← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

"بئس خطيب القوم أنت"؟ وعن عائشة ﵂: "من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية"، والله تعالى يقول: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ). وعن بعضهم: أخفى غيبه عن الخلق ولم يطلع عليه أحدا، لئلا يأمن أحد من عبيده مكره. وقيل: نزلت في المشركين حين سألوا رسول الله ﷺ عن وقت الساعة (أَيَّانَ) بمعنى متى، ولو سمى: لكان فعالا، من آن يئين ولا نصرف. وقرئ: (إيان) بكسر الهمزة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقد روى الترمذي وأبو داود عنه نحوه. وأما حديث عائشة ﵂ فقد رواه البخاري ومسلمٌ والترمذي عن مسروق عن عائشة ﵂ وأوله: من زعم أنه يخبر ما في غدٍ. النهاية: الفرية على الله: الكذب، يقال: فرى يفري فريًا، وافترى يفتري افتراءً: إذا كذب، وهو افتعالٌ منه. قوله: (لكان فعالًا)، أي: لا تكون الألف والنون زائدتين، فيكون منصرفًا، قيل: أورد هذه المسألة لئلا يظن أنه من باب حسان، حيث يجوز صرفه وعدمه، لو جعل من الحسن أو الحس. الجوهري: أيان، معناه: أي حين، وهو سؤالٌ عن زمانٍ مثل: متى، وإيان بكسر الهمزة: لغة سليم، حكاها الفراء، وبه قرأ السلمي "إيان يبعثون" [الحل: ٢١].

стр. 6162

(بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ) [النمل: ٦٦]. وقرئ: (بل أدّرك)، (بل ادّراك)، (بل ادّارك)، (بل تدارك)، (بل أأدرك) بهمزتين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: بل أدرك)، إلى قوله: (فهذه ثنتا عشرة قراءةً)، قرأ ابن كثير وأبو عمرٍو: "بل أدرك" بقطع الهمزة، وإسكان الدال من غير ألفٍ على وزن أفعل، والباقون بوصل الألف وتشديد الدال وألف بعدها. قال ابن جني: قرأ سليمان وعطاء ابنا يسار "بل أدرك" بفتح اللام ولا همزة ولا ألف. وروي عنهما: "بل أدرك" بفتح اللام، ولا همز وتشديد الدال، وليس بعد الدال ألف، وقرأ: "بل آدرك" الحسن وابن محيصن. وقرأ: "بلى" بياء "آدرك" ممدوداً ابن عباسٍ، وقرأ "بل أدرك" مخفوض اللام، مشددة الدال الحسن، وقرأ: "بل تدارك" أبي بن كعب. وقال الزجاج: من قرأ: "بل أدرك علمهم" فعلى التقرير والاستخبار، كأنه قيل: لم يدرك علمهم في الآخرة، أي: ليس يقفون في الدنيا على حقيقتها ثم بين ذلك بقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾. والقراءة الجيدة ﴿ادَّارَكَ﴾ على معنى: تدارك، بإدغام التاء في الدال فتصير دالًا ساكنةً، فلا يبتدأ بها، فيأتي بألف الوصل ليصل إلى التكلم بها. وإذا وقفت على "بل" وابتدأت قلت: "ادارك"، فإذا وصلت كسرت اللام في "بل" لسكونها وسكون الدال، وسقطت الألف، لأنها ألف وصل. وقال ابن جني: أما "بل ادرك" فعلى تخفيف الهمزة بحذفها، وإلقاء حركتها على اللام الساكنة قبلها كقولك في ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾: "قد أفلح"، وأما "بل ادرك" بفتح اللام، فكان قياسه "بل ادرك" بكسر اللام لسكونها وسكون الدال بعدها، إلا أنه فتحت اللام، لأن في ذلك

стр. 6163

(بل آأدرك)، بألف بينهما. (بل أدرك) بالتخفيف والنقل. (بل ادّرك) بفتح اللام وتشديد الدال. وأصله: بل أدَّرك؟ على الاستفهام. (بلى أدرك)، (بلى أأدرك)، (أم تدارك)، (أم أدرك) فهذه ثنتا عشرة قراءة. و (ادّارك): أصله تدارك، فأدغمت التاء في الدال. وادّرك: افتعل. ومعنى أدرك علمهم: انتهى وتكامل. (ادّارَكَ) تتابع واستحكم. وهو على وجهين، أحدهما: أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة كائنة لا ريب فيها، قد حصلت لهم ومكنوا من معرفته، وهم شاكون جاهلون، وهو قوله: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ): يريد المشركين ممن في السماوات والأرض، لأنهم لما كانوا في جملتهم نسب فعلهم إلى الجميع، كما يقال: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إزالةً لالتقاء الساكنين، وعدولًا إلى الفتحة لخفتها كما روينا عن قطرب: أن منهم من يقول: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾، وبع الثوب. وأما "بل آدرك" فإن "بل" استئنافٌ، وما بعدها استفهامٌ، كما تقول: أزيدٌ عندك؟ بل أجعفرٌ عندك؟ تركًا للأول إلى غيره لا تراجعًا عنه. وأما "بلى" فكأنه جوابٌ، وذلك أنه لما قال: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فكأن قائلًا قال: ما الأمر كذلك، فقيل له: "بلى"، ثم استؤنف فقيل: "آدرك علمهم في الآخرة". قوله: (يريد المشركين ممن في السماوات)، يعني: الضمائر في قوله: ﴿عِلْمُهُمْ﴾، ﴿بَلْ هُمْ﴾، و ﴿هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦] للمشركين، وكلها راجعةٌ إلى قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٥] وفيهما المؤمنون، لكن لما كان المشركون في جملتهم نسب فعلهم إلى الجميع.

стр. 6164

بنو فلان فعلوا كذا وإنما فعله ناس منهم. فإن قلت: إن الآية سيقت لاختصاص الله بعلم الغيب، وأن العباد لا علم لهم بشيء منه وأن وقت بعثهم ونشورهم من جملة الغيب وهم لا يشعرون به، فكيف لاءم هذا المعنى وصف المشركين بإنكارهم البعث مع استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة؟ قلت: لما ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب، ولا يشعرون بالبعث الكائن ووقته الذي يكون فيه، وكان هذا بيانا لعجزهم ووصفا لقصور علمهم: وصل به أن عندهم عجزا أبلغ منه، وهو أنهم يقولون للكائن الذي لا بدّ أن يكون، وهو وقت جزاء أعمالهم لا يكون، مع أن عندهم أسباب معرفة كونه واستحكام العلم به. والوجه الثاني: أن وصفهم باستحكام العلم وتكامله تهكم بهم، كما تقول لأجهل الناس: ما أعلمك على سبيل الهزؤ، وذلك حيث شكوا وعموا عن إثباته الذي الطريق إلى علمه مسلوك، فضلا أن يعرفوا وقت كونه الذي لا طريق إلى معرفته: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إن الآية سبقت)، تلخيص السؤال: أن قوله: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ﴾ الآية، دل على أنه تعالى هو وحده يعلم الغيب، وقوله: "بل أدرك علمهم" دل على تكامل علمهم واستحكامه في أن القيامة كائنةٌ، وأنهم مع ذلك منكرون، فأي مناسبةٍ بينهما حتى توسطت بينهما كلمة الإضراب؟ وأجاب بجوابين: أحدهما: أن الثانية وردت مستطردةً، والمناسبة بينهما إثبات العجزين، الثاني أبلغ من الأول. وثانيهما: أن الآية الأولى نافيةٌ لمعرفته علم الغيب العام عنهم مطلقًا، والثنية نافيةٌ لمعرفة العلم الخاص على وجهٍ أبلغ، لأن إثبات العلم على التهكم لإرادة النفي أبلغ من نفيه مطلقًا، وإليه الإشارة بقوله: "فضلًا أن يعرفوا وقت كونه الذي لا طريق إلى معرفته" فجاء الترقي من الأدون إلى الأغلظ.

стр. 6165

وفي: "أدرَكَ علمُهُم" و (ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ): وجه آخر، وهو أن يكون أدرك بمعنى انتهى وفني، من قولك: أدركت الثمرة، لأن تلك غايتها التي عندها تعدم: وقد فسره الحسن ﵁ باضمحل علمهم وتدارك: من: تدارك بنو فلان: إذا تتابعوا في الهلاك. فإن قلت، فما وجه قراءة من قرأ: بل أأدرك على الاستفهام؟ قلت: هو استفهام على وجه الإنكار لإدراك علمهم، وكذلك من قرأ: أم أدرك. وأم تدارك، لأنها أم التي بمعنى بل والهمزة. فإن قلت: فمن قرأ: بلى أدرك، وبلى أأدرك؟ قلت: لما جاء ببلى، بعد قوله: (وَمَا يَشْعُرُونَ) كان معناه: بلى يشعرون، ثم فسر الشعور بقوله: أدرك علمهم في الآخرة على سبيل التهكم الذي معناه: المبالغة في نفى العلم، فكأنه قال: شعورهم بوقت الآخرة أنهم لا يعلمون كونها، فيرجع إلى نفي الشعور على أبلغ ما يكون. وأما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفي "أدرك علمهم" و ﴿ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ﴾: وجهٌ آخر)، عطفٌ على قوله: "ومعنى" أدرك علمهم في الآخرة": انتهى وتكامل". ويجوز أن يكون متفرعًا على الجواب الثاني، أي: أن "أدرك"و"ادارك" إما منفيان على التهكم، أو معناها: انتهى وفني، ليحصل الترقي من النفي إلى النفي. قوله: (من: تدارك بنو فلانٍ، إذا تتابعوا في الهلاك)، ومنه بيت الحماسة. أبعد بني أمي الذين تتابعوا … أرجي الحياة أم من الموت أجزع قوله: (فما وجه قراءة من قرأ: "بل أأدرك"؟ )، الفاء دلت على الإنكار، يعني: هب أنك فسرتهما بمعنى: انتهى وفني، فما تفعل بالاستفهام الوارد على التقرير؟ وأجاب: أجعله إنكارياً، وهو نفيٌ أيضًا. قوله: (فمن قرأ: "بلى")، إنكارٌ آخر على التأويل بالنفي، وأجاب بما يوافق النفي بالتهكم لقراءة، وبالإنكار على وجهٍ برهانيٍّ لأخرى.

стр. 6166

من قرأ: بلى أأدرك؟ على الاستفهام فمعناه: بلى يشعرون متى يبعثون، ثم أنكر علمهم بكونها، وإذا أنكر علمهم بكونها لم يتحصل لهم شعور بوقت كونها، لأنّ العلم بوقت الكائن تابع للعلم بكون الكائن. (فِي الْآخِرَةِ) في شأن الآخرة ومعناها فإن قلت، هذه الاضرابات الثلاث ما معناها؟ قلت: ما هي إلا تنزيل لأحوالهم: وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون وقت البعث، ثم بأنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية؛ فلا يزيلونه، والإزالة مستطاعة. ألا ترى أن من لم يسمع اختلاف المذاهب وتضليل أربابها بعضهم لبعض: كان أمره أهون ممن سمع بها وهو جاثم لا يشخص به طلب التمييز بين الحق والباطل، ثم بما هو أسوأ حالا وهو العمى، وأن يكون مثل البهيمة قد عكف همه على بطنه وفرجه، لا يخطر بباله حقا ولا باطلا. ولا يفكر في عاقبة. وقد جعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه؛ فلذلك عدّاه بـ "مِن" دون "عن"، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ثم أنكر علمهم بكونها)، أي: قال: "أدرك علمهم في الآخرة"، بمعنى: ما أدرك علمهم في نفس الآخرة، والمراد: نفي علمهم بمعرفة وقتها بالطريق البرهاني، وإليه الإشارة بقوله: "لأن العلم بوقت الكائن تابعٌ العلم بكون الكائن". قوله: (ما هي إلا تنزيلٌ لأحوالهم)، أي: لجهلهم بأحوال القيامة، المعنى: كيف يشعرون وقتها، وهم لا يعلمون كيف كونها، وأن البعث والحشر ثابتٌ في نفسه؟ فإن الأول تابعٌ للثاني، بل كيف يشعرون كونها، وهم خابطون في ظلماء الشك؟ فإن الجاهل أهون حالًا من الشاك الذي يتخبط في شكه لما يحتاج الثاني إلى إزالة الشك، ثم تحصيل العلم بخلاف الجاهل، وكيف يزيلون الشك وهم كالبهائم في العمى؟ فقوله: "ثم بما هو أسوأ حالًا" عطفٌ على قوله: "ثم بأنهم يخبطون"، وقوله: "فلا يزيلونه" إلى قوله: "بين الحق والباطل" متفرع على قوله: "ثم بأنهم يخبطون" والأسلوب من باب الترقي من الأهون إلى الأغلظ. قوله: (وقد جعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه)، يريد أن معنى "من" في "منها" في الموضعين الابتداء، ومرجعه الصدور والإنشاء، وفيه شائبةٌ من معنى السببية، وأن الكفر بالآخرة سببٌ للعمى.

стр. 6167

لأنّ الكفر بالعاقبة والجزاء هو الذي جعلهم كالبهائم لا يتدبرون ولا يتبصرون. [(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ)]. العامل في (إِذَا) ما دلّ عليه (أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ) وهو "نخرج"، لأنّ بين يدي عمل اسم الفاعل فيه عقابا وهي همزة الاستفهام، و "إن" ولام الابتداء وواحدة منها كافية، فكيف إذا اجتمعن؟ والمراد: الإخراج من الأرض. أو من حال الفناء إلى الحياة، وتكرير حرف الاستفهام بإدخاله على (إذا) و (إن) جميعا إنكار على إنكار، وجحود عقيب جحود، ودليل على كفر مؤكد مبالغ فيه. والضمير في (إِنَّا) لهم ولآبائهم، لأنّ كونهم ترابا قد تناولهم وآباءهم. فإن قلت: قدّم في هذه الآية (هَذَا) على (نَحْنُ وَآباؤُنا)، وفي آية أخرى قدّم (نَحْنُ وَآباؤُنا) على (هَذَا)؟ قلت. التقديم دليل على أن المقدّم هو الغرض المتعمد بالذكر، وإن الكلام إنما سيق لأجله، ففي إحدى الآيتين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال صاحب "التقريب": معناه: أن الكفر بالجزاء مبدأ عماهم، وسبب عدم تدبرهم، فإن لم يصرفه خوف العاقبة فعل ما يقتضيه هواه وشهوته، ودخل في زمرة البهائم. قال: والظلم من شيم النفوس فإن تجد … ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلم قوله: (بين يدي عمل اسم الفاعل)، أي: المفعول، وهو "مخرجون"، سمي به مجازًا، لأنه بني من: يخرج. قوله: (التقديم دليلٌ على أن المقدم هو الغرض)، تلخيصه: أن التقديم إنما يتعمد به لاقتضاء المقام، وكون المقدم مهتماً بشأنه، ولما كان الإنكار في هذه السورة أبلغ منه في تلك السورة قدم المنكر هنا، وأقره في تلك السورة في مكانه.

стр. 6168

دلّ على أن اتخاذ البعث هو الذي تعمد بالكلام، وفي الأخرى على أن اتخاذ المبعوث بذلك الصدد. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وبيانه: أنه تعالى لما وبخ المشركين إنكارهم الحشر بقوله: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، ثم جهلهم بوقت البعث بقوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، وترقى فيه ذلك الترقي المذكور، حكى عنهم ما كانوا يتفوهون به في ذلك من قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا﴾، وضع ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ موضع المضمر، للإشعار بأن هذا القول إنما صدر عنهم لتماديهم في الكفر، حيث ضموا مع ذكرهم ذكر آبائهم، وجعلوهم ترابًا صرفًا لأجزاء هناك على صورة نفسه، وقدموا المنصوب على المرفوع في قولهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا﴾، وهو المراد من قوله: "دل على أن اتخاذ البعث"، وأما في سورة المؤمنين فلم يسبق من ذلك شيءٌ. نعم حكى عنهم قولهم لينبه به على أن ذلك جرى من محض التقليد، ومتابعة أسلافهم في تكذيب الأنبياء في البعث، فأقر كلًا من المرفوع والمنصوب في مكانه، ولم يذكر آباءهم، وصرح بذكر العظام، وهو المراد من قوله: "دل على أن اتخاذ المبعوث" يعني: إنما قدموا هذا هنا والمشار إليه البعث ليؤذن بأنهم إنما اتخذوا البعث منكرًا، وقدموا "نحن" في المؤمنين ليعلم بأنهم إنما اتخذوا "المبعوث بذلك الصدد"، أي: هو الذي يعمد بالكلام اتخاذ المبعوث. وكلام صاحب "المفتاح" يجب أن يحمل على هذا المحمل، وذلك قوله: فالجهة المنظور فيها هناك هي كون أنفسهم ترابًا وعظامًا، والجهة المنظور فيها هاهنا هي كون أنفسهم وكون آبائهم ترابًا لأجزاء هناك من بناهم على صورة نفسه، ولا شبهة أنها أدخل عندهم في تبعيد البعث، فاستلزم زيادة الاعتناء بالقصد إلى ذكره. وأما قوله: "وفي آية أخرى قدم ﴿نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا﴾ "، فمن باب المشاكلة، إذ ليس هناك تقديمٌ اصطلاحيٌ. قوله: (دل على أن اتخاذ البعث)، عن بعضهم: "على" في الموضعين فاعل "دل"، أي: دل على جعل الله البعث معتمدًا في الكلام، وعلى جعله المبعوث معتمدًا فيه في الأخرى.

стр. 6169

[(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)]. لم تلحق علامة التأنيث بفعل العاقبة، لأنّ تأنيثها غير حقيقي، ولأنّ المعنى: كيف كان آخر أمرهم؟ وأراد بالمجرمين: الكافرين، وإنما عبر عن الكفر الإجرام ليكون لطفا للمسلمين في ترك الجرائم وتخوّف عاقبتها ألا ترى إلى قوله: (فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ) [الشمس: ١٤] وقوله: (مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا) [نوح: ٢٥]. (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) لأنهم لم يتبعوك، ولم يسلموا فيسلموا وهم قومه قريش، كقوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) [الكهف: ٦]. (فِي ضَيْقٍ) في حرج صدر من مكرهم وكيدهم لك، ولا تبال بذلك فإن الله يعصمك من الناس. يقال: ضاق الشيء ضيقا وضيقا، بالفتح والكسر. وقد قرئ بهما. والضيق أيضا: تخفيف الضيق. قال الله تعالى: (ضَيِّقاً حَرَجاً) [الأنعام: ١٢٥] قرئ مخففا ومثقلا، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: هذا تلخيص المعنى، لأجل التركيب، لأن "اتخذ" يقتضي مفعولًا ثانيًا كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١]، فالتقدير دل على أن اتخاذ البعث أصلًا هو الذي يعتمد في الكلام، أي: الذي قصد في الكلام جعل البعث أصلًا ومقدمًا، ويعضده قوله: إن المقدم هو الغرض المعتمد بالذكر. قوله: (ضيقًا وضيقًا، بالفتح والكسر)، ابن كثير: بالكسر، والباقون: بفتحها.

стр. 6170

ويجوز أن يراد: في أمر ضيق من مكرهم. [(وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ)]. استعجلوا العذاب الموعود فقيل لهم: (عَسَى أَنْ يَكُونَ) ردفكم بعضه وهو عذاب يوم بدر فزيدت اللام للتأكيد كالباء في (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ) [البقرة: ١٩٥] أو ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو: دنا لكم وأزف لكم، ومعناه: وتبعكم ولحقكم، وقد عدى. بـ "من"، قال: فلمّا ردفنا من عمير وصحبه … تولّوا سراعا والمنيّة تعنق يعني: دنونا من عمير، وقرأ الأعرج: (ردف لكم)، بوزن ذهب، وهما لغتان، والكسر أفصح. وعسى ولعل وسوف في وعد الملوك ووعيدهم يدل على صدق الأمر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يراد: في أمرٍ ضيقٍ)، عطفٌ على قوله: " في حرج صدرٍ"، يعني: ﴿ضَيْقٍ﴾ هنا مطلقٌ يجوز أن يقدر: ضيق صدرٍ، لاشتهاره فيه، أو يترك على إطلاقه، فيحمل على العموم، فالأمر بمعنى الشأن والحال. قوله: (فلما ردفنا من عميرٍ)، البيت، تعنق من العنق: وهو السير السريع السهل، يقال: دابةٌ معناقٌ، ومعنق، يقول: لما دنونا من عميرٍ وصحبه للمحاربة، أدبروا مسرعين منهزمين، والمنية تسرع خلفهم. قوله: (وعسى ولعل)، الراغب: عسى طمعٌ وترج، وكثيرٌ من المفسرين فسروا عسى ولعل باللازم، وقالوا: إن الرجاء والطمع لا يصح من الله، وفي هذا قصور نظر، وذلك أن الله إذا ذكر ذلك يذكره ليكون الإنسان منه على رجاءٍ لا أن يكون هو تعالى

стр. 6171

وجدّه وما لا مجال للشكّ بعده، وإنما يعنون بذلك: إظهار وقارهم وأنهم لا يعجلون بالانتقام، لإدلالهم بقهرهم وغلبتهم ووثوقهم أنّ عدوّهم لا يفوتهم، وأن الرمزة إلى الأغراض كافية من جهتهم، فعلى ذلك جرى وعد الله ووعيده. [(وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ)]. الفضل والفاضلة: الإفضال. ولفلان فواضل في قومه وفضول. ومعناه: أنه مفضل عليهم بتأخير العقوبة، وأنه لا يعاجلهم بها، وأكثرهم لا يعرفون حق النعمة فيه ولا يشكرونه، ولكنهم بجهلهم يستعجلون وقوع العقاب: وهم قريش. [(وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ)]. قرئ (تَكُنّ). يقال: كننت الشيء وأكننته: إذا سترته وأخفيته، يعنى: أنه يعلم ما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ راجيًا. قال تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٩]، أي: كونوا راجين في ذلك، ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢]. قوله: (لإذلالهم بقهرهم)، أي: لوثوقهم، يقال: هو يدل بفلانٍ، أي: يثق به. الأساس: وأدل على قريبه، ومنه: أسدٌ مدلٌ. قوله: (الفضل والفاضلة: الإفضال)، الراغب: الفضل: الزيادة عن الاقتصاد، وذلك إما محمودٌ كفضل العلم والحلم، وإما مذمومٌ كفضل الغضب على ما يجب أن يكون عليه، والفضل في المحمود أكثر استعمالًا، والفضول في المذموم. قوله: (قرئ: "تكن")، قال ابن جني: قراءة ابن السميفع، وابن محيصن "تكن" بفتح التاء وضم الكاف، والمألوف أكننت الشيء: إذا أخفيته في نفسك، وكننته: إذا سترته

стр. 6172

يخفون وما يعلنون من عداوة رسول الله ﷺ ومكايدهم، وهو معاقبهم على ذلك بما يستوجبونه. [(وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ)]. سمي الشيء الذي يغيب ويخفى: غائبة وخافية، فكانت التاء فيهما بمنزلتهما في العافية والعاقبة. ونظائرهما: النطيحة، والرمية، والذبيحة: في أنها أسماء غير صفات. ويجوز أن يكونا صفتين وتاؤهما للمبالغة، كالراوية في قولهم: ويل للشاعر من راوية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بشيءٍ، فأكننت كأضمرت، وكننت كسترت، فهذا القارئ أجرى الضمير مجرى الجسم الساتر لها. مبالغةً، ونحو قول القائل: وحاجةٍ دون أخرى قد عرضت لها … جعلتها للتي أخفيت عنوانا وقول الحماسي: تغلغل حب عثمة في فؤادي … فباديه مع الخافي يسير ألا تراه كيف وصفه بما توصف به الجواهر من السروب والتغلغل. قوله: (ونظائرهما: النطيحة)، الجوهري: نطحه الكبش ينطحه وينطحه نطحًا، والنطيحة المنطوحة التي ماتت منه، وإنما جاءت الهاء لغلبة الاسم عليها، وكذلك الفريسة، والأكيلة، والرمية، لأنه ليس هو على نطحتها، فهي منطوحة، وإنما هو الشيء في نفسه مما ينطح، والشيء مما يفرس.

стр. 6173

السوء، كأنه قال: وما من شيء شديد الغيبوبة والخفاء إلا وقد علمه الله وأحاط به وأثبته في اللوح. المبين: الظاهر البين لمن ينظر فيه من الملائكة. [(إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)]. قد اختلفوا في المسيح فتحزبوا فيه أحزابا، ووقع بينهم التناكر في أشياء كثيرة حتى لعن بعضهم بعضا، وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه لو أنصفوا وأخذوا به وأسلموا، يريد اليهود والنصارى. (لِلْمُؤْمِنِينَ): لمن أنصف منهم وآمن، أي: من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يريد اليهود والنصارى)، أي: يريد بقوله: بني إسرائيل: اليهود والنصارى لا اليهودي وحدهم كما الظاهر. والمراد بالاختلاف ما شجر بينهم في المسيح ﵇، لقوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: ٣٧]، وهم اليهود والنصارى في وجهٍ دون الوجه الآخر، وهم فرق النصارى من اليعقوبية والنسطورية، والملكانية. والمقام يقتضي العموم، لأنه تعالى لما وبخ المشركين ووعدهم وهددهم بقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ وبين شمول علمه المعلومات كلها، وأنها ثابتةٌ في اللوح المحفوظ، ذكر أن هذا القرن نسخةٌ من بعض ما هو مثبتٌ في اللوح المحفوظ، لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨]. ألا ترى كيف يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، وهم يعلمون ذلك لو أنصفوا وأخذوا به وأسلموا، لكن هم شر ذمةٌ مكابرةٌ مثلكم أيها المشركون. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ يوم القيامة ﴿بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه من المبطلين ﴿الْعَلِيمُ﴾ بالفصل بينهم وبين المحقين. والدليل على استطراد هذا الكلام العود إلى تسلية الرسول ﷺ في قوله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ بعد قوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾، وإلى تسمية المشركين بالموتى في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾.

стр. 6174

بني إسرائيل. أو منهم ومن غيرهم. (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) [النمل: ٧٨]. (بَيْنَهُمْ) بين من آمن بالقرآن ومن كفر به. فإن قلت: ما معنى يقضي بحكمه؟ ولا يقال: زيد يضرب بضربه ويمنع بمنعه؟ قلت: معناه بما يحكم به وهو عدله، لأنه لا يقضي إلا بالعدل، فسمي المحكوم به حكما. أو أراد بحكمته، وتدل عليه قراءة من قرأ: (بِحِكَمِه)؛ جمع حكمة. (وَهُوَ الْعَزِيزُ)؛ فلا يردّ قضاؤه (الْعَلِيمُ) بمن يقضى له وبمن يقضى عليه، أو (العَزِيزُ) في انتقامه من المبطلين، (العَلِيمُ) بالفصل بينهم وبين المحقين. [(فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ* إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ* وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ)]. أمره بالتوكل على الله وقلة المبالاة بأعداء الدين، وعلل التوكل بأنه على الحق الأبلج الذي لا يتعلق به الشكّ والظنّ. وفيه بيان أنّ صاحب الحق حقيق بالوثوق بصنع الله وبنصرته. وأن مثله لا يخذل. فإن قلت: (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى) يشبه أن يكون تعليلا آخر للتوكل، فما وجه ذلك؟ قلت: ؟ وجهه أن الأمر بالتوكل جعل مسببا عما كان يغيظ رسول الله ﷺ من جهة المشركين وأهل الكتاب: من ترك اتباعه وتشييع ذلك بالعداوة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو منهم ومن غيرهم)، هذا أولى من الأول، لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾، وقد فسر بقوله: "من آمن بالقرآن ومن كفر به" ولما قررناه من بيان النظم، ولأن قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ تعريضٌ كالتذييل، فيدخل فيه بنو إسرائيل دخولًا أوليًا. قوله: (وتشييع ذلك بالعداوة)، الأساس: ومن المجاز: شيعنا شهر رمضان بصوم

стр. 6175

والأذى، فلاءم ذلك أن يعلل توكل متوكل مثله، بأن اتباعهم أمر قد يئس منه، فلم يبق إلا الاستنصار عليهم لعداوتهم واستكفاء شرورهم وأذاهم، وشبهوا بالموتى وهم أحياء صحاح الحواس، لأنهم إذا سمعوا ما يتلى عليهم من آيات الله فكانوا أقماع القول لا تعيه آذانهم وكان سماعهم كلا سماع: كانت حالهم لانتفاء جدوى السماع؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الستة وشيعت النار بالحطب، وشيع هذا بهذا: قواه به. المعنى: ويقويه ترك إتباعه بالعداوة والأذى. قوله: (توكل متوكلٍ مثله)، كنايةٌ عنه صلوات الله عليه كأنه قيل: توكل متوكلٌ ممن هو بصددك في بذلك جهيداه في إيمان القوم حتى قيل له: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦]، وممن هو له ناصرٌ، مثل ناصرك، كأنه قيل له صلوات الله عليه: أعرض عنهم وتاركهم، لأنك بالغت في الإنذار، وأعذرت، وإنهم لا يؤمنون البتة، ولم يبق لك إلا الاستنصار، والتوكل على الغالب القاهر لأعدائه، الناصر والمتولي لأوليائه، لأن الأصل: فتوكل عليه، لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾، فوضع اسم الذات موضع الضمير، فأفاد في هذا المقام هذا المعنى. الراغب: التوكل يقال على وجهين: يقال: توكلت لفلانٍ بمعنى: توليت له، ويقال: وكلته فتوكل لي، وتوكلت عليه: اعتمدته. قوله: (أقماع القول)، النهاية: الأقماع: جمع قمع، كضلع وأضلاع: وهو الإناء الذي يترك في رؤوس الظروف لتملأ بالمائعات من الأشربة والأذهان، شبه أسماع الذين يستمعون القول ولا يعونه ويحفظونه ويعملون به بالأقماع التي لا تعي مما يفرغ فيها، فكأنه يمر عليها كما يمر الشراب في الأقماع. قيل: إضافة أقماع إلى القول بمعنى اللام، كأن آذانهم للأقوال كالظروف التي لا يبقى فيها شيءٌ من المظروف.

стр. 6176

كحال الموتى الذين فقدوا مصحح السماع وكذلك تشبيههم بالصمّ الذين ينعق بهم فلا يسمعون. وشبهوا بالعمي؛ حيث يضلون الطريق ولا يقدر أحد أن ينزع ذلك عنهم، ويجعلهم هداة بصراء إلا الله . فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: (إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)؟ قلت: هو تأكيد لحال الأصم، لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن يولى عنه مدبرا كان أبعد عن إدراك صوته. وقرئ: (ولا يسمع الصمّ) (وما أنت بهاد العمى)، على الأصل. وتهدي العمي. وعن ابن مسعود: ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فقدوا مصحح السماع)، أي: الحياة. قوله: (ولا يقدر أحدٌ أن ينزع ذلك عنهم، ويجعلهم هداةً بصراء إلا الله)، الحصر مستفادٌ من تقديم الضمير وإيلائه حرف النفي في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ﴾. قوله: (هو تأكيدٌ لحال الأصم)، وهو من باب التتميم، كقول امرئ القيس: حملت ردينياً كأن سنانه … سنا لهبٍ لم يتصل بدخان فإن قوله: "لم يتصل بدخان" تتميمٌ. قوله: (وقرئ: "ولا يسمع الصم")، ابن كثيرٍ: "يسمع" بالياء التحتانية مفتوحةً وفتح الميم، و"الصم" بالرفع، والباقون: بالتاء مضمومةً وكسر الميم، و ﴿الصُّمَّ﴾ بالنصب. قوله: (بهادٍ العمي، على الأصل)، أي: بالتنوين. قال الزجاج: هذا يجوز في العربية، وإن لم يثبت روايةً.

стр. 6177

(وما إن تهدي العمي)، وهداه عن الضلال. كقولك: سقاه عن العيمة؛ أي: أبعده عنها بالسقي، وأبعده عن الضلال بالهدى. (إِنْ تُسْمِعُ) أي ما يجدي إسماعك إلا على الذين علم الله أنهم يؤمنون بآياته، أي: يصدقون بها؛ (فَهُمْ مُسْلِمُونَ) أي: مخلصون من قوله تعالى: (بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) [البقرة: ١١٢] يعني: جعله سالما لله خالصا له. [(وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ)]. سمي معنى القول ومؤداه بالقول، وهو ما وعدوا من قيام الساعة والعذاب، ووقوعه: حصوله. والمراد: مشارفة الساعة وظهور أشراطها وحين لا تنفع التوبة. ودابة الأرض: الجساسة. جاء في الحديث: أنّ طولها ستون ذراعا، لا يدركها طالب، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وما إن تهدي العمي)، "إن" مقحمةٌ كقول امرئ القيس: حلفت لها بالله حلفة فاجرٍ … لناموا فما إن من حديثٍ ولا صالي قوله: (عن العيمة)، وهي شدة شهوة اللبن، عام عيمةً فهو عيمانٌ، والمرأة عيمى، وعلى هذا: رميت عن القوس، لأنه يبعد السهم عنها بالرمي. قوله: (الجساسة)، النهاية: في حديث تميمٍ الداري: "أنا الجساسة"، والجساسة: الدابة التي رآها في جزيرة البحر، سيمت بذلك، لأنها تجس الأخبار للدجال، يقال: جسه واجتسه، مثل: جثه، أي: مسه، والمجسة: الموضع الذي يجسه الطبيب، وفي المثل: أفواها مجاسها، أي: الإبل، إذا أحسنت الأكل اكتفى الناظر بذلك في معرفة سمنها من أن يجسها.

стр. 6178

ولا يفوتها هارب. وروي: لها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان. وعن ابن جريج في وصفها: رأس ثور، وعين خنزير، وأذن فيل، وقرن إبل، وعنق نعامة، وصدر أسد، ولون نمر، وخاصرة هرّ، وذنب كبش، وخف بعير. وما بين المفصلين: اثنا عشر ذراعا بذراع آدم ﵇. وروى: لا تخرج إلا رأسها، ورأسها يبلغ أعنان السماء، أو يبلغ السحاب. وعن أبي هريرة: فيها من كل لون، وما بين قرنيها فرسخ للراكب. وعن الحسن ﵁: لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام. وعن على رضى الله عنه: أنها تخرج ثلاثة أيام، والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها. وعن النبي ﷺ : أنه سئل: من أين تخرج الدابة؟ فقال "من أعظم المساجد حرمة على الله" يعنى المسجد الحرام. وروى: أنها تخرج ثلاث خرجات: تخرج بأقصى اليمن ثم تتكمن، ثم تخرج بالبادية ثم تتكمن دهرا طويلا، فبينا الناس في أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله، فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذاء دار بنى مخزوم عن يمين الخارج من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وزغب)، النهاية: الزغب: جمع الأزغب، من الزغب: صغار الريش أول ما يطلع، شبه به ما في القثاء من الزغب، وهو كالشعيرات الصفر على ريش الفرخ، والفراخ زغبٌ، وقد زغب الفرخ، قال الفرزدق يخاطب عمر ﵁: ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخٍ … زغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجر ألقيت كاسبهم في قعر مظلمةٍ … فاغفر عليك سلام الله يا عمر قوله: (وقرن أيل)، الجوهري: الأيل- بضم الهمزة، وتشديد الياء-: الذكر من الأوعال، وكذلك بكسر الهمزة. قوله: (أعنان السماء)، الجوهري: أعنان السماء: صفائحها، وما اعترض من أقطارها، كأنه جمع عننٍ، وقيل: أعالي السماء وآفاقها.

стр. 6179

المسجد، فقوم يهربون وقوم يقفون نظارة. وقيل: تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية بلسان ذلق فتقول: (أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ) يعني: أن الناس كانوا لا يوقنون بخروجي، لأنّ خروجها من الآيات، وتقول: ألا لعنة الله على الظالمين. وعن السدي: : تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام. وعن ابن عمر ﵁: تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه، ثم تستقبل المشرق، ثم الشام ثم اليمن فتفعل مثل ذلك. وروي: تخرج من أجياد. وروي: بينا عيسى ﵇ يطوف بالبيت ومعه المسلمون، إذ تضطرب الأرض تحتهم تحرك القنديل، وينشق الصفا مما يلي المسعى، فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتضرب المؤمن في مسجده، أو فيما بين عينيه بعصا موسى ﵇، فتنكت نكتة بيضاء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بلسانٍ ذلقٍ)، النهاية: في الحديث: تكلمت بلسانٍ ذلقٍ طلقٍ، أي: فصيحٍ بليغٍ. وذلق كل شيءٍ: حده. قوله: "تنفذه"، أي: تنفذ الصرخة من المغرب، وفي "المعالم": فتصرخ ثلاث صرخاتٍ يسمعها من بين الخافقين. قوله: (أجياد)، النهاية: بفتح الهمزة وسكون الجيم، وبالياء المثناة من تحت: جبلٌ بمكة، وأكثر الناس يقولون: جياد، بحذف الهمزة وكسر الجيم، وقيل: اسم وادٍ بمكة من شق اليمن، وأنشد المصنف لنفسه: أوادي إبراهيم بوركت من واد … وحييت من دارٍ على باب أجياد قوله: (مسجده)، "مسجد" بفتح الجيم: موضع سجود الرجل، وهو الجبهة حيث يصيبه ندب السجود، والآراب السبعة: مساجد، والندب: الأثر إذا لم يرتفع عن الجلد.

стр. 6180

فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه أو فتترك وجهه كأنه كوكب درّى، وتكتب بين عينيه: مؤمن: وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه، فتفشو النكتة حتى يسودّ لها وجهه وتكتب بين عينيه: كافر. وروى: فتجلو وجه المؤمن بالعصا وتحطم أنف الكافر بالخاتم، ثم تقول هم: يا فلان، أنت من أهل الجنة. ويا فلان، أنت من أهل النار. وقرئ: (تَكلِمُهُم) من الكلم: وهو الجرح. والمراد به: الوسم بالعصا والخاتم. ويجوز أن يكون (تُكَلِمُهُمْ) من الكلم أيضا، على معنى التكثير. يقال: فلان مكلم، أي: مجرّح. ويجوز أن يستدل بالتخفيف على أنّ المراد بالتكليم: التجريح، كما فسر: (َّنُحَرِّقَنَّهُ) [طه: ٩٧]، بقراءة عليّ ﵁: "لَنَحرُقَنَّه"، وأن يستدل بقراءة أبىّ: "تُنَبِّئهُم". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والحديث من رواية الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان وعصى موسى، فتحلو وجه المؤمن، وتحطم وجه الكافر، حتى إن أهل الخوان يجتمعون عليه، فيقول هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر". وبقية الروايات الله أعلم بصحتها. قوله: (فتحلو)، بالتاء المثناة وسكون الحاء المهملة وفتح اللام وضم الهمزة، صح من المحدثين. وفي نسخ "الكشاف": "فتجلو"، بالجيم، وكذا في "المطلع" و"المغرب": جلأ بالتحريك: إذا صار فيه التحلئ، على مفعل بالكسر: ما أفسده السكين من الجلد إذا قشر. تقول: حلأت الجلد، إذا قشرته، وأما "فتجلو" بالجيم غير مهموزٍ، فمن: جلوت السيف، جلاءً، أي: صقلته. قوله: (كما فسر: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ [طه: ٩٧]، وقد فسره في موضعه، قال: ذكر أبو علي في

стр. 6181

وبقراءة ابن مسعود: "تُكَلِّمُهم بأنَّ النّاس"، على أنه من الكلام. والقراءة بـ "إن" مكسورة: حكاية لقول الدابة، إما لأنّ الكلام بمعنى القول. أو بإضمار القول، أى: تقول الدابة ذلك. أو هي حكاية لقوله تعالى عند ذلك. فإن قلت: إذا كانت حكاية لقول الدابة فكيف تقول بآياتنا قلت: قولها حكاية لقول الله تعالى. أو على معنى بآيات ربنا. أو لاختصاصها بالله وأثرتها عنده، وأنها من خواص خلقه: أضافت آيات الله إلى نفسها، كما يقول بعض خاصة الملك: خيلنا وبلادنا، وإنما هي خيل مولاه وبلاده. ومن قرأ بالفتح فعلى حذف الجار، أى: تكلمهم بأن. [(وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ)]. (فَهُمْ يُوزَعُونَ) يحبس أوّلهم على آخرهم حتى يجتمعوا فيكبكبوا في النار. وهذه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ أنه يجوز أن يكون "حرق" مبالغةً في "حرق"، إذا برد بالمبرد، وعليه قراءة علي ﵁ "لنحرقنه". قوله: (وبقراءة ابن مسعودٍ: "تكلمهم بأن الناس")، أي: يستدل بقراءته على أن المراد بقوله: "تكلمهم" بالتشديد: القول، لتعديته بالباء، وذلك أن "تكلمهم" بالتشديد كان يحتمل الكلام على حذف الياء، ويحتمل التكليم- أي: التجريح- على حذف اللام، أي: تجرحهم، لأن الناس ما كانوا يوقنون بخروجها، فإتيان الباء دليلٌ على أن المراد الكلام. قوله: (والقراءة بـ "إن" مكسورة)، الكوفيون: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ بفتح الهمزة، والباقون: بكسرها. قوله: (وأثرتها عنده)، الأثرة: البقية من الشيء المختار، يقال: استأثر الله بفلانٍ. قوله: (فيكبكبوا)، عن بعضهم: كبه: صرعه على وجهه، وأصله "تكببوا"، فجعلت إحدى الباءات كافًا.

стр. 6182

عبارة عن كثرة العدد وتباعد أطرافه، كما وصفت جنود سليمان بذلك. وكذلك قوله: (فَوْجاً)، فإن الفوج الجماعة الكثيرة. ومنه قوله تعالى: (يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً)، وعن ابن عباس ﵄: أبو جهل والوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة: يساقون بين يدي أهل مكة، وكذلك يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار. فإن قلت: أى فرق بين من الأولى والثانية؟ قلت: الأولى للتبعيض، والثانية للتبيين، كقوله: (مِنَ الْأَوْثانِ). [(حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ* وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ)]. الواو للحال، كأنه قال: أكذبتم بها بادئ الرأي من غير فكر ولا نظر يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها، وأنها حقيقة بالتصديق أو بالتكذيب؟ أو للعطف، أي: أجحدتموها ومع جحودكم لم تلقوا أذهانكم لتحققها وتبصرها؟ فإن المكتوب إليه قد يجحد أن يكون الكتاب من عند من كتبه، ولا يدع مع ذلك أن يقرأه ويتفهم مضامينه ويحيط بمعانيه. (أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) بها للتبكيت لا غير. وذلك أنهم لم يعملوا إلا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الواو للحال)، أي: في ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا﴾ أو للعطف. فإن قلت: ما الفرق بينهما؟ قلت: على الحال يكون المنكر التكذيب المقيد بقيد عدم التدبر، فلا يكون كل واحد من التكذيب وعدم النظر منكرًا على الاستقلال، بخلافه في العطف، أي: لم جمعتم بين هذين المنكرين؟ فإن أنكرتموه فهلا تفكرتم فيها لما عسى أن يكون ذلك يؤديكم على التصديق؟ فإن من جحد كتابًا فلا يمنعه الجحد من قراءته. قوله: (وذلك أنهم لم يعملوا)، تعليلٌ لتفسيره قوله: ﴿أمَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤] بأنه للتبكيت لا غير، لأن التبكيت لز الخصم إلى الإقرار بالمدعى، وأن ليس لهم جوابٌ

стр. 6183

التكذيب، فلا يقدرون أن يكذبوا ويقولوا قد صدّقنا بها، وليس إلا التصديق بها أو التكذيب. ومثاله أن تقول لراعيك وقد عرفته رويعي سوء: أتأكل نعمي، أم ماذا تعمل بها؟ فتجعل ما تبتدئ به وتجعله أصل كلامك وأساسه هو الذي صحّ عندك من أكله وفساده، وترمى بقولك: أم ماذا تعمل بها؟ مع علمك أنه لا يعمل بها إلا الأكل، لتبهته وتعلمه علمك بأنه لا يجيء منه إلا أكلها، وأنه لا يقدر أن يدعي الحفظ والإصلاح، لما شهر من خلاف ذلك. أو أراد: أما كان لكم عمل في الدنيا إلا الكفر والتكذيب بآيات الله، أم ماذا كنتم تعملون من غير ذلك؟ يعني أنه لم يكن لهم عمل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ﴿أمَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤] إلا الإقرار بالتصديق أو التكذيب، إذ لا ثالث. ولما كان المقام مقام الصدق لا يقدرون أن يقولوا: قد صدقنا بها، فلابد لهم أن يقولوا: كذبنا بها، لأنهم لم يعملوا إلا بالتكذيب، فقوله في المثال: "لا يقدر أن يدعي الحفظ والإصلاح لما شهر من خلاف ذلك" تعيين لمقام الصدق. قوله: (أو أراد: أما كان لكم عملٌ في الدنيا إلا الكفر والتكذيب)، عطفٌ على قوله: "أكذبتم بها" إلى قوله: " ﴿أمَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بها للتبكيت، و"أم" على الأول: متصلةٌ، وقوله: "ماذا كنتم تعملون؟ عبارة عن التصديق، يدل عليه قوله: "وليس إلا التصديق بها أو التكذيب" والسؤال سؤال توبيخ في مقام يضطر المخاطب إلى الصدق كما مر، فإنك إذا جعلت في مثل هذا المقام ما صح وثبت عندك يلي الهمزة "ما"، وليس بثابت يلي "أم"، فلابد أن يوافقك المخاطب فيما هو الأصل، وعلى الثاني منقطعةٌ، والهمزة في ﴿أَكَذَّبْتُمْ﴾ للتقرير، وفي "أم" للإنكار. ولهذا قال: أما كان لكم عملٌ في الدنيا إلا الكفر والتكذيب، ثم أضربه عنه، وابتداء ﴿أمَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ سائلاً عن العمل سوى التكذيب، لأنه هو المتهم بشأنه، فنفاه عن أصله، وإليه أشار بقوله: "لم يكن لهم عملٌ غيره" فإذا قرر التكذيب والكفر أولًا، ونفى غيرهما ثانيً، انحصر عملهم فيهما، إليه أشار بقوله: "كأنهم لم يخلقوا إلا للكفر والمعصية"

стр. 6184

غيره، وكأنهم لم يخلقوا إلا للكفر والمعصية، وإنما خلقوا للإيمان والطاعة: يخاطبون بهذا قبل كبهم في النار ثم يكبون فيها، وذلك قوله: (وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ) يريد أن العذاب الموعود يغشاهم بسبب ظلمهم. وهو التكذيب بآيات الله، فيشغلهم عن النطق والاعتذار، كقوله تعالى: (هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ) [المرسلات: ٣٥]. (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [النمل: ٨٦]. جعل الإبصار للنهار وهو لأهله. فإن قلت: ما للتقابل لم يراع في قوله: (لِيَسْكُنُوا) و (مُبْصِراً) حيث كان أحدهما علة والآخر حالا؟ قلت: هو مراعى من حيث المعنى، وهكذا النظم المطبوع غير المتكلف، لأن معنى مبصرا: ليبصروا فيه طرق التقلب في المكاسب. [(وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ)]. فإن قلت: لم قيل: (فَفَزِعَ) دون فيفزع؟ قلت: لنكتة؛ وهي الإشعار بتحقق ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والواو في "وإنما خلقوا" للحال، وفيه تقريرٌ لمذهبه. وقدر بعض أهل السنة: "ماذا كنتم تعملون"، أي: ماذا أطقتم من غير ذلك حتى تعلموا، نزلهم منزلة العجزة عن خلاف الكفر والتكذيب، لأنهم مطبوعٌ على قلوبهم. قوله: (هو مراعى)، أي: التقابل مراعى من حيث المعنى، وسيجيء تقريره في سورة "حم المؤمن" في مثل هذه الآية إن شاء الله تعالى. قوله: (لم قيل: ﴿فَفَزِعَ﴾، الراغب: الفزع: انقباضٌ ونفار يعتري الإنسان من الشيء

стр. 6185

الفزع وثبوته وأنه كائن لا محالة، واقع على أهل السماوات والأرض، لأنّ الفعل الماضي يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعا به. والمراد فزعهم عند النفخة الأولى حين يصعقون (إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ) إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة، قالوا: هم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت ﵈. وقيل: الشهداء. وعن الضحاك: الحور، وخزنة النار، وحملة العرش. وعن جابر: منهم موسى ﵇، لأنه صعق مرّة. ومثله قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ ومَنْ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المخيف، وهو من جنس الجزع، ولا يقال: فزعت من الله، كما يقال: خفت منه، وقوله : ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، أي: الفزع من دخول النار، وقوله تعالى: ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣]، أي: أزيل، يقال: فزع إليه: إذا استغاث به عند الفزع، وفزع له: أغاثه، وقول الشاعر: كنا إذا ما أتانا صارخٌ فزعٌ أي: صارخٌ أصابه فزعٌ، ومن فسره بأن معناه: المستغيث، فإن ذلك تفسيرٌ للمقصود من الكلام، لا للفظ الفزع. قوله: (وعن جابر: منهم موسى ﵇ لأنه صعق مرةً)، أشار إلى حديث أبي سعيد في حديث لطم الأنصاري اليهودي، قال ﷺ : "لا تخيروني من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى أخذٌ بقائمةٍ من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أو جوزي بصعقة الطور". أخرجه البخاري ومسلم.

стр. 6186

الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ) [الزمر: ٦٨]. وقرئ: (أتوه) و (أتاه) و (دخرين)، فالجمع على المعنى والتوحيد على اللفظ. والداخر والدخر: الصاغر. وقيل: مع الإتيان حضورهم الموقف بعد النفخة الثانية. ويجوز أن يراد رجوعهم إلى أمره وانقيادهم له. [(وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ* مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ* وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)]. (جَامِدَةً) من جمد في مكانه إذا لم يبرح. تجمع الجبال فتسير كما تسير الريح السحاب، فإذا نظر إليها الناظر حسبها واقفه ثابتة في مكان واحد (وَهِيَ تَمُرُّ) مرّا حثيثا كما يمر السحاب. وهكذا الأجرام العظام المتكاثرة العدد: إذا تحرّكت لا تكاد تتبين حركتها، كما قال النابغة في صفة جيش: بأرعن مثل الطّود تحسب أنّهم … وقوف لحاج والرّكاب تهملج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "آتوه")، حفصٌ وحمزة: ﴿آَتَوْهُ﴾ بقصر الهمزة وفتح التاء، والباقون: بمد الهمزة وضم التاء. قوله: (ويجوز أن يراد رجوعهم إلى أمره)، عطفٌ على قوله: "وقيل: مع الإتيان حضورهم المواقف"، فعلى هذا يصح أن يكون هذا عند النفخ في الصور والفزع. قوله: (بأرعن مثل الطود)، البيت، الرعن: أنف الجبل المتقدم، والجمع الرعون، والرعان، ثم يشبه به الجيش، فيقال: جيشٌ أرعن، وهو المضطرب لكثرته. والطور: الجبل العظيم. قوله: (لحاجٍ)، الحاج: جمع الحاجة، والركاب لا واحد له من لفظه، والهملاج من

стр. 6187

(صُنْعَ اللَّهِ) من المصادر المؤكدة، كقوله: (وَعَدَ اللَّهُ) [النساء: ١٢٢، الروم: ٦]، و (صِبْغَةَ اللَّهِ) [البقرة: ١٣٨]، إلا أن مؤكدة محذوف، وهو الناصب لـ "يوم ينفخ"، والمعنى: ويوم ينفخ في الصور وكان كيت وكيت أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين، ثم قال: (صُنْعَ اللَّهِ)، يريد به: الإثابة والمعاقبة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البراذين، واحد الهماليج، ومشيها الهملجة فارسيٌ معربٌ، وهي مشيٌ سهلٌ، يقول: حاربنا العدو بجيشٍ مثل الجبل العظيم تحسب أنهم وقوفٌ لحاجٍ، والحال أن الركاب تهملج وتسرع. قوله: (﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ من المصادر المؤكدة)، الراغب: الصنع: إجادة الفعل، ولا ينسب إلى الحيوانات كما ينسب إليها الفعل، قال الله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾. وللإجادة يقال للحاذق المجيد: صنعٌ، وللمرأة: صناعٌ، قال الله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. قوله: (والمعنى: يوم ينفخ في الصور فكان كيت وكيت، أثاب الله المحسنين، وعاقب المجرمين، ثم قال: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ يريد به: الإثابة والمعاقبة)، قلت: هذا يؤذن بأن قبل ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ إضماراً، وهو أثاب المحسنين وعاقب المجرمين. و ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ مؤكد للمعنى المقدر. وقوله: "وكان كيت وكيت"، كناية عن قوله ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ إلى آخره، وأن قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ إلى آخر الآيتين، تلخيصٌ لمعنى ذلك المقدر وقرينةٌ له. وقال أبو البقاء: العامل في ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ﴾، ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾: اذكر، و ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ عمل فيه ما دل عليه. ﴿تَمُرُّ﴾، لأن ذلك من صنع الله، كأنه قال: صنع ذلك صنعًا. وقال الزجاج: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ نصب على المصدر، لأن قوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً

стр. 6188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ دليلٌ على الصنعة، كأنه قيل: صنع الله ذلك صنعًا. وهذا أقرب مما ذكره المصنف، لكن يحتاج في تقريره إلى بيان النفختين وتسيير الجبال، وتبديل السماوات والأرض، والذي يفهم من الكتاب والسنة: أن النفخة الأولى كائنةٌ في الدنيا. روينا عن مسلمٍ عن ابن عمر في حديثٍ طويلٍ: "وهم في ذلك دارٌ رزقهم، حسنٌ عيشهم، ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحدٌ إلا أصغًى ليتًا، وأول من يسمعه رجلٌ يلوط حوض إبله، قال: فيصعق ويصعق الناس، ثم [يرسل الله- أو] قال: ينزل الله- مطرًا كأنه الطل أو الظل، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى، فإذا هم قيامٌ ينظرون". وروى البخاري ومسلمٌ وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بين النفختين أربعون". قيل: أربعون يومًا؟ قال أبو هريرة: أبيت. قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنةً؟ قال: أبيت. الحديث. وأما تسيير الجبال ومرورها فبعد النفخة الثانية عند قيام القيامة. قال محيي السنة: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ وهي تسير سير السحاب حتى تقع على الأرض، فتستوي بها. وقال: سير الجبال لا يرى يوم القيامة لعظمها، كما أن سير السحاب لا يرى لعظمه. وينصره قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] إلى قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٤ - ٦] وقال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] إلى قوله: ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ [الزلزلة: ٣].

стр. 6189

وجعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والصواب، حيث قال: (صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) يعني أنّ مقابلته الحسنة بالثواب والسيئة بالعقاب؛ من جملة إحكامه للأشياء وإتقانه لها، وإجرائه لها على قضايا الحكمة، أنه عالم بما يفعل العباد وبما يستوجبون عليه، فيكافئهم على حسب ذلك. ثم لخص ذلك بقوله: (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ) إلى آخر الآيتين، فانظر إلى بلاغة هذا الكلام، وحسن نظمه وترتيبه، ومكانة إضماده، ورصانة تفسيره، وأخذ بعضه بحجزة بعض، كأنما أفرغ إفراغاً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وإذا علم هذا فالحق أن يقال: إن قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ﴾ هو النفخة الأولى، وأن قوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] واقعٌ بعد النفخة الثانية على ما قال المصنف، وكذا عن محيي السنة. وقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ مؤكد عمل في ما دل عليه ﴿تَمُرُّ﴾، كما قال أبو البقاء والزجاج. وقوله: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ تنبيهٌ على الشروع في الحساب، والأخذ في الجزاء على سبيل الاستئناف، وأنه جوابٌ لقول من يسأل: فماذا يكون بعد هذه القوارع؟ فقيل: إن الله خبيرٌ بعمل العاملين، فيجازيهم على أعمالهم، حسنها وسيئها، فمن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوهم في النار، هذا هو النظم الذي أفزع إفراغاً واحدًا، ورص ترصيصًا متينًا، والحمد لله على ذلك. قوله: (إنه عالمٌ بما يفعل العباد)، الراغب: الخبر: العلم بالأشياء المعلومة من جهة الخبر، وخبرته خبرًا وخبرةً، وأخبرت: أعلمت بما حصل لي من الخبر، وقيل: الخبرة: المعرفة ببواطن الأمر، والخبار والخبراء: الأرض اللينة، وقد يقال ذلك لما فيها من الشجر، والمخابرة: مزارعة الخبار بشيءٍ معلوم، والخبير: الأكار فيه. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. أي: عالمٌ بأخبار أعمالكم، وقيل: أي: عالمٌ ببواطن أموركم، وقيل: خبيرٌ بمعنى مخبرٍ، كقوله: ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.

стр. 6190

واحدا ولأمر مّا أعجز القوى وأخرس الشقاشق. ونحو هذا المصدر إذا جاء عقيب كلام، جاء كالشاهد بصحته والمنادي على سداده، وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا كما قد كان. ألا ترى إلى قوله: (صُنْعَ اللَّهِ)، و (صِبْغَةَ اللَّهِ) [البقرة: ١٣٨]، و (وَعَدَ اللَّهُ) [النساء: ١٢٢، الروم: ٦]، و (فِطْرَتَ اللَّهِ) [الروم: ٣٠]: بعد ما وسمها بإضافتها إليه بسمة التعظيم، كيف تلاها بقوله: (الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)، (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) [البقرة: ١٣٨] (لا يُخْلِفُ المِيعَادَ) [الروم: ٦] (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) [الروم: ٣٠] وقرئ: (تَفْعَلُونَ)، على الخطاب. (فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها) يريد الإضعاف وأنّ العمل يتقضى والثواب يدوم، وشتان ما بين فعل العبد وفعل السيد. وقيل: (فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الشقاشق)، النهاية: الشقشقة: الجلدة الحمراء التي يخرجها الجمل العربي من جوفه، ينفخ فيها فتظهر من شدقه، شبه الفصيح المنطيق بالفحل الهادر، ولسانه بشقشقته، وفي حديث علي ﵁: "إن كثيرًا من الخطب من شقاشق الشيطان" نسبها إلى الشيطان لما يدخل فيها من الكذب والباطل، وكونه لا يبالي بما قال. هكذا أخرجه الهروي عن علي. وفي كتاب أبي عبيد وغيره من كلام عمر ﵁: ومنه حديث علي: "تلك شقشقةٌ هدرت ثم قرت". قوله: ﴿أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨]، متوافقان من حيث إن من حسن الصنعة إتقانه وإحكامه، وتسويته على ما ينبغي. قوله: (﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ يريد الأضعاف وأن العمل يتقضى)، قال القاضي: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ﴾ إذ ثبت له الشريف بالخسيس، والباقي بالفاني، وسبع مئةٍ بواحدةٍ.

стр. 6191

أي: له خير حاصل من جهتها وهو الجنة. وعن ابن عباس، الحسنة كلمة الشهادة. وقرئ: (يَوْمَئِذٍ) مفتوحا مع الإضافة، لأنه أضيف إلى غير متمكن. ومنصوبا مع تنوين (فَزَعٍ). فإن قلت: ما الفرق بين الفزعين؟ قلت: الفزع الأوّل: هو ما لا يخلو منه أحد عند الإحساس بشدّة تقع وهول يفجأ، من رعب وهيبة، وإن كان المحسن يأمن لحاق الضرر به، كما يدخل الرجل على الملك بصدر هياب وقلب وجاب وإن كانت ساعة إعزاز وتكرمة وإحسان وتولية. وأمّا الثاني: فالخوف من العذاب. فإن قلت: فمن قرأ (مِنْ فَزَعٍ) بالتنوين ما معناه؟ قلت: يحتمل معنيين. من فزع واحد وهو خوف العقاب، وأمّا ما يلحق الإنسان من التهيب والرعب لما يرى من الأهوال والعظائم، فلا يخلون منه، لأنّ البشرية تقتضي ذلك. وفي الأخبار والآثار ما يدل عليه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: له خيرٌ حاصلٌ من جهتها)، قال أبو البقاء: ﴿خَيْرٌ مِنْهَا﴾، أي: أفضل منها، فـ "من" في موضع نصبٍ، ويجوز أن يكون بمعنى فضل، وموضع "منها" رفعٌ صفةٌ لـ "خيرٌ"، أي: له خيرٌ حاصلٌ بسببها. قوله: (وقلب وجاب)، النهاية: سمعت وجبة قلبه، أي: خفقانه، يقال: وجب القلب جيب وجيبًا، إذا خفق. قوله: (وفي الأخبار والآثار ما يدل عليه)، أي: على المعنى الأول في الجواب، أما الأخبار، فمنها حديث الشفاعة، روينا عن البخاري ومسلمٍ والترمذي عن أبي هريرة في حديثٍ طويل، وفيه: "يجمع الله الأولين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، وتدنو منهم الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون"، ثم ساق الراوي الحديث، إلى أن آدم يقول: "نفسي نفسي"، وكذا إبراهيم وموسى وعيسى.

стр. 6192

ومن فزع شديد مفرط الشدّة لا يكتنهه الوصف: وهو خوف النار. "أَمِنَ": يعدى بالجار وبنفسه، كقوله تعالى: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ) [الأعراف: ٩٩]. وقيل: السيئة: الإشراك. يعبر عن الجملة بالوجه والرأس والرقبة، فكأنه قيل: فكبوا في النار، كقوله تعالى: (فَكُبْكِبُوا فِيها) [الشعراء: ٩٤] ويجوز أن يكون ذكر الوجوه إيذانا بأنهم يكبون على وجوههم فيها منكوسين. (هَلْ تُجْزَوْنَ) يجوز فيه الالتفات وحكاية ما يقال لهم عند الكب بإضمار القول. [(إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ* وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ* وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)]. أمر رسوله بأن يقول: (أُمِرْتُ) أن أخص الله وحده بالعبادة، ولا أتخذ له شريكا كما فعلت قريش، وأن أكون من الحنفاء الثابتين على ملة الإسلام. (وَأَنْ أَتْلُوَا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومن فزعٍ شديدٍ مفرط الشدة)، هو المعنى الثاني في الجواب، والتنكير على الأول للوحدة شخصًا، وعلى هذا التهويل والتعظيم. وقوله: "وأما ما يلحق الإنسان" إلى آخره، فمعناه: لابد من حمل التنكير على هذا النوع من الخوف، لأن سائر الأهوال والأفزاع البشر لا يخلون منه، أي: وهم من فزع العقاب، أو من خوف النار آمنون، لا مما يلحق الإنسان من التهيب، فقوله: "أما ما يلحق" إلى آخره، اعتراضٌ من الوجهين، وهو متعلقٌ بهما، أو استغني به عن تكريره، بعد الوجه الآخر، لأنه بين قوله: "من فزع شديد" بقوله: "وهو خوف النار" ومآل قراءة الإضافة أيضًا إلى هذين الوجهين، لأن الفزع الذي يختص بذلك اليوم هو العقاب، والنار وسائر الأفزاع مشترك. قوله: (﴿أُمِرْتُ﴾ أن أخص الله وحده)، اقتبس معنى التخصيص من لفظة: "إنما".

стр. 6193

الْقُرْآنَ) من التلاوة أو التلوّ كقوله: (وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ) [يونس: ١٠٩، الأحزاب: ٢]. والبلدة: مكة حرسها الله تعالى: اختصها من بين سائر. البلاد بإضافة اسمه إليها، لأنها أحبّ بلاده إليه، وأكرمها عليه، وأعظمها عنده. وهكذا قال رسول الله ﷺ حين خرج في مهاجره، فلما بلغ الحزورة استقبلها بوجهه الكريم فقال: "إني أعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجونى ما خرجت" وأشار إليها إشارة تعظيم لها وتقريب، دالا على أنها موطن نبيه ومهبط وحيه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فلما بلغ الحزورة)، روينا عن الترمذي، عن عبد الله بن الحمراء قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفًا على الحزورة، وهو يقول: "والله إنك لخير أرض الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت". النهاية: الحزورة: موضعٌ من مكة عند باب الحناطين، وهو بوزن قسورة، قال الشافعي رضي اله عنه: الناس يشددون الحزورة والحديبية، وهما مخففان. "مهاجره" أي: زمان هجرته. قوله: (إشارة تعظيمٍ لها وتقريبٍ)، أي: الإشارة بلفظ"هذه" إلى البلدة على طريقة قول القائل: هذا أبو الصقر فردًا في محاسنه إيذانٌ بتعظيمها وشرفها، وما ذلك إلا أنها موطن نبيه ومهبط وحيه، ولذلك نزلت ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] تسليةً لقلبه، وتسريةً لكربه، أي: الذي أوجب عليك العمل بأحكام القرآن لرادك على مكة.

стр. 6194

ووصف ذاته بالتحريم الذي هو خاص وصفها، فأجزل بذلك قسمها في الشرف والعلو، ووصفها بأنها محرّمة لا ينتهك حرمتها إلا ظالم مضادّ لربه (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) [الحج: ٢٥] لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها. واللاجئ إليها آمن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ووصف ذاته بالتحريم الذي هو خاص وصفها)، أي: وصف البلدة، يعني: كان من حق الظاهر أن يصف البلدة، ويقول: البلدة التي حرمها الله، فوصف نفسه بقوله: الذي حرمها، ليؤذن بتعظيمه. فإن قلت: ما الفرق بين الوصفين؟ قلت: إذا قلت: رب هذه البلدة الذي حرم مكة، أعلمت أن مكة من جلالة قدرها، وعلو مرتبتها بحيث يصح أن يوصف بتحريمها ذو الجلال والإكرام، وأن الوصف به كالوصف بالأسماء الحسنى، وإليه الإشارة بقوله: "فأجزل بذلك قسمها في الشرف والعلو"، وإذا قلت: رب هذه البلدة التي حرمها الله، لم يقع هذا الموقع. قوله: (قسمها)، الأساس: أعطيته قسمه ومقسمه: نصيبه، وأعطيتهم أقسمهم ومقاسمهم، وأنشد أبو زيد: ومالك إلا مقسمٌ ليس فائتًا … به أحدٌ فاعجل به أو تأخرا قوله: (لا يختلي خلالها)، النهاية: الخلا مقصورٌ: النبات الرطب الرقيق ما دام رطبًا، واختلاؤه: قطعه، فإذا يبس فهو حشيشٌ. لا يعضد: لا يقطع، يقال: عضدت الشجر، أعضده عضدًا، والعضد- بالتحريك- المعضود.

стр. 6195

وجعل دخول كل شيء تحت ربوبيته وملكوته كالتابع لدخولها تحتهما، وفي ذلك إشارة إلى أن ملكا ملك مثل هذه البلدة لعظيم الشأن قد ملكها وملك إليها كل شيء. اللهم بارك لنا في سكناها، وآمنا فيها شرّ كل ذي شرّ، ولا تنقلنا من جوار بيتك إلا إلى دار رحمتك. وقرئ: "التي حرّمها"، و "اتل عليهم هذا القرآن": عن أبىي (وَأَنْ أَتْلُوا): عن ابن مسعود. (فَمَنِ اهْتَدى) باتباعه إياى فيما أنا بصدده من توحيد الله ونفي الأنداد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وجعل دخول كل شيءٍ تحت ربوبيته وملكوته كالتابع لدخولها تحتهما)، يعني: أضاف الرب إلى البلدة إضافة تمليكٍ، وهو بمعنى: مالك، ثم عقب ذلك بقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ على وجه التتميم، ليؤذن بالفرق بين الملكين، وأن أحدهما كالتابع، والآخر كالمتبوع. قوله: (وفي ذلك إشارة)، أي: في وصف ذاته بالتحريم الذي هو وصفٌ خاصٌ للبلدة، وجعل كل الأشياء تابعًا لها في الملكية إشعارٌ بأن مالكها عظيم الشأن، قاهر السلطان، يرفع من مرتبة ما أراد رفعته، ويحط من منزلة ما أراد حطه، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قديرٌ. قوله: (﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ بإتباعه)، يريد أن "اهتدى" مطلقٌ غير مقيدٍ، بشيءٍ، وقد ذرك هذه الخلال الأربع، فوجب تقيده بها. واعلم أن هذه خاتمةٌ شريفةٌ واردةٌ على نمطٍ غريبٍ، وترتيبٍ أنيقٍ. قال القاضي: أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يقول لهم ذلك بعدما بين المبدأ والمعاد، وشرح أحوال القيامة إشعارًا بأنه قد أتم الدعوة فكملت وما عليه بعد إلا الاشتغال بشأنه، والاستغراق بعبادة ربه. يريد أن هذه الخاتمة كالمتاركة للمشركين. ولعمري إنها من الخاتمة التي تدهش العقول، وتحير الأفهام، فإنه تعالى لما ختم الآيات الواردة في أمر البعث والحشر على أتم ما ينبغي بقوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

стр. 6196

عنه، والدخول في الملة الحنيفية، واتباع ما أنزل علىّ من الوحي، فمنفعة اهتدائه راجعة إليه لا إلىّ (وَمَنْ ضَلَّ) ولم يتبعني فلا علىّ، وما أنا إلا رسول منذر، وما على الرسول إلا البلاغ. ثم أمره أن يحمد الله على ما خوّله من نعمة النبوّة التي لا توازيها نعمة، وأن يهدّد أعداءه بما سيريهم الله من آياته التي تلجئهم إلى المعرفة، والإقرار بأنها آيات الله. وذلك حين لا تنفعهم المعرفة. يعني في الآخرة. عن الحسن وعن الكلبي: الدخان، وانشقاق القمر. وما حلّ بهم من نقمات الله في الدنيا. وقيل: هو كقوله: (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) [فصلت: ٥٣]. وكل عمل يعملونه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على الحصر، ووضع موضع حرف النفي الاستفهام، تأكيدًان أمر حبيبه صلوات الله عليه بخويصة نفسه من الاشتغال بعبادة ربه، فاختار له من الأمكنة أفضل البقاع، وخصها من الأوصاف ما كل وصفٍ دونها كما قال، وجعل دخول كل شيءٍ تحت ملكوته كالتابع لدخولها تحته. ومن الملة خير الملل وأقومها، ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. ومن الكتب أسمى الكتب وأسناها، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، ثم أمر بعد ذلك كله بالتحميد حمدًا على ما أولاه من نعم التبليغ، واستفراغ الطوق والجهد فيه، ومن اختصاص الله بالعبادة في أشرف البقاع، ومن الدخول في الملة الحنيفية، ومن تلاوة هذا الكتاب الكريم، ثم طبع الكتاب بالتهديد بقوله: ﴿سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾، يعني: حين أعرضوا عن واعظ الله، وأمرنا الرسول بالمتاركة، سنفرغ لهم وحدنا، ونلجئهم إلى المعرفة والإقرار بآياتنا حين لا تنفعهم المعرفة، كقوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٣١ - ٣٢]، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. قوله: (وقيل: هو كقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾، أي: لا يكون للتهديد بل للاستدلال.

стр. 6197

فالله عالم به غير غافل عنه؛ لأنّ الغفلة والسهو لا يجوزان على عالم الذات، وهو من وراء جزاء العاملين. قرئ: (تَعْلَمُونَ)، بالتاء والياء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الزجاج: أي: سيريكم الله آياته في جميع ما خلق، وفي أنفسكم. والحمد على هذا التفسير على نعمة المعرفة التي دونها كل النعم. وقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وعد بإيصال الثواب إلى من شكر تلك النعمة. وعلى الأول: ﴿سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ كان وعيدًا وتهديدًا، وقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، تذييلٌ للوعيد، وتأكيدٌ له. قوله: (على عالم الذات)، الانتصاف: سبق له جحد صفة العلم، وإيهام أن سلبها داخلٌ في تنزيه الله تعالى، لأنه يجعل استحالة الغفلة عليه معللةً بأن علمه بالذات لا بالعلم. والحق أن استحالة الغفلة عليه تعالى، لأن علمه لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض، ولا في السماء، بل هو عالمٌ بعلمٍ قديمٍ، عام التعلق في الكائنات والممكنات والممتنعات، ولا يتوقف تنزيهه على تعطيل صفات كماله وجلاله تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. قوله: (وراء جزاء العاملين)، هذا مثل، يعني: أنه تعالى لابد أن يجازي عامل الخير والشر، كما أن سائق الشيء لابد أن يوصله إلى ما يريد منه. قوله: (قرئ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالياء والتاء)، بالتاء الفوقانية: نافعٌ وابن عامرٍ وحفصٌ، والباقون: بالياء.

стр. 6198

عن رسول الله ﷺ : "من قرأ طس سليمان كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق سليمان وكذب به وهود وشعيب وصالح وإبراهيم، ويخرج من قبره وهو ينادي لا إله إلا الله". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهودٍ) عطفٌ على "من صدق"، كأنه قيل: بعدد قوم سليمان وهودٍ. تمت السورة حامدًا الله، ومصليًا على رسول الله ﷺ ***

стр. 6199

سورةُ القَصَص مكِّيّة، وهي ثمانٌ وثمانون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [﴿طسم *تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ*﴾ ١ - ٣] ﴿مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ مفعول ﴿نَتْلُوا﴾، أي: نتلُو عليكَ بعضَ خَبَرِهما ﴿بِاَلْحَقِ﴾ مُحِقِّين، كقوله: ﴿تَنْبُتُ بِاَلدُّهْنِ﴾. ﴿لِقَوْمِ يُؤْمِنُونَ﴾ لِمَن سبقَ في عِلْمِنا أنّه يُؤمن، لأنَّ تنفعُ هؤلاءِ دُونَ غيرهِم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة القصص مكية، وهي ثمانون وثمان آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قولهُ: (نتلُو عليكَ بعضَ خَبَرِهما)، يريدُ أنّ ﴿مِن﴾ في ﴿مِن نَّبَإِ مُوسَى﴾ للتبعيض؛ وهُوَ مفعولُ ﴿نَتْلُوا﴾ [القصص: ٣]. وقالَ أبو البقاء: ﴿نَتْلُوا﴾ مفعولُه محذوف، دلّتْ عليه صفتُه، تقديرُه: شيئاً مِنْ نَبِأ موسى؛ فـ ﴿مِن﴾ للبيان. وعلى قولِ الأخفشِ ﴿مِن﴾ زائدة. قولُه: (لِمَنْ سبقَ في علمِنا أنه يؤمِنُ)، يريدُ أنّ إنزالَ الكتابِ على رسولِ الله صلى الله عليهم وسلم

стр. 6200

[﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٤] ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ﴾ جملةٌ مستأنَفةٌ كالتَّفسيرِ للمُجْمَل، كأنَّ قائلاً قالَ: وكيفَ كان نَبَؤُهُما؟ فقال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: أرضَ مملكتِه؛ قد طغى فيها وجاوزَ الحدَّ في الظُّلمِ والعَسْف. ﴿شِيَعاً﴾ فِرَقًا يُشَيِّعونه على ما يُريدُ ويُطيعونه، لا يملِكُ أحدٌ منهم أن يَلوِيَ عُنُقَه. قالَ الأعشى: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إنما كانَ لأنْ يتلوه على المؤمنينَ والكافرينَ جميعاً: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَاَ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧]. لكن اختصاصُ المؤمنينَ بالذكرِ لانتفاعِهم به؛ فإذَنِ المرادُ بقولِه: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٣] لقومٍ سيُؤمِنون، وعليه قولُه تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَقِينَ﴾ [البقرة: ٢] أي: الضالينَ الصائرينَ إلى التقوى، وهُوَ مجازٌ باعتبارِ ما يُؤوّل، وقال فيه: ((إنّ الضالينَ فريقان؛ فريقٌ عُلِمَ بقاؤُهم على الضلالةِ وهُمُ المطبوعُ على قلوبِهم، وفريقٌ عُلِمَ أنّ مصيرَهم إلى الهُدى؛ فلا يكونُ هدًى للفريقِ الباقينَ على الضلالة؛ فبقى أنْ يكونَ هدًى لهؤلاء))، وإليهِ الإشارةُ بقولِه: ((إنما ينفعُ هؤلاءِ دونَ غيرِهم)). والمعنى: نتلو عليكَ مِن نَبَإِ موسى وفرعونَ وما جرى بينَهما بقوم عُلِمَ أنّ التلاوةَ تنفَعُ فيهم دونَ مَنْ عَداهم مِنَ المُصرِّين، ونحوُه قولُه تعالى: ﴿فَذَكِرَ بِاَلْقُرْآَنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] قال: إنّ التذكيرَ لا ينفعُ إلا فيمنْ يخافُ الوعيدَ دونَ المُصِرِّ على الكُفر. وقلت: هذا الإنباءُ العجيبُ الشأنِ متضمِّنٌّ لإثباتِ القضاءِ والقدر، وقد عَلِمَ الله أنّ بعضًا مِنَ الذينَ يدّعونَ الإيمانَ لا يؤمنونَ بالقدَر؛ فقال: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ تعريضاً بهم؛ فعلى هذا يمكنُ أنْ يُجعَلَ ﴿بِاَلْحَقِّ﴾ حالاً منَ المجرور؛ أي: نتلو عليكَ نبأَهُما مُلتبِسًا بالحقِّ على القضاءِ والقدر. قولُه: (قد طغى فيها وجاوزَ الحدّ)، يعني: معنى ﴿عَلَا فِي الأَرْضِ﴾ طغى فيها؛ مِن قولِه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُون عُلُوًّا فِي اَلْأَرْضِ﴾ [القصص: ٨٣] أي: استِكبارًا وتجبُّرًا.
следующие страницы →