← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

عنه، والدخول في الملة الحنيفية، واتباع ما أنزل علىّ من الوحي، فمنفعة اهتدائه راجعة إليه لا إلىّ (وَمَنْ ضَلَّ) ولم يتبعني فلا علىّ، وما أنا إلا رسول منذر، وما على الرسول إلا البلاغ. ثم أمره أن يحمد الله على ما خوّله من نعمة النبوّة التي لا توازيها نعمة، وأن يهدّد أعداءه بما سيريهم الله من آياته التي تلجئهم إلى المعرفة، والإقرار بأنها آيات الله. وذلك حين لا تنفعهم المعرفة. يعني في الآخرة. عن الحسن وعن الكلبي: الدخان، وانشقاق القمر. وما حلّ بهم من نقمات الله في الدنيا. وقيل: هو كقوله: (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) [فصلت: ٥٣]. وكل عمل يعملونه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على الحصر، ووضع موضع حرف النفي الاستفهام، تأكيدًان أمر حبيبه صلوات الله عليه بخويصة نفسه من الاشتغال بعبادة ربه، فاختار له من الأمكنة أفضل البقاع، وخصها من الأوصاف ما كل وصفٍ دونها كما قال، وجعل دخول كل شيءٍ تحت ملكوته كالتابع لدخولها تحته. ومن الملة خير الملل وأقومها، ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. ومن الكتب أسمى الكتب وأسناها، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، ثم أمر بعد ذلك كله بالتحميد حمدًا على ما أولاه من نعم التبليغ، واستفراغ الطوق والجهد فيه، ومن اختصاص الله بالعبادة في أشرف البقاع، ومن الدخول في الملة الحنيفية، ومن تلاوة هذا الكتاب الكريم، ثم طبع الكتاب بالتهديد بقوله: ﴿سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾، يعني: حين أعرضوا عن واعظ الله، وأمرنا الرسول بالمتاركة، سنفرغ لهم وحدنا، ونلجئهم إلى المعرفة والإقرار بآياتنا حين لا تنفعهم المعرفة، كقوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٣١ - ٣٢]، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. قوله: (وقيل: هو كقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾، أي: لا يكون للتهديد بل للاستدلال.

стр. 6197

فالله عالم به غير غافل عنه؛ لأنّ الغفلة والسهو لا يجوزان على عالم الذات، وهو من وراء جزاء العاملين. قرئ: (تَعْلَمُونَ)، بالتاء والياء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الزجاج: أي: سيريكم الله آياته في جميع ما خلق، وفي أنفسكم. والحمد على هذا التفسير على نعمة المعرفة التي دونها كل النعم. وقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وعد بإيصال الثواب إلى من شكر تلك النعمة. وعلى الأول: ﴿سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ كان وعيدًا وتهديدًا، وقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، تذييلٌ للوعيد، وتأكيدٌ له. قوله: (على عالم الذات)، الانتصاف: سبق له جحد صفة العلم، وإيهام أن سلبها داخلٌ في تنزيه الله تعالى، لأنه يجعل استحالة الغفلة عليه معللةً بأن علمه بالذات لا بالعلم. والحق أن استحالة الغفلة عليه تعالى، لأن علمه لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض، ولا في السماء، بل هو عالمٌ بعلمٍ قديمٍ، عام التعلق في الكائنات والممكنات والممتنعات، ولا يتوقف تنزيهه على تعطيل صفات كماله وجلاله تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. قوله: (وراء جزاء العاملين)، هذا مثل، يعني: أنه تعالى لابد أن يجازي عامل الخير والشر، كما أن سائق الشيء لابد أن يوصله إلى ما يريد منه. قوله: (قرئ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالياء والتاء)، بالتاء الفوقانية: نافعٌ وابن عامرٍ وحفصٌ، والباقون: بالياء.

стр. 6198

عن رسول الله ﷺ : "من قرأ طس سليمان كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق سليمان وكذب به وهود وشعيب وصالح وإبراهيم، ويخرج من قبره وهو ينادي لا إله إلا الله". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهودٍ) عطفٌ على "من صدق"، كأنه قيل: بعدد قوم سليمان وهودٍ. تمت السورة حامدًا الله، ومصليًا على رسول الله ﷺ ***

стр. 6199

سورةُ القَصَص مكِّيّة، وهي ثمانٌ وثمانون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [﴿طسم *تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ*﴾ ١ - ٣] ﴿مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ مفعول ﴿نَتْلُوا﴾، أي: نتلُو عليكَ بعضَ خَبَرِهما ﴿بِاَلْحَقِ﴾ مُحِقِّين، كقوله: ﴿تَنْبُتُ بِاَلدُّهْنِ﴾. ﴿لِقَوْمِ يُؤْمِنُونَ﴾ لِمَن سبقَ في عِلْمِنا أنّه يُؤمن، لأنَّ تنفعُ هؤلاءِ دُونَ غيرهِم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة القصص مكية، وهي ثمانون وثمان آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قولهُ: (نتلُو عليكَ بعضَ خَبَرِهما)، يريدُ أنّ ﴿مِن﴾ في ﴿مِن نَّبَإِ مُوسَى﴾ للتبعيض؛ وهُوَ مفعولُ ﴿نَتْلُوا﴾ [القصص: ٣]. وقالَ أبو البقاء: ﴿نَتْلُوا﴾ مفعولُه محذوف، دلّتْ عليه صفتُه، تقديرُه: شيئاً مِنْ نَبِأ موسى؛ فـ ﴿مِن﴾ للبيان. وعلى قولِ الأخفشِ ﴿مِن﴾ زائدة. قولُه: (لِمَنْ سبقَ في علمِنا أنه يؤمِنُ)، يريدُ أنّ إنزالَ الكتابِ على رسولِ الله صلى الله عليهم وسلم

стр. 6200

[﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٤] ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ﴾ جملةٌ مستأنَفةٌ كالتَّفسيرِ للمُجْمَل، كأنَّ قائلاً قالَ: وكيفَ كان نَبَؤُهُما؟ فقال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: أرضَ مملكتِه؛ قد طغى فيها وجاوزَ الحدَّ في الظُّلمِ والعَسْف. ﴿شِيَعاً﴾ فِرَقًا يُشَيِّعونه على ما يُريدُ ويُطيعونه، لا يملِكُ أحدٌ منهم أن يَلوِيَ عُنُقَه. قالَ الأعشى: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إنما كانَ لأنْ يتلوه على المؤمنينَ والكافرينَ جميعاً: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَاَ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧]. لكن اختصاصُ المؤمنينَ بالذكرِ لانتفاعِهم به؛ فإذَنِ المرادُ بقولِه: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٣] لقومٍ سيُؤمِنون، وعليه قولُه تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَقِينَ﴾ [البقرة: ٢] أي: الضالينَ الصائرينَ إلى التقوى، وهُوَ مجازٌ باعتبارِ ما يُؤوّل، وقال فيه: ((إنّ الضالينَ فريقان؛ فريقٌ عُلِمَ بقاؤُهم على الضلالةِ وهُمُ المطبوعُ على قلوبِهم، وفريقٌ عُلِمَ أنّ مصيرَهم إلى الهُدى؛ فلا يكونُ هدًى للفريقِ الباقينَ على الضلالة؛ فبقى أنْ يكونَ هدًى لهؤلاء))، وإليهِ الإشارةُ بقولِه: ((إنما ينفعُ هؤلاءِ دونَ غيرِهم)). والمعنى: نتلو عليكَ مِن نَبَإِ موسى وفرعونَ وما جرى بينَهما بقوم عُلِمَ أنّ التلاوةَ تنفَعُ فيهم دونَ مَنْ عَداهم مِنَ المُصرِّين، ونحوُه قولُه تعالى: ﴿فَذَكِرَ بِاَلْقُرْآَنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] قال: إنّ التذكيرَ لا ينفعُ إلا فيمنْ يخافُ الوعيدَ دونَ المُصِرِّ على الكُفر. وقلت: هذا الإنباءُ العجيبُ الشأنِ متضمِّنٌّ لإثباتِ القضاءِ والقدر، وقد عَلِمَ الله أنّ بعضًا مِنَ الذينَ يدّعونَ الإيمانَ لا يؤمنونَ بالقدَر؛ فقال: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ تعريضاً بهم؛ فعلى هذا يمكنُ أنْ يُجعَلَ ﴿بِاَلْحَقِّ﴾ حالاً منَ المجرور؛ أي: نتلو عليكَ نبأَهُما مُلتبِسًا بالحقِّ على القضاءِ والقدر. قولُه: (قد طغى فيها وجاوزَ الحدّ)، يعني: معنى ﴿عَلَا فِي الأَرْضِ﴾ طغى فيها؛ مِن قولِه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُون عُلُوًّا فِي اَلْأَرْضِ﴾ [القصص: ٨٣] أي: استِكبارًا وتجبُّرًا.

стр. 6201

وبَلدةٍ يَرهَبُ الجَوّابُ دُلجتَها … حتّى تَراهُ علَيها يَبتَغي الشِّيَعا أو يُشَيِّعُ بعضُهم بعضًا في طاعَتِه، أو أصنافًا في استخدامِه يتسخَّرُ صنفاً في بناءِ، وصنفًا في حَرْثٍ وصنفًا في حَفْر، ومن لم يستَعْمِلْه ضربَ عليه الجِزية، أو فِرَقًا مُختلفةً قد أغرى بينهمُ العداوةَ، وهم إسرائيلَ والقبطُ. والطّائفةُ المُستضعفة: بنو إسرائيل، وسببُ ذبحِ الأبناءِ: أنَّ كاهناً قالَ له: يولَدُ مولودٌ في بني إسرائيلَ يَذْهَبُ مُلكُكَ على ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: العُلْوُ ضدُّ السُّفْل، والعُلْويُّ والسُّفْليُّ: المنسوبُ إليهما، والعُلُوّ: الارتفاع، وقد علا يَعْلُوا عُلُوًّا وعَلِيَ يَعْلي عَلاءَ فهو عَلِيٌّ؛ فـ ((علا)) بالفتحِ بالفتحِ في الأمكِنةِ والأجسامِ أكثر، قال تعالى: ﴿عَلَيْهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ﴾ [الإنسان: ٢١]، ويُستعملُ في المحمودِ والمذموم؛ قال تعالى: ﴿سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤٣]، وقال: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي اَلْأَرْضِ﴾ [يونس: ٨٣]. والعليّ: رفيعُ القدرِ من ((عَلِيَ))، فإذا وُصِفَ به الله تعالى فمعناهُ أنّه يعلو أن يحيطَ بهِ وصفُ الواصفين، بل علمُ العارفين؛ وعلى ذلك يُقال: تعالى الله، وخُصّ التفاعلُ للمبالغةِ لا للتكلُّفِ كما في البَشَر. و ﴿عُلُوًّا﴾ في قوله: ﴿عُلُوًّا كَبِيراً﴾ ليسَ مصدرًا، كما أنّ قولَه: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: ٨] كذلك، و ((استعلى)) قد يكونُ للعلوِّ المذموم، وقد يكونُ طَلَبُ العلاء أي الرفعة، وقولُه تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ اَلْيَوْمَ مَنِ اَسْتَعْلَى﴾ [طه: ٦٤] يَحْتَمِلُ الوجهينِ. ولاعتبارِ العلو قيلَ للمكانِ المُشْرِفِ، وللشّرَفِ: العلياءُ، وعَلاوةُ الشيء: أعلاه؛ ولذلكَ قيلَ للرأسِ والعُنُق: عَلاوة، ولِما يُحمَلُ فوقَ الأحمال: عَلاوة. قولُه: (وبلدةٍ يرهَبُ الجوّابُ دُلْجتَها) البيت: البلدة: المفازة، الجوّاب: القَطّاع، دُلْجتها: مِن أَدْلَج: إذا سار آخِرَ الليل، والدُّلجة: الساعةُ منَ الليلِ. تراه: أي الجوّاب. يقول: رُبّ بلدةٍ - يخافُ الجوّابُ أنْ يسيرَ فيها في الدُّلجةِ حتى تراهُ يطلبُ يمينًا وشمالاً مَن يُشَيِّعُه مِن خوفه- أنا قطعتها بلا شِيَع.

стр. 6202

يدِه. وفيه دليلٌ بيِّنٌ على ثخانةِ حُمقِ فرعون؛ فإنَّه إنْ صدقَ الكاهنُ لم يدفعِ القتلَ الكائن، وإن كذَبَ فما وجهُ القَتْل؟ و ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ حالٌ من الضَّميرِ في ﴿وَجَعَلَ﴾، أو صفة لـ ﴿شِيَعًا﴾، أو كلامٌ مستأنَف. و ﴿يُذَبِّحُ﴾ بدلٌ من ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾. وقولهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ اَلْمُفْسِدِينَ﴾ بيانُ أنَّ القتلَ ما كانَ إلاّ فعلَ المُفسِدِين فحسب؛ لأنه فعلٌ لا طائلَ تحتَه، صدَقَ الكاهن أو كذَب. [﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ اَلْوَارِثِينَ* وَنُمَكِنَ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ ٥ - ٦] فإن قلتَ: علامَ عُطِفَ قولُه: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ﴾ وعَطْفُه على ﴿نَتْلُوا﴾ و ﴿يَستَضْعِفُ﴾ غيرُ سديد؟ قلتُ: هي جملةٌ معطوفةٌ على قولِه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ لأنَّها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (لأنه فعلٌ لا طائلَ تحته)، يعني: ذبحُ الأبناءِ واستحياءُ البناتِ منهُ لم يكُنْ إلاّ للفسادِ فحَسْب، ولو كانَ فيهِ نوعُ صلاحٍ أو متضمِّنًا لمصلحةِ نفسِهِ وخلاصِهِ مِمّا كانَ يخافُ منه رُبّما عُذِرَ ولمْ يُسمّ فسادًا بالنسبةِ إليه. ولَمّا كانَ خِلْوًا مِن ذلكَ عُدّ فسادًا صِرْفًا؛ ولذلكَ قال: ﴿مِنَ اَلْمُفْسِدِينَ﴾، أي: الكاملينَ في الفسادِ والمعدودينَ في زُمْرتِهم، قالَ الله: ﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِ﴾ [يونس: ٢٣] قالَ المصنِّف: ((والبغيُ يكونُ بحقِّ كاستيلاءِ المسلمينَ على أرضِ الكَفَرةِ وهَدْمِ دُورِهم وإحراقِ زروعِهم وقلعِ أشجارِهم كما فعلَ رسولُ الله ﷺ بِبَني قُرَيْظة)). قولُه: (وعطفُه على ﴿نَتْلُوا﴾ و ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ غيرُ سديد)، أما على ﴿نَتْلُوا﴾ فإنّه لوْ عُطِف عليه لخرجَ عنْ أنْ يكونَ بعضَ المتلُوِّ ومِن نبأِ موسى وفرعون، وإنه مِنْ أَعجَبِ وأَهمِّ

стр. 6203

نظِيرةُ تلك في وقُوعِها تفسيرًا لنَبأِ موسى وفِرْعَون، واقتِصاصًا له. ﴿وَنُرِيدُ﴾: حكايةُ حالٍ ماضية، ويجوزُ أن تكونَ حالاً من ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾، أي: يستضعِفُهم فرعونُ، ونحنُ نريدُ أن نَمُنَّ عليهم. فإن قلتَ: كيف يجتمعُ استِضْعافُهم وإرادةُ الله المنّةَ عليهِم؟ وإذا أراد الله شيئًا كانَ، ولم يتوقّف إلى وقتٍ آخَرَ، قلتُ: لمّا كانتْ منّةُ الله شيئًا كانَ، ولم يتوقّفْ إلى وقتٍ آخَرَ، قلتُ: لمّا كانتْ منّةُ الله بخلاصِهم من فرعونَ قريبةَ الوُقوع، جُعِلتْ إرادةُ وقوعِها كأنَّها مقارِنةٌ لاستضعافِهم. ﴿آَئِمَّةً﴾ مُقَدَّمِين في الدِّين والدُّنيا، يطأُ النّاسُ أعقابَهم. وعنِ ابنِ عباسٍ ﵄: قادةً يُقتدى بهم في الخير. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المُنبّأِ به؛ بلْ هوَ المقصودُ في الإنباء. وأما على ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ فلأنه: إما صفةٌ لـ ﴿شِيَعًا﴾، أو حالٌ مِنْ فاعِلِ ﴿وَجَعَلَ﴾، أو استئنافٌ، ولا كلامَ في فسادِ الأولين. وأما الثالثُ فيكونُ على سؤالِ سائل موردُه ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾، فلمْ يَنطَبِقْ عليه ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ﴾ [القصص: ٥]، و ﴿يُذَبِّحُ﴾ و ﴿وَيَسْتَحْيِ﴾ بدلانِ مِن ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ وحُكمُهما حُكمُه؛ فبقِيَ أنْ يكونَ عطفًا على ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ﴾ الآية، وإنْ اختَلَفتا اسميّةً وفعلية. وتأويلُه: إنّ فرعونَ فَعَلَ بهم ما فَعَلَ مِنَ الاستضعافِ والاستخدام والقتلِ والفَناء، ونحنُ قضَيْنا عَكْسَ ذلكَ مِنْ جَعْلِهم مُتمكِّنينَ في الأرضِ أقوياءَ أئمةً مُتمكِّنينَ في الأرضِ أقوياءَ أئمةً مُقدَّمينَ باقينَ بَعدَهم وارثينَ دِيارَهم، ولمْ يَكُنْ إلا ما أرَدْنا. هذا معنى قولِنا: هذا الإنباءُ مُتضَمِّنٌ لإثباتِ القضاءِ والقَدَر. ومعنى أنْ يكونَ ((نُريدُ)) حالاً منْ ((أن يستضعف)) يعودُ إلى هذا. قولُه: (كيفَ يجتَمِعُ استضعافُهم وإرادةُ الله المِنّة؟ )، يعني: لَزِمَ مِنْ هذا التقريرِ الجمعُ بينَ المتنافِيَيْن. وخُلاصةُ الجوابِ: أنّ الله تعالى لَمّا أرادَ أنْ يَمُنّ على بني إسرائيلَ بعدَ هلاكِ فرعونَ ونجاتِهم مِنه، وكانتْ تلكَ قريبةَ الوقوع، جُعِلَتْ كأنّها واقِعةٌ مقارِنةٌ لاستضعافِهم. وقريبٌ منهُ قولُه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ١، ٢]. وقالَ صاحبُ ((المطلع)): أرادَ الله تعالى حالَ استضعافِهم إياهم أن يَمُنّ عليهم بالخلاصِ في وقتٍ قدّرَهُ الله وقضاه. قولُه: (يطأُ الناسُ أعقابَهم)، العبارةُ كنايةٌ عن أنّهم كثيرٌ والأتباعُ مقدمون.

стр. 6204

وعن مجاهدٍ ﵁: دُعاةً إلى الخير، وعن قَتادةَ ﵁: وُلاةً، كقولِه تعالى: ﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠]. ﴿اَلْوَارِثِينَ﴾ يرِثُون فرعونَ وقومَه مُلكَهم وكُلَّ ما كانَ لهم. مكَّن له: إذا جَعلَ له مكانًا يقعُدُ عليه أو يرقُد، فوطّأَهُ ومَهَّدَهُ، ونظيرُه: أرَّضَ له. ومعنى التَّمْكينِ لهم في الأرضِ وهي أرضُ مِصرَ والشّامِ: أن يجعَلَها بحيثُ لا تَنْبُو بهم ولا تَغِثُّ؛ كما كانتْ في أيّامِ الجبابرة، ويُنَفِّذَ أمْرَهم، ويُطلِقَ أيديَهم ويُسَلِّطَهم. وقُرئ: (ويَرى فرعونُ وهامانُ وجنودُهما)، أي: يرون منْهُمْ ما حُذِّرُوه: من ذهابِ مُلكِهم وهلاكِهم على يدِ مَوْلودٍ منهُم. [﴿أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ٧] اليمُّ: البحر. قيل: هو نِيلُ مِصْر. فإن قلتَ: ما المُرادُ بالخَوفَيْنِ حتّى أُوجِبَ أحدُهما ونُهي عنِ الآخَر؟ قلتُ: أمّا الأوّلُ فالخَوفُ عليهِ من القَتلِ؛ لأنه كان إذا صاحَ خافَ أن يسمَعَ الجيرانُ صوتَه فينِمُّوا. وأمّا الثّاني، فالخوفُ عليهِ من الغَرَقِ ومن الضَّياعِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (أرّضَ له)، الأساس: تأرّضَ فلان: لَزِمَ الأرضَ؛ فلمْ يَبْرَح. فلانٌ إنْ رأى مطمعًا تعرّض، وإن أصابَ مطعمًا تأرّض. قولُه: (ولا تَغِثُّ عليهم)، الأساس: أغَثّ فلانٌ في كلامِه؛ إذا تَكَلّمَ بما لا خيرَ فيه، وسمعتُ صبيًّا مِن هُذيلٍ يقول: غثّتْ علينا مكة؛ أي: لمْ نقدِرْ أنْ نعيشَ فيها؛ لقولِهم: اجتوى المكانَ؛ إذا لم يَستمرِئْ طعامَه وشرابَه، وكذلكَ استَوْخَم. قولُه: (وقُرِئَ: ((ويَرى فرعونُ)))، حمزةُ والكسائي: ((ويَرى)) بالياءِ التحتانيِّ مفتوحةً وفتح الراءِ ورفعِ الأسماءِ الثلاثة، والباقونَ: بالنونِ مضمومة وكسرِ الراءِ وفتحِ الياءِ ونصبِ الأسماء.

стр. 6205

ومن الوُقوعِ في يدِ بعضِ العُيونِ المبثوثةِ من قِبَلِ فرعونَ في تطلُّبِ الوِلْدان، وغيرِ ذلك من المَخاوِف. فإن قلتَ: ما الفرقُ بينَ الخوفِ والحُزن؟ قلتُ الخوفُ غَمٌّ يلحَقُ الإنسانَ لِمُتوقَّع. والحُزن: غَمٌّ يلحقهُ لِواقِع؛ وهو فراقُه والإِخطارُ به، فنُهِيَت عنهُما جميعًا، وأُومِنَتْ بالوحِي إليها، ووُعِدَت ما يُسلِّيها ويُطامِنُ قلبَها ويملؤُها غِبطةً وسُرورًا؛ وهو ردُّه إليها وجعلُه من المُرسلِين. ورُويَ: أنّه ذُبِحَ في طلبِ مُوسى ﵇ تسعون ألفَ وليد. ورُوي: أنّها حينَ أقْرَبت وضرَبَها الطَّلْقُ وكانتْ بعضُ القوابلِ المُوكَّلاتِ بحبالي بني إسرائيلَ مُصافِيةً لها، فقالتْ لها: لينفَعني حبُّكِ اليومَ، فعالَجَتها، فلمّا وقعَ إلى الأرضِ هالَها نورٌ بينَ عيْنَيه، وارتعش كُلُّ مَفصِلٍ منها، ودخلَ حبُّه قلبَها، ثمّ قالت: ما جئتكُ إلاّ لأقتُلَ مولودَك وأخبِرَ فرعون، ولكنِّي وَجَدْتُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وهو فِراقُه والإخطارُ به)، نَشْرٌ لِما سَبقَ على غَيرِ الترتيب. وقالَ الإمام: كأنه قيل: ولا تخافي مِن هلاكِه، ولا تحزني بسببِ فِراقِه؛ فإنّا رادُّوه إليكِ لتكوني أنتِ المرضِعةَ له، وجاعلوه مِنَ المرسلينَ إلى أهلِ مصرَ والشام. قالَ أبو رجاءٍ أحمدُ بنُ عبدِ الله: حدثنا أبو الحسينِ عليُّ بنُ الصباحِ قال: سَمِعَ أعرابيٌّ رجلاً يقرأُ ﴿أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ الآية، قالَ للقارئ: أعِدْه؛ فأَعادها، فقال: أشهدُ أنّ هذا كلامُ ربِّ العالمين؛ في آيةٍ واحدةٍ أمرانِ ونهيانِ وخبرانِ وبشارتان: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ خبر، و ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ أمر، ٍ ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ﴾ أمر، ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ نهيان، ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ بشارتان. روي عنِ الأصمعي: كلّمَتِني جاريةٌ أعرابيةٌ فاستَفصحْتُ كلامَها؛ فقالت: أينَ أنتَ مِنْ كلامِ الله: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ كيفَ جَمَعَ بينَ أمرينِ ونهيَيْنِ وبشارتَيْن؟ ! قولُه: (حينَ أقرَبَتْ)، الجوهري: أقْرَبَتِ المرأةُ؛ إذا قَرُبَ ولادُها، وكذلك الفرسُ والشاة؛ فهِيَ مُقْرِب، ولا يُقالُ للناقة.

стр. 6206

لا بنِكِ حُبًّا ما وجَدَتُ مثلَه فاحفظيه، فلمّا خَرَجتْ جاءَ عيونُ فرعون، فلفَّتُه في خِرقةٍ ووضعَتْه في تَنُّورٍ مَسجُور، لم تعلمْ ما تصنعُ لمِا طاشَ من عقلِها، فطلبوا فلم يُلفُوا شيئًا، فخرجوا وهي لا تدري مكانَه، فسمعت بُكاءَه من التَّنُّور، فانطلقت إليه وقد جعلَ الله النّارَ عليه بَرْدًا وسلامًا. فلمّا ألحَّ فرعونُ في طَلَبِ الوِلْدانِ أوحى الله إليها فألقَتْه في اليمِّ. وقد رُوِيَ أنَّها أرضعتْه ثلاثةَ أشهُرٍ في تابُوتٍ من بَرْديٍّ مطليٍّ بالقار من دخِلِه. [﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ ٧] اللاّم في ﴿ليَكُونَ﴾ هي لامُ كيْ؛ الّتي معناها التَّعليل، كقولِك: جئتُك لتُكرِمَني سواءً بسواءٍ ولكنّ معنى التَّعليلِ فيها وارِدٌ على طريقِ المجازِ دُونَ الحقيقة، لأنه لم يكُنْ داعيهم إلى الالتقاطِ لهم عدُوًّا وحَزَنًا، ولكن: المحبةُ والتَّبَنِّي، غيرَ أنّ ذلك لمّا كان نتيجةَ التقاطِهم له وثمرتَه، شُبِّهَ بالدّاعي الّذي يَفعلُ الفاعِلُ الفعلَ لأجلِه، وهو الإكرامُ الذي هو نتيجةُ المجيء، والتّأدّبُ الذي هو ثمرةُ الضَّربِ في قولِك: ضربته ليتأدّب. وتحريره: أنّ هذه اللّامَ حكمُها حُكْمُ الأسد، حيثُ استُعيرتْ لِمَا يُشبِهُ التّعليل، كما يُستعارُ الأسدُ لِمَنْ يُشبِهُ الأسد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (في تابوتٍ مِنْ بَردِيّ)، الجوهري: البَرْدِيُّ بالفتح: نباتٌ معروف، قيل: نبتٌ تُسَدُّ بهِ خَصاصاتُ البُيُوت، والخَصاصةُ بالفتحِ: الخَلَلُ والثّقْبُ الصغير. قولُه: (وتحريرُه: أنّ هذهِ اللامَ حُكمُها حُكمُ الأسد؛ حيثُ استُعيرَتْ لِما يُشبِهُ التعليلَ كما يُستعارُ الأسَدُ لَمِنْ يُشبِهُ الأسد)، وتلخيصُ المعنى: شَبّهَ هذا الترتيبَ الذي ليسَ مطلوبًا بالأوّل الثاني وهُوَ التقاطُهُم لِيكونَ عَدوًّا لَهُم بالترتيبِ الحقيقيِّ وهُوَ أنْ يكونَ الثاني مطلوبًا بالأوّلِ كالإكرامِ بالمجيءِ في قولِك: جئتُكَ لتُكرِمَني، وأدْخَلَ المشبّهَ في جنسِ المشبّهِ به؛ فاستُعيرَ للترتيبِ المشبّهِ ما كانَ مستعمَلاً في الترتيبِ المشبّهِ به، وهُوَ لامُ ((كي)).

стр. 6207

وقُرِئَ: (وحُزْنًا) وهُما لُغَتان: (كالعُدم) و (العَدم) ﴿كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ في كُلِّ شيء، فليس خَطَؤُهم في تربيةِ عدُوِّهم بِبِدْعٍ منهم. أو كانوا مُذنِبِين مُجرِمين، فعاقَبَهُم الله بأن رَبَّى عدُوَّهم ومن هو سببُ هلاكِهم على أيدِيهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقيل: ﴿فَاَلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾، فيكونُ استعارةً مُصرّحةً؛ لأنّ المذكورَ لفظُ المستعارِ منه، كاستعارةِ لفظِ الأسدِ للمِقْدام، وتبعيّةً؛ لأنّ الحروفَ مِنَ الاستعارةِ بمَعْزِل؛ لأنّها لمْ تقعْ موصوفات؛ فالاستعارةُ تقعُ في معانيها ثُمّ تسري مِنَ المعاني إليها، وتهكُّميةً؛ لأنّ لا يفعلُ هذا الفعل. قولُه: (وقُرِئَ: ((وحُزْنًا)))، حمزةُ والكسائي: ((حُزْنًا)) بضمِّ الواوِ وإسكانِ الزاي، والباقون: بفتحِهما. قولُه: (﴿كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ في كلِّ شيء)، يريدُ أنّ قولَه: ﴿فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ الآية تذييلٌ واعتراض؛ بدليلٍ قولهِ: ((فليسَ خطؤهم بِبِدْعٍ منهم)). قولُه: (أو كانوا مُذنِبين)، فعلى الأوّل: ﴿خَاطِئِينَ﴾؛ مِنَ الخطأِ في الرأي، وعلى هذا؛ مِنْ: خَطِئ: أذْنَب. قالَ في ((الأساس)): خاطئينَ: مِن: أخطأَ في المسألةِ أو في الرأي، وخَطِئَ خطأَ عظيماً؛ إذا تعمّدَ الذّنْب. فالجملةُ استئنافٌ لبيانِ الموجب؛ بدليلِ قولِه: ((ومَنْ هُوَ سَبَبُ هلاكِهم))؛ فعلى هذا معنى اللامِ على ظاهرِه، والتقدير: نريدُ أنْ نَمُنّ على بني إسرائيلَ بأنْ قدّرْنا ما قدَّرْنا ودبَّرْنا ما دبّرْنا؛ ليكونَ موسى عدوًّا لهم وحزنًا؛ لأنّهم كانوا خَطّائِين مُجرمِين، ويؤيِّدُه قولُه: ((فعاقبَهم الله بأنْ رَبَّى عدوَّهم ومَنْ هُوَ سَبَبُ هلاكِهم)). وهذا هوَ الوَجْهُ كما سيجيءُ تقريرُه.

стр. 6208

وقُرِئَ: (خاطين)، تخفيفُ خاطِئِين، أو خاطينَ الصَّوابَ إلى الخطأ. [﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ٩] رويَ أنَّهم حينَ التَقطوا التّابوتَ عالجُوا فتْحَة، فلمْ يقدِرُوا عليه، فعالجوا كَسْرَهُ فأعياهُم، فدنتْ آسيةُ فرأت في جَوفِ التّابوتِ نُورًا، فعالجتْهُ ففتحته، فإذا بصَبِيِّ نورُه بينَ عينَيْه وهو يمُصُّ إِبهامَه لبنًا فأحَبُّوه، وكانت لفرعونَ بنتٌ بَرصاء، وقالتْ له الأطباء: لا تبرأُ إلاّ من قِبَلِ البحر، يوجدُ فيه شِبهُ إنسانٍ دواؤُها ريقُه، فلطَّختِ البرصاءُ بَرَصَها بريقِه فَبَرأت. وقيل: لمّا نظرت إلى وجهِه بَرَأت، فقالت: إنّ هذه لنَسمةٌ مباركة، فهذا أحدُ ما عَطَفَهم عليه، فقالَ الغُواةُ من قومِه: هو الصَّبيُّ الذي نحذرُ منه، فَاذَن لنا في قتلِه، فهَمَّ بذلك فقالت آسيةُ ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ فقالَ فرعون: لكِ لا لي. وروي في حديث: ((لو قالَ هوَ قرّةُ عينٍ لي كما هُوَ لَكِ، لهداهُ الله كما هداهَا))، وهذا على سبيلِ الفَرْضِ والتّقدير، أي: لو كانَ غيرَ مطبوعٍ على قلبِه كآسية؛ لقالَ مثلَ قولِها، ولأَسْلَم كما أسلمت، هذا -إن صحَّ الحديثُ- تأويلُه، والله أعلمُ بصحَّتِه. ورُويَ أنَّها قالتْ له: لعلَّه من قومٍ آخرينَ ليسَ من بني إسرائيل. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وقُرِئَ: ((خاطِينَ))) وهيَ شاذّة. وقولُه: ((أو خاطِين الصوابَ)) هُوَ مِنَ الخَطْو: مُجاوَزةِ الصواب. الأساس: ومِنَ المجاز: لنْ يُخطِئَكَ ما كُتِبَ لك، وما أخطأَكَ لمْ يَكُنْ لِيُصيبَك، وما أصابكَ لمْ يَكُنْ ليُخطِئَك، وتخَطّأتْهُ النُّبْل: تجاوَزَتْه. قولُه: (وهذا على سبيلِ الفَرضْ)، أي: هذا الحديث. وقولُه: ((هذا)) مبتدأ، و ((تأويلُه)) الخبر، و ((إنْ صحّ)) معَ جوابِه المقدّر مُعتَرِضة.

стр. 6209

﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾: خبرُ مُبتدأٍ محذوف، ولا يَقْوى أن تجعلَه مُبتدأً و ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ خبرًا، ولو نُصِبَ لكانَ أقوى. وقراءةُ ابنِ مسعودِ ﵁ دليلٌ على أنّه خبر، قرأ: (لا تقتلوه قرّةُ عينٍ لي ولك)، بتقديمِ. ﴿لا تقتلوه﴾. ﴿عَسَى أَن يَنفَعَنَاَ﴾ فإنّ فيه مخايلَ اليُمْنِ ودلائلَ النَّفْعِ لأهلِه، وذلك لِما عايَنَتْ من النُّورِ وارتضاعِ الإبهام وبَرْءِ البرصاءِ، ولعلَّها توسَّمت في سيمائِه النَّجابةَ المؤذِنةَ بكونِه نفّاعًا. أو نتبنّاه، فإنّه أهلٌ للتَّبنِّي، ولِأنْ يكونَ ولدًا لبعضِ المُلوك. فإن قلت: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ حالٌ، فما ذو حالِها؟ قلتُ: ذو حالِها آلُ فرعون. وتقديرُ الكلام: فالتَقَطَهُ آلُ فرعونَ ليكونَ لهم عدُوًّا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ خبرُ مبتدإٍ محذوف)، وقالَ أبو البقاء: أي: هُوَ قُرّةُ عين، و ﴿لِي وَلَكَ﴾ صفتانِ لـ ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾. قولُه: (ولا يَقْوى أنْ تجعلَه مبتدأً و ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ خبرًا)، قالَ الزجّاج: يَقْبُحُ هذا التقدير؛ فيكونُ كأنّه قدْ عَرَفَ أنّه قُرةُ عينٍ له. قولُه: (ولَوْ نُصِبَ لكانَ أقوى)، قالَ الزجّاج: ويجوزُ النصبُ؛ ولكنهُ لمْ يأتِ فيه روايةٌ على معنى: لا تقتلوا قُرّةَ عينٍ لي ولك، لا تقتلوه. كما تقول: زيدًا لا تضرِبْه. قولُه: (توَسّمَتْ) يقال فيه الخير، أي: تفرّسْت، والتوسُّم: التأمُّلُ في وَسْمِ الشيء. قولُه: (النجابة)، الجوهري: رجلٌ نجيبٌ، أي كريمٌ بَيِّنٌ النّجابة. قولُه: (أو نَتَبَنّاه)، تفسيرٌ لقولِه تعالى: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ, وَلَدًا﴾. وقولُه: ((ولأنْ يكونَ ولدًا لبعضِ الملوك)) عطفٌ تفسيريٌّ لقولِه: ((للتبني)). قولُه: (ذو حالِها آلُ فرعون)، قال القاضي: يجوزُ أنْ يكونَ حالاً مِنَ القائلةِ والمقولِ له؛ أي: وهُمْ على الخطأِ في التقاطِهِ وفي طَمَعِ النفعِ منهُ والتبَنِّي له، أو مِنْ أحدِ ضميرَيْ ﴿نَتَّخِذَهُ,﴾ على

стр. 6210

وحَزَنًا، وقالتِ امرأةُ فرعونَ كذا، وهم لا يشعرُونَ أنَّهم على خطأٍ عظيمٍ في التقاطِه ورجاءِ النَّفعِ منه وتبنِّيه. وقولُه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ﴾ الآية: جملةٌ اعتراضيّةٌ بينَ المعطوفِ والمعطوفِ عليه، مُؤَكِّدةٌ لمعنى خطئِهِم. وما أحسنَ نظمَ هذا الكلام عندَ المُرتاضِ بعلمِ محاسنِ النَّظْم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أنّ الضميرَ للناس؛ أي: وهُمْ لا يشعرونَ أنّه لغيرِنا وقد تَبَنّيْناه. قولُه: (وما أحسَنَ [نَظْم] هذا الكلامِ عندَ المُرتاضِ بعلمِ محاسنِ النظم)، وذلكَ أنّ قولَه: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي اَلْأَرْضِ﴾ وقولَه: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ﴾ تفصيلٌ لقولِه: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ على ما سَبق. وما أجمَلَ ثم فَصّلَ وخَصّ بلفظِ الإنباءِ إلا لاشتمالِ هذا المُنبّأِ بهِ لهُ شأنٌ، وليسَ ذلكَ إلا لبيانِ أنّ ما قدّرَه الله كائنٌ لا محالة، وأنّ الحَذَرَ لا يُغنيِ عَنِ القَدَر، وإذا جاءَ القضاءَ عَمِيَ البَصَر؛ فإنّ فرعونَ وقومَه لَمّا قُضِيَ هلاكُهُم على يَدِ الكليمِ ﵇ واجتهدوا في الدفعِ، فَعَلوا ما لا طائلَ تَحتَه بلْ عَكَسُوا؛ حيثُ أُفنِيَ البريءُ مِنْ قَتْلِ الأبناء، ورُبِّيَ مَنْ عليه دمارُه؛ فسُلِبَتْ عقولُهم وأيفت مشاعرُهم؛ فالتقطوه ليكونَ لهم عدوًّا وحزنًا وهُمْ لا يشعرون. فحَسُنَ لذلكَ أنْ يؤكِّدَ بقولِه: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ على التفصيل؛ ليؤذِنَ بأنّ ذلكَ الجَمّ الغفيرَ بعدَ ذلكَ التحذيرِ زَلُّوا عن دَفْعِ التقدير؛ فاللامُ في قولهِ: ﴿ليَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ مُجْرَى على حقيقتِه. وتمامُ تقريرِه أنْ يُقال: إنّا أرَدْنا أنْ نَمُنّ على المستضعَفين، وأنْ نجعَلَهُمُ الوارثين، وأنْ نُرِيَ فرعونَ وهامانَ وجنودَهما ما كانوا يحذَرُون؛ دبّرْنا ما دبّرْنا ﴿أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ﴾، فامتَثَلَتْ أمْرَنا وألقَتْهُ في اليَمّ وألقاهُ اليمُّ بالساحِل؛ فقَضَيْنا على آلِ فرعونَ التقاطَه؛ ليَظْهَرَ مِنْ لطِيفِ تقديرِنا عداوتُهُ وسَبَبُ حُزْنِه، وهُمْ لا يشعرونَ بذلك.

стр. 6211

[﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ١٠ - ١١] ﴿فَارِغًا﴾ صِفرًا من العقل. والمعنى: أنّها حينَ سمعتْ بِوقُوعِه في يدِ فرعونَ طارَ عقلُها لِما دَهِمَها من فَرْطِ الجَزَع والدَّهَش. ونحوُه قولُه تعالى: ﴿وَأَفْدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] أي: جُوَّفٌ لا عُقُول فيها، ومنهُ بيتُ حسّان: ألا أَبْلِغْ أبا سُفْيانَ عَنِّي … فأنت مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَوَاءُ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويؤيِّدُه قولُه تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَاخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ,﴾ [طه: ٣٩]؛ حيثُ جعلَ ﴿يَاخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَّهُ,﴾ جوابًا للأمر، ومسبّبًا عنِ الإلقاء. وقدْ سبقَ قُبَيْلَ هذا في كلامِ المصنَّفِ ما يعضُدُ هذا المعنى، ونبّهْناكَ عليه. فعلى هذا قولُه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ عطفٌ على مُقدّراتٍ شَتّى بحسَبِ ما يقتَضيهِ الحالُ والقِصّة. وأقول: ما أحسَنَ نظْمَ هذا الكلامِ عندَ المرتاضِ بعِلْمِ محاسن النّظم، وما أظْهَرَهُ مِنْ سُلطانٍ على القولِ بالقضاءِ والقَدَر، والمصنفُ لو تنبَّه على هذه الدقيقة لما نبَّهنا عليها، والجملة على ذلك. قولُه: (أي: جُوّفٌ لا عقولَ فيها)، وهوَ جَمْعُ أجْوَف. الأساس: رجلٌ أجوفٌ ومُجَوّف: جَبانٌ لا فؤادَ له، وقومٌ جُوّف. قولُه: (ألا أَبْلِغْ أبا سُفْيانَ) البيت، ((نَخِبٌ)): الأساس: نَخِب: لا فؤادَ له، وقد نُخِبَ قَلْبُه كأنما نُزِعَ؛ مِنْ قولِهم: نَخَبْتُ الشيّءَ وانْتَخَبْتُه: إذا نَزَعْتُه، ومِنهُ الانتِخاب؛ كأنك

стр. 6212

وذلك أنّ القُلوبَ مراكزُ العُقُول. ألا ترى إلى قولِه: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ﴾؟ ويدلُّ عليه قراءةُ مَن قرأ: (فَزِعًا). وقُرِئَ: (قَرِعًا) أي: خاليًا؛ من قولِهم: أعوذُ بالله من صُفْرِ الإناءِ وقَرَعِ الفناء، وفِرْغًا، من قولِهم: دماؤُهم بينَهم فِرْغٌ، أي: هَدْر، يعني: بَطَلَ قلبُها وذهب، وبقِيَتْ لا قلبَ لها من شدّةِ ما ورد عليها ﴿لَتُبْدِي بِهِ﴾ لَتُصْحِرُ به. والضَّميرُ لمُوسى والمرادُ: بأمرِه وقِصَّتِه، وأنَّه وَلَدُها ﴿لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ بإلهامِ الصَّبر، كما يُربَطُ على الشَّيءِ المُنفَلِتِ ليَقِرَّ ويَطمئِنَّ ﴿لِتَكُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ من المُصدِّقين بِوَعْدِ الله، وهو قولُه: ﴿إِنَّا رَأَىدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ ويجوز: وأصبحَ فؤادُها فراغًا من الهمّ، حينَ سمعتْ أنَّ فرعونَ عطفَ عليهِ وتبنّاه إن كادتْ لتُبدي بأنَّهُ ولَدُها؛ لأنّها لم تملكْ نفسَها فرَحًا وسُرورًا بما سمعتْ، لَولا أنّا طمأنَّا قلبَها وسكَّنّا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تَنْتَزِعُه مِنْ بَيْنِ الأشياء. قال: ومِنَ المجاز: قولُهم للجَبان: إنّهُ لَهَواءُ خالي القلبِ مِنَ الجَرْأة ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] والأَصْل: الجَوّ. قولُه: (ويَدُلُّ عليه)، أي: على أنّ معنى ﴿فَارِغًا﴾: فارغًا مِنَ العقل. قولُه: (مَنْ قَرَأَ: ((فَزِعًا)). وقُرِئَ: ((قَرِعًا)))، قالَ ابنُ جِنِّي: الحَسَنُ وابنُ قطيب: (فَزِعًا) بالفاءِ والزاي، ومعناه: قَلِقًا يكادُ يخرجُ مِنْ غِلافِه، فيُكشَفُ؛ منه ﴿حَتَّى إذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣] أي: كُشِّفَ عنها. وقرأ ابنُ عباسٍ: ((قَرِعًا)) بالقافِ والراء، ومعناهُ راجعٌ إلى فارغًا؛ وذلكَ أنّ الرأسَ الأقرعَ وهوَ الخالي عنِ الشعر، وإذا خَلِيَ عن الشعرِ فقدْ انكَشَفَ منه. وعنهُ (فَرَغًا) أي: هَدَرًا وباطلاً. يؤكِّدُ ذلكَ كُلّه: ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾. قولُه: (لَتُصْحِرُ بهِ)، أي: لَتُبدِي به؛ مِنَ البَدْوِ وهوَ البَرِيّة، لا مِنَ البُدُوِّ بمعنى الظهور. الأساس: ومِنَ المجاز: أصْحَرَ بالأمرِ وأصْحَرَه: أظْهَرَه.

стр. 6213

قلقَهُ الذي حدثَ به من شِدّةِ الفرحِ والابتهاج، لِتكونَ من المُؤمنِينَ الواثِقِينَ بوعْدِ الله لا بتَبنِّي فرعونَ وتعطُّفِه. وقرئَ: (مؤسى)، بالهمزِ: جُعِلت الضَّمّةُ في جارةِ الواوِ وهي الميمُ كأنّها فيها، فهُمِزَتْ كما تُهمَزُ واوُ وجوه. و ﴿قُصِّيهِ﴾ اتّبعي أثره وتتّبعي خبَرَه. وقُرِئَ: (فَبَصِرَتْ) بالكسرِ، يُقالُ بَصُرَت به عن جُنُبٍ وعن جُنُبٍ وعن جنابة، بمعنى: عن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (لِيكونَ مِنَ المُؤمِنينَ الواثِقين بوَعدِ الله لا بتَبَنِّي فِرعونَ وتعطُّفِه)، فإنْ قلتَ: ما الفرقُ بينَ هذه العبارةِ وبينَ ما سبقَ مِنَ المؤمنينَ مِنَ المصدِّقِينَ بوَعدِ الله؟ قلتُ: الأوّلُ مبنيٌّ على أنّ ﴿فَارِغًا﴾ بمعنى: فارغًا مِنَ العقلِ مِنَ العقلِ مِن فَرْطِ الجَزَعِ والدّهَش، فالمناسِبُ أنْ يُقال: كادتْ تُظْهِرُ بأَمْرِ مُوسى مِنَ الغَمّ؛ لولا أنّ الله تعالى ألْهَمَها الصّبرَ لِتَقَرّ وتكونَ مِنَ المصدِّقينَ بوَعدِ الله وهُو: ﴿إِنَّا رَأَىدُّوهُ إِلَيْكِ﴾. والثاني مبنيٌّ على أنّ ﴿فَارِغًا﴾ بمعنى: فارغًا مِنَ الهَمِّ والحُزْن -عكسُ الأوّل-، فالمناسبُ أنْ يُقَال: كادتْ تُظْهِرُ بأمْرِ مُوسى مِنَ الفَرَح؛ لولا أنْ رَبَطْنا على قَلْبِها كَرامةً لها؛ ليكونَ فرحُها وابتهاجُها مِنَ الوثوقِ بوَعدِ الله وهُو: أنّهُ حافظُه وَرادُّه إليها، ولا يكونَ فرحُها مِن تَبَنِّي فِرعون؛ فإنّ هذا الفَرَحَ سَخْطةٌ مِنَ الله تعالى؛ فالإيمانُ على المعنى الأوّلِ بمعنى الأوّلِ بمعنى التصديق، وعلى الثاني بمعنى الوثوق. روى المصنِّفُ عن أبي زيد: ما آمنتُ أنْ أَجِدَ صحابة؛ أي: ما وَثِقْتُ، وحقِيقتُه: صِرْتُ ذا أمن؛ أي: ذا سكونٍ وطمَانينة. قولُه: (يُقال: بَصُرَتْ به)، الراغب: البَصَر: يُقالُ للجارِحةِ الناظِرة؛ كقولِه تعالى: ﴿كَلَمْحِ اَلْبَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧]، وللقُوّةِ التي فيها. ويُقالُ لِقوّةِ القلبِ المُدرِكة: بَصِيرةٌ وبَصَر؛ كقولِه تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، ولا يكادُ يُقالُ للجارِحة: بصيرة. ويُقالُ مِنَ الأول: أبْصَرْتُ، ومِنَ الثاني: أبْصَرْتُه وبَصُرْت به. وقلّما يُقال: بَصُرْت في الجارحة، ويقال: رأيته لَمْحًا باصِرًا؛ أي: نظرًا بتحديق. وقولُه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَآ آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] أي: مضيئة، وقولُه: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨]، أي: طالبينَ البصيرة. ويجوزُ أنْ يُستعارَ الاستبصارُ للإبصار، نحوُ استعارةِ الاستجابةِ للإجابة.

стр. 6214

بُعْد. وقرئ: (عن جانب)، (وعن جنب). والجنْبُ: الجانِبُ. يقالُ: قعدَ إلى جنبهِ وإلى جانِبِه، أي: نظرتْ إليهِ مُزْوَرَّةً مُتجانفِةً مُخاتلةً. وهم لا يُحِسُّون بأنَّها أُختُه، وكان اسمُها مريم. [﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ١٢ - ١٣] التَّحريم: استعارةٌ للمَنْعِ؛ لأنَّ من حُرِّمَ عليه الشيءُ فقد مُنِعَه. ألا ترى إلى قولِهم: محظور، وحِجْر، وذلك لأنَّ الله منعَه أن يرضَع ثديًا، فكان لا يَقْبَلُ ثَدْيَ مُرضِعٍ قطّ، حتى أهمَّهم ذلك. والمراضع: جمعُ مُرضِع، وهي المرأةُ التي تُرضِع. أو جمعُ مَرْضَع، وهو موضِعُ الرَّضاعِ يعني: الثَّديَ، أو الرَّضاعُ. ﴿مِن قَبْلُ﴾ من قبلِ قَصَصِها أثرَه. رُوِيَ أنّها لمّا قالت: ﴿وَهُمْ لَهُ, نَاصِحُونَ﴾ قال هامان: إِنها لتَعْرِفُه وتعرفُ أهلَه، فقالتْ: إنّما أردتُ: وهُم للملِكِ ناصحون. والنُّصْح: إخلاصُ العملِ من شائِبِ الفساد، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (مخاتلة)، الجوهري: خَتَلَه وخاتَلَه؛ إذا خادَعَه، التخاتُل: التخادُع. قولُه: (قالَ هامان: إنها لَتعرِفُه وتعرِفُ أهلَه، فقالت: إنما أَرَدْت: وهُم للمَلِكِ ناصحون)، الانتصاف: فخَلُصَتْ بهذهِ الكلمةِ مِنَ التهمةِ وأحسَنَت، وليسَ بِبِدْع؛ لأنها مِنْ بيتِ النُّبوّةِ وأختُ النبي؛ فحقيقٌ بها ذلك. قالَ صاحبُ ((الإنصاف)): ما ذكرَه الزمخشريُّ وصاحبُ ((الانتصاف)) بعيد؛ لأنّ اللغةَ التي كانتْ تتكلمُ بها أختُ موسى غيرُ هذهِ اللغة؛ فالألفاظُ المتلُوّةُ في القرآنِ عبارةٌ عن معنى الألفاظِ التي قالتها، وهذا الاحتمالُ إنما نشأَ مِنْ تركيبِ الألفاظِ العربيةِ واحتمالِ الضميرِ للأمرَيْنِ فيها؛ فلا يَلزَمُ أنْ يكونَ لفظُها في لغتِها للأمرَيْن.

стр. 6215

فانطلقَت إلى أُمِّها بأمرهم، فجاءتْ بها والصَّبيُّ على يدِ فرعونَ يُعلله شفقةً عليه وهو يبكي يطلُبُ الرَّضاعَ، فحينَ وجَدَ رِيحَها استأنَسَ والْتَقَم ثديَها، فقال لها فرعون: ومن أنتِ منه فقد أبي كُلَّ ثَدْيٍ إلاّ ثديَك؟ قالت: إنِّي امرأةٌ طيِّبةُ الرِّيحِ طيِّيةُ اللَّبَن، لا أُوتي بصبِيٍّ إلاّ قَبِلَني، فدَفَعَه إليها وأجرى عليها، وذهبتْ به إلى بيتِها، وأنجزَ الله وعدَه في الرَّدّ، فعندَها ثَبَتَ واستقرَّ في علمِها أن سيكونُ نبيًّا، وذلك قولُه: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ يريدُ: وليثُبتُ علمُها ويتمكّنَ. فإن قلتَ: كيف حلّ لها أنْ تأخُذَ الأجرَ على إرضاعِ ولدِها؟ قلتُ: ما كانت تأخُذُه على أنّه أجرٌ على الرَّضاعِ، ولكنّه مالٌ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلتُ: هذا الأسلوبُ مِنَ الكلام الموجّهِ أو الإيهام وأيُّ بُعْدٍ في وقوعِ نحوِهِ في لغةٍ أخرى لا سِيّما في الضمير، وقد روى مُحيي السُّنةِ عنِ ابنِ جُرَيحٍ والسُّنةِ عنِ ابنِ جُرَيجٍ والسُّدِّيِّ نحوَه. قولُه: (يُعلله شفقةً)، الجوهري: علله بالشيء: لهاهُ به؛ كما يُعلّلُ الصبيُّ بشيءٍ مِنَ الطعامِ يتجزّأُ بهِ عنِ اللّبن. قولُه: (واستقرّ في علمِها أنْ سيكونُ نبيًّا)، وذلكَ أنّه تعالى وعَدَها بخَصلَتَيْنِ في قولِه: ﴿إِنَّا رَأَىدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ فعِندَما أَنجَرَ الوعدَ بإحدى الخَصْلَتَيْنِ حقّقَتْ أنّ الأخرى ستكون؛ فكانَ الردُّ علةً لتحقيقِ حُصولِ الرسالة؛ ولهذا قال: إنّ الرّدّ إنما كانَ لهذا الغرضِ الدينيِّ وهُو عِلمُها بصدقِ وعدِ الله. قولُه: (ما كانتْ تأخذُه على أنّه أجرٌ على الرضاع)، مذهبُ الشافعيِّ ﵀: جوازُ أخذِ الوالِدةِ مِنَ المولودِ لهُ أُجْرةَ الرضاع، وأبو حنيفة ﵀ لا يجوِّزُه؛ فورودُ السؤالِ على مذهبِه.

стр. 6216

حربيٌّ كانت تأخذُه على وجهِ الاستباحة. وقولُه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ داخلٌ تحتَ علمِها. المعنى: لنتعلمَ أنَّ وعدَ الله حقٌّ، ولكنّ أكثرَ النّاس لا يعلمون أنّه حقٌّ فيرتابون. ويُشْبِهُ التَّعريضَ بما فَرَطَ منها حينَ سمِعَتْ بخبرِ مُوسى، فَجزِعَتْ وأصبحَ فؤادُها فارغًا. يُروى أنّها حينَ ألقتِ التّابُوتَ في اليمِّ جاءَها الشَّيطان فقال لها: يا أُمَّ مُوسى، كرهتِ أن يَقْتُلَ فرعُون موسى فتُؤجَري، ثمَّ ذهبتِ فتولَّيتِ قتلَه؟ فلمّا أتاها الخبرُ بأنّ فرعونَ أصابَه قالتْ: وقَعَ في يدِ العَدُوِّ، فنسِيَتْ وعدَ الله. ويجوزُ أن يتعلَّقَ ﴿وَلَكِنَّ﴾ بقولِه: ﴿وَلِتَعْلَمَ﴾ ومعناهُ: أنَّ الرَّدَّ إنّما كانَ لهذا الغرضِ الدِّينيّ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (ويُشبِهُ التعريض)، أي بِأُمِّ موسى؛ يعني: قولُه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ اَلْنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ تنبيهٌ لها على أنّ ما دَهَمَها مِنْ فَرْطِ الجَزَعِ والدّهَشِ في أَوّلِ الأَمرِ كانَ من قِلّةِ العِلم، والجَهلِ بتدبيرِ الله؛ كما أنّ قولَه تعالى: ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ اَلْمُرْسَلُونَ*إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنَا بَعْدَ سُوءِ﴾ [النمل: ١٠، ١١] كانَ تعريضًا بموسى مِن وَكْزةِ القِبْطيِّ وقولِه فيه: ﴿إنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [القصص: ١٦]. قولُه: (ويجوزُ أنْ يتعلّقَ ﴿وَلَكِنَّ﴾ بقولِه: ﴿وَلِتَعْلَمَ﴾، أي: يختصُّ بهِ دونَ المعطوفَيْن -يعني: ﴿تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ - بشهادةِ إعادةِ حرفِ التعليل، وكانَ مُستغنًى عنهُ بالعاطِف؛ فدلّ ذلكَ على شِدّةِ العنايةِ به، وأنّهُ الغَرَضُ الأصلي؛ فاختصّ لذلكَ بهِ لأنّهُ لا يُستدرَكُ بذلك إلا في أمرٍ يَعزُّ الوصولُ إليه، ولأنّ كلّ أحدٍ يعلمُ ضرورةً أنّ فَرَحَ الثّكْلى وذَهابَ حُزْنِها إنما يكونُ بوِجْدانِ مَفْقودِها؛ ولكنْ لا يعرِفُ أنّ الردّ لصدقِ الوعدِ إلا الواقِفونَ على أسرارِ الله تعالى ودقائقِ حكمتِه؛ فعلى هذا جملةُ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا

стр. 6217

وهو عِلْمُها بصدْقِ وعدِ الله. ولكنَّ الأكثرَ لا يعلمونَ بأنّ هذا هو الغرضُ الأصليُّ الذي ما سِوَاهُ تَبعٌ له من قُرّةِ العَيْنِ وذهابِ الحُزن. [﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ١٤] ﴿وَاسْتَوَى﴾ واعتدل وتمّ استحكامُه، وبلَغَ المَبلَغَ الذي لا يُزادُ عليه، كما قال لقيط: واستَحمِلوا أمرَكُم لله دَرُّكُمُو … سوء المرِيرَة لا قَحْمًا ولا ضَرَعَا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يَعْلَمُونَ﴾ معطوفةٌ على جملةِ العلةِ والمعلول، وعلى الأوّلِ عطفٌ على ما سدّ مَسدّ المفعولَيْنِ لِقولِه: ﴿وَلِتَعْلَمَ﴾. قولُه: (وبَلَغَ المبْلَغَ الذي لا يُزادُ عليه)، وعنْ بعضِهم: وفي الحديث: ((إذا بَلَغَ العَبْدُ أربِعينَ سنة؛ فقدْ أعذَرَ الله إليه))، قالت الحكماء: هي التي على العاقلِ اللبيبِ إذا شارَفَها أن يَسْتَوِي وعلى الأديبِ الأريبِ إذا أناخَ عليها أن يَرْعَوِي. قولُه: (واستَحْمِلوا أمرَكُم) البيت، استحملتُه: سألتُه أنْ يحُمِّلَني أمرَكم؛ أي: أمرَ الخلافة. لله دَرُّكُم أي: خيرُكُم وصالحُ عَمَلِكُم؛ لأنّ الدرّ أفضلُ ما يُحتَلَب، وإذا ذَمُّوا قالُوا: لادَرّ الله دَرّه؛ أي: لا كَثّرَ خيرَهُ ولا زَكّى عَمَلَه. والشّزَرُ مِنَ الفَتْل: ما كانَ إلى فوق، خلافُ دورِ المِغْزَل؛ يُقال: حَبْلٌ مَشْزُور؛ أي: شَديدُ الفَتْل. والمرِيرة: العزِيمة، أو مِنْ المِرّةِ، وهي القُوّة، والمريرُ مِنَ الجِبال: ما لَطُفَ وطالَ واشتَدّ، ورجلٌ ذو مِرّة: إذا كانَ سليمَ الأعضاءِ صحيحًا. وشيخٌ قَحْم: هَرِم، مثلُ: قَحْل. والضَّرَع -بفتحتين-: الضعيف. يقول: قلِّدُوا أَمْرَ الخلافةِ رجلاً قادراً قويًّا غيرَ الهَرِم والضعِيفِ الذي لا رأيَ له، لا قَحْمًا ولا ضَرَعًا؛ كقولِه تعالى: ﴿لاَّ فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨].

стр. 6218

وذلك أربعونَ سنةً، ويُروى: أنّه لم يُبعثْ نبيٌّ إلاّ على رأسِ أربَعِينَ سنةً. العلم: التَّوراة. والحُكْم: السُّنّة. وحكمةُ الأنبياء: سُنَّتهُم. قالَ الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَايُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَاَلْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] وقيل: معناهُ آتيناهُ سيرةَ الحُكماءِ العُلَماءِ وسَمْتَهُم قبلَ البَعْث، فكانَ لا يفعلُ فِعلاً يستَجْهِلُ فيه. [﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ* قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ*قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ١٥ - ١٧] المدينةُ: مصرُ. وقيل: مدينةُ مَنْفَ من أرضِ مصر. وحينُ غَفْلَتِهم: ما بينَ العِشاءَيْن. وقيل: وقتُ القائِلة. وقيل: يومُ عيدٍ لهم هم مُشتغِلُون فيه بلَهْوِهم. وقيل: لما شبَّ وعَقَل أخذَ يتكلَّمُ بالحقِّ وينْكِرُ عليهم، فأخافوه، فلا يدخلُ قريةً إلاّ على تَغَفُّلٍ. وقرأ سيبويهِ: (فاستعانَهُ). ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾ ممّن شايَعَهُ على دينهِ من بَني إسرائيل. وقيل: هو السّامِرِيّ ﴿مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من مُخالِفِيه من القِبْط، وهو فاتون، وكان يتسخَّرُ الإسرائيليَّ لحَمل الحطبِ إلى مَطبخِ فرعون. و (الوكز): الدّفعُ بأطرافِ الأصابع. وقيل: بجَمع الكفّ، وقرأ ابن مسعود: (فَلَكَزَهُ) باللاّم. ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ فقتله. فإن قلتَ: لم جُعِلَ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (مدينةُ مَنْفَ)، مُنِعَ الصّرْف؛ لاجتماعِ التأنيثِ والعَلَميّةِ والعُجْعة، كماه وجور في اسمِ بلدَتَيْن. قولُه: (وَقْتُ القائلة)، أي: الظّهيرة، وقد يكونُ بمعنى القيلولة؛ وهيَ النومُ في الظّهيرة. قولُه: (فلَكَزه)، الجوهري: اللّكْزُ: الضّرْبُ بالجُمْعِ على الصّدْر، وقيل: على جميعِ الجسد. قولُه: (﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ فقتله)، الأساس: وقضى المريضُ نَحْبَه، قَضى عليه بضَرْبِه قضاه، وأَتَتْ عليه القاضِيةُ أي: المَنِيّة.

стр. 6219

قتلُ الكافرِ من عَمَلِ الشّيطانِ، وسمّاه ظُلمًا لنفسِه واستُغْفِرَ منه؟ قلتُ: لأنّه قَتلَهُ قبلَ أن يؤذَنَ له في القتلِ، فكان ذَنَبًا يُستَغفَرُ منه. عن ابن جُرَيج: ((ليس لنبيٍّ أن يَقتُلَ؛ ما لم يؤمرْ)). ﴿بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ يجوزُ أن يكونَ قَسَمًا جوابُه محذوفٌ، تقديرُه: أُقسِمُ بإنعامِكَ عليَّ بالمَغفِرةِ لأَتُوبنَّ؛ ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾، وأن يكونَ استعطافًا، كأنَّه قال: ربِّ اعصمني بحقِّ ما أنعمتَ عليَّ من المغفرةِ، فلن أكُونَ، إن عصمتَني، ظهيرًا للمُجرِمِين. وأراد بمُظاهرةِ المُجرِمِين: إمّا صُحبةَ فرعونَ وانتظامَه في جُملتِه، وتكثيرَهُ سوادَهُ؛ حيثُ كان يَركبُ برُكُوبِه؛ كالوَلَدِ مع الوالد، وكان يُسمّى ابنَ فرعون. وإمّا مُظاهرةَ مَنْ أدّتْ مُظاهرتُه إلى الجُرمِ والإثمِ، كمُظاهرةِ الإسرائيليِّ المُؤديةِ إلى القتلِ الّذي لم يَحِلَّ له. وعن ابنِ عباسٍ: لم يَسْتَثنِ فابُتليَ به مرّةً أُخرى. يعني: لم يقل: ﴿فَلَنْ أَكُونَ﴾ إن شاءَ الله. وهذا نحوُ قولِه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوَا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وأنْ يكونَ استعطافًا)، قالَ ابنُ الحاجِب: القَسَمُ جملةٌ إنشائيّةٌ يُؤكّدُ بها جملةٌ أخرى؛ فإنْ كانتْ خبريّةً فهُوَ القَسَمُ لغيرِ الاستعطاف، وإنْ كانتْ طلبيةً فهُوَ للاستعطاف. وقلتُ: الاستعطافُ يُستفادُ مِنَ اللفظِ الذي يُشعِرُنا بالعَطْفِ والحُنُوّ؛ فكأنّ الداعي يستعطفُ المدعُوّ بنعمةِ المغفِرة، ويجعلُها وسيلةً لطلبِ العِصْمة، وقدْ لَمحَ إليهِ في أولِ ((النساء)). ومما يدلُّ على أنّ الاستعطافَ ليسَ بقَسَمٍ أنّ المصنِّفَ جعلَهُ هاهنا قَسيمًا للقَسَم؛ لأنّ القائلَ إذا قال: تالله لأفعلَنّ كذا؛ انعَقَدَ اليمين، ولو قال: تاالله أفعَلُ كذا؛ لا يَنعِقد اليمين. وعلى الوجهِ الثالثِ- وهُوَ قولُه: ((بما أنعمتَ علىّ مِنَ القُوّة)) -: الباءُ سَبَبِيّة؛ فحينئذٍ لا يكونُ قَسَمًا، ولا استعطافًا؛ فالمعنى: بسببِ ما أنعمتَ عليّ مِنَ القُوّة؛ أشكُرُك، فلنْ أستعملَ القُوّةَ إلا في مُظاهَرةِ أوليائك. قالَ في قولِه تعالى: ﴿رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ [الحجر: ٣٩]: ((ويجوزُ أنْ لا يكونَ قَسَمًا، ويكونَ المعنى: بسببِ تَسْبيبِكَ لإغوائي أُقسِمُ لأفعلَنّ)).

стр. 6220

وعن عطاءٍ ﵀: أنَّ رجُلاً قال له: إنّ أخي يَضرِبُ بقَلَمِه ولا يعدُو رِزقَه. قال: فَمَن الرّأسُ؟ يعني: مَن يكتُبُ له؟ قال: خالدُ بنُ خالدُ بنُ عبدِ الله القَسْريّ. قال: فأينَ قولُ موسى؟ وتلا هذه الآيةَ. وفي الحديثِ: ((ينادي منادٍ يومَ القيامة: أينَ الظَّلَمَةُ وأشباهُ الظَّلَمةِ وأعوانُ الظَّلَمة؟ حتّى من لاقَ لهم دَواةً أو بَرى لهم قلمًا، فيُجمعونَ في تابوتٍ من حديدٍ فيُرمى به في جهنّم)). وقيل معناه: بما أنعمتَ عليَّ من القُوّة، فلن أستَعْمِلَها إلاّ في مُظاهرةِ أوليائِك وأهلِ طاعتِكَ والإيمانِ بك، ولا أدعُ قِبْطِيًّا يَغْلِبُ أحدًا من بني إسرائيل. [﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ*فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ ١٨ - ١٩] ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ المكروهَ وهو الاستقادةُ منه، أو الأخبار وما يُقال فيه، ووَصَفَ الإسرائيليَّ بالغَيِّ؛ لأنّه كان سببَ قتلِ رجل، وهو يقاتِلُ آخَر. وقرئ: (يَبْطُش)، بالضَّمّ. والذي هو عدوٌّ لهما: القِبْطِيّ؛ لأنّه ليسَ على دينِهِما، ولأنّ القِبْطَ كانوا أعداءَ بني إسرائيل. والجبّارُ: الذي يفعلُ ما يريدُ من الضَّرْبِ والقَتلِ بظلم، لا ينظُرُ في العواقبِ، ولا يدفَعُ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (لا يعدو رزقَه)، أي: لا يتجاوزُ عما عُيِّنَ لهُ مِنَ الرزق، أي: الأُجْرةِ على عَمَلِه. قولُه: (مَنْ لاقَ لهُمْ دَواة)، الجوهري: لاقَتِ الدواةُ تليق؛ أي: لَصِقَتْ، ولِقْتُها أنا؛ يتعدّى ولا يتعدّى، وهيَ مَلِيقة: إذا أَصلَحْتَ مِدادَها. الأساس: لِقْتُ الدّواة، وأَلَقْتُها؛ فلاقَت، وهذهِ لِيقةُ الدّواة؛ أي: بعضُ أخلاطِها. قولُه: (والجَبّارُ: الذي يفعلُ ما يُريد)، الراغب: والجَبّارُ في صِفةِ الإنسان: مَنْ يَجْبُرُ نَقِيصتَهُ بادِّعاءِ مَنزِلةٍ مِنَ التعالي لا يَستَحِقُّها، وهذا لا يُقالُ إلا على طريقِ الذّمِّ؛ كقولهِ تعالى: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥]، ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢]. وأمّا

стр. 6221

بالّتي هي أحسن: وقيل: المُتعظِّمُ الذي لا يتواضعُ لأمرِ الله، ولمّا قالَ هذا أفشى على مُوسى؛ فانتشرَ الحديثُ في المدينةِ، ورَقَى إلى فرعونَ، وهمُّوا بقتلِه. [﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَاتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ ٢٠] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في وَصْفِهِ تعالى فقدْ قِيل: سُمِّيَ بذلكَ مِنْ: جَبَرْتُ الفقير؛ لأنّهُ تعالى هُوَ الذي يَجْبُرُ الناسَ بفائِضِ نِعَمِه، وقيل: لأنهُ يَجْبُرُ الناسَ أي: يَقْهَرُهم على ما يريد. ودفَعَهُ بعضُ أهلِ اللغةِ منْ حيثُ اللفظ؛ لأنّ ((فعّالاً)) لا يُبْنى مِنْ: أفْعَلْت؛ فأُجِيبَ بأنّ ذلكَ مِنْ لفظِ الجَبْرِ المرويِّ في قولِهم: لا جَبْرَ ولا تَفْويضَ، لا مِنَ الإجبار. وأنكَرَ ذلكَ جماعةٌ مِنَ المُعتزِلةِ مِن حيثُ المعنى؛ فقالوا: يتعالى الله عنْ ذلكَ، وليسَ بمُنكَر؛ فإنهُ تعالى قد أَجْبَرَ الناسَ على أشياءَ لا انفكاكَ لهُمْ مِنها حَسْبَ ما تقتضِيهِ حكمتُهُ لا على ما تتوهّمُهُ الغُواةُ والجَهَلة؛ وذلكَ كإكراهِهِمْ على المَرَضِ والمَوْتِ والبَعْثِ، وسخّرَ كلاَّ منهمْ لصناعةٍ مِن الأخلاق، وجعلَهُ مُجْبَرًا في صُورةِ مُخَيّر؛ قالَ تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي اَلْحَيَواةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢]. وقد رُوِي عن عليٍّ ﵁: يا بارئَ المسموكاتِ وجبّارَ القلوبِ على فِطْرتِها شَقيِّها وسعيدِها. وأصلُ الجَبْر: إصلاحُ الشيءِ بضربٍ مِنَ القَهْر؛ يُقال: جَبَرتُه فانْجَبَر، وقدْ يُقالُ تارةً في الإصلاح المجَرّد؛ كقولِ القائل: يا جابِرَ كلِّ كسير، ومُسَهِّلَ كلِّ عسير، وتارةً في القهرِ المجرّدِ كقولِه: لا جَبْرَ ولا تَفْوِيض. قولُه: (ورقى إلى فرعون)، الجوهري: رقى عليه كلامًا يَرْقِيه: إذا رَفَع، وفي استعمالِه بـ ((إلى)) تضمينُ معنى الانتهاء.

стр. 6222

قيل: الرَّجُل: مؤمنُ آل فرعون، وكان ابنَ عمِّ فرعون، و ﴿يَسْعَى﴾ يجوزُ ارتفاعُه؛ وصفًا لرجُل، وانتصابُه حالاً عنه؛ لأنّه قد تخصّص بأن وُصِفَ بقولِه: ﴿مِنْ أَقْصَا اَلْمَدِينَةِ﴾، وإذا جُعِلَ صلةً لـ ((جاء))، لم يَجُزْ في ﴿يَسْعَى﴾ إلاّ الوصف. والائتمار: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وإذا جُعِلَ- أي: ﴿مِنْ أَقْصَا اَلْمَدِينَةِ﴾ - صلةَ ((جاء)) لم يَجُزْ في ﴿يَسْعَى﴾ إلا الوَصْفُ)، لأنّ ذا الحالِ نكرةٌ صِرْفة. كأنّ ميلَ صاحِبِ ((المفتاح)) إلى هذا الوجه؛ حيثُ قال: ذَكَرَ المجرورَ بعدَ الفاعِلِ وهوَ مَوضِعُه، وفي ((يس)) قَدّمَه لِكونِهِ أَهَمّ؛ لأنّ الكلامَ هناكَ في سوءِ مُعامَلةِ أصحابِ القريةِ للرُّسُل، وكانَ لأنْ يجيلَ السامعُ في فكرِه: أكانتْ تلكَ القريةُ بحافّاتِها كَذلك، أَمْ كانَ هناكَ قَطْرٌ مُنبِتُ خَيْر؟ فانتَظَرَ مَساقَ حديثِهِ فَقَدّمَ لهذا العارضِ بخلافِه هاهنا؛ فإنّ المترتِّبَ إخبارُ مُخبِر، كما قالَ المصنِّفُ في قولِه تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي اَلْمَدِينَةِ خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ﴾: ((أي: الإخبارَ وما يُقالُ فيه)). بَقِيَ أنْ يُقال: لِمَ قَدّمَ المجرورَ على الوصفِ ومرتبتُه التأخير؟ والأظهرُ أنّ المجرورَ صلةُ ﴿يَسْعَى﴾، والجملةُ وصفٌ لـ ﴿رَجُلٌ﴾؛ لأنّ موسى ﵇ كانَ مختفيًا في بعضِ أقطارِ المدينةِ وأكنافِها، مترقِّبَا لمُخبِرٍ يُخبِرُه، والرجلُ كانَ مؤمنًا مُعتَنِيًا بشأنِ نبيِّ الله؛ فحينَ أطرقَ سمعَه مؤامرةُ القومِ سعي مِن عندِهم إليهِ انتهازًا للفرصة؛ ومِن ثَمّ أتْبعَه بقولِه: ﴿إِنّيِ لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ أي: مِنَ الذينَ لهُمْ مساهَمةٌ في النُّصح لك. وأكّدَه بأنّ قولَه: ﴿لَكَ﴾ بيانٌ وليسَ بِصِلةٍ للناصحِين؛ أي جوابٌ لِمَنْ يقولَ: لِمَنْ ينصَح؟ كقولِه تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ اَلْزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠].قالَ الزجّاج: ﴿لَكَ﴾ ليسَ مِن صِلةِ ﴿اَلْنَّاصِحِينَ﴾؛ لأنّ الصِّلةَ لا تتقدّمُ على الموصول، كأنّه قال: إني مِنَ الناصحِينَ ينصحونَ لك، وفي الكلام: ((نَصَحْتُ لكَ)) أكثرُ مِنْ نَصَحْتُك.

стр. 6223

التَّشاور. يقالُ: الرَّجُلانِ يتآمرانِ ويأتَمِران؛ لأنّ كُلَّ واحدٍ منهما يأمرُ صاحبَه بشيءٍ، أو يُشيرُ عليه بأمرٍ. والمعنى: يتشاوَرُون بسبَبِك. ﴿لَكَ﴾ بيان، وليس بصلةِ النّاصحين. [﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٢١] ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ التَعرُّضَ له في الطّريق، أو أن يُلْحَقَ. [﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ٢٢] ﴿تِلْقَآءَ مَدْيَنَ﴾ قَصْدَها ونَحْوَها. ومَدْيَن: قريةُ شعيبٍ ﵇، سُمِّيتْ بمَدْيَنَ بنِ إبراهيم، ولم تكنْ في سُلطانِ فرعون، وبينها وبينَ مصرَ مسيرةُ ثمانٍ، وكان مُوسى صلى الله عليه لا يعرفُ إليها الطَّريقَ. قال ابنُ عباسٍ: خرجَ وليسَ لهُ علمٌ بالطريقِ إلاّ حُسنُ ظنِّه بربِّه. ﴿سَوَآءُ اَلْسَّبِيلِ﴾ وسطُه ومُعظَمُ نهْجِه. وقيل: خَرَجَ حافيًا لا يعيشُ إلا بورَقِ الشَّجَر، فما وصلَ حتّى سقَطَ خُفُّ قَدَمِه. وقيل: جاءَهُ مَلَكٌ على فرسٍ بيدهِ عَنَزةٌ، فانطلقَ بهِ إلى مَدْيَن. [﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وليسَ لهُ عِلمٌ بالطريقِ إلا حُسنُ ظنِّهِ بربِّه)، هذا الاستثناءُ نحو: ﴿لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ*إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبِ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]. قولُه: (عَنَزَة)، النهاية: العنَزَةُ: مِثلُ نِصفِ الرُّمحِ أو أكبرَ، وفيها سِنانٌ مِثلُ سِنانِ الرُّمح.

стр. 6224

عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ *قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ ٢٣ - ٢٨] ﴿مَآءَ مَدْيَنَ﴾ ماؤهم الذي يستَقُونَ منه، وكان بئرًا فيما روي. ووُرودُه: مجيئُه والوصولُ إليه. ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ﴾: وجد فوقَ شفيرِه ومُستَقاهُ، ﴿أُمَّةً﴾: جماعةً كثيفةَ العدد، ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ من أُناسٍ مختَلِفِين، ﴿مِن دُونِهِمُ﴾ في مكانٍ أسفلَ من مكانِهِم. والذَّودُ: الطَّرْدُ والدَّفعُ، وإنّما كانتا تذودان؛ لأنَّ على الماءِ مَن هو أقوى منهُما؛ فلا تتمكنان من السَّقْي. وقيل: كانتا تَكْرهانِ المُزاحمةَ على الماء. وقيل: لئلاّ تختَلِطَ أغنامُهُما بأغنامِهِم. وقيل: تذودانِ عن وُجوهِهِما نظرَ النّاظِرِ لِتَستُّرِهِما. ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾: ما شأنُكُما؟ وحقيقتُه: ما مخطوبُكما؟ أي: مطلوبُكما من الذِّياد، فسمّى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (﴿أُمَّةً﴾ جماعةً كثيفةَ العددِ ﴿مِّنَ اَلْنَّاسِ﴾ مِنْ أُناسٍ مختلفِين)، أما تقييدُها بالكثيفة؛ فمِنْ تخصيص ذكرِ ((الأمة)). النّهاية: يُقالُ لكلِّ جيلٍ مِنَ الناسِ والحيوان: أمة. وفي الحديث: ((لولا أنّ الكلابَ أمّةٌ تُسَبِّحُ لأَمَرْتُ بقتلِها)). الراغب: الأمة: جماعةٌ يجمَعُهم أمرٌ ما؛ إما دينٌ واحد، أو زمانٌ واحد، أو مكانٌ واحد؛ سواء كانَ الأمرُ تسخيرًا أو اختيارًا. وأما معنى ((أناسٍ مختلفِين))؛ فمِنَ التعريفِ في ((الناسِ))، وهو ما تعورِفَ واشتُهِرَ أنّ مَنْ يجتمِعَ حوالَيْ شَفِيرِ البئرِ لأجلِ الاستقاءِ مِنهم. وقريبٌ منهُ قولُه تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠، والأعراف: ١٦٠]. قولُه: (ما مخطوبُكما؟ )، أي: ما مطلوبُكما؟ مِنْ قولِهم: خَطَبْتُ المرأةَ خِطْبة؛ أي: طَلَبْتَ

стр. 6225

المخطوبَ خطبًا، كما سمَّي المَشئُونَ شأنًا في قولِك: ما شأنُك؟ يقال: شَأَنْتُ شأنَه، أي: قَصَدْتُ قَصْدَه. وقرئ: (لا نُسقي) و ﴿يُصْدِرَ﴾ و (الرُّعاء)، بضمِّ النونِ والياءِ والرّاء. والرِّعاءُ: اسمُ جمعٍ كالرُّخال والثّناء. وأما ﴿اَلْرِّعَاءُ﴾ بالكسْرِ فقِياس، كصِيامٍ وقيامٍ. ﴿كَبِيرٌ﴾ كبيرُ السِّنّ. ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ فسقى غَنَمَهُما لأجْلِهِما. ورُويَ أنَّ الرُّعاةَ كانوا يضعونَ على رأسِ البئرِ حجرًا لا يُقِلُّه إلاّ سبعةُ رجال. وقيل: عَشَرَة. وقيل: أربَعُون. وقيل: مئة، فأقلَّه وَحْدَه. ورُوِيَ أنّه سألَهُم دَلوًا من ماءٍ فأعطَوه دَلوَهُم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تَزَوُّجَها. الأساس: ومِنَ المجاز: فلانٌ يخطُبُ عَمَلَ كذا؛ يطلُبُه، وما خَطْبُك؟ وما شأنُكَ الذي تخطُبُه؟ قولُه: (وقُرِئَ: ((لَا نُسْقي)) و ﴿يُصْدِرَ﴾)، المشهورة: ﴿لَا نَسْقِي﴾ بفتحِ النون، و ((يَصدُر)) بفتحِ الياءِ وضمَّ الدال: ابنُ عامرٍ وأبو عمرو، والباقون: بضمِّ الياءِ وكسرِ الدال. وسألَ بعضُهم عنِ الفرقِ بينَ يصدر بفتحِ الياءِ وضمِّها مِن حيثُ المعنى، وأُجيبَ: أنّ الأولَ دلّ على فرطِ حيائِهِما وتفادِيهِما مِنَ الاختلاطِ بالأجانب، وأنّ الثاني دلّ على إصدارِهِمُ المواشي، ولَمْ يُفْهَمْ مِنهُ صدورُهُم عنِ الماءِ. قولُه: (كالرُّخال)، الجوهري: الرّخِلُ بكسرِ الخاء: الأنثى مِن أولادِ الضأن، والجمع: رخال. والثنا: جمعُ الثني؛ وهوَ الذي يُلقي ثنيّتَهُ مِن ذواتِ الظّلْفِ والحافِرِ في السنةِ الثالثة، وفي الخُفَّ في السنةِ السادسة. قال الحريريُّ في ((دُرّةِ الغَوّاص)): وقدْ جُمِعَ ((رَخِل)) بفتحِ الراءِ وكسرِ الخاءِ على ((رُخال)) بضمِّ الراء، وهوَ مِما جُمِعَ على غيرِ القياس. حُكِيَ أنّ أبا زيدٍ حَكى أنّ العَرَبَ تقولُ في مُلَحِها: قِيلَ للضَّان: ما أعْدَدْتِ للشِّتاء؟ قال: أُجَزُّ جُفالاً، وأُنْتِجُ رُخالاً، وأُحْلَبُ كُثَبًا ثِقالاً، ولنْ تَرى مِثلي مالاً. وفُسِّرَ أنّ الجُفال: الكثير، والكُثَب: جَمْعُ كُثْبة؛ وهِيَ ما انصَبّ ومار، ومِنهُ سُمِّيَ الكثيبُ مِنَ الرّمل. قولُه: (لا يُقِلُّهُ)، النِّهاية: يقال: أَقَلَّ الشيءَ يُقِلُّهُ واستقلّهُ يستقلُّه؛ إذا رَفَعَهُ وحَمَلَه.

стр. 6226

وقالوا: استقِ بها، وكانتْ لا ينزِعُها إلاّ أربعون، فاستقى بها وصبَّها في الحوضِ ودعا بالبَرَكة، وروّى عنهما وأصدَرَهما. ورُويَ أنّه دفَعَهُم عنِ الماءِ حتّى سقي لهما. وقيل: كانتْ بئرًا أُخرى عليها الصَّخْرة. وإنّما فعل هذا رغبةً في المعروفِ وإغاثةً للملهوف. والمعنى: أنّه وصلَ إلى ذلكَ الماءِ وقد ازدحَمتْ عليه أُمّةٌ من أناسٍ مختلفةٍ متكاثفةِ العَدَد، ورأى الضَّعِيفَتَيْنِ من ورائِهم مع غُنَيمتِهِما مُتَوقِّفَتَينِ لِفَراغِهم، فما أخْطَأَت همَّتُه في دينِ الله تلكَ الفُرصة، معَ ما كانَ من النَّصَبِ وسقوطِ خُفِّ القَدَمِ والجُوع، ولكنَّه رحِمَهُما فأغاثَهُما، وكفاهُما أمرَ السَّقْيِ في مثلِ تلك الزَّحمةِ بقُوَّةِ قلبِه وقوَّةِ ساعِدِه، وما آتاهُ الله من الفضلِ في متانةِ الفطرةِ ورصانةِ الجِبِلَّة، وفيه- مع إرادةِ اقتصاصِ أمره، وما أوتِيَ من البَطْشِ والقُوّةِ، وما لم يَغفُلْ عنه، على ما كانَ به من انتهازِ فُرصةِ الاحتساب- ترغيبٌ في الخير، وانتهازِ فُرَصِه، وبعثٌ على الاقتداءِ في ذلك بالصّالِحِين، والأخذِ بِسَيرِهِم ومذاهِبِهم. فإن قلتَ: لمَ تُرِكَ المَفعولُ غيرَ المَفعولُ غيرَ مَذْكُورٍ في قولِه: ﴿يَسْقُونَ﴾ و ﴿تَذُودَانِ﴾ و ﴿لَا نَسْقِي﴾؟ قلت: لأنَّ الغرضَ هو الفعلُ لا المفعول. ألا ترى أنّه إنّما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (فما أخطأَتْ هِمّتُه)، أي: ما تجاوَزَتْ. الأساس: ومِنَ المجاز: تَخَطّاهُ المكروه. قولُه: (تلكَ الفرصة)، الجوهري: الفُرصةُ هِيَ الشِّرْبُ والنّوْبة؛ يُقال: وَجَدَ فلانٌ فُرصة؛ أي نُهْزة، وانتَهَزَها إذا اغتَنَمَها. قولُه: (وفيه)، خبر، والمبتدأُ ((ترغيب))، و ((ما أوتي)) عطفٌ تفسيريٌّ على ((أمره))، و ((ما لمْ يَغفُلْ عنه)) عطفٌ على ((البطش والقوة))، وهوَ عبارةٌ عنِ الجزمِ البليغ والتيقُّظِ التام؛ ولذلكَ أوقعَ ((على ما كانَ بهِ)) حالاً مِن فاعلٍ لمْ يفعلْ على وجهِ التتميم والمبالَغة؛ أي على ما كانَ بهِ مِنَ النّصَبِ وسقوطِ الخوفِ والجوع. و ((من)) - في ((مِن انتهازِ الفُرصة)) - بيانُ ((ما لمْ يَغفُلْ عنه))، المعنى: أَدْمَجَ في هذا الكلامِ- معَ اقتصاصِ أمرِ موسى ﵇ مِنَ القُوّةِ والتيقُّظِ في تلكَ الحالةِ- ترغيبَ المؤمِنينَ في الخير، وانتهازَ الفُرصةِ فيه، والبعثَ على الاقتداءِ بسُنّةِ الصالحِينَ مِنَ المرسَلِين. ويجوزُ أنْ يكونَ ((وما لمْ يَغفُلْ عنه)) عطفًا على ((ما أوتي)). قولُه: (لأنّ الغرضَ هوَ الفعلُ لا المفعول)، فإنْ قلتَ: هلْ مِنْ فَرقٍ بينَ هذا وما ذهبَ

стр. 6227

رَحِمَهُما لأنَّهما كانَتا على الذِّيادِ وهُم على السَّقْي، ولم يَرحَمْهما لأنّ مذُودَهُما غَنَمٌ ومَسقِيَّهُم إبِلٌ مثلاً، وكذلك قولُهما ﴿لَا نَسقِي حَتَّى يُصْدِرَ اَلرِّعَاءُ﴾ المقصودُ فيه السَّقْيُ لا المَسْقِيُّ. فإن قلتَ: كيفَ طابقَ جوابُهما سؤالَه؟ قلتُ: سألَهُما عن سببِ الذَّودِ فقالَتا: السَّبَبُ في ذلك أنّا امرأتانِ ضعيفتانِ مَسْتُورَتان لا نقدِرُ على مساجَلَةِ الرِّجالِ ومزاحَمَتِهم، فلابُدَّ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إليهِ صاحبُ ((المفتاح)) مِنْ أنّ القصدَ في تركِ المفعولِ إلى مجرّدِ الاختصار؛ لانصبابِ الكلامِ إلى إرادةِ: يسقونَ مواشيهم، إلى آخرِه؟ قلتُ: نعم؛ لأنهُ نَظَرَ إلى اللفظ، وأنّ التركَ لصونِ الكلام عنِ العبثِ لنيابة قرائن الأحوال. والمصنِّفُ نَظَرَ إلى المعنى وأنّ المفعولَ مرفوضٌ غيرُ مُلتَفَتِ إليه؛ فلِكُلِّ وِجْهة. فإنْ قلتَ: فعلى هذا يكونُ مِن تنزيلِ المتعدِّي منزلةَ اللازِمِ إيهامًا للمبالَغة؛ فأينَ المبالَغة؟ قلتُ: وَهْمٌ بعيد؛ لأنّ معنى قولِه: ((الغرضُ هوَ الفعلُ لا المفعول)) أنّهمْ قدْ يقصِدونَ في الكلامِ المحتوِي على معانٍ إلى معنَى منها قصدًا أوليًّا، ويوهِمونَ أنّ ما سِواهُ مُطّرَح؛ ألا ترى إلى قولِه في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]: تَرَكَ المفعولَ به؛ لأنَّ الغرضَ المعزّزَ بهِ وإنْ كانَ الكلامُ مُنصَبًّا إلى غَرَضٍ مِنَ الأغراضِ جَعَلَ سياقَهُ لهُ وتوجُّهَهُ إليه، كأنّ ما سِواهُ مرفوضٌ مطروح. قولُه: (كيفَ طابقَ جوابُهما سؤالَه؟ )، يعني أن موسى ﵇ سألَهُما عنْ شأنِهِما ومطلوبِهِما بقولِه: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ وكانَ الظاهرُ أنْ يقولا: شأنُنا أنّنا نريدُ السّقي، ولا قُدرةَ لنا عليه مِنَ الزحمة. وأجاب: إنّ جوابَهما ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ اَلْرِّعَاءُ وأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ معناه: سَبَبُ ذَوْدِنا ضَعْفُنا وعَجْزُنا وضَعْفُ مُتَوَلِّي أَمْرِنا؛ وهُوَ أبونا. وفي اختصاصِهِما الأبَ بالذكرِ الدلالةُ على أنْ ليسَ لَهُمْ رَجُلٌ يقومُ بذلك؛ فأَوْجَبَ ذلكَ أنْ يُفَسّرَ قولُه: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ بقولِنا: ما سببُ ذَوْدِكما؟ لِيَتَطابَقا.

стр. 6228

لنا من تأخِيرِ السَّقْيِ إلى أنْ يَفرَغُوا، ومالنا رَجُلٌ يقومُ بذلك، وأبونا شيخٌ قد أضعَفَهُ الكِبَر؛ فلا يَصْلُحُ للقِيامِ به: أبْلَتا إليهِ عُذْرَهُما في تولِّيهِما السَّقْيَ بأنفُسِهِما. فإن قلت: كيف ساغَ لنبيِّ الله الذي هو شُعيبٌ ﵇ لأن يَرْضى لابنَتَيهِ بسَقْيِ الماشية؟ قلتُ الأمرُ في نفسِه ليسَ بمَحْظور؛ فالدِّينُ لا يأباه. وأمّا المروءة، فالنّاسُ مختلفون في ذلك، والعاداتُ مُتَبايِنةٌ فيه، وأحوالُ العربِ فيه خِلافُ أحوالِ العَجَم، ومذهبُ أهلِ البَدْوِ فيه غيرُ مذهبِ أهلِ الحَضَر، خُصوصًا إذا كانتِ الحالةُ ضَرورة. ﴿إِنِّي﴾ لأيِّ شيءٍ ﴿أَنْزَلْتَ إِلَيَّ﴾ قليلٍ أو كثيرٍ، غثٍّ أو سَمِينٍ لَ ﴿فَقِيرٌ﴾؛ وإنّما عُدِّيَ ﴿فَقِيرٌ﴾ باللاّم؛ لأنّه ضمنَ معنى سائلٍ وطالب. قيل: ذَكَرَ ذلك وخضرةُ البَقْلِ تَتراءى في بطنِه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإنْ قلتَ: فَلِمَ عَدَلَ عنِ السؤالِ الظاهرِ إلى قولِه: ما مخطوبُكما؟ أي: ما مطلوبُكما من الذِّياد؟ قلتُ: مقصودُ نَبيِّ الله مِنْ قولِه: ما مطلوبُكما مِنَ الذياد؟ أنْ يُجابَ بطلبِ المعونةِ منه؛ لكرمِهِ ورحمتِهِ على الضعفاء. ولمّا كانتا مِنْ بيتِ النُّبُوّة؛ حَمَلْنا قولَه على ما يُجابُ عنهُ بالسّبَب، وفي ضِمنِهِ طلبُ المعونة؛ لأنّ إظهارَهُما العَجْزَ ليسَ إلا لذلكَ، هذا وإنهُ ليسَ في الكلامِ ما يدلُّ على ضعفِهِما؛ بلْ فيهِ أَماراتٌ على حيائِهِما وسترِهِما كما سَبَقَ في بيانِ اختلافِ القراءتَيْنِ في ((يصدر)). وكذا قولُه: ﴿فَجَآءَتْهُ إحْدَيهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَآءٍ﴾ على أنهما قالتا: ﴿لَا نَسْقِي﴾ دون: لا نقدِرُ على السقي. ومعنى ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾: أنّا معَ حيائنا إنما تصدّيْنا لهذا الأمر؛ لِكِبَرِهِ وضعفِه، وإلا كانَ عليهِ أنْ يتولاه. قولُه: (أَبْلَتا إليه عُذْرَهُما)، الأساس: أبْلَيْتُه عذرًا؛ إذا بَيّنْتَهُ لهُ بيانًا لا لَوْمَ عليكَ بَعدَه. وحقيقتُهُ: جَعَلْتُهُ بالِيًا بِعُذْري؛ أي: خابرًا لهُ عالمًا بكُنْهِه. قولُه: (تتراءى في بطنِه)، الأساس: تراءى الجمعان، وتراءتْ لنا فُلانة: تصدّتْ لنا لِنَراها، وعلى وجهِهِ رُواءُ الحُمْق؛ وهوَ ما يُرى عليهِ مِنْ آياتِهِ البيِّنةِ التي لا تَخفى على الناظِرِ كأنها تتكلّمُ بهِ وتنادي عليه.

стр. 6229

من الهُزال، ما سأَل الله إلاّ أكلةً. ويُحتَمَلُ أن يريد: إنِّي فقيرٌ من الدُّنيا لأجْلِ ما أنزلتَ إليَّ من خَيرِ الدّين؛ وهو النَّجاةُ من الظالمينَ؛ لأنَّه كان عندَ فرعونَ في مُلْكٍ وثَرْوة: قال ذلك رِضًا بالبَدَلِ السَّنِيِّ، وفَرَحًا به، وشُكْرًا له، وكان الظِّلُّ ظِلَّ سَمُرَةٍ. ﴿عَلَى اسْتِحْيَآءٍ﴾: في موضعِ الحال، أي: مُستَحيِيَةً مُتَخَفِّرَةً. وقيل: قد استَتَرَت بِكُمِّ دِرعِها. رُوِيَ أنّهما رَجَعَتا إلى أبِيهٍما قبلَ النّاسِ، وأغنامُهُما حُفَّلٌ بطانٌ، قال لهُما: ما أعجَلَكُما؟ قالتا: وجدْنا رجُلاً صالحًا رحِمَنا فسقى لنا، فقال لإحداهُما: اذهبي فادعِيه لي، فتَبِعَها مُوسى فألزَقَتِ الرِّيحُ ثوبَها بجَسَدِها فوصَفَتْه، فقال لها: امشي خَلْفي وانعَتِي ليَ الطَّريق، فلّما قصّ عليه قصَّتَه قال له: لا تخفْ فلا سُلطانَ لفرعونَ بأرضِنا. فإن قلت: كيف ساغَ لمُوسى أن يعملَ بقولِ امرأة، وأن يمشيَ معها وهي أجنبيَّة؟ قلتُ: أمّا العملُ بقولِ امرأةٍ؛ فكما يُعمَلُ بقولِ الواحدِ حرًّا كانَ أو عبدًا، ذكرًا كان أو ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (إني فقيرٌ مِنَ الدُّنيا لأجلِ ما أَنزَلْتَ إليّ)، ((ما)) _على هذا_ موصولةٌ، و ((من)) بيان، والتنكيرُ في ((خير)) للنوعِ والتعظيم؛ ولذلكَ أضافَهُ إلى الدِّين. وعلى الأوّلِ ((ما)) موصوفة، والتنكيرُ للشيوع؛ ومِن ثُمّ قُدِّرَ أوّلاً لأيِّ شيء، وثانيًا قليلٍ أو كثير، غَثٍّ أو سمين. وأما فائدةُ الماضي في ((ما أنزلت)) على التأويلِ الثاني؛ فظاهِر، وأما على الأَوّل؛ فللاستعطاف، أي: ربِّ إني سائلٌ الآنَ ما كنتُ أَعهَدُه في الأيامِ الماضيةِ مِمّا أَسُدُّ بهِ جَوْعتي مِن قليلٍ أو كثير، غثٍّ أو سمين؛ لأني مُحتاجٌ إليه؛ لأنّ معنى التضمينِ أنْ يُقال: أنا سائلٌ الطعامَ في حالِ كوني محتاجًا إليه. ويؤيِّدُ هذا التأويلَ قولُه: ((ما سألَ الله إلا أكلة))، وقولُ ابنِ عباسٍ ﵄: سألَ الله فلق خُبْزٍ بهِ صُلْبَه. قولُه: (مُتَخَفِّرة)، الجوهري: الخَفَرُ- بالتحريكِ- شِدّةُ الحياء، تقولُ منه: خَفِرٌ - بالكسرِ-، وجاريةٌ خَفِرةٌ ومُتَخَفِّرة. قولُه: (حُفَّل)، جَمْعُ حافِل. الجوهري: ضِرْعٌ حافِل؛ أي: مُمتَلِئٌ لبنًا. قولُه: (فوَصَفَتْه)، الأساس: ومِنَ المجاز: وَجْهُها يَصِفُ الحُسْن، ومعناهُ ما سَبَقَ آنفًا، وهوَ ما يُرى عليهِ مِنْ آيتِهِ البيِّنةِ التي لا تَخفى على الناظر، إلى آخرهِ.

стр. 6230

أُنثى في الأَخبار، وما كانتْ إلاّ مُخبِرةً عن أبِيها بأنّه يدعُوهُ ليَجْزِيَه. وأمّا مُماشاتُه امرأةً أجنبيةً؛ فلا بأسَ بها في نظائِرِ تلكَ الحال، مع ذلك الاحتياطِ والتَّوَرُّع. فإن قلتَ: كيفَ صحّ له أخذُ الأجرِ على البِرِّ والمعروف؟ قلتُ: يجوزُ أن يكونَ قد فعلَ ذلك لوجهِ الله وعلى سبيلِ البِرِّ والمعروف. وقيل: إطعامُ شعيبٍ وإحسانُه لا على سبيلِ أخذِ الأَجْر، ولكنْ على سبيلِ التَّقبُّلِ لِمعروفٍ مُبتَدَأٍ. كيفَ وقد قصَّ عليه قَصَصَهُ وعرَّفه أنه من بيتِ النُّبوَّة من أولادِ يعقوب؟ ومِثلُه حَقيقٌ بأن يُضَيَّفَ ويُكَرَّمَ؛ خصوصًا في دارِ نبيٍّ من أنبياءِ الله، وليسَ بمُنكرٍ أنْ يفعلَ ذلك لاضطرارِ الفَقْرِ والفاقَةِ طلبًا للأجر. وقد رُوِيَ ما يعضُدُ كِلا القَولَين: رُوِيَ أنَّها لمّا قالت: ﴿ليَجْزِيَكَ﴾، كَرِهَ ذلك، ولمّا قدّم إليه الطّعامَ امتنعَ، وقال: إنّا أهلَ بيتٍ لا نَبِيعُ دِينَنا بطِلاعِ الأرضِ ذهبًا، ولا نأخُذُ على المعروفِ ثمنًا، حتى قالَ شُعَيب: هذه عادتُنا مع كُلِّ من ينزلُ بنا. وعن عطاءِ بنِ السائب: رفع صوتَه بدُعائِه ليُسمِعَهما، فلِذلك قيل له: ﴿ليَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ﴾، أي: جزاءَ سَقْيِك. والقَصَصُ: مصدرٌ كالعَلَل، سُمِّيَ به المَقصُو. كُبراهُما: كانت تُسمَّى صفراء، والصُّغرى: صُفَيراء. وصفراءُ: هي التي ذهبتْ به وطلبت إلى أبيها أن يستأجِرَه، وهي التي تزوَّجَها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (بطِلاع الأَرْض)، أي: مِلْئِها. الأساس: وملأتُ لهُ القَدَحَ حتى كادَ يطلعُ مِنْ نواحِيه، ومنه: قَدَحٌ طِلاع: ملآن. وعنِ الحسن: لَأَنْ أَعلَمَ أني بريءٌ مِنَ النفاقِ أَحَبُّ إليّ مِنْ طِلاعِ الأرضِ ذهبًا. قولُه: (وعنْ عطاءِ بنِ السائِب: رَفَعَ صوتَهُ بدعائِه)، وهوَ قولُه: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ هذا يَعْضُدُ القولَ الثاني، وهوَ قولُه: ((وليسَ بمُنكَرٍ أنْ يَفْعَلَ ذلكَ لاضطِرارِ الفقر)). قولُه: (والقَصَصُ مصدر)، يُقال: قَصّ يَقُصُّ قَصًّا وقَصَصًا، سُمِّيَ بهِ المقصوص؛ كالعَلَلِ وهوَ الشُّرْبُ الثاني، سُمِّيَ لِما يُعَلُّ به.

стр. 6231

وعن ابنِ عباسٍ ﵁: أنّ شُعيبًا أحفَظَتْه الغَيرةُ فقال: وما علمُكِ بقُوَّتِه وأمانتِه؟ فذَكرتْ إقلالَ الحجَرِ ونَزْعَ الدَّلو، وأنّه صوَّبَ رأسَه حتّى بلغَتهُ رسالَتَه، وأمَرَها بالمَشْيِ خلفَه. وقولُها: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَثْجَرْتَ اَلْقَوِيُّ اَلْأَمِينُ﴾: كلامٌ حكيمٌ جامعٌ لا يُزادُ عليه؛ لأنّه إذا اجتمعتْ هاتانِ الخَصلتان؛ أعني الكفايةَ والأمانةَ في القائمِ بأمرِك فقد فَرَغَ بالُك وتمّ مُرادُك. وقد استَغْنَت بإرسالِ هذا الكلام الذي سياقُه سياقُ المَثَل والحِكمةِ أن تقولَ: استأجِرْهُ لقُوّتِه وأمانتِه. فإن قلتَ: كيف جُعِلَ ﴿خَيْرَ مَنِ اَسْتَئْجَرْتَ﴾ اسمًا لـ ﴿إِنَّ﴾ و ﴿اَلْقَوِيُّ اَلْأَمِينُ﴾ خبرًا؟ قلتُ: هو مِثلُ قولِه: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (أحْفَظَتْهُ الغَيْرة)، الجوهري: الحَفِيظة: الغَضَب، وكذلكَ الحِفْظةُ بالكسر. قولُه: (وقدِ استَغْنَتْ بإرسالِ هذا الكلام)، إشارةٌ إلى أنّ هذا الكلامَ معَ كونِهِ مِنَ الجَوامِعِ هوَ أيضًا دليلٌ على إثباتِ هذا المُدّعي؛ لأنّ الحُكْمَ أنّ مَنْ فيهِ هاتانِ الخُصلَتانِ فهوَ صالحٌ للاستِئجار، وقدْ شوهِدَ فيهِ ذلك؛ فوَجَبَ أنْ يُختارَ لذلك، فذَكَرَ الدليلَ العامّ وتركَ الخاصّ لاستغنائِهِ عنه؛ لأنّ الكلامَ سِيقَ له. قولُه: (سياقُهُ سياقُ المَثَل)، أي أنّ قولَه: ﴿خَيْرَ مَنِ اَسْتَئْجَرْتَ اَلْقَوِيُّ اَلْأَمِينُ﴾ لعمومِهِ صارَ مثلاً. قولُه: (كيفَ جعلَ ﴿خَيْرَ مَنِ اَسْتَئْجَرْتَ﴾ اسمًا؟ )، وخُلاصتُهُ أنّ المعرّفَ باللامِ أَوْغَلُ في التعريفِ مِنَ المضاف. وقيل: إنّ المضمَرَ أَعْرَفُ المعارف؛ لأنّ الشيءَ لا يُضمَرُ إلا وقدْ عُرِف، فهوَ بمنزلةِ وضعِ اليد؛ فلذا لا يُوصَفُ كسائِرِ المعارف، ثُمّ العَلَم؛ لأنّهُ موضوعٌ على شَيءٍ بعينِه، ثُمّ المُبْهَم؛ لأنّهُ يُعرَفُ بالعينِ والقلبِ نحوُ: هذا؛ للحاضر، ثُمّ المُحَلّى باللام؛ لأنّهُ يُعرَفُ بالقلبِ لا غير، ثُمّ المضاف؛ لأنّ تَعرُّفَه مِنْ غيرِه. ويمكنُ أنْ يُقال: إنّ ﴿مَنِ اَسْتَئْجَرْتَ﴾ موصولةٌ، وهوَ أعرَفُ مِنَ المعرّفِ باللام، ولَمّا أُضيفَ إليهِ ((أَفْعَل)) امتَزَجا. وقالَ هذا القائل: إنّ المضافَ لَمّا نُزِّلَ مَنزِلةَ التنوينِ مِنَ المضافِ صارَ بمنزلةِ شيءٍ واحد، فلما

стр. 6232

أَلا إِنَّ خَيْرَ الناسِ حَيًّا وهَلِكا … أسِيرُ ثَقِيفٍ عِندهُم في السَّلاسلِ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ امتزجا معنًى كانَ معنى الامتزاجِ المعنويِّ على قدرِ امتزاجِ المعنى، والألفاظُ قوالبُ المعاني؛ فيُعتَبَرُ أمرُ المضافِ لِما أُضيفَ إليه. وقلتُ: هذا إذا لَمْ يُنظَرْ إلى المقامِ، وأُجرِيَ التعريفُ في ﴿اَلْقَوِيُّ اَلْأَمِينُ﴾ على الجنس، وأما إذا جُعِلَ مرادًا بهِ موسى ﵇ و ﴿مَنِ اَسْتَئْجَرْتَ﴾ على عمومِهِ، لأنّ ﴿مَن﴾ موصولةٌ أو موصوفة؛ كأنه قيل: إنّ خَيْرَ مَنِ استأجرتَهُ موسى، لم يَصِحّ ما قاله. ويؤيِّدُ الثاني استشهادُهُ بالبيت؛ فإنّ التعريفَ في ((الناس)) للجنسِ قطعًا، والمرادُ بالأسيرِ في ((أسير ثقيف)) خالدُ بنُ عبدِالله؛ فصحّ ما ذهبَ إليهِ المصنِّفُ مِنْ أَنّ ﴿القَوِيَّ الأَمِينَ﴾ هوَ الاسمُ وأنّ الاهتمامَ هوَ سَبَبُ تقديم الخبرِ وجعلِهِ اسمًا، أو هوَ مٍنْ القلبِ للمبالَغة. ولَمّا كانَ مُقتضى الحالِ- أي شيخوختُهُ وحياؤُهُما- هوَ الذي أوجَبَ قيِّمًا يهتمُّ بها مستأجرًا يستأجرونه لها؛ كانَ ذلكَ مطلوبًا لذاتِه، وكانتِ القوةُ والأمانةُ تابعتين لهُ تُعرَفُ بالذوق. أو يُقال: إنّ الفاصلةَ هيَ التي استدعتْ تأخيرَ ﴿اَلْأَمِينُ﴾، و ﴿اَلْأَمِينُ﴾ استدعى مقارنةَ القويِّ معَه. الانتصاف: هذا أجمَلُ في مدحِ النساءِ للرجالِ مِنَ المدحِ الخاصِّ وخصوصًا [إن كانت] فهمتْ أنّ أباها يزوِّجُها مِنه. وما أَحْسَنَ ما أَخَذَ الفاروقُ مِنْ هذا المعنى فقال: أشكو إلى الله ضَعفَ الأمينِ وخيانةَ القوي، ففي ضِمنِ هذه الشكاية سؤالُ الله أنْ يُتحِفَهُ بقويٍّ أمينٍ يستعينُ به. قولُه: (ألا إنّ خيرَ الناس حيًّا وميتًا) البيت، قالَهُ أبو الشغبِ في خالِدِ بنِ عبدِ الله القسريِّ وهوَ أسيرٌ في يدِ يوسفَ بنِ عمر، بالغَ في العمومِ وهوَ مِنَ الإغراقِ المذموم. قالَ أبو البقاء: ((حَيًّا وميتًا)) يجوزُ أنْ يكونَ مِن ((خير)) ومِنَ الضمير فيه، والعاملُ ما دلً عليه

стр. 6233

في أنّ العنايةَ هي سببُ التَّقدِيم، وقد صدَقَت حتّى جُعلَ لها ما هو أحقُّ بأن يكونَ خبرًا اسمًا، وورودُ الفِعلِ بلفظِ الماضي؛ للدَّلالِةِ على أنّه أمرٌ قد جُرِّبَ وعُرِف. ومنه قولُهم: أهوَنُ ما أعمَلْتَ لسانٌ مُمِخّ. وعنِ ابنِ مسعودٍ ﵁: أفرسُ النّاسِ ثلاثةٌ: بنتُ شُعَيبٍ، وصاحبُ يُوسُف، في قولِه: ﴿عَسَى أَن يَنفَعَنَآ﴾ [يوسف: ٢١]، وأبو بكرٍ في عُمَر. رويَ أنّه أنكَحَهُ صفراءَ. وقولُه: ﴿هَاتَيْنِ﴾ فيه دليل على أنّه كانتْ له غيرُهما. ﴿تَاجُرَنِي﴾: من آجرتُه إذا كنتُ له أجيرًا، كقولك: أبَوْتُه إذا كنتَ له أبًا، و ﴿ثَمَانِيَ جِجَجٍ﴾ ظرفُه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ((خير))؛ أي يَفْضُلُ الناسَ في حياتِهِ وموتِه. وأنْ يكونَ تمييزًا؛ أي أنّ أحياهُ وموتاهُ أفضلُ الأحياءِ والأموات، كقولِك: زيدٌ أَفْرَهُ الناسِ عبيدًا؛ أي: عبيدُه أَفْرَهُ العبيد. قولُه: (وقدْ صَدَقَتْ)، أي العنايةُ التي أوجَبَتْ تغييرَ الكلام. قولُه: (أهْوَنُ ما أعمَلْتَ لسانٌ مُمِخّ)، الأساس: ومِنَ المجاز: أمرٌ مُمِخّ؛ فيهِ فضلٌ وخير، وهذا لسانٌ مُمِخّ؛ حَسَنُ الشفاعة، ولهُ لسانٌ مُمِخّ؛ ذَلِقٌ قويٌّ على الكلام، والاستشهادُ بأنّ ((أَعمَلْتَ)) جاءَ بلفظِ الماضي. وفي ((مجمع الأمثال)): أَهْوَنُ مَرْزِئةٍ لسانٌ مُمِخّ، قالَ الميداني: أمخّ العَظْمُ إذا صارَ فيهِ المخ، والمعنى: أهونُ معونةِ على الإنسانِ أنْ يُعينَ بلسانِهِ دونَ المال؛ أيْ كلامٍ حَسَن. وقالَ المصنِّفُ في ((المستقصي)): مثلُه قولُه: وأَيْسَرُ ما يَحْبُو بهِ المَرْءُ خِلّهُ … مِنَ العاهِنِ الموجودِ أنْ يتكلّما يُقال: أعطاهُ مِنْ عاهِنِ مالِهِ وآهِنِه؛ أي: تالِدِه. قولُه: (وأبو بكرٍ في عمرَ ﵄، حيَن استَخْلَفَه.

стр. 6234

أو مِن: أجرتُه كذا؛ إذا أثَبْتَه إيّاه. ومنه: تعزيةُ رسولِ الله ﷺ : (آجرَكُم الله ورَحِمكَم). و﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾: مفعولٌ به، ومعناه: رِعْيةُ ثماني حِجَجٍ، فإن قلتَ: كيف صحَّ أن يُنكِحَه إحدى ابنَتَيهِ من غيرِ تمييز؟ قلتُ: لم يكن ذاك عقدًا للنّكاح، ولكنْ مُواعدةً ومواصفةَ أمرٍ قد عَزَمَ عليه، ولو كانَ عقدًا لقالَ: قد أنكَحْتُك ولم يقل: ﴿إِنِّي أَرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ﴾. فإن قلتَ: فكيف صحَّ أن يُمْهِرَها إجارةَ نفسِه في رِعيةِ الغَنَم، ولابُدَّ من تسليم ما هو مالٌ؟ ألا ترى إلى أبي حنيفةَ كيف منعَ أن يتزوّجَ امرأةً بأن يخَدِمَها سنةً، وجوَّز أن يتزَوَّجَها بأن يُخدِمَها عبدَه سنةً، أو يُسكِنَها دارَه سنةً، لأنّه في الأوّل: مُسَلِّمٌ نفسَهُ وليسَ بمال، وفي الثّاني: هو مُسَلِّمٌ مالاً وهو العبدُ أو الدّار، قلتُ: الأمرُ على مذهبِ أبي حنيفةَ على ما ذكرت. وأمّا الشّافعيُّ: فقد جوّزَ التَّزوُّجَ على الإجارةِ لبعضِ الأعمالِ والخدمة، إذا كان المُستَأجَرُ له أو المخدومُ فيه أمرًا معلومًا، ولعلَّ ذلك كان جائزًا في تلكَ الشَّرِيعة. ويجوزُ أن يكونَ المَهْرُ شيئًا آخر، ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (أو مِنْ: أَجَرْتُهُ كذا؛ إذا أَثَبْتَهُ إياه)، الأساس: يجعلُها أَجرًا على التزويج؛ يريدُ المهرَ مِنْ قولِه تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، كأنهُ قال: على أنْ تُمهِرَني عملَ هذه المُدّة. وأصلُه: أَجَرَكَ الله على ما فَعَلْت، وأنتَ مأجور. قولُه: (ومواصفةَ أمرٍ)، ((الأساس)): واصَفْتُهُ الشيءَ مُواصَفة، ونِهُيَ عنْ بيعِ المُواصَفةِ وهوَ أنْ يَبِيعَ الشيءَ بصفتِهِ وليسَ عندَه، ثُمّ يبتاعَهُ ويدفَعَه. قولُه: (أنْ يُمهِرَها)، وفي بعضِ النسخ: ((يَمْهُرَها)) بفتحِ الياء. يُقال: أَمْهَرَ المرأة: سَمّي لها مهرًا، ومَهَرَها: أعطاها مهرَها. وخُطّْئَ الحريريُّ في قولِه: وماهرًا لها كما مهرَ رسولُ الله ﷺ أمُّ سلمة؛ لأنّ حالةَ الخِطبةِ حالةُ التسمية، لا حالةُ إعطاءِ المهر.

стр. 6235

وإنّما أرادَ أن يكونَ راعيَ غَنَمِه هذه المُدّةَ، وأرادَ أن يُنكِحَه ابنَتَه، فذكَرَ له المُرادَين، وعلَّقَ الإنكاحَ بالرِّعيةِ على معنى: أنِّي أفعلُ هذا إذا فعلتُ على وجهِ المُعاهدةِ لا على وجهِ المُعاقدة. ويجوزُ أن يستأجِرَه لرِعْيةِ ثماني سنينَ بمبلغٍ معلومٍ ويُوَفِّيَه إيّاه، ثمّ يُنكِحُه ابنَتَه به، ويجعلُ قولَه: ﴿عَلَى أَن تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ عبارةً عمّا جرى بينَهما. ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ﴾ عَمَلَ عَشْرِ حِجَجٍ ﴿فَمِنْ عِندِكَ﴾ فإتمامُه من عندك. والمعنى: فهو من عِندِك لا من عِنْدِي، يعني: لَا أُلزِمُكَهُ ولا أَحتِمُه عليك، ولكنّك إنْ فعلتَه فهُوَ منكَ تَفَضُّلٌ وتَبرُّع، وإلاّ فلا عَلَيْك ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بإلزامِ أتمِّ الأجَلَينِ وإيجابِه. فإن قلتَ: ما حقيقةُ قولِهم: شقَقْتُ عليه، الأمرُ؟ قلتُ: حقيقتُه أنَّ الأمرَ إذا تعاظَمَكَ فكأنَّه شقّ عليك ظنُّك باثنَيْنِ، تقولُ تارةً: أُطيقُه، وتارةً: لا أُطيقُه. أو وعَدَهُ المُساهَلةَ والمُسامحةَ من نفسِه، وأنّه لا يَشُقُّ عليه فيما استَاجَرَه له من رَعيِ غَنَمِه، ولا يفعل نحوَ ما يفعلُ المُعاسِرونَ من المُسترعِينَ، من المُناقشةِ في مُراعاةِ الأوقاتِ، والمُداقَّةِ في استيفاءِ الأعمال، وتكليفِ الرُّعاةِ أشغالاً خارجةً من حدِّ الشَّرْط، وهكذا كانَ الأنبياءُ ﵈ آخذينَ بالأسْمَحِ في مُعاملاتِ النَّاس. ومنه الحديثُ: ((كانَ رسولُ الله ﷺ شريكي، فكانَ خيرَ شريكٍ لا يُدارِي ولا يُشارِي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وإنما أرادَ أنْ يكونَ راعيَ غَنَمِه)، غايةُ ما يُقالُ: إنّ هذا عقدٌ فيهِ خطر؛ حيثُ عُلِّقَ بهِ عَقْدُ النكاح، وهذا لا يَقْدَحُ في بابِ النكاح؛ لأنّ النكاح لا يَفْسُدُ بالشروطِ الفاسدة. قولُه: (فكأنّهُ شَقّ عليكَ ظنُّكَ باثنَيْن)، يريدُ أنّ أصلَ المَشَقّةِ مِنَ الشّقِّ كما قالَ في الأنفال: والمُشاقّةُ مُشتَقّةٌ مِنَ الشّقّ؛ لأنّ كلاًّ مِنَ المُتَعادِيَيْنِ في شَقٍّ خِلافَ شَقٍّ صاحِبِه. قولُه: (أو وعده المساهلة)، عطفٌ على قولِه: ((وما أريدُ أنْ أشُقّ عليكَ بإلزامِ أتمِّ الأجلَيْن)). قولُه: (كانَ رسُولُ الله ﷺ شريكي) الحديثُ رواهُ أبو داودَ عنِ السائبِ بنِ أبي السائبِ
следующие страницы →