابتتين.
قوله: (وفي أخراج الخبء: أمارةٌ على أنه من كلام الهدهد)، يريد أن المناسب من حال الهدهد وكونه قناقن نبي الله، وصاحب وضوئه أن يعظم الله ويسبحه بما تكرر عنده في خزانة خياله من إخراج الخبء، وإلا فالله له الأسماء الحسنى، وإليه الإشارة بقوله: "ما عمل عبدٌ عملًا إلى ألقى الله عليه رداء عمله".
قوله: (لهندسته)، الجوهري: المهندس: الذي يقدر مجاري القني حيث تحفر، وهو مشتقٌ من الهنداز، وهي فارسيةٌ فصيرت الزاي سينًا، لأنه ليس في شيءٍ من كلام العرب زايٌ بعد الدال، والاسم الهندسة.
قوله: (ذي الفراسة النظار بنور الله)، من قوله ﷺ : "اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله"، ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]، أخرجه الترمذي عن أبي سعيدٍ.
الجوهري: الفراسة من قولك: تفرست فيه خيرًا، وهو يتفرس، أي: يتثبت وينظر.
стр. 6106
مخائل كل مختص بصناعة أو فنّ من العلم في روائه ومنطقه وشمائله، ولهذا ورد: "ما عمل عبد عملا إلا ألقى الله عليه رداء عمله".
فإن قلت: أسجدة التلاوة واجبة في القراءتين جميعا أم في إحداهما؟ قلت، هي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال المصنف: وحقيقة المتوسمين: النظر المثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء، ومعنى قوله: "ولا يكاد يخفى … " إلى آخره: أن صاحب الفراسة لا يخفى عليه إذا توسم في منظر شخصٍ، أو منطقة، أو شمائله، ما أبطن به اختصاصه بصنعة أو فعل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤].
قوله: (مخائل)، الجوهري: يقال: أخلت فيه خالًا من الخير، وتخولت فيه خالًا، أي: رأيت فيه مخيلته.
الأساس: أخطأت في فلانٍ مخيلتي، أي: ظني: ورأيت في السماء مخيلة، وهي السحابة، فخالها ماطرةً لرعدها وبرقها، ورأيت فيها مخايل.
وعن بعضهم: يقال: ما أحسن مخيلة السحاب وخاله، أي: خلاقته للمطر، ويقال: مخيلٌ للخير، أي: خليقٌ له، والخال: السحاب الذي فيه مخايل المطر، أي: مظانه.
قوله: (روائه)، أي: منظره البهي، يقال: من الرئي، يقال: رجل له رواءٌ، بالضم، ونظيره قولهم: إن الجواد عينه فراره، أي: يغنيك ظاهره عن اختبار باطنه، كقول عبد الله ابن رواحة في رسول الله ﷺ حين رآه: "ما هذا بوجه كذابٍ"، ثم قال لنفسه:
لو لم يكن فيه آياٌ مبينةٌ … كانت بداهته تنبيك بالخبر
ويروى: "تغنيك".
стр. 6107
واجبة فيهما جميعا، لأنّ مواضع السجدة؛ إما أمر بها، أو مدح لمن أتى بها، أو ذم لمن تركها، وإحدى القراءتين أمر بالسجود، والأخرى ذم للتارك. وقد اتفق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وإحدى القراءتين أمرٌ بالسجود، والأخرى ذمٌ للتارك)، يريد القراءة بتخفيف ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ وبتثقيلها، وقلت: أما المعنى على التثقيل وبيان الذم، فإن الهدهد أخبر نبي الله أنه وجد قومًا مرتكبين أمرًا فظيعًا، حيث يسجدون لما لا ينبغي السجود له، ويمتنعون عن سجود من يجب عليهم سجوده، ثم بين لهم بعض وجه امتناعهم عن السجود لله تعالى إلى السجود للغير بقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾، لأن الواو تقتضي معطوفًا عليه هو سببٌ لما تقدم، المعنى: ذلك بأن الله رقم عليهم الشقاوة وحرمهم التوفيق، وسلط عليهم الشيطان حتى زين لهم الكفر، فسجدوا لمن لا يستحقه، لكونه مخلوقًا مسخرًا، فصدهم عن الطريق المستقيم بأن امتنعوا عن السجود لمن يستحقه، لتفرده بكمال القدرة من إخراج الخبء من الأرض والسماوات، وشمول العلم بالخفيات.
والمعنى على التخفيف: إذا كان "ألا يسجدوا" من كلام الهدهد، فالمخاطبون إما بلقيس وقومها، وهم غيبٌ، فإن الهدهد عند هذا التقرير احتمى وغضب عليهم لله تعالى، فجعلهم حضارًا، والتفت إليهم فكافحهم به، وواجههم، أو نبه من بحضرة نبي الله، ليثبتوا على ما هم فيه، ويغتنموا فرصة الإسلام.
وأما قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ فكالاستدراك والترقي، فإن الهدهد لما وصف الله تعالى بما في خزانة خياله من إخراج الخبء رأى بعد ذلك تقصيره في ذلك الرتب، لأن السجود غاية الخضوع والتذلل، ولا يستوجبه إلا من له غاية الجلال والعظمة والكبرياء، فثنى إلى قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، ولذلك قطعه من الأوصاف الجارية على الله، وأتى باسم الذات الجامعة، وقرنه بكلمة التوحيد، وأردفه بقوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
قال الجوهري: المعنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا. وقال بعضهم: إن "يا" في هذا الموضع
стр. 6108
أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله على أنّ سجدات القرآن أربع عشرة، وإنما اختلفا في سجدة (ص) - فهي عند أبي حنيفة سجدة تلاوة. وعند الشافعي: سجدة شكر- وفي سجدتي سورة الحج وما ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد، فغير مرجوع إليه. فإن قلت: هل يفرق الواقف بين القراءتين؟ قلت: نعم إذا خفف وقف على: (فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ) ثم ابتدأ (أَلَّا يَا اسْجُدُوا)، وإن شاء وقف على (ألا يا)، ثم ابتدأ (اسجدوا) وإذا شدّد لم يقف إلا على (الْعَرْشِ الْعَظِيمِ). فإن قلت: كيف سوّى الهدهد بين عرش بلقيس وعرش الله في الوصف بالعظم؟ قلت: بين الوصفين بون عظيم، لأنّ وصف عرشها بالعظم: تعظيم له بالإضافة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك. ووصف عرش الله بالعظم: تعظيم له بالنسبة إلى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنما هو للتنبيه، كأنه قال: "ألا اسجدوا" فلما أدخل عليها "يا" للتنبيه سقطت الألف التي في "اسجدوا"، لأنها ألف وصلٍ، وذهبت الألف التي في "يا" لاجتماع الساكنين، لأنها والسين ساكنان.
قال ذو الرمة: "ألا يا اسلمي" البيت.
قال الإمام: قال أهل التحقيق: قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ يجب أن يكون بمعنى الأمر، لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن لوصفه تعالى بما يوجب أن يكون السجود له، وهو كونه قادرًا على إخراج الخبء عالمًا بالأسرار معنى.
قوله: (فغير مرجوع إليه)، قيل: لأن الزجاج توهم أن مع التخفيف صيغة أمرٍ، وهو للوجوب، ومع التشديد ليس كذلك، وفي كلام المصنف ذم التارك إشارةً إلى قولهم: الواجب ما يذم تاركه شرعًا، وردٌ لقول الزجاج قال القاضي: وعلى الوجهين يقتضي وجوب السجود في الجملة لا عند قراءتها.
стр. 6109
سائر ما خلق من السماوات والأرض. وقرئ: (العَظِيمِ) بالرفع.
[(قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ* اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ)].
(سَنَنْظُرُ) من النظر الذي هو التأمل والتصفح. وأراد: أصدقت أم كذبت، إلا أن (كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ) أبلغ، لأنه إذا كان معروفا بالانخراط في سلك الكاذبين؛ كان كاذبا لا محالة، وإذا كان كاذبا اتهم بالكذب فيم أخبر به فلم يوثق به. (تَوَلَّ عَنْهُمْ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من النظر الذي هو التأمل والتصفح)، وعن بعضهم: النظر تقليب الحدقة إلى المرئي، ويعدى بـ "إلى".
قال الشاعري:
إني إليك لما وعدت لناظرٌ … نظر الفقير إلى الغني الواجد
والنظر: تأمل الشيء بالعين، ويعدى بـ "في"، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، ومنه نظر في الكتاب، ويقال: نظر له، أي: تعطف، ومن كلام المأمون: ما أحوجني [إلى] ثلاثٍ: صديقٍ أنظر إليه، وفقيرٍ أنظر له، وكتابٍ أنظر فيه.
الراغب: النظر تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته، وقد يراد به التأمل والفحص، وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص. واستعمال النظر في البصر أكثر عند العامة، وفي البصيرة أكثر عند الخاصة، والنظير: المثيل، وأصله المناظر وكأنه ينظر كل صاحبه فيباريه، والمناظرة: المباحثة والمباراة في النظر، واستحضار كل ما يراه ببصيرته، والنظر: البحث، وهو أعم من القياس.
стр. 6110
تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه، ليكون ما يقولونه بمسمع منك. و (يَرْجِعُونَ) من قوله تعالى: (يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ) [سبأ: ٣١] فيقال: دخل عليها من كوّة فألقى الكتاب إليها وتوارى في الكوّة.
فإن قلت: لم قال: فألقه إليهم، على لفظ الجمع؟ قلت: لأنه قال: (وجَدتُّهَا وقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ)، فقال: فألقه إلى الذين هذا دينهم، اهتماما منه بأمر الدين، واشتغالا به عن غيره. وبنى الخطاب في الكتاب على لفظ الجمع لذلك.
[(قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَاتُونِي مُسْلِمِينَ)].
(كَرِيمٌ) حسن مضمونه وما فيه، أو وصفته بالكرم، لأنه من عند ملك كريم، أو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حسن مضمونه وما فيه)، أي: أن معناه حسنٌ، وكتابته وترتيبه، وما يتوخى في مثله الحسن مجموعٌ فيه، لما مر في "الشعراء" أن الشيء إذا وصف بالكرم، كأن المراد أن ذلك الشيء فائقٌ في بابه فعلى هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ إلى ﴿مُسْلِمِينَ﴾ بيان لما في الكتاب، كما صرح به الزجاج، كأنها لما قالت: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ أي: حسن مضمونه وما فيه، اتجه لسائل أن يقول: بيني لي مضمونه وما فيه، أجابت: فيه ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾، فقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ مبتدأ خبره محذوف، أما على الفتح فظاهر، وأما على الكسر فعلى تأويل: فيه هذا اللفظ، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ على قراءة الفتح والكسر، فعلى هذا "أن" في ﴿أَلَّا تَعْلُوا﴾ ناصبة، أي: فيه أن لا تعلوا، وإنما لم يؤت بحرف النسق للدلالة على أن الجملتين السابقتين كالتمهيد للثالثة، لأنها المقصودة بالذات، ولذلك عطف الأمر على النهي على سبيل الطرد والعكس تأكيداً، فعلم من هذا التقرير أن ما في كلام الله المجيد مختصر مما في كتاب نبي الله، وذكر ما هو أهم وأعني، ويعضده جواب جعفر ابن يحيي حين سئل عن أوجز كلام فتلا الآية، فقال: جمع الله فيها العنوان والكتاب
стр. 6111
مختوم. قال ﷺ : "كرم الكتاب ختمه". وكان ﷺ يكتب إلى العجم، فقيل له: إنهم لا يقبلون إلا كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما. وعن ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخف به. وقيل: مصدّر ببسم الله الرحمن الرحيم.
هو استئناف وتبيين لما ألقى إليها، كأنها لما قالت: إني ألقي إلىّ كتاب كريم، قيل لها: ممن هو؟ وما هو؟ فقالت: إنه من سليمان وإنه: كيت وكيت.
وقرأ عبد الله: (وإنه من سليمان وإنه) عطفا على: (إنِّى). وقرئ: (أنه من سليمان وأنه) بالفتح؛ على أنه بدل من (كِتَابٌ)، كأنه قيل: ألقي إلىّ أنه من سليمان. ويجوز أن تريد: لأنه من سليمان ولأنه، كأنها عللت كرمه بكونه من سليمان، وتصديره باسم الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والحاجة، وهذا أولى مما ذهب إليه المصنف، فإنه وإن أصاب في قوله: "استئناف وتبيين"، لكنه ذهل عن طريق السؤال، حيث قال: "ممن هو وما هو؟ "، ولم يقل: "ما فيه؟ "، لما يشعر من قوله ألا يكون ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ مكتوباً في الكتاب، على أنه صرح بعد ذلك أنه كان مكتوباً فيه: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس، وكذا عن الزجاج، وقال: لذا كتب الناس: "من عبد الله"، احتذاءً بكتاب سليمان.
قوله: (وكان ﷺ يكتب إلى العجم)، الحديث، من رواية البخاري ومسلمٍ والترمذي وأبي داود والنسائي عن أنسٍ قال: أرد النبي ﷺ أن يكتب إليهم، فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضةٍ، ونفشه: محمدٌ رسول الله. وفي روايةٍ قال: أراد نبي الله أن يكتب إلى العجم، قيل له: إن العجم لا يقبلون إلا كتابًا عليه خاتٌم، فاصطنع خاتمًا.
стр. 6112
وقرأ أبيّ: (أن من سليمان وأن بسم الله)، على أن المفسرة. و (أن) في (أَلَّا تَعْلُوا) مفسرة أيضا. (لا تعلوا): لا تتكبروا كما يفعل الملوك. وقرأ ابن عباس ﵄ بالغين معجمة؛ من الغلو: وهو مجاوزة الحد. يروى أنّ نسخة الكتاب: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا علىّ وائتوني مسلمين، وكانت كتب الأنبياء ﵈ جملا لا يطيلون ولا يكثرون، وطبع الكتاب بالمسك وختمه بخاتمه، فوجدها الهدهد راقدة في قصرها بمأرب، وكانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها، فدخل من كوة وطرح الكتاب على نحرها وهي مستلقية. وقيل: "نقرها فانتبهت فزعة". وقيل: أتاها والقادة والجنود حواليها، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت رأسها، فألقى الكتاب في حجرها، وكانت قارئة كاتبة عربية من نسل تبع بن شراحيل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكانت كتب الأنبياء ﵈ جملًا لا يطيلون، ولا يكثرون)، وقال القاضي: هذا كلامٌ في غاية الوجازة، مع كمال الدلالة على المقصود، لاشتماله على البسملة الدالة على ذات الإله وصفاته، صريحًا أو التزامًا، والنهي عن الترفع الذي هو أم الرذائل، والأمر بالإسلام الذي هو الجامع لأمهات الفضائل، وليس الأمر فيه بالانقياد قبل إقامة الحجة على رسالته حتى يكون استدعاءً للتقليد، فإن إلقاء الكتاب إليها على تلك الحالة من أعظم الدلالة، وهو تلخيص كلام الإمام.
قوله: (فرفرف)، الجوهري: رفرف الطائر: إذا حرك جناحيه حول الشيء يريد أن يقع عليه.
стр. 6113
الحميري، فلما رأت الخاتم ارتعدت وخضعت، وقالت لقومها ما قالت: (مُسْلِمِينَ) منقادين، أو مؤمنين.
(قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ) [النمل: ٣٢].
الفتوى: الجواب في الحادثة، اشتقت على طريق الاستعارة من الفتاء في السن. والمراد بالفتوى هاهنا: الإشارة عليها بما عندهم فيما حدث لها من الرأي والتدبير، وقصدت بالانقطاع إليهم والرجوع إلى استشارتهم واستطلاع آرائهم: استعطافهم وتطييب نفوسهم ليمالئوها ويقوموا معها. (قاطِعَةً أَمْراً): فاصلة. وفي قراءة ابن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (اشتقت على طريق الاستعارة من الفتى في السن)، المغرب: واشتقاق الفتوى من الفتى، لأنها جوابٌ في حادثةٍ، أو إحداث حكمٍ، أو تقويةٌ لبيان مشكلٍ.
الجوهري: فتى- بالكسر- يفتى فتًى فهو فتى السن بين الفتاء. عن بعضهم: الفتاء: هو الحداثة واللذاذة، قال:
إذا عاش الفتى مئتين عامًا … فقد ذهب اللذاذة والفتاء
وقلت: فعلى هذه الجهة الجامعة بين المستعار والمستعار له، إما الإحداث كما يقال للفتى: هو حديث السن، أو القوة، فإن في الفتى مظنة القوة والشدة.
وفي كلام المصنف أيضًا إشارةٌ إلى هذين المعنيين، فقوله: " فيما حدث لها من الرأي" إشارةٌ إلى الأول، وقوله: "ليمالئوها ويقوموا معها" إشارةٌ إلى الثاني، وقال صاحب "المطلع": فكأن الإفتاء الإشارة على المستفتي فيما حدث له من الحادثة، بما عند المفتي من الرأي والتدبير، وهو إزالة ما حدث له من الإشكال، كالإشكاء: إزالة الشكوى.
قوله: (ليمالئوها)، الجوهري: قال أبو زيد: مالأته على الأمر ممالأة: ساعدته عليه، وشايعته.
стр. 6114
مسعود ﵁: (قاضية) أي: لا أبت أمرا إلا بمحضركم. وقيل: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا: كل واحد على عشرة آلاف.
(قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَاسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَامُرِينَ) [النمل: ٣٣].
أرادوا بالقوة: قوّة الأجساد وقوّة الآلات والعدد. وبالبأس: النجدة والبلاء في الحرب (وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ) أي: هو موكول إليك، ونحن مطيعون لك، فمرينا بأمرك نطعك ولا نخالفك. كأنهم أشاروا عليها بالقتال. أو أرادوا: نحن من أبناء الحرب لا من أبناء الرأى والمشورة، وأنت ذات الرأى والتدبير، فانظرى ماذا ترين: نتبع رأيك.
[(قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ* وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ* فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ)].
لما أحست منهم الميل إلى المحاربة، رأت من الرأي الميل إلى الصلح والابتداء بما هو أحسن، ورتبت الجواب، فزيفت أولا ما ذكروه وأرتهم الخطأ فيه؛ بـ (إِنَّ الْمُلُوكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ابن السكيت: تمالؤوا على الأمر: اجتمعوا عليه وتعاونوا.
قوله: (قوة الأجساد وقوة الآلات)، الراغب: القوة تستعمل تارةً في معنى القدرة، قال تعالى: ﴿خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]، وتارةً للتهيؤ الموجود في الشيء، نحو أن يقال: النوى بالقوة نخلٌ، ويستعمل في البدن نحو: ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، وفي القلب نحو: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، وفي المعاون من خارجٍ نحو: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ [هود: ٨٠]، وفي القدرة الإلهية نحو: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]
стр. 6115
إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً) عنوة وقهرا (أَفْسَدُوها) أي: خرّبوها - ومن ثمة قالوا للفساد: الخربة -، وأذلوا أعزتها، وأهانوا أشرافها، وقتلوا وأسروا، فذكرت لهم عاقبة الحرب وسوء مغبتها ثم قالت: (وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ) أرادت: وهذه عادتهم المستمرة الثابتة التي لا تتغير، لأنها كانت في بيت الملك القديم، فسمعت نحو ذلك ورأت، ثم ذكرت بعد ذلك حديث الهدية وما رأت من الرأي السديد. وقيل: هو تصديق من الله لقولها،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قالوا للفساد: الخربة)، الأساس: وبلدٌ خرابٌ، وهو صاحب خربةٍ، أي: فسادٍ، وريبةٍ، قال قيس بن النعمان:
لحى الله أدنانا إلى كل خربة … وأبطأنا في ساحة المجد أقدحا
وما رأينا من فلانٍ خربةً في دينه.
قوله: (وسوء مغبتها)، الجوهري: وقد غبت الأمور، أي: صارت إلى أواخرها.
قوله: (أرادت: هذه عادتهم المستمرة الثابتة)، يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] الجملة كالتذييل للكلام السابق والتقرير له.
قوله: (وقيل: هو تصديقٌ من الله لقولها)، قال الراغب في "غرة التنزيل": ويجوز أن يكون خبرًا عن الله تعالى بخبر نبينا صلوات الله عليه فيعترض بين جمل ما يحكى تصديقًا لها، ثم قال عائدًا إلى حكاية قولها: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٣٥] ويجوز أن يكون من الحكاية على معنى أن الملوك تأثيرهم في القرى التي يدخلونها تخريبها، وكذلك يفعل هؤلاء، يعني: سليمان ﵇ وخيله.
стр. 6116
وقد يتعلق الساعون في الأرض بالفساد بهذه الآية ويجعلونها حجة لأنفسهم. ومن استباح حراما فقد كفر، فإذا احتج له بالقرآن على وجه التحريف فقد جمع بين كفرين.
(مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ) أي: مرسلة رسلا بهدية أصانعه بها عن ملكي (فَناظِرَةٌ)؛ ما يكون منه حتى أعمل على حسب ذلك، فروي: أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري، وحليهنّ الأساور والأطواق والقرطة، راكبي خيل مغشاة بالديباج، محلاة اللجم والسروج بالذهب المرصع بالجواهر، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة، وتاجا مكللا بالدرّ والياقوت المرتفع والمسك والعنبر، وحقا فيه درّة عذراء، وجزعة معوجة الثقب، وبعثت رجلين من أشراف قومها: المنذر بن عمرو، وآخر ذا رأى وعقل، وقالت: إن كان نبيا ميز بين الغلمان والجواري، وثقب الدرّة ثقبا مستويا، وسلك في الخرزة خيطا، ثم قالت للمنذر: "إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك، فلا يهولنك، وإن رأيته بشا لطيفا فهو نبىّ"، فأقبل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: على هذا الوجه ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] ليس بتذييلٍ، وعلى ما ذكره المصنف في الوجهين السابقين تذييلٌ.
قيل: على أن يكون من كلام الله تعالى الوقف على ﴿أَذِلَّةً﴾ لاختلاف القائلين، على أن يكون من كلامها لا يوقف.
قوله: (أصانعه بها)، الأساس: ومن المجاز: صانعت فلانًا: إذا داريته، ومنه: المصانعة بالرشوة، وفرس مصانع: لا يعطيك جميع ما عنده من السير كأنه يرافقك بما يبذل منه، ويصون بعضه.
قوله: (والقرطة)، الجوهري: القرط: الذي يعلق في شحمة الأذن، والجمع قرطةٌ، وقراطٌ أيضًا، مثل: رمحٍ ورماحٍ.
стр. 6117
الهدهد فأخبر سليمان، فأمر الجنّ فضربوا لبن الذهب والفضة، وفرشوه في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطا شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان ويساره على اللبن، وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير فأقيموا عن اليمين واليسار، ثم قعد على سريره والكراسىّ من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ، والإنس صفوفا فراسخ، والوحش والسباع والهوام والطيور كذلك، فلما دنا القوم ونظروا: بهتوا، ورأوا الدواب تروث على اللبن، فتقاصرت إليهم نفوسهم ورموا بما معهم، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ وقال: "أين الحقّ"؟ وأخبره جبريل ﵇ بما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فتقاصرت إليهم نفوسهم)، الأساس: اقتصر المطر: أقلع، وقصر في حاجته، وقصر عن منزلته، وقصر به عمله، وأقصر عن الأمر: كف عنه وهو يقدر عليه، وقصر قصورًا: عجز عنه، ولم ينله، وتعديته بـ "إلى" في الكتاب لتضمنه معنى: نظر، أي: نظروا إلى أنفسهم متقاصرين، من قوله: قصر عن منزلته، وقصر به عمله، أو من القصور: العجز.
قوله: (ما وراءكم؟ )، قيل: يعني: ما كان معكم ورميتموه خلفكم، وقيل: أي: ما في خاطركم، وما مرادكم، وقال الميداني: قال أبو عبيدٍ: سأل النابغة الذبياني عصام بن شهيرٍ حاجب النعمان- وكان النعمان مريضًا-: ما وراءك يا عصام؟ أى: ما خلفت من أمر العليل، وما أمامك من حاله؟ ووراء من الأضداد.
وقال المفضل: أول من قال ذلك الحارث بن عمرٍو ملك كندة، وذلك أنه لما بلغه جمال ابنة عوفٍ وكمالها وقوة عقلها، دعا امرأةً يقال لها: عصام، فقال: اذهبي حتى تعلمي
стр. 6118
فيه فقال لهم: إن فيه كذا وكذا، ثم أمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت فيها، فجعل رزقها في الشجرة. وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها ونفذت فيها، فجعل رزقها في الفواكه. ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه، ثم رد الهدية وقال للمنذر: أرجع إليهم، فقالت: هو نبىّ وما لنا به طاقة، فشخصت إليه في اثني عشر ألف قيل، تحت كل قيل ألوف. وفي قراءة ابن مسعود ﵁: (فلما جاءوا)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لي علم ابنة عوفٍ، فمضت فنظرت إلى ما تر مثله قط، فلما أقبلت قال الحارث: ما وراءك يا عصام؟ قالت: صرح المخض عن الزبدة، القصة إلى آخرها.
قوله: (ثم أمر الأرضة فأخذت شعرةً ونفذت فيها)، أي: في الدرة العذراء، والفاء في "فأخذت" فصيحةٌ، أي: فنقبتها، وأخذت شرعةً ونفذت فيها، ولذلك ترك الفاء في قوله: "وأخذت دودةٌ بيضاء، الخيط بفيها، ونفذت فيها"، أي: في الجزعة المعوجة الثقب.
قوله: (في اثني عشر ألف قيل)، النهاية: الأقيال: جمع قيل، وهو أحد ملوك حمير دون الملك الأعظم.
وعن بعضهم: القيل: الملك الذي له القول والأمر، وأصله: القيل، فخفف، وقيل: من التقيل: وهو التتبع كما قيل له: تبعٌ.
وفي الدعاء: "سبحان من تعطف بالمجد وقال به"، أي: ملك من القيل، وفي "النهاية" عن الأزهري: معناه: غلب به، وأصله من القيل: الملك، لأنه ينفذ قوله.
стр. 6119
(أَتُمِدُّونَنِ) وقرئ: بحذف الياء والاكتفاء بالكسرة وبالإدغام، كقوله: (أَتُحاجُّونِّي) وبنون واحدة: "أتمدوني". الهدية: اسم المهدى، كما أن العطية اسم المعطى، فتضاف إلى المهدى والمهدى إليه، تقول هذه هدية فلان، تريد: هي التي أهداها أو أهديت إليه، والمضاف إليه هاهنا هو المهدى إليه. والمعنى: أن ما عندي خير مما عندكم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ قرئ بحذف الياء والاكتفاء بالكسرة) ابن عامرٍ وعاصمٌ والكسائي، وبالإدغام حمزة.
قال القاضي: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ خطابٌ للرسول ومن معه، أو للرسول والمرسل على تغليب المخاطب على الغائب.
قال صاحب "المطلع": "تمددون" فيه حذف النون الثانية التي يصحبها ضمير المتكلم كما في "قدي" وحذف الأولى لحنٌ، لأنها علامةٌ، ومن قرأ بنونين جمع بين المثلين، ولم يدغم، لأن الثانية ليست بلازمةٍ، فإنها تزاد مع ضمير المتكلم.
قوله: (والمضاف إليه هاهنا هو المهدى إليه)، تقديره: بل أنتم بالإهداء إليكم تفرحون، وإليه الإشارة بقوله: "فلذلك تفرحون بما تزادون ويهدى إليكم" وفيه تعريضٌ بأن حاله ﵇ على خلاف حالهم، ولذلك قيل: هدية الأمراء غلولٌ، وجيء بكلمة
стр. 6120
وذلك أن الله آتاني الدين الذي فيه الحظ الأوفر والغنى الأوسع، وآتاني من الدنيا ما لا يستزاد عليه، فكيف يرضى مثلي بأن يمدّ بمال ويصانع به؟
(بَلْ أَنْتُمْ) قوم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، فلذلك (تَفْرَحُونَ) بما تزادون ويهدى إليكم، لأن ذلك مبلغ همتكم وحالى خلاف حالكم، وما أرضى منكم بشيء ولا أفرح به إلا بالإيمان وترك المجوسية. فإن قلت: ما الفرق بين قولك: أتمدني بمال وأنا أغنى منك، وبين أن تقوله بالفاء؟ قلت: إذا قلته بالواو، فقد جعلت مخاطبى عالما بزيادتي عليه في الغنى واليسار، وهو مع ذلك يمدني بالمال. وإذا قلته بالفاء، فقد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإضراب، وأولى بها الضمير، وجعل مبتدأ ليفيد، إما تقوى الحكم، أو الاختصاص، نحو: أنت عرفت.
قوله: (إذا قلته بالواو، فقد جعلت مخاطبي عالمًا بزيادتي عليه في الغنى)، لأن الواو للحال، وذو الحال فاعل "يمدني" والحال مقيدة، فيكون فاعل المقيد عالماً بالمقيد بخلاف الفاء، لأنها لتعليل الإنكار، فالمتكلم يشير بها إلى تعليل إنكاره.
قال صاحب "الفرائد" الفاء هاهنا مستعملٌ للترتيب والتعقيب، كأنه قال: لا أقبل إمدادك بمالٍ، فقال المخاطب: لم لا تقبل؟ فأجيب: لأني أغنى منك، فلما كان هذا الجواب مرتبًا على السؤال، ومعقبًا له، ترك السؤال وجيء بالفاء، وأما الواو فإنها تفيد الجمع، وهو للحال، فكأنه قال: لا أقبل منك إمدادك بمالٍ في هذه الحال، وهي كوني أغنى منك.
وقلت: الواو في مثل هذا التركيب تكون للحال، وتسمى بالحال المقررة لجهة الإشكال، أي: أتمدونني بمالٍ وأنتم تعلمون أني غنيٌ! كقول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وقولهم:
стр. 6121
جعلته ممن خفيت عليه حالي، فأنا أخبره الساعة بما لا أحتاج معه إلى إمداده، كأني أقول له: أنكر عليك ما فعلت، فإني غني عنه. وعليه ورد قوله: (فَما آتانِيَ اللَّهُ). فإن قلت: فما وجه الإضراب؟ قلت: لما أنكر عليهم الإمداد وعلل إنكاره، أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه: وهو أنهم لا يعرفون سبب رضا ولا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أتحسن إلى أعدائك، وأنا الصديق المحتاج! وهو المراد من قوله: "فقد جعلت مخاطبي عالمًا بزيادتي عليه"، وهو مع ذلك يمدني بالمال! وأما الفاء للتسبيب، فالمنكر الجملة الأولى، والثانية علة الإنكار، ولا يجب أن تكون العلة معلومةً عند المخاطب، فيجب الإعلام والتوبيخ على الجهل به، كأنه قال: لا أحتاج إلى ما آتيتمونيه، لأني غنيٌ، كما قال: أنكر عليك ما فعلت، فإن غنيٌ عنه.
قوله: (فما وجه الإضراب؟ )، يعني: أنكر عليهم نبي الله إمدادهم بالمال، وعلل الإنكار بكونه غنيًا عنه، فأي فائدةٍ في الإضراب عنه [إن] كان ذلك غير منكرٍ؟
وأجاب أن إنكاره ﵇ على إمدادهم بالمال مآله إلى تجهيلهم، وأنهم غير عالمين بحاله، وأنه غنيٌ عن ذلك، ثم ترقى إلى الأخذ فيما هو الأهم من ذلك الإنكار، وهو الإعلام بأن ما جعلوه سببًا للإمداد أقبح من ذل الجهل، وذلك أن قصارى أمرهم الفرح بما يهدى إليهم، فقاسوا حال نبي الله بحالهم في أن ليس له الرضا والفرح إلا بالحظوظ العاجلة، هذا إليهم، فقاسوا حال نبي الله بحالهم في أن ليس له الرضا والفرح إلا بالحظوظ العاجلة، هذا إذا قدر الإضافة إلى المهدى إليه، أما إذا جعلت الإضافة إلى المهدي، أي: الفاعل، بأن يقال: وأنتم بهديتكم هذه تفرحون فرح افتخارٍ، فيكون المعنى: الذي منحنى الله من الدين والملك الواسع خيرٌ مما آتاكم، فلا أفرح بمثل هذه المحقرات التي تفتخرون بها، فأولى الضمير حرف الإضراب، ليفيد: أنتم خصوصًا تفرحون، فأتى بهذه ليفيد التحقير.
ويجوز على هذا أن يعتبر معنى تقوى الحكم من التركيب، فيفيد مطلق الرد، أي: أنتم لابد لكم أ، تفرحوا بمثل هذه المحقرات، أي: تمدونني بمالٍ وتزعمون أن من عادتي أن أفرح بأخذ الهدية! بل أنتم من حقكم أن تفرحوا به، فخذوها وافرحوا.
هو على هذا الوجه كنايةٌ.
стр. 6122
فرح، إلا أن يهدى إليهم حظ من الدنيا التي لا يعلمون غيرها. ويجوز أن تجعل الهدية مضافة إلى المهدي، ويكون المعنى: بل أنتم بهديتكم هذه التي أهديتموها تفرحون فرح افتخار على الملوك، بأنكم قدرتم على إهداء مثلها. ويحتمل أن يكون عبارة عن الردّ، كأنه قال: بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها.
(ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَاتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ) [النمل: ٣٧].
(ارْجِعْ) خطاب للرسول. وقيل: للهدهد محملا كتابا آخر (لَّا قِبَلَ): لا طاقة. وحقيقة القبل: المقاومة والمقابلة، أي: لا يقدرون أن يقابلوهم. وقرأ ابن مسعود ﵁: (لا قبل لهم بهم). الضمير في (مِنْهَا) لسبأ. والذل: أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العزّ والملك. والصغار: أن يقعوا في أسر واستعباد، ولا يقتصر بهم على أن يرجعوا سوقة بعد أن كانوا ملوكا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿ارْجِعُ﴾ خطابٌ للرسول، وقيل: للهدهد)، أي: المأمور في "ارجع" مفردٌ، والمقدم ذكرهم جماعةٌ، بدليل قوله: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾، فيحمل إما على المصدر، كقولهما: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]، أو أن يجعل الخطاب للهدهد كما في قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾، أي: ارجع إليهم بكتابي ﴿فَلَنَاتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ﴾، ويعضد الأول قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾، لأن المعنى: إني مرسلةٌ إليهم بهديةٍ، أصانعه بها عن ملكي، فناظرةٌ ما يكون منه إما سلمًا، وإما حربًا، حتى أعمل على حسب ذلك، فإن نبي الله ﵇ لما وقف على أن الهداية كانت مصانعةً منها، وأنها خالفت ما أراد منها بقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَاتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، احتد وغضب حميةً للإسلام، ولذلك عقب الأمر بالرجوع بالجملة القسمية المثبتة للذل والصغار، جزاءً على ذلك الصنيع بالفاء، يعني: والله لا يتخلف إتياني كذلك على رجوعك.
قوله: (ولا يقتصر بهم على أن يرجعوا سوقةً بعد أن كانوا ملوكًا)، الجوهري: الاقتصار على الشيء: الاكتفاء به، وتسوق القوم: إذا باعوا واشتروا، والسوقة: خلاف الملك، وقال الحريري في "درة الغواص": توهموا أن السوقة: اسمٌ لأهل السوق، وليس كذلك، بل
стр. 6123
[(قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَاتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَاتُونِي مُسْلِمِينَ)].
يروى: أنها أمرت عند خروجها إلى سليمان ﵇، فجعل عرشها في آخر سبعة أبيات، بعضها في بعض في آخر قصر من قصور سبعة لها. وغلقت الأبواب ووكلت به حرسا يحفظونه، ولعله أوحي إلى سليمان ﵇ باستيثاقها من عرشها، فأراد أن يغرب عليها ويريها بذلك بعض ما خصه الله به من إجراء العجائب على يده، مع اطلاعها على عظيم قدرة الله، وعلى ما يشهد لنبوّة سليمان ﵇ ويصدقها. وعن قتادة: أراد أن يأخذه قبل أن تسلم، لعلمه أنها إذا أسلمت لم يحلّ له أخذ مالها. وقيل. أراد أن يؤتى به فينكر ويغير، ثم ينظر أتثبته أم تنكره؟ اختبارا لعقلها.
[(قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)].
وقرئ: (عِفْرِية). والعفر، والعفريت، والعفرية، والعفراة، والعفارية من الرجال:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السوقة الرعية، سموا بذلك، لأن الملك يسوقهم إلى إرادته، ويستوي لفظ الواحد والجماعة فيه، قالت حرقة بنت النعمان:
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا … إذا نحن فيهم سوقةٌ نتنصف
وأما أهل السوق، فهم السوقيون، واحدهم: سوقي.
قوله: (باستيثاقها)، استوثقت من فلانٍ: اتخذت منه وثيقةً، أو استوثق بمعنى أوثق، كاستوقد بمعنى أوقد.
قوله: (أن يغرب عليها)، أي: يطلعها على أمر غريبٍ.
الأساس: تكلم فأغرب: إذا جاء بغرائب الكلام ونوادره.
стр. 6124
الخبيث المنكر، الذي يعفر أقرانه. ومن الشياطين: الخبيث المارد. وقالوا: كان اسمه ذكوان. (لَقَوِيٌّ) على حمله (أَمِينٌ) آتي به كما هو لا أختزل منه شيئا ولا أبد له.
[(قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)].
(الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ) رجل كان عنده اسم الله الأعظم، وهو: يا حي يا قيوم، وقيل: يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت. وقيل: يا ذا الجلال والإكرام، وعن الحسن ﵁: الله، والرحمن. وقيل: هو آصف بن برخيا كاتب سليمان ﵇، وكان صدّيقا عالما. وقيل: اسمه أسطوم. وقيل: هو جبريل. وقيل: ملك أيد الله به سليمان. وقيل: هو سليمان نفسه، كأنه استبطأ العفريت فقال له: أنا أريك ما هو أسرع مما تقول. وعن ابن لهيعة: بلغني أنه الخضر ﵇: (عِلْمٌ مِّنَ الكِتَابِ): من الكتاب المنزل، وهو علم الوحي والشرائع. وقيل: هو اللوح. والذي عنده علم منه: جبريل ﵇. وآتيك في الموضعين يجوز أن يكون فعلا واسم فاعل. الطرف: تحريكك أجفانك إذا نظرت، فوضع موضع النظر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يعفر أقرانه)، الأساس: عفر قرنه، وعافره فألزمه بالعفر، أي: صارعه، فاعتفره، أي: ضرب به الأرض.
قوله: (ما هو أسرع مما تقول)، أي: مدة أقل مما يقوله.
قوله: (الطرف: تحريك أجفانك إذا نظرت، فوضع موضع النظر)، كأن التطرف بالنسبة إلى النظر، كالنظر بالنسبة إلى الرؤية.
الأساس: وطرف إليه طرفاً: وهو تحريك الجفون، وما يفارقني طرفة عينٍ، وشخص بصره فيما يطرف، والمعنى: أن الناظر إذا أراد النظر إلى شيءٍ حرك الأجفان إلى نحوه، فهو إرسال الطرف، وإذا أراد الإمساك عنه رد الأجفان إلى مكانها الأول.
قال الإمام: الطرف: تحريك الأجفان عند النظر، فإذا فتحت الجفن فقد يتوهم أن نور
стр. 6125
ولما كان الناظر موصوفا بإرسال الطرف في نحو قوله:
وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا … لقلبك يوما أتعبتك المناظر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العين امتد إلى المرئي، وإذا أغمضت فقد يتوهم أن ذلك النور ارتد إلى العين، فكما وصف الشاعر النظر بالإرسال، ووصف العالم الانتهاء بالرد، ثم أسند الارتداد إلى الطرف على المجازي، وقال: يرتد إليك طرفك، لأن الأصل: ترد طرفك.
قوله: (وكنت إذا أرسلت) البيت، بعده:
رأيت الذي لا كله أنت قادرٌ … عليه ولا عن بعضه أنت صابر
قال المرزوقي: "رائدًا" حالٌ، وجواب "إذا": "أتعبتك المناظر"، وقوله: "رأيت الذي"، تفصيلٌ لما أجمله "أتعبتك المناظر"، والرائد: الذي يتقدم القوم لطلب الكلأ لهم. المعنى: إذا جعلت عينك رائداً لقلبك تطلب له هواهم، فتتعبك مناظرها، وأوقعتك مواردها في أشق المكاره، وذلك أنها تهجم بالقلب في ارتيادها له على ما لا يصبر في بعضه على فراقه مع مهيجات اشتياقه، ولا يقدر على السلو عن جميعه، فهو ممتحنٌ الدهر ببلوى ما لا يقدر على كله، ولا يصبر عن بعضه.
وعن بعض الحكماء: من أرسل طرفه استدعى حتفه، وفي المثل: الرائد لا يكذب أهله، لأنه إن كذب هلك معهم.
стр. 6126
وصف بردّ الطرف، ووصف الطرف بالارتداد. ومعنى قوله: (قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) أنك ترسل طرفك إلى شيء، فقبل أن تردّه أبصرت العرش بين يديك: ويروى: أن آصف قال لسليمان ﵇: مدّ عينيك حتى ينتهى طرفك. فمدّ عينيه فنظر نحو اليمن. ودعا آصف فغار العرش في مكانه بمأرب، ثم نبع عند مجلس سليمان ﵇ بالشام بقدرة الله، قبل أن يردّ طرفه. ويجوز أن يكون هذا مثلا لاستقصار مدّة المجيء به، كما تقول لصاحبك: افعل ذلك في لحظة، وفي ردّة طرف، والتفت ترني، وما أشبه ذلك: تريد السرعة. (يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) لأنه يحط به عنها عبء الواجب، ويصونها عن سمة الكفران، وترتبط به النعمة ويستمد المزيد. وقيل: الشكر، قيد للنعمة الموجودة، وصيد للنعمة المفقودة. وفي كلام بعض المتقدمين: إن كفران النعمة بوار، وقلما أقشعت ناقرة فرجعت في نصابها، فاستدع شاردها بالشكر، واستدم راهنها بكرم الجوار. واعلم أن سبوغ ستر الله متقلص عما قريب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قيل: الشعر لعبد الله بن طاهر بن الحسين.
قوله: (أقشعت نافرةً)، الأساس: انقشع الغيم، وتقشع، وأقشع، وقشعته الريح، ومن المجاز: انقشع الظلام والبرد، واجتمعوا عليه ثم انقشعوا، وانقشعوا عن الماء، وتقشعوا: تفرقوا.
قوله: (فرجعت في نصابها)، أي: أصلها. الأساس: وهو يرجع إلى منصب صدقٍ، ونصاب صدقٍ، وهو أصله الذي نصب فيه وركب، ومنه نصاب السكين، وهو أصله الذي نصب فيه وركب.
قوله: (واستدم راهنها)، الأساس: نعمة الله راهنةٌ: دائمةٌ، وهذ الشيء راهنٌ لك: معدٌ، وطعامٌ راهنٌ، وكأسٌ راهنةٌ: دائمةٌ لا تنقطع، وأرهن لضيفه الطعام والشراب: أدامهما، وفي كلامهم: النعمة إذا سمعت نغمة الشكر تهيأت للمزيد.
стр. 6127
إذا أنت لم ترج لله وقارا. (غَنِيٌّ) عن الشكر. (كَرِيمٌ) بالإنعام على من يكفر نعمته، والذي قاله سليمان ﵇ عند رؤية العرش شاكرا لربه، جري على شاكلة أبناء جنسه من أنبياء الله والمخلصين من عباده يتلقون النعمة القادمة بحسن الشكر، كما يشيعون النعمة المودعة بجميل الصبر.
[(قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ* فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ* وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ)].
(نَكِّرُوا) اجعلوه متنكرا متغيرا عن هيئته وشكله، كما يتنكر الرجل للناس لئلا يعرفوه. قالوا: وسعوه وجعلوا مقدّمه مؤخره، وأعلاه أسفله. وقرئ: (نَنظُرْ) بالجزم على الجواب، وبالرفع على الاستئناف (أَتَهْتَدِي) لمعرفته، أو للجواب الصواب إذا سئلت عنه، أو للدين والايمان بنبوّة سليمان ﵇، إذا رأت تلك المعجزة البينة، من تقدّم عرشها وقد خلفته وأغلقت عليه الأبواب، ونصبت عليه الحرس. هكذا ثلاث كلمات: حرف التنبيه، وكاف التشبيه، واسم الإشارة. لم يقل: أهذا عرشك،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي الحديث: "النعمة وحشيةٌ قيدوها بالشكر".
قوله: (إذا أنت لم ترج لله وقارًا)، مقتبسٌ من قول نوحٍ ﵇ على معنى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ﴾ [نوح: ١٣] على معنى: ما لكم تكونون على حالٍ تأملون فيها تعظيم الله إياكم، يعني أن الله تعالى أكرمك بأن أسبغ عليك نعمة ظاهرةً وباطنةً، فإنك إن لم تشكرها أهانك، فيكشف ذلك الستر عنك، فتزول تلك النعمة، أو على معنى: ما لكم لا تخافون لله حلمًا، وترك معاجلة، يعني: أنك تماديت في المعاصي، وأن الله ستر عليك بحلمه، فعن قريبٍ يتقلص ذلك الستر، فتهلك، والأول أنسب للمقام.
стр. 6128
ولكن: أمثل هذا عرشك، لئلا يكون تلقينا (قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ) ولم تقل: هو هو، ولا: ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، حيث لم تقطع في المحتمل. (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ) من كلام سليمان وملئه: فإن قلت: علام عطف هذا الكلام، وبم اتصل؟ قلت: لما كان المقام الذي سئلت فيه عن عرشها وأجابت بما أجابت به مقاما أجرى فيه سليمان وملؤه ما يناسب قولهم: (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ) نحو أن يقولوا عند قولها كأنه هو: قد أصابت في جوابها وطبقت المفصل، وهي عاقلة لبيبة، وقد رزقت الإسلام، وعلمت قدرة الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لئلا يكون تلقينًا)، يعني: إنما عدل نبي الله عن السؤال الذي فيه إيهامٌ إلى قوله: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ [النمل: ٤٢]، ليوقعها في ورطة الحيرة، إذ لو صرح بقوله: أهذا عرشك؟ كان قد لقنها بذلك، وحين كانت جازمةً بأن ذلك عرشها، وكان لها أن تقول: بل هو هو، فعدلت إلى قولها: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ لرجاحة عقلها، لتبقي الاحتمال الذي قصده نبي الله.
قوله: (ولم تقل: هو هو، ولا: ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، حيث لم تقطع في المحتمل). الانتصاف: وفي نكتةٌ حسنةٌ، وإن كانت كاف التشبيه في السؤال والجواب، فحكمته أن "كأنه" عبارة من قوي عنده الشبه، وكادت تقول: هو هو، و"هكذا هو" عبارةٌ جازمةٌ بتغاير الأمرين، حاكمٌ بوقوع الشبه بينهما، فالأول أشبه بحال بلقيس.
واعلم [أن] "كأن" مركبةٌ من كاف التشبيه و"أن"، على ما قالوا: "الأصل في قولك: كأن زيداً الأسد": أن زيداً كالأسد، فلما قدمت الكاف فتحت الهمزة، ليكون داخلًا على المفرد لفظًا، والمعنى على الكسر، بدليل جواز السكوت عليه، فلا يكون قولك: "كأن زيدًا أسدٌ" غير التشبيه، لتوكيد مضمون الجملة بـ "أن" المؤكدة، بخلاف "زيد كالأسد".
قوله: (وطبقت المفصل)، وعن بعضهم: الرجل إذا أصاب الحجة يقال: طبق
стр. 6129
وصحة النبوّة بالآيات التي تقدّمت عند وفدة المنذر، وبهذه الآية العجيبة من أمر عرشها عطفوا على ذلك قولهم: وأوتينا نحن العلم بالله وبقدرته، وبصحة ما جاء من عنده قبل علمها، ولم نزل على دين الإسلام؛ شكرا لله على فضلهم عليها وسبقهم إلى العلم بالله والإسلام قبلها. (وَصَدَّها) عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس ونشؤها بين ظهراني الكفرة، ويجوز أن يكون من كلام بلقيس موصولا بقولها: (كَأَنَّهُ هُوَ) والمعنى: وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوّة سليمان ﵇ قبل هذه المعجزة، أو قبل هذه الحالة، تعني: ما تبينت من الآيات عند وفدة المنذر ودخلنا في الإسلام، ثم قال الله تعالى: (وصَدَّهَا) قبل ذلك عما دخلت فيه ضلالها عن سواء السبيل. وقيل:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المفصل، مستعارٌ من طبق السيف: إذا أصاب المفصل فأبانه، فأما إذا أصاب العظم فقطعه، فإنه يقال: صمم، أي: ثبت ولم ينب.
قوله: (عطفوا على ذلك)، جواب "لما" في قوله: "لما كان المقام"، وقوله: " ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ [النمل: ٤٢] مقول قولهم، ويجوز أن يكون "يقولوا"، بيان "ما"، وقوله: "قد أصابت في جوابها" مقول "أن يقولوا" والحاصل: أن قول سليمان وملئه: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ معطوفٌ على مقدرٍ، ويدل عليه سياق الكلام ومقتضى المقام، وهو أن بلقيس لما سئلت عما سئلت، وأجابت بما أجابت، قال سليمان وملؤه عند ذلك: هل أصابت بلقيس في جوابها، وكيت وزيت، ونحن أيضًا ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾، وهو معنى قول المصنف: "وأوتينا نحن العلم" إلى آخر قوله: "بين ظهراني الكفرة" يعني: أنها وإن أصابت في جوابها، ورزقت الإسلام، وآمنت بالآيات السابقة واللاحقة، لكن نحن أعلم، وأقدم في الإسلام، فالضمير في قولهم لسليمان وملئه: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ [النمل: ٤٢] مقول القول، ونحو: أن يقولوا: بيان ما.
قوله: (﴿وَصَدَّهَا﴾ قبل ذلك عما دخلت فيه ضلالها عن سواء السبيل)، فاعل "صد"
стр. 6130
(وصَدَّهَا) الله أو سليمان، و (عما كانت تعبد) بتقدير حذف الجار وإيصال الفعل. وقرئ: (أنها) بالفتح؛ على أنه بدل من فاعل "صدّ"، أو بمعنى لأنها.
[(قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)].
الصرح: القصر. وقيل: صحن الدار. وقرأ ابن كثير: (سَاقَيْها) بالهمزة. ووجهه؛ أنه سمع:
سؤوقا، فأجرى عليه الواحد. والممرد: المملس، وروي أن سليمان عليه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"ضلالها" و"عن سواء السبيل" متعلق بـ "ضلالها" أي: صدها عن الدخول في الإسلام قبل وفدة المنذر بن عمرٍو رسولها إلى سليمان ﵇ "ضلالها عن سواء السبيل"، أي: جهلها بدين الإسلام.
قوله: (الصرح: القصر)، الراغب: الصرح: بيتٌ عالٍ مزوقٌ، سمي به اعتبارًا بكونه صرحًا عن الشوب، أي: خالصًا، ولبنٌ صريحٌ، بين الصراحة.
قوله: (ووجهه أنه سمع "سؤوقاً"، فأجرى عليه الواحد)، الكواشي: القراءة بهمزة "سأقيها" و"السؤق" و"السؤقة" لجواز أن من العرب من يهمز مفرد "ساقٍ" وجمعه، ويدل على ذلك صحة هذه القراءة، بل تواترها، وزعم بعضهم أن همز هذه الكلمات الثلاث بعيدٌ في العربية، إذ لا أصل لهن في الهمزة، وهذا تحكم كما تراه، لأنه لم يذكر على ذلك دليلًان بل جعل ما وصل إليه من كلام العرب دليلًا يعتبر به، بل المعتبر صحة ما يصح، بل تواتر عن النبي ﷺ .
قوله: (والممرد: المملس)، الراغب: المارد والمريد من شياطين الجن والإنس: المتعري من الخيرات، من قولهم: شجر أمرد: إذا تعرى من الورق. ومنه قيل: رملةٌ مرداء: إذا لم
следующие страницы →