Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.
стр. 6126
وصف بردّ الطرف، ووصف الطرف بالارتداد. ومعنى قوله: (قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) أنك ترسل طرفك إلى شيء، فقبل أن تردّه أبصرت العرش بين يديك: ويروى: أن آصف قال لسليمان ﵇: مدّ عينيك حتى ينتهى طرفك. فمدّ عينيه فنظر نحو اليمن. ودعا آصف فغار العرش في مكانه بمأرب، ثم نبع عند مجلس سليمان ﵇ بالشام بقدرة الله، قبل أن يردّ طرفه. ويجوز أن يكون هذا مثلا لاستقصار مدّة المجيء به، كما تقول لصاحبك: افعل ذلك في لحظة، وفي ردّة طرف، والتفت ترني، وما أشبه ذلك: تريد السرعة. (يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) لأنه يحط به عنها عبء الواجب، ويصونها عن سمة الكفران، وترتبط به النعمة ويستمد المزيد. وقيل: الشكر، قيد للنعمة الموجودة، وصيد للنعمة المفقودة. وفي كلام بعض المتقدمين: إن كفران النعمة بوار، وقلما أقشعت ناقرة فرجعت في نصابها، فاستدع شاردها بالشكر، واستدم راهنها بكرم الجوار. واعلم أن سبوغ ستر الله متقلص عما قريب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قيل: الشعر لعبد الله بن طاهر بن الحسين.
قوله: (أقشعت نافرةً)، الأساس: انقشع الغيم، وتقشع، وأقشع، وقشعته الريح، ومن المجاز: انقشع الظلام والبرد، واجتمعوا عليه ثم انقشعوا، وانقشعوا عن الماء، وتقشعوا: تفرقوا.
قوله: (فرجعت في نصابها)، أي: أصلها. الأساس: وهو يرجع إلى منصب صدقٍ، ونصاب صدقٍ، وهو أصله الذي نصب فيه وركب، ومنه نصاب السكين، وهو أصله الذي نصب فيه وركب.
قوله: (واستدم راهنها)، الأساس: نعمة الله راهنةٌ: دائمةٌ، وهذ الشيء راهنٌ لك: معدٌ، وطعامٌ راهنٌ، وكأسٌ راهنةٌ: دائمةٌ لا تنقطع، وأرهن لضيفه الطعام والشراب: أدامهما، وفي كلامهم: النعمة إذا سمعت نغمة الشكر تهيأت للمزيد.
стр. 6127
إذا أنت لم ترج لله وقارا. (غَنِيٌّ) عن الشكر. (كَرِيمٌ) بالإنعام على من يكفر نعمته، والذي قاله سليمان ﵇ عند رؤية العرش شاكرا لربه، جري على شاكلة أبناء جنسه من أنبياء الله والمخلصين من عباده يتلقون النعمة القادمة بحسن الشكر، كما يشيعون النعمة المودعة بجميل الصبر.
[(قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ* فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ* وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ)].
(نَكِّرُوا) اجعلوه متنكرا متغيرا عن هيئته وشكله، كما يتنكر الرجل للناس لئلا يعرفوه. قالوا: وسعوه وجعلوا مقدّمه مؤخره، وأعلاه أسفله. وقرئ: (نَنظُرْ) بالجزم على الجواب، وبالرفع على الاستئناف (أَتَهْتَدِي) لمعرفته، أو للجواب الصواب إذا سئلت عنه، أو للدين والايمان بنبوّة سليمان ﵇، إذا رأت تلك المعجزة البينة، من تقدّم عرشها وقد خلفته وأغلقت عليه الأبواب، ونصبت عليه الحرس. هكذا ثلاث كلمات: حرف التنبيه، وكاف التشبيه، واسم الإشارة. لم يقل: أهذا عرشك،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي الحديث: "النعمة وحشيةٌ قيدوها بالشكر".
قوله: (إذا أنت لم ترج لله وقارًا)، مقتبسٌ من قول نوحٍ ﵇ على معنى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ﴾ [نوح: ١٣] على معنى: ما لكم تكونون على حالٍ تأملون فيها تعظيم الله إياكم، يعني أن الله تعالى أكرمك بأن أسبغ عليك نعمة ظاهرةً وباطنةً، فإنك إن لم تشكرها أهانك، فيكشف ذلك الستر عنك، فتزول تلك النعمة، أو على معنى: ما لكم لا تخافون لله حلمًا، وترك معاجلة، يعني: أنك تماديت في المعاصي، وأن الله ستر عليك بحلمه، فعن قريبٍ يتقلص ذلك الستر، فتهلك، والأول أنسب للمقام.
стр. 6128
ولكن: أمثل هذا عرشك، لئلا يكون تلقينا (قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ) ولم تقل: هو هو، ولا: ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، حيث لم تقطع في المحتمل. (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ) من كلام سليمان وملئه: فإن قلت: علام عطف هذا الكلام، وبم اتصل؟ قلت: لما كان المقام الذي سئلت فيه عن عرشها وأجابت بما أجابت به مقاما أجرى فيه سليمان وملؤه ما يناسب قولهم: (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ) نحو أن يقولوا عند قولها كأنه هو: قد أصابت في جوابها وطبقت المفصل، وهي عاقلة لبيبة، وقد رزقت الإسلام، وعلمت قدرة الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لئلا يكون تلقينًا)، يعني: إنما عدل نبي الله عن السؤال الذي فيه إيهامٌ إلى قوله: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ [النمل: ٤٢]، ليوقعها في ورطة الحيرة، إذ لو صرح بقوله: أهذا عرشك؟ كان قد لقنها بذلك، وحين كانت جازمةً بأن ذلك عرشها، وكان لها أن تقول: بل هو هو، فعدلت إلى قولها: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ لرجاحة عقلها، لتبقي الاحتمال الذي قصده نبي الله.
قوله: (ولم تقل: هو هو، ولا: ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، حيث لم تقطع في المحتمل). الانتصاف: وفي نكتةٌ حسنةٌ، وإن كانت كاف التشبيه في السؤال والجواب، فحكمته أن "كأنه" عبارة من قوي عنده الشبه، وكادت تقول: هو هو، و"هكذا هو" عبارةٌ جازمةٌ بتغاير الأمرين، حاكمٌ بوقوع الشبه بينهما، فالأول أشبه بحال بلقيس.
واعلم [أن] "كأن" مركبةٌ من كاف التشبيه و"أن"، على ما قالوا: "الأصل في قولك: كأن زيداً الأسد": أن زيداً كالأسد، فلما قدمت الكاف فتحت الهمزة، ليكون داخلًا على المفرد لفظًا، والمعنى على الكسر، بدليل جواز السكوت عليه، فلا يكون قولك: "كأن زيدًا أسدٌ" غير التشبيه، لتوكيد مضمون الجملة بـ "أن" المؤكدة، بخلاف "زيد كالأسد".
قوله: (وطبقت المفصل)، وعن بعضهم: الرجل إذا أصاب الحجة يقال: طبق
стр. 6129
وصحة النبوّة بالآيات التي تقدّمت عند وفدة المنذر، وبهذه الآية العجيبة من أمر عرشها عطفوا على ذلك قولهم: وأوتينا نحن العلم بالله وبقدرته، وبصحة ما جاء من عنده قبل علمها، ولم نزل على دين الإسلام؛ شكرا لله على فضلهم عليها وسبقهم إلى العلم بالله والإسلام قبلها. (وَصَدَّها) عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس ونشؤها بين ظهراني الكفرة، ويجوز أن يكون من كلام بلقيس موصولا بقولها: (كَأَنَّهُ هُوَ) والمعنى: وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوّة سليمان ﵇ قبل هذه المعجزة، أو قبل هذه الحالة، تعني: ما تبينت من الآيات عند وفدة المنذر ودخلنا في الإسلام، ثم قال الله تعالى: (وصَدَّهَا) قبل ذلك عما دخلت فيه ضلالها عن سواء السبيل. وقيل:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المفصل، مستعارٌ من طبق السيف: إذا أصاب المفصل فأبانه، فأما إذا أصاب العظم فقطعه، فإنه يقال: صمم، أي: ثبت ولم ينب.
قوله: (عطفوا على ذلك)، جواب "لما" في قوله: "لما كان المقام"، وقوله: " ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ [النمل: ٤٢] مقول قولهم، ويجوز أن يكون "يقولوا"، بيان "ما"، وقوله: "قد أصابت في جوابها" مقول "أن يقولوا" والحاصل: أن قول سليمان وملئه: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ معطوفٌ على مقدرٍ، ويدل عليه سياق الكلام ومقتضى المقام، وهو أن بلقيس لما سئلت عما سئلت، وأجابت بما أجابت، قال سليمان وملؤه عند ذلك: هل أصابت بلقيس في جوابها، وكيت وزيت، ونحن أيضًا ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾، وهو معنى قول المصنف: "وأوتينا نحن العلم" إلى آخر قوله: "بين ظهراني الكفرة" يعني: أنها وإن أصابت في جوابها، ورزقت الإسلام، وآمنت بالآيات السابقة واللاحقة، لكن نحن أعلم، وأقدم في الإسلام، فالضمير في قولهم لسليمان وملئه: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ [النمل: ٤٢] مقول القول، ونحو: أن يقولوا: بيان ما.
قوله: (﴿وَصَدَّهَا﴾ قبل ذلك عما دخلت فيه ضلالها عن سواء السبيل)، فاعل "صد"
стр. 6130
(وصَدَّهَا) الله أو سليمان، و (عما كانت تعبد) بتقدير حذف الجار وإيصال الفعل. وقرئ: (أنها) بالفتح؛ على أنه بدل من فاعل "صدّ"، أو بمعنى لأنها.
[(قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)].
الصرح: القصر. وقيل: صحن الدار. وقرأ ابن كثير: (سَاقَيْها) بالهمزة. ووجهه؛ أنه سمع:
سؤوقا، فأجرى عليه الواحد. والممرد: المملس، وروي أن سليمان عليه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"ضلالها" و"عن سواء السبيل" متعلق بـ "ضلالها" أي: صدها عن الدخول في الإسلام قبل وفدة المنذر بن عمرٍو رسولها إلى سليمان ﵇ "ضلالها عن سواء السبيل"، أي: جهلها بدين الإسلام.
قوله: (الصرح: القصر)، الراغب: الصرح: بيتٌ عالٍ مزوقٌ، سمي به اعتبارًا بكونه صرحًا عن الشوب، أي: خالصًا، ولبنٌ صريحٌ، بين الصراحة.
قوله: (ووجهه أنه سمع "سؤوقاً"، فأجرى عليه الواحد)، الكواشي: القراءة بهمزة "سأقيها" و"السؤق" و"السؤقة" لجواز أن من العرب من يهمز مفرد "ساقٍ" وجمعه، ويدل على ذلك صحة هذه القراءة، بل تواترها، وزعم بعضهم أن همز هذه الكلمات الثلاث بعيدٌ في العربية، إذ لا أصل لهن في الهمزة، وهذا تحكم كما تراه، لأنه لم يذكر على ذلك دليلًان بل جعل ما وصل إليه من كلام العرب دليلًا يعتبر به، بل المعتبر صحة ما يصح، بل تواتر عن النبي ﷺ .
قوله: (والممرد: المملس)، الراغب: المارد والمريد من شياطين الجن والإنس: المتعري من الخيرات، من قولهم: شجر أمرد: إذا تعرى من الورق. ومنه قيل: رملةٌ مرداء: إذا لم
стр. 6131
السلام أمر قبل قدومها فبني له على طريقها قصر من زجاج أبيض، وأجرى من تحته الماء، وألقى فيه من دواب البحر السمك وغيره، ووضع سريره في صدره، فجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والإنس، وإنما فعل ذلك ليزيدها استعظاما لأمره، وتحققا لنبوته، وثباتا على الدين.
وزعموا أنّ الجن كرهوا أن يتزوجها فتفضى إليه بأسرارهم، لأنها كانت بنت جنية. وقيل: خافوا أن يولد له منها ولد تجتمع له فطنة الجن والإنس، فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشدّ وأفظع، فقالوا له: إن في عقلها شيئا، وهي شعراء الساقين، ورجلها كحافر الحمار فاختبر عقلها بتنكير العرش، واتخذ الصرح ليتعرف ساقها ورجلها، فكشفت عنهما فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما لا أنها شعراء، ثم صرف بصره وناداها: (إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ) وقيل: هي السبب في اتخاذ النورة: أمر بها الشياطين فاتخذوها، واستنكحها سليمان ﵇، وأحبها وأقرّها على ملكها وأمر الجن فبنوا لها سيلحين وغمدان، يزورها في الشهر مرة فيقيم عندها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنبت شيئًا. ومنه: الأمرد، لتجرده من الشعر، و ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ [النمل: ٤٤] من قولهم: شجرةٌ مرداء، وكأن الممرد إشارةٌ إلى قول الشاعر:
في مجدلٍ شيد بنيانه … يزل عنه ظفر الطائر
قوله: (فبنوا لها سيلحين)، المغرب: وأما السيلحون فهو مدينةٌ باليمن.
وقول الجوهري: سيلحون قريةٌ، والعامة تقول: سالحون، فيه نظرٌ، وأما غمدان ففي "النهاية": بضم الغين، وسكون الميم، البناء العظيم، بناحية صنعاء اليمن، قيل: هو من بناء سليمان ﵇.
стр. 6132
ثلاثة أيام، وولدت له. وقيل: بل زوجها ذا تبع ملك همدان، وسلطه على اليمن، وأمر زوبعة أمير جن اليمن أن يطيعه، فبنى له المصانع، ولم يزل أميرا حتى مات سليمان.
(ظَلَمْتُ نَفْسِي): تريد بكفرها فيما تقدّم، وقيل: حسبت أن سليمان ﵇ يغرقها في اللجة فقالت: ظلمت نفسي بسوء ظنى بسليمان ﵇.
[(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ* قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)].
وقرئ: (أَنِ اعْبُدُوا)، بالضم على إتباع النون الباء. (فَرِيقانِ): فريق مؤمن وفريق كافر. وقيل أريد بالفريقين صالح ﵇ وقومه قبل أن يؤمن منهم أحد. (يَخْتَصِمُونَ) يقول كل فريق: الحق معي. السيئة: العقوبة، والحسنة: التوبة، فإن قلت: ما معنى استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة؟ وإنما يكون ذلك إذا كانتا متوقعتين إحداهما قبل الأخرى؟ قلت: كانوا يقولون لجهلهم: إن العقوبة التي يعدها صالح ﵇ إن وقعت على زعمه، تبنا حينئذ واستغفرنا؛ مقدّرين أن التوبة مقبولة في ذلك الوقت. وإن لم تقع، فنحن على ما نحن عليه، فخاطبهم صالح ﵇
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ذا تبع)، أي: زوجها سليمان من ذي تبع.
الأذواء: ملوك اليمن من قضاعة، المسمون بذي يزنٍ وذي نواسٍ.
قوله: (مقدرين أن التوبة)، حالٌ من قوله: "يقولون" حاصل السؤال أن الاستعجال بإحدى العدتين قبل الأخرى إنما يصح إذا اعتقدوهما وتوقعوهما، والقوم كفرة.
وتلخيص الجواب: أن السيئة التي هي العقوبة، والحسنة التي هي التوبة، لم تكونا ثابتتين عندهما، فقدروهما على قول صالحٍ ﵇، فخاطبهم نبي الله على حسب اعتقادهم.
стр. 6133
على حسب قولهم واعتقادهم، ثم قال لهم: هلا تستغفرون الله قبل نزول العذاب؟ (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) تنبيها لهم على الخطأ فيما قالوه؛ وتجهيلا فيما اعتقدوه.
[(قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ)].
وكان الرجل يخرج مسافرا فيمر بطائر فيزجره، فإن مر سانحا تيمن، وإن مر بارحا تشاءم، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر، استعير لما كان سببهما من قدر الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تنبيهاً لهم على الخطأ فيما قالوه وتجهيلًا فيما اعتقدوه)، أنكر أولًا بقوله: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾، قولهم: إن العقوبة إن وقعت تبنا حينئذ، ثم نبههم بقوله: لولا تستغفرون الله على خطئكم، وأن الاستغفار إنما ينفع قبل نزول العذاب، وأن ذلك الاعتقاد إنما صدر من الجهل.
قوله: (فإن مر سانحاً)، الجوهري: السنيح [والسانح]: ما ولاك ميامنه من ظبي أو طائرٍ أو غيرهما، وبرح الظبي بروحًا. إذا ولاك مياسره يمر من ميامنك إلى مياسرك، والعرب تتطير بالبارح، وتتفاءل بالسانح، لأنه لا يمكنك أن ترميه حتى تنحرف.
قوله: (استعير لما كان سببهما من قدر الله)، أي: استعير للذي كان سبب الخير والشر، وهو قدر الله وقسمته، يعني: استعير لقدر الله وقسمته لفظ الطائر، لأن السبب في تحصيل الخير والشر حقيقة هو قدر الله، وأن السانح والبارح- كما زعموا- إن دلا على حصولهما فهما أيضًا مسببان عن تقدير الله، فأطلقوا المسبب وهو الطائر على السبب، وهو قدر الله وقسمته، وقالوا: طائر الله لا طائرك، ويجوز أن يكون أسلوب الآية والاستشهاد من باب المشاكلة لا الاستعارة.
стр. 6134
وقسمته: أو من عمل العبد الذي هو السبب في الرحمة والنقمة. ومنه قالوا: طائر الله لا طائرك، أي: قدر الله الغالب الذي ينسب إليه الخير والشر، لا طائرك الذي تتشاءم به وتتيمن، فلما قالوا: اطيرنا بكم، أى: تشاءمنا وكانوا قد قحطوا. (قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ) أي: سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم عند الله، وهو قدره وقسمته، إن شاء رزقكم وإن شاء حرمكم. ويجوز أن يريد: عملكم مكتوب عند الله، فمنه نزل بكم ما نزل. عقوبة لكم وفتنة. ومنه قوله: (طائِرُكُمْ مَعَكُمْ) [يس: ١٩]، (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) [الإسراء: ١٣].
وقرئ: (تَطَيَّرْنَا بِكُمْ)، على الأصل. ومعنى: تطير به: تشاءم به. وتطير منه: نفر منه. (تُفْتَنُونَ) تختبرون. أو تعذبون. أو يفتنكم الشيطان بوسوسته إليكم الطيرة.
[(وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ* قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ* وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ* فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ* فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ* وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ)].
الْمَدِينَةِ: الحجر. وإنما جاز تمييز التسعة بالرهط لأنه في معنى الجماعة، فكأنه قيل:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو من عمل العبد)، عطفٌ على "من قدر الله" وهو من قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]. فقوله: "ويجوز أن يريد: عملكم مكتوبٌ عند الله" متفرعٌ على هذا الوجه، وعند أهل السنة عملكم مكتوب عند الله ومقدرٌ من عنده.
قوله: (المدينة: الحجر)، الراغب: الحجر: ما سور بالحجارة، وبه سمي حجر الكعبة وديار ثمود.
стр. 6135
تسعة أنفس. والفرق بين الرهط والنفر: أن الرهط من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة. والنفر من الثلاثة إلى التسعة وأسماؤهم عن وهب: الهذيل بن عبد رب. غنم بن غنم. رباب بن مهرج. مصدع بن مهرج. عمير بن كردبة. عاصم بن مخرمة. سبيط بن صدقة. سمعان بن صفى. قدار بن سالف: وهم الذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا عتاة قوم صالح ﵇، وكانوا من أبناء أشرافهم.
(وَلا يُصْلِحُونَ)؛ يعني: أن شأنهم الإفساد البحت الذي لا يخلط بشيء من الصلاح؛ كما ترى بعض المفسدين قد يندر منه بعض الصلاح. (تَقاسَمُوا) يحتمل أن يكون أمرا وخبرا في محل الحال بإضمار قد، أي: قالوا متقاسمين: وقرئ: (تقسَّموا) وقرئ: (لَنُبَيِّتَنَّهُ)، بالتاء والياء والنون،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا يخلط بشيءٍ من الصلاح)، الراغب: الصلاح ضد الفساد، وهما مختصان في أكثر الاستعمال بالأفعال، وقوبل القرآن تارةً بالفساد، وتارةً بالسيئة، قال تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]، والصلح يختص بإزالة النفار، وإصلاح الله تعالى الإنسان تارةً يكون بخلقه إياه صالحًا، وتارةً ما فيه من فسادٍ من بعد وجوده، وتارةً يكون بالحكم له بالصلاح ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]، أي: المفسد يضاد الله تعالى في يفعله، فإنه يفسد، والله تعالى يتحرى في جميع أحواله الصلاح، فهو إذن لا يصلح عمله.
قوله: (وقرئ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾، بالتاء والياء [والنون]، بالياء التحتاني: شاذةٌ، وبالتاء: حمزة والكسائي، والباقون: بالنون.
стр. 6136
فـ (تَقَاسَمُوا) مع النون والتاء؛ يصح فيه الوجهان. ومع الياء لا يصح فيه إلا أن يكون خبرا. والتقاسم، والتقسم: كالتظاهر، والتظهر: التحالف. والبيات: مباغتة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فـ ﴿تَقَاسَمُوا﴾ مع النون والتاء، يصح فيه الوجهان)، أي: الأمر والخبر، يعني: تقاسموا إذا كان أمرًا فـ ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ بالنون، جوابٌ له، لأن هذه الألفاظ التي تكون من ألفاظ القسم تتلقى بما تتلقى به الأيمان، كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: ١٠٩]، والمعنى: احلفوا لنبيتنه، وبالتاء الفوقانية: احلفوا لتبيتنه أنتم، وعلى هذا الخبر.
وأما إذا كان الخبر مع الياء، فمعناه: قالوا: لنبيتنه متقاسمين، كقولك: حلف بالله ليفعلن، بالياء التحتاني، وأما قوله: مع الياء، لا يصح فيه إلا أن يكون خبرًا، فعلل بأن الياء للغيبة، والأمر للمخاطب، ولا معنى لقوله: احلفوا لتبيتنه، وقدر بعضهم: ليقسم بعضكم بعضًا ليبيتنه.
وقال صاحب "الكشف": ﴿تَقَاسَمُوا﴾ [النمل: ٤٩]، يجوز أن يكون أمرًا، أمر بعضهم بعضًا بالتقاسم على التبييت.
وقال الزجاج: فمن قرأ بالتاء فكأنه قال: احلفوا لتبيتنه، كأنه أخرج نفسه من اللفظ، ويجوز أن يكون قد أدخل نفسه في التاء، لأنه إذا قال: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [النمل: ٤٩] فقد قال: تحالفوا، فلا يخرج نفسه من التحالف، ومن قرأ بالياء، فالمعنى: قالوا: لنبيتنه متقاسمين، وكان هؤلاء تحالفوا أن يبيتوا صالحًا ويقتلوه وأهله في بياتهم، ثم ينكرون عند أولياء صالح أنهم شهدوا مهلكه ومهلك أهله، ويحلفون أنهم لصادقون، فهذا مكرٌ عزموا عليه، قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠].
قوله: (والتقاسم)، مبتدأٌ، والخبر: "التحالف".
стр. 6137
العدو ليلا. وعن الإسكندر أنه أشير عليه بالبيات فقال: ليس من آيين الملوك استراق الظفر، وقرئ: (مَهْلِكَ) بفتح الميم واللام وكسرها من (هَلِكَ)، و (مُهْلَك) بضم الميم من أهلك. ويحتمل المصدر والزمان والمكان، فإن قلت: كيف يكونون صادقين وقد جحدوا ما فعلوا، فأتوا بالخبر على خلاف المخبر عنه؟ قلت: كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحا وبيتوا أهله؛ فجمعوا بين البياتين، ثم قالوا: ما شهدنا مهلك أهله، فذكروا أحدهما: كانوا صادقين، لأنهم فعلوا البياتين جميعا لا أحدهما وفي هذا دليل قاطع على أن الكذب قبيح عند الكفرة الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه ولا يخطر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: ﴿مُهْلِكَ﴾ بفتح الميم واللام وكسرها)، أبو بكر: "مهلك"، بفتح الميم واللام، وحفصٌ: بفتح الميم وكسر اللام، والباقون: بضم الميم وفتح اللام.
قال أبو البقاء: (مهلك) - بفتح اللام، وضم الميم- فيه وجهان، أحدهما: هو مصدرٌ بمعنى الإهلاك، حو: المدخل. والثاني: هو مفعولٌ، أي: لمن أهلك، أو لما أهلك منها، ويقرأ بفتحهما، وهو مصدر: هلك يهلك، ويقرأ الميم، وكسر اللام، وهو مصدرٌ أيضًا، ويجوز أن يكون زمانًا، وهو مضافٌ إلى الفاعل، أو إلى المفعول على لغة من قال: هلكته أهلكه، والموعد: زمانٌ.
وفي الحواشي: والأعرف في المصدر الفتح، والكسر قليلٌ، والكسر جاء في المكان مثل المرجع، قيل: المهلك والمرجع والميحص، والمكيل أربعةٌ لا يوجد لها خامسٌ.
قوله: (وفي هذا دليلٌ قاطعٌ على أن الكذب قبيحٌ عند الكفرة الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه)، قال صاحب "الانتصاف": حيلته لتصحيح قاعدة التحسين والتقبيح بالعقل قريبٌ من حيلتهم التي سماها الله تعالى مكرًا، وغرضه أن يستشهد على صحة مذهبه، وأنى
стр. 6138
ببالهم. ألا ترى أنهم قصدوا قتل نبي الله ولم يرضوا لأنفسهم بأن يكونوا كاذبين حتى سووا للصدق في خبرهم حيلة يتفصون بها عن الكذب. مكرهم: ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح ﵇ وأهله. ومكر الله: إهلاكهم من حيث لا يشعرون. شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة. روي أنه كان لصالح مسجد في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتم له ذلك وهم كاذبون، فإن من فعل الأمرين، وجحد أحدهما فلا مرية في فريته، وإنما تتم الحيلة لو فعلوا أمرًا، وادعى عليهم فعل أمرين فجحدوا المجموع، فلم تختلف العلماء في أن من حلف أن لا أضرب زيدًا، فضرب زيدًا وعمرًا كان حانثًا، بخلاف من حلف أن لا أضرب زيدًا أو عمرًا، فضرب زيدًا، فهو محل خلاف العلماء في الحنث وعدمه.
وقال صاحب "التقريب": لعل المراد: ما شهدنا مهلك أهله وحده، وإلا فمن شهد البياتين فقد شهد أحدهما.
وقال القاضي: ما شهدنا مهلك أهله فضلًا أن تولينا إهلاكهم، ونحلف: ﴿إِنَّا لَصَادِقُونَ﴾، أو: والحال ﴿إِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما ذكرنا، لأن الشاهد للشيء غير المباشر له عرفًا، أو: لأنا ما شهدنا مهلكهم وحده بل مهلكه ومهلكهم، كقولك: ما رأيت ثمة رجلًا بل رجلين.
وقلت: التقدير الأول، وهو: نحلف إنا لصادقون، كما نص عليه الزجاج، ليكون عطفًا على ﴿مَا شَهِدْنَا﴾ يدخل في حيز التقاسم أولى وأوجه، فلا يلزم صدقهم، ولا يحتاج إلى تلك التكلفات، وعليه قول إخوة يوصف: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف: ٨٢].
قوله: (يتفصون بها)، الجوهري: يقال: تفصى الإنسان: إذا تخلص من المضيق والبلية.
قوله: (شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة)، التمثيلية، شبه إهلاك الله إياهم،
стр. 6139
الحجر في شعب يصلى فيه، فقالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب وقالوا: إذا جاء يصلى قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث الله صخرة من الهضب «٢» حيالهم، فبادروا، فطبقت الصخرة عليهم فم الشعب. فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلا منهم في مكانه، ونجى صالحا ومن معه. وقيل: جاءوا بالليل شاهري سيوفهم، وقد أرسل الله الملائكة ملء دار صالح فدمغوهم بالحجارة: يرون الحجارة ولا يرون راميا (أَنَّا دَمَّرْناهُمْ) استئناف. ومن قرأ بالفتح رفعه بدلا من العاقبة، أو خبر مبتدإ محذوف تقديره: هي تدميرهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهم لا يشعرون، بفعل من يريد مكروه صاحبه، ويزاول إيصال الضرر إليه وهو لا يشعر، وإنما اختار الاستعارة على المشاكلة، لقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٧]، إذ لولاه لكان مشاكلةً، لقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤].
قوله: (في شعب)، الشعب- بالكسر-: ما انفلج بين الجبلين، وقيل: الطريق في الجبل، والجمع: شعابٌ، وفي المثل: شغلت شعابي جدواي، أي: شغلت كثرة المؤونة عطائي عن الناس.
قوله: (من الهضب)، الهضبة: الجبل المنبسط على وجه الأرض، والجمع: هضابٌ، وهضبٌ. قاله الجوهري.
قوله: (من قرأ بالفتح)، الكوفيون: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾، بفتح الهمزة، والباقون: بكسرها.
стр. 6140
أو نصبه على معنى: لأنا. أو على أنه خبر كان، أي: كان عاقبة مكرهم الدمار. (خاوِيَةً) حال عمل فيها ما دل عليه (تلك). وقرأ عيسى بن عمر: (خاوية) بالرفع على خبر المبتدإ المحذوف.
[(وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَاتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَإِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)].
وَاذكر لُوطاً أو أرسلنا لوطا لدلالة (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا) عليه. و (إِذْ) بدل على الأول؛ ظرف على الثاني. (وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) من بصر القلب، أي: تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا إليها، وأن الله إنما خلق الأنثى للذكر ولم يخلق الذكر للذكر، ولا الأنثى للأنثى، فهي مضادّة لله في حكمته وحكمه، وعلمكم بذلك أعظم لذنوبكم وأدخل في القبح والسماجة. وفيه دليل على أن القبيح من الله أقبح منه من عباده، لأنه أعلم العالمين وأحكم الحاكمين. أو تبصرونها بعضكم من بعض، لأنهم كانوا في ناديهم يرتكبونها معالنين بها، لا يتستر بعضهم من بعض خلاعة ومجانة، وانهماكا في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو نصبه على معنى: لأنا)، أي: منصوبًا على أن يكون مفعولًا له على حذف اللام، وهي لام العاقبة.
قوله: (لدلالة ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ [النمل: ٤٥] عليه)، يريد أن قصة لوطٍ معطوفةٌ على قصة ثمود، وقد ذكر في فاتحتها: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ فيقدر لها مثله، و ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ظرفٌ، ولا يجوز أن يكون بدلًا، إذ لا يستقيم "أرسلنا" وقت قوله.
قوله: (خلاعةً)، الأساس: ومن المجاز: خلع فلانٌ رسنه وعذاره، فعدا على الناس بشره.
قوله: (ومجانةً)، الجوهري: المجون: أن لا يبالي الإنسان ما صنع، وقد مجن بالفتح يمجن مجونًا، ومجانةً فهو ماجنٌ، والجمع: المجان.
قوله: (وانهماكًا)، يقال: انهمك الرجل في الأمر: لج وجد.
стр. 6141
المعصية، وكأن أبا نواس بنى على مذهبهم قوله:
وبح باسم ما تأتي وذرني من الكنى … فلا خير في اللّذّات من دونها ستر
أو: تبصرون آثار العصاة قبلكم وما نزل بهم. فإن قلت: فسرت تبصرون بالعلم وبعده (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)، فكيف يكونون علماء وجهلاء؟ قلت: أراد: تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك. أو تجهلون العاقبة. أو أراد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وبح باسم من تهوى)، البيت، قبله:
ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمر … ولا تسقني سرًا إذا أمكن الجهر
البوح: ظهور الشيء، يقال: باح ما كتمه، أي: ظهر، وباح به صاحبه، أي: أظهره، يقال: كنى فلانٌ عن أمرٍ يعني: إذا تكلم بغيره مما يستدل به عليه، كما أن الله كنى عن الجماع بالمس والغشيان، لأنه حييٌ كريمٌ.
قوله: (أراد: تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشةٌ مع علمكم بذلك)، هذا الجواب غير مرضي تأباه كلمة الإضراب، بل إنه تعالى لما أنكر عليهم فعلهم على الإجمال، وسماه فاحشةً، وقيده بالحال المقررة لجهة الإشكال تتميمًا للإنكار بقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أراد مزيد ذلك التوبيخ والإنكار، فكشف عن حقيقة تلك الفاحشة مفصلًا، وصرح بذكر الرجال محلى بلام الجنس، مشيرًا به إلى أن الرجولية منافيةٌ لهذه الحالة، وقيده بالشهوة التي هي أخس أحوال البهيمية.
وقد تقرر عند ذوي البصائر أن إتيان النساء لمجرد الشهوة مسترذلٌ، فكيف بالرجال! وضم إليه "من دون النساء"، وأذن له بأن ذلك ظلمٌ فاحشٌ، ووضعٌ للشيء في غير
стр. 6142
بالجهل. السفاهة والمجانة التي كانوا عليها فإن قلت: (تَجْهَلُونَ) صفة لقوم، والموصوف لفظه لفظ الغائب، فهلا طابقت الصفة الموصوف فقرئ بالياء دون التاء؟ وكذلك (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ)؟ قلت: اجتمعت الغيبة والمخاطبة، فغلبت المخاطبة، لأنها أقوى وأرسخ أصلا من الغيبة.
[(فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ* فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ* وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ)].
وقرأ الأعمش: "جواب قومه"، بالرفع. والمشهورة أحسن (يَتَطَهَّرُونَ) يتنزهون عن القاذورات كلها، فينكرون هذا العمل القذر، ويغيظنا إنكارهم. وعن ابن عباس ﵄: هو استهزاء (قَدَّرْناها) قدّرنا كونها. (مِنَ الْغابِرِينَ): كقوله: (قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ) [الحجر: ٦٠] فالتقدير واقع على الغبور في المعنى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
موضعه، ثم أضرب عن الكل بقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، أي: كيف يقال لمن يرتكب هذه الشنعاء: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾؟ ! فأولى حرف الإضراب ضمير ﴿أَنْتُمْ﴾ وجعلهم قومًا جاهلين، والتفت في ﴿تَجْهَلُونَ﴾ موبخًا معيرًا.
قوله: (وقرأ الأعمش: "جواب قومه" بالرفع)، قال ابن جني: والحسن أيضًا، والنصب أقوى بأن يجعل اسم "كان" قوله ﴿أَنْ قَالُوا﴾ لشبه "أن" بالمضمر من حيث كانت لا توصف، كما لا يوصف المضمر، والمضمر أعرف من هذا المظهر.
قوله: (فالتقدير واقعٌ على الغبور)، أي: قدر الله وقضاؤه واقعٌ على الغبور، أي: كونها من زمرة الباقين في العذاب، لأن الذوات لا تعدد. قال الواحدي: جعلنا تقديرنا وقضاءنا عليها أنها من الباقين في العذاب.
стр. 6143
[(قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ)].
أمر رسوله ﷺ أن يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين على وحدانيته وقدرته على كل شيء وحكمته، وأن يستفتح بتحميده والسلام على أنبيائه والمصطفين من عباده. وفيه تعليم حسن، وتوقيف على أدب جميل، وبعث على التيمن بالذكرين، والتبرك بهما، والاستظهار بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين وإصغائهم إليه، وإنزاله من قلوبهم المنزلة التي يبغيها المسمع. ولقد توارث العلماء والخطباء والوعاظ كابرا عن كابر هذا الأدب، فحمدوا الله وصلوا على رسول الله ﷺ أمام كل علم مفاد وقبل كل عظة وتذكرة، وفي مفتتح كل خطبة، وتبعهم المترسلون فأجروا عليه أوائل كتبهم في الفتوح والتهاني وغير ذلك من الحوادث التي لها شأن. وقيل: هو متصل بما قبله، وأمر بالتحميد على الهالكين من كفار الأمم والصلاة على الأنبياء ﵈ وأشياعهم الناجين. وقيل: هو خطاب للوط ﵇، وأن يحمد الله على هلاك كفار قومه، ويسلم على من اصطفاه الله ونجاه من هلكتهم وعصمه من ذنوبهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: هو متصلٌ بما قبله)، عطفٌ على قوله: "أمر رسول الله ﷺ " يعني: قوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إما اقتضابٌ، وهو أن يقتضب خطبةً، ويجعلها تحميدةً لتلاوته الآيات الناطقة بالبراهين، وهي قوله: ﴿آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآيات، أو تخلصٌ، أي: جعل التحميد على الهالكين من كفار الأمم، والصلاة على الأنبياء وأشياعهم ذريعةً إلى الشروع في قصته مع مشركي قومه، وأن له ولهم أسوةً بالأنبياء الماضية، والأمم الخالية.
قوله: (وأن يحمد الله على هلاك كفار قومه)، كما قال: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أي: الحمد لله على هلاك الأعداء ونجاته، لأنه من أجل النعم، وأجزل القسم.
стр. 6144
معلوم أن لا خير فيما أشركوه أصلاً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (معلومٌ أن لا خير فيما أشركوه) إلى آخره، كالتعليل للخير، والنفي منصبٌ على العلة والمعلول معًا، أي: ليس فيه خيرٌ لكي يوازن به بينه وبين الله، نحوه قوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢]، وفيه إشارةٌ إلى أن ذلك واردٌ على سبيل الاستدراج، وإرخاء العنان ليعتبروا حيث يراد تبكيتهم.
الانتصاف: كلامٌ مرضيٌ، ولكن وضع مكان ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: "خالق كل خيرٍ" فإنه مذهبٌ قدريٌ.
وقال الراغب في "غرة التنزيل": قوله: ﴿آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بنيت عليه الآيات التالية من قوله: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وتكلم أهل النظر في قولك: هذا أفضل من هذا، وهذا خيرٌ من هذا، فقال بعضهم: يقال للخير الذي لا شر فيه، والشر الذي لا خير فيه بالتأول، لأن الأصل في باب: "أفعل من كذا" التفضيل، فمعنى الآية: أنهم مشغولون بعبادة الأوثان عن عبادة الرحمن، وفعلهم ينبئ عن أنها تنفعهم فوق ما ينفعهم خالقهم، فكأنهم قالوا: إن تلك أنفع لهم منه ﵎، فقررهم أولًا بقوله: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، أي: إذا عرفتم بأن الله تعالى سن لكم المصالح، ويسر لكم المنافع، وأ، زل لكم المطر من فوق، فأنبت ما به قوام الناس من تحت، آلله أنفع لكم أم الأوثان، فوضع موضعه قوله: ﴿أَءلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾، أي: احتاج من يفعل هذا إلى عضدٍ ومعينٍ؟ ! بل الكفار قومٌ يعدلون عن الحق، وقيل: يعدلون بمن يفعل هذا غيره، تعالى الله عن ذلك، فهذا موضع ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾، لأن أول الذنوب العدول عن الحق ورده.
стр. 6145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم ثنى بقوله: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ فوصف ما بثه من قدرته في البر والبحر مما به مساك الأرض، وختمه بقوله: ﴿أَءلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، أي: أمع اله من يفعل مثل فعله؟ ! ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما لهم في عبادة الله وإخلاصها، و [ما] عليهم في إشراك غيره فيها، أي: لو علموا ما تنتهي إليه عواقب هذين لما عدلوا عما هو أنفع لهم إلى ما هو لهم أضر.
ثم ثلث بقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ﴾، ذكرهم بما لا يكاد يخلو منه أحدٌ إذا دفع إلى شدةٍ أن يضطر إلى الانقطاع إلى الله تعالى، وقوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ موضعٌ ينسى فيه الإنسان سالف شدته براهن نعمته، ففصل بقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾، أي: ما تذكرون ما مر من دهركم من بلائكم وشروركم.
ثم ربع بقوله: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، أي: من ينجيكم بهدايته وما نصب لكم من آياته بالنجوم التي تعولون عليها في البحر والبر إذا لم تهتدوا في الظلمات؟ ولما كانت هدايته في البحر وتسييره الجواري بالريح، ضم إليه الريح الأخرى المبشرة بالقطر، فلما ختم الآية التي هي في معناها بقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٤] ختم هذه بقوله: ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، لأن المذكورين في هذه الآية المذكورون في تلك.
وأما قوله: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ فكالخاتمة والتتميم للسوابق، ولذلك ضم مع قوله: ﴿أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾، أي: من يعدل رب العالمين الذي هذا شأنه؟ هلموا برهانكم وما يظهر في النفوس أن ما يقولونه حقٌ، وأن ما عداه باطل.
стр. 6146
حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل خير ومالكه، وإنما هو إلزام لهم وتبكيت وتهكم بحالهم، وذلك أنهم آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله، ولا يؤثر عاقل شيئا على شيء إلا لداع يدعوه إلى إيثاره من زيادة خير ومنفعة، فقيل لهم، مع العلم بأنه لا خير فيما آثروه، وأنهم لم يؤثروه لزيادة الخير ولكن هوى وعبثا، لينبهوا على الخطإ المفرط والجهل المورط وإضلالهم التمييز ونبذهم المعقول وليعلموا أنّ الإيثار يجب أن يكون للخير الزائد. ونحوه ما حكاه عن فرعون: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ) [الزخرف: ٥٢] مع علمه أنه ليس لموسى مثل أنهاره التي كانت تجرى تحته. ثم عدّد سبحانه الخيرات والمنافع التي هي آثار رحمته وفضله، كما عدّدها في موضع آخر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فقد بان ووضح أن كل خاتمةٍ لائقةٌ بمكانها. هذا تلخيص كلامه.
الأساس: نعمة الله راهنةٌ: دائمةٌ، وهذا الشيء راهنٌ لك: معدٌ، وطعامٌ راهنٌ.
قوله: (والجهل المورط)، الأساس: ورطه، وتورطت الماشية: وقعت في موحلٍ، ومكان لا يتخلص منه، وتورط فلانٌ ببليةٍ، وورطه فيها، وأورطه شر مورطٍ.
قوله: (ونحوه ما حكاه عن فرعون)، وهو: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥١، ٥٢]، فإن اللعين لما عد ما عد مما اختص به، وقد علم أن موسى ﵇ لم يكن عنده من ذلك شيءٌ قال: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ للتبكيت والتهكم، يعني: ثبت عندكم واستقر أني خيرٌ مع هذه المملكة البسيطة من هذا الضعيف الحقير الذي ليس له شيءٌ منها.
قوله: (ثم عدد الخيرات والمنافع)، يعني: في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠].
والحاصل أن هذا الأسلوب من إنكار الشيء ونفيه على وجه يعرف به الخصم،
стр. 6147
ثم قال: (هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ). وقرئ: (يُشرِكُونَ) بالياء والتاء. وعن رسول الله ﷺ : أنه كان إذا قرأها يقول "بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم".
[(أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ)].
فإن قلت: ما الفرق بين أم وأم في (أَمَّا يُشْرِكُونَ) و (أَمَّنْ خَلَقَ)؟ قلت: تلك متصلة، لأنّ المعنى: أيهما خير. وهذه منقطعة بمعنى بل والهمزة، لما قال الله تعالى: آلله خير أم الآلهة؟ قال: بل أمّن خلق السماوات والأرض خير؟ تقريرا لهم بأن من قدر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولا يأباه فإنه تعالى أثبت لوازم الألوهية لنفسه ونفاها عما اتخذوه شركاء له من الأصنام وغيرها، مؤكدًا بالإنكار على ما دل عليه البرهان والعيان، ووقع عليه الوفاق والاتفاق، ولفظة "ثم" في كلام المصنف: "ثم عدد " عطف على مقدر، يعني: ذكر الله قبل هذه الآيات آياتٍ ودلائل، ثم عدد الخبرات.
قوله: (وقرئ: ﴿يُشْرِكُونَ﴾ بالياء والتاء)، عاصمٌ وأبو عمر: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء.
قوله: (قال: بل أمن خلق السماوات والأرض)، بتخفيف الميم تفسير ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾ بتثقيل الميم، لأن "أم" منقطعةٌ، وهي على تقدير: بل والهمزة، و"من" موصولةٌ، فكأن المعنى: بل أمن خلق السماوات والأرض خيرٌ.
قوله: (تقريراً لهم)، يعني: أضرب عن السؤال الأول إلى تقرير المعنى الثاني، أي: دعوا
стр. 6148
على خلق العالم خير من جماد لا يقدر على شيء. وقرأ الأعمش: (أَمَنْ) بالتخفيف. ووجهه أن يجعل بدلا من الله، كأنه قال: أمّن خلق السماوات والأرض خير أم ما تشركون؟ فإن قلت: أي نكتة في نقل الإخبار عن الغيبة إلى التكلم عن ذاته في قوله: (فَأَنْبَتْنَا)؟ قلت: تأكيد معنى اختصاص الفعل بذاته، والإيذان بأنّ إنبات الحدائق المختلفة الأصناف والألوان والطعوم والروائح والأشكال مع حسنها وبهجتها بماء واحد. لا يقدر عليه إلا هو وحده. ألا ترى كيف رشح معنى الاختصاص بقوله: (مَّا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذلك، ألستم تقرون أنه خالق السماوات والأرض، وأنه خيرٌ من جمادٍ لا يقدر على شيءٍ.
قوله: (ألا ترى كيف رشح معنى الاختصاص)، الأساس: أصل الرشح. ترشيح الظبية ولدها تعوده المشي فيرشح، ورشحت القربة الماء، ورشح الكوز، وكل إناءٍ يرشح بما فيه.
وفي الاصطلاح: هو أن يعقب الاستعارة بصفةٍ ملائمةٍ للمستعار منه، مبالغةً لتناسي التشبيه، وأن المستعار له دخل في جنس المستعار منه، حيث تفرع عليه ما تفرع على المستعار منه.
والخلاصة: أن الترشيح كالتربية لفائدة كلام بولغ فيه، وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله: "رشح معنى الاختصاص" لا أنه ترشيحٌ اصطلاحيٌ، أما الاختصاص فهو مستفادٌ من الإضراب، ونفي الخيرية عن الشركاء، وإثباتها لله تعالى بعدما أثبتها له بقوله: ﴿اللَّهُ خَيْرُ﴾ على سبيل التبكيت.
وأما التوكيد فيه، فمن نقل الخطاب من الغيبة إلى التكلم، لأنه أقوى وأرسخ أصلًا منه، لأن الأصل أن يكون الخطاب بين الحاضرين، ولأن الأصل في الإخبار أن يخبر الإنسان عن نفسه، ثم عن نفسه وعمن معه، ثم عن المخاطب، ثم عن الغائب، ثم من
стр. 6149
كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها) ومعنى الكينونة: الانبغاء. أراد أن تأتي ذلك محال من غيره، وكذلك قوله: (بَلْ هُمْ) بعد الخطاب: أبلغ في تخطئة رأيهم. والحديقة: البستان عليه حائط: من الإحداق وهو: الإحاطة. وقيل (ذَاتَ)، لأنّ المعنى: جماعة حدائق ذات بهجة، كما يقال: النساء ذهبت. والبهجة: الحسن، .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إيثار صيغة الجمع الدال على الكبرياء والعظمة، ثم رشح هذه المبالغة والتأكيد بقوله: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ على أن معنى ﴿مَا كَانَ﴾: ما ينبغي، يعني: لا ينبغي ولا يصح، ولا يستقيم منهم أن يفعلوها، بل هو من خصائص من عظم شأنه، وجل سلطانه، فإنهم أحقر من ذلك، وهو المراد من قوله: "معنى الكينونة: الانبغاء"، ثم رشح هذا التحقير بالنقل من الخطاب في قوله: ﴿لَكُمْ﴾، إلى الغيبة ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] لعكس المعنى الأول، وهو الطرد والبعد والتحقير.
فانظر إلى هذه الرموز التي تسلب العقول، ثم انظر إلى إدراك المصنف مكانها، ولله قوله في الخطبة: "دراكًا للمحةٍ وإن لطف شأنها".
قوله: (من الإحداق وهو الإحاطة)، الراغب: الحديقة: قطعةٌ من الأرض ذات ماءٍ سميت تشبيهًا بحدقة العين في الهيئة، وحصول الماء فيها، وجمع الحدقة: حداقٌ وأحداقٌ، وحقد تحديقًا: شدد النظر، وحدقوا به: أحاطوا به تشبيهًا بإدارة الحدقة.
قوله: (وقيل: ﴿ذَاتَ﴾، لأن المعنى: جماعة حدائق)، قال صاحب "الفرائد": لا ضرورة في زيادة لفظ الجماعة، لأن "حدائق" مؤنثةٌ واحدة، من حيث إنها جمعٌ، وهي كالنساء، فيقال: إن المصنف يحقق الأصل، ويقرر وجه الإفراد.
قال الزجاج: ويجوز في غير وجه القراءة: "ذوات بهجةٍ"، لأنها جماعةٌ، كما تقول: نسوتك ذوات حسنٍ، وإنما جاز ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠]، لأن المؤنث يخبر عنه في الجمع بلفظ الواحدة إذا أردت الجماعة، كأنك قلت: جماعةٌ ذات بهجةٍ.
стр. 6150
لأنّ الناظر يبتهج به.
(أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ): أغيره يقرن به ويجعل شريكا له. وقرئ: (أإلها مع الله)، بمعنى: أتدعون، أو أتشركون. ولك أن تحقق الهمزتين، وتوسط بينهما مدّة، وتخرج الثانية بين بين (يَعْدِلُونَ) به غيره، أو يعدلون عن الحق الذي هو التوحيد.
[(أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)].
(أَمَّنْ جَعَلَ) وما بعده بدل من (أَمَّنْ خَلَقَ) فكان حكمهما حكمه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن الناظر يبتهج به)، الراغب: البهجة: حسن اللون، وظهور السرور فيه، وقد بهج بهيجٌ، وقد ابتهج بكذا: سر به سرورًا بان أثره على وجهه، وأبهجه كذا.
قوله: (وقرئ: "أإلهًا مع الله")، فهي شاذة، وأما تحقيق الهمزتين بينهما مدة فقرأه هشامٌ عن ابن عامرٍ.
قوله: (﴿يَعْدِلُونَ﴾ به غيره، أو يعدلون عن الحق)، عن بعضهم: عدل فلانًا بفلانٍ، أي: سوى يبنهما، والعادل المشرك يعدل بربه، وقالت امرأةٌ للحجاج: إنك لقاسطٌ، عادلٌ، وعدل عن الطريق وانعدل: حاد.
قوله: (﴿أَمَّنْ جَعَلَ﴾ وما بعده بدلٌ من ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾) يعني: إذا أخذت مجموع الآيتين وخلاصتهما، وكونهما دالين على اختصاص الله بهذه الأفعال التي لا يقدر عليها
стр. 6151
(قَراراً) دحاها وسوّاها بالاستقرار عليها (حَاجِزاً) كقوله: برزخا.
[(أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ)].
الضرورة: الحالة المحوجة إلى اللجأ. والاضطرار: افتعال منها. يقال: اضطرّه إلى كذا. والفاعل والمفعول: مضطر. والمضطر الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر إلى اللجإ والتضرع إلى الله. وعن ابن عباس ﵄: هو المجهود. وعن السدّي: الذي لا حول له ولا قوة. وقيل: المذنب إذا استغفر. فإن قلت: قد عم المضطرين بقوله: (يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غيره، وأنها دالةٌ على التوحيد، ونفي الضد والند، كان حكم الثاني حكم الأول، فيصح الإبدال، ولا ينبغي أن يعتبر مفرداتهما في الإبدال لعدم استقامة المعنى.
ومما يؤيد أن الإبدال من المعنى تذييل الآيتين بقوله: ﴿أَءلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾، وأن الثاني بيانٌ للأول تجهيلهم بقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١]، أي: جاهلون في أن يعدلوا به غيره، أي: يسوون به غيره، أو يعدلون عن الحق الذي هو التوحيد، ولأن الآثار السفلية أظهر من الآثار العلوية، وأقرب خطوًا عند الأغنياء، ولأن الدلائل كلما كانت أسهل مأخذًا كان أبين وأوضح، فصح إبدال الثانية من الأولى، والله أعلم.
قوله: (﴿قَرَارًا﴾: دحاها وسواها للاستقرار)، وقال القاضي: المعنى: بإبداء بعضها من الماء، وتسويتها بحيث يتأتى استقرار الإنسان والدواب عليها.
قوله: (قد عم المضطرين بقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾)، يريد أن المضطر من لزته الضرورة إلى اللجأ إلى الله تعالى، وقد حكي بلام الاستغراق فيفيد العموم، وقد يوجد الدعاء من المضطر والإجابة متخلفة.
стр. 6152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وخلاصة الجواب: أن مدخول اللام مطلقٌ، واللام للجنس لا للاستغراق، والمطلق يحتمل الكل والبعض كاللفظ المشترك، كما سبق في أول الكتاب، فيحتاج في تعيين أحد مفهومية إلى القرينة، وقامت قرينة شريطة رعاية المصلحة في الإجابة فقيدت بها.
قال صاحب "الفرائد": ما من مضطر دعاه إلا أجيب، وأعيد نفع دعائه إليه، إما في الدنيا، وإما في الآخرة، وذلك أن الدعاء: طلب شيء، فإن لم يعط ذلك الشيء بعينه يعط ما هو أجل منه، أو إن لم يعط هذا الوقت يعط بعده.
وقال صاحب "الانتصاف": الإجابة مقرونةٌ بالمشيئة لا بالمصلحة.
والقدرية يوقفونها على المصلحة لإيجابهم رعاية المصالح، وقوله: "لا يحسن الدعاء من العبد إلا شارطاً فيه المصلحة" غلطٌ، فإن المشيئة شرطٌ باتفاقٍ، ومع ذلك كره النبي ﷺ أن يقول: اللهم اغفر لي إن شئت.
وقلت: التعريف للعهد، لأن سياق الكلام في المشركين يدل عليه الخطاب بقوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ﴾، والمراد التنبيه على أنهم عند اضطرارهم في نوازل الدهر وخطوب الزمان كانوا يلجؤون إلى الله تعالى دون الشركاء، والأصنام، ويدل على التنبيه قوله تعالى: ﴿أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.
قال صاحب "المفتاح": كانوا إذا حزبهم أمرٌ دعوا الله دون أصنامهم.
стр. 6153
وكم من مضطرّ يدعوه فلا يجاب؟ قلت، الإجابة موقوفة على أن يكون المدعوّ به مصلحة، ولهذا لا يحسن دعاء العبد إلا شارطا فيه المصلحة. وأما المضطر فمتناول للجنس مطلقا، يصلح لكله ولبعضه، فلا طريق إلى الجزم على أحدهما إلا بدليل، وقد قام الدليل على البعض؛ وهو الذي أجابته مصلحة، فبطل التناول على العموم. (خُلَفاءَ الْأَرْضِ) خلفاء فيها، وذلك توارثهم سكناها والتصرف فيها قرنا بعد قرن. أو أراد بالخلافة الملك والتسلط. وقرئ: (يذّكّرون) بالياء مع الإدغام. وبالتاء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والمعنى: إذا حزبكم أمرٌ أو قارعةٌ من قوارع الدهر إلى أن تصيروا آيسين من الحياة، من يجيبكم على كشفها، ويجعلكم بعد ذلك تتصرفون في البلاد كالخلفاء ﴿أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾؟ فلا يكون المضطرون عامًا، ولا الدعاء، فإنه مخصوصٌ بمثل قضية الفلك، وقد أجيبوا إليه في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ الآية [يونس: ٢٢].
وقوله: (إلا شارطًا)، استثناء مفرغٌ، أي: لا يحسن دعاء العبد كائنًا على حالٍ من الأحوال إلا هذه الحال. وعليه دعاء الاستخارة: "إن كنت تعلم أن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري" إلى قوله: "فيسره لي" الحديث.
قوله: (أو أراد بالخلافة الملك والتسلط)، الجوهري: الخليفة: السلطان الأعظم، وقد يؤنث، وأنشد الفراء:
أبوك خليفة ولدته أخرى … وأنت خليفةٌ ذاك الكمال
قوله: (وقرئ: "يذكرون" بالياء) أبو عمرو وهشام: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء.
стр. 6154
مع الإدغام والحذف. وما مزيدة، أي: يذكرون تذكرا قليلا. والمعنى: نفي التذكر، والقلة تستعمل في معنى النفي.
[(أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)].
(يَهْدِيكُمْ) بالنجوم في السماء، والعلامات في الأرض: إذا جنّ الليل عليكم مسافرين في البر والبحر.
[(أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)].
فإن قلت: كيف قيل لهم: (أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) وهم منكرون للإعادة؟ قلت:
قد أزيحت علتهم بالتمكين من المعرفة والإقرار، فلم يبق لهم عذر في الإنكار،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والقلة تستعمل في معنى النفي)، وأنشد:
قليلٌ بها الأصوات إلا بغامها
أي: ليس بها صوتٌ إلا صوت الظباء، البغام- بالباء الموحدة والغين المعجمة- صوت الظبية، وعليه يحمل قول زهيرٍ:
قليل الألايا حافظٌ ليمينه … وإن سبقت منه الألية برت
стр. 6155
(مِنَ السَّمَاءِ) الماء، وَمن (الْأَرْضِ) النبات. (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) أنّ مع الله إلها، فأين دليلكم عليه؟
[(قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)].
فإن قلت: لم رفع اسم الله، والله يتعالى أن يكون ممن في السماوات والأرض؟ قلت: جاء على لغة بني تميم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (جاء على لغة بين تميم)، قال المالكي في "التسهيل": وأجاز التميميون إتباع المنقطع إن صح إغناؤه عن المستثنى منه، وليس من تغليب العاقل على غيره فيختص بأحد وشبهه، وقال في الشرح: لغة بني تميمٍ إعطاء المنقطع المؤخر من مستثنيات "إلا" في غير الإيجاب من الإتباع ما لمتصل، فيقولون: ما فيها أحدٌ إلا زيدٌ، كما يقول الجميع، وعلى لغتهم قول الراجز:
وبلدةٍ ليس بها أنيس … إلا اليعافير وإلا العيس
ويلحق بهذا إتباع أحد المتباينين الآخر، نحو: ما أتاني زيدٌ إلا عمروٌ، وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه، وهما من أمثلة سيبويه. والأصل: ما أتاني أحدٌ إلا عمرٌو، وما أعانه أحدٌ إلا إخوانه، فجعل مكان "أحدٍ" بعض مدلوله، وهو زيدٌ وإخوانكم، ولو لم يذكر الدخلاء فيمن نفي عنه الإتيان والإعانة، لكن ذكرا توكيدًا لقسطهما من النفي دفعًا لتوهم المخاطب أن المتكلم لم يعترض عليه هذا الذي أكد به، فذكره توكيدًا، وشرط الإتباع في هذا النوع أن يستقيم حذف المستثنى منه، والاستغناء عنه بالمستثنى، فإن لم يوجد هذا الشرط تعين النصب عند الجميع، كقوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] فـ "من رحم" في موضع نصبٍ على الاستثناء، ولا يجوز فيه الإتباع، لأن الاستغناء
стр. 6156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
به عما قبله ممتنعٌ إلا بتكلفٍ. وعم المازني: أن إتباع المنقطع من تغليب ما يعقل على ما لا يعقل.
قال ابن خروف: وهذا فاسدٌ، لأنه لا يتوهم ذلك إلا في لفظٍ واحدٍ، والذي يبدل منه في هذا الباب ليس بلفظٍ واحدٍ، بل أكثر من أن يحصى.
ثم قال المالكي: زعم الزمخشري أن قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ استثناءٌ منقطعٌ جاء على لغة تميمٍ لأن الله تعالى، وإن صح الإخبار عنه بأنه في السماوات والأرض، وإنما ذلك على المجاز، لأنه مقدسٌ عن الكون في مكانٍ، بخلاف غيره، فإنه إذا أخبر عنه بأنه في السموات أو في الأرض، فإنه كائنٌ فيهما حقيقةً، ولا يصح حمل اللفظ في حالٍ واحدٍ على الحقيقة والمجاز، والصحيح عندي أن الاستثناء في الآية متصلٌ، وفي متعلقه بغير "استقر" من الأفعال المنسوبة عل الحقيقة إلى الله تعالى، وإلى المخلوقين كذكر ويذكر، فكأنه قيل: لا يعلم من يذكر في السماوات والأرض الغيب إلا الله تعالى.
ويجوز تعليق "في" بـ "استقر" مسنداً إلى مضافٍ حذف، وأقيم المضاف إليه مقامه، أي: لا يعلم من استقر ذكره في السماوات والأرض الغيب إلا الله، ثم حذف الفعل والمضاف، واستتر الضمير لكونه مرفوعًا، هذا على تسليم امتناع إرادة الحقيقة والمجاز في حالةٍ واحدةٍ، وليس عندي ممتنعاً كقولهم: القلم أحد اللسانين، والخال أحد الأبوين، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، ويمكن أن يكون ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ في موضع نصبٍ ﴿الْغَيْبَ﴾ بدل الاشتمال، والفعل مفرغٌ لما بعد إلا. أي: لا يعلم غيب السموات والأرض إلا الله.
وقلت: المصنف ما اختار المذهب التميمي اضطرارًا إليه، بل مراعاة لتلك النكتة، وتحقيقها على ما ذكره صاحب "المتفاح"، ومن البناء على هذا التنويع، أي: على الدعوى قوله: "تحية بينهم ضربٌ وجيعٌ".
стр. 6157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] وقوله:
وبلدةٍ ليس بها أنيس … إلا اليعافير وإلا العيس
قال في فصل المستثنى منه، أي: أنيسها ليسوا إلا إياها. وقال فيه:
وقفت فيها أصيلالًا أسائلها … عيت جوابًا وما بالربع من أحد
إلا أواري …
أراد إن كان الأواري يعد أحدًا، فلا أحد فيه بها إلا إياه.
وعليه كلام المصنف: "إن كان الله ممن في السماوات والأرض، فهم يعلمون الغيب"، أي: المقصود من إدخال رب العزة في المستثنى منه بالدعوى، وجعله جنسًا منهم كما سبق، ثم الإخراج بالمستثنى قطع القول بنفي معرفة الغيب ممن في السماوات والأرض، وأن استحالة علمهم الغيب كاستحالة أن يكون الله منهم، والفرق بين الآية والمثال: أنه في الآية أدخل الله فيمن في السماوات والأرض، ليجعل غيره مثله في معرفة الغيب ادعاءً، وهو المراد بقوله: "فهم يعلمون الغيب"، وفي المثال عكسه، وذلك أن علم الله غامرٌ لكل عالمٍ، وسلطان الإنس غالبٌ على كل من دونه، وكذا المثالان، أعني: "القلم أحد اللسانين" و"الخال أحد الأبوين" أيضًا من البناء على الدعوى، كقوله: "تحية بينهم ضربٌ وجيعٌ". وقول الفرزدق:
أبي أحمد الغيثين صعصعة الذي … متى تخلف الجوزاء والنجم يمطر
стр. 6158
حيث يقولون: ما في الدار أحد إلا حمار، يريدون: ما فيها إلا حمار، كأنّ أحدا لم يذكر. ومنه قوله:
عشيّة ما تغني الرّماح مكانها … ولا النّبل إلّا المشرفي المصمّم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فهو إلى باب عموم المجاز أقرب من إرادة الحقيقة والمجاز معًا.
ومما يقوي هذا التأويل ما ذكره صاحب "التقريب"، وفي الكلام تعقيدٌ ينحل ببيان أمرين: الأول: توقف النكتة على لغة التميمي، والثاني: موازنة الآية بالبيت. أما الأول، فتلخيصه: إن كان الله ممن فيهما، وهو يعلم الغيب ففيهما من يعلم الغيب، أي: استحالته كاستحالته. وأما الثاني: فلتوقفها على تقدير شرطية مثل: إن كان اليعافير أنيسًا ففيها أنيسٌ، وهذا إنما يصح على التميمي، وجعله بدلًا من جنس الأول على سبيل الفرض والتقدير لتصح تلك الشرطية، وأما على الحجازي ونصبه على أنه مستثنى منقطعٌ، أي: مذكورٌ بعد "إلا" غير مخرجٍ، فليس فيه أنه من جنس الأول، لا حقيقةً ولا فرضًا، فقد انكشف المقصود، ولله الحمد.
قوله: (عشية ما تغني الرماح) البيت، النبل: اسم السهام العربية، والمشرفي: السيف، قال أبو عبيدة: نسب إلى مشارف، وهي قرى من أرض العرب تدنو من الريف، يقال: سيفٌ مشرفيٌ، ولا يقال: مشارفي، لأن الجمع لا ينسب غليه.
مكانها: أي: مكان الرماح، وهي الحرب، وقيل: مكانها، أي: نفسها، وهو الوجه. والمصمم: المحدد الذي يصيب المفصل، وعادة المحاربين أن يتناضلوا أولًا، فإذا تقاربوا حاربوا بالرماح، وإذا التقوا ضاربوا بالسيوف.
يصف التحام الحرب، والتقاء الصفين، بحيث لا يغني النبل ولا الرماح، ولم يبق إلا الضرب بالسيوف، أي: ما يغني إلا السيف.
стр. 6159
وقولهم: ما أتاني زيد إلا عمرو، وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه. فإن قلت: ما الداعي إلى اختيار المذهب التميمي على الحجازي؟ قلت: دعت إليه نكتة سرية. حيث أخرج المستثنى مخرج قوله: إلا اليعافير، بعد قوله: ليس بها أنيس، ليؤول المعنى إلى قولك: إن كان الله ممن في السماوات والأرض، فهم يعلمون الغيب، يعنى: أنّ علمهم الغيب في استحالته كاستحالة أن يكون الله منهم، كما أنّ معنى ما في البيت: إن كانت اليعافير أنيسا ففيها أنيس، بتا للقول بخلوّها عن الأنيس. فإن قلت: هلا زعمت أنّ الله ممن في السماوات والأرض، كما يقول المتكلمون: الله في كل مكان، على معنى أنّ علمه في الأماكن كلها، فكأن ذاته فيها حتى لا تحمله على مذهب بنى تميم؟ قلت: يأبى ذلك أن كونه في السماوات والأرض مجاز، وكونهم فيهن حقيقة، وإرادة المتكلم بعبارة واحدة حقيقة ومجازا غير صحيحة، على أنّ قولك: من في السماوات والأرض، وجمعك بينه وبينهم في إطلاق اسم واحد: فيه إيهام تسوية، والإيهامات مزالة عنه وعن صفاته تعالى. ألا ترى كيف قال ﷺ لمن قال: ومن يعصهما فقد غوى:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (نكتةٌ سرية)، الجوهري: واستريت الغنم والناس، أي: اخترتهم، وهي سري إبله وسراة ماله.
قوله: (ومن يعصهما فقد غوى)، روينا عن مسلم وأبي داود والنسائي عن عدي بن حاتمٍ: أن رجلًا خطب عند رسول الله ﷺ فقال: ومن يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال له رسول الله ﷺ : "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله" وذلك أن في الجمع بالضمير ما يوهم التسوية، والعطف بالواو وإن دل على الجمع والتسوية في الفعل، لكن في الإفراد وجعل أحدهما متبوعًا والآخر تابعًا ما يزيل
стр. 6160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذلك التوهم، هذا ما يقتضيه ظاهر كلام المصنف، ولكنه يشكل بما رواه البخاري ومسلمٌ والترمذي والنسائي عن أنسٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن طعم الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" الحديث.
ووجهه القاضي: ثنى الضمير هاهنا إيماءً إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لأن كل واحدةٍ منهما وحدها ضائعةٌ لاغيةٌ، وأمر بالإفراد في حديث عديٍّ إشعارًا بأن كل واحدٍ من العصيانين مستقلٌ باستلزام الغواية، لأن العطف في تقدير التكرير، والأصل فيه الاستقلال في كل من المعطوفين في الحكم.
وقلت: يؤيد الأول قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] حيث جعل متابعة رسول الله ﷺ مبنيةً على محبة الله، وسببًا لمحبته تعالى.
والثاني قوله ﷺ : "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه". أخرجه مالكٌ عن أنس بن مالكٍ.
وقال ﷺ : لا أعرفن الرجل منكم يأتيه الأمر من أمري، إما أمرت به أو نهيت عنه، وهو متكئٌ على أريكته فيقول: ما ندري ما هذا، عندنا كتاب الله، وليس هذا فيه، وما لرسول الله ﷺ أن يقول ما يخالف القرآن، وبالقرآن هداه الله". أخرجه رزينٌ عن أبي رافع،
стр. 6161
"بئس خطيب القوم أنت"؟ وعن عائشة ﵂: "من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية"، والله تعالى يقول: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ).
وعن بعضهم: أخفى غيبه عن الخلق ولم يطلع عليه أحدا، لئلا يأمن أحد من عبيده مكره. وقيل: نزلت في المشركين حين سألوا رسول الله ﷺ عن وقت الساعة (أَيَّانَ) بمعنى متى، ولو سمى: لكان فعالا، من آن يئين ولا نصرف. وقرئ: (إيان) بكسر الهمزة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقد روى الترمذي وأبو داود عنه نحوه.
وأما حديث عائشة ﵂ فقد رواه البخاري ومسلمٌ والترمذي عن مسروق عن عائشة ﵂ وأوله: من زعم أنه يخبر ما في غدٍ.
النهاية: الفرية على الله: الكذب، يقال: فرى يفري فريًا، وافترى يفتري افتراءً: إذا كذب، وهو افتعالٌ منه.
قوله: (لكان فعالًا)، أي: لا تكون الألف والنون زائدتين، فيكون منصرفًا، قيل: أورد هذه المسألة لئلا يظن أنه من باب حسان، حيث يجوز صرفه وعدمه، لو جعل من الحسن أو الحس.
الجوهري: أيان، معناه: أي حين، وهو سؤالٌ عن زمانٍ مثل: متى، وإيان بكسر الهمزة: لغة سليم، حكاها الفراء، وبه قرأ السلمي "إيان يبعثون" [الحل: ٢١].
стр. 6162
(بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ) [النمل: ٦٦].
وقرئ: (بل أدّرك)، (بل ادّراك)، (بل ادّارك)، (بل تدارك)، (بل أأدرك) بهمزتين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: بل أدرك)، إلى قوله: (فهذه ثنتا عشرة قراءةً)، قرأ ابن كثير وأبو عمرٍو: "بل أدرك" بقطع الهمزة، وإسكان الدال من غير ألفٍ على وزن أفعل، والباقون بوصل الألف وتشديد الدال وألف بعدها.
قال ابن جني: قرأ سليمان وعطاء ابنا يسار "بل أدرك" بفتح اللام ولا همزة ولا ألف. وروي عنهما: "بل أدرك" بفتح اللام، ولا همز وتشديد الدال، وليس بعد الدال ألف، وقرأ: "بل آدرك" الحسن وابن محيصن.
وقرأ: "بلى" بياء "آدرك" ممدوداً ابن عباسٍ، وقرأ "بل أدرك" مخفوض اللام، مشددة الدال الحسن، وقرأ: "بل تدارك" أبي بن كعب.
وقال الزجاج: من قرأ: "بل أدرك علمهم" فعلى التقرير والاستخبار، كأنه قيل: لم يدرك علمهم في الآخرة، أي: ليس يقفون في الدنيا على حقيقتها ثم بين ذلك بقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾. والقراءة الجيدة ﴿ادَّارَكَ﴾ على معنى: تدارك، بإدغام التاء في الدال فتصير دالًا ساكنةً، فلا يبتدأ بها، فيأتي بألف الوصل ليصل إلى التكلم بها. وإذا وقفت على "بل" وابتدأت قلت: "ادارك"، فإذا وصلت كسرت اللام في "بل" لسكونها وسكون الدال، وسقطت الألف، لأنها ألف وصل.
وقال ابن جني: أما "بل ادرك" فعلى تخفيف الهمزة بحذفها، وإلقاء حركتها على اللام الساكنة قبلها كقولك في ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾: "قد أفلح"، وأما "بل ادرك" بفتح اللام، فكان قياسه "بل ادرك" بكسر اللام لسكونها وسكون الدال بعدها، إلا أنه فتحت اللام، لأن في ذلك
стр. 6163
(بل آأدرك)، بألف بينهما. (بل أدرك) بالتخفيف والنقل. (بل ادّرك) بفتح اللام وتشديد الدال. وأصله: بل أدَّرك؟ على الاستفهام. (بلى أدرك)، (بلى أأدرك)، (أم تدارك)، (أم أدرك) فهذه ثنتا عشرة قراءة. و (ادّارك): أصله تدارك، فأدغمت التاء في الدال. وادّرك: افتعل. ومعنى أدرك علمهم: انتهى وتكامل. (ادّارَكَ) تتابع واستحكم. وهو على وجهين، أحدهما: أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة كائنة لا ريب فيها، قد حصلت لهم ومكنوا من معرفته، وهم شاكون جاهلون، وهو قوله: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ): يريد المشركين ممن في السماوات والأرض، لأنهم لما كانوا في جملتهم نسب فعلهم إلى الجميع، كما يقال:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إزالةً لالتقاء الساكنين، وعدولًا إلى الفتحة لخفتها كما روينا عن قطرب: أن منهم من يقول: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾، وبع الثوب.
وأما "بل آدرك" فإن "بل" استئنافٌ، وما بعدها استفهامٌ، كما تقول: أزيدٌ عندك؟ بل أجعفرٌ عندك؟ تركًا للأول إلى غيره لا تراجعًا عنه.
وأما "بلى" فكأنه جوابٌ، وذلك أنه لما قال: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فكأن قائلًا قال: ما الأمر كذلك، فقيل له: "بلى"، ثم استؤنف فقيل: "آدرك علمهم في الآخرة".
قوله: (يريد المشركين ممن في السماوات)، يعني: الضمائر في قوله: ﴿عِلْمُهُمْ﴾، ﴿بَلْ هُمْ﴾، و ﴿هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦] للمشركين، وكلها راجعةٌ إلى قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٥] وفيهما المؤمنون، لكن لما كان المشركون في جملتهم نسب فعلهم إلى الجميع.
стр. 6164
بنو فلان فعلوا كذا وإنما فعله ناس منهم. فإن قلت: إن الآية سيقت لاختصاص الله بعلم الغيب، وأن العباد لا علم لهم بشيء منه وأن وقت بعثهم ونشورهم من جملة الغيب وهم لا يشعرون به، فكيف لاءم هذا المعنى وصف المشركين بإنكارهم البعث مع استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة؟
قلت: لما ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب، ولا يشعرون بالبعث الكائن ووقته الذي يكون فيه، وكان هذا بيانا لعجزهم ووصفا لقصور علمهم: وصل به أن عندهم عجزا أبلغ منه، وهو أنهم يقولون للكائن الذي لا بدّ أن يكون، وهو وقت جزاء أعمالهم لا يكون، مع أن عندهم أسباب معرفة كونه واستحكام العلم به. والوجه الثاني: أن وصفهم باستحكام العلم وتكامله تهكم بهم، كما تقول لأجهل الناس: ما أعلمك على سبيل الهزؤ، وذلك حيث شكوا وعموا عن إثباته الذي الطريق إلى علمه مسلوك، فضلا أن يعرفوا وقت كونه الذي لا طريق إلى معرفته:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إن الآية سبقت)، تلخيص السؤال: أن قوله: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ﴾ الآية، دل على أنه تعالى هو وحده يعلم الغيب، وقوله: "بل أدرك علمهم" دل على تكامل علمهم واستحكامه في أن القيامة كائنةٌ، وأنهم مع ذلك منكرون، فأي مناسبةٍ بينهما حتى توسطت بينهما كلمة الإضراب؟
وأجاب بجوابين:
أحدهما: أن الثانية وردت مستطردةً، والمناسبة بينهما إثبات العجزين، الثاني أبلغ من الأول.
وثانيهما: أن الآية الأولى نافيةٌ لمعرفته علم الغيب العام عنهم مطلقًا، والثنية نافيةٌ لمعرفة العلم الخاص على وجهٍ أبلغ، لأن إثبات العلم على التهكم لإرادة النفي أبلغ من نفيه مطلقًا، وإليه الإشارة بقوله: "فضلًا أن يعرفوا وقت كونه الذي لا طريق إلى معرفته" فجاء الترقي من الأدون إلى الأغلظ.
стр. 6165
وفي: "أدرَكَ علمُهُم" و (ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ): وجه آخر، وهو أن يكون أدرك بمعنى انتهى وفني، من قولك: أدركت الثمرة، لأن تلك غايتها التي عندها تعدم: وقد فسره الحسن ﵁ باضمحل علمهم وتدارك: من: تدارك بنو فلان: إذا تتابعوا في الهلاك. فإن قلت، فما وجه قراءة من قرأ: بل أأدرك على الاستفهام؟ قلت: هو استفهام على وجه الإنكار لإدراك علمهم، وكذلك من قرأ: أم أدرك. وأم تدارك، لأنها أم التي بمعنى بل والهمزة. فإن قلت: فمن قرأ: بلى أدرك، وبلى أأدرك؟ قلت: لما جاء ببلى، بعد قوله: (وَمَا يَشْعُرُونَ) كان معناه: بلى يشعرون، ثم فسر الشعور بقوله: أدرك علمهم في الآخرة على سبيل التهكم الذي معناه: المبالغة في نفى العلم، فكأنه قال: شعورهم بوقت الآخرة أنهم لا يعلمون كونها، فيرجع إلى نفي الشعور على أبلغ ما يكون. وأما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفي "أدرك علمهم" و ﴿ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ﴾: وجهٌ آخر)، عطفٌ على قوله: "ومعنى" أدرك علمهم في الآخرة": انتهى وتكامل".
ويجوز أن يكون متفرعًا على الجواب الثاني، أي: أن "أدرك"و"ادارك" إما منفيان على التهكم، أو معناها: انتهى وفني، ليحصل الترقي من النفي إلى النفي.
قوله: (من: تدارك بنو فلانٍ، إذا تتابعوا في الهلاك)، ومنه بيت الحماسة.
أبعد بني أمي الذين تتابعوا … أرجي الحياة أم من الموت أجزع
قوله: (فما وجه قراءة من قرأ: "بل أأدرك"؟ )، الفاء دلت على الإنكار، يعني: هب أنك فسرتهما بمعنى: انتهى وفني، فما تفعل بالاستفهام الوارد على التقرير؟ وأجاب: أجعله إنكارياً، وهو نفيٌ أيضًا.
قوله: (فمن قرأ: "بلى")، إنكارٌ آخر على التأويل بالنفي، وأجاب بما يوافق النفي بالتهكم لقراءة، وبالإنكار على وجهٍ برهانيٍّ لأخرى.
следующие страницы →