Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.
стр. 6231
وعن ابنِ عباسٍ ﵁: أنّ شُعيبًا أحفَظَتْه الغَيرةُ فقال: وما علمُكِ بقُوَّتِه وأمانتِه؟ فذَكرتْ إقلالَ الحجَرِ ونَزْعَ الدَّلو، وأنّه صوَّبَ رأسَه حتّى بلغَتهُ رسالَتَه، وأمَرَها بالمَشْيِ خلفَه. وقولُها: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَثْجَرْتَ اَلْقَوِيُّ اَلْأَمِينُ﴾: كلامٌ حكيمٌ جامعٌ لا يُزادُ عليه؛ لأنّه إذا اجتمعتْ هاتانِ الخَصلتان؛ أعني الكفايةَ والأمانةَ في القائمِ بأمرِك فقد فَرَغَ بالُك وتمّ مُرادُك. وقد استَغْنَت بإرسالِ هذا الكلام الذي سياقُه سياقُ المَثَل والحِكمةِ أن تقولَ: استأجِرْهُ لقُوّتِه وأمانتِه. فإن قلتَ: كيف جُعِلَ ﴿خَيْرَ مَنِ اَسْتَئْجَرْتَ﴾ اسمًا لـ ﴿إِنَّ﴾ و ﴿اَلْقَوِيُّ اَلْأَمِينُ﴾ خبرًا؟ قلتُ: هو مِثلُ قولِه:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (أحْفَظَتْهُ الغَيْرة)، الجوهري: الحَفِيظة: الغَضَب، وكذلكَ الحِفْظةُ بالكسر.
قولُه: (وقدِ استَغْنَتْ بإرسالِ هذا الكلام)، إشارةٌ إلى أنّ هذا الكلامَ معَ كونِهِ مِنَ الجَوامِعِ هوَ أيضًا دليلٌ على إثباتِ هذا المُدّعي؛ لأنّ الحُكْمَ أنّ مَنْ فيهِ هاتانِ الخُصلَتانِ فهوَ صالحٌ للاستِئجار، وقدْ شوهِدَ فيهِ ذلك؛ فوَجَبَ أنْ يُختارَ لذلك، فذَكَرَ الدليلَ العامّ وتركَ الخاصّ لاستغنائِهِ عنه؛ لأنّ الكلامَ سِيقَ له.
قولُه: (سياقُهُ سياقُ المَثَل)، أي أنّ قولَه: ﴿خَيْرَ مَنِ اَسْتَئْجَرْتَ اَلْقَوِيُّ اَلْأَمِينُ﴾ لعمومِهِ صارَ مثلاً.
قولُه: (كيفَ جعلَ ﴿خَيْرَ مَنِ اَسْتَئْجَرْتَ﴾ اسمًا؟ )، وخُلاصتُهُ أنّ المعرّفَ باللامِ أَوْغَلُ في التعريفِ مِنَ المضاف. وقيل: إنّ المضمَرَ أَعْرَفُ المعارف؛ لأنّ الشيءَ لا يُضمَرُ إلا وقدْ عُرِف، فهوَ بمنزلةِ وضعِ اليد؛ فلذا لا يُوصَفُ كسائِرِ المعارف، ثُمّ العَلَم؛ لأنّهُ موضوعٌ على شَيءٍ بعينِه، ثُمّ المُبْهَم؛ لأنّهُ يُعرَفُ بالعينِ والقلبِ نحوُ: هذا؛ للحاضر، ثُمّ المُحَلّى باللام؛ لأنّهُ يُعرَفُ بالقلبِ لا غير، ثُمّ المضاف؛ لأنّ تَعرُّفَه مِنْ غيرِه. ويمكنُ أنْ يُقال: إنّ ﴿مَنِ اَسْتَئْجَرْتَ﴾ موصولةٌ، وهوَ أعرَفُ مِنَ المعرّفِ باللام، ولَمّا أُضيفَ إليهِ ((أَفْعَل)) امتَزَجا. وقالَ هذا القائل: إنّ المضافَ لَمّا نُزِّلَ مَنزِلةَ التنوينِ مِنَ المضافِ صارَ بمنزلةِ شيءٍ واحد، فلما
стр. 6232
أَلا إِنَّ خَيْرَ الناسِ حَيًّا وهَلِكا … أسِيرُ ثَقِيفٍ عِندهُم في السَّلاسلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
امتزجا معنًى كانَ معنى الامتزاجِ المعنويِّ على قدرِ امتزاجِ المعنى، والألفاظُ قوالبُ المعاني؛ فيُعتَبَرُ أمرُ المضافِ لِما أُضيفَ إليه.
وقلتُ: هذا إذا لَمْ يُنظَرْ إلى المقامِ، وأُجرِيَ التعريفُ في ﴿اَلْقَوِيُّ اَلْأَمِينُ﴾ على الجنس، وأما إذا جُعِلَ مرادًا بهِ موسى ﵇ و ﴿مَنِ اَسْتَئْجَرْتَ﴾ على عمومِهِ، لأنّ ﴿مَن﴾ موصولةٌ أو موصوفة؛ كأنه قيل: إنّ خَيْرَ مَنِ استأجرتَهُ موسى، لم يَصِحّ ما قاله. ويؤيِّدُ الثاني استشهادُهُ بالبيت؛ فإنّ التعريفَ في ((الناس)) للجنسِ قطعًا، والمرادُ بالأسيرِ في ((أسير ثقيف)) خالدُ بنُ عبدِالله؛ فصحّ ما ذهبَ إليهِ المصنِّفُ مِنْ أَنّ ﴿القَوِيَّ الأَمِينَ﴾ هوَ الاسمُ وأنّ الاهتمامَ هوَ سَبَبُ تقديم الخبرِ وجعلِهِ اسمًا، أو هوَ مٍنْ القلبِ للمبالَغة. ولَمّا كانَ مُقتضى الحالِ- أي شيخوختُهُ وحياؤُهُما- هوَ الذي أوجَبَ قيِّمًا يهتمُّ بها مستأجرًا يستأجرونه لها؛ كانَ ذلكَ مطلوبًا لذاتِه، وكانتِ القوةُ والأمانةُ تابعتين لهُ تُعرَفُ بالذوق. أو يُقال: إنّ الفاصلةَ هيَ التي استدعتْ تأخيرَ ﴿اَلْأَمِينُ﴾، و ﴿اَلْأَمِينُ﴾ استدعى مقارنةَ القويِّ معَه.
الانتصاف: هذا أجمَلُ في مدحِ النساءِ للرجالِ مِنَ المدحِ الخاصِّ وخصوصًا [إن كانت] فهمتْ أنّ أباها يزوِّجُها مِنه. وما أَحْسَنَ ما أَخَذَ الفاروقُ مِنْ هذا المعنى فقال: أشكو إلى الله ضَعفَ الأمينِ وخيانةَ القوي، ففي ضِمنِ هذه الشكاية سؤالُ الله أنْ يُتحِفَهُ بقويٍّ أمينٍ يستعينُ به.
قولُه: (ألا إنّ خيرَ الناس حيًّا وميتًا) البيت، قالَهُ أبو الشغبِ في خالِدِ بنِ عبدِ الله القسريِّ وهوَ أسيرٌ في يدِ يوسفَ بنِ عمر، بالغَ في العمومِ وهوَ مِنَ الإغراقِ المذموم. قالَ أبو البقاء: ((حَيًّا وميتًا)) يجوزُ أنْ يكونَ مِن ((خير)) ومِنَ الضمير فيه، والعاملُ ما دلً عليه
стр. 6233
في أنّ العنايةَ هي سببُ التَّقدِيم، وقد صدَقَت حتّى جُعلَ لها ما هو أحقُّ بأن يكونَ خبرًا اسمًا، وورودُ الفِعلِ بلفظِ الماضي؛ للدَّلالِةِ على أنّه أمرٌ قد جُرِّبَ وعُرِف.
ومنه قولُهم: أهوَنُ ما أعمَلْتَ لسانٌ مُمِخّ. وعنِ ابنِ مسعودٍ ﵁: أفرسُ النّاسِ ثلاثةٌ: بنتُ شُعَيبٍ، وصاحبُ يُوسُف، في قولِه: ﴿عَسَى أَن يَنفَعَنَآ﴾ [يوسف: ٢١]، وأبو بكرٍ في عُمَر. رويَ أنّه أنكَحَهُ صفراءَ. وقولُه: ﴿هَاتَيْنِ﴾ فيه دليل على أنّه كانتْ له غيرُهما. ﴿تَاجُرَنِي﴾: من آجرتُه إذا كنتُ له أجيرًا، كقولك: أبَوْتُه إذا كنتَ له أبًا، و ﴿ثَمَانِيَ جِجَجٍ﴾ ظرفُه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
((خير))؛ أي يَفْضُلُ الناسَ في حياتِهِ وموتِه. وأنْ يكونَ تمييزًا؛ أي أنّ أحياهُ وموتاهُ أفضلُ الأحياءِ والأموات، كقولِك: زيدٌ أَفْرَهُ الناسِ عبيدًا؛ أي: عبيدُه أَفْرَهُ العبيد.
قولُه: (وقدْ صَدَقَتْ)، أي العنايةُ التي أوجَبَتْ تغييرَ الكلام.
قولُه: (أهْوَنُ ما أعمَلْتَ لسانٌ مُمِخّ)، الأساس: ومِنَ المجاز: أمرٌ مُمِخّ؛ فيهِ فضلٌ وخير، وهذا لسانٌ مُمِخّ؛ حَسَنُ الشفاعة، ولهُ لسانٌ مُمِخّ؛ ذَلِقٌ قويٌّ على الكلام، والاستشهادُ بأنّ ((أَعمَلْتَ)) جاءَ بلفظِ الماضي. وفي ((مجمع الأمثال)): أَهْوَنُ مَرْزِئةٍ لسانٌ مُمِخّ، قالَ الميداني: أمخّ العَظْمُ إذا صارَ فيهِ المخ، والمعنى: أهونُ معونةِ على الإنسانِ أنْ يُعينَ بلسانِهِ دونَ المال؛ أيْ كلامٍ حَسَن. وقالَ المصنِّفُ في ((المستقصي)): مثلُه قولُه:
وأَيْسَرُ ما يَحْبُو بهِ المَرْءُ خِلّهُ … مِنَ العاهِنِ الموجودِ أنْ يتكلّما
يُقال: أعطاهُ مِنْ عاهِنِ مالِهِ وآهِنِه؛ أي: تالِدِه.
قولُه: (وأبو بكرٍ في عمرَ ﵄، حيَن استَخْلَفَه.
стр. 6234
أو مِن: أجرتُه كذا؛ إذا أثَبْتَه إيّاه. ومنه: تعزيةُ رسولِ الله ﷺ : (آجرَكُم الله ورَحِمكَم).
و﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾: مفعولٌ به، ومعناه: رِعْيةُ ثماني حِجَجٍ، فإن قلتَ: كيف صحَّ أن يُنكِحَه إحدى ابنَتَيهِ من غيرِ تمييز؟ قلتُ: لم يكن ذاك عقدًا للنّكاح، ولكنْ مُواعدةً ومواصفةَ أمرٍ قد عَزَمَ عليه، ولو كانَ عقدًا لقالَ: قد أنكَحْتُك ولم يقل: ﴿إِنِّي أَرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ﴾. فإن قلتَ: فكيف صحَّ أن يُمْهِرَها إجارةَ نفسِه في رِعيةِ الغَنَم، ولابُدَّ من تسليم ما هو مالٌ؟ ألا ترى إلى أبي حنيفةَ كيف منعَ أن يتزوّجَ امرأةً بأن يخَدِمَها سنةً، وجوَّز أن يتزَوَّجَها بأن يُخدِمَها عبدَه سنةً، أو يُسكِنَها دارَه سنةً، لأنّه في الأوّل: مُسَلِّمٌ نفسَهُ وليسَ بمال، وفي الثّاني: هو مُسَلِّمٌ مالاً وهو العبدُ أو الدّار، قلتُ: الأمرُ على مذهبِ أبي حنيفةَ على ما ذكرت. وأمّا الشّافعيُّ: فقد جوّزَ التَّزوُّجَ على الإجارةِ لبعضِ الأعمالِ والخدمة، إذا كان المُستَأجَرُ له أو المخدومُ فيه أمرًا معلومًا، ولعلَّ ذلك كان جائزًا في تلكَ الشَّرِيعة. ويجوزُ أن يكونَ المَهْرُ شيئًا آخر، ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (أو مِنْ: أَجَرْتُهُ كذا؛ إذا أَثَبْتَهُ إياه)، الأساس: يجعلُها أَجرًا على التزويج؛ يريدُ المهرَ مِنْ قولِه تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، كأنهُ قال: على أنْ تُمهِرَني عملَ هذه المُدّة. وأصلُه: أَجَرَكَ الله على ما فَعَلْت، وأنتَ مأجور.
قولُه: (ومواصفةَ أمرٍ)، ((الأساس)): واصَفْتُهُ الشيءَ مُواصَفة، ونِهُيَ عنْ بيعِ المُواصَفةِ وهوَ أنْ يَبِيعَ الشيءَ بصفتِهِ وليسَ عندَه، ثُمّ يبتاعَهُ ويدفَعَه.
قولُه: (أنْ يُمهِرَها)، وفي بعضِ النسخ: ((يَمْهُرَها)) بفتحِ الياء. يُقال: أَمْهَرَ المرأة: سَمّي لها مهرًا، ومَهَرَها: أعطاها مهرَها. وخُطّْئَ الحريريُّ في قولِه: وماهرًا لها كما مهرَ رسولُ الله ﷺ أمُّ سلمة؛ لأنّ حالةَ الخِطبةِ حالةُ التسمية، لا حالةُ إعطاءِ المهر.
стр. 6235
وإنّما أرادَ أن يكونَ راعيَ غَنَمِه هذه المُدّةَ، وأرادَ أن يُنكِحَه ابنَتَه، فذكَرَ له المُرادَين، وعلَّقَ الإنكاحَ بالرِّعيةِ على معنى: أنِّي أفعلُ هذا إذا فعلتُ على وجهِ المُعاهدةِ لا على وجهِ المُعاقدة. ويجوزُ أن يستأجِرَه لرِعْيةِ ثماني سنينَ بمبلغٍ معلومٍ ويُوَفِّيَه إيّاه، ثمّ يُنكِحُه ابنَتَه به، ويجعلُ قولَه: ﴿عَلَى أَن تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ عبارةً عمّا جرى بينَهما. ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ﴾ عَمَلَ عَشْرِ حِجَجٍ ﴿فَمِنْ عِندِكَ﴾ فإتمامُه من عندك. والمعنى: فهو من عِندِك لا من عِنْدِي، يعني: لَا أُلزِمُكَهُ ولا أَحتِمُه عليك، ولكنّك إنْ فعلتَه فهُوَ منكَ تَفَضُّلٌ وتَبرُّع، وإلاّ فلا عَلَيْك ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بإلزامِ أتمِّ الأجَلَينِ وإيجابِه. فإن قلتَ: ما حقيقةُ قولِهم: شقَقْتُ عليه، الأمرُ؟ قلتُ: حقيقتُه أنَّ الأمرَ إذا تعاظَمَكَ فكأنَّه شقّ عليك ظنُّك باثنَيْنِ، تقولُ تارةً: أُطيقُه، وتارةً: لا أُطيقُه. أو وعَدَهُ المُساهَلةَ والمُسامحةَ من نفسِه، وأنّه لا يَشُقُّ عليه فيما استَاجَرَه له من رَعيِ غَنَمِه، ولا يفعل نحوَ ما يفعلُ المُعاسِرونَ من المُسترعِينَ، من المُناقشةِ في مُراعاةِ الأوقاتِ، والمُداقَّةِ في استيفاءِ الأعمال، وتكليفِ الرُّعاةِ أشغالاً خارجةً من حدِّ الشَّرْط، وهكذا كانَ الأنبياءُ ﵈ آخذينَ بالأسْمَحِ في مُعاملاتِ النَّاس.
ومنه الحديثُ: ((كانَ رسولُ الله ﷺ شريكي، فكانَ خيرَ شريكٍ لا يُدارِي ولا يُشارِي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (وإنما أرادَ أنْ يكونَ راعيَ غَنَمِه)، غايةُ ما يُقالُ: إنّ هذا عقدٌ فيهِ خطر؛ حيثُ عُلِّقَ بهِ عَقْدُ النكاح، وهذا لا يَقْدَحُ في بابِ النكاح؛ لأنّ النكاح لا يَفْسُدُ بالشروطِ الفاسدة.
قولُه: (فكأنّهُ شَقّ عليكَ ظنُّكَ باثنَيْن)، يريدُ أنّ أصلَ المَشَقّةِ مِنَ الشّقِّ كما قالَ في الأنفال: والمُشاقّةُ مُشتَقّةٌ مِنَ الشّقّ؛ لأنّ كلاًّ مِنَ المُتَعادِيَيْنِ في شَقٍّ خِلافَ شَقٍّ صاحِبِه.
قولُه: (أو وعده المساهلة)، عطفٌ على قولِه: ((وما أريدُ أنْ أشُقّ عليكَ بإلزامِ أتمِّ الأجلَيْن)).
قولُه: (كانَ رسُولُ الله ﷺ شريكي) الحديثُ رواهُ أبو داودَ عنِ السائبِ بنِ أبي السائبِ
стр. 6236
ولا يُمارِي)) وقولُه: ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللهُ مِنَ اَلْصَّالِحِينَ﴾ يدلُّ على ذلك، يريدُ بالصّلاح: حسنَ المُعاملةِ ووَطاءةَ الخُلُقِ، ولينَ الجانِب. ويجوزُ أن يريدَ الصَّلاحَ على العُموم. ويَدْخُلُ تحتَه حسنُ المُعاملة، والمُراد باشتراطِ مشيئةِ الله فيما وَعَدَ من الصَّلاح: الاتّكالُ على توفيقِه فيهِ ومَعُونَتِه، لا أنّه يستعملُ الصَّلاحَ إن شاءَ الله، وإن شاءَ استعملَ خِلافَه. ﴿ذَلِكَ﴾ مُبتدأ، و ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ خبرُه، وهو إشارةٌ إلى ما عاهَدَهُ عليه شُعَيب، يريد؛ ذلك الذي قلتُه وعاهدتَني فيه وشارطْتَنِي عليه قائمٌ بينَنا جميعًا، لا نَخْرُجُ كلانا عنه، لا أنا عمّا شرطتَ عليَّ ولا أنتَ عمّا شرطتَ على نفسِك. ثمّ قال: أيَّ أجلٍ قضيتُ من الأجَلَيْنِ: أطولَهما الذي هو العَشْر، أو أقصَرَهُما الذي هو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال: أتيتُ النبيّ ﷺ فجعلوا يُثنونَ ويذكروني؛ فقالَ رسولُ الله ﷺ : ((أنا أعلَمُكُم به)) فقلت: صدقتَ بأبي وأمي؛ كنتَ شريكي فنِعْمَ الشريك؛ كنتَ لا تُداري ولا تُماري. وفي روايةِ رزين: ((لا تُشاري)) بدلَ ((لا تُداري)). قالَ في ((الفائق)): المُماراة: المجادَلة، من: مَرْيِ الناقة؛ لأنُه يستخرجُ ما عندَهُ مِنَ الحُجّة. والمُداراة: المُخاتَلة، من: داراه؛ إذا خَتَلَه. ويكونُ تحقيقُ المداراةِ وهي مدافعةُ ذي الحقِّ عنْ حقِّه. والمشاراةُ: المُلاجّة.
قولُه: (لا أنّهُ يَستعمِلُ الصّلاح)، أي ليسَ معنى ((إنْ شاءَ الله)) التعليقَ كما هوَ على ظاهرِه؛ إنما هوَ التبرُّكُ واستنزالُ التوفيق. ونحوُهُ قولُ أصحابِ الشافعي: أنا مؤمِنٌ إنْ شاءَ الله.
قولُه: (قائمٌ بَيْنَنا)، خبرٌ لقولِه: ((ذلكَ الذي قُلْتُه))، أي: مُراعًى بَيْنَنا نتعاهدُهُ أنا وأنت؛ فيكونُ كالقائم، وهوَ على منوالِ قولِه: ﴿اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلْصَّلَواةَ﴾ [المائدة: ٥٥، الأنفال: ٣، النمل: ٣، لقمان: ٤] إذا أُريدَ بالإقامةِ التجلُّد؛ مِنْ قولِهم: قامَ بالأمر، وقامتْ الحربُ على ساقِها.
قولُه: (لا يخرُجُ كِلانا)، ويجوز: ((لا نخرُجُ)) بالنونِ على تأكيدِ ((كلانا)) للضمير؛ كقولِه: ((ويعلمُ سنلقاهُ كِلانا)) بالنونِ والياء.
стр. 6237
الثَّمان ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ أي: لا يُعتَدى عليَّ في طلبِ الزِّيادةِ عليه. فإن قلتَ: تصوُّرُ العُدوانِ إنَّما هو في أحدِ الأجَلَيْن الذي هو الأقصَرُ؛ وهو المُطالبةُ بَتتِمَّةِ العَشْر، فما معنى تعليقِ العُدوانِ بهما جميعًا؟ قلتُ: معناهُ كما أنِّي طُولِبْتُ بالزِّيادةِ على العَشْرِ كان عُدوانًا لا شكَّ فيه، فكذلك؛ إن طُولِبتُ بالزِّيادةِ على الثَّمان. أرادَ بذلك تقريرَ أمرِ الخيار، وأنّه ثابتٌ مُستقِر، وأنَّ الأجلين على السَّواءِ: إمّا هذا وإمّا هذا من غيرِ تَفاوُتٍ بينَهُما في القضاءِ، وأمّا التَّتمّةُ فموكُولةٌ إلى رأيي: إن شئتُ أتيتُ بها، وإلاّ لم أُجْبَرْ عليها. وقيل: معناه فلا أكونُ معتديًا، وهو في نفيِ العُدوانِ عن نفسِه، كقولِك: لا إثمَ عليَّ، ولا عليَّ. وفي قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (أيَّ الأجلينِ ما قضيتُ). وقرئَ: (أيْما) بسُكونِ الياءِ، كقولِه:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (وقُرِئَ ((أيْما)) بسكونِ الياء)، قالَ ابنُ جِنِّي: ((هيَ قراءةُ الحَسَن، وفي تخفيف هذهِ الياءِ طريقان:
أحدُهما: تضعيفُ الحرف، وقد امتدَّ عنهُمْ حذفُ أحدِ المثلَيْن؛ نحو: أحَسْتُ وأمَسْتُ.
والآخرُ: أنّ الياءَ حرفٌ ثقيلٌ مُنفَرِدة؛ فكيفَ بِها إذا ضُعِّف؟ واعلَمْ أنّ ((أيا)) عندَنا مِمّا عينُهُ واوٌ ولامُهُ ياء؛ فهوَ مِنْ بابِ ((أوَيْت)) قياسًا واشتقاقًا. أما القياسُ؛ فإنّ الأصلَ ((أوي)) فاجتمعَ الواوُ والياء، وسُبِقَتِ الواوُ بالسكونِ فقُلِبَتْ ياءً وأُدغِمَت. وأما الاشتقاقُ؛ فإنها أينَ وقَعَتْ هيَ بعضٌ مِنْ كل، كقولِنا: أيُّ الناسِ عندَك؟ وبعضُ الشيءِ آوٍ إلى جميعِه؛ فأصلُها على هذا ((أوي)) ثُمّ أُدغِمَتْ كما مضى. فإذا حُذِفَتِ الياءُ تخفيفًا؛ فإنها الثانية، فإذا زالتِ الثانية؛ أَوْجَبَ القياسُ أنْ تعودَ الأولى إلى أصلِها وهوَ الواو؛ فيُقال: أَوْ ما الأجَلَيْنِ قَضَيْت. والذي يَحْسُنُ عندِي إظهارُ العينِ ياء، وإنما حُذِفَتِ اللامُ تخفيفًا وهيَ مَنْوِيّةٌ مُرادة؛ فقُلِبَتِ العينُ ياءً لِيَدُلّ على إرادةِ الياءِ هيَ اللام، كما صَحّتِ الواوُ الثانيةُ في
стр. 6238
تنَظَّرْتُ نَصرًا وَالسِّماكَينِ أيهُما … عَليَّ من الغَيثِ استُهِلَّت مَواطرُه
وعن ابنِ قُطيب: (عِدوان)، بالكَسْر. فإن قلتَ: ما الفرقُ بينَ موقِعَيْ (ما) المَزيدةِ في القِرَاءَتَيْن؟ قلتُ: وقعَتْ في المُستفيضةِ مؤكِّدةً لإبهام، أيْ: زائدة في شياعها، وفي الشّاذّةِ تأكيدًا للقضاء، كأنّه قالَ: أيّ الأجَلَينِ صمَّمْتُ على قضائِه وجرَّدْتُ عزِيمَتِي له. الوكيلُ: الذي وُكِلَ إليه الأمر، ولمّا استعملَ في موضعِ الشّاهدِ والمُهيمِنِ والمُقيت، عُدّيَ بعلي لذلك. رُويَ أنَّ شُعيبًا كانت عندَه عَصَا الأنبياءِ فقال لمُوسى باللَّيل: ادخُل ذلك البيتَ فخُذْ عصًا من تلكَ العصيّ. فأخذَ عصًا هبطَ بها آدمُ من الجنّة، ولم يزلِ الأنبياءُ يتوارثُونها حتّى وقعتْ إلى شعيب، فمسَّها وكان مكفوفًا، فضنَّ بها فقال:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولِه: ((وكَحّلَ العينَيْنِ بالعواور)) دَلالةً على الياءِ في ((العواوير))، وإنما حُذِفَتْ استحسانًا وتخفيفًا لا وجوبًا. وأنْشَدَنا أبو عليِّ للفرزدق:
تَنَظّرْتُ نَصْرًا والسّماكَيْن
البيت). تَمّ كلامُ ابنِ جِنِّي.
العوّار: الجبان، والجمع: العواوير، وإنْ شِئْتَ لَمْ تُعوِّضْ في الشعر، وقُلت: العواور. تَنَظّرْتُ: أي انتَظَرْت. والسّماكان: نجمان: الأعزل: وهو الذي لا شيءَ بَيْنَ يَدَيْه، والرامحُ: هوَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ الكواكب. وهلّ السحابُ واستَهَلّ: إذا انصَبّ شديدًا، و ((نصرًا)) اسمُ الممدوح، وأَيْهُما أصلُه: أَيُّهُما؛ فسَكّنَ الياءَ للضرورة، و ((من)) -في ((مِنَ الغَيْث)) - للبيان، والمواطِر: جمعُ ماطِرة؛ أي: سحابةٌ ماطِرة. المعنى: انتَظَرْتُ نصرًا ونَوْءَ السماكَيْن، أَيُّهُما استَهَلّتْ مَواطرُه عليّ مِنَ الغَيث؛ لأني لَمْ أُفرِّقْ بَيْنَ النّصْرِ وبَيْنَ السماكَيْنِ في الجُود.
قولُه: (وفي الشاذة)، أي قراءةِ ابنِ مسعود؛ لأنّ ((ما)) على المشهورةِ: تأكيدٌ للمفعول، وفيهِ إيهام؛ فزادَ في إيهامِه. وفي الشاذّةِ: تأكيدٌ للفعلِ فزادَ في تأكيدِ إسنادِه.
стр. 6239
غيرَها، فما وقع في يدهِ إلاّ هي سبعَ مرات، فعَلِمَ أنَّ له شأنّا. وقيل: أخَذَها جبريلُ بعدَ موتِ آدم، فكانتْ معه حتّى لقيَ بها مُوسى ليلاً. وقيل: أودَعَها شُعيبًا مَلَكٌ في صورةِ رجُل، فأمر بِنتَه أن تأتِيَه بعصا، فأتتْه بها فردَّها سبعَ مرّات، فلم تقعْ في يدِها غيرُها، فدفَعَها إليه، ثمّ نَدِمَ لأنَّها وديعةٌ، فتَبِعَه فاختصما فيها، ورضيا أن يَحكُمَ بينَهُما أوَّلُ طالعٍ، فأتاهُما المَلَكُ فقالَ: ألقِياها؛ فمن رفعها فهي له، فعالجها الشَّيخُ فلم يُطِقْها، ورفعها مُوسى.
وعن الحسَنِ: ما كانتْ إلا عصًا من الشجر اعتَرَضَها اعتراضًا. وعن الكلبيّ: الشجرةُ التي منها نُوديَ شجرةُ العَوْسَج، ومنها كانت عصاهُ. ولمّا أصبحَ قال له شعيبٌ: إذا بلغتَ مَفرِقَ الطَّريقِ فلا تأخُذْ على يمينِك، فإنَّ الكَلأَ وإنْ كان بها أكثر، إلاّ أنّ فيها تِنِّينًا أخشاهُ عليك وعلى الغنم، فأخذتِ الغنمُ ذاتَ اليَمِين، ولم يقدرْ على كفِّها، فمشى على أثَرِها فإذا عشبٌ وريفٌ لم يَرَ مثلَه، فنامَ فإذا بالتِّنِّينِ قد أقبل، فحاربَتْه العصا حتّى قتلَتْه وعادت إلى جنبِ مُوسى داميةً، فلمّا أبْصَرَها داميةً والتِّنِّينُ مقتولاً ارتاحَ لذلك، ولما رجع إلى شعيبٍ مسَّ الغنم، فوجَدَها ملأي البُطونِ غزيرةَ اللَّبَن، فأخبَرَه مُوسى ففرِحَ، وعلِمَ لمُوسى والعصا شأنّا، وقال له: إنِّي وهبتُ لك من نَتاجِ غَنَمي هذا العامَ كُلَّ أدرَعَ وودرعاءَ، فأُوحيَ إليه في المنام: أن اضْرِبْ بعصاك مُستقى الغنم، ففعل، ثمّ سقي فما أخطأتْ واحدةً إلاّ وضعتْ أدرعَ ودرعاء، فَوَفى له بِشَرْطه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (اعتَرَضَها اعتراضًا)، أي: أخَذَها مِنْ عُرْضِ الشّجَر، أي: واحدٍ مِنَ الأشجار.
الجوهري: قولُهم: اضرِبْ عَرْضَ الحائط؛ أي: اعتَرِضْهُ حيثُ وَجَدْتَ منهُ أيّ ناحيةٍ مِنْ نَواحِيه.
قولُه: (أَدْرَعَ ودَرْعاء)، الجوهري: الأَدْرَعُ مِنَ الخيلِ والشاءِ: ما اسْوَدّ وابْيَضّ سائرُه، والأنثى: دَرْعاء.
стр. 6240
[﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَأَىهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ *اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ٢٩ - ٣٢]
سُئلَ رسولُ الله ﷺ : أيُّ الأجلَينِ قضَى موسَى؟ فقال: (أبعدَهما وأبطأهما).
وروي أنّه قال: (قَضى أوفَاهُما، وتزوَّج صُغرَاهُما)، وهذا خلافُ الرِّوايةِ التي سبَقَتْ. الجَذوَةُ- باللُّغاتِ الثّلاث، وقُرئَ بهنَّ جميعًا-: العُودُ الغَلِيظ، كانت في رأسِه نارٌ أو لم تَكُن، قال كُثَيِّرُ:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (سُئِلَ رسولُ الله ﷺ : أيّ الأجلَيْنِ قضى)، الحديثُ مِنْ روايةِ البخاريِّ عنْ سعيدِ ابن جُبير قال: سألَنِي يهودي: أيّ الأجلَيْنِ قضى موسى؟ فقُلْت: لا أدري، حتى أَقْدَمَ على حَبْرِ العرب، فسألتُ ابنَ عباس، فقال: قضى أكثَرهُما وأطيَبَهما؛ لأنّ رسولَ الله إذا قالَ فعل.
قولُه: (قضى أوفاهما)، أي: أطيَبَهما.
قولُه: (وهذا خلافُ الروايةِ التي سَبَقَتْ)، أي: تزوّجَ صُغْراهُما، فإنهُ قال: كُبْراهُما كانتْ تُسمّى ((صفرا)) والصُّغرى ((صفيرا))، وصفرا هيَ ذهبَتْ به، وهيَ التي تزوّجَها.
قولُه: (وقُرئَ بِهنّ جميعًا)، عاصم: بفتحِ الجيم، وحمزة: بضمِّها، والباقون: بكسرِها.
((الجذوة)) مبتدأ، والخبرُ ((العود))، وما بينهما معترضة.
стр. 6241
باتَت حَواطِبُ ليلى يَلتمِسنَ لَها … جَزلَ الجُذي غَيرَ خَوَّارٍ ولا دَعِرِ
وقال:
وألقَى على قَبسٍ من النَّارِ جَذوَةً … شَدِيدًا عَليهِ حَرُّها وَالتِهابُها
﴿مِن﴾ الأُولى الثّانيةُ لابتداءِ الغاية، أي: أتاهُ النِّداءُ من شاطِئ الوادي من قِبَل الشَّجرة. و ﴿مِنَ اَلْشَّجَرَةِ﴾ بدَلٌ من قولِه: ﴿مِن شَاطِئِ أَلْوَادِ﴾، بدلُ الاشتِمال؛ لأنّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراغب: الجذوة: التي تبقى مِنَ الحطبِ بعدَ الالتهاب، الجمع: جُذّي بضمِّ الجيمِ وكسرِها. قالَ الخليل: يُقال: جَذا يجذو، نحو: جثا يجثو؛ إلا أنّ ((جذا)) أدلُّ على اللزوم، يُقال: جَذا القُرادُ في جنبِ البعير؛ إذا اشتدَّ التزاقُهُ به، ومنه: أجْذَتِ الشجرة: صارَتْ ذاتَ جَذْوَة، وفي الحديث: ((كَمَثَلِ الأَرزةِ المُجذِية)).
الأرزةُ بفتحِ الراءِ وسكونِها: شجرةُ الأَرْزَن، وهوَ خشبٌ معروف، وقيل: هوَ الصنوبَر.
قولُه: (باتَتْ حَواطِبُ ليلى) البيت، الحواطِب: الجواري اللاتي يطلُبْنَ الحَطَب، والجزل: الحَطَبُ اليابِسُ العظيم، والخَوّار: الضعيف؛ مِنَ الخَوْر، يقال: رُمْحٌ خَوّار، ورَجُلٌ خَوّار. والدّعَر: مصدرُ دَعَرَ دَعَرًا؛ فهوَ عودٌ دَعِر: رديءٌ كثيرُ الدُّخان، ومنهُ أُخِذَتِ الدّعارةُ وهي: الفِسْقُ والخُبْث.
قولُه: (وألقى على قبس) البيت، الجَذْوة: القَبْسةُ مِنَ النار، والمرادُ بها النميمة؛ أي: ألقى على قبسٍ جَذْوةً مِنَ النميمة اشتدّ عليهِ حرُّها والتهابُها؛ لأنها هَيّجَتْ نارَ العداوةِ والفتنةِ بينَ القوم.
استشهدَ بالبيتِ الأوّلِ على أنّ الجذوة: العودُ الغليظُ وليسَ في رأسِهِ نار، وبالبيتِ الثاني على أنّ الجذوة: هي التي على رأسِها نار.
стр. 6242
الشَّجرةَ كانتْ نابتةً على الشاطِئ، كقولِه تعالى: ﴿لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِاَلرَّحْمَانِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: ٣٣] وقُرئَ: ﴿اَلْبُقْعَةِ﴾ بالضَّمِّ والفتح. و ﴿اَلرَّهْبِ﴾ بفتحَتَيْن، وضمَّتَيْن، وفتح ٍ وسُكون، وضَمِّ وسكون: وهو الخوف. فإن قلتَ: ما معنى قولِه: ﴿وَاَضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ اَلرَّهْبِ﴾؟ قلتُ: فيه معنَيان، أحدُهما: أنَّ موسى ﵇
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (كقولِه: ﴿لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِاَلرَّحْمَانِ لِبُيُوتِهِمْ﴾)، يعني: إبدالُ ﴿مِنَ اَلشَّجَرَةِ﴾ مِنْ قولِه: ﴿مِن شَاطِئ اَلْوَادِ﴾ بإعادةِ العاملِ بدلَ الاشتمالِ كإبدالِ ﴿لبُيُوتِهِمْ﴾ مِنْ قولِه: ﴿لِمَن يَكْفُرُ بِاَلرَّحْمَانِ﴾.
قولُه: (وقُرِئَ: ﴿اَلْبُقْعَةِ﴾ بالضمِّ والفتح)، بالضمّ: سبعة، وبالفتح: شاذّة.
قولُه: (و ﴿الرَّهْبِ﴾ بفتحتَيْن، حفص: ﴿اَلرَّهْبِ﴾ بفتحِ الراءِ وإسكانِ الهاء، والحرميان وأبو عمرو: بفتحِهما، والباقون: بضمِّ الراءِ وإسكانِ الهاء.
الراغبك الرهب: مخافةٌ معَ تحرُّز.
قولُه: (ما معنى [قوله: ] ﴿وَأضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾؟ )، يعني: عَلّلَ الله تعالى قولَه: ﴿وَلَا تَخَفْ﴾ بقولِه: ﴿إِنَّكَ مِنَ الأَمِنِينَ﴾ وعقّبَهُ بقولِه: ﴿أسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ سدًّا يَعْضُدُ التعليل؛ فما موقعُ قولِه: ﴿وَأضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ اَلرَّهْبِ﴾؟
وأجاب: أنّ موسى ﵇ خافَ خوفًا شديدًا وأُزعِجَ إزعاجًا قويًّا، كأنهُ قبلَ التّوَلِّي ألقى العصا حينَ صارتْ حيّةً بيدِه؛ فلّما أرادَ الله أنْ يُؤَمِّنَ جَاشَهُ ويُزيلَ خَوْفَهُ بها ويَنْهاهُ عمّا صَدَرَ عنهُ مِنَ الاتِّقاءِ باليدِ لغضاضتِه، ويَمْنَحَه بَدَلَهُ مُعجِزةً أخرى؛ قالَ أوّلاً: ﴿وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الأَمِنِينَ﴾ إزالةً للخَوْف، وقالَ ثانيًا: ﴿أسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ امتنانًا عليهِ بمَوْهِبةٍ أخرى؛ مزيدًا لانشراحِ صدرِه، وقالَ ثالثًا: ﴿وَأضْمُمْ
стр. 6243
لمّا قلبَ الله العصا حيّةً: فَزِعَ واضطربَ، فاتَّقاها بيدِه كما يفعلُ الخائفُ من الشَّيءِ، فقيلَ له: إنَّ اتِّقاءَك بيدِك فيه غَضاضةٌ عند الأعداء. فإذا ألقَيْتَها فكما تنقلِبُ حيّةً، فأدخِلْ يدَكَ تحتَ عَضُدِك مكانَ اتِّقائِك بها، ثُمَّ أخرِجْها بيضاءَ ليَحصُلَ الأمرانِك اجتنابُ ما هو غضاضةٌ عليك، وإظهارُ مُعجِزةٍ أُخرى. والمرادُ بالجَناحك اليدُ؛ لأنَّ يدَيِ الإنسانِ بمنزلة جناحَيِ الطّائر. وإذا أدخلَ يدَه اليُمنى تحتَ عَضُدِ يدِه اليُسرى، فقد ضمَّ جناحَه إليه. والثّاني: أن يرادَ جناحِه إليه: تجلُّدُه وضبطُه نفسَه. وتشدُّدُه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ تعليمًا لهُ مكانَ اتقائِه بها. وفي الحقيقةِ قولُه: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾، ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ أمرٌ واحد؛ لأنّ معناه: اجعَلْ يَدَكَ اليُمْنى تحتَ عَضُدِكَ اليُسرى؛ لأنّ الجَناحَ عبارةٌ عنِ اليد، لكنْ صيّرَهُما شيئَيْن، ليُعَلِّقَ بكلٍّ غرضًا، وإليهِ الإشارةُ بقولِه: ((وإنما كَرّرَ المعنى الواحدَ لاختلافِ الغرضَيْن؛ وذلكَ أنّ الغَرَضَ في أحدِهِما خروجُ اليدِ بيضاء، والثاني إخفاءُ الرهب)) والإمامُ نقلَ الجوابَيْنِ مِنْ غيرِ زيادةٍ ونقصان، وقال: أحسنُ الناسِ كلامًا فيهِ صاحبُ ((الكشاف)).
قولُه: (فاتّقاها بيدِه)، أي: جَعَلَ يَدَهُ حاجزةً بينَهُ وبيْنَ المخوفِ كما في حديثِ عليٍّ ﵁: ((كنا اتّقَيْنا إذا اتّقَيْنا برسُولِ الله ﷺ ؛ فلَمْ يَكُنْ إلى العدوِّ أقربُ مِنه)).
قولُه: (غضاضة)، يُقال: غَضّ مِنهُ يَغُضُّ غضاضة؛ أي: وَضَعَ ونَقَصَ مِنْ قَدْرِه. و ((كما)) -في قولِه: ((فكما تنقلِب)) - مثلُه في قولِ بعضِهِم: كما أنهُ لا يعلمُهُ فغفرَ الله له، نقلَهُ المالكيُّ عنْ سيبويهِ. وقالَ في ((اللُّباب)): الكافُ في قولِهم: كما حَضَرَ زيدٌ قامَ عمروٌ للقِرانِ في الوُقوع.
قولُه: (أنْ يُرادَ بضَمِّ جَناحِهِ [إليه]: تجلُّدُهُ وضبطُهُ نَفْسَه)، يعني: قولُه: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ كنايةٌ عنْ تجلُّدِهِ وضبطِه، وهوَ مأخوذٌ مِنْ فِعْلِ الطائرِ عندَ الأمنِ بعدَ الخوف؛ فيكونُ بهذا الوجهِ مستعارًا على التمثيل، والحاصلُ أنهُ في الأصلِ مستعارٌ مِنْ فعلِ
стр. 6244
عندَ انقلابِ العصا حيّةً حتى لا يضطربَ ولا يرهَب؛ استعارةٌ من فعلِ الطّائر؛ لأنَّه إذا خافَ نشَرَ جناحَيْهِ وأرخاهُما. وإلاّ فجناحاه مضمومان إليه مُشَمَّران. ومنه ما يُحكي عن عمرَ بنِ عبدَ العزيزِ ﵀ أنَّ كاتِبًا له يكتبُ بينَ يدَيْه، فانْفَلَتَتْ منه فَلْتَةُ رِيحٍ، فخَجِلَ وانكَسَر، فقامَ وضربَ بقَلَمِه الأرضَ، فقالَ له عمرُ: خُذ قَلَمَك، واضمُمْ إليك جناحَك، وليُفْرِخ رَوْعُك، فإنِّي ما سمِعْتُها من أحدٍ أكثرَ ممّا سمِعْتُها من نفسِي.
ومعنى قولِه: ﴿مِنَ اَلْرَّهْبِ﴾ من أجلِ الرَّهْب، أي: إذا أصابَكَ الرّهبُ عندَ رُؤيةِ الحيّةِ فاضمُمْ إليك جناحَك: جُعِلَ الرَّهَبُ الّذي كان يصيبُه سببًا وعِلّةً فيما أُمِرَ به من ضَمِّ جناحِه إليه. ومعنى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾، وقولِه: ﴿أسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ على أحَدِ التَّفسِيرَينِ: واحدٌ؛ ولكن خُولِفَ بينَ العِبارَتَيْن، وإنِّما كُرِّرَ المعنى الواحدُ لاختلافِ الغَرَضَيْن؛ وذلك أنَّ الغرضَ في أحَدِهِما خروجُ اليَدِ بيضاءَ وفي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الطائرِ عندَ هذهِ الحالةِ، ثُمّ كَثُرَ استعمالُهُ في التجلُّدِ وضَبْطِ النفسِ حتى صارَ مثلاً فيهِ وكنايةً عنه؛ فعلى هذا يكونُ تتميمًا لمعنى ﴿إِنَّكَ مِنَ اَلْأَمِنِينَ﴾.
قولُه: (وليُفْرٍخْ رَوْعُك)، الأساس: ومِنَ المجاز: أَفْرَخَ رَوْعُك؛ أي: خلا قلبُكَ مِنَ الهَمِّ خُلُوّ البَيْضةِ مِنَ الفَرْخ، هذا ظاهر. وأما ((أفرخ روعك)) فمَنْ رواهُ بالفتح فوجهُهُ أنْ يُرادَ زوالُ ما يتوقعُهُ المُرْتاع؛ فإذا زالَ انقلبَ الرّوْعُ أمنًا. جَعَلَ زوالَ المتوقّعِ الذي هوَ مُتعلّقُ الرّوْع بمنزلةِ الفَرْخِ مِنَ البيضة، وكَثُرَ حتى صارَ في معنى الكشفِ والزوال.
قولُه: ((على أحد التفسيرَيْن)، وهوَ الوجهُ الأوّل؛ لأنّ المعنى على ما سَبَق: فأَدْخِلْ يدَكَ اليُمنى تحتَ عَضُدِكَ اليُسرى؛ فخُولِفَ بيْنَ العبارتَيْنِ بأنْ ذَكَرَ اليدَ أوّلاً والجناحَ ثانيًا، وإنما كرّرَ المعنى الواحدَ لِيُناطَ بكُلِّ مرّةٍ معنَى مُخالِف. وعلى الوجهِ الثاني قولُه: ﴿أسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ مُجْرى على حقيقتِهِ كما في الأوّل؛ لكنّ قولَه: ﴿وَأضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ كنايةٌ عنِ التجلُّدِ والتشدُّد.
стр. 6245
الثّاني: إخفاءُ الرَّهَب. فإن قلتَ: قد جُعِلَ الجناحُ وهو اليَدُ في أحَدِ المَوضِعَيْنِ مضمُومًا وفي الآخَرِ مَضمُومًا إليه، وذلك قولُه: ﴿وَأضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ وقولُه: ﴿وَأضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَنَاحِكَ﴾ [طه: ٢٢] فما التّوفيقُ بينَهما؟ قلتُ: المرادُ بالجَناحِ المضموم: هو اليَدُ اليُمنى، وبالمَضْمُومِ إليه: اليدُ اليُسرى وكلُّ واحدةٍ من يُمنى اليَدَيْنِ ويُسراهُما: جَناحٌ. ومن بِدَعِ التّفاسير: أنَّ الرَّهْبَ: الكُمُّ، بلُغةِ حِمْيَرَ، وأنَّهم يقُولُون: أعطِني ممّا في رَهْبِك، ولَيْتَ شِعرِي كيفَ صحَّتُه في اللّغة؟ ! وهل سُمِعَ من الأثْباتِ الثِّقاتِ الّذينَ تُرتَضى عربِيَّتُهم؟ ثمّ ليتَ شعريْ كيفَ موقِعُه في الآية؟ وكيف تطبيقُه المَفْصِلَ كسائِرِ كلماتِ التَّنزيل؟ على أنّ موسى صلواتُ الله عليه ما كان عليهِ ليلةَ المُناجاةِ إلاّ زُرْمانِقةٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (ومِنْ بِدَعِ التفاسير: أنّ الرّهْب: الكُمّ، بلُغةِ حِمْيَر)، قالَ مُحيي السُّنة: قالَ الأصمَعيّ: سمعتُ بعضَ الأعرابِ يقولُ: أعطني ما في رَهبِك؛ أي: في كُمِّك. أي: اضمُمْ إليكَ يَدَكَ وأخرِجْهُ مِنَ الكُم؛ لأنُه تناولَ العصا ويدُهُ في كُمِّهِ وهوَ بعيد؛ ولهذا قال: ((ليت شعري كيفَ موقِعُهُ في الآية؟ )).
قولُه: (مِنَ الأثبات)، الأساس: هوَ ثَبْتٌ مِنَ الأثبات؛ إذا كانَ ذا حُجّةٍ لِثِقَتِهِ في روايته، ووجدْتُ فلانًا مِنَ الثقاتِ والأعلامِ الأثبات.
قولُه: (زُرْمانِقة)، النِّهاية: وفي حديثِ ابنِ مسعود: أنّ موسى ﵇ أتى فرعونَ وعليهِ زُرْمانِقة، أي: جُبّةُ صُوف. والكلمةُ أعجمية، قيل: هيَ عبرانية، وقيل: فارسية؛ أصلُه: أُشْتُرْبانهْ؛ أي: متاعُ الجَمّال.
стр. 6246
من صُوفٍ لا كُمَّيْ لها. ﴿فَذَانِكَ﴾ قرئَ مُخفَّفًا ومُشدَّدًا، فالمُخَّففُ مُثنّى ذاك. والمُشدَّدُ مُثنّى ((ذلك)). ﴿بُرْهَانَانِ﴾ حُجَّتانِ بَيِّنَتانِ نيِّرَتان. فإنْ قلتَ: لمَ سُمِّيَتِ الحُجّةُ بُرهانًا؟ لبَياضِها وإنارَتِها من قولِهم للمرأةِ البيضاءِ: بَرَهْرَهةٌ، بتكريرِ العَيْنِ واللاّم معًا. والدَّليلُ على زِيادةِ النُّونِ قولُهم: أَبرَهَ الرَّجُلُ، إذا جاءَ بالبُرهان. ونظيرُه تسمِيَتُهُم إيّاها سلطانًا؛ من السُّليطِ وهو الزَّيتُ، لإنارَتِها.
[﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ* وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ٣٣ - ٣٤]
يقالُ: رَدَاتُه: أَعَنتُهُ. والرِّدْءُ: اسمُ ما يُعانُ به، (فِعْلٌ) بمعنى (مفعولٍ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (لا كُمّيْ لها)، مثل: لا غُلامَيْ لك، ولا أبا لك، في سقوطِ النونِ وإقحامِ اللامِ بيْنَ المضافِ والمضافِ إليهِ لتأكيدِ الإضافة.
قولُه: (قُرِئَ مُخفّفًا ومُشدّدًا)، ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو: ((فذانِّك)) بتشديدِ النون، والباقون: بتخفيفِها.
قولُه: (والمُشَدّدُ مُثَنّى ((ذلك)))، قيل: أصلُه: ذانِ لك؛ قُلِبَتِ اللامُ نونًا وأُدغِمَتِ النونُ في النون. وقالَ الزجّاج: وكأنَّ ((ذانِّكَ)) مُشَدّدًا تثنيةُ ((ذلك))، و ((ذانِكَ)) مخفّفًا تثنيةُ ((ذاك))؛ جَعَلَ بَدَلَ اللام تشديدَ النونِ في ((ذانّك)).
قولُه: (بَرَهْرَهَة)، الأساس: أَبْرَهَ فلان: جاءَ بالبُرهان، وبَرْهَنَ مُوَلّد، والبُرهان: بيانُ الحُجّةِ وإيضاحُها؛ مِنَ البَرَهْرَهة، وهيَ البيضاءُ مِنَ الجواري؛ كما اشْتُقّ السلطانُ مِنَ السليطِ لإضاءتِه.
قولُه: (والرِّدْء: اسمُ ما يُعانُ به)، الراغب: الرِّدْءُ الذي يَتْبَعُ غيرَهُ مُعينًا له، وقد أردأني، والرِّدءُ في الأصلِ مثلُه؛ لكنْ تعورِفَ في المتأخِّرِ المذموم، يُقال: رَدَأَ الشيءُ رداءة؛ فهوَ رديء.
стр. 6247
كما أنَّ الدِّفءَ اسمٌ لما يُدفَأُ به. قالَ سلامةُ بنَ جَنْدلٍ:
ورِدئي كُلُّ أبيضَ مَشرَفيٍّ … شَحِيذِ الحَدِّ عَضبٍ ذِي فُلُولِ
وقُرِئَ: (رِدًا) على التخفيف، كما قُرئَ (الخِبَ). ﴿رِدْءًا يُصَدِّ قُنِي﴾ بالرَّفْعِ والجَزْمِ صفةٌ وجوابٌ، ونحو: ﴿وَلِيًّا يَرِثُنِي﴾ سواء. فإن قلتَ: تصديقُ أخيه ما الفائدةُ فيه؟
قلتُ: ليسَ الغَرَضُ بتصديقِه أنْ يقولَ له: صدقتَ، أو يقولَ للناسّ: صدقَ مُوسى، وإنَّما هو أن يُلَخِّصَ بلسانِه الحقَّ، ويَبْسُطَ القولَ فيه، ويُجادِلَ به الكفَّارَ- كما يفعلُ الرَّجُلُ المِنْطِيقُ ذو العارِضةِ، فذلك جارٍ مَجرى التَّصديقِ المُقيَّدِ، كما يُصدَّقُ القَولُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (كما أنّ الدِّفْءَ اسمٌ لِما يُدْفَأُ به)، الجوهري: الدِّفْء: السخونة؛ تقولُ مِنه: دَفِئَ الرجلُ دَفاءة؛ مثل: كَرِهَ كَراهة، وكذلك: دَفِئَ دَفَأً؛ مثل: ظَمِئَ ظَمَأَ، والاسم: الدِّفْءُ، بالكسر، وهو: الشيءُ الذي يُدفِئُك، والجمع: الأَدْفاء.
قولُه: (ورِدْئي كلُّ أبيضَ) البيت، أي: عوني كلُّ سيفٍ مصقولٍ شحيذٍ حديدٍ عَضْبٍ ماضٍ، المَشْرَفيّ: منسوبٌ إلى مشارِفِ الشام، والفُلول: الكَسْرُ في حَدِّ السيف.
قولُه: (وقُرِئَ: ((رِدًا)) على التخفيف)، نافع: ((رِدًا)) بفتحِ الدالِ مِنْ غيرِ همز، والباقون: بإسكانِ الدالِ وبالهمز، وحمزة: على مذهبِهِ في الوقف.
قولُه: (﴿يَصَدِّقُنِي﴾ بالرفعِ والجزم)، عاصمٌ وحمزة، والباقون: بالجزم. وعلى قراءةِ الرفعِ: الجَوابُ محذوف.
قولُه: (ذو العارضة)، النِّهاية: في حديثِ عَمرِو بنِ الأهتم: قالَ للزِّبْرِقان: إنهُ شديدُ العارضة؛ أي: شديدُ الناحيةِ ذو جَلَدٍ وصرامة.
стр. 6248
بالبُرهان؛ ألا تَرى إلى قولِه: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾، وفضلُ الفصاحةِ إنَّما يُحتاجُ إليه لذلك، لا لقولِه: صدقتَ؛ فإنَّ سَحْبانَ وباقلاً يستَوِيانِ فيه-، أو يَصلَ جناحَ كلامِه بالبيان، حتّى يُصدِّقَه الذي يَخافُ تكذيبَه، فأُسنِدَ التَّصديقُ إلى هرونَ؛ لأنَّه السببُ فيه إسنادًا مجازيًّا. ومعنى الإسنادِ المجازيِّ: أنَّ التَّصديقَ حقيقةٌ في المُصدِّقِ، فإسنادُه إليه حقيقةٌ، وليس في السَّببِ تصديقٌ، ولكنِ استُعِيرَ له الإسنادُ؛ لابَسَ التَّصديقَ بالتَّسَبُّبِ كما لابَسَهُ الفاعِلُ بالمُباشَرةِ. والدَّليلُ على هذا الوجهِ قولُه: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ وقراءة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (ويصلَ جَناحَ كلامِهِ بالبيان)، شَبّهَ الكلامَ الماضي بالسّهْمِ المُرْسَل، فإذا وصلَ السّهْمُ بالجَناح؛ قَصَدَ الرّمِيّةَ فلا يلتوِي عندَها، كَذلكَ الكلامُ إذا بُيَنِّ وزِيدَ في بُرْهانِه؛ تَمَكّنَ عندَ السامعِ وأخذَ بمجامعِ قلبِه. والفرقُ بينَ هذا الوجهِ هوَ أنّ هارونَ في الأَوّلِ كانَ ناقلاً لكلامِ موسى ﵉ ومؤدِّيًا على وجهٍ أبْيَنَ وأكْشَف؛ فمعنى ﴿يُصَدِّقُنِي﴾: يُلخِّصُ كلامي، فإنّ الكلامَ المُلَخّصَ مؤثِّر؛ فكأنّهُ يُصدِّقُهُ فيما ادّعاه، والمعنى على الثاني: يؤيّدُ كلامي بالبرهانِ والبيان؛ فيصدِّقني قومي بسَبَبِه. فالمصدِّقُ على الأوّلِ هارون، وعلى الثاني القوم. والأوّلُ مِنْ إطلاقِ المُسَبِّبِ على السّبَب، والثاني مِنَ الإسنادِ المجازي.
قولُه: (ومعنى الإسناد المجازي)، يعني: أنّ التصديقَ حقيقةٌ في القوم وهُمُ الذينَ يباشرونَهُ بأنفسِهم؛ فإسنادُ الفعلِ إليهم حقيقة، وليس في هارون تصديق؛ ولكنْ لمّا كانَ السببَ في التصديقِ استُعيرَ الإسنادُ له، ونحوُه: بني الأميرُ المدينة؛ والأميرُ إنما أمرَ بالبناء، فأسندَ إلى الحاملِ كما أسندَ إلى المباشر.
قولُه: (والدليل على هذا الوجه قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾)، لأنّ التقدير: أرسلْهُ
стр. 6249
من قرأ: (ردءًا يُصَدِّقُوني)، وفيها تقوِيةٌ للقراءةِ بجَزْمِ (يُصَدِّقْني).
[﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ ٣٥]
العَضُدُ: قَوامُ اليَدِ، وبِشِدَّتِها تشتَدُّ. قالَ طَرَفةُ:
أبَني لُبَينَى لَستُمُ بِيَد … إلاَّ يدًا ليسَتْ لَها عَضُدُ
ويُقالُ في دُعاءِ الخَير: شَدَّ الله عَضُدَك، وفي ضِدِّه: فتَّ الله في عَضُدِك. ومعنى ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ سنُقَوِّيك به ونعينُك، فإِمّا أن يكونَ ذلك لأَنَّ اليَدَ تشتَدُّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معي ليكونَ سببًا لأنْ يُصدِّقَني قومي. فقيلَ له: لِمَ ذلك؟ فأجاب: إني أخافُ أنْ يُكذِّبون. وهوَ الوجه؛ لأنُه مقابلٌ لقولِه: ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾. ولمّا كانَ جُلّ غَرَضِهِ ﵇ الدينُ وكانَ يُؤْثِرُه على حظِّ نفسِه؛ جاءَ بـ ((أنْ)) في هذا التعليل، وبالفاءِ في الأوّل؛ لأنُه تعليلٌ لتصديقِ القوم، كأنُه قيل: أَرْسِلْهُ معي رِدْءًا لأَن يُصَدِّقْني قومي؛ لأني أخافُ أنْ يُكذِّبون.
قولُه: (وفيها)، أي: في قراءةِ ((يُصدِّقوني)) تقويةٌ لقراءةِ مَنْ جَزَم؛ لأنّ ((يُصدِّقوني)) لا يصلحُ أنْ يكونَ صفةً لقولِه: ﴿رِدْءًا﴾؛ لعَدَمِ المطابقة؛ فتعيّنَ أنْ يكونَ جوابًا؛ وذلكَ لأنّ كلتا القراءتَيْنِ تدلُّ على أنّ الإرسالَ علةٌ للتصديق، وتقريرُه: أنْ يُصدِّقوني؛ استئنافٌ كأنهُ قيل: لِمَ تَرسِلُه؟ فقيلَ في الجواب: يُصدِّقوني أي: لَأجْلِ أنْ يُصَدِّقوني؛ اعتمادًا على فهمِ السامِع. و ((يُصدِّقْني)) بالجزمِ جوابُ الأمر؛ فيكونُ معناه: أنْ تُرسِلَهُ معي يُصَدِّقْني؛ فالأوّلُ سببٌ للثاني.
قولُه: (أَبَني لُبَيْني) البيت، لُبَيْني: مُصَغّرٌ اسمُ أَمة؛ عَيّرَهُم بكَوْنِهم أبناءَ أَمة، ونَصَبَ ((يدًا))، والمستثنى منهُ مجرورٌ بالباء؛ فجعلَ الاستثناءَ مِنَ مَوضِعِ الباءِ لا مِنْ لفظِه.
قولُه: (ومعنى ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾: سنُقَوِّيكَ بهِ ونُعينُك؛ فإمّا أنْ يكونَ)،
стр. 6250
بِشِدّةِ العَضُد. والجملةُ تقوي بشِدّةِ اليَدِ على مزاوَلةِ الأُمور. وإمّا لأنَّ الرَّجُلَ شُبِّهَ باليَدِ في اشتِدادِها باشتدادِ العَضُد، فجُعِلَ كأنَّه يَدٌ مُشتدّةٌ بعَضُدٍ شديدةٍ. ﴿سُلْطَانًا﴾ غلبةً وتسَلُّطًا. أو حُجّةً واضِحةً ﴿بِئَايَتِنَا﴾ متعلِّقٌ بنحوِ ما تعلَّقَ به ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾، أي: اذهبا بآياتِنا. أو بـ ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾، أي: نسلِّطُكما بآياتِنا. أو بـ (لا يَصِلون)، أي: تمتنِعُون منهُم بآياتِنا. أو هو بيان لـ ﴿اَلْغَالِبُونَ﴾ لا صلةٌ، لامْتِناعِ تقدُّم الصِّلةِ على المَوْصُول. ولو تَأَخَّرَ لم يَكُنْ إلاّ صلةً له. ويجوزُ أن يكونُ قَسَمًا جوابُه: ﴿فَلَا يَصِلُونَ﴾، مُقدَّمًا عليه. أو من لَغْوِ القَسَم.
[﴿لَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ ٣٦]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعني: أنّ قولَه: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ عبارةٌ عنْ قولِنا: سنُقَوِّيك، وطريقُهُ وجهان: أحدُهما: أنْ يكونَ مجازًا مُرسلاً مِنْ بابِ إطلاقِ السّبَبِ على المُسَبّبِ بمَرْتَبَتَيْن؛ فإنّ الأصل: سنُقَوِّيك به، ثُمّ نُقَوِّي يَدَكَ به، ثُمّ سَنشُدُّ عَضُدَكَ به.
وثانيهما: أنْ يكونَ استعارة؛ شَبّهَ حالةَ موسى بالتّقَوِّي بأخيهِ بحالةِ اليدِ المُتَقَوِّي بالعَضُد؛ فجُعِلَ كأنُهُ يدٌ مُشتَدّةٌ بعَضُدٍ شديدة.
قولُه: (أو هوَ بيانٌ لـ ﴿أَلْغَالِبُونَ﴾ لا صِلة)، كأنُه قيل: بماذا نَغْلِبُ؟ وأُجيبَ: ﴿بِئَايَتِنَا﴾.
قولُه: (قَسَمًا جوابُه: ﴿فَلَا يَصِلُونَ﴾)، فيهِ تساهُل؛ لأنّ جوابَ القَسَمِ لا يتقدّمُ عليه، ولا يكونُ فيهِ فاء. ولعلّ مُرادَهُ أنّ ما قبلَهُ يَدُلُّ على أنّ جوابَهُ محذوف.
قولُه: (أو مِنْ لَغْوِ القَسَم)، قيل: أيْ لا جوابَ له؛ يعني: مطلقًا لا لفظًا ولا تقديرًا؛ بلْ جيءَ بهِ مُقحَمًا لمجرّدِ التأكيد؛ كقولِك: زيدٌ وأبيكَ منطلق. قالَ صاحبُ ((الفرائد)): جوابُه محذوف؛ لأنّ التقديرك زيدٌ منطَلِقٌ والله إنّ زيدًا لمنطَلِق، تُرِكَتْ لِدَلالةِ الجملةِ المذكورة. وإنّما سُمِّيَ لَغْوًا؛ لأنّ القائلَ غيرُ قاصدٍ القَسَم، وإنّما أُجرِيَ على لسانِهِ بطريقِ العادة. وقلتُك هذا لا يجوزُ في كلامِ الله المجيدِ لا سيّما مِنَ الله تعالى.
стр. 6251
﴿سِحْرٌ مُّفْتَرًى﴾ سِحْرٌ تعمَلُه أنتَ، ثمّ تفتَرِيهِ على الله. أو: سحرٌ ظاهرٌ افتِراؤُه. أو: موصوفٌ بالافتراءِ أنواعِ السِّحرِ، وليسَ بِمُعجزةٍ من عندِ الله. ﴿فِي آبَائِنَا﴾ حالٌ منصوبةٌ عن هذا، أي: كائنًا في زمانِهِم وأيّامِهِم، يريدُ: ما حُدِّثْنا بكَونه فيهم، ولا يخلو من أن يكُونُوا كاذِبِينَ في ذلك، وقد سمِعُوا وعَلِمُوا بنَحْوِه. أو يريدوا أنَّهم لم يسمَعُوا في فَظاعتِه. أو: ما كانَ الكُهّانُ يُخبِرُون بظُهورِ مُوسى ومجيئهِ بما جاءَ به. وهذا دليلُ أنَّهم حُجُّوا وبُهِتُوا، وما وَجَدُوا ما يدفَعُون به ما جاءَهم من الآيات إلاّ قولهم: هذا سحرٌ وبِدْعةٌ لم يسمعوا بمِثْلِها.
[﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ٣٧]
يقولُ: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ﴾ منكم بحالِ مَن أَهَّلَهُ الله للفَلاحِ الأَعْظمِ، حيث جعلَه نبيًّا وبَعَثَهُ بالهُدى، ووَعَدَهُ حُسنَ العُقبى: يعني نفسَه، ولو كانَ -كما تزعمُون- كاذبًا ساحِرًا مُفتَرِيًا لما أهَّلَهُ لذلك؛ لأنّه غنِيٌّ حَكِيمٌ لا يُرسِلُ الكاذِبِينَ، ولا يُنَبِّئُ السَّاحِرِينَ، ولا يُفلِحُ عندَه الظّالمون. و ﴿عَاقِبَةُ اَلْدَّارِ﴾ هي العاقبةُ المحمودةُ. والدَّلِيلُ عليه قولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى اَلدَّارِ* جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ وقولُه: ﴿وَسَيَعْلَمُ اَلْكُفَّارُ لِمَن عُقْبَى اَلْدَّارِ﴾ [الرعد: ٤٢]، والمُرادُ بالدّارِ: الدُّنيا، وعاقِبتُها وعُقباها: أن تُختَمَ للعبدِ بالرَّحمةِ والرِّضوان وتَلَقِّي الملائكةِ بالبُشرى عندَ الموَت. فإن قلتَ: العاقبةُ المحمودةُ والمذمومةُ؛ كِلْتاهُما يصحُّ أنْ عاقبةَ الدّار؛ لأنَّ الدُّنيا إمّا أن تكون خاتِمتُها بخيرٍ أو بشرٍّ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (أو موصوفٌ بالافتراءِ كسائرِ أنواعِ السِّحْر)، هذا بناءٌ على مذهبِهِ أنّ السِّحْرَ لا أَثَرَ في لهُ في نفسِه، وأنهُ حِيلةٌ وتَمْويه؛ كما نَصّ عليهِ في البقرةِ عندَ قولِه: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. فعلى هذا الوجهِ ﴿مُّفْتَرًى﴾ باقٍ على إطلاقِه، وهوَ صفةٌ مؤكِّدة، وعلى الوجهِ الأولِ صفةٌ مُخصّصةٌ مُقيّدةٌ بما ذكَره؛ أي: ما جئتَ بهِ ليسَ بمُعجِز؛ بلْ هوَ سِحْرٌ تفتريهِ أنتَ على الله، أو: ليسَ بمُعجِز؛ بلْ هوَ سحرٌ ظاهرٌ غيرُ خافٍ على أحد.
стр. 6252
فَلِمَ اختُصّتْ خاتمتُها بالخَيْرِ بهذه التَّسميةِ دُونَ خاتِمتِها بالشَّرِّ؟ قلتُ: قد وضَعَ الله سبحانَه الدُّنيا مجازًا إلى الآخرة وأراد بعبادِه أن لا يعمَلُوا فيها إلاّ الخير، وما خلَقَهُم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (الدنيا مجازًا إلى الآخرة)، أي: موضعُ الجوازِ وممرٌّ إلى الآخرة.
قولُه: (وأرادَ بعباده أنْ لا يعملوا فيها إلا الخير)، وهوَ مدفوعٌ بقولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ اَلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]. قالَ مُحيي السُّنة: ﴿وَمَن تَكُونُ لَهُ, عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي: العُقْبى المحمودة.
وقلتُ: لعلّ معنى كونِها محمودةً أنها مُقتَرِنةٌ بقولِه: ﴿لَهُ,﴾؛ فلَوْ قيل: ((عليه)) أو ما يجري مَجْراها -كما سيجيءُ بُعَيْدَ هذا ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةً الظَّالِمِينَ﴾ - لانْقَلَبَتْ إلى السُّوء، ولوْ يُقيِّدْها بأحدِهِما جازَ أنْ تُقيّدَ بالمحمودة أو بالسُّوء.
الانتصاف: أما وَجْهُ العاقبةِ المطلَقةِ وإرادةِ الخيرِ بِها فهوَ أنّ الله هدى الناسَ إليها ووعدَهُمْ ما في سُلوكِها مِنَ النجاةِ- إذ هي المأمُور بها، وعوملت معاملةَ ما هو مراد، وإن لم تكن مرادة- والنعيم، ونهاهُمْ عَنْ ضِدِّها وتَوَعّدَ عليهِ بالعقابِ الأليم، وركّبَ فيهِمْ عقولاً تُرشِدُهمْ إلى عاقبةِ الخير، وأزاحَ عِللهم؛ فكانَ مِنْ حَقِّهِمْ أنْ يَسلُكُوا طريقَ الخير، وأنْ يَجعلُوها نُصْبَ أَعيُنِهِم؛ فأُطلِقَتِ العاقبةُ للخيرِ لذلك؛ إذْ هيَ المأمورُ بها، وعُومِلَتْ معامَلَةَ ما هوَ مرادٌ وإنْ لَمْ تكُنْ مُرادة. ثُمّ قال: ((لولا قولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ اَلدَّارِ﴾ [الرغد: ٢٥] لقُلْتُ: استعمالُ اللامِ هوَ الدالُّ على كونِها خيرًا، واستعمالُ ((عليهم)) على كونِها شَرًّا)).
وقلتُ: الآيةُ غيرُ مانِعةٍ عنْ ذلك؛ فإنّ قرينةَ اللعنةِ والسُّوءِ مانِعةٌ عنْ إرادةِ الخير، وإنّما أتى بـ ﴿لَهُ,﴾ ليُؤذِنَ أنّهُما حقّانِ ثابتانِ لهُمْ لازمانِ إياهم. ويَعْضُدُهُ التقديمُ المفيدُ للاختصاص.
стр. 6253
إلاّ لأجْلِه؛ لِيتَلقَّوا خاتِمةَ الخَيرِ وعاقِبةَ الصِّدقِ، ومَن عَمِلَ فيها خلافَ ما وضَعَها الله لهُ فقد حرّف؛ فإذن عاقبتُها الأصْليّةُ هي عاقِبةُ الخَيرِ. وأمّا عاقبةُ السُّوءِ فلا اعتِدادَ بها؛ لأنّها من نتائِج تحريفِ الفُجّار. وقرأَ ابنُ كثيرٍ: (قال موسى) بغيرِ واوٍ، على ما في مصاحفِ أهلِ مكّةَ، وهي قراءةٌ حسنةٌ؛ لأنَّ الموضِعَ مَوضِعُ سؤالٍ وبحثٍ عمّا أجابَهُم به مُوسى ﵇ عند تسمِيتَهِم مِثْلَ تلك الآياتِ الباهرةِ سِحرًا مُفترى. ووجهُ الأُخرى: أنَّهم قالُوا ذلك. وقالَ مُوسى ﵇ هذا، ليُوازِنَ النّاظِرُ بينَ القَوْلِ والقَوْلِ، ويتبصّرَ فسادَ أحدِهِما وصحّةَ الآخَر، وَبِضِدِّهَا تَتَبيَّنُ الأشياءُ. وقُرئَ: ﴿تَكُونُ﴾ بالياءِ والتّاء.
[﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٣٨]
رُويَ أنّه لمّا أَمَر ببِناءِ الصَّرح، جَمعَ هامانُ العُمّال حتّى اجتمعَ خمسونَ ألفَ بنّاءٍ سوى الأتباعِ والأُجَراء، وأمرَ بطَبْخِ الآجُرِّ والجِصِّ، ونَجَرَ الخشبَ وضَرَبَ المَسامِير، فشيَّدُوه حتّى ما لمْ يبلُغهُ بنيانُ أحدٍ من الخَلْق، فكان الباني لا يقدِرُ أن يقِفَ على رأسِه يبنى، فبعثَ الله تعالى جبريلَ ﵇ عند غُروبِ الشَّمس، فضربَه بجَناحِه فقَطَعَه ثلاثَ قِطَع: وقعتْ قطعةٌ على عَسْكَرِ فِرعَونَ فقتلتْ ألفَ ألف رجُلٍ، ووقعتْ قطعةٌ في البحر، وقِطعةٌ في المغرِب، ولم يبقَ أحدٌ من عُمّالِه إلاّ قد هَلَك.
ويُروى في هذه القصّة: أنَّ فرعونَ ارتقى فوقَه فرمى بنُشّابِه نحوَ السّماء، فأرادَ الله أن يَفتِنَهم فرُدَّت إليه وهي ملطوخةٌ بالدَّم؛ فقالَ: قد قتلتُ إله موسى، فعندَها بعثَ الله جبريلَ ﵇ لهَدْمِه، والله أعلمُ بصحّتِه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (وقُرِئَ ﴿يَكُونَ﴾ بالياءِ والتاء)، حمزةُ والكسائي: بالياءِ التحتانية، والباقون: بالتاء.
стр. 6254
قَصَدَ بنفْي عِلْمِه بإلهٍ غيرِه: نفيَ وجودهِ، معناه: ما لكم من إلهٍ غيري، كما قال : ﴿قَلْ أَتُنَبِئُونَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨] معناه: بما ليسَ فيهنَّ، وذلك لأنَّ العلمَ تابعٌ للمعلومِ لا يتعلّق به إلا على ما هو عليه، فإذا كان الشّيءُ معدومًا لم يتعلَّقْ به موجودًا، فمن ثمَّ كان انتفاءُ العلمِ بوُجودِه لانتفاءِ وجودِه. وعُبِّرَ عنِ انتفاءِ وُجودِه بانتِفاءِ العلمِ بوُجودِه. ويجوزُ أن يكونَ على ظاهرِه، وأنَّ إلهًا غيرَه غيرُ معلومٍ عندَه، ولكنَّه مظنونٌ بدليلِ قولِه: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ, مِنَ أَلْكَاذِبِينَ﴾، وإذا ظنَّ موسى ﵇ كاذبًا في إثباتِه إلهًا غيرَه ولم يعلَمْهُ كاذبًا، فقد ظنَّ أنَّ في الوُجودِ إلهًا غيرَه، ولو يكُنِ المَخذُولُ ظانًّا ظنًّا كاليَقِين؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (قَصَدَ بنفي علمِهِ بإلهٍ غيرِه: نفيَ وجودِه)، الانتصاف: وَهِمَ فيهِ الزمخشري؛ لأنّ الله عبَّرَ عنْ نفيِ المعلومِ بنفيِ العلم في قولِه: ﴿أَتُنَبِئُونَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ [يونس: ١٨]؛ فظنّ أَنّ سِرّ التعبيرِ شاملٌ لكلِّ تعلُّقٍ بالمعلوم، وليسَ كذلك؛ بلْ هذا التعبيرُ لا يكونُ إلا في علمِ الله؛ لعمومِ تعلُّقِهِ بجميع المعلومات؛ حتى لا يعزُبُ عنهُ مِثقالُ ذَرّة، وعِلْمُ المخلوقينَ ليستْ لهُ هذهِ الدرجة.
وقلتُ: إنّ فِرعونَ كانَ يدّعي الإلهية؛ فعامَلَ بعِلْمِهِ معامَلَةَ عِلْمِ الله؛ ومِنْ ثَمّ طغى وتكبّرَ وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقال: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾، ولمْ يَقُلْ: اطبخْ لي الآجُر؛ تعاظُمًا، كما قالَ مَنْ لَهُ العظَمةُ حقيقةً: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي اَلْنَّارِ﴾ [الرعد: ١٧]. ومِنْ تعاظُمِهِ نداؤُهُ لوزيرِهِ باسمِهِ وبحرفِ النداء، وتوسيطِ ندائِهِ خلالَ الأمر.
قولُه: (ويجوزُ أنْ يكونَ على ظاهرِه)، يعني أنّ قولَه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِنْ إلَهٍ﴾ واردٌ على الشكِّ وإجرائِهِ مَجْرى سائرِ علوم الخلقِ في أنُهُ لا يلزمُ مِنْ نفيِ تعلُّقِهِ بوجودِ أمرٍ نفيُ ذلكَ الأمر؛ فهوَ أحقرُ مِنْ ذلك، ويؤيِّدُهُ استعمالُهُ ((لعلّ)) والظنّ. ويمكنُ أنْ يُقال: إنّ الظاهرَ أنّ كلامَه الأوّلَ كانَ تمويهًا وتلبيسًا على القوم، والثاني مُواضَعةٌ معَ صاحبِ سِرِّهِ هامان؛ فإثباتُ الظنِّ في الثاني لا يَدفَعُ أنْ يكونَ نفيُ العِلمِ في الأوّلِ لنفيِ المعلوم.
стр. 6255
بل عالمًا بصحّةِ قَولِ مُوسى ﵇ لقولِ مُوسى له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] لَمَا تكلَّفَ ذلك البُنيانَ العظيم، ولَمَا تعبَ في بنائِه ما تعِب، لعلّه يطَّلِعُ بزَعْمِه إلى إلهِ مُوسى ﵇، وإن كانَ جاهلاً مُفرِطَ الجهلِ به وبصِفاتِه؛ حيثُ حَسِبَ أنّه في مكانٍ كما كانَ هو في مَكان، وأنّه يُطلَعُ إليه كما كان يُطلَعُ إليه إذا قَعَدَ في عِلِّيَّتهِ، وأنه مَلِكُ السَّماء؛ كما أنَّه مَلِكُ الأرض. ولا ترى بيِّنةً أثْبَتَ شهادةً على إفراطِ جهلِه وغباوَتِه وجهلِ مَلَئِه وغباوَتِهِم؛ من أنّهم رامُوا نَيْلَ أسبابِ السّمواتِ بصَرحٍ يبنُونَه، وليتَ شِعري؛ أكانَ يُلَبِّسُ على أهلِ بلادِه ويضحكُ من عقولِهم، حيثُ صادَفَهم أغبى النّاسِ وأخلاقُهم من الفِطَنِ وأشبَهُهُم بالبَهائِم بذلك؟ أم كانَ في نفسِه بتلكَ الصِّفة؟ وإنْ صحَّ ما يُحكي من رُجوعِ النُّشّابةِ إليه ملطوخةً بالدَّم، فتهكَّمَ به بالفعل، كما جاءَ التَّهَكُّمُ بالقَول، في غَيْرِ موضِعٍ من كتابِ الله بنُظرائِه من الكَفَرة. ويجوزُ أنْ يُفَسَّرَ الظَّنُّ على القَولِ الأوَّلِ؛ باليَقِين، كقوله:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (يُطلَعُ إليه)، المَطْلَع: المأتى؛ يُقال: أينَ مَطْلَعُ هذا الأمر؟ أي: مأتاهُ الذي يُطلَعُ عليهِ مِنْ إشرافٍ إلى انحدار.
قولُه: (في عِلِّيّته)، أي: غُرْفتِه، هيَ فُعِّيلة؛ مثل: مُرِّيقة، وأصلُها: عُلِّيوة: وقيل: هيَ العِلِّيّةُ بالكسرِ على فِعِّيلة؛ جُعِلَ مِنَ المُضاعَف؛ إذْ ليسَ في الكلامِ فُعِّيلة.
قولُه: (على القولِ الأوّلِ)، أي: على أنْ يكونَ القصدُ بنفيِ عِلْمِهِ في قولِه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ نفيَ وجودِ إلهٍ غيرِه؛ أي: ما لَكُمْ مِنْ إلهٍ غيري البتّة، وإني على يقينٍ أنّ موسى كاذب؛ فحينئذٍ يتناقضُ الأمرُ ببناءِ الصّرْح، كما قالَ فيما سبق: ((لوْ لمْ يَكُنِ المخذولُ ظانًّا؛ لَما تكلّفَ ذلكَ البُنيان)).
стр. 6256
فقُلْتُ لهمْ ظُنُّوا بألفَيْ مُدَجَّجٍ
ويكونُ بناءُ الصَّرح مناقضَةً لِما ادَّعاهُ من العلمِ واليَقِين، وقد خَفِيَتْ على قومِه لغباوَتِهم وبَلَهِهِم. أو لمْ تَخفَ عليهم، ولكنّ كلاًّ كانَ يخافُ على نفسِه سوطَه، وسيفَه، وإنّما قال: ﴿فَأَوْقِدْلِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾، ولم يقُل: اطبُخ لي الآجرَّ واتَّخِذْه، لأنَّه أوّلُ من عَمِلَ الآجُرَّ، فهو يُعَلِّمَه الصَّنعة، ولأنَّ هذه العبارةَ أحسنُ طِباقًا لفصاحةِ القُرآنِ وعلوِّ طبقتِه، وأشبهُ بكلامِ الجبابرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (فقلتُ لهمْ ظُنُّوا بألفَيْ مُدَجّجٍ)، تَمامُه:
سَراتُهُمُ في الفارسيِّ المُسَرّد
مُدَجّج: مُغطّى في السلاح؛ مِنْ: دَجّجَتِ السماءُ إذا تَغَيّمَت، والسّراة: الرؤساء، وظُنُّوا -بضمِّ الظاء-: أمر، الفارسي: الدِّرْعُ المنسوبُ إلى الفارس، وهوَ مَثَلٌ في الجودة. يُنذِرُ قومًا بهجومِ جيشٍ تامِّ السلاح؛ أي: قلتُ لهم: أَيْقِنُوا بإتيانِ ذلكَ الجيش.
قولُه: (أحسَنُ طِباقًا لفصاحةِ القرآن)، قالَ صاحبُ ((المثل السائر)): فانظرْ إلى قولِهِ تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾؛ فإنُه لَمّا جيءَ بما يقتضي أنْ يَذكُرَ لفظَ ((الآجُرّ)) عَدَلَ مِنهُ إلى هذهِ العبارة، ولم يَذْكُرْ لفظَ ((القَرْمَد)) كما فَعَلَ النابغة:
أو دُمْيةٍ في مَرْمَرٍ مرفوعةٍ … بُنِيَتْ بآجُرٍّ يُشادُ بقَرْمَدِ
فإنّ أُولى العبارتَيْنِ مُبتَذَلةٌ سخيفةٌ متداوَلةٌ بينَ العامة، والثانيةُ متنافِرةٌ وحْشِيّةٌ غريبةٌ يضعانِ الكلامَ مِنْ قَدْرِه.
قولُه: (وأشبَهُ بكلامِ الجبابرة)، أي: أَوْقِدْ لي على هذا الشيءِ المسمّى بالطين؛ كأنُه شيءٌ حقيرٌ لا يصلُحُ مِنْ مثلِ الملوكِ أنْ يتلفّظَ به، ويَدخُلُ في تسميتِهِ في زُمْرةِ العامة؛ كما عَبّرَ الله
стр. 6257
وأمْرُ هامانَ -وهو وزيرُه ورديفُه- بالإِيقادِ على الطِّين منادَى باسمه بـ ((يا)) في وسَطِ الكلام؛ دليلُ التّعظيمِ والتَّجَبُّر. وعن عُمرَ ﵁ أنَّه حينَ سافَرَ إلى الشّام ورأي القُصورَ المُشَيَّدةَ بالآجُرِّ قال: ما علمتُ أنّ أحدًا بني بالآجُرِّ غيرُ فرعون. والطُّلُوعُ والاطِّلاع: الصُّعود. يقال: طَلَعَ الجبلَ واطَّلَع: بمعنى.
[﴿اسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ ٣٩ - ٤٠]
الاستكبارُ بالحقِّ: إنّما هو لله ، وهو المُتَكَبِّرُ على الحقيقة، أي: المُتبالِغُ في كبرياءِ الشَّأن. قالَ رسولُ الله ﷺ فيما حَكى عن ربِّه: ((الكبرياءُ ردائي، والعَظَمةُ إزاري؛ فَمن نازَعَني واحدًا منهُما ألقيتُه في النّار)). وكُلُّ مُستَكبِرٍ سِواهُ فاستكبارُه بغيرِ الحقِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعالى بقولِه: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ,﴾ [الرعد: ١٧] عَنِ الفِلِز، ويناسبُهُ نداؤهُ هامانَ بـ ((يا)) وهوَ قريبٌ حاضر؛ لكنْ بعيدٌ مِنْ حيثُ المرتَبة.
قولُه: (بـ ((يا)) في وسطِ الكلام)، يعني أنّ هامانَ كانَ حاضرًا بينَ الملأ، وداخلاً في الخطاب؛ بلْ هوَ المخاطَبُ الأوّلُ لكونِهِ وزيرَهُ ومُشيرَه؛ فاختصاصُهُ مِنْ بينِهِم بالنداء، ثُمّ بـ ((يا)) الدّالةِ على البعيد، ثُمّ تصريحُهُ باسمِه- ما كانَ إلا إظهارًا للكبرياء. قالَ صاحبُ ((المفتاح)): ((يا)) في مثلِ هذا المقامِ تبعيدٌ للمنادى وإيذانٌ بالتهاوُنِ به.
قولُه: (الكبرياءُ ردائي)، الحديثُ رواهُ أبو داودَ عن أبي هُريرةَ مع تغييرٍ يسير، ولمسلمٍ روايةٌ على غيرِ هذه العبارة.
стр. 6258
﴿يُرْجَعُونَ﴾ بالضَّمِّ والفَتْحِ ﴿فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ, فَنَبَذْنَهُمْ فِي اَلْيَمِ﴾ من الكلامِ الفَخْمِ الذي دلَّ به على عظمةِ شأنهِ وكبرياءِ سُلطانِه. شبَّههمُ استِحْقارًا لهم واستِقْلالاً لعَدَدِهِم، وإنْ كانُوا الكَثْرَ الكثيرَ والجَمَّ الغفير، بحَصَياتٍ أخَذَهُنَّ آخذٌ في كفِّهِ فطرحَهُنَّ في البحر. ونحوُ ذلك قولُه: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧]، ﴿وَحُمِلَتِ اَلْأَرْضُ وَالجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةُ وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤]، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ, وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ, يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتُ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وما هيَ إلاّ تصويراتٌ وتمثيلاتٌ لاقتدارِه، وأنّ كُلَّ مقدورٍ وإنْ عَظُمَ وجَلَّ، فهُو مُستَصْغَرٌ إلى جنبِ قُدرتِه.
[﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ ٤١ - ٤٢]
فإن قلت: ما معنى قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾؟ قلت: معناه: ودَعَوناهم أئمّةً دُعاةً إلى النّار، وقُلنا: إنَّهم أئمِّةٌ دعاةٌ إلى النّار، كما يُدعى خلفاءُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (﴿يُرْجَعُونَ﴾ بالضمِّ والفتح)، نافعٌ وحمزةُ والكسائي: بالفتح، والباقون: بالضم.
قولُه: (دَعَوْناهُم أئمة … ، وقُلنا: إنّهُمْ أئمةٌ دُعاةٌ إلى النار)، قالَ مُحيي السُّنّة: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ قادةً رؤساءَ يَدْعُونَ إلى النار، وقالَ الإمام: قد تمسّكَ الأصحابُ بها في كونِهِ تعالى خالقًا للخيرِ والشر.
الانتصاف: لا فرقَ عِندَنا بينَ قولِه: ﴿وَجَعَلَ لظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] ﴿وَجَعَلْنَا اَلَّيْلَ والْنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢] وبينَ هذهِ الآية؛ فمَنْ حَمَلَ الجَعلَ على التسميةِ هاهنا فهوَ بمثابةِ مَنْ حملَهُ على التسميةِ هناك.
стр. 6259
الحَقِّ أئمّةً دُعاةً إلى الجنّة. وهو مِن قولِك: جعلَهُ بخِيلاً وفاسِقًا، إذا دعاهُ وقال: إنَّه بخيلٌ وفاسقٌ. ويقولُ أهلُ اللُّغةِ في تفسيرِ فسَّقَهُ وبَخَّلَهُ: جعلَه بخِيلاً وفاسقًا. ومنه قولُه عزّ وعَلا: ﴿وَجَعَلُوا المَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩] ومعنى دعوَتِهم إلى النّار: دعوتُهم إلى موجِباتِها من الكُفْرِ والمعاصِي. ﴿وَيَوْمَ اَلْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ﴾ كما يُنْصَرُ الأئِمّةُ الدُّعاةُ إلى الجنّة. ويجوز: خَذَلناهُم حتّى كانُوا أئمّةَ الكُفر. ومعنى الخُذلان: منعُ الألطاف، وإنّما يُمنَعُها من عُلِمَ أنَّها لا تنفَعُ فيه، وهو المُصمِّمُ على الكُفْرِ الذي لا تُغني عنهُ الآياتُ والنُّذُر، ومُجراهُ مُجرى الكِناية؛ لأنَّ منعَ الألطافِ يَردَفُ التَّصميم، والغرضُ بذِكْرِه: التَّصميمُ نفسُه، فكأنَّه قيل: صمَّمُوا على الكُفْرِ حتّى أئمّةً فيه، دُعاةً إليه وإلى سُوءِ عاقِبَتِه.
فإن قلت: وأيُّ فائدةٍ في تَرْكِ المَردُوف إلى الرّادِفة؟ قلت: ذِكرُ الرّادِفةِ يدُلُّ على وُجودِ المردُوف؛ فيُعلمُ وجودُ المَردُوفِ مع الدَّليلِ الشّاهدِ يوجُودِه، فيكونُ أقوى لإِثباتِه من ذكرِه. ألا ترى أنَّك تقول: لولا أنَّه مُصَمِّمٌ على الكُفر، مقطوعٌ أمرُه، مبتوتٌ حكمُه؛ لما مُنِعتْ منهُ الأَلطاف، فبذِكرِ منعِ الألطافِ يحصُلُ العِلمُ بوجودِ التَّصميمِ على الكُفرِ وزيادةٌ؛ وهو قيامُ الحُجّةِ على وجُودِه. وينصرُ هذا الوَجْهَ قولُه: ﴿وَيَوْمَ اَلْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ﴾
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (ويجوزُ: خذلناهُم حتى كانوا أئمةَ الكُفر)، الوجهُ الأوّلُ قولُ الجُبّائي، وهذا قولُ الكعبي. يريدُ: أنّ مُؤدّي قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ مِنْ حيثُ التأويلِ إلى هذا المعنى؛ وهو: خذلناهُم حتى كانوا أئمة. وإنما قالَ: ((وإنما يمنعُها مِنْ عَلِمَ أنها لا تَنْفَعُ)) بناءً على أنّ رعايةَ الأصلحِ واجبة، وهوَ مَنْحُ الألطاف. وهُمْ إنما خُذِلوا ومُنِعَ عنهُم الألطافُ مِنْ جِهَةِ أنفُسِهِم؛ وهوَ تصميمُهم على الكفر. ورَجَعَ معنى قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ إلى قولِه: ((صَمّمُوا على الكُفْر))؛ لأنهُ رديفُهُ ولازمُه؛ فيكونُ ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ كنايةً عنْ ((صَمّمُوا على الكُفر)). ولَعَمْري إنّ هذا التعسُّفَ لا يركَبُهُ إلا مَنْ عَمِيَ عنهُ الجادّة.
قولُه: (وينصُرُ هذا الوجه- أيْ: أنّ المراد: خذلناهم- قولُه: ﴿ .... لَا يُنصَرُونَ﴾)؛ فإنهُ مِنْ بابِ ردِّ العَجُزِ على الصدرِ مِنْ حيثُ المعنى؛ لأنّ الخُذلانَ هوَ عدمُ النُّصْرة.
стр. 6260
كأنه قيل: وخَذَلناهُم في الدُّنيا، وهم يومَ القِيامةِ مخذُولُون، كما قال: ﴿وَأَتْبَعَنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ أي: طردًا وإبعادًا عن الرَّحمة ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ أي: من المَطرُودِينَ المُبْعَدِين.
[﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٤٣]
﴿بَصَائِرَ﴾ نصبٌ على الحال. والبصيرَةُ: نَورُ القلبِ الذي يَسْتَبصِرُ به، كما أنَّ البصرَ نورُ العَيْنِ الذي تُبصِرُ به، يريد: آتيناهُ التَّوراةُ أنوارًا للقلوب؛ لأنّها كانت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلتُ: ويمكنُ أنْ يُقال: وجعلناهُم في الدنيا قادةً رؤساءَ أقوياءَ ذَوِي سَلْطَنةٍ وغَلَبة، وانقلبَ في الآخرةِ الأمرُ فصارت تلكَ القدرةُ عَجْزًا، والتقدُّمُ نكوصًا؛ فلا ينصُرُهُم مِنْ ذلكَ ناصِر، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ أي: هلاكًا بالغَرَق، وبُعدًا عنْ رحمةِ الله. أو: لسانَ سُوءٍ بأنْ يلعنَهُمُ اللاعنونُ إلى قيامِ الساعة، ﴿وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾.
قولُه: (﴿هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ أي: مِنَ المطرودِينَ المُبعَدين)، عبَّرَ عنِ الطردِ والبُعدِ بالقُبْح؛ إذْ لا ارتيابَ أنهُ لمْ يُرِدْ قُبْحَ الصورة؛ فإذنْ الآيةُ على وزانِ قولِهِ تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ, لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيَامَةِ بِئْسَ الرِفْدُ المَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩].
روى مُحيي السُّنةِ عن ابنِ عباس: مِنَ المشوّهِينَ بسَوادِ الوجهِ وزُرْقةِ العيون؛ يُقال: قَبَحَهُ الله وقَبَّحَه؛ إذا جعلَهُ قبيحًا، وقَبَحَهُ قَبْحًا وقُبُوحًا؛ إذا أبْعَدَهُ مِنْ كُلِّ خير.
قولُه: (آتيناهُ التوراةَ أنوارًا للقلوب)، أي: مُشابهًا لأنوارِ القلوب؛ شَبّهَ التوراةَ بالأنوارِ التي تَستَبْصِرُ بها القلوب؛ فتعرِفُ بها حقيقةَ الأشياءِ فكَما أنّ فاقِدَ هذهِ الأنوارِ خابِطٌ في ظلماءِ التعسُّف؛ كذلكَ فاقدُها واقعٌ في مَهْواةِ الضلالة، تائهٌ في بيداءِ الكُفْر. فقولُه: ((لأنها كانتْ عمياء)) تعليلٌ وجعلَ ﴿بَصَائِرَ﴾ وصفًا لـ ﴿الْكِتَابَ﴾. ولذلكَ كانَ قولُه: ((لأنهم كانوا يخبطون)) تعليلاً لقولِه: ((إرشادًا))؛ يعني: إنما أَوقعَ ﴿بَصَائِرَ﴾ حالاً مِنَ
стр. 6261
عُمْيًا لا تستبصرُ ولا تعرفُ حقًّا من باطلٍ. وإرشادًا؛ لأنَّهم كانُوا يَخبطُونَ في ضَلالٍ. ﴿وَرَحْمَةً﴾؛ لأنَّهم لو عملوا بها وصَلُوا إلى نيلِ الرَّحمة. ﴿لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ إرادةَ أنْ يتذَكَّرُوا، شُبِّهتِ الإرادةُ بالتَّرجِّي فاستُعِيرَ لها. ويجوزُ أنْ يرادَ به: ترجِّي موسى ﵇ لتَذْكرتِهم، كقولِه تعالى: ﴿لَّعَلَّهُ, يَتَذَكَّرُ﴾ [طه: ٤٤]
[﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٤٤]
﴿الْغَرْبِيِّ﴾ المكانُ الواقعُ في شِقِّ الغرب، وهو المكانُ الذي وقعَ فيه ميقاتُ موسى ﵇ من الطُّور، وكتبَ الله له في الألواح. والأمرُ المقْضِيُّ إلى مُوسى ﵇: الوحيُ الذي أوحى إليه؛ والخطابُ لرسولِ الله ﷺ يقول: وما كُنتَ حاضِرَ المكانِ الذي أوحينا فيه إلى مُوسى ﵇، ولا كُنتَ مِنَ جُملةِ الشَّاهِدِينَ للوحيِ إليه، أو على الوحيِ إليه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
﴿الْكِتَابَ﴾؛ ليؤذِنَ بشدّةِ احتياجِ القومِ إلى ما تُفتَحُ بهِ قلوبُهُمُ العمياء. وإنما أَرْدَفَها بقولِه: ﴿وَهُدًى﴾؛ ليُنَبِّهِ على أنّهُمْ كانوا يخبِطون في ضلال، وعقّبَهُما بقولِه: ﴿وَرَحْمَةً﴾ لينادي بأنهُمْ كانوا بُعَداءَ مِنْ رحمةِ الله وما عَمِلوا بمقتضى الكتاب؛ لأنّهُمْ لو عَمِلوا بهِ لوصَلوا إلى رحمةِ الله. جَعَلَ ألفاظَ الآيةِ كلّها تعريضاتٍ باليهود، ودلّ على مكانِ التعريضِ قولُه: ﴿لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
قولُه: (كقولِه تعالى: ﴿لَّعلَّهُ, يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤])، يعني: شَبّهَ حالةَ إيتاءِ الكتابِ لاستبصارِ بني إسرائيلَ واهتدائِهِمِ، وترجِّي موسى منهُم التذكُّر، بحالةِ بَعْثِتِهِ وأخيهِ إلى فرعونَ وترجِّيهِما مِنهُ التذكُّرَ والخشية؛ فاستعمَلَ هاهنا كلمةَ الترجِّي كما استُعمِلَتْ هناك.
قولُه: (وما كنتَ حاضرَ المكان)، إلى قولِه: (حتى تَقِفَ مِنْ جهةِ المشاهدة) قد ذكَرْنا فائدةَ هذا الأسلوبِ في ((البقرة)) عندَ قولِه: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٣٣].
قولُه: (أو على الوحي إليه)، على هذا: الشاهدُ بمعنى القائم بالشهادة، وعلى الأوّل: بمعنى الحاضر.
стр. 6262
وهم نقباؤُه الذين اختارَهم للميقات، حتّى من جهةِ المُشاهدةِ على ما جَرى من أمرِ مُوسى ﵇ في ميقاتِه وكَتْبِه التَّوراةَ له في الألواح، وغيرِ ذلك.
[﴿وَلَكِنَّا أَنْشَانَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ ٤٥]
فإن قلتَ: كيفَ يتَّصلُ قولُه: ﴿وَلَكِنَّا أَنشَانَا قُرُونًا﴾ بهذا الكلام؟ ومن أيِّ وجهٍ يكونُ استدراكًا له؟ قلتُ: اتِّصالُه به وكونُه استدراكًا له، من حيثُ أنّ معناه: ولكنّا أنشَانا بعدَ عهدِ الوحيِ إلى عهدِكَ قُرُونًا كثيرةً ﴿فَتَطَاوَلَ﴾ على آخِرِهم: وهو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (كيفَ يتصلُ قولُه: ﴿وَلَكِنَّا أَنشَانَا قُرُونًا﴾؟ )، توجيهُ السؤال: أنّ وَضْعَ ((لكن)) على أنْ يكونَ ما بعدَها مخالفًا لما قبلَها نفيًا وإثباتًا؛ فكيفَ مَوْقِعُها هاهنا؟ وتلخيصُ الجوابِ أنْ ليسَ الاعتبارُ بصورةِ النفيِ والإثبات؛ وإنما المعتَبَرُ المعنى؛ فإنهُ تعالى لمّا نفي عنْ رسولِ الله ﷺ أوّلاً كونَهُ بجانبِ الغربيّ، وكونَهُ مشاهِدًا للوحيِ إلى موسى ﵇ وقضاءِ الأمرِ لهُ مِنَ المُكالَمةِ وكِتْبةِ التوراةِ وغيرِهِما، والمرادُ نفيُ عِلمِهِ بذلك، أَثْبَتَ لهُ العلمَ ثانيًا بتلكَ القصةِ وبسائِر قِصَصِ الأنبياء؛ فكأنهُ قيل: ما كنتَ داريًا بذلكَ بطريقٍ مِنْ طُرُقِ العلم؛ لكنْ جعلناكَ داريًا بطريقِ الوحيِ بأنْ أرسلناكَ أحْوَجَ ما يكونُ الناسُ إلى إرسالِك؛ لفتورُ الوحي مُدّةً مُتطاوِلة. فَوَضَعَ قولَه: ﴿أَنشَانَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص: ٤٥] مَوْضِعَ ((أرسلناكَ وكَسَبْنا لكَ العِلم))؛ وضعًا للسّبَبِ مَوْضِعَ المُسَبّب؛ لأنّ إطالةَ فترةِ الوحي واندراسِ العلومِ سببٌ لإرسالِ الرُّسُلِ وكَسْبِهِمُ العلوم. ويدلُّ على هذا التأويلِ تصريحُ لفظِ ﴿مُرْسِلِينَ﴾ بعدَ حرفِ الاستدراكِ في قولِه: ﴿وَمَا كُنتَ ثَوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. وفي قصةِ موسى ﵇ والطور: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِنْ رَّبِّكَ﴾؛ ومِنْ عَلله بقولِه: ﴿لِتُذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَهُم مِن نَّذِيرٍ﴾، وإليهِ الإشارةُ بقولِه: ((فإذنْ هذا الاستدراكُ شيبهُ الاستدراكَيْن)).
قولُه: (﴿فَتَطَاوَلَ﴾ على آخرِهم)، أي: تطاولَ العمرُ على آخرِهِم؛ بمعنى: طالَ أمدُ انقطاعِ الوحيِ على القرنِ الذي أنتَ فيهِم. وقالَ في ((الأساس)): تطاوَلَ علينا الليل: طال،
стр. 6263
القَرْنُ الذي أنت فيهم ﴿اَلْعُمُرُ﴾ أي: أمدُ انقطاعِ الوحيِ واندرستِ العُلوم، فوجَبَ إرسالُك إليهم، فأرسلناكَ وكسيناكَ العلمَ بقِصَصِ الأنبياءِ وقصّةِ موسى ﵈، كأنّه قال: وما كُنتَ شاهدًا لمُوسى وما جرى عليه، ولكنّا أوحيناهُ إليك؛ فذكرَ سببَ الوحيِ الذي هو إطالةُ الفترة؛ ودلَّ به على المُسَبِّب على عادةِ الله في اختصاراتِه؛ فإذن: هذا الاستدراكُ شبيهُ الاستدراكَيْنِ بعدَهُ ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا﴾ أي: مُقيمًا ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾؛ وهم شُعيبٌ والمُؤمنون به. ﴿تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ تقرؤُها عليهم تعلُّمًا منهم، يريد: الآياتِ التي فيها قِصّةُ شعيبٍ وقومِه، ولكنّا أرسلناكَ وأخبرناكَ بها وعلمناكَها.
[﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٤٦]
﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ يُريدُ مناداةَ موسى ﵇ ليلةَ المناجاةِ وتكليمَه، ﴿وَلَكِن﴾
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومِنَ المجاز: وطالَ عليهِ الطول؛ أي: طالَ عُمرُه.
الراغب: الأَمَدُ والأَبَدُ: متقاربان؛ لكنّ الأبدَ: عبارةٌ عنْ مُدّةِ الزمانِ الذي ليسَ لها حَدٌ محدودٌ ولا يتقيّد، ولايُقال: أَبَدَ كذا. والأَمَدُ: مُدّةٌ لها حدٌ مجهولٌ إذا أُطلِق، وقدْ تَنْحَصِرُ نحوُ أنْ يُقال: أَمَدَ كذا؛ كما يُقال: زَمانُ كذا. والفرقُ بيْنَ الزمانِ والأمد: أنّ الأمَدَ يُقالُ باعتبارِ الغاية، والزمانُ عامٌّ في المبدأِ والغاية. ولذلكَ قالَ بعضُهُم: الأَمدُ والمدى متقاربان.
قولُه: (﴿ثَاوِيًا﴾ أي مقيمًا)، الراغب: الثّواء: الإقامةُ معَ الاستقرار، وقيل: مَنْ أُمُّ مَثْواك؟ كنايةٌ عمّنْ نَزَلَ بهِ ضيفًا، والثّوِيّة: مأوى الغَنَم.
стр. 6264
علَّمناكَ ﴿رَّحْمَةً﴾ وقرئ: (رحمةٌ)، بالرَّفع، أي: هي رحمةٌ ﴿مّا أَتَاهُم مِن نَّذِيرٍ﴾ في زمانِ الفَتْرَةِ بينَك وبينَ عيسى؛ وهيَ خمسُ مئةٍ وخمسُونَ سنةً، ونحوُه قولُه: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦].
[﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤٧]
﴿لَوْلَا﴾ الأولى: امتناعيّةٌ وجوابُها محذوفٌ، والثانيةُ: تحضِيضِيّةٌ، وإحدى الفاءَيْنِ: للعطْف، والأُخرى: جوابُ ﴿لَوْلَا﴾، لكَونِها في حُكمِ الأمر، من قِبَلِ أنَّ الأمرَ باعثٌ على الفعل، والباعثُ والمُحضِّضُ من وادٍ واحدٍ. والمعنى: ولولا أنَّهم قائِلونُ إذا عُوقِبُوا بما قَدَّمُوا من الشِّرْكِ والمعاصي: هلاّ أرسلتَ إلينا رسولاً؟ محتجِّينَ علينا بذلك: لما أرسَلْنا إليهم، يعني: أنّ إرسالَ الرَّسُولِ إليهم إنّما هو ليُلْزِمُوا الحُجّة ولا يُلزِمُوها، كقولِه: ﴿لئِلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةُ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ﴿أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩]، ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾. فإن قلت: كيفَ استقامَ هذا المعنى وقد جُعِلَتِ العُقوبةُ هي السّببَ في الإرسالِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (في زمانِ الفترةِ بينَكَ وبينَ عيسى وهيَ خمسُ مئةٍ وخمسونَ سنة)، روَيْنا عنِ البخاريِّ عنْ سلمانَ الفارسيَّ قال: فترةُ بَيْنَ عيسى ومحمدٍ صلواتُ الله عليهِما ستُّ مئةِ سنة.
قولُه: (وقدْ جُعِلَت العقوبةُ هيَ السببَ في الإرسالِ)، يعني: لَمّا جَعَلْتَ قولَه: ﴿فَيَقُولُوا﴾ عطفًا على ﴿أَن تُصِيبَهُم﴾، وجَعَلْتَ ﴿فَنَتَّبِعَ﴾ جوابَ ﴿لَوْلَا﴾ الثانية، وقدّرتَ الكلام: لولا أنْ تُصيبَهُم مصيبة؛ لمَا أرسلنا إليهِم، لَزِمَكَ أنْ تَجعَلَ العقوبةَ هيَ السببَ في الإرسالِ لولا القول. والقولُ في الحقيقةِ هوَ السبب؛ بدليلِ قولِه: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ
стр. 6265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، ﴿أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلا َ نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩]. فأجابَ بقولِه: ((القولُ هوَ المقصودُ بأنْ يكونَ سببًا لإرسالِ الرُّسُل)).
قالَ صاحبُ ((الفرائد)): لا شكّ أنّ ((أنْ)) في ﴿أَن تُصِيبَهُم﴾ مصدرية، وهيَ داخلةٌ على ﴿فَيَقُولُوا﴾، وقدْ عُطِفَ على ﴿تُصِيبَهُم﴾ بالفاء؛ فالتقدير: لولا إصابتُهُم فيقولوا كذا؛ فيكونُ سببُ إرسالِ الرسلِ المجموعَ لا الواحدَ فحَسْب؛ فالواحدُ جزءُ السبب، وجزءُ السببِ لا يكونُ سببًا؛ فقولُه: ((القولُ هوَ المقصودُ بأنْ يكونَ سببًا لإرسالِ الرسل)) ليسَ بمستقيم، وكذا قولُه: ((جُعِلَتِ العقوبةُ كأنها سببُ الإرسالِ بواسطةِ القول)).
ويمكنُ أنْ يُقال: القولُ يكونُ سببًا على تقديرِ وجودِ العقوبة؛ فيكونُ القولُ سببًا لا المجموع. فالجوابُ أنْ يُقال: القولُ لمْ يكنْ سببًا في نفسِ الأمر، بلْ على التقدير، فإذا لمْ يكن القولُ بدونِ التقديرِ سببًا كانَ المجموعُ سببًا؛ لأنّا لا نعني بكوْنِ المجموعِ سببًا إلا تَوَقُّفَ المسببِ عليه، وقدْ كانَ متوقِّفًا عليه، وهوَ المطلوب. وقولُه: ((إنما السببُ في قولِهم هذا هوَ العقابُ لا غير، لا التأسُّفُ على ما فاتَهُم مِنَ الإيمانِ بخالقِهِم)) هذا قولٌ مجرّدٌ عنِ الدليل؛ لِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ السببُ هوَ المجموع؛ أعني: العقابَ والتأسف. تَمّ كلامُه.
وقلتُ: قولُ المصنِّف: ((هوَ المقصودُ بأنْ سببًا لإرسالِ الرسل)) لا يُنافي أنْ يكونَ لهُ سببٌ آخر، وأنّ المجموعَ ليسَ بسبب؛ بل المرادُ أنّ القولَ هوَ المقصودُ الأَوْلى مِنْ مجموع السبب. على أنّ هذهِ الآيةَ على وِزانِ قولِهِ تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، ﴿أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ﴾﴾ [المائدة: ١٩]. ولا ارتيابَ في استقلالِ القولِ في السببية؛ فعلى هذا يحتاجُ في جَعْلِ العقوبةِ سببًا بإيلائه حرفَ الامتناعِ إلى عذر؛ ولهذا قال: ((لمّا كانتْ هيَ السببَ للقولِ … ؛ جُعِلَتْ العقوبةُ كأنها سبب)) على التشبيه، ولابدّ لهذا العُدولِ والتشبيهِ مِنْ فائدة، وما هيَ إلا ما قال: إنهُم لَوْ لَمْ يُعاقَبوا على كُفرِهِم؛ لَمْ يقولوا ذلك.
الانتصاف: فإنْ قيل: كيفَ استقامَ جَعْلُ العقوبةِ سببَ الإرسالِ لا القول؛ لدخول حرفِ الامتناعِ عليها دُونَه؟ قلتُ: العقوبةُ سببُ القول؛ فهيَ سببُ السبب؛ فجُعلتْ سببًا.
стр. 6266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي عطفِهِ السببَ الأصليّ عليهِ مزيدُ العنايةِ بسببِ السبب؛ لكونِهِ مقصودَ السياق. وأيضًا في هذا النظمِ تنبيهٌ على سَبَبِيّةِ كلِّ واحدٍ منهما؛ أما الأوّلُ؛ فلاقترانِهِ بحرفِ التعليلِ وهوَ ﴿أَن﴾. والثاني بالفاء، ولا يُعطي هذا المعنى إلا مِنَ المتلو. تمّ كلامُه.
وأما قضيةُ النظم؛ فإنّ قولَه: ﴿وَمَا كُنتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾، ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾، ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ تخلُّصاتٌ مِنْ ذِكرِ موسى إلى إثباتِ نُبوّةِ سيدِنا محمدٍ ﷺ ، وإلزامِ الحُجّةِ على المعانِدينَ مِنْ أهلِ الكتابِ والمشركين. يعني: إنكَ تُخبِرُ عنْ هذهِ الغيوبِ وهُمْ عالِمونَ أنكَ أُمِّيٌّ لَمْ تقرا ولَمْ تأخُذْ مِن أحد، ولا أنتَ حضَرْتَ هناكَ فتُخبِرُ عنها؛ بحيثُ لم تَخْرُم حرفًا، ولَمْ يكنْ ذلك إلا مِنْ طريقِ الوحي كما قال: ﴿وَلَكِن رَّحْمَةً مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتاهُم مِن نَّذِيرٍ﴾. والقومُ الذينَ ما أتاهُمْ مِنْ نذيرٍ هُمْ مشرِكو العَرَب، ولابدّ مِنْ إرسالِكَ إليهم؛ وإلا فلهُمْ أنْ يقولوا- إذا عوقِبوا بما قدّموا مِنَ الشِّرْكِ والمعاصي-: هلاّ أرسَلْتَ إلينا رسولاً فنتّبعَ آياتِك؟ وإلى هذا المعنى ينظُرُ قولُه: ((ولولا قولُهُم هذا إذا أصابَتْهُم مصيبة؛ لَما أرسلنا)) ويَعْضُدُ هذا الترتيبَ الفاءُ في قولِه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا﴾؛ فإنها نحوُ قولِ الشاعر:
قالوا: خُراسانُ أقصى ما يُرادبِنا … ثُمّ القفولُ، فقدْ جِئنا خُراسانا
وقولُه تعالى: ﴿أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلا َ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]. ووضْعُ المُظهَرِ وهوَ ﴿الْحَقُّ﴾ مَوْضِعَ المُضْمَر؛ فإنّ فيهِ الإشعارَ بقطعِ الحُجّة، وأنُه المؤيّدُ بالمعجزاتِ القاهرةِ والآياتِ الباهرة، والهادي إلى ما يُزلِفُهُم إلى المقامِ الأَسنى والدرجاتِ الحُسنى، ويُبعِدُهم عما يُوقِعُهُم في وَرَطاتِ الرّدي، ونحوَها مما يدخلُ تحتَ معنى الحق. المعنى: فلمّا جاءَهُم مثلُ هذا الحقِّ الساطِعِ والنورِ اللامعِ عندما كانوا أفقرَ شيءٍ إليه؛ تعامَوْا وتصامُّوا واقترحُوا عليهِ مِنَ الآياتِ ما ظَهَرَ بهِ عِنادُهم وتمرُّدُهُم؛ فقالُوا: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾.
стр. 6267
لا القول، لدُخولِ حرفِ الامتناعِ عليها دُونَه؟ قلتُ: القولُ هو المقصودُ بأنْ يكونَ سببًا لإرسالِ الرُّسُل، ولكنَّ العقوبةَ لمّا هيَ السَّببُ للقول، وكانَ وجودُه بوُجودِها، جُعلتِ العقوبةُ كأنَّها سببُ الإرسالِ بواسطةِ القَول، فأُدخِلتْ عليها ﴿لَوْلَا﴾، وجِيءَ بالقَولِ معطوفًا عليها بالفاءِ المُعطِيةِ معنى السَّببِّية، ويؤولُ معناهُ إلى قولِك: ولولا قولُهم هذا إذا أصابَتْهُم مصيبةٌ لَمَا أرسَلْنا، ولكن اختِيرَتْ هذه الطَّريقةُ لنُكتةٍ، وهي: أنَّهم لو لمْ يُعاقَبُوا مثلاً على كُفرِهم وقد عايَنُوا ما أُلجِئُوا به إلى العلمِ اليَقِين؛ لم يَقُولُوا: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ وإنّما السَّببُ في قولِهم هذا هو العقابُ لا غيرُ؛ لا التَّأسُّفَ على ما فاتَهم من الإيمانِ بخالِقِهم. وفي هذا الشَّهادةِ القَوِيّةِ على استحكامِ كُفْرِهم ورسوخِه فيهم ما لا يخفى، كقولِه تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. ولمّا كانتْ أكثرُ الأعمالِ تُزاوَلُ بالأيدي جُعِلَ كُلُّ عَمَلٍ مُعَبَّرًا عنهُ باجتراحِ الأيدي، وتقديمِ الأيدي، وإن كانَ من أعمالِ القُلُوب، وهذا من الاتِّساعِ في الكلام، وتصييرِ الأقَلِّ تابِعًا للأكثر، وتغليبِ الأكثَرِ على الأقلِّ.
[﴿لَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ ٤٨]
﴿لَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ وهو: الرَّسولُ المصَدَّقُ بالكتابِ المُعجِزِ، مع سائرِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (جُعِلَ كلُّ عملٍ مُعبّرًا عنهُ باجتراح الأيدي)، ((جَعَلَ)) بمعنى: صَيّر، ومعبّرًا: ثاني مفعولَيْه. المعنى: عَبّرَ عنْ كلِّ الأعمالِ- وإنْ لَمْ يَصدُرْ عنِ اليدِ- باجتراح الأيدي؛ لأنّ الأصلَ في المزاوَلةِ والمعالَجةِ الأيدي. ونحوُهُ في الأسلوب: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ,﴾ [البقرة: ٢٨٣].
قولُه: (وهوَ الرسولُ المصدّقُ والكتاب المعجِز)، يعني: وضَعَ ﴿الْحَقُّ﴾ موضِعَ
стр. 6268
المُعجِزات، وقُطِعَتْ معاذِيرُهُم وسُدَّ طريقُ احتجاجِهم ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِي مُوسَى﴾ من الكتابِ المُنزَلِ جُملةً واحدةً، ومِن قَلبِ العصا حيّةً، وفلقِ البحرِ، وغيرِهما من الآيات؛ فجاءُوا بالاقتراحات المبنِيّةِ على التَّعنُّتِ والعِناد، كما قالُوا: لولا أُنزِلَ عليه كَنْزٌ أو جاءَ معه مَلَك، وما أشْبَهَ ذلك. ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ يعني: أبناءَ جنسِهم، ومَن مَذهَبُهم مَذهَبُهم وعنادُهم عنادُهم، وهمُ الكفرةُ في زمنِ مُوسى ﵇ ﴿بِمَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، وعن الحسنِ ﵀: قد كان للعربِ أصلٌ في أيّامِ مُوسى ﵇، فمعناهُ على هذا: أو لم يكفرْ آباؤُهم؟ ﴿قَالُوا﴾ في مُوسى وهارون: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ أي: تعاوَنَا. وقُرِئَ: (اظّاهَرَا) على الإدغام. و ﴿سِحْرَانِ﴾ بمعنى: ذوا سِحْر. أو: جعلوهُما سِحْرَينِ مُبالغةً في وصفِهِما بالسِّحر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرسول؛ لأنّ التعريفَ فيهِ للعهد، والمعهودُ ﴿رَسُولاً﴾ في قولهِ: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَتِكَ﴾؛ فينبغي أنْ يُحمَلَ على كلِّ ما يُتسَبُ ويضافُ إلى الرسولِ على وجهٍ يُزهِقُ كلّ باطلٍ ويَدْحَضُ كلّ حُجّة. ومِنْ ثَمّ قال: ((وقُطِعَتْ معاذيرُهُم، وسُدّ طريقُ احتجاجِهِم)).
قولُه: (﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ يعني: أبناءَ جنسِهِم)، المعطوفُ عليهِ محذوف؛ أي: أَوَلَمْ يُؤْتَ موسى ما أُوتي مِنَ الآياتِ ولَمْ يكفُرْ قومُهُ المعاندون كهؤلاء.
قولُه: (قد كانَ للعربِ أصلٌ في أيام موسى)، أي: نسبةٌ مِنْ حيثُ الكُفر والعناد، كما أنّ مِنَ المسلمينَ إخوةً مِنْ حيثُ الإيمان. أو أنّ أبا العربِ إسماعيل، وأبا بني إسرائيلَ إسحاق. والفاءُ في ((فمعناه)) نتيجةٌ؛ بِناءً على هذا التقدير.
قولُه: (و ﴿سِحْرَانِ﴾ بمعنى: ذَوا سِحْر)، وهيَ قراءةُ عاصمٍ وحمزةَ والكسائي.
стр. 6269
أو أرادُوا: نوعانِ من السِّحرِ. ﴿بِكُلٍّ﴾ بكُلِّ واحدٍ منهُما. فإن قلت: بم علَّقْتَ قولَه: ﴿مِن قَبْلُ﴾ في هذا التَّفسيرِ؟ قلت: بـ ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾، ولي أنْ أُعلِّقَه بـ ﴿أُوتِيَ﴾، فينقلبُ المعنى إلى أنَّ أهلَ مكَّةَ الذينَ قالُوا هذه المقالةَ كما كَفَرُوا بمُحَمَّدٍ ﷺ وبالقُرآنِ؛ فقد كفرُوا بمُوسى ﵇ وبالتَّوراة، وقالُوا في مُوسى ومُحمَّدٍ عليهِما الصَّلاةُ والسَّلام: ساحِرانِ تظاهَرا. أو في الكتابين: سِحرانِ تظاهرا؛ وذلك حين بَعَثُوا الرّهطَ إلى رُؤَساءِ اليهودِ بالمدينةِ يسألونَهم عن مُحمَّدٍ ﷺ ، فأخبَروهُم أنّه نعتُه وصِفَتُه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (أو أرادوا نوعانِ مِنَ السِّحْر)، قالَ صاحبُ ((التقريب)): يعنُونَ التوراةَ والقرآن.
قلتُ: يؤيِّدُ قوله تعالى: ﴿قُلْ فَاتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِندِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾.
قولُه: (بِمَ علّقْتَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ في هذا التفسير؟ )، أيْ: في تفسيرِ الحَسَن؛ وهوَ قولُه: ((قدْ كانْ للعربِ أصلٌ في زَمَنِ موسى))، وكذا في الحاشية، وفيهِ تفصيل؛ وهوَ أنّ الضميرَ في ﴿يَكْفُرُوا﴾: إما للكَفَرةِ في زَمَنِ موسى ﵇ مِنْ بني إسرائيل؛ فيتعلّقُ ﴿مِن قَبْلُ﴾ بـ ﴿يَكْفُرُوا﴾ لا بـ ﴿أُوتِيَ﴾؛ لأنّ موسى ﵇ ما أُوتيَ الكتابَ مِنْ قَبْلِهِم، وإنما وَبّخَ الحاضِرِينَ في زَمَنِ مُحمدٍ صلواتُ الله عليهِ بهِ؛ لأنّهُمْ أبناءُ جِنسِهِم في العِناد. وإما لآباءِ الكَفَرةِ الحاضِرة. فالتوبيخُ نحوُ التوبيخِ في قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١، ٩٢].
ويجوزُ أنْ يُجعَلَ الضميرُ للكَفَرةِ الحاضِرة، ويُعلّقَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ بـ ﴿أُوتِيَ﴾، كما قال: ((ولي أنْ أُعلِّقَه بـ ﴿أُوتِيَ﴾ وفي كلامِهِ حذف؛ أي: ولي أنْ أُعلِّقَه بـ ﴿أُوتِيَ﴾ وأَجْعَلَ الضميرَ في ﴿يَكْفُرُوا﴾ للحاضرِينَ لا لآبائِهِم؛ فينقلبَ المعنى، إلى آخرِه. فعلى هذا: إذا قُرِئَ ((ساحران)) أو ﴿سِحْرَانِ﴾ وأُريدَ: ساحران؛ كانَ المرادُ محمدًا وموسى ﵉، وإنْ أُريدَ نوعانِ مِنَ السِّحْر؛ فالمرادُ التوراةُ والقرآن.
قولُه: (فقالوا في موسى ومحمد: ساحِرانِ [تظاهرا]، أو في الكتابين: سِحْرانِ تظاهرا)،
стр. 6270
وأنّه في كتابِهِم، فرجَعَ الرَّهْطُ إلى قُريشٍ فأخبروهُم بقَولِ اليهود، فقالُوا عندَ ذلك: ساحِران تَظاهرا.
[﴿قُلْ فَاتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٤٩]
﴿هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ ممّا أُنزِلَ على مُوسى ﵇ وممّا أُنزِلَ عليَّ. هذا الشَّرْطُ من نحوِ ما ذكرتُ أنَّه شرطُ المُدِلِّ بالأمرِ المتَحَقِّقِ لصِحَّتِه؛ لأنَّ امتناعَ الإتيانِ بكتابٍ أهدى من الكِتابَيْنِ أمرٌ متَحَقِّقٌ لا مجالَ فيه للشَّكِّ. ويجوزُ أنْ يُقصَدَ بحرفِ الشَّكِّ: التَّهكُّمُ بهم.
[﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٥٠]
فإن قلت: ما الفرقُ بينَ فعلِ الاستجابةِ في الآية، وبينَهُ في قولِه:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا التفسيرُ بناءً على القراءةِ الثانية. قالَ الزجاج: والثاني أظْهَر؛ لقولِه تعالى: ﴿قُلْ فَاتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِندِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾. ولقائلٍ أنْ يقول: لا يَمْنَعُ هذا مِنْ حَمْلِ ﴿سِحْرَانِ﴾ على محمدٍ وموسى ﵉؛ لأنّ المعنى: قل فأتوا بكتابٍ مِنْ عندِ الله هوَ أهدى مِنْ كتابَيْهِما، ويؤيِّدُهُ قراءةُ مَنْ قرأ ((ساحران)).
قولُه: (هذا الشرطُ مِنْ نحوِ ما ذكرتُ)، أي في سورةِ الشعراء: ﴿أَن كُنَّا أَوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٥١] قال: ((وهوَ الشرطُ الذي يجيءُ بهِ المُدِلُّ بأمْرِهِ المتحقِّقُ بصِحّتِه، ونظيرُهُ قولُ العامِلِ لمَنْ يُؤخِّرُ جُعْلَه: إنْ كنتُ عَمِلْتُ لكَ فوفِّني حقِّي)).
المُدلّ: الواثِق، وهوَ يُدَلُّ بفُلانٍ: يثقُ بِه.
следующие страницы →