Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.
стр. 6266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي عطفِهِ السببَ الأصليّ عليهِ مزيدُ العنايةِ بسببِ السبب؛ لكونِهِ مقصودَ السياق. وأيضًا في هذا النظمِ تنبيهٌ على سَبَبِيّةِ كلِّ واحدٍ منهما؛ أما الأوّلُ؛ فلاقترانِهِ بحرفِ التعليلِ وهوَ ﴿أَن﴾. والثاني بالفاء، ولا يُعطي هذا المعنى إلا مِنَ المتلو. تمّ كلامُه.
وأما قضيةُ النظم؛ فإنّ قولَه: ﴿وَمَا كُنتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾، ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾، ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ تخلُّصاتٌ مِنْ ذِكرِ موسى إلى إثباتِ نُبوّةِ سيدِنا محمدٍ ﷺ ، وإلزامِ الحُجّةِ على المعانِدينَ مِنْ أهلِ الكتابِ والمشركين. يعني: إنكَ تُخبِرُ عنْ هذهِ الغيوبِ وهُمْ عالِمونَ أنكَ أُمِّيٌّ لَمْ تقرا ولَمْ تأخُذْ مِن أحد، ولا أنتَ حضَرْتَ هناكَ فتُخبِرُ عنها؛ بحيثُ لم تَخْرُم حرفًا، ولَمْ يكنْ ذلك إلا مِنْ طريقِ الوحي كما قال: ﴿وَلَكِن رَّحْمَةً مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتاهُم مِن نَّذِيرٍ﴾. والقومُ الذينَ ما أتاهُمْ مِنْ نذيرٍ هُمْ مشرِكو العَرَب، ولابدّ مِنْ إرسالِكَ إليهم؛ وإلا فلهُمْ أنْ يقولوا- إذا عوقِبوا بما قدّموا مِنَ الشِّرْكِ والمعاصي-: هلاّ أرسَلْتَ إلينا رسولاً فنتّبعَ آياتِك؟ وإلى هذا المعنى ينظُرُ قولُه: ((ولولا قولُهُم هذا إذا أصابَتْهُم مصيبة؛ لَما أرسلنا)) ويَعْضُدُ هذا الترتيبَ الفاءُ في قولِه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا﴾؛ فإنها نحوُ قولِ الشاعر:
قالوا: خُراسانُ أقصى ما يُرادبِنا … ثُمّ القفولُ، فقدْ جِئنا خُراسانا
وقولُه تعالى: ﴿أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلا َ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]. ووضْعُ المُظهَرِ وهوَ ﴿الْحَقُّ﴾ مَوْضِعَ المُضْمَر؛ فإنّ فيهِ الإشعارَ بقطعِ الحُجّة، وأنُه المؤيّدُ بالمعجزاتِ القاهرةِ والآياتِ الباهرة، والهادي إلى ما يُزلِفُهُم إلى المقامِ الأَسنى والدرجاتِ الحُسنى، ويُبعِدُهم عما يُوقِعُهُم في وَرَطاتِ الرّدي، ونحوَها مما يدخلُ تحتَ معنى الحق. المعنى: فلمّا جاءَهُم مثلُ هذا الحقِّ الساطِعِ والنورِ اللامعِ عندما كانوا أفقرَ شيءٍ إليه؛ تعامَوْا وتصامُّوا واقترحُوا عليهِ مِنَ الآياتِ ما ظَهَرَ بهِ عِنادُهم وتمرُّدُهُم؛ فقالُوا: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾.
стр. 6267
لا القول، لدُخولِ حرفِ الامتناعِ عليها دُونَه؟ قلتُ: القولُ هو المقصودُ بأنْ يكونَ سببًا لإرسالِ الرُّسُل، ولكنَّ العقوبةَ لمّا هيَ السَّببُ للقول، وكانَ وجودُه بوُجودِها، جُعلتِ العقوبةُ كأنَّها سببُ الإرسالِ بواسطةِ القَول، فأُدخِلتْ عليها ﴿لَوْلَا﴾، وجِيءَ بالقَولِ معطوفًا عليها بالفاءِ المُعطِيةِ معنى السَّببِّية، ويؤولُ معناهُ إلى قولِك: ولولا قولُهم هذا إذا أصابَتْهُم مصيبةٌ لَمَا أرسَلْنا، ولكن اختِيرَتْ هذه الطَّريقةُ لنُكتةٍ، وهي: أنَّهم لو لمْ يُعاقَبُوا مثلاً على كُفرِهم وقد عايَنُوا ما أُلجِئُوا به إلى العلمِ اليَقِين؛ لم يَقُولُوا: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ وإنّما السَّببُ في قولِهم هذا هو العقابُ لا غيرُ؛ لا التَّأسُّفَ على ما فاتَهم من الإيمانِ بخالِقِهم. وفي هذا الشَّهادةِ القَوِيّةِ على استحكامِ كُفْرِهم ورسوخِه فيهم ما لا يخفى، كقولِه تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. ولمّا كانتْ أكثرُ الأعمالِ تُزاوَلُ بالأيدي جُعِلَ كُلُّ عَمَلٍ مُعَبَّرًا عنهُ باجتراحِ الأيدي، وتقديمِ الأيدي، وإن كانَ من أعمالِ القُلُوب، وهذا من الاتِّساعِ في الكلام، وتصييرِ الأقَلِّ تابِعًا للأكثر، وتغليبِ الأكثَرِ على الأقلِّ.
[﴿لَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ ٤٨]
﴿لَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ وهو: الرَّسولُ المصَدَّقُ بالكتابِ المُعجِزِ، مع سائرِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (جُعِلَ كلُّ عملٍ مُعبّرًا عنهُ باجتراح الأيدي)، ((جَعَلَ)) بمعنى: صَيّر، ومعبّرًا: ثاني مفعولَيْه. المعنى: عَبّرَ عنْ كلِّ الأعمالِ- وإنْ لَمْ يَصدُرْ عنِ اليدِ- باجتراح الأيدي؛ لأنّ الأصلَ في المزاوَلةِ والمعالَجةِ الأيدي. ونحوُهُ في الأسلوب: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ,﴾ [البقرة: ٢٨٣].
قولُه: (وهوَ الرسولُ المصدّقُ والكتاب المعجِز)، يعني: وضَعَ ﴿الْحَقُّ﴾ موضِعَ
стр. 6268
المُعجِزات، وقُطِعَتْ معاذِيرُهُم وسُدَّ طريقُ احتجاجِهم ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِي مُوسَى﴾ من الكتابِ المُنزَلِ جُملةً واحدةً، ومِن قَلبِ العصا حيّةً، وفلقِ البحرِ، وغيرِهما من الآيات؛ فجاءُوا بالاقتراحات المبنِيّةِ على التَّعنُّتِ والعِناد، كما قالُوا: لولا أُنزِلَ عليه كَنْزٌ أو جاءَ معه مَلَك، وما أشْبَهَ ذلك. ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ يعني: أبناءَ جنسِهم، ومَن مَذهَبُهم مَذهَبُهم وعنادُهم عنادُهم، وهمُ الكفرةُ في زمنِ مُوسى ﵇ ﴿بِمَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، وعن الحسنِ ﵀: قد كان للعربِ أصلٌ في أيّامِ مُوسى ﵇، فمعناهُ على هذا: أو لم يكفرْ آباؤُهم؟ ﴿قَالُوا﴾ في مُوسى وهارون: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ أي: تعاوَنَا. وقُرِئَ: (اظّاهَرَا) على الإدغام. و ﴿سِحْرَانِ﴾ بمعنى: ذوا سِحْر. أو: جعلوهُما سِحْرَينِ مُبالغةً في وصفِهِما بالسِّحر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرسول؛ لأنّ التعريفَ فيهِ للعهد، والمعهودُ ﴿رَسُولاً﴾ في قولهِ: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَتِكَ﴾؛ فينبغي أنْ يُحمَلَ على كلِّ ما يُتسَبُ ويضافُ إلى الرسولِ على وجهٍ يُزهِقُ كلّ باطلٍ ويَدْحَضُ كلّ حُجّة. ومِنْ ثَمّ قال: ((وقُطِعَتْ معاذيرُهُم، وسُدّ طريقُ احتجاجِهِم)).
قولُه: (﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ يعني: أبناءَ جنسِهِم)، المعطوفُ عليهِ محذوف؛ أي: أَوَلَمْ يُؤْتَ موسى ما أُوتي مِنَ الآياتِ ولَمْ يكفُرْ قومُهُ المعاندون كهؤلاء.
قولُه: (قد كانَ للعربِ أصلٌ في أيام موسى)، أي: نسبةٌ مِنْ حيثُ الكُفر والعناد، كما أنّ مِنَ المسلمينَ إخوةً مِنْ حيثُ الإيمان. أو أنّ أبا العربِ إسماعيل، وأبا بني إسرائيلَ إسحاق. والفاءُ في ((فمعناه)) نتيجةٌ؛ بِناءً على هذا التقدير.
قولُه: (و ﴿سِحْرَانِ﴾ بمعنى: ذَوا سِحْر)، وهيَ قراءةُ عاصمٍ وحمزةَ والكسائي.
стр. 6269
أو أرادُوا: نوعانِ من السِّحرِ. ﴿بِكُلٍّ﴾ بكُلِّ واحدٍ منهُما. فإن قلت: بم علَّقْتَ قولَه: ﴿مِن قَبْلُ﴾ في هذا التَّفسيرِ؟ قلت: بـ ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾، ولي أنْ أُعلِّقَه بـ ﴿أُوتِيَ﴾، فينقلبُ المعنى إلى أنَّ أهلَ مكَّةَ الذينَ قالُوا هذه المقالةَ كما كَفَرُوا بمُحَمَّدٍ ﷺ وبالقُرآنِ؛ فقد كفرُوا بمُوسى ﵇ وبالتَّوراة، وقالُوا في مُوسى ومُحمَّدٍ عليهِما الصَّلاةُ والسَّلام: ساحِرانِ تظاهَرا. أو في الكتابين: سِحرانِ تظاهرا؛ وذلك حين بَعَثُوا الرّهطَ إلى رُؤَساءِ اليهودِ بالمدينةِ يسألونَهم عن مُحمَّدٍ ﷺ ، فأخبَروهُم أنّه نعتُه وصِفَتُه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (أو أرادوا نوعانِ مِنَ السِّحْر)، قالَ صاحبُ ((التقريب)): يعنُونَ التوراةَ والقرآن.
قلتُ: يؤيِّدُ قوله تعالى: ﴿قُلْ فَاتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِندِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾.
قولُه: (بِمَ علّقْتَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ في هذا التفسير؟ )، أيْ: في تفسيرِ الحَسَن؛ وهوَ قولُه: ((قدْ كانْ للعربِ أصلٌ في زَمَنِ موسى))، وكذا في الحاشية، وفيهِ تفصيل؛ وهوَ أنّ الضميرَ في ﴿يَكْفُرُوا﴾: إما للكَفَرةِ في زَمَنِ موسى ﵇ مِنْ بني إسرائيل؛ فيتعلّقُ ﴿مِن قَبْلُ﴾ بـ ﴿يَكْفُرُوا﴾ لا بـ ﴿أُوتِيَ﴾؛ لأنّ موسى ﵇ ما أُوتيَ الكتابَ مِنْ قَبْلِهِم، وإنما وَبّخَ الحاضِرِينَ في زَمَنِ مُحمدٍ صلواتُ الله عليهِ بهِ؛ لأنّهُمْ أبناءُ جِنسِهِم في العِناد. وإما لآباءِ الكَفَرةِ الحاضِرة. فالتوبيخُ نحوُ التوبيخِ في قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١، ٩٢].
ويجوزُ أنْ يُجعَلَ الضميرُ للكَفَرةِ الحاضِرة، ويُعلّقَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ بـ ﴿أُوتِيَ﴾، كما قال: ((ولي أنْ أُعلِّقَه بـ ﴿أُوتِيَ﴾ وفي كلامِهِ حذف؛ أي: ولي أنْ أُعلِّقَه بـ ﴿أُوتِيَ﴾ وأَجْعَلَ الضميرَ في ﴿يَكْفُرُوا﴾ للحاضرِينَ لا لآبائِهِم؛ فينقلبَ المعنى، إلى آخرِه. فعلى هذا: إذا قُرِئَ ((ساحران)) أو ﴿سِحْرَانِ﴾ وأُريدَ: ساحران؛ كانَ المرادُ محمدًا وموسى ﵉، وإنْ أُريدَ نوعانِ مِنَ السِّحْر؛ فالمرادُ التوراةُ والقرآن.
قولُه: (فقالوا في موسى ومحمد: ساحِرانِ [تظاهرا]، أو في الكتابين: سِحْرانِ تظاهرا)،
стр. 6270
وأنّه في كتابِهِم، فرجَعَ الرَّهْطُ إلى قُريشٍ فأخبروهُم بقَولِ اليهود، فقالُوا عندَ ذلك: ساحِران تَظاهرا.
[﴿قُلْ فَاتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٤٩]
﴿هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ ممّا أُنزِلَ على مُوسى ﵇ وممّا أُنزِلَ عليَّ. هذا الشَّرْطُ من نحوِ ما ذكرتُ أنَّه شرطُ المُدِلِّ بالأمرِ المتَحَقِّقِ لصِحَّتِه؛ لأنَّ امتناعَ الإتيانِ بكتابٍ أهدى من الكِتابَيْنِ أمرٌ متَحَقِّقٌ لا مجالَ فيه للشَّكِّ. ويجوزُ أنْ يُقصَدَ بحرفِ الشَّكِّ: التَّهكُّمُ بهم.
[﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٥٠]
فإن قلت: ما الفرقُ بينَ فعلِ الاستجابةِ في الآية، وبينَهُ في قولِه:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا التفسيرُ بناءً على القراءةِ الثانية. قالَ الزجاج: والثاني أظْهَر؛ لقولِه تعالى: ﴿قُلْ فَاتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِندِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾. ولقائلٍ أنْ يقول: لا يَمْنَعُ هذا مِنْ حَمْلِ ﴿سِحْرَانِ﴾ على محمدٍ وموسى ﵉؛ لأنّ المعنى: قل فأتوا بكتابٍ مِنْ عندِ الله هوَ أهدى مِنْ كتابَيْهِما، ويؤيِّدُهُ قراءةُ مَنْ قرأ ((ساحران)).
قولُه: (هذا الشرطُ مِنْ نحوِ ما ذكرتُ)، أي في سورةِ الشعراء: ﴿أَن كُنَّا أَوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٥١] قال: ((وهوَ الشرطُ الذي يجيءُ بهِ المُدِلُّ بأمْرِهِ المتحقِّقُ بصِحّتِه، ونظيرُهُ قولُ العامِلِ لمَنْ يُؤخِّرُ جُعْلَه: إنْ كنتُ عَمِلْتُ لكَ فوفِّني حقِّي)).
المُدلّ: الواثِق، وهوَ يُدَلُّ بفُلانٍ: يثقُ بِه.
стр. 6271
فَلم يَسْتَجِبْهُ عِندَ ذاكَ مُجِيبُ
حيثُ عُدِّيَ بغيرِ اللاّم؟ قلت: هذا الفعلُ يتعدّى إلى الدُّعاء بنفسِه وإلى الدّاعي باللاّم، ويُحذَفُ الدُّعاءُ إذا عُدِّيَ إلى الدّاعي في الغالب، فيُقال؛ استجابَ الله دعاءَه، أو استجابَ له، ولا يَكادُ يقال: استجابَ له دُعاءَه. وأمّا البيتُ فمعناه: فلم يستجِبْ دُعاءَه، على حذفِ المُضاف. فإن قلت: فالاستجابةُ تقتضي دُعاءً ولا دُعاءَ هاهنا.
قلت: قولُه: ﴿فَاتُوا بِكِتَابٍ﴾ أمرٌ بالإتيان، والأمرُ بعْثٌ على الفِعلِ ودُعاءٌ إليه، فكأنّه قال: فإنْ لم يستجِيبُوا دُعاءَك إلى الإتيانِ بالكتابِ الأهدى، فاعلمْ أنَّهم قد أُلزِمُوا لهم حُجّةٌ إلاّ اتباعُ الهوى، ثمّ قال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ﴾ لا يتّبعُ في دينِه إلاّ ﴿هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ﴾ أي: مطبوعًا على قلبه، ممنوعَ الألطاف. ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي﴾ أي: لا يلطُفُ بالقوم الثّابِتينَ على الظُّلم؛ الذين اللاّطِفُ بهم عابثٌ. وقولُه: ﴿بِغَيْرِ هُدًى﴾ في موضِع الحال، يعني: مخذُولاً مُخلًّى بينَه وبينَ هواه.
[﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٥١]
قُرِئ: ﴿وَصَّلْنَا﴾ بالتَّشدِيد والتَّخفيف. والمعنى: أنَّ القُرآنَ أتاهُم مُتتابعًا مُتواصلاً، وعدًا ووَعيدًا، وقَصصًا وعِبَرًا، ومَواعِظَ ونصائِح: إرادةَ أن يتذكَّرُوا فيُفلِحُوا. أو:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (فَلم يستجِبْهُ عندَ ذاكَ مُجيب)، أوّله:
وداعٍ دعا يا مَنْ يُجيبُ إلى الندى
أي: رُبّ داعٍ دعا: هلْ مِنْ مُجيبٍ إلى الندى؛ أي: هلْ أحدٌ يَمنَحُ المُستَمنِحِين؟ فلَمْ يُجِبْهُ أحد.
قولُه: (﴿وَصَّلْنَا﴾، بالتشديد: السبعة، وبالتخفيف: شاذة.
قولُه: (متتابعًا متواصلاً، وعدًا ووعيدًا)، قالَ الزجّاج: وَصَّلْنا لهُمُ القول؛ أي: فصّلناهُ
стр. 6272
نزلَ عليهِم نُزولاً مُتَّصِلاً بعضُه في أثرِ بعض. كقولهِ: ﴿وَمَ يَاتِيهِمِ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥].
[﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ٥٢]
نزلتْ في مُؤمِنِي أهلِ الكتابِ. وعن رِفاعَةَ بنِ قَرَظة: نزلتْ في عَشَرةٍ أنا أحدُهم.
وقيل: في أربَعِينَ من مُسلِمِي أهلِ الإنجيل: اثنانِ وثلاثُونَ جاؤُوا مع جعفرٍ من أرضِ الحبشة، وثمانيةٌ من الشّام، والضّميرُ في ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ للقُرآن.
[﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ٥٣]
فإن قلت: أيُّ فرقٍ بينَ الاستئنافَيْن: إنَّهُ وإنّا؟ قلت: الأوّلُ تعليلٌ للإيمانِ به، لأنّ كونَه حقًّا من الله حقيقٌ بأنْ يؤمِنَ به. والثّاني: بيانٌ لقولِه: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾؛ لأنَّه يُحتَملُ أن يكونَ إيمانًا قريبَ العهدِ وبعيدَه، فأُخبِرُوا أنّ إيمانَهم به مُتَقادِمٌ؛ لأنَّ آباءَهمُ القُدَماءَ قَرؤُوا في الكُتُبِ الأُوَلِ ذكْرَه وأبناؤُهم من بعدِهم ﴿مِن قَبْلِهِ﴾: من قَبْلِ وُجُودِه ونُزُولِه. ﴿مُسْلِمِينَ﴾: كائِنينَ على دينِ الإسلام؛ لأنّ الإسلامَ صفةُ كُلِّ مُوَحِّدٍ مُصدِّقٍ للوَحْي.
[﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ٥٤]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بأنْ وصَلْنا ذِكرَ الأنبياءِ أو أقاصيصَ مَنْ مضى، بعضَها ببعض. والحاصلُ أنّ الوصلَ يقتضي التتابُعَ وإنما يقال: وصل؛ إذا كانَ بينَ الكلامينَ اتصالٌ معنويٌ ومناسبة، أو اتصالٌ لفظيٌ بأنْ يكونَ الكلامُ متتابعًا مسرودًا لَمْ يقعْ بينَهُما فاصِلة.
قولُه: (﴿مِن قَبْلِهِ﴾ مِنْ قَبْلِ وُجودِه)، قيل: أشارَ إلى مذهبِه.
стр. 6273
﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ بصَبْرِهِم على الإيمانِ بالتَّوراةِ والإيمانِ بالقُرآن. أو: بصبْرِهِم على الإيمانِ بالقُرآنِ قبلَ نُزُولِه وبعدَ نُزُولِه. أو: بصبْرِهِم على أذى المُشرِكِينَ وأهلِ الكتاب.
ونحوهُ: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنٍ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]. ﴿بِالحَسَنَةِ السَّيِئَةَ﴾ بالطّاعةِ المَعصيةَ المُتقدِّمة. أو: بالحِلمِ الأذى.
[﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ ٥٥]
﴿سَلَامُ عَلَيْكُمْ﴾ تودِيعٌ ومُتارَكة. وعن الحَسنِ ﵁: كلمةُ حِلمٍ من المُؤمِنين ﴿لَا نَبْتَغِي الجَاهِلِينَ﴾ لا نُريدُ مخالطَتهُم وصُحبَتَهُم، فإنْ قلت: مَن خاطبوا بقولِهم ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾؟ قلت: اللاّغِينَ الذينَ دَلَّ عليهِم قولُه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾.
[﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ٥٦]
﴿لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ لا تقدِرُ أن تُدْخِلَ في الإسلامِ كُلَّ مَن أحبَبتَ أنْ يدخُلَ فيه مِن قومِكَ وغيرِهم، لأنّك عبدٌ لا تعلمُ المَطبوعَ على قلبِه مِن غيرِه ﴿وَلَكِنَّ اللهَ﴾
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (توديعٌ وتارَكة)، نقلَ في ((المطلع)) عَنِ الزجّاج: لَمْ يريدوا بقولِهم: ﴿سَلَامُ عَلَيْكُمْ﴾ التحية؛ وإنما أرادوا: بيننا وبينَكُمُ المتاركةُ والتسليم، كأنهم قالوا: سَلِمْتُمْ مِنّا، لا نُعارِضُكُمْ بالشّتْمِ والأذى.
قولُه: (﴿لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾: لا تَقْدِر)، وإنما فسّرَهُ بهذا وعلله بقولِه: ((لأنكَ عبدٌ لا تَعلَمُ))؛ لأنّ كلمةَ الاستداركِ وُضِعَتْ لتدخُلَ بينَ كلامَيْنِ متغايِرَيْنِ نفيًا وإيجابًا، فإذا دَلّ قولُه: ((ولكنّ الله)) إلى آخرهِ على أنهُ تعالى يقدِرُ على الهدايةِ لعلمِهِ بالمهتدي، يجبُ أنْ يُفسّرَ قولُه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ بقولِه: لا تقدِرُ على الهدايةِ لأنكَ عبدٌ لا تعلمُ المهتدي.
стр. 6274
يُدخِلُ في الإسلامِ ﴿مَن يَشَاءُ﴾ وهو الذي عَلِمَ أنَّه غيرُ مطبوعٍ على قلبِه، وأن الأَلطافَ تنفعُ فيه، فَيقْرُنُ به ألطافَه حتّى تدعُوه إلى القَبُولِ ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ بالقابِلِينَ مِن الذينَ لا يقبَلُون. قال الزَّجّاج: أجمعَ المُسلِمُونَ أنَّها نزلتْ في أبي طالب، وذلك أنّ أبا طالبٍ قال عندَ موتِه: ((يا مَعشَرَ بنِي هاشِمٍ، أطيعُوا مُحمَّدًا وصدِّقُوه تُفلِحُوا وتَرْشُدُوا، فقالَ النَّبِيُّ ﷺ : يا عَمِّ، تأمُرُهُم بالنَّصيحةِ لأنفُسِهم وتَدَعُها لنَفْسِك؟ فقالَ: فما تُريدُ يا ابنَ أخِي؟ قال: أريدُ منكَ كلمةً فإنَّكَ في آخرِ يَوْمٍ من أيّامِ الدُّنيا: أن تقولَ لا إلهَ إلاّ الله. أشهدُ لكَ بها عندَ الله. قال: يا ابنَ أخي، قد علمتُ إنَّك لصادِقٌ، ولكنِّي أكرَهُ أن يُقال: خَرِعَ عندَ المَوْت، ولولا أنْ تكُونَ عليكَ وعلى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (قالَ الزجاج: أَجْمَعَ المسلمون)، والمذكورُ في ((تفسيرِه)): أجمعَ المفسرونَ أنها نزلتْ في أبي طالب. ثُمّ قال: وجائزٌ أنْ يكونَ ابتداءُ نزولِها بسببِ أبي طالب، وهيَ عامّةٌ لأنهُ لا يهدي إلا الله ، ولا يُرشِدُ ولا يُوفِّقُ إلا الله، وكذلكَ هوَ يُضِلُّ مَنْ يشاء.
رَوينا في ((صحيح البخاريِّ)) عنِ ابنِ المسَيّب، عنْ أبيه: أنّ أبا طالبٍ لمّا حَضَرَتْهُ الوفاةُ دخلَ عليهِ النبيُّ ﷺ وعندَهُ أبو جهل؛ فقال: ((أي عمّ، قُل: لا إلهَ إلا الله؛ كلمةً أُحاجُّ لكَ بها عندَ الله)). فقالَ أبو جهلٍ وعبدُ الله بنُ أمية: يا أبا طالب، ترغبُ عنْ مِلّةِ عبدِ المطّلِب؟ فلَمْ يزالا يُكلِّمانِهِ حتى قالَ آخرَ شيءٍ كَلّمَهم به: على ملةِ عبدِ المطّلِب. فنزلَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾.
وعنْ مسلم والترمذيِّ عنْ أبي هُريرةَ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ لعمِّهِ عندَ الموت: ((قل: لا إله إلا الله؛ أشهدُ لكَ يومَ القيامة))؛ فأنزلَ الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾.
قولُه: (خرع عندَ الموت)، بالخاءِ المعجمةِ والراء. الجوهري: الخَرَعُ- بالتحريك-: الرّخاوةُ في كلِّ شيء؛ يُقال: خرع الرّجُلُ أي: ضَعُف. النِّهاية: ويُروى بالجيمِ والزاي؛ وهو:
стр. 6275
بَنِي أبيكَ غضاضةً ومَسَبّةً بعدي، لقُلتُها، ولأقرَرْتُ بها عَيْنَك عندَ الفِراق، لِما أرى من شِدَّةِ وَجَدِكَ ونصيحَتِك، ولكنِّي سَوفَ أموتُ على ملَّةِ الأشياخِ عبدِ المُطَّلِبِ وهاشِمٍ وعبدِ مَناف)).
[﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ٥٧]
قالت قريش- وقيل: إنّ القائِلَ الحارثُ بنِ نَوفَلٍ بنُ عبدِ مَناف-: نحنُ نعلمُ أنَّك على الحقِّ، ولكنّا نخافُ إِنِ اتَّبعناكَ وخالَفْنا العَرَبَ بذلك، وإنَّما نحنُ أَكَلَةُ رأسٍ، أي: قليلُون أن يتخطَّفُونا مِن أرضِنا، فألقَمَهُم الله الحَجَر. بأنّه مكَّنَ لهُم في الحَرَمِ الذي آمَنَهُ بحُرمةِ البيتِ وآمَنَ قُطّانَهُ بحُرمَتِه، وكانتِ العربُ في الجاهِليّةِ حولَهُم يتغاوَرُون ويتناحَرُون، وهُم آمِنُون في حَرَمِهِم لا يخافُون، وبِحُرمةِ البيتِ هُمْ قارُّونَ بوادٍ غيرِ ذي زرعٍ، والثَّمَراتُ والأرزاقُ تُجبي إليهِم مِن كُلِّ أَوبٍ، فإذا خوَّلَهُم الله ما خوَّلَهُم مِنَ الأمنِ والرِّزقِ بحُرمةِ البيتِ وَحْدَها وهُم كفرةٌ عَبَدةُ أصنامٍ؛ فكيفَ يستقيمُ أن يُعرِّضَهم للتّخَوُّفِ والتَّخَطُّف، ويَسلُبَهمُ الأمنَ إذا ضَمُّوا إلى حُرمةِ البيتِ حُرمةَ الإسلامِ، وإسنادُ الأمنِ إلى أهلِ الحَرَم حقيقةٌ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخَوْف. وقالَ ثعلب: إنما هوَ بالخاءِ والراء.
قولُه: (غضاضة)، ذِلّةٌ ومَنقَصة.
قولُه: (أَكَلَةُ رأس، أي: قليلون)، يكفيهِمْ رأسٌ واحد، وهوَ جَمْعُ ((آكِل)).
قولُه: (أنْ يتخطّفونا مِنْ أرضِنا)، التخَطُّف: الانتزاعُ بسرعة.
قولُه: (فألقَمَهَم الله الحَجَرَ)، ألقَمَهُ الحَجَر: ألزَمَهُ الحَجّة؛ مِن: إلقامِ الأُمِّ الثدي.
قولُه: (يتغاورون)، الأساس: التغاور: التناحُر، وفلانٌ مغايرٌ ومغاور، ومغوارٌ مِنْ قومٍ مغاوير. والأَوْب: المرجع، كُلُّ أَوْب: كُلُّ وَجْه.
стр. 6276
وإلى الحرمِ مجازٌ. ﴿يُجْبي إِلَيْهِ﴾ تُجلَبُ وتُجمَعُ. قُرِئَ بالياءِ والتّاء. وقرئَ: (تُجني)، بالنُّون، من الجَنْي. وتَعْدِيَتُه بـ ((إلى)) كقولِه: يَجنِي إليَّ فيه، ويَجْني إلى الخافة و ((ثُمْراتٌ)): بضمَّتَينِ وبضَمَّةٍ وسُكُون. ومعنى الكُلِّيّة: الكَثرةُ، كقولِه: ﴿وَأُوِتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ
﴾ [النمل: ٢٣] ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ متعلِّقٌ بقولِه ﴿مِّن لَّدُنَّا﴾ أي: قليلٌ منهم يُقِرُّونَ بأنَّ ذلك رِزقٌ من عندِ الله، وأكثُرهم جَهَلةٌ لا يَعلَمُونَ ذلك ولا يَفْطِنُون له، ولو عَلِمُوا أنَّه من عندِ الله لعَلِمُوا أنَّ الخوفَ والأمنَ من عندِه. ولمَا خافُوا التَّخطُّفَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (وإلى الحرم مجاز)، إذا جعلَ ﴿ءَلمِنًا﴾ صفةً لـ ﴿حَرَمًا﴾. قالَ في البقرة: ((أو آمنًا مَنْ فيه؛ كقولِك: نهارُهُ صائمٌ وليلُهُ قائم)).
قولُه: (قُرِئَ بالياءِ والتاء)، نافع: بالتاءِ الفوقانية، والباقون: بالياء، وبالنونِ: شاذ. والجني: قطعُ الثمر.
قولُه: (ويجني إلى الخافة)، الجوهري: الخافة: الخريطةُ مِن أدمٍ يُشتارُ فيها العسل.
قولُه: (و ((ثُمُرات)) بضمّتَيْن)، قالَ ابنُ جِنّي: هيَ قراءةُ أبانِ بنِ ثعلب، جُمِعَ ((ثَمَرةٌ)) على ((ثُمْرٍ))؛ نحو: خَشَبةٍ وخُشْب، وأكَمةٍ وأُكْم، ثُمّ ضُمّتْ الميمُ إشباعًا وتمكينًا، ثم جُمِعَ ((ثُمُرٌ)) على ثُمُراتٍ جمعَ التأنيث؛ فجرى ما لا يعقُل مجرى المؤنث، وعليهِ قالوا: يا ثاراتِ فلان؛ جمعُ ثأر.
قولُه: (ومعنى الكُلِّية: الكثرة)، عن بعضِهِم: كلمةُ ((كل)) للإحاطة؛ فاستُعيرتْ لنفسِ الكثير؛ لأنهُ مجموعُ المعنى مفردُ اللفظ.
قولُه: (ولا يَفطِنون)، الفِطْنةُ كالفَهْم؛ تقولُ: فطَنْتُ الشيءَ-بالفتح-، وقدْ فَطِنَ- بالكسر- فِطنةً وفَطانة. وفي حديثِ فاطمةَ ﵄: فلَمْ يفطِنْ حتى فطِنْتُ لها.
стр. 6277
إذا آمنوا به وخلعوا أنداده. فإن قلت: بم انتصب رزقاً؟ قلت: إن جعلته مصدراً جاز أن ينتصب بمعنى ما قبله؛ لأنّ معنى (يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ) ويرزق ثمرات كل شيء: واحد، وأن يكون مفعولاً له. وإن جعلته بمعنى: مرزوق، كان حالاً من الثمرات لتخصصها بالإضافة، كما تنتصب عن النكرة المتخصصة بالصفة.
[(وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ) ٥٨]
هذا تخويف لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم من إنعام الله عليهم بالرقود في ظلال الأمن وخفض العيش، فغمطوا النعمة وقابلوها بالأشر والبطر، فدمرّهم الله وخرّب ديارهم. وانتصبت (مَعِيشَتَها) إمّا بحذف الجار وإيصال الفعل، كقوله تعالى: (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ) وإمّا على الظرف بنفسها، كقولك: زيدٌ ظنى مقيم. أو بتقدير حذف الزمان المضاف، أصله: بطرت أيام معيشتها، كخفوق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (وخلعوا أندادَه)، النهاية: هوَ مِن: خلعتُ الثوب؛ إذا ألقيتَهُ عنك. شُبِّهَتِ الطاعةُ واشتمالُها على الإنسانِ به، ومنهُ سُمِّيَ الأميرُ إذا عُزِل: خليعًا قَدْ لَبِسَ الإمارةَ ثُمّ خَلَعَها.
قولُه: (مِن إنعامِ الله عليهم بالرُّقودِ في ظلالِ الأمنِ وخفضِ العيش)، قال:
مَنْ كانَ بالدنيا أخا ثقةٍ بها … والأمنُ مذهبُ ليلهِ ونهارهِ
عطفتْ عليهِ مِنَ الردي بقوابل … قدْ نامَ عنها ناظرًا لحِذارِه
قولُه: (فغَمِطُوا)، أي: حَقّروا. وغمطُ الناس: الاحتقارُ لَهُمْ والإزراءُ بهم، قالُه الجوهري.
قولُه: (وإما على الظرفِ بنفسها)، سمّاهُ ظرفًا مجازًا؛ لأنهُ مصدرٌ مؤوّل. ويجوزُ أنْ يكونَ ((مفعلة)) للزمانِ والمكان؛ كقولِك: زيدٌ ظني مقيم؛ أي: في ظني، والعاملُ في ((ظني)) المنتَزَعُ مِنْ معنى الجملةِ كالإخبارِ والإسنادِ والحكم.
стр. 6278
النجم، ومقدم الحاج. وإمّا بتضمين (بَطِرَتْ) معنى: (كفرت) و (غمطت). وقيل: البطر سوء احتمال الغنى, وهو: أن لا يحفظ حق الله فيه. (إِلَّا قَلِيلًا) من السكنى. قال ابن عباس رضى الله عنهما: لم يسكنها إلا المسافر ومارّ الطريق يوماً, أو ساعةًً, ويحتمل أنّ شؤم معاصى المهلكين بقي أثره في ديارهم، فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق فيها إلا قليلاً. (وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ) لتلك المساكن من ساكنيها، أى: تركناها على حالٍ لا يكنها أحدٌ، أو: خرّبناها وسوّيناها بالأرض.
تتخلّف الآثار عن أصحابها … حينا ويدركها الفناء فتتبع
[(وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ) ٥٩]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (وإما بتضمين ﴿بَطِرَتْ﴾ معنى ((كفرت)))، الأساس: ومِنَ المجاز: بَطِر فلانٌ نعمةَ الله؛ أي: استخفّها فكفَرَها، ولم يستَرْجِهْها فيشكُرْها. ومنهُ قولُه تعالى: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾.
قولُه: (البَطَر: سوءُ احتمالِ الغِنى؛ وهوَ أنْ لا يحفظَ حقّ الله فيه)، النهاية: في الحديث: ((الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ)) هوَ أنْ يجَعَلَ ما جَعَلَهُ الله حقًّا مِنْ توحيدِهِ وعبادتِهِ باطلاً.
قولُه: (﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ مِنَ السُّكْنى)، يُقال: سَكَنْتُ داري وأسْكَنْتُها غيري، والاسمُ مِنه: السُّكْنى؛ كما أنْ العُتْبى مِنَ الإعتاب. فقولُه: ((إلا قليلاً مِنَ السكنى)) معناه: إلا سُكنى قليلاً.
قولُه: (أي: تركناها على حالٍ لا يسكُنُها أحد)، وذلكَ أنّ معنى أنهُ تعالى وارثٌ هو: أنّ الأشياءَ كلّها في العاقبةِ زائلةٌ عمّنِ ادّعى ملكَها، صائرةٌ إليهِ تعالى لمّا ينادِي: لِمَنِ الملكُ اليوم؟ فيُقال: لله الواحدِ القهار.
قولُه: (تتخلف الآثار) البيت للمتنبي، يعني: تتبعُ الآثارُ الأصحابَ، أي: الآثارُ تبقى بعدَ صاحبِها زمانًا مِنَ الدهر، ثم تفني وتتبعُ صاحِبَها في الفناء.
стр. 6279
وما كانت عادة ربك أن يهلك القرى في كل وقتٍ (حَتَّى يَبْعَثَ فِي) القرية التي هي أمّها، أى: أصلها وقصبتها التي هي أعمالها وتوابعها (رَسُولًا) لإلزام الحجة وقطع المعذرة، مع علمه أنهم لا يؤمنون. أو: وما كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلك القرى في الأرض حتى يبعث في أم القرى يعنى: مكة رسولاً؛ وهو محمدٌ ﷺ خاتم الأنبياء. وقرئ: (إمها) بضم الهمزة وكسرها لاتباع الجرّ، وهذا بيانٌ لعدله وتقدسه عن الظلم، حيث أخبر بأنه لا يهلكهم إلا إذا استحقوا الهلاك بظلمهم، ولا يهلكهم مع كونهم ظالمين إلا بعد تأكيد الحجة والإلزام ببعثة الرسل،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (وقَصَبتُها التي هيَ أعمالُها)، الجوهري: قصبةُ القرية: وسطُها، وقصبةُ السواد: مدينتُها.
قولُه: (لإلزامِ الحُجّةِ وقطعِ المعذِرة، معَ علمِهِ أنّهُمْ لا يُؤمنون)، هذا يَهدِمُ قاعدةَ مذهبِهِ؛ لأنّ لَهُمْ أنْ يعتذروا بسابِقِ علمِهِ فيقولوا: أليسَ في علمِكَ وحُكمِكَ أنّا لا نؤمِن؟ فكيفَ لنا أنْ نأتِيَ على خِلافِ علمِك؟ وليسَ الجوابُ عنهُ إلا أنْ يُقال: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
قولُه: (أو: وما كانَ في حُكم الله وسابقِ قضائه)، هذا الوجهُ مبنيٌّ على قولِه تعالى: ﴿وَإِن مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ﴾ [الإسراء: ٥٨]، ومِنَ أمارات القيامةِ بعثةُ الرسولِ ﷺ ؛ ولهذا قال: ((بُعِثتُ أنا والساعةُ كهاتين)). والوجهُ الأولُ أوفقُ لتأليفِ النّظْم؛ لأنهُ تعالى لمّا قال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ بَيّنَ أنّ الإهلاكَ إنما كانَ لأنهم لم يشكروا الله على ما أوْلاهُمْ مِنَ النعمة، ومِنْ أَجَلِّ النعمةِ بعثةُ الرُّسُلِ وشكرُ الاقتداءِ بهداهُمْ والاقتفاءِ بآثارِهم.
قولُه: (إلا بعدَ تأكيدِ الحُجّةِ والإلزامِ ببعثةِ الرُّسُل)، الانتصاف: هذا سؤالٌ واردٌ على
стр. 6280
ولا يجعل علمه بأحوالهم حجة عليهم، ونزه ذاته أن يهلكهم وهم غير ظالمين، كما قال تعالى: (وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ) [هود: ١١٧].
فنصّ في قوله: (بِظُلْمٍ) أنه لو أهلكهم وهم مصلحون لكان ذلك ظلماً منه، وأنّ حاله في غناه وحكمته منافيةٌ للظلم، دلّ على ذلك بحرف النفي مع لامه، كما قال الله تعالى: (وَما كانَ الله لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ) [البقره: ١٤٣].
[(وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ الله خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ) ٦٠]
وأى شيء أصبتموه من أسباب الدنيا؛ فما هو إلا تمتعٌ وزينةٌ أياماً قلائل، وهي مدة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القَدَريّة؛ إذْ لَوْ كانتِ العقولُ تحكُمُ بأحكامِ التكاليف؛ لقامتِ الحُجّةُ على الناس، وإنْ لَمْ يكُنْ بعثة، ولا يجدونَ عنهُ جوابًا.
قولُه: (ولا يجعلُ عِلْمَهُ بأحوالهِم حُجّةً عليهم)، يعني: أنّ الله تعالى لا يعامِلُ خلقَهُ بعِلْمِه؛ بلْ يعاملُهُم بفعلِهِم.
قولُه: (فنَصّ في قولِه: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أنّهُ لوْ لأهلَكَهُم وهُمْ مصلِحون؛ لكانَ ذلكَ ظُلمًا مِنه)، فجوابُهُ أنهُ لِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ معناه: ليسَ مِنْ شأنِهِ وعادتِهِ إلا التفضُّلُ والرحمة؛ فلا يُهلِكُهُم في حالِ صلاحِهِم، ولوْ فَرَضَ إهلاكَها فبِعَدِلِه؛ لأنهُ يتصرّفُ في مُلكِهِ؟ كما سَبَق.
قولُه: (وأيّ شيءٍ أصَبْتُموه)، أبرزَ الضميرَ المنصوبَ ليُؤذِنَ ((ما)) - في ﴿وَمَا أُوتِيتُم﴾ - موصولة، وقدْ بُيِّنَتْ بقولِه: ﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ فأفادَتِ الشيوعَ فأُجِيبَ بالفاءِ في قولِه: ﴿فَمَتَاعُ﴾ على طريقِ الإخبارِ والتنبيه، كما في قولِه: ﴿وَمَا بِكُم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [النحل: ٥٣]. ويؤيِّدُهُ قولُه: ﴿وَمَا عِند اللهِ خَيْرٌ﴾؛ لأنهُ قرينة، وليستْ ﴿وَمَا﴾ إلا موصولة.
وأما إفادةُ الحصرِ في قولِه: ((فما هوَ إلا تمتُّعٌ وزينة)) فمِنْ مفهومِ التركيب؛ لأنّ الآيةَ مِنَ
стр. 6281
الحياة المتقضية. (وَما عِنْدَ الله) وهو ثوابه (خَيْرٌ) في نفسه من ذلك (وَأَبْقى)؛ لأنّ بقاءه دائمٌ سرمدٌ. وقرئ: (يعقلون) بالياء، وهو أبلغ في الموعظة. وعن ابن عباسٍ رضى الله عنهما: "أن الله خلق الدنيا وجعل أهلها ثلاثة أصنافٍ: المؤمن، والمنافق، والكافر؛ فالمؤمن يتزوّد، والمنافق يتزين، والكافر يتمتع".
[(أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) ٦١]
هذه الآية تقريرٌ وإيضاح للتي قبلها. و (الوعد الحسن): الثواب؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التقسيمِ الحاضر، كأنُه قيل: إنّ ما يتصلُ بكُمْ ما هوَ مِنْ عندِ الله، أو غيرُ ذلك. فالأوّلُ باقٍ لا محالة، والثاني فانٍ ولا شكّ فيه.
قولُه: (وقُرِئَ: ((يعقلون)))، بالياءِ التحتانيّة: أبو عمرو، وهوَ أبلغُ في الموعظة؛ لأنّ الخطابَ معَ أهلِ مكة، كأنهُ لمّا عَدَلَ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبةِ آذَنَ بأنّ أولئك البُعداءَ مِنَ الخيرِ لا عقلَ لهم؛ حيثُ يُؤْثِرونَ الفاني على الباقي، والدنيءَ الحقيرَ على الشريفِ العظيم. روى الإمامُ عنِ الشافعيِّ ﵁: مَنْ بثُلُثِ مالِهِ لأعقلِ الناسِ صرفَ إلى المشتغِلينَ بطاعةِ الله؛ لأنّ أعقلَ الناسِ مَنْ أعطى القليلَ وأخذَ الكثير. فكأنهُ ﵁ اقتبسَ المعنى مِنْ هذهِ الآية.
قولُه: (هذهِ الآيةُ تقريرٌ وإيضاح)، أما كونهُ تقريرًا فإنهُ ضَرَبَ المعنَيَيْنِ- أعني: ﴿وَمَا أُوتِيتُم﴾، ﴿وَمَا عِندَ اللهِ﴾ - مثلاً في هذهِ الآية، وأخرجَهُما مخرجَ المشبّهِ والمشبّهِ به، وأَدْخَلَ همزةَ الإنكارِ على فاءِ التعقيبِ العاطفةِ لهذهِ الجملةِ على الأولى. والمعنى: أَبَعْدَ هذا التفاوتِ الظاهرِ يستويان؟ أي: أبناءُ الدنيا والآخرة. وأما البيانُ فإنهُ تعالى ذكرَ أنّ ما أوتوا مِنْ شيءٍ فهوَ تمتُّعٌ وزينةٌ أيامًا قلائل. ولمْ يبيِّنْ في تلكَ الآيةِ مالَها وسوءَ مغبّتِها فبيّنَ في هذهِ الآيةِ أنّ المالَ أنّهُمْ يُحضَرونَ النار، وذكَرَ فيها أنّ ما عندَ الله خيرٌ وأبقى. ولمْ يبيِّنْ العاقبةَ فيه؛ فبيّنَ في
стр. 6282
لأنه منافع دائمةٌ على وجه التعظيم والاستحقاق، وأى شيء أحسن منها؟ ولذلك سمى الله الجنة بالحسنى. و (لاقِيهِ) كقوله تعالى: (ولقاهم نضرة وسروراً)، وعكسه (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) [مريم: ٥٩] (مِنَ الْمُحْضَرِينَ) من الذين أحضروا النار, ونحوه: (لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) [الصافات: ٥٧]، (فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) [الصافات: ١٢٧] قيل: نزلت في رسول الله ﷺ وأبى جهل. وقيل: في على وحمزة وأبى جهل. وقيل: في عمار ابن ياسرٍ والوليد بن المغيرة. فإن قلت: فسر لي الفاءين وثم، وأخبرنى عن مواقعها. قلت: قد ذكر في الآية التي قبلها متاع الحياة الدنيا وما عند الله وتفاوتهما، ثم عقبه بقوله: (أَفَمَنْ وَعَدْناهُ) على معنى: أبعد هذا التفاوت الظاهر يسوّى بين أبناء الآخرة وأبناء الدنيا؟ فهذا معنى الفاء الأولى وبيان موقعها. وأمّا الثانية فللتسبيب: لأن لقاء الموعود مسببٌ عن الوعد الذي هو الضمان في الخير. وأمّا (ثم) فلتراخى حال الإحضار عن حال التمتيع، لا لتراخى وقته عن وقته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذهِ أنّ الموعودَ الجنّة، وإليهِ الإشارةُ بقولِه: ((والوَعْدُ الحَسَن: الثواب)) إلى قولِه: ((ولذلكَ سَمّي الله الجنةَ بالحسنى)).
قولُه: (لأنُه منافِعُ دائمة)، تعليلٌ لتفسيرِ الوعدِ الحسنِ بالثواب. وإنّما قَيَّدَ التعريفَ بقولِه: ((على وجهِ التعظيم))؛ لأنّ المنافعَ الدينيويةَ ليستْ للتعظيم؛ أكثرُها بلْ جُلُّها استدراج، قالَ الله تعالى: ﴿إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]. وقيّدَ الاستحقاقَ إشارةً إلى مذهبِه؛ فإنهُ عندَنا على وجهِ التفضُّل.
قولُه: (وأما ﴿ثُمَّ﴾ فلتراخي حالِ الإحضارِ عنْ حالِ التمتيع، لا لتراخي وقتِهِ عنْ وقتِه)، لأنهُ أبلَغُ وأكثرُ إفادةً لأنّ تأخُّرَ زمانِ الإحضارِ عنْ زمانِ التمتيعِ ظاهرٌ بَيِّن، لا يحتاجُ إلى التنبيهِ عليه. قالَ صاحبُ ((الفرائد)): لا مانعَ أنْ تكونَ مستعمَلةً في حقيقتِها وهوَ التراخي في الزمان، والحملُ على المجازِ بدونِ المانعِ باطل. ويمكنُ أنْ يُقال: متّعناهُ زمانًا وهوَ زمانُ حياتِه، ثُمّ أُحضِرَ يومَ القيامة.
стр. 6283
وقرئ: (ثُمَّ هُو) بسكون الهاء، كما قيل (عضدٌ) في (عضدٍ)؛ تشبيهاً للمنفصل بالمتصل، وسكون الهاء -في (فهو)، (وهو)، (ولهو) - أحسن؛ لأنّ الحرف الواحد لا ينطق به وحده؛ فهو كالمتصل.
[(وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) ٦٢]
(شُرَكائِيَ) مبنى على زعمهم، وفيه تهكمٌ. فإن قلت: (زعم) يطلب مفعولين، كقوله:
ولم أزعمك عن ذاك معزلا
فأين هما؟ قلت: محذوفان، تقديره: الذين كنتم تزعمونهم شركائي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلتُ: مَنْ مُنِحَ الذّوْقَ السليمَ والطّبْعَ المستقيمَ فلْيَذُقْ ما أثرُهُ معَ قولِنا: متّعناهُ أيامًا قلائلَ ثُمّ أَوْقَعناه في مشاقِّ الأبد، على نحوِ قولِه: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢]؛ هلْ يَجِدُ لهُ رَوْنَقًا وبهاء؟ ولنحقق أنّ أربابَ البلاغةِ وأصحابَ الفصاحةِ إذا وجدوا الطريقَ إلى المجازِ عَدَلوا عنِ الحقيقة؛ لِتضمُّنِهِ مثلَ هذهِ اللطائف.
قولُه: (وقُرِئَ: ((ثُمَّ هْوَ)) بسكونِ الهاء)، قرأها قالونُ والكسائي.
قولُه: (ولم أزعُمْكِ عنْ ذاكَ معزلاً)، أولُه:
وإنّ الذي قَدْ عاشَ يا أُمّ مالكٍ … يموتُ
ويُروى:
عَددتَ قُشيرًا إذْ فَخَرْتَ فلَمْ أُسَا … بِذاكَ
стр. 6284
ويجوز حذف المفعولين في باب "ظننت"، ولا يصح الاقتصار على أحدهما.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (ويجوزُ حذفُ المفعولَيْنِ في بابِ ((طننت))، ولا يصحُّ الاقتصارُ على أحدِهما)، وذكرَ في ((المفصّل)): وليسَ لكَ أنْ تقول: حَسِبْتُ زيدًا، وتَسْكُت؛ لِفَقْدِ ما عَقَدْتَ عليهِ حديثَك، فأمّا المفعولانِ معًا فلا عليكَ أنْ تسكُتَ عنهما. وذكرَ في فاتحةِ سورةِ العنكبوت: أنّ الحُسبانَ لا يصحُّ تعلُّقُهُ بمعاني المفرداتِ ولكنْ بمضامينِ الجُمَل، إلى آخرهِ.
وقالَ بعضُهم: فمَنْ قرأَ ((الكاشفيةَ)) وضح الفرق بَين امتناعِ طرحِ أحدِ المفعولَينِ وبينَ جوازِ طرح أحدِ الشطرَيْنِ في بابِ المبتدأ والخبر، معَ أنَّ البابَيْنِ مِنْ حيثُ المعنى سِيّان؛ وذلكَ أنَّ تعَلُّقَ تلكَ الأفعالِ بمضامينِ الجُمَلِ وهيَ أمورٌ خَفِيّةٌ في نفسِها؛ إذْ هيَ مِنَ المعقولاتِ الذهنيةِ لا مِنَ الملفوظات، والتعلُّقُ بها أمرٌ خَفِيّ، ولوْ طُرِحَ أحدُ الشطرَيْنِ لتراكَمَ الخفاء، بخلافِ الجملةِ الخبرية؛ فإنّ مراتبَ الخفاءِ فيهِ أقل، فاعرِفْه. وأما جوازُ طرحِ المفعولَيْن؛ فلأنّ عندَ طرحِهما ينتفي المضمونُ وتعلُّقُ الفعلِ به، ويصيرُ الغرضُ نفسَ إحداثِ ذلكَ الفعل.
وقلتُ: هذا كلامٌ حسن؛ فإنّ قولَهُ تعالى: ﴿وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ١٢] حينئذٍ بمنزلةِ: فلانٌ يعطي ويمنعُ في الشياع في جميع ما فسدَ مِنَ الظنّ. وقولُ القائل: مَنْ يسمعْ يَخَلْ؛ أي: مَنْ يسمعْ يَخَلِ المسموعَ صحيحًا؛ إذْ معنى ((مَنْ يسمع)): مَنْ يركَنْ إلى السماع. والآيةُ واردةٌ على هذا.
وقالَ صاحبُ ((التحفة)): معنى الاقتصارِ أنْ لا يكونَ أحدُ المفعولَيْنِ مرادًا، فأما إذا حُذِفَ لقرينةٍ دَلّتْ عليهِ وهوَ مُرادٌ معنًى؛ فليسَ اقتصارًا، كما لا يُسمّى حذفُ الخبرِ اقتصارًا على المبتدأ؛ لأنّ الحذفَ لا يجوزُ إلا بدليل. وأما بابُ ((كسوت)) فيجوزُ الاقتصارُ بدليلٍ وبغيرِ دليل؛ لأنّ الأولَ منهما غيرُ الثاني. فأما قولُ الأخفش: إذا دخلَتْ هذهِ الأفعالُ على ((أنّ))
стр. 6285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نحْوَ: ظننتُ أنكَ قائم؛ فالمفعولُ الثاني منهما محذوف، والتقدير: ظننتُ قيامَكَ كائنًا؛ لأنّ المفعولَ مع ((أنّ)) المفتوحة بتأويلِ المفرد. وأما سيبويهِ فيرى أنها سَدّتْ مَسَدّ المفعولَيْن، وأجازَ الكوفيّونَ الاقتصارَ على الأوّلِ إذا سَدّ شيء مَسَدّ الثاني كما في بابِ المبتدأِ، نحو: أقائمٌ أخواك؟ فيقولُ على هذا: ظننتُ قائمًا أخواك. وقالَ المالكي: إذا دَلّ دليلٌ على أحدِهِما جازَ حذفُه، كقولِه:
كأنْ لَمْ يكنْ بَيْنٌ إذا كانَ بعدَهُ … تلاقٍ ولكنْ لا أَخَالُ تلاقيا
أي: لا أَخالُ الكائنَ تلاقيًا، أو: لا أخالُ بعدَ البَيْنِ تلاقيًا. وعليهِ قولُ المصنّفِ في قولِهِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتَا﴾ [آل عمران: ١٦٩]: ويجوزُ أنْ يكونَ ﴿الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ فاعلاً؛ المعنى: ولا تحسَبَنّهُمُ الذينَ قتلوا أمواتًا؛ أي: أنفسَهُم. إنما جازَ حذفُهُ لأنهُ في الأصلِ مبتدأ؛ فحُذِفَ كما حُذِفَ المبتدأُ في قولِهِ: ﴿أَحْيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٦٩]؛ أي: هُمْ أحياء. وقولُه: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [النور: ٥٧] الأصل: لا تحسَبَنّهُمُ الذينَ كفروا مُعجِزِين، ثُمَّ حُذِفَ الضميرُ الذي هوَ المفعولُ الأوّل. وكانَ الذي سَوّغَ ذلكَ أنّ الفاعلَ والمفعولَيْنِ لمّا كانا كشيءٍ واحد؛ اقتنعَ بذكرِ الاثنَيْنِ عنْ ذِكرِ الثالث.
وقلتُ: في هذا القيدِ إعلامٌ بشدةِ الاهتمامِ بمضامِينِ الجُمَلِ دُونَ مفرداتِها، ولعلّ السرّ أنّ هذهِ الأفعالَ قيودٌ للمضامينِ تدخلُ على الجملةِ الاسميةِ لبيانِ ما هيَ عنه؛ لأنّ النسبةَ قدْ تكونُ عنْ عِلْمٍ وقدْ تكونُ عنْ ظنٍّ، فلَوِ اقْتَصَرَ على أحدِ طرفَي الجملةِ لقيامِ قرينةٍ يوهِمُ أنّ الذي سيقَ لهُ الكلامُ والذي هوَ مهتمٌّ بشأنِهِ الطرفُ المذكور، وليسَ المضمونُ مما يُعتني به. نعمْ إذا كانَ الفاعلُ والمفعولُ لشيءٍ واحدٍ يهونُ الخَطْب.
ويؤيِّدُهُ ما ذكرَهُ صاحبُ ((الإقليد)): أنك إذا قلتَ: حسبتُ زيدًا منطلقًا؛ فقدْ عقدْتَ الحديثَ على أنّ زيدًا مظنونٌ انطلاقُهُ عندَك، فلَوْ قلتَ: حسبتُ زيدًا، وسَكَتّ؛ فقدْتَ ما
стр. 6286
[(قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّانا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ) ٦٣]
(الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) الشياطين أو أئمة الكفر ورءوسه. ومعنى (حق عليهم القول): وجب عليهم مقتضاه وثبت، وهو قوله: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [هود: ١١٩] , [السجده: ١٣] و (هؤُلاءِ) مبتدأ، و (الَّذِينَ أَغْوَيْنا) صفته،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوَ فيهِ الفائدةُ العظمى وهوَ الثاني؛ لأنهُ هوَ الذي وقعَ فيهِ الشك، وقصدُكَ بهذا التركيبِ أنْ تُخبِرَ بذلكَ لا الإخبارُ بذاتِ زيد؛ وإنما تذكرُ ((زيدًا)) ليترتّبَ الثاني عليه. ولوْ قلتَ: حسبتُ منطلقًا وسَكَتّ؛ خَرَجَ مِنْ يَدِكَ ما يفيدُهُ الأولى، وهوَ أنهُ هوَ الذي انطلاقُهُ مظنونٌ عندَك؛ فإذنْ لابدّ مِنْ ذِكْرِ كِلَيْهما. وأما قولُ القائل: إنّ تَعَلُّقَ تلكَ الأفعالِ بمضامينِ الجُمَل، وهيَ أمورٌ خَفِيةٌ، إلى آخرِه؛ فمدفوعٌ بجوازِ حَذْفِ أحدِ شطرَيِ اسمِ إنّ وخبرِه، وأنها لتوكيدِ مضمونِ الجملة.
قولُه: (و ﴿هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ، و ﴿الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ صفتُه)، روى صاحبُ ((الكشف)) عن أبي عليٍّ أنه قال: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ، و ﴿الَّذِينَ أَغْوَيْنآ﴾ خبرُ مبتدأ آخر، والتقدير: هؤلاءِ همُ الذّين أغويناهم، و ﴿أَغْوَيْنَاهُم كَمَا غَوَيْنَا﴾ استئنافٌ، ولا يكونُ ((الذين أغويناهم)) صفةً لـ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ ويكونُ ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ خبرًا؛ لأنهُ حينئذٍ لا يكونُ مُفيدًا بقولِه: ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ زيادةً لم تُستَفَدْ بالصفةِ والموصوف.
قال: فإنْ قلتَ: فلِمَ لا يكونُ قولُه: ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ خبرًا، وجازَ لتعلُّقِ قولِه: ﴿كَمَا غَوَيْنَا﴾ به؛ فيكونُ مفيدًا فائدةً زائدةً ليستْ في الصفةِ والموصوف؟ والجواب: إنّ ذلكَ يُوجبُ أنْ يكونَ قولُه: ﴿غَوَيْنَا﴾ جاريًا مجرى ما لابدّ مِنهُ مِنْ أحدِ جُزَئيِ الجملة، وهذا لا يجوز؛ لأنهُ ظرف، والظروفُ فَضَلاتٌ في الكلامِ بمنزلةِ المفعول، فكما لا يجوز: زيدًا ضَرَب؛ بنصبِ ((زيد)) على أنهُ مفعولُ ((ضَرَب))، وفي ((ضَرَبَ)) ضميرٌ يعودُ إليه؛ لأنهُ يؤدي إلى أَنْ يكونَ الفَضْلةُ لابدّ منهُ لِعَوْدِ الضميرِ إليه؛ فكذا لا يجوزُ هذا هاهنا. هذا كلامُه.
стр. 6287
والراجع إلى الموصول محذوفٌ، و (أَغْوَيْناهُمْ) الخبر, والكاف صفة مصدرٍ محذوف، تقديره: أغويناهم، فغووا غيا مثل ما غوينا، يعنون: أنا لم نغو إلا باختيارنا، لا أنّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقد قالَ [أبو] عثمان: إنا رأَيْنا الظرفَ الذي يدّعِيهِ فضلةً لابدّ مِنه، كقولهِم: زيدٌ قائمٌ عمروٌ في دارهِ؛ فلابدّ مِنْ قولِك: في دارِه؛ ليعودَ مِنَ الجملةِ إلى ((زيد)) ضمير، وهوَ فَضْلةٌ في الكلام؛ فكذا هاهنا ينبغي أنْ يكونَ ﴿أَغْوَيْنَا﴾ خبرًا؛ لتعلُّقِ قولِهِ: ﴿كَمَا غَوَيْنَا﴾ بهِ وإنْ كانَ فَضْلة.
وأما المصنفُ فقدْ خالفَ أبا عليٍّ وأبا عثمانَ أيضًا، وذهبَ إلى أنهُ كَرّرَ ﴿أَغْوَيْنَا﴾ في الخبر؛ ليعلِّقَ بهِ المصدرَ الذي يُوجِبُ إضمارَ فعلٍ يطابِقُه؛ لأنّ ﴿كَمَا غَوَيْنَا﴾ غيرُ مطابِقٍ لـ ﴿أَغْوَيْنَا﴾، فيفيدُ تشبيهَ الغواية بالغواية؛ ولذلكَ قال: إنّا لَمْ نُغْوَ إلا باختيارِنا؛ لأنّ فَوْقَنا مُغوِين. ومِثْلُ في تكرير الخبرِ للتوكيدِ والتعليقِ قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥] إذا قيل: استزلالُهم الشيطان هوَ التّوَلِّي كما سَبَق، وفائدةُ التكريرِ والتعليقِ وتقديرِ فاءِ التعقيبِ الإيذانُ بتسجيلِ استحقاقِ العذابِ مِنْ إمهال؛ إذِ المعنى: أغويناهُمْ فَغَوَوْا، ولَمْ تتخلّفْ غوايتُهُمْ عنْ إغوائِنا إياهم؛ أي: أطاعونا بسُرعةٍ مِنْ غيرِ رَوِيّةٍ وتَفَكُّر.
والذي يقتضيهِ النّظْمُ أنْ يُرادَ بقولهِ: ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ الشركاءُ مِنَ الشياطينِ والجنِّ بشهادةِ قولهِ: ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾، وقولِه: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ بعدَه؛ وذلكَ أنّ الشركاءَ لمّا خَذَلوهُمْ وتَبَرّؤوا مِنهُمْ قيلَ لَهُمْ مُوَبِّخًا: هؤلاء شُركاؤُكُمُ الذينَ كنتُمْ تزعمونَ أنّهُمْ يشفعونَ لَكُمْ وينصرونكم؛ فادْعُوهُمْ لِيستجيبوا لكُم. فحينئذٍ المعنى: هؤلاءِ الذينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهُمْ فَغَوَوْا كما غَوَيْنا نحنُ بإغواءٍ قاهر. لأنّ الأصلَ في التشبيهِ أنْ يكونَ الوجهُ شاملاً للطرفَيْن؛ فلا بدّ مِنْ تقديرِ ((قاهر)). ويَعضُدُهُ قولُه: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ المُستَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦].
стр. 6288
فوقنا مغوين أغرونا بقسرٍ منهم وإلجاء. أو دعونا إلى الغىّ وسوّلوه لنا، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم؛ لأن إغواءنا لهم لم يكن إلا وسوسةًًً وتسويلاً لا قسراً وإلجاءً، فلا فرق إذا بين غينا وغيهم. وإن كان تسويلنا داعياً لهم إلى الكفر، فقد كان في مقابلته دعاء الله لهم إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل، وما بعث إليهم من الرسل, وأنزل عليهم من الكتب المشحونة بالوعد والوعيد والمواعظ والزواجر، وناهيك بذلك صارفاً عن الكفر وداعياً إلى الإيمان, وهذا معنى ما حكاه الله عن الشيطان (إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ) [إبراهيم: ٢٢] والله قدّم هذا المعنى أوّل شيء، حيث قال لإبليس (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ) [الحجر: ٤٢]. (تَبَرَّانا إِلَيْكَ) منهم ومما اختاروه من الكفر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (ناهيكَ بذلكَ صارفًا)، عنْ بعضِهم: نَاهِيكَ ونَهاكَ ونَهْيُك؛ أي: حَسْبُك، يُقال: هذا رجلٌ ناهِيكَ مِنْ رَجُل، وأَنْهاكَ مِنْ رَجُل. وتأويلُهُ أنهُ بِجِدِّهِ وغَنائِهِ يَنْهاكَ عنْ تَطَلُّبِ غيرِه. قال:
هوَ الشيخُ الذي حدّثْتَ عنه … نهاكَ الشيخُ مكرمةً وفخرَا
وهذه امرأةٌ ناهيكَ مِنَ امرأة؛ تُذكّرُ وتُؤنّث، وتُثَنى وتُجمَع؛ لأنهُ اسمُ فاعل. وإذا قلتَ: نَهْيُكَ مِنْ رَجُل، كما تقول: حَسْبُكَ مِنْ رَجُل؛ لَمْ تُثَنّ ولَمْ تُجْمَع؛ لأنهُ مصدر. وتقولُ في المعرفة: هذا عبدُ الله ناهيكَ مِنْ رَجُل؛ فتَنْصِبُ ((ناهيك)) على الحال.
قولُه: (والله تعالى قدّمَ هذا المعنى)، وهوَ أنّ إغواءَ الشيطانِ لمْ يكنْ إلا وَسْوَسةً وتسويلاً، لا قَسْرًا وإلجاءً.
قولُه: (أول شيء)، أي: أولُ قصةٍ حكاها عنْ إبليس، كقولِه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيّكُم مِن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لي﴾ [إبراهيم: ٢٢].
стр. 6289
بأنفسهم، هوى منهم للباطل ومقتاً للحق، لا بقوّة منا على استكراههم ولا سلطانٍ (ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ) إنما كانوا يعبدون أهواءهم ويطيعون شهواتهم. وإخلاء الجملتين من العاطف؛ لكونهما مقرّرتين لمعنى الجملة الأولى.
[(وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ *وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ *فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ) ٦٤ - ٦٦]
(لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ) لوجهٍ من وجوه الحيل يدفعون به العذاب. أو: لو أنهم كانوا مهتدينمؤمنين، لما رأوه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (وإخلاءُ الجملتيْنِ مِنَ العاطف؛ لكونهما مُقرِّرتيْنِ لمعنى الجملةِ الأولى)، إحداهُما: ﴿تَبَرَّانَا إِلَيْكَ﴾، وثانيهِما: ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾، كما قال الشاعر:
وقدْ رَكِبتُمْ صماءَ معضلةً … تفري البراطيلَ تفلقُ الحَجَرا
وذلكَ أنّ الشركاءَ لمّا سَمِعوا: ﴿أَيْنَ شُرَكَاءِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ تبرّؤوا عنهُمْ بقولِهم أولاً: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذينَ أَغْوَيْنَا أغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾؛ أي: غَوَوْا باختيارِهِم؛ لأنّ إغواءَنا لم يكنْ إلا وسوسةً وتسويلاً لا قسرًا، ولا فرقَ بينَ غَيَّنا وغَيِّهم.
قولُه: (﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ لِوَجهٍ مِنْ وجوهِ الحيلِ يدفعونَ بهِ العذاب)، فالجوابُ محذوفٌ، ودلّ عليهِ سياقُ الكلام.
قولُه: (أوْ لوْ أنهُمْ كانوا مهتدِينَ مؤمِنين؛ لَمَا رَأَوْه)، والجوابُ أيضًا محذوفٌ يدلُّ عليهِ قولُه: ﴿وَرَأَوْا العَذَابَ﴾. ولوْ أنهُمْ كانوا مُهتَدينَ في الدنيا لَمَا رَأوا العذاب في الآخرة؛ فقولُه: ((لَمَا رَأَوْه)) متعلقٌ بالوجهِ الثاني، ويجوزُ أنْ يتعلّقَ بالوجهيْن.
стр. 6290
أو تمنوا لو كانوا مهتدين. أو تحيروا عند رؤيته
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (أو تَمَنّوْا لو كانوا مُهتدِين)، وَلّدَ ((لو)) معنى التمنِّي لجامعِ الامتناع، ولمْ يَحتَجْ إلى الجواب. قالَ صاحبُ ((التقريب)): وفيهِ نظر؛ إذْ حقُّهُ أنْ يُقال: لوْ كُنا، إلا أنْ يكونَ على الحكاية؛ كأقْسَمَ لَيَضْرِبَن، أو على تأويل: ولوْ مُتَمَنِّينَ هدايتَهُم.
قولُه: (أو تحيّرُوا عند رؤيتِه)، يعني وَضَعَ ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ مَوضِعَ ((تحيّرُوا لرؤيتِه)) على إرادةِ التمني؛ إما مِنْ كلِّ أحدٍ لشدةِ ما رَأَوْا، أوْ مِنَ الله على المجازِ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ﴾ [البقرة: ١٠٣].
قالَ المصنف: ويجوزُ أنْ يكونَ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ تمنِّيًا لإيمانِهِم على سبيلِ المجاز؛ كأنهُ قيل: وليتَهُمْ آمنوا، وعلى إرادةِ التحيُّرِ النظم؛ وذلكَ أنهُمْ لمّا خُوطِبوا بقولِه: ﴿أَيْنَ شُرَكَاءِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] والشركاءُ أظهَرُوا البراءةَ مِنهُم، ثُمّ قيلَ لهم تهكُّمًا: أينَ شركاؤُكُم؟ أي: ناصِرُكُمْ ومُعينُكُم، فادعُوهُمْ فإذا دَعَوْهُمْ ولمْ يستجيبوا لهُمْ وَرَأَوُا العذابَ قدْ دَنا؛ تحيّرُوا وبُهِتُوا ولَحِقَهُمْ ما لا يُوصَفُ كُنْهُه؛ فعندَ ذلكَ يُقالُ بلسانِ الحالِ ترحُّمًا عليهِم: ليتَهُم كانوا مُهتَدِين. فهوَ مِنْ إطلاقِ المُسَبّبِ على السّبَب؛ لأنّ تحيُّرَهُمْ سببٌ حاملٌ على هذا القول. وفي قولهِ: ((حكي أولاً ما يُوبِّخُهُم)) إشعارٌ بهذا النظم. قالَ الحِيريُّ: في قولِه: ((لوْ كانوا مُهتدِينَ في الدنيا؛ لَما رَأَوُا العذابَ في الآخرة)) نظرٌ؛ لأنّ الدالّ على المحذوفِ ﴿وَرَأَوُا العذابَ﴾ وهوَ مُثَبت؛ فلا يجوزُ أنْ يُقدّرَ المحذوفُ منفِيًّا. والصوابُ والله أعلم: لوْ أنهُمْ كانوا يَهتَدُونَ لَرَأَوُا العذاب؛ أي: لوْ لمْ يكونوا ضالِّينَ في الدنيا لَعلِمُوا العذابَ موجودًا موعودًا. وجوابُهُ سبقَ في قولِه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّتُصِيبَنَّ﴾ [الأنفال: ٢٥] في مسألة: لا تَدْنُ مِنَ الأسدِ يأكُلك؛ لأنّ المعنى: إنْ دَنَوْتَ يأكُلْك؛ لأنهُمْ يميلونَ إلى المعنى كلّ الميل، حتى إنهُمْ لا يلتَفِتونَ إلى إيجابِ اللفظِ ونَفْيه.
стр. 6291
وسدروا فلا يهتدون طريقاً. حكى أوّلاً ما يوبخهم به من اتخاذهم له شركاء، ثم ما يقوله الشياطين أو أئمتهم عند توبيخهم؛ لأنهم إذا وبخوا بعبادة الآلهة، اعتذروا بأن الشياطين هم الذين استغووهم وزينوا لهم عبادتها، ثم ما يشبه الشماتة بهم من استغاثتهم آلهتهم وخذلانهم لهم, وعجزهم عن نصرتهم، ثم ما يبكتون به من الاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل (فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ) فصارت الأنباء كالعمى عليهم جميعاً لا تهتدى إليهم (فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ) لا يسأل بعضهم بعضا كما يتساءل الناس في المشكلات؛ لأنهم يتساوون جميعا في عمى الأنباء عليهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (وسَدِرُوا)، الجوهري: السادِر: المتحيٍّر، والسَّدَر: تحيُّرُ البَصَر.
قولُه: (حكي أولاً)، يعني قولَه: ﴿أَيْنَ شُرَكَاءِيَ﴾ الآية، وقوله: ((ثم ما يقوله الشياطين)) يعني به قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ الآية، وقوله: ((ما يشبه الشماتة))؛ أي قوله: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ وهو كما يقول لمن استظهر بغيره في النصرة واعتمد عليه ثم خذله عند الحاجة إليه: ادع ناصرك ينصرك، وقوله: ((ثم ما يُبكَّتون به))، أي: قوله ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾.
قولُه: (لأنهُمْ إذا وُبِّخُوا بعبادةِ الآلهة)، تعليلٌ لتقديمِ حكايةِ الله ما يوبِّخُهُمْ به، وهو: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَاءِيَ﴾ على حكايةِ ما تقولُهُ الشياطين؛ وهو قولُه: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾.
قولُه: (فصارتِ الأنبياءُ كالعمى)، هذا التشبيهُ إشارةٌ إلى أنّ ((الأنباءَ)) في قولِه: ﴿فَعَمْيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ﴾ استعارةٌ مَكنِية، يدلُّ عليهِ قولُه: ((لا تهتدي إليهم)). قالَ القاضي: أصلُه: فَعمُوا عنِ الأنباء؛ لكنهُ عكسَ مبالغةً، يريدُ مِنْ بابِ القلب؛ كقولهِ:
لُعابُ الأفاعي القاتلاتِ لُعابُهُ
стр. 6292
والعجز عن الجواب. وقرئ: (فعميت)، والمراد بالنبأ: الخبر عما أجاب به المرسل إليه رسوله، وإذا كانت الأنبياء لهول ذلك اليوم يتتعتعون في الجواب عن مثل هذا السؤال، ويفوّضون الأمر إلى علم الله، وذلك قوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) [المائدة: ١٠٩] فما ظنك بالضلال من أممهم.
[(فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ) ٦٧]
(فَأَمَّا مَنْ تابَ) من المشركين من الشرك، وجمع بين الإيمان والعمل الصالح (فَعَسى أَنْ) يفلح عند الله، و (عسى) من الكرام تحقيقٌ. ويجوز أن يراد: ترجى التائب وطمعه، كأنه قال: فليطمع أن يفلح.
[(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ الله وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ٦٨]
الخيرة من التخير، كالطيرة من التطير: تستعمل بمعنى: المصدر هو التخير، وبمعنى: المتخير كقولهم: محمدٌ خيرة الله من خلقه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (يتتعتعون)، النهاية: في الحديث: ((يقرأُ القرآنَ ويَتَتَعْتَعُ فيه))، أي: يَتَردَّدُ في قراءتِهِ وَيَتَبلَّدُ فيها لسانُه.
قولُه: (الخيرةُ مِنَ التخيُّر)، النهاية: الخيرُ ضِدُّ الشر؛ تقولُ منه: خِرتَ يا رجل؛ فأنتَ خاير، وخَيِّر. خارَ الله لك؛ أي: أعطاكَ ما هوَ خيرٌ لك. والخِيرةُ -بسكونِ الياءِ- الاسمُ منه، والخِيرَةُ -بالفتح- الاسمُ مِنْ قولِك: اختارَهُ الله، ومحمدٌ ﷺ خيرةُ الله مِنْ خَلْقِه؛ تُقالُ بالفتحِ والسكون.
стр. 6293
(ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) بيان لقوله: (وَيَخْتار)؛ لأنّ معناه: ويختار ما يشاء، ولهذا لم يدخل العاطف. والمعنى: أنّ الخيرة لله تعالى في أفعاله، وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها، ليس لأحدٍ من خلقه أن يختار عليه. قيل: السبب فيه قول الوليد بن المغيرة: (لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) [الزخرف: ٣١] يعنى: لا يبعث الله الرسل باختيار المرسل إليهم. وقيل: معناه: ويختار الذي لهم فيه الخيرة، أى: يختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح، وهو أعلم بمصالحهم من أنفسهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (وقيل: معناه: ويختارُ الذي لهم فيهِ الخيرة)، عطفٌ على قولِه: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ بيانٌ لقولِه: ﴿وَيَخْتَارُ﴾. و ﴿مَا﴾ على الأوّلِ نافية؛ لا ينبغي لأحدٍ مِنْ خلقِهِ أنْ يختارَ عليه؛ فيكون تفسيرًا لقولِه: ﴿وَيَخْتَارُ﴾؛ لأنّ معناه: يختارُ ما يشاء؛ لعطفِهِ على ﴿يَخْلُقُ﴾. قالَ مكيُّ بنُ أبي طالب: و ﴿مَا﴾ على أنْ تكونَ موصولةً ليسَ بمختار؛ لأنهُ لا عائدَ يعودُ على ﴿مَا﴾، وهوَ أيضًا بعيدٌ في المعنى والاعتقاد؛ لأنّ كونَها للنفيِ يُوجِبُ أنْ يَعُمّ جميعَ الأشياء، وأنها حدَثتْ بقدرةِ الله واختيارِه، وليسَ للعبدِ فيها شيءٌ غيرُ اكتسابِهِ بقَدَرٍ مِنَ الله. وكونُها موصولةً لمْ يَعُمّ جميعَ الأشياء؛ فإنها مختارةٌ لله تعالى؛ بل إنهُ تعالى يختارُ ما لهمْ فيهِ الخيرةُ وما ليسَ لهمْ فيهِ لهمْ فيهِ خيرةٌ موقوفة، وهوَ مذهبُ القَدَريةِ والمعتزلة.
وقيل: معنى الآية: وربُّكَ يا محمد يخلقُ ما يشاءُ ويختارُ لولايتِهِ ورسالتِهِ مَنْ يريد. ثُمّ ابتدأَ بنفيِ الاختيارِ عنِ المشركين، وأنهُ لا قُدرةَ لهم؛ فقال: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أي: ليسَ الولايةُ والرسالةُ وغيرُ باختيارِهِمْ ولا بمُرادِهِم.
وقالَ القاضي: فظاهرُهُ نفيُ الاختيارُ عنهمْ رأسًا، والأمرُ كذلكَ عند التحقيق؛ فإنّ اختارَ العبادِ مخلوقٌ باختيارِ الله، منوطٌ بدواعٍ لا اختارَ لَهُمْ فيها.
وقلتُ: والذي يقتَضِيهِ النظمُ هذا؛ لأنّ قولَهُ تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ مُتّصلٌ بقولِه: ﴿كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الحَيَوةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾، وأحوالُ الشركاءِ
стр. 6294
من قولهم في الأمرين: ليس فيهما خيرةٌ لمختارٍ. فإن قلت: فأين الراجع من الصلة إلى الموصول إذا جعلت ما موصولة؟ قلت: أصل الكلام: ما كان لهم فيه الخيرة، فحذف «فيه» كما حذف منه في قوله: (إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [لقمان: ١٧] لأنه مفهومٌ. (سُبْحانَ الله) أى: الله بريءٌ من إشراكهم, وما يحملهم عليه من الجرأة على الله, واختيارهم عليه ما لا يختار.
[(وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ *وَهُوَ الله لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ٦٩ - ٧٠]
(ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ) من عداوة رسول الله وحسده (وَما يُعْلِنُونَ) من مطاعنهم فيه, وقولهم: هلا اختير عليه غيره في النبوّة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مُستطرَدةٌ بينهما للذكرِ الإحضار، وقولُه: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ كالتذييل، وبيانْ أنهُ هوَ الذي يخلُقُ ما يشاء؛ يُضلُّ مَنْ يشاءُ ويهدي مَنْ يشاء، ليسَ لأحدٍ أنْ يتصرّفَ في ملكِهِ ويشاركَهُ في خَلقِه. ولهذا ختمَهُ بقولِه ﴿سُبْحَانَ اللهِ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ويدخُلُ في هذا العامِّ حديثُ سببِ النزولِ أيضًا.
قولُه: (مِنْ قولِهم في الأمرَيْن: ليسَ فيهما خيرةٌ لمختار)، يعني: إذا جعلَ ﴿مَا﴾ موصولةً والمراد المتخير؛ فلابدّ مِنْ وجودِ شيئيْن ليُختارَ أحدُهُما مِنَ الآخر. والمثالُ يحتَمِلُ وجهَيْن: أحدُهُما أنّ الأمرَيْنِ مختارانِ فليسَ لأحدٍ أنْ يترُكَ أحدَهُما ويختارَ الآخر، وأنهما سِيّانِ في الكراهة؛ فليسَ فيهما مختارٌ يختارُهُ المختار.
قولُه: (واختيارهم عليه)، قيل: هوَ عطفٌ على ((ما)) في ((وما يحمِلُهُم))، أو على الضميرِ المجرورِ في ((عليه))؛ أي: الله بريءٌ مِما يحمِلُهُم على إشراكِهِم وعلى اختيارِهم على الله ما لا يختار؛ نحو: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]. وقلتُ: ويجوزُ أنْ يكونَ عطفًا على ((الجرأةِ على الله)) على سبيلِ التفسير؛ لأنّ اختيارَهُم على الله ما لا يختارُ جُرْأةٌ على الله مِنْ قولِهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
стр. 6295
(وَهُوَ الله) وهو المستأثر بالإلهية المختص بها، و (لا إِلهَ إِلَّا هُو) َ تقرير لذلك، كقولك: الكعبة القبلة، لا قبلة إلا هي. فإن قلت: الحمد في الدنيا ظاهر فما الحمد في الآخرة؟ قلت: هو قولهم: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) [فاطر: ٣٤]، (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ) [الزمر: ٧٤] (وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) [الزمر: ٧٥] والتحميد هناك على وجه اللذة لا الكلفة. وفي الحديث: "يلهمون التسبيح والتقديس" (وَلَهُ الْحُكْمُ) القضاء بين عباده.
[(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ الله يَاتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ *قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ الله يَاتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ *وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ٧١ - ٧٣]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (المستأثرُ بالإلهية)، يُقال: استأثرَ بكذا: اختصّ بهِ واستبد، والاسم: الأثَرةُ بالتحريك.
النهاية: الاستئثار: الانفرادُ بالشيء. وإفادةُ التركيبِ هذا المعنى مِنْ جَعْلِ اسمِ ﴿اللهُ﴾ خبرًا لـ ﴿وَهُوَ﴾؛ ولهذا كانَ ﴿لَا إلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ تقريرًا له.
قولُه: (وفي الحديث: ((يُلهَمُونَ التسبيح)))، الحديثُ مِنْ روايةِ مُسلمٍ وأبي دوادَ عنْ جابرٍ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: ((إنّ أهلَ الجنةِ يأكلونَ فيها ويشربون، ولا يتفلونَ ولا يبولونَ ولا يتغوّطونَ ولا يتمخّطون)) قالوا: فما بالُ الطعام؟ قالَ: ((جُشاءٌ ورشحٌ كرشحِ المِسْك، يُلهَمُونَ التسبيحَ والتحميدَ كما يُلهَمُونَ النّفَس)).
النهاية: الإلهامُ: أنْ يُلقِي الله في النّفْسِ أمرًا يَبْعَثُهُ على الفعل أو التّرْك، وهوَ نوعٌ مِنَ الوحي.
стр. 6296
(أَرَأَيْتُمْ) وقرئ: (أريتم): بحذف الهمزة، وليس بحذف قياسي. ومعناه: أخبرونى من يقدر على هذا؟ والسرمد: الدائم المتصل، من السرد وهو المتابعة. ومنه قولهم في الأشهر الحرم: ثلاثةٌ سردٌ، وواحدٌ فردٌ، والميم مزيدة. ووزنه (فعمل). ونظيره. دلامصٌ؛ من الدلاص. فإن قلت: هلا قيل: بنهارٍ تتصرفون فيه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (وقُرِئَ: ((أريتم)) بحذفِ الهمزة)، الكسائي.
قولُه: (ومنهُ قولُهم في الأشهُرِ الحُرُم)، الجوهري: قيلَ لأعرابي: تعرفُ الأشهُرَ الحُرُم؟ قال: نعم، ثلاثةٌ سَرْدٌ وواحدٌ فَرْد؛ فالسردِ: ذو القعدة، ذو الحجة، والمحرم. والفرد: رجب.
قولُه: (دُلامِص؛ مِنَ الدّلاص)، الجوهري: الدّليصُ والدِّلاص: البَرّاق؛ يُقال: دِرعٌ دِلاص، وأدْرُعٌ دِلاص. والدّلامِص: البَرّاقُ والميمُ زائدة.
قولُه: (هلاّ قيل: بنهارٍ تتصرّفون فيه- أي: بدلَ قولِهِ: ﴿بِضِيَاءٍ﴾ - كما قيل: ﴿بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾)، يريدُ أنّ الآيتينِ متقابِلتان؛ ففي الثانية جيءَ بقولِه: ﴿بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ وهوَ مطابقٌ لسائرِ الآيات؛ فلِمَ عَدَلَ في الأولِ عن الظاهرِ إلى خلافِه؟ وأجابَ عنهُ أنهُ إنما وَضَعَ ﴿بِضِيَاءٍ﴾ مَوْضِعَ ((بنهار تتصرّفون فيه))، والضياءُ ضوءُ الشمس؛ لقولِهِ تعالى: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضْيَاءً﴾ [يونس: ٥]، ليُؤذِنَ بأنّ منافعَ النهارِ ليستْ مقصورةً على التصرُّف؛ فإنّ منافِعَهُ متكاثرة، ولهذا لا يطّلِعُ عليهِ كلُّ أحد؛ كأنهُ قيل: أتيناكُمْ بضياءِ الشمس؛ ليتسهّلَ لكُمْ جميعُ ما تفتَقِرونَ إليهِ مِنَ التصرُّفِ في المعاشِ وغيره. ولهذا أتى بقولِه: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ تتميمًا لهذا المعنى؛ لأنّ مُدرَكَ السّمْعِ أكثرُ مِنْ مُدرَكِ البصر، واستفادةُ العقلِ مِنَ السمعِ أَجَلُّ مِنَ استفادتِهِ مِنَ البصر، وبقولِه: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ تتميمًا لذلك؛ لأنّ أعظمَ فوائدِ الليلِ الهدوءُ فيهِ والسكون، ولهذا صرّحَ بهِ في الآية، وهوَ شيءٌ قليل؛ ولهذا يطّلِعُ عليهِ كلُّ أحد، والناسُ في إدراكِهِ بالبصرِ مستوون.
فإنْ قلتَ: فلِمَ لَمْ يقُل: بظلام؟ قلتُ: لأنهُ وإنْ لمْ يُوهِمْ أنّ فائدةَ الليلِ متكاثرة؛ إذْ كلُّ أحدٍ يعلمُ فائدتَه، لكنهُ مِمّا يكرَهُهُ الطبعُ ويتنفّرُ عنه، بخلافِ الضوء؛ فإنهُ نعمةٌ في ذاتِه،
стр. 6297
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقصودٌ بِنَفْسِه. ثُمّ الذي أَبْعَدُ مِنَ التكلُّفِ أنْ يُجعَلَ ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ تذييلاً للتوبيخِ الذي يعطيهِ قولُه: ﴿أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ﴾ إلى آخرهِ، وكذا في الثانيةِ- على ما في ((المعالم)): ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ سماعَ فهمٍ وقبول، ﴿أفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ما أنتم عليهِ مِنَ الخطأ.
تَمّ كلامُه- ليجتمِعَ لهمُ الصّمَمُ والعمي مِنَ الإعراض عنْ سماعِ البراهين، والإغماضِ عنْ رؤيةِ الشواهد.
ولَمّا كانتِ استدامةُ الليلِ أشقّ مِنَ استدامةِ النهار؛ لأنّ النومَ الذي هوَ أجَلُّ الغرضِ فيهِ شبيهٌ بالموت، والابتغاءُ مِنْ فضلِ الله الذي هوَ بعضُ فوائدِ النهارِ شبيهٌ بالحياة، قيلَ في الأول: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ أي: سماعَ فَهْم، وفي الثانية: ﴿أفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ما أنتمْ عليهِ مِنَ الخطأ؛ ليُطابِقَ كلٌّ مِنَ التذييلَيْنِ الكلامَ السابقَ مِنَ التشديدِ والتوبيخ، كأنهُ قيل: أخبروني إنْ جعلَ الله عليكُم الليلَ سرمدًا إلى يومِ القيامة؛ مَنْ إلهٌ غيرُ الله يأتيكمْ بضياء؛ أفلا تسمعونَ مثلَ هذهِ الدلائلِ الباهرةِ والنصوصِ المتظاهرةِ لِتعرِفوا أنّ غيرَ الله لا يقدرُ على شيءٍ من ذلك؟ وأخبروني إنْ جعلَ الله عليكم النهارَ سرمدًا إلى يومِ القيامة؛ مَنْ إلهٌ غيرُ الله يأتيكمْ بليلٍ تسكنونَ فيه؟ أفلا تبصرونَ الشواهدَ المنصوبةَ الدالّةَ على القدرةِ الكاملةِ لتقِفُوا على أنّ غيرَ الله لا قدرةَ لهُ على ذلك؟ وفيهِ أنّ دَلالةِ النصِّ أوْلى وأقْدَمُ مِنَ العقل.
وقالَ الراغبُ في ((غُرّةِ التنزيل)): إنّ نسخَ اليلِ بالنّيِّرِ الأعظم أبلغُ في المنافعِ وأضمنُ للمصالحِ مِنْ نسخِ النهارِ بالليل؛ ألا ترى أنّ الجنةَ نهارُها دائمٌ لا ليلَ معه؟ لأنّ اللَيلَ في دارِ التكليفِ للاستراحةِ والاستعانةِ بالجَمام والراحةِ على ما يلزَمُ مِنَ الكُلَفِ المتعِبةِ والمشاقِّ المُنْصِبة، ودارُ يُستَغنى فيها عنْ ذلك؛ لأنها مقصورةٌ على سبيلِ المشتهى وعلى ما تَلَذُّ الأعينُ وتهوى الأنفُس؛ فتقديمُ ذِكْرِ الليلِ لانكشافِهِ عنِ النهارِ الذي يُمَكِّنُ مِنَ التصرُّفِ في المعايشِ بالسعي في المصالحِ إلى ما لا يُحصى كثرةً مِنَ المنافعِ المتعلّقةِ بالشمسِ أَحَقُّ وأوْلى.
стр. 6298
كما قيل: (بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ)؟ قلت: ذكر الضياء وهو ضوء الشمس؛ لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة، ليس التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة، ومن ثمة قرن بالضياء (أَفَلا تَسْمَعُونَ)؛ لأنّ السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل (أَفَلا تُبْصِرُونَ)؛ لأنّ غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره وأنت؛ من السكون ونحوه (وَمِنْ رَحْمَتِهِ): زاوج بين الليل والنهار, لأغراض ثلاثة: لتسكنوا في أحدهما وهو الليل، ولتبتغوا من فضل الله في الآخر وهو النهار, ولإرادة شكركم.
[(وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) ٧٤]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومعنى قولِه: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾: أفلا تسمعونَ سماعَ مَنْ يتدبّرُ المسموعَ ليستدرِكَ مِنهُ قصدَ القائل، ويحيطَ بأكثرِ ما جَعَلَ الله في النهارِ مِنَ المنافع، أمْ أنتمْ صُمٌّ عنْ سماعِ ما ينفعُكُم؟ وقولُه: ﴿يَاتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ معناه: أفلا تستدرِكونَ مِنْ ذلكَ ما يجبُ استدراكُه؟ فإنّ عَقِيبَ السماعِ استدراكُ المرءِ المرادَ بالمسموعِ إذا كانَ هناكَ تدبُّرٌ لهُ وتفكُّرٌ فيه، ولمْ يجعلْهُ السامعُ دبرَ أُذُنِه، والله أعلم.
قولُه: (زاوَجَ بينَ الليلِ والنهار)، يُروى بالراءِ والحاءِ المهملة، و ((زاوجَ)) بالزاي والجيم.
الجوهري: المُراوَحةُ في العملَيْن: أنْ تعملَ هذا مرًة وهذا مرة، وتقول: راوَحَ بينَ رجلَيْه؛ إذا قامَ على إحداهُما مرًة وعلى الأخرى مرة.
النهاية: وفي الحديثِ أنهُ ﷺ كانَ يُراوِحُ بينَ قدَمَيْه؛ لِطولِ القيام. أي: يعتمدُ على إحداهُما مرًة وعلى الأخرى مرة؛ ليُوصِلَ الراحةَ إلى كلٍّ منهما. ومنهُ حديثُ ابن مسعودٍ أنهُ أبصرَ رجلاً صافًّا قدمَيْه؛ فقال: لوْ راوَحَ كانَ أفْضَل.
стр. 6299
وقد سلكت بهذه الآية طريقة اللف في تكرير التوبيخ؛ باتخاذ الشركاء: إيذانٌ بأن لا شيء أجلب لغضب الله من الإشراك به، كما لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده. اللهم فكما أدخلتنا في أهل توحيدك، فأدخلنا في الناجين من وعيدك.
[(وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) ٧٥]
(وَنَزَعْنا): وأخرجنا, (مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدا) وهو نبيهم: لأن أنبياء الأمم شهداء عليهم، يشهدون بما كانوا عليه (فَقُلْنا) للأمة (هاتُوا بُرْهانَكُمْ) فيما كنتم عليه من الشرك ومخالفة الرسول (فَعَلِمُوا) حينئذٍ (أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ) ولرسوله، لا لهم ولشياطينهم (وَضَلَّ عَنْهُمْ) وغاب عنهم غيبة الشيء الضائع (ما كانُوا يَفْتَرُونَ) من الكذب والباطل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (في تكريرِ التوبيخِ باتخاذِ الشُّركاء)، يريد: كرّرَ هذه الآيةَ بعينِها قُبَيْلَ هذه لتوكيدِ المعنى المقصودِ وتقريرِه؛ ومِنْ ثَمّ جُعِلَ خاتمةً للآياتِ وتخلُّصًا إلى قصةِ قارون. وفي صحيفةِ سُليمانَ ﵇: وما أحسنُ الأشياءِ وما أقبحُ الأشياء؟ قالَ سليمان: أحسنُ الأشياءِ الإيمانُ بالله بعدَ الشِّركِ، وأقبحُ الأشياءِ الكُفرُ بعدَ التوحيد. قالَ القاضي: الأولُ لتقريرِ فسادِ رأيِهِم، والثاني لبيانِ أنهُ لمْ يكنْ عنْ سَنَد؛ وإنما كانَ محضَ تَشَهٍّ وهوًى.
قولُه: (فكما أَدْخَلْتَنا) الفاءُ جوابُ شرطٍ محذوفٍ متصلٍ بما قبلَه؛ أي: إذا كانَ الأمرُ كما ذكرتَ فأدخِلْنا. والفَهْمُ معترضٌ نحوَ قولِهِ تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١].
قولُه: (وغابَ عنهمْ غَيْبةَ الشيءِ الضائع)، أيْ: ﴿ضَلَّ﴾ مستعارٌ لمعنى غاب؛ فلما كانتْ تلكَ الغَيْبةُ بحيثُ لا يمكِنُ إحضارُ ما غابَ وأنهُ كالشيءِ الضائع؛ قيل: ضَلّ.
الأساس: ومِنَ المجاز: ضلّ عنْ كذا: ضاع.
стр. 6300
[(إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ الله لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ *وَابْتَغِ فِيما آتاكَ الله الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ الله لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) القصص: ٧٦ - ٧٧]
(قارُونَ) اسم أعجمى مثل هرون، ولم ينصرف للعجمة والتعريف، ولو كان (فاعولاً) من قرن لانصرف. وقيل: معنى كونه من قومه أنه آمن به. وقيل: كان إسرائيلياً ابن عم لموسى: هو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب. وموسى بن عمران بن قاهث. وقيل: كان موسى ابن أخيه، وكان يسمى المنور لحسن صورته، وكان أقرأ بنى إسرائيل للتوراة، ولكنه نافق كما نافق السامري وقال: إذا كانت النبوّة لموسى ﵇، والمذبح والقربان إلى هرون فما لي؟ وروى: أنه لما جاوز بهم موسى البحر, وصارت الرسالة والحبورة لهارون يقرّب القربان، ويكون رأساً فيهم، وكان القربان إلى موسى فجعله موسى إلى أخيه؛ وجد قارون في نفسه وحسدهما، فقال لموسى: الأمر لكما ولست على شيء، إلى متى أصبر؟ قال موسى: هذا صنع الله. قال: والله لا أصدق حتى تأتى بآية، فأمر رؤساء بنى إسرائيل أن يجيء كل واحد بعصاه، فحزمها وألقاها في القبة التي كان الوحى ينزل عليه فيها، وكانوا يحرسون عصيهم بالليل، فأصبحوا وإذا بعصا هرون تهتز ولها ورقٌ أخضر،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (والحبورة)، في الحاشية: الحبورة: الإمامة، وهيَ مصدَرُ الحَبْر؛ يُقال: حبرَ الرجلُ حُبُورة.
قولُه: (وَجَدَ [قارونُ] في نَفْسِه)، أي: حَزِن. الجوهري: وَجَدَ في الحُزنِ وَجْدًا بالفتح، ووَجَدَ في المالِ وُجْدًا؛ أي: استغنى.
قولُه: (فحَزَمَها)، الجوهري: حَزَمْتَ الشيءَ حَزْمًا؛ إذا شَدَدْته، والحزم: ضبطُ الرجُلِ أمرَهُ وأخذُهُ بالثِّقة.
стр. 6301
وكانت من شجر اللوز، فقال قارون: ما هو بأعجب مما تصنع من السحر (فَبَغى عَلَيْهِمْ): من البغي؛ وهو الظلم. قيل: ملكه فرعون على بنى إسرائيل فظلمهم. وقيل: من البغي وهو الكبر والبذخ: تبذخ عليهم بكثرة ماله وولده. قيل: زاد عليهم في الثياب شبراً. المفاتح: جمع مفتح بالكسر: وهو ما يفتح به. وقيل هي الخزائن، وقياس واحدها: مفتح بالفتح. ويقال: ناء به الحمل، إذا أثقله حتى أماله. والعصبة: الجماعة الكثيرة, والعصابة: مثلها. واعصوصبوا: اجتمعوا. وقيل: كانت تحمل مفاتيح خزائنه ستون بغلاً، لكل خزانةٍ مفتاحٌ، ولا يزيد المفتاح على أصبع، وكانت من جلود. قال أبو رزين: يكفى الكوفة مفتاحٌ، وقد بولغ في ذكر ذلك بلفظ: الكنوز، والمفاتح، والنوء، والعصبة، وأولى القوة. وقرأ بديل بن ميسرة: لينوء بالياء. ووجهه أن يفسر المفاتح بالخزائن، ويعطيها حكم ما أضيفت إليه للملابسة والاتصال، كقولك: ذهبت أهل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (تبذّخَ عليهمْ بكثرةِ مالِه)، الأساس: ومِنَ المجاز: تبذّخَ فلان: تطاولَ، وهوَ بذاخٌ وفيهِ بَذَخ.
قولُه: (أبو رَزِين)، ((جامِعُ الأصول)): هوَ أبو رَزِين العقيلي، صحابيٌّ، واسمُهُ لقيطُ بنُ عامر، رَزين: بفتحِ الراءِ وكسرِ الزايِ وسكونِ الياءِ وتحتَها نقطتان.
قولُه: (يكفي الكوفةَ مِفتاح)، قيل: معناه: يكفي الكوفةَ كنزٌ واحدٌ مِنْ كنوزِهِ معَ كثرةِ أهلِ الكوفة.
قولُه: (ووجهُهُ أنْ يُفسِّرَ المفاتِحَ بالخزائن)، قيل: إنما يُفسّرُ بالخزائنِ ليكونَ متصلاً بالكنوزِ المرادةِ بما في قوله: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾؛ فيكتسبُ منهُ التذكيرَ كما يكتسبُ المضافُ مِنَ المضافِ إليهِ التأنيثَ في مثلِ قولِهم: ذهبَتْ أهلُ اليمامة. وأما إذا فُسِّرَ بجمعِ ((المِفْتح)) بالكسر، وهوَ ما يُفتَحُ به؛ فلا يكونُ متصلاً به؛ لأنّ المفتاحَ لا يكونُ متصلاً بالكنوز، وإذا لمْ يكنْ متصلاً بهِ لا يكتسبُ منهُ التذكيرَ بإضافتِهِ إليهِ كما يكتسبُ الاسمُ التأنيثَ بمثلِ هذهِ الإضافة؛ لأنّ اتصالَ الظرفِ بالمظروفِ أَمَسُّ مِنَ اتصالِ المفتاحِ بالكنوز.
стр. 6302
اليمامة. ومحل إذ منصوب بتنوء. (لا تَفْرَحْ) كقوله: (وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ) [الحديد: ٢٣] وقول القائل:
ولست بمفراحٍ إذا الدّهر سرّني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقالَ ابنُ جِنِّي: ذهبَ بالتذكيرِ إلى ذلكَ القَدْرِ والمبْلَغ؛ فلاحظَ معنى الواحدِ فحَمَلَ عليه. ونحوُهُ قولُ الراجز:
مثلُ الفراخِ نتفت حواصلَه
أي: حواصَل ذلكَ أو حواصَل ما ذكَرْنا.
وقلتُ: هذا أَوْلى وأنسَبُ للقراءةِ المشهورة؛ لأنّ المرادَ أنّ مفاتحَ خزائنِهِ هيَ التي لتنوءُ بالجماعةِ مِنَ الناس، لا الخزائن، عَلى أنّ الخزائنَ نفسَها لا تثقلُ بالعُصْبة. وإنْ أُريدَ بهِ الأموالُ فيؤدِّي إلى خلافِ المرادِ مِنَ المبالغة، ويلزمُ إضافةُ الأموالِ إلى الكنوز. قالَ أبو البقاء: ﴿ما﴾ بمعنى: الذي، في موضِع نصبٍ بـ ((آتينا))، و ((إنّ)) واسمُها وخبرُها صلةُ ((الذي))؛ ولهذا كُسِرَتْ ﴿إِنَّ﴾، والباءُ في ﴿بِالعُصْبَةِ﴾ مُعَدِّيةٌ مُعاقِبةٌ للهمزةِ في ((أنَأته))، يُقال: أنَاتُهُ ونُؤْتُ به، والمعنى: لتُنِيءُ: أي: تُثقِلُ العُصْبة. وقيل: هيَ على القلب؛ أي: لَتَنُوء بهِ العُصْبة.
قالَ صاحبُ ((الكشف)): وُصِلَتْ ﴿مَا﴾ هاهنا بـ ﴿إِنَّ﴾ وكُسِرَتْ ﴿إِنَّ﴾ لأنّ الموصولةَ تُوصَلُ بكلتا الجملتَيْن الاسمية والفعلية.
قولُه: (ولستُ بِمفراحٍ إذا الدّهرُ سَرّني)، تمامُه:
ولا جازعٍ مِنْ صَرْفِهِ المتقلِّب
стр. 6303
وذلك أنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضى بها واطمأن. وأمّا من قلبه إلى الآخرة، ويعلم أنه مفارقٌ ما فيه عن قريب، لم تحدّثه نفسه بالفرح. وما أحسن ما قال القائل:
أشد الغمّ عندي في سرور … تيقّن عنه صاحبه انتقالا
(وَابْتَغِ فِيما آتاكَ الله) من الغنى والثروة (الدَّارَ الْآخِرَةَ) بأن تفعل فيه أفعال الخير؛ من أصناف الواجب والمندوب إليه، وتجعله زادك إلى الآخرة (وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ) وهو أن تأخذ منه ما يكفيك ويصلحك (وَأَحْسِنْ) إلى عباد الله (كَما أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ) أو: أحسن بشكرك وطاعتك لله كما أحسن إليك. والفساد في الأرض: ما كان عليه من الظلم والبغي. وقيل: إن القائل موسى ﵇. وقرئ: (واتبع).
[(قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) ٧٨]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البيتُ ينظرُ إلى قولِهِ تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣].
قولُه: (أَشَدُّ الغَمِّ عندي في سُرورِ) البيت، يقولُ: السرورُ الذي تَيَقّنَ صاحبُهُ الانتقالَ عنهُ هوَ أشدُّ الغمِّ؛ لأنهُ يُراعي وقتَ زوالِهِ فينتَفِضُ كلما ذكرَ زوالَه. وروي: والذي نفسُ محمدٍ بيدِه، إِنَّ ما أوتيتم مِنَ الدنيا كإناخةِ ناقة؛ فعلامَ تفرحون، وإلامَ تنتظرون؟ ولله درُّ القائل:
إنما الدنيا كظلٍّ زائلٍ … أو كضيفٍ نازلٍ ثُمّ ارتَحَلْ
стр. 6304
(عَلى عِلْمٍ) أي: على استحقاق واستيجاب؛ لما فىّ من العلم الذي فضلت به الناس؛ وذلك أنه كان أعلم بنى إسرائيل بالتوراة. وقيل: هو علم الكيمياء. عن سعيد بن المسيب: "كان موسى ﵇ يعلم علم الكيمياء، فأفاد يوشع بن نونٍ ثلثه، وكالب بن يوفنا ثلثه، وقارون ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه فكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهباً". وقيل: علم الله موسى علم الكيمياء، فعلمه موسى أخته، فعلمته أخته قارون. وقيل: هو بصره بأنواع التجارة والدهقنة وسائر المكاسب. وقيل: (عِنْدِي) معناه: في ظنى، كما تقول الأمر عندي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: على استيجابٍ واستحقاق) قالَ القاضي: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ في موضِع الحال، و ﴿عِندِي﴾ صفةٌ للعلم، وإلى هذا أشارَ بقولِه: ((على استحقاقٍ لِما فيَّ مِنَ العلمِ الذي فَضَلْتُ بهِ الناسَ)).
قولُه: (هوَ علمُ الكيمياء)، قالَ الزجاج: هذا لا يصح؛ لأنّ الكيمياءَ باطلٌ لا حقيقةَ له. وقلتُ: لعلّ ذلكَ كانَ مِنْ قَبيلِ المعجزة.
قولُه: (وقيلَ: ﴿عِندِي﴾ معناه: في ظني)، قالَ القاضي: وعلى هذا ﴿عِندِي﴾ يتعلّقُ بـ ﴿أُوتِيتُهُ﴾ صلةً له؛ كقولِك: جازَ هذا عندي؛ أي: في ظنِّي واعتقادي. وعنْ بعضِهِم: على ذلكَ قولُ القائل:
ومَنْ أنتمُ حتّى يكونَ لكُمْ عِنْدُ؟
وكلمةُ ((عِندَ)) بيانُ الحُكْم؛ كما تقول: هذا عندَ أبي حنيفةَ والشافعي؛ أي: في حُكمِها.
стр. 6305
كذا، كأنه قال: إنما أوتيته على علم، كقوله تعالى: (ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ) [الزمر: ٤٩] ثم زاد (عِنْدِي) أى: هو في ظنى ورأيى هكذا. يجوز أن يكون إثباتاً لعلمه بأنّ الله قد أهلك من القرون قبله من هو أقوى منه وأغنى، لأنه قد قرأه في التوراة، وأخبر به موسى، وسمعه من حفاظ التواريخ والأيام. كأنه قيل: (أَوَ لَمْ يَعْلَمْ) في جملة ما عنده من العلم هذا، حتى لا يغتر بكثرة ماله وقوّته. ويجوز أن يكون نفياً لعلمه بذلك؛ لأنه لما قال: أوتيته على علمٍ عندي، فتنفج بالعلم وتعظم به. قيل: أعنده مثل ذلك العلم الذي ادعاه ورأى نفسه به مستوجبةً لكل نعمةٍ، ولم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين (وَأَكْثَرُ جَمْعاً) للمال، أو: أكثر جماعةً وعدداً. فإن قلت: ما وجه اتصال قوله: (وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) بما قبله؟ قلت: لما ذكر قارون من أهلك من قبله من القرون الذين كانوا أقوى منه وأغنى، قال على سبيل التهديد له: والله مطلعٌ على ذنوب المجرمين،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (ويجوزُ أنْ يكونَ نفيًا لعلمِهِ بذلكَ)، يريدُ أنّ الهمزةَ في قولِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ إذا كانَ للتقريرِ أفادَ إثباتَ عِلمِ قارون، وإذا كانَ للإنكارِ كانَ نفيَ عِلمِه. وعلى التقديرَيْنِ المعطوفُ عليهِ محذوف؛ أي: ألم يَقْرَأِ التوراةَ ولمْ تُعلِّمْه الأحداثُ والوقائع؟ أي: قرأَ وعَلِم؛ أي: اغترّ بما عندَهُ مِنَ العلم، ولمْ يعلمْ ذلكَ ليعتَبِرَ ويُمسِكَ عنْ ذلكَ القول.
قولُه: (فتَنَفّجَ)، يُروى بالخاءِ والجيم. الأساس: ومِنَ المجاز: فلانٌ نفّاجٌ وفيهِ نَفَج، وسمعتُ مَنْ يقول: فيهِ نفاجة. وفي الأساس أيضًا: ومِنَ المجاز: انتَفَخَ النهار: علا، ونفخَ شِدْقَيْه: تَكَبّر.
قولُه: (لَمّا ذَكّرَ قارونَ مَنْ أُهلِكَ مِنْ قَبْلِه .... ، قالَ على سبيلِ التهديدِ له: والله مُطّلِعٌ على ذنوبِ المجرمين)، يريدُ أنّ هذهِ الجملةَ تذييلٌ للسابق؛ فإنّ قولَه: ﴿[أَوَلَمْ] يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ﴾ تهديدٌ لقارونَ ووعيدٌ لهُ بالهلاك، وقولُه: ﴿وَلَا يُسْئَلُ عَن
следующие страницы →