Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.
стр. 6301
وكانت من شجر اللوز، فقال قارون: ما هو بأعجب مما تصنع من السحر (فَبَغى عَلَيْهِمْ): من البغي؛ وهو الظلم. قيل: ملكه فرعون على بنى إسرائيل فظلمهم. وقيل: من البغي وهو الكبر والبذخ: تبذخ عليهم بكثرة ماله وولده. قيل: زاد عليهم في الثياب شبراً. المفاتح: جمع مفتح بالكسر: وهو ما يفتح به. وقيل هي الخزائن، وقياس واحدها: مفتح بالفتح. ويقال: ناء به الحمل، إذا أثقله حتى أماله. والعصبة: الجماعة الكثيرة, والعصابة: مثلها. واعصوصبوا: اجتمعوا. وقيل: كانت تحمل مفاتيح خزائنه ستون بغلاً، لكل خزانةٍ مفتاحٌ، ولا يزيد المفتاح على أصبع، وكانت من جلود. قال أبو رزين: يكفى الكوفة مفتاحٌ، وقد بولغ في ذكر ذلك بلفظ: الكنوز، والمفاتح، والنوء، والعصبة، وأولى القوة. وقرأ بديل بن ميسرة: لينوء بالياء. ووجهه أن يفسر المفاتح بالخزائن، ويعطيها حكم ما أضيفت إليه للملابسة والاتصال، كقولك: ذهبت أهل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (تبذّخَ عليهمْ بكثرةِ مالِه)، الأساس: ومِنَ المجاز: تبذّخَ فلان: تطاولَ، وهوَ بذاخٌ وفيهِ بَذَخ.
قولُه: (أبو رَزِين)، ((جامِعُ الأصول)): هوَ أبو رَزِين العقيلي، صحابيٌّ، واسمُهُ لقيطُ بنُ عامر، رَزين: بفتحِ الراءِ وكسرِ الزايِ وسكونِ الياءِ وتحتَها نقطتان.
قولُه: (يكفي الكوفةَ مِفتاح)، قيل: معناه: يكفي الكوفةَ كنزٌ واحدٌ مِنْ كنوزِهِ معَ كثرةِ أهلِ الكوفة.
قولُه: (ووجهُهُ أنْ يُفسِّرَ المفاتِحَ بالخزائن)، قيل: إنما يُفسّرُ بالخزائنِ ليكونَ متصلاً بالكنوزِ المرادةِ بما في قوله: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾؛ فيكتسبُ منهُ التذكيرَ كما يكتسبُ المضافُ مِنَ المضافِ إليهِ التأنيثَ في مثلِ قولِهم: ذهبَتْ أهلُ اليمامة. وأما إذا فُسِّرَ بجمعِ ((المِفْتح)) بالكسر، وهوَ ما يُفتَحُ به؛ فلا يكونُ متصلاً به؛ لأنّ المفتاحَ لا يكونُ متصلاً بالكنوز، وإذا لمْ يكنْ متصلاً بهِ لا يكتسبُ منهُ التذكيرَ بإضافتِهِ إليهِ كما يكتسبُ الاسمُ التأنيثَ بمثلِ هذهِ الإضافة؛ لأنّ اتصالَ الظرفِ بالمظروفِ أَمَسُّ مِنَ اتصالِ المفتاحِ بالكنوز.
стр. 6302
اليمامة. ومحل إذ منصوب بتنوء. (لا تَفْرَحْ) كقوله: (وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ) [الحديد: ٢٣] وقول القائل:
ولست بمفراحٍ إذا الدّهر سرّني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقالَ ابنُ جِنِّي: ذهبَ بالتذكيرِ إلى ذلكَ القَدْرِ والمبْلَغ؛ فلاحظَ معنى الواحدِ فحَمَلَ عليه. ونحوُهُ قولُ الراجز:
مثلُ الفراخِ نتفت حواصلَه
أي: حواصَل ذلكَ أو حواصَل ما ذكَرْنا.
وقلتُ: هذا أَوْلى وأنسَبُ للقراءةِ المشهورة؛ لأنّ المرادَ أنّ مفاتحَ خزائنِهِ هيَ التي لتنوءُ بالجماعةِ مِنَ الناس، لا الخزائن، عَلى أنّ الخزائنَ نفسَها لا تثقلُ بالعُصْبة. وإنْ أُريدَ بهِ الأموالُ فيؤدِّي إلى خلافِ المرادِ مِنَ المبالغة، ويلزمُ إضافةُ الأموالِ إلى الكنوز. قالَ أبو البقاء: ﴿ما﴾ بمعنى: الذي، في موضِع نصبٍ بـ ((آتينا))، و ((إنّ)) واسمُها وخبرُها صلةُ ((الذي))؛ ولهذا كُسِرَتْ ﴿إِنَّ﴾، والباءُ في ﴿بِالعُصْبَةِ﴾ مُعَدِّيةٌ مُعاقِبةٌ للهمزةِ في ((أنَأته))، يُقال: أنَاتُهُ ونُؤْتُ به، والمعنى: لتُنِيءُ: أي: تُثقِلُ العُصْبة. وقيل: هيَ على القلب؛ أي: لَتَنُوء بهِ العُصْبة.
قالَ صاحبُ ((الكشف)): وُصِلَتْ ﴿مَا﴾ هاهنا بـ ﴿إِنَّ﴾ وكُسِرَتْ ﴿إِنَّ﴾ لأنّ الموصولةَ تُوصَلُ بكلتا الجملتَيْن الاسمية والفعلية.
قولُه: (ولستُ بِمفراحٍ إذا الدّهرُ سَرّني)، تمامُه:
ولا جازعٍ مِنْ صَرْفِهِ المتقلِّب
стр. 6303
وذلك أنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضى بها واطمأن. وأمّا من قلبه إلى الآخرة، ويعلم أنه مفارقٌ ما فيه عن قريب، لم تحدّثه نفسه بالفرح. وما أحسن ما قال القائل:
أشد الغمّ عندي في سرور … تيقّن عنه صاحبه انتقالا
(وَابْتَغِ فِيما آتاكَ الله) من الغنى والثروة (الدَّارَ الْآخِرَةَ) بأن تفعل فيه أفعال الخير؛ من أصناف الواجب والمندوب إليه، وتجعله زادك إلى الآخرة (وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ) وهو أن تأخذ منه ما يكفيك ويصلحك (وَأَحْسِنْ) إلى عباد الله (كَما أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ) أو: أحسن بشكرك وطاعتك لله كما أحسن إليك. والفساد في الأرض: ما كان عليه من الظلم والبغي. وقيل: إن القائل موسى ﵇. وقرئ: (واتبع).
[(قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) ٧٨]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البيتُ ينظرُ إلى قولِهِ تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣].
قولُه: (أَشَدُّ الغَمِّ عندي في سُرورِ) البيت، يقولُ: السرورُ الذي تَيَقّنَ صاحبُهُ الانتقالَ عنهُ هوَ أشدُّ الغمِّ؛ لأنهُ يُراعي وقتَ زوالِهِ فينتَفِضُ كلما ذكرَ زوالَه. وروي: والذي نفسُ محمدٍ بيدِه، إِنَّ ما أوتيتم مِنَ الدنيا كإناخةِ ناقة؛ فعلامَ تفرحون، وإلامَ تنتظرون؟ ولله درُّ القائل:
إنما الدنيا كظلٍّ زائلٍ … أو كضيفٍ نازلٍ ثُمّ ارتَحَلْ
стр. 6304
(عَلى عِلْمٍ) أي: على استحقاق واستيجاب؛ لما فىّ من العلم الذي فضلت به الناس؛ وذلك أنه كان أعلم بنى إسرائيل بالتوراة. وقيل: هو علم الكيمياء. عن سعيد بن المسيب: "كان موسى ﵇ يعلم علم الكيمياء، فأفاد يوشع بن نونٍ ثلثه، وكالب بن يوفنا ثلثه، وقارون ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه فكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهباً". وقيل: علم الله موسى علم الكيمياء، فعلمه موسى أخته، فعلمته أخته قارون. وقيل: هو بصره بأنواع التجارة والدهقنة وسائر المكاسب. وقيل: (عِنْدِي) معناه: في ظنى، كما تقول الأمر عندي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: على استيجابٍ واستحقاق) قالَ القاضي: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ في موضِع الحال، و ﴿عِندِي﴾ صفةٌ للعلم، وإلى هذا أشارَ بقولِه: ((على استحقاقٍ لِما فيَّ مِنَ العلمِ الذي فَضَلْتُ بهِ الناسَ)).
قولُه: (هوَ علمُ الكيمياء)، قالَ الزجاج: هذا لا يصح؛ لأنّ الكيمياءَ باطلٌ لا حقيقةَ له. وقلتُ: لعلّ ذلكَ كانَ مِنْ قَبيلِ المعجزة.
قولُه: (وقيلَ: ﴿عِندِي﴾ معناه: في ظني)، قالَ القاضي: وعلى هذا ﴿عِندِي﴾ يتعلّقُ بـ ﴿أُوتِيتُهُ﴾ صلةً له؛ كقولِك: جازَ هذا عندي؛ أي: في ظنِّي واعتقادي. وعنْ بعضِهِم: على ذلكَ قولُ القائل:
ومَنْ أنتمُ حتّى يكونَ لكُمْ عِنْدُ؟
وكلمةُ ((عِندَ)) بيانُ الحُكْم؛ كما تقول: هذا عندَ أبي حنيفةَ والشافعي؛ أي: في حُكمِها.
стр. 6305
كذا، كأنه قال: إنما أوتيته على علم، كقوله تعالى: (ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ) [الزمر: ٤٩] ثم زاد (عِنْدِي) أى: هو في ظنى ورأيى هكذا. يجوز أن يكون إثباتاً لعلمه بأنّ الله قد أهلك من القرون قبله من هو أقوى منه وأغنى، لأنه قد قرأه في التوراة، وأخبر به موسى، وسمعه من حفاظ التواريخ والأيام. كأنه قيل: (أَوَ لَمْ يَعْلَمْ) في جملة ما عنده من العلم هذا، حتى لا يغتر بكثرة ماله وقوّته. ويجوز أن يكون نفياً لعلمه بذلك؛ لأنه لما قال: أوتيته على علمٍ عندي، فتنفج بالعلم وتعظم به. قيل: أعنده مثل ذلك العلم الذي ادعاه ورأى نفسه به مستوجبةً لكل نعمةٍ، ولم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين (وَأَكْثَرُ جَمْعاً) للمال، أو: أكثر جماعةً وعدداً. فإن قلت: ما وجه اتصال قوله: (وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) بما قبله؟ قلت: لما ذكر قارون من أهلك من قبله من القرون الذين كانوا أقوى منه وأغنى، قال على سبيل التهديد له: والله مطلعٌ على ذنوب المجرمين،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (ويجوزُ أنْ يكونَ نفيًا لعلمِهِ بذلكَ)، يريدُ أنّ الهمزةَ في قولِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ إذا كانَ للتقريرِ أفادَ إثباتَ عِلمِ قارون، وإذا كانَ للإنكارِ كانَ نفيَ عِلمِه. وعلى التقديرَيْنِ المعطوفُ عليهِ محذوف؛ أي: ألم يَقْرَأِ التوراةَ ولمْ تُعلِّمْه الأحداثُ والوقائع؟ أي: قرأَ وعَلِم؛ أي: اغترّ بما عندَهُ مِنَ العلم، ولمْ يعلمْ ذلكَ ليعتَبِرَ ويُمسِكَ عنْ ذلكَ القول.
قولُه: (فتَنَفّجَ)، يُروى بالخاءِ والجيم. الأساس: ومِنَ المجاز: فلانٌ نفّاجٌ وفيهِ نَفَج، وسمعتُ مَنْ يقول: فيهِ نفاجة. وفي الأساس أيضًا: ومِنَ المجاز: انتَفَخَ النهار: علا، ونفخَ شِدْقَيْه: تَكَبّر.
قولُه: (لَمّا ذَكّرَ قارونَ مَنْ أُهلِكَ مِنْ قَبْلِه .... ، قالَ على سبيلِ التهديدِ له: والله مُطّلِعٌ على ذنوبِ المجرمين)، يريدُ أنّ هذهِ الجملةَ تذييلٌ للسابق؛ فإنّ قولَه: ﴿[أَوَلَمْ] يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ﴾ تهديدٌ لقارونَ ووعيدٌ لهُ بالهلاك، وقولُه: ﴿وَلَا يُسْئَلُ عَن
стр. 6306
لا يحتاج إلى سؤالهم عنها واستعلامهم. وهو قادرٌ على أن يعاقبهم عليها، كقوله تعالى: (وَالله خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) [آل عمران: ١٥٣]، (بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) [البقره: ٢٨٣, المؤمنون: ٥١، النور: ٢٨] وما أشبه ذلك.
[(فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) ٧٩]
(فِي زِينَتِهِ) قال الحسن: في الحمرة والصفرة. وقيل: خرج على بغلةٍ شهباء عليها الأرجوان وعليها سرجٌ من ذهب، ومعه أربعة آلافٍ على زيه. وقيل: عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلاثمائة غلامٍ، وعن يساره ثلاثمائة جاريةٍ بيضٌ عليهنّ الحلي والديباج. وقيل: في تسعين ألفاً عليهم المعصفرات، وهو أوّل يوم رؤي فيه المعصفر: كان المتمنون قوماً مسلمين، وإنما تمنوه على سبيل الرغبة في اليسار والاستغناء كما هو عادة البشر. وعن قتادة: تمنوه ليتقربوا به إلى الله ولينفقوه في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ كقولِه: ﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣، النور: ٢٨] في كونِهِ عالمًا بها لا يحتاجُ إلى سؤالِهم عنها. وفيهِ تهديدٌ بالهلاكِ بسببِ الإجرامِ لكلِّ مجرم، وهؤلاءِ منهم؛ فكانَ تأكيدًا له. وجيءَ بالواوِ فعُدّ تذييلاً أو معترضة.
قالَ القاضي: كأنهُ لمّا هَدّدَ قارونَ بذِكْرِ إهلاكِ مَنْ قَبْلَهُ أكّدَ ذلكَ بأنْ بَيّنَ أنهُ لمْ يكنْ ما يخصُّهم؛ بَلِ الله مُطّلِعٌ على ذنوبِ المجرمينَ كُلِّهمْ مُعاقِبُهُمْ عليها.
قولُه: (الأُرجوان)، النهاية: هوَ مُعرّبٌ مِنْ ((أُرغوان)) وهوَ شجرٌ له نَوْرٌ أحمر. وكلُّ لونٍ يُشبِهُهُ فهوَ أُرجوان. وقيل: هوَ الصّبْغُ الأحمر، وقيل: عربيةٌ والألفُ والنونُ زائدتان. وذكرهُ الجوهري في مُعتلِّ اللام.
стр. 6307
سبل الخير. وقيل: كانوا قوماً كفاراً. الغابط: هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه من غير أن تزول عنه. والحاسد: هو الذي يتمنى أن تكون نعمة صاحبه له دونه، فمن الغبطة قوله تعالى: (يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ) ومن الحسد قوله: (وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ) [النساء: ٣٢] وقيل لرسول الله ﷺ : هل يضر الغبط؟ فقال: «لا؛ إلا كما يضر العضاه الخبط»، والحظ: الجدّ، وهو البخت والدولة: وصفوه بأنه رجلٌ مجدودٌ مبخوت، يقال: فلانٌ ذو حظ، وحظيظٌ، ومحظوظ، وما الدنيا إلا أحاظٍ وجدودٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (ومِنَ الحَسَدِ قولُه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢])، وذلكَ أنّ تَمَنِّي ما فُضِّلَ البعضُ على بعضٍ المُتمنّي عَيْنُ ما فُضِّلَ به، ولا يُتَوَصّلُ إلى ذلكَ إلا بزوالِهِ عَنِ المحسود.
قولُه: (وقيلَ لرسولِ الله ﷺ : هلْ يَضُرُّ الغَبط؟ قال: ((لا، إلا كما يَضُرُّ العِضاهَ الخَبْط)))، النهاية: الغَبْط: حَسَدُ خاص؛ يُقال: غَبَطْتُ الرجُلَ أَغبِطُهُ غَبْطًا. أراد ﷺ أنّ الغَبْطَ لا يَضُرُّ ضَرَر الحَسَد، وأنّ ما يَلْحَقُ الغابِطَ مِنَ الضررِ الراجعِ إلى نُقصانِ الثوابِ دونَ الإحباطِ بقَدْرِ ما يَلْحَقُ العِضاهَ مِنْ خَبْطِ وَرَقِها الذي هوَ دونَ قَطْعِها واستئصالها، ولأنهُ يعودُ بعدَ الخبط؛ فهوَ وإنْ كانَ فيهِ طَرَفٌ مِنَ الحسد؛ فهوَ دونَهُ في الإثم.
والعِضاهُ: شَجَرُ أُمِّ غَيْلان، وكلُّ شَجَرٍ عظيم لهُ شَوْك، الواحدة: عِضةٌ بالتاء، والخَبْط: ضَرْبُ الشّجَرِ بالعصا ليتناثرَ ورقُها لعلفِ الإبل.
قولُه: (وما الدنيا إلا أحاظٍ وجُدود)، مِنْ قولِ الحماسي:
وليسَ الغني والفقرُ مِنْ حِيلَةِ الفتي … ولكنْ أَحاظٍ قُسِّمَتْ وجُدودُ
стр. 6308
[(وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ الله خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ *فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ الله وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ) ٨٠ - ٨١]
ويلك: أصله الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرتضى، كما استعمل: لا أبا لك. وأصله: الدعاء على الرجل بالإقراف في الحث على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجوهري: الحظ: النصيبُ والجَدّ، وجمعُ القِلّة: أَحُظٌّ، والكثير: حظوظٌ وأحاظٍ كأنهُ جَمْعُ أَحْظٍ، وأنشدَ البيت. الراغب: الحظ: النصيبُ المقدّر.
قولُه: (ويلك: أصلُهُ الدعاءُ بالهلاك)، الراغب: قالَ الأصمعي: وَيْل: قبوح، وقدْ يُستعمَلُ على التحسُّر، ووَيس: استصغار، ووَيْح: ترحُّم. ومَنْ قال: ويل: وادٍ في جَهنّمَ لمْ يُرِدْ أنّ ((ويلاً)) في اللغةِ هوَ موضوعٌ لهذا؛ وإنما أراد: مَنْ قالَ الله فيهِ ذلك؛ فقدْ استحقّ مقرًّا مِنَ النارِ وثبتَ لهُ ذلك؛ ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهمْ ووَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩])).
قولُه: (كما استُعمِل: لا أبا لكَ وأصلُهُ الدعاءُ على الرجل)، وعنْ نَضْرِ بنِ شُمَيلٍ أنهُ قال: سألتُ الخليلَ عنْ قولِهم: لا أبا لك؛ فقال: معناه: لا كافيَ لك، وقيل: معناه: بعثٌ وتحضيض، وليسَ بنفيِ الأبُوة.
قولُه: (الدعاءُ على الرجلِ بالإقراف)، أي: بالهُجْنة.
الأساس: وأُقْرِفَ: أُدْنَي للهجْنة، ويُقال: الإقراف مِنْ جهةِ الأب. قال:
стр. 6309
الفعل. والراجع في (وَلا يُلَقَّاها) للكلمة التي تكلم بها العلماء. أو للثواب؛ لأنه في معنى المثوبة أو الجنة، أو للسيرة والطريقة، وهي الإيمان والعمل الصالح (الصَّابِرُونَ) على الطاعات، وعن الشهوات، وعلى ما قسم الله من القليل عن الكثير.
كان قارون يؤذى نبى الله موسى صلي الله عليه كل وقتٍ، وهو يداريه للقرابة التي بينهما، حتى نزلت الزكاة، فصالحه عن كل ألف دينارٍ على دينار، وعن كل ألف درهمٍ على درهمٍ، فحسبه فاستكثره فشحت به نفسه، فجمع بنى إسرائيل وقال: إنّ موسى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإنْ نُتِجَتْ مُهرًا كريمًا فبِالحري … وإنْ يكُ إقرافٌ فَمِنْ قِبَلِ الفَحْلِ
وقيل: هوَ مِقْرف، بالكسر، وقدْ أقرفَ الهُجْنةَ وقارَفَها: قارَبَها وخالَطَها. أما قولُه: ((في الحثِّ)) ليسَ بمتّصِلٍ بالإقراف؛ بلِ استُعمِلَ كما استُعمِلَ ((لا أبا لك)) في الحث.
نحوُه في الحثِّ قولُه تعالى: ﴿حَرِضِ المُؤْمِنينَ عَلَى القِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]. قال: أي: سَمِّهِ حرضًا وقُلْ له: لا أراكَ إلا ممرضًا في هذا الأمر؛ لتُهيِّجَهُ وتُحرِّكَ منه.
قولُه: (للكلمةِ التي تكلّمَ بها العلماء)، وهيَ قولُه: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.
قولُه: (﴿الصَّابِرُونَ﴾ على الطاعاتِ وعنِ الشهوات)، عنْ بعضِهِم: ﴿الصَّابِرُونَ﴾ لهُ متعلِّقان: الذي انقطعَ بهِ عنه، والذي اتصلَ به. والأولُ مَدْخَلُ ((عن)) وهوَ المعصية، والثاني مَدْخلُ ((على)) وهوَ الطاعة. و ((عَنْ)) هذهِ كـ ((مِنْ)) في قولِهِ: ﴿لَن تُغْنِي عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠، ١١٦، المجادلة: ١٧] أي: بدلَ طاعتِه. أي: صابرونَ على الطاعاتِ بدلَ الشهواتِ ومقيموها مقامَها، وكذلكَ القليلُ مِنَ الكثير. مثلُهُ قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِ﴾ [المائدة: ٤٨] أي: بدلَ ما جاءَك. وجمهورُ المفسرينَ على أنّ معناه: مُنحرِفًا عما جاءَكَ أو متنحِّيًا؛ كقولِك: رميتُ عَنِ القَوْس.
стр. 6310
أرادكم على كل شيءٍ، وهو يريد أن يأخذ أموالكم، فقالوا: أنت كبيرنا وسيدنا، فمر بما شئت، قال: نبرطل فلانة البغىّ، حتى ترميه بنفسها، فيرفضه بنو إسرائيل، فجعل لها ألف دينار. وقيل: طستاً من ذهب. وقيل: طستاً من ذهب مملوءةً ذهباً. وقيل: حكمها، فلما كان يوم عيدٍ قام موسى فقال: يا بنى إسرائيل، من سرق قطعناه، ومن افترى جلدناه، ومن زنى وهو غير محصنٍ جلدناه، وإن أحصن رجمناه، فقال قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قال: فإنّ بنى إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، فأحضرت، فناشدها موسى بالذي فلق البحر، وأنزل التوراة أن تصدق، فتداركها الله فقالت: كذبوا، بل جعل لي قارون جعلاً على أن أقذفك لنفسي، فخرّ موسى ساجداً يبكى وقال: يا رب، إن كنت رسولك فاغضب لي. فأوحى إليه: أن مر الأرض بما شئت، فإنها مطيعةٌ لك. فقال: يا بنى إسرائيل، إنّ الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون، فمن كان معه فليلزم مكانه، ومن كان معنى فليعتزل، فاعتزلوا جميعا غير رجلين، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الركب، ثم قال: خذيهم، فأخذتهم إلى الأوساط، ثم قال: خذيهم، فأخذتهم إلى الأعناق، وقارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى ﵇ ويناشدونه بالله والرحم، وموسى لا يلتفت اليهم لشدّة غضبه، ثم قال: خذيهم، فانطبقت عليهم. وأوحى الله إلى موسى: ما أفظك! استغاثوا بك مراراً فلم ترحمهم، أما وعزتي لو إياى دعوا مرةً واحدةً لوجدوني قريباً مجيباً، فأصبحت بنو إسرائيل يتناجون بينهم: إنما دعا موسى على قارون ليستبد بداره وكنوزه، فدعا الله حتى خسف بداره وأمواله. (مِنَ المُنْتَصِرِينَ) من المنتقمين من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (أرادَكُمْ على كلِّ شيء)، ضُمِّنَ ((أرادَ)) معنى ((قَهَرَ)) فعُدِّيَ تعديتَه؛ أي: قهرَكُمْ على كلِّ شيءٍ يريدُه.
قولُه: (نُبَرْطِلُ)، أي: نرشو؛ مِنَ البِرْطيل.
قولُه: (وقيل: حَكَّمَها)، أي: جَعَلَها حاكِمًا لنفسِها بما شاءتْ مِنَ المال. ويروي: ((حُكْمَها))؛ أي: ما حَكَمَتِ البغيُّ في مالِه.
стр. 6311
موسى ﵇، أو من الممتنعين من عذاب الله تعالي. يقال: نصره من عدوه فانتصر، أى: منعه منه فامتنع.
[(وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ الله عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) ٨٢]
قد يذكر الأمس ولا يراد به اليوم الذي قبل يومك، ولكن الوقت المستقرب على طريق الاستعارة، (مَكانَهُ) منزلته من الدنيا. (وي) مفصولةٌ عن كأن، وهي كلمة تنبه على الخطأ وتندم. ومعناه: أن القوم قد تنبهوا على خطئهم في تمنيهم وقولهم: (يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ) وتندموا ثم قالوا: "ْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ" أى: ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح، وهو مذهب الخليل وسيبويه. قال: .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (على طريقِ الاستعارة)، أي: الاستعارةِ اللفظية، نحوُ استعارةِ المَرْسِن- وهوَ أنفٌ فيهِ رَسَن- لمُطلَقِ الأنف. وكذلكَ استعارَ ((الأمس)) وهوَ وقتٌ محدودٌ متعارَفٌ للزمانِ المستقرَب.
قولُه: (أي: ما أشبهَ الحالَ بأنّ الكافرينَ لا ينالونَ الفلاح)، قالَ ابنُ جِنِّي: يُروى على قياسِ مذهبِ الخليلِ وسيبويهِ اسمٌ سُمِّيَ بهِ الفعلُ في الخبر؛ فكأنهُ اسمُ أَعْجَبُ، ثُمّ ابتدأَ فقال: ((كأنه))، ((كأن)) فيهِ عاريةٌ مِنْ معنى التشبيه. أنشدَ أبو علي:
كأَنّني حينَ أُمسِي لا تُكلِّمُني … مُتَيّمٌ يَشتَهِي ما ليسَ موجودا
وفي ((المطلع)): قالَ عليُّ بنُ عيسى: شُبِّهتْ حالُ الكافرينَ بحالِ مَنْ لا يُفلِح؛ لأنكَ
стр. 6312
وي كأنّ من يكن له نشبٌ يحـ … ـبب ومن يفتقر يعش عيش ضرّ
وحكى الفراء أنّ أعرابية قالت لزوجها: أين ابنك؟ فقال: وى كأنه وراء البيت. وعند الكوفيين أنّ «ويك» بمعنى: ويلك، وأنّ المعنى: ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون. ويجوز أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومةً إلى وى، كقوله:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إذا قلتَ: كأنّ هذا الكافرَ لا يُفلِح؛ فُهِمَ مِنكَ أنّ حالَهُ حالُ مِنْ لا يُفلِح. هذا تقريرُ كلامِ المصنِّف، لكنْ يفتقرُ إلى مزيدِ بيان؛ فتقول: إنهُ أبرزَهُ مَبرَزَ فِعلِ التعجُّب؛ لِما في ((وَيْ)) مِنْ معنى التعجب. وأشارَ بقولِه: ((حال)) إلى أنّ الضميرَ في ((كأنه)) للحال، والباءُ في ((بأنّ)) صلةُ ((أشْبَهَ))؛ يعني: ظَهَرَ لنا مِنْ حالِ قارونَ- وهوَ استمتاعُهُ بالدنيا واغترارُهُ بزهرتِها، ثُمّ خسفُهُ بالأرضِ- مشابِهٌ لما تقرّرَ بأنّ الكافرينَ لا يُفلِحون.
قولُه: (أنّ ((وَيْكَ)) بمعنى: وَيْلَك)، وأنّ المعنى: ألم يعلم أنّه لا يُفْلحُ الكافرون. وحكي صاحبُ ((المَطْلعِ)) عن خلفٍ الأحمرِ أنّ ((وَيْكَ)) بمعنى ((وَيْلك)) فحُذِفَ اللامُ استخفافًا، ونُصِبَ ((أنّ الله)) بفعلٍ مُضمَرٍ تقديرُه: وَيْلَك، اعلَمْ أنّ الله. قالَ الزجاج: هذا الخطأُ مِنْ غيرِ وجه؛ إذْ لوْ كانَ كما قال؛ لكانتْ ((إن)) مكسورةً ولمْ يُحذَفِ اللامُ منه؛ لأنهُ يقال: وَيْلَك، إنهُ لا يُفلِح. والصحيحُ ما ذكَرَهُ سيبويه عنِ الخليلِ ويونس: أنّ ((وَيْ)) مفصولةٌ مِنْ ((كأن))، والقومُ تنبّهُوا فقالوا: وَيْ؛ مُتندِّمِينَ على ما سَلَفَ مِنهم، وكلُّ مَنْ تَندّمَ أو نَدِم؛ فإظهارُ ندامتِهِ أو تندُّمه أنْ يقول: وَيْ، كما يعاتَبُ الرجُلُ على ما سلفَ مِنهُ فيقول: وَيْ كأنكَ قصدتَ مكروهي. قال العرجيّ:
سَالتاني الطلاقَ أنْ رأتاني … قلّ مالي قدْ جِئتُماني بنُكْرِ
ويكأنْ مَنْ يكنْ لهُ نَشَبٌ يُحْـ … ـبَبْ ومَنْ يفتقِرْ يَعِشْ عيش ضُرّ
стр. 6313
ويك عنتر أقدم
وأنه بمعنى لأنه، واللام لبيان المقول لأجله هذا القول، أو لأنه لا يفلح الكافرون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النّشَب: المال، و ((يُحْبَبْ)) جوابُ ((مَنْ)) وفيهِ معنى الإنكار؛ أيْ أنّ الغَنِيّ محبوبٌ في الناس، والفقيرُ يعيشُ في الناسِ عَيْشَ ذُلٍّ وضُر.
قالَ ابنُ جِنِّي: ومَنْ قال: إنها ((ويك))؛ فكأنهُ قال: أَعْجَبُ لأنهُ لا يُفلِحُ الكافرون، وأَعْجَبُ لأنّ الله يبسُطُ الرزقَ، وهوَ قولُ أبي الحسن.
وينبغي أنْ يكونَ الكافُ حرفَ خطابٍ لا اسمًا بمنزلةِ الكافِ في ((ذلك، وأولئك))؛ لأنّ ((وي)) ليستْ مِما يُضاف. والاستشهادُ بالبيتِ مِنْ أَجْلِ أنّ الكافَ لا يجوزُ أنْ تكونَ ضميرًا أو حرفَ خِطاب؛ لفُقدانِ المطابقةِ لأنّ البيتَ السابقَ خطابٌ لمؤنثَيْن. وكذا قولُ الزوجِ للأعرابية؛ لأنهُ لوْ كانَ الكافُ خطابًا لكانَ مكسورًا لتأنيثِ المخاطَب.
وأما قولُ عنتَرةَ فلا يُحمَلُ على ((ويلك))؛ لأنهُ زَجْرٌ ورَدْعٌ وبَعْثٌ على تركِ ما لا يرضى، وهوَ حَثٌّ وبعثٌ على الإقدام؛ لأنهُ في مقامِ مدحِ نفسِهِ بالشجاعة. وتلخيصُهُ أنّ ذاكَ زَجْرٌ عما لا يرضى وهذا حثٌّ على ما يرضى.
قولُه: (ويكَ عنترَ أَقْدِمِ)، أولُه:
ولقدْ شفى نفسي وأبرأَ سُقْمَها … قيلُ الفوارسِ ويكَ عنترَ أَقْدِمِ
قولُه: ((عنتر)) مُرخّم، يقول: لقدْ شفى نفسي قولُ الفوارسِ لي: يا عنترةُ أقدِمْ نحوَ العدوِّ واحمِلْ عليهِم. يريدُ أنّ تعويلَ أصحابِهِ عليه والتجاءَهُمْ إليهِ شفى نفْسَهُ ونفى هَمّه.
قولُه: (واللامُ لبيانِ المقولِ لأجلِهِ هذا القول)، نحو: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]؛ فإنهُ لمّا قيل: وي؛ قيل: لَمِنْ؟ وأجيب: لك.
стр. 6314
كان ذلك، وهو الخسف بقارون، ومن الناس من يقف على «وى» ويبتدئ «كأنه»، ومنهم من يقف على «ويك». وقرأ الأعمش: (لولا منّ الله علينا). وقرئ (لَخَسَفَ بِنا) وفيه ضمير الله. ولا نخسف بنا، كقولك: انقطع به. ولتخسف بنا.
[(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) ٨٣]
(تِلْكَ) تعظيمٌ لها وتفخيمٌ لشأنها، يعنى: تلك التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها. لم يعلق الموعد بترك العلو والفساد، ولكن بترك إرادتهما وميل القلوب إليهما، كما قال: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) [هود: ١١٣] فعلق الوعيد بالركون. وعن على رضى الله عنه: إنّ الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل تحتها. وعن الفضيل أنه قرأها ثم قال: "ذهبت الأمانى هاهنا". وعن عمر بن عبد العزيز كان يردّدها حتى قبض. ومن الطماع من يجعل العلوّ لفرعون، والفساد لقارون،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (مَنْ يقفُ على ((وي)))، يعني: الكسائي، وعلى ((ويك)): أبو عمرو.
قولُه: (وقُرِئَ: ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾)، أي: على بناءِ الفاعل؛ قرأَها حفص. قالَ ابنُ جِنِّي: وهيَ قراءةُ الأعرجِ وغيرهِ، الفاعلُ ((الله))، والمفعولُ محذوف؛ أي: لخَسَفَ بنا الله الأرض.
قولُه: (ولا نُخسِفُ بنا)، قالَ ابنُ جِنِّي: قرأَ بها الأعمشُ وطلحةُ وابنُ مسعود. ((بنا)) مرفوعةُ المَوْضِع؛ لإقامتِها مقامَ الفاعِل، نحو: انقطعَ بالرجُل، وسِيرَ بزَيْد. وإنْ شئتَ أضمرتَ المصدرَ مقامَ الفاعل، ولا يكونُ للفعلِ الواحدِ فاعلانِ قائمانِ مقامَهُ إلا على وجهِ الاشتراك.
قولُه: (ومِنَ الطّماعِ مَنْ يجعلُ العُلُوّ لفِرعَون، والفسادَ لقارون)، قالَ صاحبُ ((الانتصافِ))
стр. 6315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهوَ يُعرِّضُ بأهل السُّنةِ في أنّ كلّ مُوحِّدٍ مِنْ أهلِ الجنة، وإنما طَمِعوا فيما أطمَعَهُمُ الله تعالى على لسانِ رسولِهِ ﷺ حيثُ قال: ((مَنْ قالَ: لا إله إلا الله؛ دخلَ الجنةَ وإنْ زَنى وإنْ سَرَق)) ثلاثًا، وفي الثالثة: ((وإنْ رَغِمَ أنفُ أبي ذَرّ)).
وقلتُ: لا شكّ أنّ العُلوّ في الأرضِ هوَ الاستكبارُ على الله تعالى، والاستطالةُ على الناس، والإفسادُ: إخراجُ الشيءِ مِنْ كونِهِ مُنتَفَعًا به.
روى مُحيي السُّنة: ﴿عُلُوًّا﴾: استكبارًا عنِ الإيمان، واستطالةً على الناسِ وتهاونًا بهم. و ﴿فَسَادًا﴾: أخذُ أموالِ الناسِ بغيرِ حَق، والعملُ بالمعاصي. وأما ما رواهُ عنْ عليٍّ ﵁: إِنَّ الرجُلَ لَيُعجِبُهُ أنْ يكونَ شِراكُ نعلِهِ أجودَ مِنْ شِراكِ نعلِ صاحِبهِ فيدخلُ تحتَها؛ فإنهُ مناقضٌ لِما رواهُ داودَ عنْ أبي هريرة: أنّ رجلاً أتى رسولَ الله ﷺ وكانَ جميلا؛ فقال: يا رسولَ الله، إني رجُلٌ حُبِّبَ إليّ الجمالُ وأُعطِيتُ منهُ ما ترى حتى ما أُحِبُّ أنْ يفوقَني أحدٌ -إما قال: بشِراكِ نَعْل، وإما قال: بشِسْعِ نعل- أفَمِنَ الكِبْرِ ذلك؟ قال: ((لا، ولكنّ الكِبْرَ مَنْ بَطِرَ الحقّ وغَمَطَ الناس)). وروى مسلمٌ وأبو داودَ والترمذيُّ عنِ ابنِ مسعود: أنّ النبيّ ﷺ قال: ((لا يدخلُ الجنةَ مَنْ كانَ في قلبِهِ مِثقالُ ذَرّةٍ مِنْ كِبْرِ))؛ فقالَ رجُل: إنّ الرجُلَ يُحبُّ أنْ يكونَ ثوبُهُ حسنًا ونعلُه حسنًا! قال: ((إنّ الله جميلٌ يحبُّ الجمال؛ الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناسِ)).
هذا وإنّ التأويلَ الذي يُعتمدُ عليهِ هوَ ما يساعدُهُ النظم؛ فإنّ هذهِ الآيةَ كالتخلُّصِ مِنْ قصةِ موسى ﵇ وقومِهِ معَ قارونَ وبَغْيِهِ واستطالتِهِ عليهم، ثُمّ هلاكِهِ ونُصْرةِ أهلِ الحقِّ عليه، إلى قصةِ سيدِنا صلواتُ الله عليهِ وأصحابِهِ معَ قومِهِ واستطالتِهم وإخراجِهم إياهُ مِنْ مَسقَطِ رأسِه، ثُمّ إعزازِهِ بالإعادةِ إلى مكةَ وفَتْحِه إيّاها منصورًا مُكرّمًا وذلكَ قولُه
стр. 6316
متعلقا بقوله: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ)، (وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ) ويقول: من لم يكن مثل فرعون وقارون فله تلك الدار الآخرة، ولا يتدبر قوله: (وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) كما تدبره علىّ والفضيل وعمر.
[(مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) ٨٤]
معناه: فلا يجزون، فوضع (الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ) موضع الضمير؛ لأن في إسناد عمل السيئة إليهم مكرراً. فضل تهجين لحالهم، وزيادة تبغيضٍ للسيئة إلى قلوب السامعين (إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ) إلا مثل ما كانوا يعملون، وهذا من فضله العظيم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. روى محيي السُّنة: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ لَرَدُّكَ إِلَى مَعَاد: إلى مكة، وهيَ روايةُ العوفيِّ عنِ ابنِ عباس. قالَ القتيبي: معادُ الرجُل: بلدُه؛ لأنُه ينصرفُ منهُ ثُمّ يعودُ إليه. وقالَ الإمام: ﴿مَن جَاءَ بِالهُدَى﴾: الإعزازُ بالإعادةِ إلى مكة.
وإذا تقرّر هذا فينبغي أنْ يُفسّرَ العلوُّ والفسادُ بما اشتملَ عليهِ قصةُ قارون؛ فالعلوُّ فَرحُهُ بالدنيا؛ مِنْ قولِهِم: ﴿لَا تَفْرَحْ﴾، وبَطَرُ الحق؛ مِنْ قولِه: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾، وغَمْطُه الناس في قولِه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾. والفساد: البغيُ والظلمُ كما قالَ المصنِّفُ في قولِه: ﴿وَلَا تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ﴾، لا سيما ما أدخلَهُ في خروجِهِ على القومِ بتلكَ الزينة؛ حتى قالَ قائلُهُم: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتيَ قَارُونُ إِنَّهُ, لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾؛ فإنهُ إفسادٌ عظيمٌ في الدين؛ فقولُه: ﴿والعَاقِبةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ لا ينافي تفسيرَهُ المنقولَ مِنْ أهلِ السُّنة؛ لأنّ المرادَ مَنْ لمْ يكنْ مِثلَ فرعونَ وقارونَ مِنَ المؤمنين. والمتّقِي هاهنا هوَ المتّقي مِن عُلُوِّ فرعونَ وفسادِ قارون؛ لأنّ قولَه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ تذييل.
стр. 6317
وكرمه الواسع؛ أن لا يجزى السيئة إلا بمثلها، ويجزى الحسنة بعشر أمثالها وبسبع مئةٍ، وهو معنى قوله: (فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها).
[(إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ٨٥]
(فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ) أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه، يعنى: أن الذي حملك صعوبة هذا التكليف لمثيبك عليها ثواباً لا يحيط به الوصف. و (لَرادُّكَ) بعد الموت (إِلى مَعادٍ) أى معادٍ، وإلى معادٍ ليس لغيرك من البشر وتنكير المعاد لذلك. وقيل: المراد به مكة، ووجهه أن يراد رده إليها يوم الفتح، ووجه تنكيره أنها كانت في ذلك اليوم معاداً له شأنٌ، ومرجعاً له اعتدادٌ؛ لغلبة رسول الله ﷺ عليها، وقهره لأهلها، ولظهور عز الإسلام وأهله، وذل الشرك وحزبه. والسورة مكيةٌ، فكأن الله وعده وهو بمكة في أذى وغلبةٍ من أهلها: أنه يهاجر به منها، ويعيده إليها ظاهراً ظافراً. وقيل: نزلت عليه حين بلغ الجحفة في مهاجره، وقد اشتاق إلى مولده ومولد آبائه وحرم إبراهيم، فنزل جبريل فقال له: أتشتاق إلى مكة؟ قال: نعم، فأوحاها إليه. فإن قلت: كيف اتصل قوله تعالى: (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ) بما قبله؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (أَوْجَبَ عليكَ تلاوتَه)، أي: أوجبَ تلاوتَهُ عندَ تبليغِ الوحي؛ كقولِهِ تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، لا في جميعِ الأوقات. والعملُ عاقِبُهُ؛ أيْ: مِنَ الفرائض، وأما الاستماعُ على الأمة ففي حالةِ الصلاة؛ قالَ تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ, وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
قولُه: (﴿إِلَى مَعَادٍ﴾ أي: معاد)، الراغب: قيل: أرادَ بالمعادِ مكة، والصحيحُ ما أشارَ إليهِ عليٌّ ﵁ وذكَرَهُ ابنُ عباسٍ أنّ ذلكَ الجنةُ التي خلقَهُ فيها بالقُوّةِ في ظَهْرِ آدمَ وأَظْهَرَهُ مِنه؛ حيثُ قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذَرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
стр. 6318
قلت: لما وعد رسوله الردّ إلى معادٍ، قال: قل للمشركين: (رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى) يعنى نفسه، وما يستحقه من الثواب في معاده (وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) يعنيهم، وما يستحقونه من العقاب في معادهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (لمّا وعدَ رسولَهُ الردّ إلى معاد)، هذا إذا أُريدَ بالمعادِ الإثابةُ والرجوعُ إلى مقاماتِهِ العاليةِ في الآخرة، والاتصالُ كما قالَ ظاهر. وأما إذا أُريدَ بالمعادِ مكة؛ فالمعنى: إنّ الذي حَباكَ نعمةَ الدين- لا سيما هذا الكتابَ الكريمَ الذي دُونَهُ كلُّ نعمة- يَمنَحُكَ فَتْحَ مكة، ويَرُدُّكَ إلى مَسْقَط رأسِك؛ كما قالَ تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحِنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ إلى قولِه: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّستَقِيمًا﴾ [الفتح: ١، ٢]. فقُلْ لأعدائِك: موتوا كَمَدًا؛ ربي أعلمُ مَنْ جاءَ بالهدى مِنّا ومِنكُم، ومنْ هوَ في ضلالٍ مبين، يَنصُرُ المهتدي ويَخذُلُ الضال، وهوَ مالكُ الملك، يُعِزُّ مَنْ يشاءُ ويُذِلُّ مَنْ يشاء. وكما كنتَ غيرَ راجٍ أنْ يُلقي إليكَ هذا الكتاب، لكنّ الله لرحمتِهِ الواسعةِ ألقاهُ إليك، كذلكَ يَنصُرُكَ على أعدائكَ هوَ وحدَه، ويردُّكَ إلى معاد؛ فتوكّلْ عليهِ لا على غيره، ولا تَعتَمِدْ إلا عليه، ولا تكونَنّ ظهيرًا للكافرين. ويَنصُرُ هذا النّظْمَ قولُ القاضي: سيردُّكَ إلى معادٍ كما أَلقى إليكَ الكتاب، وما كنتَ ترجوه؛ ولكنْ ألقاهُ رحمةً مِنه.
قولُه: (وما يستحقُّهُ مِنَ الثوابِ في معادِه، وما يستحقُّونَهُ مِنَ العقابِ في معادِهِم)، هذا يَحتَمِلُ المعنَيينِ في تفسيرِ ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾؛ أمّا حملُهُ على يوم القيامةِ فظاهر، وأمّا على الإعادةِ إلى مكة؛ فالهدى والضلال والحقُّ والباطل، أو العِزُّ والنُّصرةُ والخِذْلانُ والذل؛ كما روينا عنِ الإمام: ﴿مَن جَاءَ بِالهُدَى﴾: الإعزازُ بالإعادةِ إلى مكة.
وقالَ أهلُ التحقيق: هذا أَحَدُ ما يَدُلُّ على نُبُوّتِه؛ فإنهُ إخبارٌ عنِ الغَيْب. وقالَ مُحيي السُّنة: ربي أعلم من جاء بالهدى هذا جوابٌ لأهلِ مكةَ [لمّا قالوا] إنك في ضلال.
стр. 6319
[(وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ) ٨٦]
فإن قلت: قوله (إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) ما وجه الاستثناء فيه؟ قلت: هذا كلام محمول على المعنى، كأنه قيل: وما ألقى عليك الكتاب إلا رحمةً من ربك. ويجوز أن تكون (إلا) بمعنى (لكن) للاستدراك، أى: ولكن لرحمة من ربك ألقى إليك.
[(وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ الله بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ٨٧]
وقرئ: (يصدنك)، من أصدّه بمعنى صدّه، وهي في لغة كلب. وقال:
أناس أصدوا النّاس بالسّيف عنهم … صدود السّواقى عن أنوف الحوائم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (محمولٌ على المعنى)، يعني: مَنْ رأى نفسَهُ أهلاً لشيءٍ وأُشعِرَ بأمارةٍ أو تَوهّمَ مَخيلةً رُبما تعلّقَ رجاؤُهُ بحصولِه؛ فإذا نُفِيَ الرجاءُ انتفى حصولُهُ بالكلية؛ فكانَ معنى ﴿ومَا كُنتَ تَرْجُوا أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾: ما أُلقِيَ إليكَ الكتابُ لأمرٍ مِنَ الأمورِ إلا للرحمة؛ فانتَصَبَ ﴿رَحْمَةً﴾ على المفعولِ له.
قولُه: (أناسٌ أصدُّوا الناس) البيت، السواقي: جمعُ الساقية؛ وهيَ الجماعاتُ التي تَسقِي الإبل، والحوائم: الإبلُ الغرائب، وقيل: العِطاش. والسوافي -بالفاء-: الرياح. ويُروى: ((أنوفِ الخرائم)) وهيَ أنوفُ الجِبال، والأولُ أصّحُّ صاحبُ ((ديوانِ الأدب)): يقول: صَرَفوا الناسَ بالسيفِ عنْ أنفُسِهِم؛ يعني أنَّهمْ هَزَمُوهُمْ كما تَطْرُدُ السواقي غرائبَ الإبلِ عنْ إبِلِهِم، وكما يصدُّ السُّقاةُ عنِ الحوضِ غيرَها.
стр. 6320
(بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ) بعد وقت إنزاله، و (إذ) تضاف إليه أسماء الزمان، كقولك: حينئذٍ وليلتئذٍ ويومئذٍ وما أشبه ذلك. والنهى عن مظاهرة الكافرين ونحو ذلك من باب التهييج الذي سبق ذكره.
[(وَلا تَدْعُ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ٨٨]
(إِلَّا وَجْهَهُ) إلا إياه. والوجه يعبر به عن الذات.
قال رسول الله ﷺ : «من قرأ "طسم القصص" كان له الأجر بعدد من صدق موسى وكذب به، ولم يبق ملك في السماوات والأرض إلا شهد له يوم القيامة أنه كان صادقا أن كل شيءٍ هالكٌ إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (﴿إِلاَّ وَجْهُهُ,﴾: إلا إيّاه)، قالَ مكي: انتصبَ ((الوجه)) على الاستثناء، ويجوزُ الرفعُ على الصفة؛ أي: غيرُ وجهِه.
كما قال:
وكلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أَخُوهُ … لَعَمْرُ أبيكَ إلا الفَرْقَدانِ
وقالَ الإمام: فُسِّرَ الهلاكُ بالعَدَم؛ أيْ أنّ الله يُعدِمُ كلَّ شيء، وقدْ فُسِّرَ بإخراجِ الشيءِ عنْ كونِهِ مُنتَفَعًا به؛ إمّا بالإماتة، أوْ بتفريقِ الأجزاءِ وإنْ كانتْ باقية؛ كما يُقال: هلكَ الثوب، وهلكَ المتاع.
وقيل: معنى كونِهِ هالكًا كونُهُ قابلاً للهلاكِ في ذاتِه.
قولُه: (أنْ كلّ شيءٍ هالكٌ)، الوَجْهُ أنْ يكونَ ((أن)) مُخفّفةً مِنَ الثقيلة، وضميرُ الشأنِ
стр. 6321
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محذوف؛ أي: أنهُ كلُّ شيءٍ هالك؛ كقولِهِ تعالى: ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣].
تَمّتِ السُّورة، حامدًا لله ومصلِّيَا على رسوله.
стр. 6322
سورة العنكبوت
مكية، وهي تسعٌ وستونٌ آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) ١ - ٣]
الحسبان لا يصح تعليقه بمعاني المفردات، ولكن بمضامين الجمل. ألا ترى أنك لو قلت: حسبت زيداً وظننت الفرس:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورةُ العنكبوت
مكِّيّة، وهي تسعٌ وستُّون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (الحِسْبانُ لا يَصِحُّ تَعليقُه بمعاني المفرَدات، ولكنْ بمَضامينِ الجُمَلِ) سَبَقَ في ((سُورة القَصَص)) تحقيقُ هذا الكلام.
الراغب: الحِسْبانُ: أن يُحكمَ لأحدِ النقيضَيْن من غيرِ أنْ يخطرَ الآخرُ بباله فيَحْسِبُه ويعْقِدُ عليه الأَصِبع، ويكونُ بمَعرضٍ أن يعتريَه شَكٌّ، ويقاربُ ذلك الظنُّ، لكن الظنَّ أنْ يُخطرَ النقيضَيْن بباله، فيُغلِّبَ أحدَهما على الآخَر.
стр. 6323
لم يكن شيئاً؛ حتى تقول: حسبت زيداً عالماً؛ وظننت الفرس جواداً، لأنّ قولك: زيدٌ عالم، أو الفرس جواد: كلامٌ دال على مضمون، فإن أردت الإخبار عن ذلك المضمون ثابتاً عندك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (لم يكنْ شيئَا) أي: كلامًا مفيدًا، والضميرُ في ((يَكُنْ)) يعودُ إلى القولِ الَّذي يدلُّ عليه قولُه: ((لَوْ قُلْتَ)).
قولُه: (ثابتًا عندَك) حالٌ إمَّا مِنْ فاعلِ ((أَردْتَ))، أوْ ((عن ذلك المَضمونِ))، وقيل: هو منصوبٌ عن كونِ مقدَّرٍ، أوْ عنَ كونِ ((ذلكَ المضمونِ ثابتًا عندَك))، يدلُّ عليه قولُه: ((فلمْ تَجدْ بُدًّا في العبارةِ عن ثَباتِه عندَك))؛ لأنَّه مِنَ التَّركِ الَّذي هو بِمعنى التَّصيير؛ يعني: يتعدَّى على مفعولَيْن، يشهدُ له الاستشهاد، وما سبقَ في أوَّلِ ((البقرةِ)) في قوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٧]، وفيهِ نَظَر؛ لأنّ قولَه: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ حالٌ، الواوُ صادَّةٌ عن جعلِ الجُمْلة ثاني مفعولَيْ: تَرك.
والظاهرُ أنَّه ممَّا يَتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ بمعنى يُخَلَّوا أو يُطرَحوا، ولعلَّه مالَ إلى مذهب الأخفش، حيث جوَّز دخولَ الواوِ في خبرِ ((كانَ)) وأخوَاتِها.
قالَ شارحُ أبياتِ ((المفصَّل)): حُكيَ عن الأخفشِ: أنَّه كانَ يُجوِّز كان زيدٌ وأبوهُ قائِمٌ؛ على نُقصانِ ((كان)) وجَعْلِ الجملةِ خبرًا معَ الواو، وتَشبيهِها لخبرِ ((كانَ)) بالحال، وهذا كأنَّه التفاتٌ إلى مذهبِ الكوفيِّ، أنّ عندَه خبرُ ((كانَ)) حالٌ لا خبرٌ، وعليه قولُ المَعرّي:
وَكَانتْ كالنَّخِيلِ وظَلَّ كُلٌّ … وَمُشْبِهَةً مِنَ الضُّمْرِ الإِهَانُ
المِصْراعُ الأخيرُ جملةٌ معَ الواوِ وخبر ظل.
وأبطلَ أبو عليٍّ قولَ الكوفيِّ: تقولُ العرب: كنتُ إيَّاه وكنتُه، فالضمير الجامد لا يقعُ حالاً، إذْ هو لازمُ التَّعريف. لعلَّ مذهبَه كمذهبِ يُونس، إذْ هوَ يجوِّزُ تعريفَ الحال.
стр. 6324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقالَ صاحبُ ((التَّقريب)) في قولِه: ((أَحسِبوا تَركَهُم غيرَ مفتونِين كقولهِم: ﴿آمَنَّا﴾)) نَظَر؛ لأنَّه يؤدِّي إلى تُركوا غيرَ مفتُونِين. وإنّما الكلامُ في العلِّةِ وليسَ كذلكَ لما ذكر من معنى الآية: أي أَحَسِبَ الذين نَطقُوا بكلمة الشهادة أنّهم يُتركون غيرَ مُمتَحَنين، بل يُمتَحنون ليتميَّزَ الراسخُ في الدِّين من غيرِه. ولسَبَبِ النُّزولِ.
فالوجهُ أن يُجعلَ ﴿أَن يُتْرَكُوا﴾ سادًّا مَسدَّ مفعوليَ ((حَسِبَ)) كما سَيذكر في ﴿أَن يَسْبِقُونَا﴾ بعدَ ((حَسِبَ)) ونظائرِه، و ﴿أَن يَقُولُوا﴾ علَّةً للحِسْبان؛ أي: أَحَسِبوا كقولهم: ﴿آمَنَّا﴾ أن يُتركوا غيرَ مفتُونين بسبب قولِهم هذا لا بسببٍ آخَر، وليس الكلامُ إلاّ في أنْ جَعَلوا قولَهم علَّةً لقولهم: ﴿لَا يُفْتَنُونَ﴾.
وأما سَببُ النُّزولِ: فهو أنَّ ناسًا من الصحابة جَزِعوا من أذى المشركين، إلى آخره.
وأُجيبَ: أنَّ ذلك إنّما لَزِم أنْ لو كان التقديرُ ما ذَكَره، أمّا لو قُدِّر: أَحَسِبُوا تَرْكُهُم غيرَ مفتُونينَ يحصلُ لقولهم: ﴿آمَنَّا﴾، كما نصَّ عليه المصنِّفُ بقوله: ((على تقدير: حاصِلٌ ومستقرٌّ، قَبلَ اللاّم)) استقام، كأنّه قيل: لا ينبغي أن تَحسَبُوا أنَّ إجراءَ كلمةِ الشهادةِ على ألسنَتِكُم سببٌ لأنْ لا تُفتَنُوا؛ لأنّه مُقتَضٍ لازدياد الفتنةِ على ما سيجيءُ في حديث خبّابِ ابنِ الأَرتِّ، فإن لم يجعلوه مقتضيًا له فَلأَنْ لا يَجعلُوه لِعَدمِه أَولى.
والحاصل أنّ دلالة المفهوم الذي ذَكَره، وأن الكلام في العلَّة مهجور؛ لأنَّ الكلام مع قومٍ مخصوصينَ؛ كقوله تعالى: ﴿لَا تَاكُلُوا الرِّبوَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، وقال الزَّجاجُ: في قوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ معنى التَّقريرِ والتَّوبيخِ؛ أي: أَحَسِبوا أن نقنعَ منهم بأن يقولوا: إنّا مؤمنون فقط ولا يُمتَحنون بما تَتبيَّنُ به حقيقةُ إيمانِهم، وموضعُ ((أَنْ)) الأُولى نصبٌ؛ لأنَّه اسمُ ((حَسِبَ)) وخبرُه، وموضعُ ((أَنْ)) الثانية إما نصبٌ بـ ﴿يُتْرَكُوا﴾.
المعنى: أَحَسِبَ النّاسُ أن يُتركوا لأنْ يَقولوا أو بأنْ يقولوا، ثم حُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ، وإمّا أن يكونَ العاملُ فيها ﴿أَحَسِبَ﴾، كأن المعنى: أَحَسِب الناسُ أن يقولوا: آمنّا وهم لا يُفتنون. والأوَّلُ أجودُ.
стр. 6325
على وجه الظن لا اليقين، فلم تجد بدّا في العبارة عن ثباته عندك على ذلك الوجه، من ذكر شطرى الجملة مدخلاً عليهما فعل الحسبان، حتى يتم لك غرضك. فإن قلت: فأين الكلام الدال على المضمون الذي يقتضيه الحسبان في الآية؟ قلت: هو في قوله: (أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) وذلك أن تقديره: أحسبوا تركهم غير مفتونين، لقولهم: آمنا، فالترك أول مفعولي "حسب"؛ ولقولهم: آمنا، هو الخبر. وأما «غير مفتونين» فتتمة الترك، لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير، كقوله:
فتركته جزر السّباع ينشنه
ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان، تقدر أن تقول: تركهم غير مفتونين، لقولهم:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فتَرَكْنَهُ جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَهُ)، تَمامُه:
يَقْضُمْنَ حُسْنَ بَنانِهِ والمْعْصَمِ
وفي روايةٍ: ((يَقْضَمْنَ قُلَّةَ رأسِه)).
جزَرَ السِّباعِ: اللَّحمُ الذي تأكلُه، وهو مفعولٌ ثانٍ إن كان التَّرْكُ بمعنى التَّصييرِ، وإلاّ فحالٌ؛ أي: تَركنَه وهو جَزَرُ السِّباعِ. النَّوْشُ: التَّناوُلُ. القَضْمُ: الأكلُ بطَرَف الأسنانِ. يصف مقتولاً. إذا كانت الروايةُ بالنُّون فالضَّميرُ في ((تَرَكنه)) للخيل، وإذا كانت بالتاء فللشاعِر، والمسموعُ بالنُّون.
الراغب: التَّرْكُ: رفضُ الشيءِ قَصْدًا واختيارًا، أو قَهْرًا واضطِرارًا، فمِنَ الأوَّلِ ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضُهْمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩]، ومِنَ الثاني قولُه: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥]. ومنه: تَرِكُةُ فلانٍ؛ لِمَا يُخلِّفُه بعدَ موتِه.
وقد يُقال في كلِّ فعلٍ ينتهي به إلى حالةٍ ما؛ نحو: تَرِكَتُه كذا، أو يَجري مَجْرى: جَعلتُه كذا، نحو: تَركتُ فلانًا.
стр. 6326
آمنا، على تقدير: حاصلٍ ومستقر، قبل اللام. فإن قلت: (أَنْ يَقُولُوا) هو علة تركهم غير مفتونين، فكيف يصح أن يقع خبر مبتدأ؟ قلت: كما تقول خروجه لمخافة الشر، وضربه للتأديب، وقد كان التأديب والمخافة في قولك: خرجت مخافة الشر، وضربته تأديباً: تعليلين. وتقول أيضا: حسبت خروجه لمخافة الشر، وظننت ضربه للتأديب، فتجعلهما مفعولين كما جعلتهما مبتدأ وخبراً. والفتنة: الامتحان بشدائد التكليف: من مفارقة الأوطان، ومجاهدة الأعداء، وسائر الطاعات الشاقة، وهجر الشهوات والملاذ، وبالفقر والقحط، وأنواع المصائب في الأنفس والأموال، وبمصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم وضرارهم. والمعنى: أحسب الذين أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم وأظهروا القول بالإيمان: أنهم يتركون بذلك غير ممتحنين، بل يمحنهم الله بضروب المحن، حتى يبلو صبرهم، وثبات أقدامهم، وصحة عقائدهم، ونصوع نياتهم، ليتميز المخلص من غير المخلص، والراسخ في الدين من المضطرب، والمتمكن من العابد على حرف، كما قال: ) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ([آل عمران: ١٨٧]، وروى أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله ﷺ قد جزعوا من أذى المشركين. وقيل في عمار بن ياسر: وكان يعذب في الله. وقيل: في ناسٍ أسلموا بمكة، فكتب إليهم المهاجرون: لا يقبل منكم إسلامكم حتى تهاجروا، فخرجوا فتبعهم المشركون فردّوهم، فلما نزلت كتبوا بها إليهم؛ فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا. وقيل: في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهو أوّل قتيلٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في مِهْجَع بنِ عبدِ الله) وفي ((الاستيعاب)): مِهْجَعُ بنُ صالح، مولى عمرَ بنِ الخطّابِ، شهد بدرًا، وهو أوَّل من قُتل من المسلمين بينَ الصَّفَّينِ، أَتاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فقتَله، فقال ابنُ إسحاقَ: هو من اليمن. وقال ابن هشام: هو من عَكٍّ، أصابَه سِبَاءٌ فمَنَّ عليه عمرُ ابنُ الخطابِ.
стр. 6327
من المسلمين يوم بدر، رماه عامر بن الحضرمي فقال رسول الله ﷺ : "سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة " فجزع عليه أبواه وامرأته. (وَلَقَدْ فَتَنَّا) موصول ب- (أحسب) أو ب- لا يفتنون، كقولك: ألا يمتحن فلانٌ وقد امتحن من هو خير منه، يعنى: أن أتباع الأنبياء ﵈ قبلهم، قد أصابهم من الفتن والمحن نحو ما أصابهم، أو ما هو أشدّ منه فصبروا، كما قال: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا) الآية [آل عمران: ١٤٦]، وعن النبي ﷺ : «قد كان من قبلكم يؤخذ فيوضع المنشار على رأسه فيفرق فرقتين، ما يصرفه ذلك عن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سَهْمٌ غَرْبٌ: أن لا يُعرفَ راميه، يُضاف ولا يُضاف.
قوله: (﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا﴾ موصولٌ بـ ﴿أَحَسِبَ﴾ أو بـ ﴿لَا يُفْتَنُونَ﴾)، فإذا اتَّصل بـ ﴿لَا يُفْتَنُونَ﴾ دخل في حيِّز متعلِّق الحِسْبانِ المُنكَرِ؛ أي: أَحَسِبُوا أن لا يكونوا كغَيرِهم، وليس لهم أُسوةٌ بالأمم السالفةِ، فيكون حالاً من فاعل ﴿لَا يُفْتَنُونَ﴾، وإذا اتصل بـ ﴿أَحَسِبَ﴾ كان حالاً مقرِّرةً لجهةِ الإنكار؛ أي: أَحَصَل الحِسْبانُ والحالةُ هذه، وفي هذا تنبيهٌ على الخطأ وفي الأول تخطئةٌ.
قوله: (﴿وَكَأَيِّن مِن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]) تمهيدٌ لعُذْره في قوله: ((مَنْ هو خيرٌ منه))، فإنه تُوُهِّمَ منه أنَّ أتباعَ الأنبياءِ خيرٌ من هذه الأمَّةِ، فقال: المراد منه النبيون مع الربيِّين، فهو تتميم لصيانة المكروه.
قوله: (قد كان مَنْ قَبلَكُم يؤخذ)، الحديثُ من رواية البخاريِّ وأبي داودَ والنَّسائيِّ، عن خبّابِ بن الأَرتِّ قال: شَكَوْنا إلى رسول الله ﷺ ولقد لَقينا من المشركينَ شدَّةً فقلنا: ألَا تَستنصِرُ لنا، أَلا تَدعو لنا؟ فقال: ((قَدْ كانَ مَنْ قَبلَكُمْ يُؤخَذُ الرجل فيُحفَرُ له في الأَرضِ فيُجعَلُ فيها، ثُمَّ يُؤتَى بالمِنْشَارِ فيُوضَعُ على رَاسِه فيُجعَلُ نِصفَينِ، ويُمْشَطُ بأَمْشَاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِه وعَظْمِه مَا يَصُدُّه ذلكَ عن دِينِه)).
стр. 6328
دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب، ما يصرفه ذلك عن دينه» (فَلَيَعْلَمَنَّ الله) بالامتحان (الَّذِينَ صَدَقُوا) في الإيمان (وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) فيه. فإن قلت: كيف وهو عالم بذلك فيما لم يزل؟ قلت: لم يزل يعلمه معدومًا، ولا يعلمه موجودا إلا إذا وجد، والمعنى: وليتميزن الصادق منهم من الكاذب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لم يَزَلْ يَعلمُه مَعدومًا ولا يَعلمُه موجودًا إلا إذا وُجِدَ)، الانتصاف: هذا يُوهِم مَذهبًا فاسدًا، وهو أنَّ العلمَ بالكائن غيرُ العلمِ بما سيكون، والحقُّ أنَّ علمَ اللهِ واحدٌ يتعلَّق بالموجودِ، زمانَ وجودِه وقبلَه وبعدَه على ما هو عليه. وفائدةُ ذِكْرِ العلمِ التَّنبيهُ بالسَّبب على المُسبِّب، وهو الجزاء؛ أي: لَيَعلَمَنَّهم فلَيُجازِيَنَّهُم بسَبب علمِه فيهم، هذا هو الوجهُ الثاني في الجوابِ.
وقال الإمام: عِلْمُ اللهِ صفةٌ يظهرُ فيها كلُّ ما هو واقع، فقَبْلَ التَّكليفِ كان اللهُ يعلمُ أنَّ زيدًا سيُطيعُ وأنَّ عمرًا سَيعصي، ثمَّ وَقْتَ التَّكليفِ والإتيانِ يعلمُ أنه مطيعٌ والآخَرَ عاصٍ، وبعدَ الإتيانِ يعلمُ أنّه أطاعَ والآخَرَ عَصى، ولا يتغيَّرُ علمُه في شيءٍ منَ الأحوالِ، وإنّما المتغيٍّرُ المعلومُ، ويتبيَّن هذا بمثالٍ [منَ الحِسِّيّاتِ]- ولله المثلُ الأَعلى- وهو أنَّ المرآة الصَّقِيلةَ إذا عُلِّقت قُوبِلَ بها جهةٌ، فعَبَر عليها زيدٌ وعليه ثوبٌ أبيضُ، ثم عمروٌ وعليه ثوبٌ أصفرُ، فتَشكّلا فيه على حَسْب ما هُما عليه، فهل يُتصوَّر أنَّ المرآة من كَونها حديدًا أو مدورًا أو صَقِيلاً اختَلفت، بل يُقطع أن المتغيِّرَ الخارجُ، بل علمُ الله أعلى وأجلُّ، فإنَّ المرآة مخلوقةٌ، وعِلْمُ الله قديمٌ.
وقال مُحيي السُّنة: ولَيُظهرنَّ اللهُ الصادقينَ من الكاذبينَ، حتى يُوجِدَ مَعلُومَه؛ لأنَّ الله تعالى عالمٌ بهم قَبل الاختبارِ.
стр. 6329
ويجوز أن يكون وعدًا ووعيدًا، كأنه قال: وليثيبن الذين صدقوا وليعاقبنّ الكاذبين. وقرأ على رضى الله عنه والزهري: "وليعلمنّ"، من الإعلام، أى: وليعرفنهم الله الناس من هم. أو ليسمنهم بعلامةٍ يعرفون بها؛ من بياض الوجوه وسوادها، وكحل العيون وزرقتها.
(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ)] ٤ [
(أَنْ يَسْبِقُونا) أي: يفوتونا، يعنى: أنّ الجزاء يلحقهم لا محالة، وهم لم يطمعوا في الفوت، ولم يحدّثوا به نفوسهم، ولكنهم لغفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة وإصرارهم على المعاصي: في صورة من يقدر ذلك ويطمع فيه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويَجوز أن يكونَ وَعْدًا ووَعِيدًا)، قال ابن جِنِّي: فإنَّه من إقامةِ السَّبَبِ مقامَ المُسبِّب، والغرضُ فيه: ليُكافِئنَّ اللهُ الذين آمنوا، وذلك أن المكافآتِ على الشيء إنّما هي مُسبَّبة عن علم.
قوله: (أو لَيَسِمَنَّهُم بعلامةٍ) قال ابن جنِّي: ((ولَيُعلِمَنَّ اللهُ)) بضمِّ الياءِ وكسرِ اللاّمِ؛ معناه: وَليُعَرِّفَنَّ الناسَ مَنْ هُم؟ فحُذف المفعولُ الأوَّلُ، ولك أنْ لا تحذفَه على أنَّه من قولهم: ثَوبٌ مُعْلَم، وفارسٌ مُعْلَم؛ أي: أَعلَمَ نفسَه في الحرب بثوب أو غيره. المعنى: ولَيُشْهِرنَّ اللهُ الذين صَدَقوا.
قوله: (وهم لم يَطْمَعُوا في الفَوْت، ولكنّهم لِغَفلَتِهم وإصرارِهم على المعاصي: في صُورة مَن يُقدِّرُ ذلك)، يعني أنّه تعالى أَوقَعَ الحُسْبانِ على السَّبْق والفَوْتِ وهم لا يَعلمون ذلك، بل خلافُه مُتيقَّنٌ وُقوعُه، وهو لُحوقُ الجزاءِ بهم؛ لأنَّ قولَه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ في المؤمنين بدليل تَعْقِيبِه قولَه: أَحَسِبَ الناسُ أن يُترَكُوا وهم لا يَشُكُّونَ في الجزاء
стр. 6330
ونظيره: (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ)] العنكبوت: ٢٢ [، (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ)] الأنفال: ٥٩ [. فإن قلت: أين مفعولا (حسب)؟ قلت: اشتمال (صلة أن) على مسنٍد ومسنٍد إليه سدّ مسدّ المفعولين؛ كقوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ)] البقرة: ٢١٤ [، ويجوز أن يضمن (حسب) معنى (قدر) و (أم) منقطعة. ومعنى الإضراب فيها: أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الأوّل، لأن ذاك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه، وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه. (ساءَ ما يَحْكُمُونَ): بئس الذي يحكمونه حكمهم هذا. أو بئس حكمًا يحكمونه حكمهم هذا، فحذف المخصوص بالذم.
(مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ الله فَإِنَّ أَجَلَ الله لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)] ٥ [
لقاء الله: مثل للوصول إلى العاقبة، من تلقى ملك الموت، والبعث، والحساب،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لكن تَرَكَهُم بسَببِ جَرْيهم على غيرِ موجبِ العلم، وهو غَفلتُهم وإصرارُهم على المعاصي، منزلةَ مَنْ لم يتيقّن الجزاء؛ أي: لو اعتَقَدُوا ما أَصرُّوا على المعاصي.
قوله: (ونَظيرُه ﴿وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [العنكبوت: ٢٢]، ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ [الأنفال: ٥٩] أي: تَنْزيل المُتيقِّن منزلةَ الشّاكِّ. هذا إذا خُوطب الرسولُ ﷺ أو المؤمنون.
قوله: (بئسَ الذي يحكمونَه حُكْمُهم). قال مَكِّيٌّ: ((ما)) في موضع نَصْبٍ وهي نكرة؛ أي: ساء شيئًا يَحكُمونَه. وقيل: ((ما)) في موضع رفعٍ وهي معرفة؛ أي: ساء الذي يَحكُمونَه. وقال ابنُ كَيْسانَ: ((ما)) مع الفعل مصدرٌ في موضع رفعٍ؛ أي: ساء حُكْمُهم.
стр. 6331
والجزاء: مثلت تلك الحال بحال عبٍد قدم على سيده بعد عهٍد طويل، وقد اطلع مولاه على ما كان يأتى ويذر، فإما أن يلقاه ببشر وترحيب؛ لما رضى من أفعاله، أو بضد ذلك لما سخطه منها، فمعنى قوله: (مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ الله) من كان يأمل تلك الحال، وأن يلقى فيها الكرامة من الله والبشرى (فَإِنَّ أَجَلَ الله) وهو الموت (لَآتٍ) لا محالة؛ فليبادر العمل الصالح الذي يصدق رجاءه، ويحقق أمله، ويكتسب به القربة عند الله والزلفى. (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الذي لا يخفى عليه شيء مما يقوله عباده ومما يفعلونه، فهو حقيق بالتقوى والخشية. وقيل: (يَرْجُوا): يخاف من قول الهذلي في صفة عسال:
إذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها
فإن قلت: (فإن أجل الله لآت)، كيف وقع جوابًا للشرط؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إذا لَسَعَتْهُ الدَّبْرُ لم يَرْجُ لَسْعَها)، تمامُه:
وخالَفَها في بيتِ نُوبٍ عَوامِلِ
الدَّبْرُ: جماعةُ النَّحْلِ. قيل: سمِّيت بذلك لِتَدْبيرها وحُسن نَيْقَتِها في العَمَل، ومن كلام سُكَينة بنتِ الحُسين- ﵂ قالت لأُمِّها: يا أُمَّاه، مرَّت بيد ُبَيْرة فلَسَعَتْنِي بأُبَيْرَةٍ لم يَرْجُ: لا يخافُ. والنُّوبُ: ضَربٌ منَ النَّحلِ قيل: سمّيت بذلك لأنها تَنُوبُ إلى أهلِها، والهاءُ في ((لَسَعَتْهُ)) يعودُ إلى العَسّال المتقدِّمِ ذِكْرُه. والعَسّالُ: الذي يَشُورُ العَسَلَ.
قوله: (﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَأَتٍ﴾ كيف وقع جوابًا للشرط)، تلخيصه ما ذكره الإمام: أن قوله: ﴿مَن كَانَ يَرْجُوا﴾ شرط، وجزاؤه: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ﴾، والمعلَّق بالشرَّطِ عَدَمٌ عند عَدَم
стр. 6332
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشَّرْطِ، فيَلزمُ منه أنَّ مَن لا يَرجُو لقاءَ الله، لا يكونُ أَجَلُ الله آتيًا له، والأجلُ آتٍ لكلِّ أحدٍ لا مَحالَةَ. وخُلاصةُ جوابِ المصنِّف أنَّ هذا الكلامَ واردٌ في حقِّ من عَلِمَ، بدليل قوله: ((إذا عُلِمَ أنَّ لقاءَ الله عُنيت به تلكَ الحالُ المُمثَّلةُ)) يعني: هذا إنّما يَصِحُّ أنْ يقعَ جوابًا للشَّرط إذا عَلِمَ المُخاطَبُ أن المرادَ بلقاء الله تعالى ما هو، ووقتُه متى هو، والمراد بلقاء الله تعالى ووَقْتِه: هو ما قال: ((مَثَلٌ للوُصُولِ إلى العاقبةِ))؛ أي: يلقى مَلَكَ الموتِ والبَعْثَ والحسابَ والجزاءَ، وهو المراد من قوله: ((تلك الحالُ المُمثَّلةُ)) وإذا لم يَعلمِ المُخاطَبُ ذلك لا يُقال له ذلك، أَلا تَرى كيف استَشهد بقوله: ((إذا عَلِمَ أنه يَقعدُ للنّاسِ يومَ الجُمعةِ))؛ يعني: من كان يرجو نَيْلَ ثوابِ الله ويخافُ عقابَه، فلْيَعلَمْ أنَّ وقوعَ ذلك لا بدَّ منه، وهذا لا يَصِحُّ في حقِّ الكافرِ.
ويَنصرُه أنَّ هذه الآيةَ قد عُقِّبت بها ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ وسَبقَ أنّها في حقِّ المؤمنين، وفائدة هذا التَّنبيهِ الحَثُّ على طاعة الله تعالى وما يُنالُ به ذلك الثَّوابُ، والرَّدْعُ عن المعاصي والتأهُّبُ لأخْذِ الزادِ لذلك اليوم المَهُولِ، وإليه أشار بقوله: ((فلْيُبادِرِ العملَ [الصالحَ] الذي يُصدِّق رجاءَه، ويُحقِّق أَملَه ويَكتَسِبُ به القُربةَ عند الله والزُّلْفى))، وسبيلُ هذه الطريقةِ سبيلُ الكِنايةِ؛ لأنّه إذا حَصَل العلمُ بأنَّ لقاءَ الله مُستَلْزِمٌ للأجل المَضْرُوبِ، كان ذِكْرُ الأَجَلِ شاهدًا على حُصول اللِّقاءِ بوَجْهٍ بُرْهانٍّي، ولذلك علَّل قولَه: ((إنَّ لقاءَ الله لآتٍ)) بقوله: ((لأنَّ الأَجَلَ واقعٌ قيه))، وإلى هذا المعنى نَلْمَحُ ما روينا عن البخاريِّ ومسلم عن عبادةَ بن الصّامِتِ قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((مَن أَحَبَّ لقاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لقاءَهُ، ومَنْ كَرِهَ لقاءَ الله كَرِهَ اللهُ لقاءَهُ، والموتُ قبل لقاءِ الله)) الحديثَ.
فعلى هذا: الموتُ أحدُ الأسبابِ المُوصِلَة إلى النَّعيم الأَبَدِيِّ، والكَمالِ السَّرْمَدِيِّ، ثمَّ قولُه: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ تَذْيِيلٌ لتحقيق حُصولِ المَرْجُوِّ والمَخُوف وَعْدًا ووَعِيدًا، وإليه أشار بقوله: ((الذي لا يخفي عليه شيءٌ ممّا يقولُه عبادُه ومِمّا يَفعلُونَه، فهو حَقيقٌ بالتَّقوى والخَشيةِ))، وتَرَكَ ذِكْرَ الوَعْدِ؛ وهو أن يُقالَ: فهو جَديرٌ بأنْ يؤمَّل ويُناطَ بكَرَمِه
стр. 6333
قلت: إذا علم أن لقاء الله عنيت به تلك الحال الممثلة، والوقت الذي تقع فيه تلك الحال هو الأجل المضروب للموت، فكأنه قال: من كان يرجو لقاء الله؛ فإن لقاء الله لآت، لأن الأجل واقع فيه اللقاء، كما تقول: من كان يرجو لقاء الملك؛ فإن يوم الجمعة قريب، إذا علم أنه يقعد للناس يوم الجمعة.
(وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ)] ٦ [
(وَمَنْ جاهَدَ) نفسه في منعها ما تأمر به وحملها على ما تأباه (فَإِنَّما يُجاهِدُ) لها، لأن منفعة ذلك راجعة إليها، وإنما أمر الله ونهى، رحمةً لعباده وهو الغنى عنهم وعن طاعتهم.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ)] ٧ [
إما أن يريد قومًا مسلمين صالحين قد أساءوا في بعض أعمالهم، وسيئاتهم مغمورة بحسناتهم فهو يكفرها عنهم، أى: يسقط عقابها بثواب الحسنات، ويجزيهم أحسن الذي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرجاءُ؛ إيجازًا واختصارًا.
وأما ((إذا)) في قوله: ((إذا عَلِمَ أنَّ لقاءَ اللهِ عُنيتْ به))، فهي كـ ((إذا)) في قوله: ((إذا عُلِمَ أنَّه يَقْعُدُ))، فكما أنَّ جزاءَ المِثالِ ما دلَّ عليه بقوله: ((مَن كان يَرجو لقاءَ المَلِكِ)) كذلك يقدَّر له الجزاءُ. والفاءُ في ((كأنَّه)) جوابُ شرطٍ محذوفٍ؛ أي: إذا كان كذلك فكأنَّه قال.
قوله: (صالحين قد أَساؤوا في بعض أعمالِهم، وسيِّئاتُهم مَغْمُورةٌ بحَسناتِهم)، الانتصاف: هذا من تحجُّرِ رحمةِ الله الواسعةِ بناءً على مذهبِه في وَعِيد أصحابِ الكَبائِر، وقد سَبَق إبطالُه.
وقلت: قد مَرَّ أنَّ الآياتِ واردةٌ في حقِّ المؤمنينَ تَعْييرًا على اجتِراحِ السَّيِّئاتِ، وتَحريضًا على اكتساب الحَسَناتِ، وأعلَمَهمُ اللهُ أنّ نَفْعَ ذلك كلُّه عائدٌ إليهم، بقوله: ﴿وَمَن جَاهَدَ
стр. 6334
كانوا يعملون، أى: أحسن جزاء أعمالهم؛ وإما قومًا مشركين آمنوا وعملوا الصالحات، فالله يكفر سيئاتهم؛ بأن يسقط عقاب ما تقدم لهم من الكفر والمعاصي ويجزيهم أحسن جزاء أعمالهم في الإسلام.
(وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)] ٨ [
(وصى) حكمه حكم (أمر) في معناه وتصرفه. يقال: وصيت زيدًا بأن يفعل خيرًا، كما تقول: أمرته بأن يفعل. ومنه بيت "الإصلاح":
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾، وأكَّدَه بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، ثمَّ أتى بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية، تَذْييلاً لذلك على سبيل التَّفضُّل، فلا بدَّ من إثبات أمرٍ يَعظُم شأنُه، فيُحمل قولُه: ﴿لَنُكَفِرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ على الكبائر، ولذلك أتى بالقَسَمِيَّة وأَوقعَه في مقابل ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، كأنَّه قيل: لَنُكَفِّرَنَّ عنهم أَسوأ الذي كانوا يعملون، ولَنَجزِيَنَّهم أحسَنَ الذي كانوا يعملون؛ وهذا المعنى لا يَستقيمُ في حقِّ المشركينَ؛ لأنَّ التَّكفيرَ يَحصُل بمُجرَّد الإيمانِ، ولا مَدخَلَ فيه.
وقال مُحيي السُّنةِ: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ لَنُبْطِلَنَّها حتّى تَصيرَ بمنزلة ما لم يُعمل، فالتَّكفيرُ إذهابُ السَّيئةِ بالحَسَنة. وقد مرَّ في ((الفرقان)) نحوٌ من هذا التَّقدير وأيَّدْناه بالحديث الصَّحيح.
قال الإمامُ: ذَكَر الله تعالى ممّا يَختَصُّ بالعَبد شيئَينِ: الإيمانَ والعملَ الصَّالح، وذَكَر في مُقابَلَتِهما ممّا يَختصُّ بالله شيئَينِ: التَّكفيرَ والجزاءَ، فتكفيرُ السَّيِّئاتٍ في مُقابَلَة الإيمانِ، والجزاءُ بالأحسنِ في مُقابَلَة العملِ الصالحِ، وهذا يَقتضي أنَّ المؤمنَ لا يُخلَّد في العذاب.
قوله: (بيتُ ((الإصلاح))) وهو كتاب ((إصلاح المَنْطِق)) لابن السِّكِّيتِ. ((كَذَبَ))؛ أي:
стр. 6335
وذبيانيّة وصّت بنيها … بأن كذب القراطف والقروف
كما لو قال: أمرتهم بأن ينتهبوها. ومنه قوله تعالى: (وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ)] البقرة: ١٣٢ [أى: وصاهم بكلمة التوحيد وأمرهم بها، وقولك: وصيت زيدًا بعمرو، معناه: وصيته بتعهد عمرٍو ومراعاته ونحو ذلك، وكذلك معنى قوله: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً): وصيناه بإيتاء والديه حسنا، أو بإيلاء والديه حسنا؛ أى: فعلا ذا حسن، أو ما هو في ذاته حسن لفرط حسنه، كقوله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً)] البقرة: ٨٣ [وقرئ: (حسنا)، و (إحسانا)، ويجوز أن تجعل (حُسْناً) من باب قولك: زيدًا، بإضمار (أضرب) إذا رأيته متهيئًا للضرب، فتنصبه بإضمار:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَجَبَ نَهْبُ هذه الأشياء.
الجوهريُّ: قال ابن السِّكِّيت: كَذَبَ [هاهنا] إغراءٌ؛ أي: عليكم به. وهي كلمة نادرةٌ جاءت على غير القياسِ، والقَراطِفُ جمعُ القَرْطَفِ: وهي القَطِيفةُ. والقَرْفُ- بالفتح: وِعاءٌ من جِلْد يُدْبَغُ بالقِرْفَةِ؛ أي: قُشُور الرُّمّانِ ويُجْعَل فيه الخَلْعُ، وهو لَحمٌ يُطبخ بتَوابِلَ فيُفْرَغُ فيه. والبيت لِمُعَقِّرِ بن حِمارٍ البارِقيِّ، يَصِفُ امرأةً ذُبْيانيَّةً أَمَرَت بَنِيها بأنْ يَنتَهِبُوها؛ أي: عليكم بها فاغتَنِموها.
قوله: (وقرئ: ﴿حُسْنًا﴾ و ((إحسانً)))، الأُولى: مشهورةٌ، والثانيةُ: شاذَّةٌ. قال الزَّجّاجُ: ﴿حُسْنًا﴾ معناه: ووصينا الإنسان أن يَفعلَ بوالِدَيْه ما يَحسُنُ، و ((إحسانًا)) معناه: ووَصَّينا الإنسانَ أن يُحسِنَ إلى والِدَيْهِ إحسانًا. والأُولى أعمُّ في البِرِّ. وقيل: يَعُمُّ الفعلَ والقولَ.
قوله: (أن تَجعلَ ﴿حُسْنًا﴾ من باب قولك: زيدًا، بإضمار: اضرِبْ) عطفٌ على قوله: ووَصَّيناهُ بإيتاء والِدَيهِ حُسنًا، وعلى الأوَّل المضافُ محذوفٌ وهو العاملُ في ﴿حُسْنًا﴾
стр. 6336
أولهما، أو: افعل بهما، لأن التوصية بهما دالة عليه، وما بعده مطابق له، كأنه قال: قلنا: أولهما معروفًا، ولا تُطِعْهُما في الشرك إذا حملاك عليه. وعلى هذا التفسير إن وقف على (بِوالِدَيْهِ) وابتدأ (حُسْناً) حسن الوقف، وعلى التفسير الأول لابد من إضمار القول، معناه: وقلنا إن جاهداك أيها الإنسان (ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) أى: لا علم لك بإلهيته. والمراد بنفي العلم؛ نفى المعلوم، كأنه قال: لتشرك بى شيئًا لا يصح أن يكون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على تقدير: فعلاً ذا حُسْنٍ، أو على المُبالغةِ، وعلى الثاني: العاملُ فعلٌ آخَرُ مضمَرٌ بقَرينة المَقامِ، وهو أَوْلِهِمَا منَ الإيتاء والإعطاءِ، والجملةُ مُستأنَفةٌ، كأنَّه لمّا قيلَ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ فقيل: ما تلك الوَصِيَّةُ؟ فأُجيب قلنا: أَوْلِهِمَا مَعروفًا ولا تُطِعْهُما، وإليه الإشارةُ بقوله: ((إن وقف على ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾ وابتدأ ﴿حَسْنًا﴾ حَسُنَ الوَقْفُ)).
قوله: (وما بعدَه مطابقٌ له) يعني: النَّهْيَ في قولِه: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ مطابقٌ للأمرِ؛ لأنَّهما من وادي الإنشائيّاتِ.
قوله: (وعلى التفسيرِ الأول لابدَّ من إضمارِ القول)، يعني عند قوله: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ﴾، لأنّ المعنى: أَمَرْنا الإنسانَ بإيلاء والِدَيْهِ ذا حُسْنٍ وقلنا: ﴿إِن جَاهَدَاكَ﴾؛ أي: وعلى الثاني: القولُ مقدَّرٌ. قيل: عاملُ ﴿حُسْنًا﴾: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ﴾ إلى آخره، عطفٌ على هذا العاملِ فلا يقدَّر القولُ عند قولِه: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ﴾ لاستغنائه بذلك عنه، ومِنْ ثَمَّ قُدِّر هاهنا: أَوْلِهِمَا معروفًا ولا تُطِعْهُما في الشِّرك إذا حَمَلاكَ عليه.
قوله: (والمراد بنَفْي العِلْمِ نَفْيُ المَعْلُوم)، يعني هو من الكِنَايةِ، نَفْيُ الشَّيءِ بالبُرْهان؛ لأنَّ هذا الأسلوبَ يُستعمل غالبًا في حقِّ الله تعالى؛ نحو: أَتُعَلِّمون اللهَ بما لا يَعلَمُ. وفيه إشارةٌ إلى أنَّ نَفْيَ الشِّرك منَ العلمِ الضَّروريِّ، وأنَّ الفِطْرةَ السَّليمةَ مَجْبولةٌ عليه على ما وَرَد: ((كلُّ مَوْلودٍ يُولدُ على الفِطْرةِ))، وذلك أنَّ المُخاطَبَ بقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ﴾ جنسُ الإنسانِ، واللهُ أعلم.
стр. 6337
إلهًا ولا يستقيم: وصاه بوالديه وأمره بالإحسان إليهما، ثم نبه بنهيه عن طاعتهما إذا أراداه على ما ذكر، على أن كل حق وإن عظم ساقط؛ إذا جاء حق الله، وأنه لا طاعة لمخلوٍق في معصية الخالق، ثم قال: إلىّ مرجع من آمن منكم ومن أشرك، فأجازيكم حق جزائكم. وفيه شيئان: أحدهما: أن الجزاء إلىّ، فلا تحدث نفسك بجفوة والديك وعقوقهما؛ لشركهما، ولا تحرمهما برك ومعروفك في الدنيا، كما أنى لا أمنعهما رزقي. والثاني: التحذير من متابعتهما على الشرك، والحث على الثبات والاستقامة في الدين بذكر المرجع والوعيد. روى: أن سعد بن أبى وقاص الزهري رضى الله عنه حين أسلم قالت أمّه، وهي حمنة بنت أبى سفيان بن أمية بن عبد شمس: يا سعد، بلغني أنك قد صبأت، فو الله لا يظلني سقف بيت من الفيح والريج؛ وإن الطعام والشراب علىّ حرام حتى تكفر بمحمد، وكان أحبّ ولدها إليها، فأبى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك، فجاء سعد إلى رسول الله ﷺ وشكا إليه، فنزلت هذه الآية، والتي في "لقمان"، والتي في "الأحقاف"، فأمره رسول الله ﷺ أن يداريها ويترضاها بالإحسان. وروى: نزلت في عياش بن أبى ربيعة المخزومي، وذلك: أنه هاجر مع عمر بن الخطاب رضى الله عنهما مترافقين حتى نزلا المدينة، فخرج أبو جهل بن هشام، والحارث بن هشام أخواه لأمه أسماء بنت مخرمة: امرأة من بنى تميم من بنى حنظلة، فنزلا بعياش وقالا له: إن من دين محمٍد صلة الأرحام وبر الوالدين، وقد تركت أمّك لا تطعم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (رُويَ أنَّ سعدَ بنَ أبي وقّاصٍ) الحديثَ؛ من رواية مسلمٍ والتِّرمذيِّ، عن سعدٍ قال: أُنزلت فيَّ أربعُ آياتٍ منَ القرآنِ، قال: حَلفَتْ أُمُّ سعدٍ لا تُكلِّمُه أبدًا حتّى يَكْفُرَ بدِينِه، ولا تأكلُ ولا تَشربُ، قالت: زَعَمتُ أنَّ اللهَ وَصّاكَ بوالِدَيْكَ، فأنا أُمُّكَ وأنا آمُرُكَ بهذا، فمَكَثَتْ ثلاثًا حتّى غُشِيَ عليها من الجَهْدِ، فقام ابنٌ يُقال له: عُمارة فسَقاها، فجَعَلت تَدْعو على سَعدٍ، فأَنزلَ اللهُ: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ, وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤]؛ يعني: التي في ((لقمان)).
стр. 6338
ولا تشرب ولا تأوي بيتًا حتى تراك، وهي أشدّ حبا لك منا فاخرج معنا، وفتلا منه في الذروة والغارب، فاستشار عمر رضى الله عنه فقال: هما يخدعانك، ولك علىّ أن أقسم مالى بيني وبينك، فما زالا به حتى أطاعهما وعصى عمر، فقال له عمر: أما إذ عصيتني فخذ ناقتي، فليس في الدنيا بعير يلحقها، فإن رابك منهما ريب فارجع، فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل: إن ناقتي قد كلت فاحملني معك. قال: نعم، فنزل ليوطئ لنفسه وله، فأخذاه وشدّاه وثاقًا، وجلده كل واحٍد منهما مائة جلدة، وذهبا به إلى أمه فقالت: لا تزال في عذاٍب حتى ترجع عن دين محمد، فنزلت.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ)] ٩ [
(فِي الصَّالِحِينَ) في جملتهم. والصلاح من أبلغ صفات المؤمنين، وهو متمنى أنبياء الله. قال الله تعالى حكايةً عن سليمان ﵇: (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفَتَلا منه في الذِّرْوَة والغارِبِ)، فَتَل منه في الذِّرْوَة والغارِبِ: مَثَلٌ يُضرَبُ لمَن يَتَحَيَّلُ في مَيْل صاحبِه إلى ما كان يمتَنعُ منه؛ أي: لم يَزلْ يَرْفُقْ به رِفْقًا يُشبه مَنْ يَفْتِلُ الشَّعْرَ في ذِرْوَة الجَمَلِ الصَّعْبِ وغارِبِه حتّى يَستأنِسَ.
قوله: (والصَّلاحُ مِن أَبلَغ صفاتِ المؤمنينَ) وذلك أنَّ الصَّلاحَ ضِدُّ الفسادِ، والفسادُ: خروجُ الشَّيءِ عن كُوْنه مُنتفَعًا به، ولا كمالَ للإنسان أكملَ من حُصولِه على ما خُلِقَ له منَ البقاءِ، ولا يَحصُل ذلك في الدُّنيا؛ غايتَها الفَناءُ، وأيُّ فساد وراءَهُ؟ ! فإذن ليس له ذلك إلا ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ﴾ [القمر: ٥٥]، ولهذا كان طَلبُ الصَّلاحِ مُتَمنّى أنبياءِ الله، اللَّهمَّ أدخِلْنا في زُمرتهم.
قال الإمام: الصَّالِح باقٍ والصّالحونَ باقونَ، وبقاءُهم ليس بأَنفُسِهم، بل بأعمالِهُم الباقيةِ والمَعْمولُ له- وهو وَجْهُ اللهِ-[باقٍ]، والعاملونَ باقون ببقاء أعمالِهم. هذا على خلافِ
стр. 6339
عِبادِكَ الصَّالِحِينَ)] النمل: ١٩ [، وقال في إبراهيم ﵇: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)] البقرة: ١٣٠، النحل: ١٢٢، العنكبوت: ٢٧ [أو في مدخل الصالحين وهي الجنة، وهذا نحو قوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ الله وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ) الآية] النساء: ٦٩ [.
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِالله فَإِذا أُوذِيَ فِي الله جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ الله وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ)] ١٠ - ١١ [
هم ناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا مسهم أذًى من الكفار وهو المراد بفتنة الناس، كان ذلك صارفا لهم عن الإيمان، كما أن عذاب الله صارٌف للمؤمنين عن الكفر. أو كما يجب أن يكون عذاب الله صارفًا، وإذا نصر الله المؤمنين وغنمهم اعترضوهم وقالوا: (إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ) أى: مشايعين لكم في دينكم، ثابتين عليه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأمورِ الدُّنيويةِ، فإنَّ في الدُّنيا بقاءَ الفعلِ بالفاعلِ، وفي الآخرة بقاءَ الفاعِلِ بالفعلِ. كأنَّه أَخذَ المعنى من قوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرُ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ [الكهف: ٤٦].
قوله: (كان ذلك صارِفًا لهم عنِ الإيمانِ، كما أنَّ عذابَ الله صارفٌ للمؤمنينَ). قال الإمامُ: قيل: جَزِعُوا من عذاب النّاسِ كما جَزِعُوا من عذابِ الله. وبالجُملة معناه: جَعَلُوا فِتنةَ النّاسِ معَ ضعفها وانقِطاعِها موضعَ عذابِ الله الأليمِ الدائم، حتّى تَردَّدُوا في الأمرِ، وقالوا: إنْ آمَنّا نَتعرَّضُ لتأذِّي الناسِ، وإنْ تَركْنا الإيمانَ نتعرَّضُ لِمَا تَوَعَّدَنا به محمَّدٌ ﷺ ، ولا يكونُ التَّردُّدُ إلاّ عند التَّساوي. فقد أَبعَدوا المَرْمى.
قوله: (أو كما يَجبُ أن يكونَ عذابُ الله صارفًا) أي: عن الكُفر من حيث هو هو وإن لم يَلتَفِتْ إليه الكافرُ ولم ينصرف.
стр. 6340
ثباتكم، ما قدر أحد أن يفتننا، فأعطونا نصيبنا من المغنم. ثم أخبر سبحانه أنه أعلم (بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ) من العالمين بما في صدورهم، ومن ذلك ما تكنّ صدور هؤلاء من النفاق، وهذا إطلاع منه للمؤمنين على ما أبطنوه، ثم وعد المؤمنين وأوعد المنافقين، وقرئ: (ليقولنّ) بفتح اللام.
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ)] ١٢ - ١٣ [
أمروهم باتباع سبيلهم؛ وهي طريقتهم التي كانوا عليها في دينهم، وأمروا أنفسهم بحمل خطاياهم، فعطف الأمر على الأمر، وأرادوا: ليجتمع هذان الأمران في الحصول أن تتبعوا سبيلنا وأن تحمل خطاياكم. والمعنى: تعليق الحمل بالاتباع، وهذا قول صناديد قريش: كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأرادوا: لِيجتمعَ هذان الأمران) يُريد أنَّهم عَطَفوا ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَكُمْ﴾، وهو أمرٌ لأنفُسِهم لِحَمْلِ خَطايا الأتباع على أمرِ المؤمنينَ باتباعِهم إرادةً للمُبالَغةِ، وأنَّ كِلَيْهما لا بدَّ منَ الحُصول والإدخالِ في الوُجود على طريقةِ قولهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَوَودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ١٥] في تَعْويل استعارة الرَّتْبِ إلى الذِّهن. ولو جيءَ بهما على ظاهرِهِما. وقيل: إن اتَّبعتمُونا حَملْنا خطاياكُم؛ على الشَّرطِ والجزاء كما قال، والمعنى: تعليقُ الحَمْل بالاتِّباع لم يكن منَ التحقيق في شيءٍ.
قال القاضي: وإنّما أَمَرُوا أنفُسَهم بالحَمْلِ عاطفين على أمرِهم بالاتِّباع مبالغةً في تعليق الحَمْلِ بالاتِّباع والوعدِ بتخفيف الأوزارِ عنهم إن كانت، تشجيعًا لهم عليه، وبهذا الاعتبار ردَّ عليهم كَذِبَهُم بقوله: ﴿وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَهُم﴾.
следующие страницы →