Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.
стр. 6336
أولهما، أو: افعل بهما، لأن التوصية بهما دالة عليه، وما بعده مطابق له، كأنه قال: قلنا: أولهما معروفًا، ولا تُطِعْهُما في الشرك إذا حملاك عليه. وعلى هذا التفسير إن وقف على (بِوالِدَيْهِ) وابتدأ (حُسْناً) حسن الوقف، وعلى التفسير الأول لابد من إضمار القول، معناه: وقلنا إن جاهداك أيها الإنسان (ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) أى: لا علم لك بإلهيته. والمراد بنفي العلم؛ نفى المعلوم، كأنه قال: لتشرك بى شيئًا لا يصح أن يكون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على تقدير: فعلاً ذا حُسْنٍ، أو على المُبالغةِ، وعلى الثاني: العاملُ فعلٌ آخَرُ مضمَرٌ بقَرينة المَقامِ، وهو أَوْلِهِمَا منَ الإيتاء والإعطاءِ، والجملةُ مُستأنَفةٌ، كأنَّه لمّا قيلَ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ فقيل: ما تلك الوَصِيَّةُ؟ فأُجيب قلنا: أَوْلِهِمَا مَعروفًا ولا تُطِعْهُما، وإليه الإشارةُ بقوله: ((إن وقف على ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾ وابتدأ ﴿حَسْنًا﴾ حَسُنَ الوَقْفُ)).
قوله: (وما بعدَه مطابقٌ له) يعني: النَّهْيَ في قولِه: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ مطابقٌ للأمرِ؛ لأنَّهما من وادي الإنشائيّاتِ.
قوله: (وعلى التفسيرِ الأول لابدَّ من إضمارِ القول)، يعني عند قوله: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ﴾، لأنّ المعنى: أَمَرْنا الإنسانَ بإيلاء والِدَيْهِ ذا حُسْنٍ وقلنا: ﴿إِن جَاهَدَاكَ﴾؛ أي: وعلى الثاني: القولُ مقدَّرٌ. قيل: عاملُ ﴿حُسْنًا﴾: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ﴾ إلى آخره، عطفٌ على هذا العاملِ فلا يقدَّر القولُ عند قولِه: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ﴾ لاستغنائه بذلك عنه، ومِنْ ثَمَّ قُدِّر هاهنا: أَوْلِهِمَا معروفًا ولا تُطِعْهُما في الشِّرك إذا حَمَلاكَ عليه.
قوله: (والمراد بنَفْي العِلْمِ نَفْيُ المَعْلُوم)، يعني هو من الكِنَايةِ، نَفْيُ الشَّيءِ بالبُرْهان؛ لأنَّ هذا الأسلوبَ يُستعمل غالبًا في حقِّ الله تعالى؛ نحو: أَتُعَلِّمون اللهَ بما لا يَعلَمُ. وفيه إشارةٌ إلى أنَّ نَفْيَ الشِّرك منَ العلمِ الضَّروريِّ، وأنَّ الفِطْرةَ السَّليمةَ مَجْبولةٌ عليه على ما وَرَد: ((كلُّ مَوْلودٍ يُولدُ على الفِطْرةِ))، وذلك أنَّ المُخاطَبَ بقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ﴾ جنسُ الإنسانِ، واللهُ أعلم.
стр. 6337
إلهًا ولا يستقيم: وصاه بوالديه وأمره بالإحسان إليهما، ثم نبه بنهيه عن طاعتهما إذا أراداه على ما ذكر، على أن كل حق وإن عظم ساقط؛ إذا جاء حق الله، وأنه لا طاعة لمخلوٍق في معصية الخالق، ثم قال: إلىّ مرجع من آمن منكم ومن أشرك، فأجازيكم حق جزائكم. وفيه شيئان: أحدهما: أن الجزاء إلىّ، فلا تحدث نفسك بجفوة والديك وعقوقهما؛ لشركهما، ولا تحرمهما برك ومعروفك في الدنيا، كما أنى لا أمنعهما رزقي. والثاني: التحذير من متابعتهما على الشرك، والحث على الثبات والاستقامة في الدين بذكر المرجع والوعيد. روى: أن سعد بن أبى وقاص الزهري رضى الله عنه حين أسلم قالت أمّه، وهي حمنة بنت أبى سفيان بن أمية بن عبد شمس: يا سعد، بلغني أنك قد صبأت، فو الله لا يظلني سقف بيت من الفيح والريج؛ وإن الطعام والشراب علىّ حرام حتى تكفر بمحمد، وكان أحبّ ولدها إليها، فأبى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك، فجاء سعد إلى رسول الله ﷺ وشكا إليه، فنزلت هذه الآية، والتي في "لقمان"، والتي في "الأحقاف"، فأمره رسول الله ﷺ أن يداريها ويترضاها بالإحسان. وروى: نزلت في عياش بن أبى ربيعة المخزومي، وذلك: أنه هاجر مع عمر بن الخطاب رضى الله عنهما مترافقين حتى نزلا المدينة، فخرج أبو جهل بن هشام، والحارث بن هشام أخواه لأمه أسماء بنت مخرمة: امرأة من بنى تميم من بنى حنظلة، فنزلا بعياش وقالا له: إن من دين محمٍد صلة الأرحام وبر الوالدين، وقد تركت أمّك لا تطعم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (رُويَ أنَّ سعدَ بنَ أبي وقّاصٍ) الحديثَ؛ من رواية مسلمٍ والتِّرمذيِّ، عن سعدٍ قال: أُنزلت فيَّ أربعُ آياتٍ منَ القرآنِ، قال: حَلفَتْ أُمُّ سعدٍ لا تُكلِّمُه أبدًا حتّى يَكْفُرَ بدِينِه، ولا تأكلُ ولا تَشربُ، قالت: زَعَمتُ أنَّ اللهَ وَصّاكَ بوالِدَيْكَ، فأنا أُمُّكَ وأنا آمُرُكَ بهذا، فمَكَثَتْ ثلاثًا حتّى غُشِيَ عليها من الجَهْدِ، فقام ابنٌ يُقال له: عُمارة فسَقاها، فجَعَلت تَدْعو على سَعدٍ، فأَنزلَ اللهُ: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ, وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤]؛ يعني: التي في ((لقمان)).
стр. 6338
ولا تشرب ولا تأوي بيتًا حتى تراك، وهي أشدّ حبا لك منا فاخرج معنا، وفتلا منه في الذروة والغارب، فاستشار عمر رضى الله عنه فقال: هما يخدعانك، ولك علىّ أن أقسم مالى بيني وبينك، فما زالا به حتى أطاعهما وعصى عمر، فقال له عمر: أما إذ عصيتني فخذ ناقتي، فليس في الدنيا بعير يلحقها، فإن رابك منهما ريب فارجع، فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل: إن ناقتي قد كلت فاحملني معك. قال: نعم، فنزل ليوطئ لنفسه وله، فأخذاه وشدّاه وثاقًا، وجلده كل واحٍد منهما مائة جلدة، وذهبا به إلى أمه فقالت: لا تزال في عذاٍب حتى ترجع عن دين محمد، فنزلت.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ)] ٩ [
(فِي الصَّالِحِينَ) في جملتهم. والصلاح من أبلغ صفات المؤمنين، وهو متمنى أنبياء الله. قال الله تعالى حكايةً عن سليمان ﵇: (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفَتَلا منه في الذِّرْوَة والغارِبِ)، فَتَل منه في الذِّرْوَة والغارِبِ: مَثَلٌ يُضرَبُ لمَن يَتَحَيَّلُ في مَيْل صاحبِه إلى ما كان يمتَنعُ منه؛ أي: لم يَزلْ يَرْفُقْ به رِفْقًا يُشبه مَنْ يَفْتِلُ الشَّعْرَ في ذِرْوَة الجَمَلِ الصَّعْبِ وغارِبِه حتّى يَستأنِسَ.
قوله: (والصَّلاحُ مِن أَبلَغ صفاتِ المؤمنينَ) وذلك أنَّ الصَّلاحَ ضِدُّ الفسادِ، والفسادُ: خروجُ الشَّيءِ عن كُوْنه مُنتفَعًا به، ولا كمالَ للإنسان أكملَ من حُصولِه على ما خُلِقَ له منَ البقاءِ، ولا يَحصُل ذلك في الدُّنيا؛ غايتَها الفَناءُ، وأيُّ فساد وراءَهُ؟ ! فإذن ليس له ذلك إلا ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ﴾ [القمر: ٥٥]، ولهذا كان طَلبُ الصَّلاحِ مُتَمنّى أنبياءِ الله، اللَّهمَّ أدخِلْنا في زُمرتهم.
قال الإمام: الصَّالِح باقٍ والصّالحونَ باقونَ، وبقاءُهم ليس بأَنفُسِهم، بل بأعمالِهُم الباقيةِ والمَعْمولُ له- وهو وَجْهُ اللهِ-[باقٍ]، والعاملونَ باقون ببقاء أعمالِهم. هذا على خلافِ
стр. 6339
عِبادِكَ الصَّالِحِينَ)] النمل: ١٩ [، وقال في إبراهيم ﵇: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)] البقرة: ١٣٠، النحل: ١٢٢، العنكبوت: ٢٧ [أو في مدخل الصالحين وهي الجنة، وهذا نحو قوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ الله وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ) الآية] النساء: ٦٩ [.
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِالله فَإِذا أُوذِيَ فِي الله جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ الله وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ)] ١٠ - ١١ [
هم ناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا مسهم أذًى من الكفار وهو المراد بفتنة الناس، كان ذلك صارفا لهم عن الإيمان، كما أن عذاب الله صارٌف للمؤمنين عن الكفر. أو كما يجب أن يكون عذاب الله صارفًا، وإذا نصر الله المؤمنين وغنمهم اعترضوهم وقالوا: (إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ) أى: مشايعين لكم في دينكم، ثابتين عليه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأمورِ الدُّنيويةِ، فإنَّ في الدُّنيا بقاءَ الفعلِ بالفاعلِ، وفي الآخرة بقاءَ الفاعِلِ بالفعلِ. كأنَّه أَخذَ المعنى من قوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرُ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ [الكهف: ٤٦].
قوله: (كان ذلك صارِفًا لهم عنِ الإيمانِ، كما أنَّ عذابَ الله صارفٌ للمؤمنينَ). قال الإمامُ: قيل: جَزِعُوا من عذاب النّاسِ كما جَزِعُوا من عذابِ الله. وبالجُملة معناه: جَعَلُوا فِتنةَ النّاسِ معَ ضعفها وانقِطاعِها موضعَ عذابِ الله الأليمِ الدائم، حتّى تَردَّدُوا في الأمرِ، وقالوا: إنْ آمَنّا نَتعرَّضُ لتأذِّي الناسِ، وإنْ تَركْنا الإيمانَ نتعرَّضُ لِمَا تَوَعَّدَنا به محمَّدٌ ﷺ ، ولا يكونُ التَّردُّدُ إلاّ عند التَّساوي. فقد أَبعَدوا المَرْمى.
قوله: (أو كما يَجبُ أن يكونَ عذابُ الله صارفًا) أي: عن الكُفر من حيث هو هو وإن لم يَلتَفِتْ إليه الكافرُ ولم ينصرف.
стр. 6340
ثباتكم، ما قدر أحد أن يفتننا، فأعطونا نصيبنا من المغنم. ثم أخبر سبحانه أنه أعلم (بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ) من العالمين بما في صدورهم، ومن ذلك ما تكنّ صدور هؤلاء من النفاق، وهذا إطلاع منه للمؤمنين على ما أبطنوه، ثم وعد المؤمنين وأوعد المنافقين، وقرئ: (ليقولنّ) بفتح اللام.
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ)] ١٢ - ١٣ [
أمروهم باتباع سبيلهم؛ وهي طريقتهم التي كانوا عليها في دينهم، وأمروا أنفسهم بحمل خطاياهم، فعطف الأمر على الأمر، وأرادوا: ليجتمع هذان الأمران في الحصول أن تتبعوا سبيلنا وأن تحمل خطاياكم. والمعنى: تعليق الحمل بالاتباع، وهذا قول صناديد قريش: كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأرادوا: لِيجتمعَ هذان الأمران) يُريد أنَّهم عَطَفوا ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَكُمْ﴾، وهو أمرٌ لأنفُسِهم لِحَمْلِ خَطايا الأتباع على أمرِ المؤمنينَ باتباعِهم إرادةً للمُبالَغةِ، وأنَّ كِلَيْهما لا بدَّ منَ الحُصول والإدخالِ في الوُجود على طريقةِ قولهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَوَودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ١٥] في تَعْويل استعارة الرَّتْبِ إلى الذِّهن. ولو جيءَ بهما على ظاهرِهِما. وقيل: إن اتَّبعتمُونا حَملْنا خطاياكُم؛ على الشَّرطِ والجزاء كما قال، والمعنى: تعليقُ الحَمْل بالاتِّباع لم يكن منَ التحقيق في شيءٍ.
قال القاضي: وإنّما أَمَرُوا أنفُسَهم بالحَمْلِ عاطفين على أمرِهم بالاتِّباع مبالغةً في تعليق الحَمْلِ بالاتِّباع والوعدِ بتخفيف الأوزارِ عنهم إن كانت، تشجيعًا لهم عليه، وبهذا الاعتبار ردَّ عليهم كَذِبَهُم بقوله: ﴿وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَهُم﴾.
стр. 6341
فإن عسى كان ذلك فإنا نتحمل عنكم الإثم. ونرى في المتسمين بالإسلام من يستن بأولئك فيقول لصاحبه إذا أراد أن يشجعه على ارتكاب بعض العظائم: افعل هذا وإثمه في عنقي. وكم من مغروٍر بمثل هذا الضمان من ضعفة العامّة وجهلتهم، ومنه ما يحكى أنّ أبا جعفر المنصور رفع إليه بعض أهل الحشو حوائجه، فلما قضاها قال: يا أمير المؤمنين، بقيت الحاجة العظمى. قال: وما هي؟ قال: شفاعتك يوم القيامة، فقال له عمرو بن عبيٍد ﵀: إياك وهؤلاء، فإنهم قطاع الطريق في المأمن. فإن قلت: كيف سماهم كاذبين، وإنما ضمنوا شيئًا علم الله أنهم لا يقدرون على الوفاء به، وضامن ما لا يعلم اقتداره على الوفاء به، لا يسمى كاذبا؛ لا حين ضمن، ولا حين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فإن عسى كان ذلك) قيل: التقدير: فإن كان ذلك فإنّا نَتَحمَّلُ، وذَكَر ((عسى)) قبل ذِكْر الشَّرِطِ إشارةً إلى أن ذلك مبنيٌّ على رجائكم لا عن تَحقيقٍ، واسمُ ((عسى)) ضميرٌ يعود إلى ما دلَّ عليه قولُه: ((كان ذلك)) فإنه مقدَّمٌ معنًى؛ لأنَّ حرفَ الشَّرطِ داخلةٌ عليه، وخبرُه محذوفٌ، كأنَّه قيل: عسى كَوْنُ ذلك أن نَتَحمَّل، وقد أجاز ذلك ابنُ الحاجبِ في ((شرح المفصَّل)) في باب التَّنازُعِ، وفيه نظرٌ، والظاهرُ أنَّ ((عسى)) مُقْحَمٌ مؤكِّد بمعنى الفَرْض، والتقدير: ولذا رُتِّب على قولِه: ((لا نُبعث نحن ولا أنتُم)).
قوله: (فقال له عَمْرو بنُ عُبيد: إيّاكَ وهؤلاءِ، فإنَّهم قُطّاعُ الطَّريق في المَامَنِ)، الإنتصاف: عَمْرُو بنُ عبيد أوَّلُ القَدَريَّةِ المُنكِرينَ للشَّفاعةِ، والزَّمخشريُّ بَني كلامَه على أنه لا فَرق بين اعتقادِ أنَّ الكُفّارَ يَحملون خَطايا أتباعِهِم، فساقَهُما سِياقًا واحدًا، وفي الآيةِ نُكتةٌ وهي أنَّ الأمرَ قد يجيءُ بمعنى الخَبَرِ، فإنَّ بعضَ النّاسِ أنكَرَه والتَزم تَخريجَ جميعِ ما وَرَد في القرآن على الأمرِ، ولا يَتِمُّ له ذلك هاهُنا؛ لأنَّ التَّكذيبَ إنَّما يتطرَّق إلى الخَبَرِ.
وقلت: قد مَرَّ أنَّ أَصلَ الكلامِ على التَّعليقِ، فإنَّ المرادَ: إنِ اتَّبعتُمونا نَتَحمَّلُ خَطاياكُم. والعُدولُ للمُبالغةِ.
стр. 6342
عجز؛ لأنه في الحالين لا يدخل تحت حدّ الكاذب، وهو المخبر عن الشيء لا على ما هو عليه؟ قلت: شبه الله حالهم -حيث علم أن ما ضمنوه لا طريق لهم إلى أن يفوا به، فكان ضمانهم عنده لا على ما عليه المضمون- بالكاذبين الذين خبرهم لا على ما عليه المخبر عنه. ويجوز أن يريد أنهم كاذبون، لأنهم قالوا ذلك وقلوبهم على خلافه، كالكاذبين الذين يعدون الشيء وفي قلوبهم نية الخلف.
(وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ) أى: أثقال أنفسهم. (َأَثْقالًا) يعنى: أثّقالًا أخر غير الخطايا التي ضمنوا للمؤمنين حملها، وهي: أثقال الذين كانوا سببًا في ضلالهم. (وَلَيُسْئَلُنَّ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فإنَّهم قُطَّاع الطَّريقِ في المامَنِ)، ((في المامَنِ)) تتميمٌ؛ لأنَّ قُطّاعَ الطَّريقِ إنّما يكونون في البَراريِّ والمَخاوَفِ.
قوله: (ويَجوز أن يُريد أنَّهم كاذبون، لأنَّهم قالوا ذلك وقلوبُهم على خِلَافِه) عطفٌ على قولِه: ((شَبَّه الله حالهم))، الجوابان مَبيّان على الاختلاف في أنَّ الكَذِبَ هل هو الإخبارُ عنِ الشَّيءِ خلافَ ما هو به في الواقع؟ أَمْ على خلافِ مُعتَقَد القائِلِ؟ والجوابُ الأوَّلُ مبنيٌّ على المذهب الأوَّلِ، لكن على التَّشبيه، واستعارةُ الكَذِب لضمانِهم عندَ الله لا على ما عليه المَضْمونُ.
قال صاحب ((الفرائد)): قولُه: ((شَبَّه الله تعالى)) منظورٌ فيه؛ لأنَّ الواقعَ أنَّهم غيرُ حاملينَ من خطاياهم شيئًا؛ لقوله تعالى و: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازْرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، فكانوا مُخبِرينَ عن شيءٍ لا على ما عليه، فظَهَر أنَّه تَركَ الحقيقةَ إلى المجاز بدون المانِعِ.
قوله: (أثقالاً أُخَرَ غيرَ الخَطايا التي ضَمْنُوا للمؤمنين) وإنَّما قَيَّده به لِما عَلِمَ من قولهِ تعالى: ﴿وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِن شَيْءٍ﴾ نَفَى حَمْلَ خَطايا المؤمنينَ على سبيل الاستغراقِ.
стр. 6343
سؤال تقريع (عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ) أى: يختلقون من الأكاذيب والأباطيل. وقرئ: (من خطيآتهم).
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ)] ١٤ - ١٥ [
كان عمر نوح ﵇ ألفًا وخمسين سنة، بعث على رأس أربعين، ولبث في قومه تسعمئة وخمسين، وعاش بعد الطوفان ستين. وعن وهب: أنه عاش ألفًا وأربعمئة سنة. فإن قلت: هلا قيل: تسع مئةٍ وخمسين سنة؟ قلت: ما أورده الله أحكم؛ لأنه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قلتَ: ما فائدةُ ﴿أَثْقَالَهُمْ﴾؟ إذْ لو قيلَ: ولَيَحْمِلُنَّ أثقالاً معَ أثقالِهم لأفادَ.
قلت: أُريد بيانُ استقلالِ أثقال أنفُسِهم، وأنها بَهظَتْهُم واستَفرغَت جُهدَهُم، ومع ذلك جُعلت أثقالُ الذين يُضِلُّونَهم كالعَلاوَةِ عليها. نحوهُ قولهُ تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقْيَامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم﴾ [النحل: ٢٥]. ومعنى التَّنكيرِ في ﴿وَأَثْقَالاً﴾ كمعنى ((مِن)) في ﴿وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم﴾ [النحل: ٢٥]. قال: وبعضُ أوزارِ مَنْ ضَلَّ بضَلالِهم، وهو وِزْرُ الإضلالِ.
قوله: (كان عُمُر نوحٍ ﵇ إلى آخره، وفي ((جامع الأصول)): كانت مدَّةُ نُبوَّتِه تسع مئةٍ وخمسين سنةً، وعاش بَعد الغَرَقِ خمسينَ سنةً، وقيل: مئتي سنةٍ، وكانت مدَّةُ الطُّوفانِ ستةَ أشهرٍ آخرُها يومُ عاشُوراءَ.
قوله: (ما أَورَدَه اللهُ أَحكمُ)؛ لأنَّه لو قيلَ كما قلتَ لجاز أن يُتَوهَّمَ إطلاقُ هذا العَدَدِ على أكثَرِه.
وقال الزَّجّاجُ: الاستثناءُ مستعملٌ في كلامِهم، وتأويلُه توكيدُ العَدَدِ وكمالِه؛ لأنَّك قد تَذكُر الجُملةَ ويكونُ الحاصلُ أكثَرَها، فإذا أردتَ التَّوكيدَ في تمامِها قلتَ كلَّها، وإذا أردتَ
стр. 6344
لو قيل كما قلت، لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره، وهذا التوهم زائل مع مجيئه كذلك، وكأنه قيل: تسعمئة وخمسين سنةً كاملةً وافية العدد، إلا أنّ ذلك أخصر وأعذب لفظًا وأملأ بالفائدة، وفيه نكتة أخرى: وهي أنّ القصة مسوقة لذكر ما ابتلى به نوح ﵇ من أمّته وما كابده من طول المصابرة، تسلية لرسول الله ﷺ وتثبيتًا له، فكان ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكثر منه، أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدّة صبره. فإن قلت: فلم جاء المميز أوّلًا بالسنة وثانيًا بالعام؟ قلت: لأنّ تكرير اللفظ الواحد في الكلام الواحد حقيق بالاجتناب في البلاغة، إلا إذا وقع ذلك لأجل غرض ينتحيه المتكلم؛ من تفخيم، أو تهويل، أو تنويه، أو نحو ذلك. و (الطُّوفانُ) ما أطاف وأحاط بكثرةٍ وغلبة، من سيٍل أو ظلام ليٍل أو نحوهما. قال العجاج:
وغمّ طوفان الظّلام الأثأبا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التوكيدَ في نُقصانها أَدخلْتَ الاستثناءَ تقول: جاءَني إخوتُكَ، يعني أن جميعَهم جاؤوكَ، وجائزٌ أن تعني أنَّ أَكثَرَهم جاءكَ، فإذا قلتَ: كلُّهم أكَّدتَ معنى الجماعةِ، وأَعلمتَ أنَّه لم يتخلَّفْ منهم أحدٌ، وإذا قلتَ: إلاّ زيدًا أكَّدتَ أنَّ الجماعةَ تَنقُصُ زيدًا، وكذلك رؤوسُ الأعدادِ مُشبَّهةً بالجماعة تَحتَمِلُ النُّقصانَ والتَّمامَ.
وعن بعضِهم: الصَّحيحُ أنَّ العددَ لا يَقبلُ الزِّيادةَ والنُّقصانَ، والمعدودُ يَقبَلُهما. قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فإنَّه سَمّى بعضَ الشَّهرِ شهرًا خلافًا لمالكٍ، فإنَّ المعنى المُعَوَّلَ عليه أنَّ ما نَصَّ اللهُ مشتملٌ على الإيجابِ والنَّفْي، وما أورَدَه السائلُ إيجابٌ مَحْضٌ، والأوَّل أوكدُ.
قوله: (وغَمَّ طُوفانُ الظَّلامِ الأَثْأَبا) أوله:
стр. 6345
(وأَصْحابَ السَّفِينَةِ) كانوا ثمانيةً وسبعين نفسًا: نصفهم ذكور، ونصفهم إناث، منهم أولاد نوح ﵇: سام، وحام، ويافث، ونساؤهم. وعن محمد بن إسحاق: كانوا عشرة: خمسة رجاٍل وخمس نسوة. وقد روى عن النبىّ ﷺ : «كانوا ثمانية: نوح وأهله وبنوه الثلاثة». والضمير في: (وَجَعَلْناها) للسفينة أو للحادثة والقصة.
(وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا الله وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ الله الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) [١٦ - ١٨]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنَّ النَّهارَ المُسْتَبينَ قد مَضَى
ويُروى أوَّلُه:
حتّى إذا ما يَوْمُها تَصَبْصَبا
بعده:
وأطاء مِنْ دَعْسِ الحَميرِ نَيْسَبَا
يومها يومُ العانَةِ. وهي القَطيعُ منَ الحُمُرِ الوَحْشِ، وتَصَبْصَبَ الشيَّءُ: انمَحَقَ وذَهَب، وأطاء هذا الحمار طريقًا لينًا تَدْعسُه الحميرُ وتَطَؤُه. والنَّيْسَبُ: الطَّريقُ اللَّيِّنُ. عَمَّ؛ أي: غَطّى. الأَثْابُ: شَجَرٌ الواحدةُ: الأَثابة.
الراغب: الطُّوفان: كلُّ حادثةٍ تُحيط بالإنسان، وصار متعارفًا في الماء المُتَناهي في الكَثرة؛ لأنَّ الحادثةَ التي نالَتْ قومَ نوحٍ ﵇ كانت ماءً.
стр. 6346
نصب (إِبْراهِيمَ) بإضمار (اذكر)، وأبدل عنه (إِذْ) بدل الاشتمال؛ لأنّ الأحيان تشتمل على ما فيها. أو هو معطوف على (نُوحاً) وإذ: ظرف لـ (أرسلنا)، يعنى: أرسلناه حين بلغ من السنّ والعلم مبلغًا صلح فيه لأن يعظ قومه وينصحهم، ويعرض عليهم الحق ويأمرهم بالعبادة والتقوى. وقرأ إبراهيم النخعي وأبو حنيفة رحمهما الله: (وإبراهيم)، بالرفع على معنى: ومن المرسلين إبراهيم (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) يعنى: إن كان فيكم علم بما هو خير لكم مما هو شر لكم. أو إن نظرتم بعين الدراية المبصرة دون عين الجهل العمياء؛ علمتم أنه خير لكم. وقرئ: (تخلقون) من: (خلق) بمعنى التكثير في (خلق)، و (تخلقون) من: (تخلق) بمعنى: تكذب وتخرص. وقرئ: (أفكا)، وفيه وجهان:
أن يكون مصدرًا، نحو: كذب ولعب. والإفك: مخفف منه، كالكذب واللعب من أصلهما، وأن يكون صفةً على (فعل)، أى: خلقًا إفكًا، ذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو إنْ نَظرتُم بعَينِ الدِّرايةِ المُبصِرَةِ) وعلى هذا ﴿تَعْلَمُونَ﴾ يجري مجرى اللاّزِم؛ نحو: فلانٌ يُعطي ويَمنعُ، وعلى الأوَّل المتعلِّق محذوفٌ بقرائنِ الأحوالِ، ولهذا قال: ((علمتُم أنه خير لكم))، وقوله: ((علمتم أنه خير لكم)) جزاءٌ على التَّقديرَينِ يدلُّ عليه ما قبلَ الشَّرطِ.
قوله: (وقرئ: ((تُخَلِّقُون))) قال ابن جِنِّي: قرأها السُّلَميُّ وزيد بن عليّ. وقرأ فُضَيل ابنُ مروانَ: ((تَخْلِقُون أَفِكَاً)) بفتح الهمزةِ وكسرِ الفاء، وأمّا ((تَخْلِقُونَ)) فعَلَى وَزْنِ: تَكْذِبُون، ومعناه.
وأمّا ((أَفِكًا))، فإمّا أن يكونَ مصدرٌ كالكَذِبِ والضَّحِكِ، وإمّا أن يكون صفةَ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: تَكْذبون كَذِبًا أَفِكًا، فحُذف وأُقيمتِ الصِّفةُ مقامَه؛ نحو: قمتُ مِثلَ ما قامَ زيدٌ؛ أي: قيامًا مثل قِيامِ زيدٍ. و ((أَفِكَ)) على هذا صفةٌ كبَطِرَ وأَشَرِ، ويجوز أن يكون بمعنى ((آفِك)) اسمُ فاعلٍ.
стр. 6347
إفك وباطل. واختلاقهم الإفك: تسميتهم الأوثان آلهةً وشركاء لله أو شفعاء إليه. أو سمى الأصنام إفكًا، وعملهم لها ونحتهم: خلقًا للإفك. فإن قلت: لم نكر الرزق ثم عرفه؟ قلت: لأنه أراد: لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئًا من الرزق، فابتغوا عند الله الرزق كله. فإنه هو الرزاق وحده؛ لا يرزق غيره. (إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) وقرئ: بفتح التاء، فاستعدوا للقائه بعبادته والشكر له على أنعمه، وإن تكذبونني فلا تضروننى بتكذيبكم، فإنّ الرسل قبلي قد كذبتهم أممهم، وما ضرّوهم؛ وإنما ضروا أنفسهم، حيث حلّ بهم ما حل بسبب تكذيب الرسل: وأما الرسول فقد تم أمره حين بلغ البلاغ المبين الذي زال معه الشكّ، وهو اقترانه بآيات الله ومعجزاته. أو: وإن كنت مكذبًا فيما بينكم؛ فلي في سائر الأنبياء أسوة وسلوة حيث كذبوا، وعلى الرسول أن يبلغ، وما عليه أن يصدق ولا يكذب، وهذه الآية والآيات التي بعدها إلى قوله: (فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ) محتملة أن تكون من جملة قول إبراهيم صلوات الله عليه لقومه، وأن تكون آيات وقعت معترضةً في شأن رسول الله ﷺ وشأن قريش؛ بين أوّل قصة إبراهيم وآخرها. فإن قلت: إذا كانت من قول إبراهيم؛ فما المراد بالأمم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا يستطيعون أن يَرزُقوكم شيئًا منَ الرِّزقِ، فابتَغُوا عند الله الرِّزقَ كلَّه) يعني: إنَّما نكّر أوَّلاً للتعليل مبالغةً في النَّفي وعَرِّفَ للاستغراقِ ليشملَ كلَّ ما يُسمّى رزقًا، وهذا من المواضع التي وَرَدت فيه المعرفةُ بعدَ النَّكرةِ، ولم يُرِد بالثاني الأَوَّلَ ذهابًا إلى معنى التَّقابُلِ وفَرْقًا بين الرِّزقَينِ.
قوله: (وإن تُكذِّبوني فلا تَضُرُّونَني بتَكذيبكُم، فإنَّ الرُّسلَ قَبْلي) إشارةٌ إلى أن الجزاءَ مقدَّرٌ، والمذكورُ علَّة، ويجوز أن يكونَ المذكورُ جزاءً متضمِّنًا للإخبار والإعلامِ، يعني: تكذيبُكم إيّايَ سببٌ لأنْ أُخبرَكُم بأنْ كَذَّبت أُممٌ قبلكم، وأنَّ لي أُسوةً بالأنبياء من قَبْلي؛ نحو قولِهم: إنْ تُكْرِمْني الآنَ فقد أكرمتُك أَمْسِ؛ مرادًا به: إنْ تَعْتَدَّ بإكرامك إيّايَ الآنَ فاعتدَّ بإكرامي إيّاكَ أمسِ.
стр. 6348
قبله؟ قلت: قوم شيٍث وإدريس ونوح وغيرهم، وكفى بقوم نوٍح أمّةً في معنى أمم جمةٍ مكذبة، ولقد عاش إدريس ألف سنةٍ في قومه إلى أن رفع إلى السماء. وآمن به ألف إنسان منهم على عدد سنيه، وأعقابهم على التكذيب.
(أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ الله الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ الله يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ الله مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ)] ١٩ - ٢٢ [
فإن قلت: فما تصنع بقوله: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ)؟ قلت: هي حكاية كلام الله حكاه إبراهيم ﵇ لقومه، كما يحكى رسولنا ﷺ كلام الله على هذا المنهاج في أكثر القرآن. فإن قلت: فإذا كانت خطابًا لقريش فما وجه توسطهما بين طرفى قصة إبراهيم؛ والجملة أو الجمل الاعتراضية لا بد لها من اتصاٍل بما وقعت معترضةً فيه؟ ألا تراك لا تقول: مكة وزيد أبوه قائم خير بلاد الله؟ قلت: إيراد قصة إبراهيم ليس إلا إرادة للتنفيس عن رسول الله ﷺ ، وأن تكون مسلاةً له ومتفرجًا بأنّ أباه إبراهيم خليل الله كان ممنوّا بنحو ما مني به من شرك قومه وعبادتهم الأوثان، فاعترض بقوله: وإن تكذبوا، على معنى إنكم يا معشر قريش: إن تكذبوا محمدًا فقد كذب إبراهيم قومه وكل أمةٍ نبيها؛ لأن قوله: (فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ) لا بد من تناوله لأمّة إبراهيم، وهو كما ترى؛ اعتراض واقع متصل، ثم سائر الآيات الواطئة عقبها من أذيالها وتوابعها، لكونها ناطقةً بالتوحيد ودلائله، وهدم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إيرادُ قصَّةِ إبراهيمَ ﵇ ليس إلاّ إرادةً للتَّنفيسِ عن رسول الله ﷺ ....
إلى آخره، هذه قاعدةٌ شريفةٌ يُبنى عليها أكثرُ النَّظْمِ، وجُلُّ القَصَصِ واردٌ على هذا النَّهْجِ كما سَرَدْنا الكلامَ عليه مِرارًا.
قوله: (كان مَمنُوًّا) أي: مُبْتلًى. الجوهري: مَنَوْتُه ومَنَيْتُه: إذا ابتَليتُه.
стр. 6349
الشرك وتوهين قواعده، وصفة قدرة الله وسلطانه، ووضوح حجته وبرهانه قرئ: (يَرَوْا) بالياء والتاء. و (يبدئ) و (يبدأ). وقوله: (ثُمَّ يُعِيدُهُ) ليس بمعطوف على (يبدئ)، وليست الرؤية واقعةً عليه، وإنما هو إخبار على حياله بالإعادة بعد الموت، كما وقع النظر في قوله تعالى: (كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ الله يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) على البدء دون الإنشاء، ونحوه قولك: ما زلت أوثر فلانًا وأستخلفه على من أخلفه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قرئ ﴿يَرَوْا﴾ بالتّاءِ والياءِ) أبو بكرٍ وحمزةُ والكسائيُّ: بالتّاءِ الفَوقانيّةِ، والباقون: بالياءِ.
قوله: (ليس بمَعْطُوفٍ على ﴿يُبْدِئُ﴾ وليست الرُّؤيةُ واقعةً عليه، وإنّما هو إخبارٌ على حِيالِه)، الجوهريُّ: بحِيالِه بإزائه، وأصلُه الواو؛ يعني لا يجوزُ العطفُ على ﴿يُبْدِئُ﴾؛ لأنَّ الرُّؤيةَ وَقعتْ على البَدْءِ لا على الإعادة.
قال صاحب ((المطلع)): وإن جعلتَ الرُّؤيةَ بمعنى العِلْمِ لِتَمكُّنِهم من تَحصيله بالبحث عن دلائله والاستدلالِ بها، فلا حاجةَ إلى هذا التَّكليفِ في التَّقصِّي عن عُهدة العَطفِ.
وقال صاحب ((الانتصاف)) أيضًا: ولقائلِ أن يقول: وإنْ لم تقعِ الرُّؤيةُ عليه إلاّ أنّها إخبار الله وهي كالماتيِّ به، فعُومِلَت معاملةَ المأتيِّ به.
وقال الإمام: الآيةُ الأُولى إشارةٌ إلى العِلْم الحَدْسِيِّ، وهو حاصلٌ فلمْ يَحتجْ إلى الاستفهام، فاستَفهمَ ليُفيدَ استبعادَ عَدَمِه، والثانيةُ إشارةٌ إلى العلم الفكريِّ، كأنَّه قيلَ: إن كنتم لستم من قَبيل الأوَّل فسَيِّروا فِكْرَكُم في الأرض، وأَجِيلُوا ذِهْنَكُم في الحوادث الخارجةِ عن أنفُسِكم لتعلموا بَدْءَ الخَلْقِ وإعادته، والرُّؤيةُ أقوى منَ النَّظَر؛ لأنَّ النَّظرَ يُفْضي إلى الرُّؤية، يُقال: نَظَرتُ فرأيتُ.
قوله: (ونحوُه قولك: ما زلتُ أُوثِرُ فلانًا وأستَخلِفُه)، وإنَّما لم يَحسُنْ عطفُ ((أستَخلفُه))
стр. 6350
فإن قلت: هو معطوف بحرف العطف، فلا بد له من معطوف عليه، فما هو؟ قلت: هو جملة قوله: (أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ الله الْخَلْقَ) وكذلك: وأستخلفه، معطوف على جملة قوله: ما زلت أوثر فلانًا، (ذلِكَ) يرجع إلى ما يرجع إليه "هو" في قوله: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)] الروم: ٢٧ [من معنى يعيد.
دل بقوله: (النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) على أنهما نشأتان، وأن كل واحدةٍ منهما إنشاء، أى: ابتداء واختراع، وإخراج من العدم إلى الوجود، لا تفاوت بينهما إلا أن الآخرة إنشاء بعد إنشاء مثله، والأول ليست كذلك. وقرئ: (النشأة) و (النشاءة) كالرأفة والرآفة. فإن قلت: ما معنى الإفصاح باسمه مع إيقاعه مبتدأ في قوله: (ثُمَّ الله يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) بعد إضماره في قوله: (كيف بدأ الخلق)؟ وكان القياس أن يقال: كيف بدأ الله الخلق ثم ينشئ النشأة الآخرة؟ قلت: الكلام معهم كان واقعًا في الإعادة، وفيها كانت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على ((أُوثر))؛ لأنَّ في تعلُّق ((ما زلت)) بـ ((أُوثِرُ)) دلالةً على استمرار إيثاره غيرَه من غير انقطاعٍ، وليس حُكم استخلافِه على مَنْ يَخلفُه بهذه المنزلة، فإنَّ ذلك لا يقع إلاّ نادرًا وأحيانًا.
قوله: (﴿ذَلِكَ﴾ يَرجعُ إلى ما يَرجعُ ((هو))) يعني: موقعُ ذلك في هذه الآية لفظًا وحُكمًا موقعُ ((هو)) في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ, وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] في أنَّ معناه: أنَّ الإعادةَ على الله أَيْسَرُ من الإبداء فيما يجب عندكم، وَينْقاسُ على أصولكم وتَقْتَضيه عُقولُكُم.
قوله: (دلَّ بقوله: ﴿النَّشْأةَ الأَخِرَةَ﴾) يعني لمّا عَطَف ﴿يُنشِئُ النَّشْأَةَ الأَخِرَةَ﴾ على قوله: ﴿بَدَأَ الخَلْقَ﴾ دلَّ على أنَّ الإبداءَ إنشاءٌ، والإنشاء إبداءٌ، لا تَفاوُتَ بينهما، وكلاهما إخراجٌ منَ العَدَم إلى الوجودِ.
قوله: (وقُرئ: ﴿النَّشْأَةَ﴾ بالمَدِّ: ابنُ كثيرٍ وأبو عمروٍ، والباقون: ﴿النَّشْأَةَ﴾
стр. 6351
تصطك الركب، فلما قرّرهم في الإبداء بأنه من الله، احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، فإذا كان الله الذي لا يعجزه شيء هو الذي لم يعجزه الإبداء، فهو الذي وجب أن لا تعجزه الإعادة، فكأنه قال: ثم ذاك الذي أنشأ النشأة الأولى؛ هو الذي ينشئ النشأة الآخرة، فللدلالة والتنبيه على هذا المعنى أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ. (يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) تعذيبه (وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ) رحمته، ومتعلق المشيئتين مفسر مبين في مواضع من القرآن، وهو من يستوجبهما من الكافر والفاسق إذا لم يتوبا، ومن المعصوم والتائب.
(تُقْلَبُونَ) تردون وترجعون. (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) ربكم أى: لا تفوتونه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تَصْطَكُّ الرُّكَبُ) وهي كنايةٌ عن موضع الخلافِ، ومَقامِ جُثُوِّ المُناظِرينَ للجِدالِ حتى تَصْطَكَّ رُكَبُهم.
قولهُ: (فلّما قَرَّرهُم) أي: جَعلَهم مُقرِّين مُعترفينَ.
قوله: (فكأنه قال: ثمَّ ذاكَ الذي أنشأَ النَّشأَة الأُولى هو الذي يُنشئُ النشأةَ الآخِرةَ)
يعني: إنّما أعادَ في عَجُزِ الآيتَينِ ما بدأَ في صَدرِهِما ليكونَ كلُّ من صَدْر الآيتَينِ وعَجُزِهِما مُسَجّلاً بالاسم المُتَجلِّي في هذا المقام، لِمَعْنى القادرية التامَّةِ والعالِمِيَّة الكاملةِ، والمعنى: فلمّا قرَّرهم في قوله: ﴿يُبْدِئُ اللهُ الخَلْقَ﴾ بأنَّه منَ الله القادرِ العالِمِ، ثم احتجَّ عليهم في قوله: ﴿ثُمَّ الله يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الأَخِرَةَ﴾ بأنه أيضًا منه ولا فَرْقَ بينهما.
قال الإمام: أشار في الآية الأُولى إلى الدَّليل النَّفْسيِّ، وفي الثانية إلى الآفاقيِّ، يعني قوله: ﴿سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾، وعندَه تَمَّ الدَّليلانِ، فأكَّده بإظهار اسمِ الذاتِ الذيَ يُفْهِمُ المسمّى بصفاتِ كَمالِه، ونُعُوتِ جَلالِه؛ ليقعَ في الذِّهن كمالُ قُدرتِه، وشُمولُ علمِه، ونُفوذُ إرادتِه. هذا تلخيص كلامه مُفَسَّرٌ مُبَيَّنٌ في مواضعَ، فَسره في ((النساء)) عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ٤٨] مُستوفٍي على مذهبه، وأَجبْنا عنه.
стр. 6352
إن هربتم من حكمه وقضائه (فِي الْأَرْضِ) الفسيحة (وَلا فِي السَّماءِ) التي هي أفسح منها وأبسط لو كنتم فيها، كقوله تعالى: (إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا)] الرحمن: ٣٣ [، وقيل: ولا من في السماء كما قال حسان رضى الله عنه:
أمن يهجو رسول الله منكم … ويمدحه وينصره سواء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: ولا مَنْ في السَّماء) أي: على حَذْف المَوْصُولِ، فالموْصُولُ المحذوفُ عطفٌ على ((أنتُم)).
قال الزَّجاجُ: أي: ليس يُعجِزُ الله خَلْقٌ في السَّماء ولا في الأرض.
المعنى: ما أنتم بمُعجِزينَ في الأرض، ولا أهلُ السَّماء. هذا من قول ابن عبّاسٍ والكَلْبيِّ.
قوله: (أَمَنْ يَهْجُو) البيتَ، في ((المطلعِ))؛ أي: ومَن يَمدحُه، وهذا كما يقال: أَكْرِمْ مَنْ أتاكَ، وأتى أباك؛ أي: وأكرِمْ من أتى أباكَ. وقيل: لو لم يقدِّر ((مَنْ)) لكان ((يَمدحُه)) عَطْفًا على ((يهجوه)) وكان داخلاً في حَيِّزِ الصِّلةِ، فكانَ الهاجي والمادحُ شخصًا واحدًا، وفَسَد المعنى ولا يَصحُّ قولُه: ((سَواءُ)).
وقيل: إنَّ أبا سفيانَ بن الحارثِ هجا رسولَ الله ﷺ فعارَضَه حسانُ بنُ ثابتٍ بقصيدةٍ هذا البيتُ منها، ولمّا انتهى إلى قوله:
هَجْوتَ محمّدًا فأَجبتُ عنه … وعندَ الله في ذاكَ الجَزاءُ
قال النبيُّ ﷺ : ((جزاكَ اللهُ الجنَّةَ))، فلمّا بلغَ منها قولَه:
فإنَّ أبي ووالِدَه وعِرْضي … لعِرْضِ محمَّدٍ منكم وِقاءُ
قال له النبيُّ ﷺ : ((وقاكَ اللهُ حَرَّ النّارِ))، ثم لمّا بلغ إلى قولِه:
стр. 6353
ويحتمل أن يراد: لا تعجزونه كيفما هبطتم في مهاوي الأرض وأعماقها، أو علوتم في البروج والقلاع الذاهبة في السماء، كقوله تعالى: (وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ)] النساء: ٧٨ [أو: لا تعجزون أمره الجاري في السماء والأرض أن يجرى عليكم، فيصيبكم ببلاٍء يظهر من الأرض أو ينزل من السماء.
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ الله وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)] ٢٣ [
(بِآياتِ الله) بدلائله على وحدانيته وكتبه ومعجزاته ولقائه والبعث (يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي) وعيد، أى: ييأسون يوم القيامة، كقوله: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أَتَهْجُوه ولستَ له بكُفْءٍ … فشَرُّكُما لِخَيرِكُما فِداءُ
قال مَنْ حَضَر: هذا أَنصَفُ بيتٍ قالتْهُ العربُ. وفيها:
هَجَوْتَ مطَهَّرًا بَرًّا حَنيفًا … أَمين الله شِيمَتُه الوَفاءُ
قوله: (في مَهاوي الأرضِ) المَهْوى: بُعْدُ ما بَيْنَ الشَّيئينِ المُنتَصِبَيْنِ، حتى يُقال لِبُعْدِ ما بَين المَنكِبَيْن: مَهْوًى. قال:
أَكَلتُ دمًا إنْ لم أَرُعْكِ بضَرَّةٍ … بَعِيدَةِ مَهْوى القُرْطِ طَيِّبةِ النَّشْرِ
قوله: (﴿يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي﴾ وَعِيدٌ)؛ أي: سَيُعاقَبُونَ يومَ القيامةِ، وحاصلُ الوُجوهِ: أنَّ الكافر لا يُوصَفُ باليأس؛ لأنه مسبوقٌ بالرّجاء والكافرُ لا رجاء له لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ [يونس: ٧]، ففيه وُجوهٌ:
أحدُها: أنَّه كِنايةٌ عن الوعيدِ؛ أي: يحصلُ لهمُ اليأسُ منَ الرَّحمة يومَ القيامةِ.
وثانيها: أن يكونَ وصفًا لهم كما يُوصف المؤمنُ بـ ((صَبّار شكور))، كأنه قيل: والذين كفروا بآيات الله أولئك همُ الكامِلُون في الكُفرِ، فوُضِعَ مَوْضِعَه: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي﴾
стр. 6354
[الروم: ١٢]. أو هو وصف لحالهم؛ لأنّ المؤمن إنما يكون راجيًا خاشيًا، فأما الكافر فلا يخطر بباله رجاء ولا خوف. أو شبه حالهم في انتفاء الرحمة عنهم بحال من يئس من الرحمة، وعن قتادة رضى الله عنه: إن الله ذمّ قومًا هانوا عليه فقال: (أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي) وقال: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأَخِيهِ ولا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ الله إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ)] يوسف: ٨٧ [فينبغي للمؤمن أن لا ييأس من روح الله ولا من رحمته، وأن لا يأمن عذابه وعقابه.
صفة المؤمن أن يكون راجيًا لله خائفًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وثالثها: أن يكونَ تَمثيلاً، مُثِّلت حالُ هؤلاءِ الذين كَفروا بآيات الله ولقائه بحالِ قومٍ قُدِّرَ وجودُهم آيِسِينَ من رحمة الله، كما قال في ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] مُثِّلت حالُ قلوبِهم بحال قلوبٍ مقدَّرٍ خَتْمُ الله عليها، أو يُقال: شُبِّه حالُهم بحال مَن مات على الكُفر؛ مبالغةً في انتِفاءِ الرَّحمةِ عنهم، لأنَّ مَنْ عاشَ يُرجى إيمانُه فلا يكون مِمَّن أَيِسَ من رحمة اللهِ؛ أَبَرزَهُم في صورة الآيسينَ من رحمة اللهِ، وقريبٌ منه ما مَرَّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠]، فإنَّ قولَه: ﴿يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي﴾ نحوَ قولِه: ﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠].
قال: كَنّى عنِ الموتِ على الكُفر بقولهِ: ﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠]، وفائدتُه: إبرازُ حالِهم في صورة الآيِسِينَ منَ الرَّحمة التي هي أغلظُ الأحوالِ وأَشدُّها.
قال الإمام: أضافَ الرَّحمةَ إلى نفسِه ، ونَسَب العذابَ إليهم؛ لِيُؤذِنَ بأنَّ رحمتَه سَبقَت غَضبَه.
وقلت: وفيه تنبيهٌ على أنَّهم حين لم يَلتفتوا إلى آيات الله، ولم يُؤمنوا بالآخرةِ، ولم يَعْملوا ما يَرْجُون به رحمةَ الله؛ حَرَّموا على أنفُسِهم ما وَسِعَت كلَّ شيءٍ، واستَحقُّوا العذابَ الأليمَ.
стр. 6355
[(فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ الله مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)] ٢٤ [
قرئ: (جَوابَ قَوْمِهِ) بالنصب والرفع، (قالُوا): قال بعضهم لبعض، أو قاله واحد منهم وكان الباقون راضين، فكانوا جميعًا في حكم القائلين. وروى أنه لم ينتفع في ذلك اليوم بالنار، نعنى: يوم ألقى إبراهيم في النار، وذلك لذهاب حرّها.
[(وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ الله أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَاواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ)] ٢٥ [
قرئ على النصب بغير إضافة وبإضافة، وعلى الرفع كذلك، فالنصب على وجهين: على التعليل، أى: لتتوادّوا بينكم وتتواصلوا، لاجتماعكم على عبادتها واتفاقكم عليها وائتلافكم، كما يتفق الناس على مذهب، فيكون ذلك سبب تحابهم وتصادقهم. وأن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قُرئ ﴿جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ بالنَّصْبِ) وهي مشهورةٌ، والرَّفعُ: شاذَّةٌ.
قوله: (على النَّصْب بغير إضافةٍ) يعني: ((مَوَدَّةً بَيْنَكم))؛ قرأها نافعٌ وابنُ عامرٍ وأبو بكرٍ، وبإضافةٍ: حفصٌ وحمزةُ، وبالرفعِ: ابنُ كثيرٍ وأبو عمروٍ والكسائيُّ.
قوله: (على التَّعليل) فعلى هذا ((ما)) في ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُم﴾ كافَّةٌ. قال مَكِّي في ((إعرابه)): ((ما)) يجوز أن تكون كافَّةً، ومفعول ﴿اتَّخَذْتُم﴾: ﴿أَوْثَانًا﴾، واقتصر على مفعولٍ واحدٍ كقوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ﴾ [الأعراف: ١٥٢] و ﴿مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ مفعول من أجله؛ أي: اتَّخذتُمُ الأوثانَ من دُونِ الله للمَودَّة فيما بَينِكُم، لا لأنَّ عند الأوثانِ نَفْعًا وضَرًّا.
стр. 6356
يكون مفعولا ثانيًا، كقوله: (اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ)] الفرقان: ٤٣ [، ] الجاثية: ٢٣ [أى: اتخذتم الأوثان سبب المودّة بينكم، على تقدير حذف المضاف. أو اتخذتموها مودّة بينكم، بمعنى: مودودة بينكم، كقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ الله أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله)] البقرة: ١٦٥ [وفي الرفع وجهان: أن يكون خبرًا لـ (إنّ) على أن (ما) موصولة. وأن يكون خبر مبتدأ محذوف. والمعنى: أنّ الأوثان مودّة بينكم، أى: مودودة، أو سبب مودّة. وعن عاصم: (مودّة بينكم) بفتح (بينكم) مع الإضافة، كما قرئ: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ)] الأنعام: ٩٤ [ففتح وهو فاعل. وقرأ ابن مسعود رضى الله عنه: (أوثانًا إنما مودّة بينكم في الحياة الدنيا)، أى: إنما تتوادّون عليها، أو تودّونها في الحياة الدنيا (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ) يقوم بينكم التلاعن والتباغض والتعادي؛ يتلاعن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن يكون خبرًا) قال مَكِّيٌّ: ((ما)) بمعنى ((الذي))، والعائدُ محذوف وهو المفعولُ الأوَّلُ، و ﴿أَوْثَانًا﴾ المفعولُ الثاني، و ((مَوَدَّةُ)) الخبرُ. وقيل: هي رفعٌ بإضمارِ: هي ((مودّة)).
وقال أبو البقاء: يجوز أن تكون ((ما)) مصدريةً، و ((مَوَدَّةُ)) الخبرَ، ولا حذفَ إلاّ في اسم ((إنَّ))؛ أي: [إنَّ] سببَ اتِّخاذِكُم مودةٌ.
قوله: (أو تَوَدُّونَها في الحياة الدُّنيا) قال أبو البَقاء: يجوز أن يَتَعلَّقَ في ﴿فِي الْحَيَوَاةِ الدُّنْيَا﴾ بنَفْس ﴿مَّوَدَّةَ﴾ إذا لم يُجعل ﴿بَيْنِكُمْ﴾ صفةً لها؛ لأنَّ المصدرَ إذا وُصِفَ لا يَعملُ.
وقال مَكِّي: وإذا جُعِلَت ﴿بَيْنِكُمْ﴾ صفةً لـ ﴿مَّوَدَّةَ﴾ كان في ﴿فِي الْحَيَوَاةِ﴾ في موضعِ الحالِ من الضَّمير في الظرف الذي هو صفة، والعاملُ الظَّرفُ، ولا يجوز أن يعملَ في الحال ﴿مَّوَدَّةَ﴾؛ لأنَّك قد وصفتَها ومعمولُ المصدر متَّصلٌ به، فتكون قد فَرَّقتَ بينَ الصِّفةِ والموصوفِ بالصِّفة وأيضًا لو جعلتَه حالاً من الضَّمير في ﴿بَيْنِكُمْ﴾ يكونَ العاملُ الظَّرفَ
стр. 6357
العبدة والأصنام، كقوله تعالى: (وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا)] مريم: ٨٢ [.
[(فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)] ٢٦ [
كان لوط ابن أخت إبراهيم ﵉، وهو أول من آمن له حين رأى النار لم تحرقه (وَقالَ) يعنى إبراهيم: (إِنِّي مُهاجِرٌ) من كوثى، وهي من سواد الكوفة إلى حرّان ثم منها إلى فلسطين، ومن ثمة قالوا: لكل نبى هجرة، ولإبراهيم هجرتان، وكان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لأنَّ العاملَ في ذِي الحالِ هو العاملُ في الحال، ولو قَدَّرْنا أن يكون العاملُ فيها ﴿مَّوَدَّةَ﴾ لَزِمَ أن يجتمعَ عاملانِ على معمولٍ واحدٍ، ويجوز أن يكونَ ﴿فِي الْحَيَاةٍ﴾ صفةً أخرى لـ ﴿مَّوَدَّةً﴾. والتقدير: إنّما اتَّخذتم مِن دُون الله أوثانًا مودَّةً مستقرَّةً بينكم، ثابتةً في الحياة الدُّنيا، فلمّا حُذف العاملانِ تحوَّل الضميرُ إلى الطَّرفَينِ. هذا تلخيصُ كلامِه. ثم قال: فافهَم هذه المسألةَ، فإنَّها من أسرار النَّحو وغرائبِه.
وقال صاحب ((الكَشْف)): يجوز عندي أن تَعملَ المودَّة الموصوفة ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾؛ لأنَّه ظرفٌ، والظَّرفُ يُفارق المفعولَ به.
وقال أبو البَقاءِ: ويجوز أن يتعلَّق ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾ بـ ﴿اتَّخَذْتُم﴾ إذا جعلتَ ((ما)) كافَّة.
قوله: (كان لوط ابن أخت إبراهيم). وفي ((جامع الأُصول)): هو لُوط بن هاران بن تارِح- بالحاء المهملة- وهاران هو أخو إبراهيمَ الخليلِ- ﵇ ولوطٌ ابنُ أخيهِ، آمَنَ بإبراهيمَ وشَخَص معه مهاجرًا إلى الشام، فنَزل إبراهيمُ فلسطينَ، وأَنزلَ لوطًا الأردنَّ، فأرسلَه اللهُ إلى أهل سَدُوم.
قوله: (ولإبراهيمَ هِجْرتانِ) عن أبي داودَ، عن عبدالله بن عمرٍو قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: ((سَتكون هجرةٌ بعدَ هجرةٍ، فخِيارُ أهلِ الأرضِ أَلْزَمُهم مُهَاجَرَ
стр. 6358
معه في هجرته: لوط، وامرأته سارّة، وهاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة (إِلى رَبِّي) إلى حيث أمرنى بالهجرة إليه (إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ) الذي يمنعني من أعدائى (الْحَكِيمُ) الذي لا يأمرنى إلا بما هو مصلحتي.
[(وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)] ٢٧ [
(أَجْرَهُ) الثناء الحسن، والصلاة عليه آخر الدهر، والذرية الطيبة والنبوّة، وأن أهل الملل كلهم يتولونه. فإن قلت: ما بال إسماعيل ﵇ لم يذكر، وذكر إسحاق وعقبه؟
قلت: قد دلّ عليه في قوله: (وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ) وكفى الدليل لشهرة أمره وعلوّ قدره. فإن قلت: ما المراد بالكتاب؟ قلت: قصد به
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إبراهيمَ، ويَبْقى في كلِّ أرضٍ إذْ ذاكَ شِرارُ أهلِها، تَلْفِظُهم أَرْضُوهم، تَقْذَرُهُم نَفْسُ الله، وتَحشُرُهمُ النارُ معَ القِرَدةِ والخَنازيرِ)).
قوله: (قد دلَّ عليه في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والْكِتَابَ﴾ فكفى الدَّليلُ لشُهرةِ أمرِه، وعُلوِّ قَدْرِه) يُريد أنَّهم قد يُخففون ذِكْرَ بعضِ المُشتَهِرينَ، ويَكتَفُونَ برَمْزِهِ عن ذِكْره لشُهرتِه إعلاءً لقَدْرِه، ورَفعًا لمنزلتِه، وإيذانًا بأنَّه العلمُ المُشارُ إليه الذي لا يَلْتَبِسُ على كلِّ أحدٍ، كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] مُريدًا به نَبيَّنا ﷺ وهاهنا لمّا عَطَف ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ﴾ على ﴿وَوَهَبْنَا﴾ عُلِمَ أنَّ الثاني هو المَوْهُوبُ الأعظمُ، والمَطلُوبُ الأوَّلُ، لا سِيَّما [إذا] جُعلت الذُّريةُ مكانًا للنُّبوةِ وظَرْفًا لها.
ولا يَلتبسُ على كلِّ ذي بَصيرةٍ أنَّ النُّبوةَ والكتابَ لم يستقرَّا في أحدٍ منَ الأنبياءِ استقرارَهُ لِنبيِّنا ﷺ فكان في ذِكْره ذِكرُ جَدِّه إسماعيلَ صلواتُ الله عليهما، فقولُه: ((لِشُهرة أَمْرِه)) تعليلٌ لقوله: ((فكَفى الدَّليلُ)) من حيث المعنى كما قَرَّرناه.
стр. 6359
جنس الكتاب، حتى دخل تحته ما نزل على ذرّيته من الكتب الأربعة التي هي: التوراة والزبور والإنجيل والقرآن.
[(وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَاتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ الله إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ)] ٢٨ - ٣٠ [
(وَلُوطاً) معطوف على "إبراهيم"، أو على ما عطف عليه. والْفاحِشَة: الفعلة البالغة في القبح. و (ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ) جملة مستأنفة مقررة لفحاشة تلك الفعلة، كأن قائلًا قال: لم كانت فاحشة؟ فقيل: لأن أحدا قبلهم لم يقدم عليها اشمئزازًا منها في طباعهم لإفراط قبحها، حتى أقدم عليها قوم لوط؛ لخبث طينتهم وقذر طباعهم. قالوا: لم ينز ذكر على ذكر قبل قوم لوط قط. وقرئ: (إنكم)، بغير استفهام في الأوّل دون الثاني، قال أبو عبيدة: وجدته في الإمام بحرف واحد بغير ياء، ورأيت الثاني بحرفين: الياء والنون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿وَلُوطًا﴾ معطوفٌ على ((إبراهيمَ))، أو على ما عُطِفَ عليه) أي: إبراهيمَ، وهو ﴿نُوحًا﴾ في قوله: ﴿أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ يؤيِّد الأوَّلَ أن قصَّة لوطٍ ﵇ لا تكادُ تُوجد إلا مقرونةً بقصَّة إبراهيمَ ﵇؛ لأنَّه ابنُ أخيهِ ومُهاجِرٌ معه. والثاني قولُه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، فإنَّه معطوفٌ على قصَّة نوح ﵇ لا غيرُ؛ لأنَّ التَّقديرَ: ولقد أرسَلْنا إلى مَدينَ أخاهم شُعيبًا، فيكون كلٌّ مِنَ القَصَص مُستَقِلاًّ بنفسه.
قوله: (اشمئزازًا) أي: انقِبَاضًا.
قوله: (﴿إِنَّكُمْ﴾ بغير استفهام) نافعٌ وابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ وحَفصٌ.
стр. 6360
قطع السبيل: عمل قطاع الطريق، من قتل الأنفس وأخذ الأموال. وقيل: اعتراضهم السابلة بالفاحشة. وعن الحسن: قطع النسل بإتيان ما ليس بحرث. والْمُنْكَرَ عن ابن عباس رضى الله عنهما: هو الخذف بالحصى، والرمي بالبنادق، والفرقعة، ومضغ العلك، والسواك بين الناس، وحل الإزار، والسباب، والفحش في المزاح. وعن عائشة رضى الله عنها: "كانوا يتحابقون". وقيل: السخرية بمن مرّ بهم. وقيل: المجاهرة في ناديهم بذلك العمل، وكل معصية، فإظهارها أقبح من سترها، ولذلك جاء: من خرق جلباب الحياء فلا غيبة له. ولا يقال للمجلس: ناٍد، إلا ما دام فيه أهله، فإذا قاموا عنه لم يبق ناديًا. (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فيما تعدناه من نزول العذاب. كانوا يفسدون الناس بحملهم على ما كانوا عليه من المعاصي والفواحش طوعًا وكرهًا، ولأنهم ابتدعوا الفاحشة وسنوها فيمن بعدهم، وقال الله تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ الله زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ)] النحل: ٨٨ [. فأراد لوط ﵇ أن يشتد غضب الله عليهم، فذكر لذلك صفة المفسدين في دعائه.
[(وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١) قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) [٣١ - ٣٢]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يتحابقون) أي: يَتضارَطُونَ.
قوله: (ولأنَّهم ابتَدَعُوا الفاحشةَ) عطفٌ على مقدَّرٍ مَدْلُولٍ عليه بقوله: ((كانوا يُفْسِدونَ النّاسَ)) إلى آخره، يعني: إنّما لوطٌ صفةَ المُفسِدينَ؛ لأنَّهم كانوا يَحمِلُونَ النّاسَ على الإفسادِ، ولأنَّهم ابتَدَعوا الفاحشة؛ أي: فَعَلوا الفاحشةَ وحَمَلُوا النّاسَ عليها، وسَنُّوها فيمَن بعدَهم، والكافرُ إذا وُصِفَ بالفسقِ أو الإفسادِ كان مَحْمولاً على غُلَوائه في الكُفر. أَلَا ترى كيف رتَّب الوَعيدَ بزيادة العذابِ في الآية المُستَشْهَدِ بها على الإفساد دُونَ الكُفرِ، ومِنْ ثَمَّ جَعلَ نبيُّ الله أيضًا الإفسادَ عَلَمَه لاستنزالِ شدَّةِ غَضَبِ الله بدُعائه. وفي إتيان الفاءِ في قوله: (فأراد لوطٌ) إشارةٌ إلى قولنا: ((ومِن ثمَّ جَعَل نبي .... )) إلى آخره.
стр. 6361
(بِالْبُشْرى) هي: البشارة بالولد والنافلة، وهما: إسحاق ويعقوب. وإضافة مهلكو إضافة تخفيف لا تعريف. والمعنى: الاستقبال. والقرية: سدوم التي قيل فيها: أجور من قاضى سدوم. (كانُوا ظالِمِينَ) معناه: أنّ الظلم قد استمر منهم إيجاده في الأيام السالفة، وهم عليه مصرون، وظلمهم: كفرهم وألوان معاصيهم. (إِنَّ فِيها لُوطاً) ليس إخبارًا لهم بكونه فيها، وإنما هو جدال في شأنه: لأنهم لما عللوا إهلاك أهلها بظلمهم: اعترض عليهم بأن فيها من هو بريء من الظلم، وأراد بالجدال: إظهار الشفقة عليهم، وما يجب للمؤمن من التحزن لأخيه، والتشمر في نصرته وحياطته، والخوف من أن يمسه أذًى أو يلحقه ضرر. قال قتادة: لا يرى المؤمن ألا يحوط المؤمن، ألا ترى إلى جوابهم بأنهم أعلم منه (بِمَنْ فِيها) يعنون: نحن أعلم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أَجوَرُ من قاضي سَدُومَ). قال المَيْدانيُّ: سَدُومُ- بفتح السِّينِ-: مدينةٌ من مدائنِ قومِ لُوطٍ.
قال أبو حاتم: إنّما هو سَذُومُ؛ بالذالِ المُعجَمةِ، والدّالُ خطأ.
قال الأزهريُّ: هذا عندي هو الصحيحُ.
قال الطَّبريُّ: هو ملكٌ من بقايا اليُونانيةِ غَشُومٌ كان بمدينة سَرْمِينَ من أرض قِنَّسْرِين.
قوله: (﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ ليس إخبارًا لهم بكَوْنِه فيها، وإنَّما هو جِدالٌ) يعني: أنَّ مضمونَ هذه الجملةِ كان معلومًا عند الرُّسلِ، ففائدةُ الإخبار ما اقتضاه المقامُ منَ الاعتراضِ والجدالِ كما قال تعالى: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] لا سِيَّما وقد صُدِّرتِ الجملةُ بـ (إنَّ) المؤكِّدةِ، فكأنَّهم لمّا قالوا: ﴿إنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ وفيها ابنُ أخيه لوطٌ اعتَرضَ عليهم بقوله: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ إظهارًا للشَّفَقةِ عليه.
قوله: (لا يرى المؤمنُ أنْ لا يَحُوط المؤمنَ) أي: لا ينبغي للمؤمن أن يتَّصفَ بهذا الوصفِ وهو أنْ لا يَحُوط أخاه، وهو معنى قوله: ((ومِمّا يجب للمؤمن مِنَ التَّشَمُّرِ في حِياطَة المؤمنِ؛ أي: في نُصْحه وكلامِه)).
стр. 6362
منك وأخبر بحال لوٍط وحال قومه، وامتيازه منهم الامتياز البين، وأنه لا يستأهل ما يستأهلون، فخفض على نفسك وهوّن عليك الخطب. وقرئ: (لَنُنَجِّيَنَّهُ) بالتشديد والتخفيف، وكذلك (منجوك).
[(وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ)] ٣٣ [
(أَنْ) صلة أكدت وجود الفعلين مترتبًا أحدهما على الآخر في وقتين متجاورين لا فاصل بينهما؛ كأنهما وجدا في جزٍء واحٍد من الزمان، كأنه قيل: لما أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ريث، خيفة عليهم من قومه (وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) وضاق بشأنهم وبتدبير أمرهم. ذرعه: أى: طاقته، وقد جعلت العرب ضيق الذراع والذرع: عبارة عن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ,﴾ بالتَّشديد والتَّخفيف) حمزةُ والكسائيُّ: بالتخفيف، والباقون: بالتَّشديد.
قوله: (أَكَّدت وُجودَ الفِعْلَينِ مُتَرتِّبًا أحدُهما على الآخر)، ((مُتَرتِّبًا)) حالٌ من الفعلينِ، والعاملُ فيه الوُجودُ، لا ((أَكَّدت))، وذلك أن المساءَةَ في قوله: ﴿وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سْيءَ بِهِمْ﴾ مُتَرتِّبٌ على مجيء الرُّسلِ، وأُقحِمَت ((أنْ)) توكيدًا للتَّرتُّبِ، فلا يجوز أن يكون العاملُ (أَكَّدت)؛ لأنَّ التأكيدَ في حالِ تَرتُّب أحدِهما على الآخَرِ.
قوله: (ذَرْعُه؛ أي: طاقتُه)، الراغب: ضاقَ بكذا ذَرْعِي، نحو: وضاقَتْ به يَدي، وذَرَعْتُه: ضرَبتُ ذِراعَه، وذَرَعْتُ: مَدَدْتُ الذِّراعَ، ومنه: ذَرَع البَعيرُ في سَيْرِه؛ أي: مَدَّ ذِراعَه، وفَرسٌ ذَرِيعٌ وذَرُوعٌ: واسِعُ الخَطْوِ، وذَرَعَه القَيءُ: سَبقَه من قولهم: ذَرَعَ الفَرسُ.
стр. 6363
فقد الطاقة، كما قالوا: رحب الذراع بكذا، إذا كان مطيقًا له، والأصل فيه أنّ الرجل إذا طالت ذراعه نال ما لا يناله القصير الذراع، فضرب ذلك مثلًا في العجز والقدرة.
(إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)] ٣٤ - ٣٥ [
الرجز والرجس: العذاب، من قولهم: ارتجز وارتجس إذا اضطرب، لما يلحق المعذب من القلق والاضطراب. وقرئ: (مُنْزِلُونَ) مخففًا ومشدّدًا. (مِنْها) من القرية (آيَةً بَيِّنَةً) هي: آثار منازلهم الخربة. وقيل: بقية الحجارة. وقيل: الماء الأسود على وجه الأرض. وقيل: الخبر عما صنع بهم (لِقَوْمٍ) متعلق بـ (تركنا) أو بـ (بينة).
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا الله وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ)] ٣٦ - ٣٧ [
(وَارْجُوا) وافعلوا ما ترجون به العاقبة. فأقيم المسبب مقام السبب. أو: أمروا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقُرئ: ﴿مُنزِلُونَ﴾ مخفَّفًا ومشدَّدًا) ابنُ عامرٍ: مشدَّدًا، والباقون: مخفَّفًا.
قوله: (وافعلوا ما تَرْجُون به العاقبةَ، فأُقِيمَ المُسبِّبُ مَقامَ السَّببِ) أي: اعبُدوا اللهَ واعملوا صالحًا حتى تَتمكَّنُوا على رجاءِ أنْ يُثِيبَكُمُ اللهُ الجنَّةَ؛ لأنَّ مَنْ لم يَعملْ منَ الصالحات لم يَرْجُ الثَّوابَ الذي في الدار الآخرةِ، فالأعمالُ سببٌ للتَّمكُّن على الرَّجاء، فيكون عطفُ ﴿وَارْجُوا﴾ على ﴿اعْبُدُوا اللهَ﴾ للبيان والتَّفسيرِ.
وقريبٌ منه ما مرَّ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِئَايَاتِ اللهِ وَلِقَاءِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي﴾، ويجوزُ أن يكونَ العطفُ للحُصول والوُجودِ، ويُفوَّضُ الترَّتُّبُ إلى الذِّهْنِ.
стр. 6364
بالرجاء: والمراد: اشتراط ما يسوّغه من الإيمان، كما يؤمر الكافر بالشرعيات على إرادة الشرط. وقيل: هو من الرجاء بمعنى الخوف. والرجفة: الزلزلة الشديدة. وعن الضحاك: صيحة جبريل ﵇؛ لأنّ القلوب رجفت لها (فِي دارِهِمْ) في بلدهم وأرضهم. أو في ديارهم، فاكتفى بالواحد؛
لأنه لا يلبس. (جاثِمِينَ) باركين على الركب ميتين.
(وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ)] ٣٨ [
(وَعاداً) منصوب بإضمار (أهلكنا) لأن قوله: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) يدل عليه، لأنه في معنى الإهلاك، (وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ) ذلك: يعنى: ما وصفه من إهلاكهم (مِنْ) جهة (مَسْكَنِهِمْ) إذا نظرتم إليها عند مروركم بها. وكان أهل مكة يمرون عليها في أسفارهم فيبصرونها. (وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) عقلاء متمكنين من النظر والافتكار. ولكنهم لم يفعلوا. أو كانوا متبينين أن العذاب نازل بهم؛ لأن الله تعالى قد بين لهم على ألسنة الرسل ﵈،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والمرادُ اشتراطُ ما يُسَوِّغُه) يعني: أمرَهم بالرَّجاء على سَنَن طَلَب مُقدِّمةِ الواجبِ بالواجبِ.
قوله: (﴿مِّن﴾ جِهَةِ ﴿مَّسَاكِنِهِمْ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ ((مِنْ)) في ﴿مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ ابتدائيَّةٌ.
قوله: (أو كانوا مُتَبيِّنِينَ أنّ العذابَ نازلٌ بهم) عطفٌ على ما ((كانوا مُستَبْصرينَ عُقلاءَ))؛ أي: كان أهلُ مكَّةَ وقد تبيَّن لهم من مساكِنِ الظَّلَمةِ من قوم عادٍ وثَمودَ هلاكُهم بشُؤم كُفرِهِم، إمّا بطريق النَّظَرِ والاستدلالِ، وإمّا بطريق الإخبارِ مِنَ الرُّسل، لكنْ لم يَعتبروا، فلمْ يفعلوا بمُوجب العقلِ، ولا التَفَتُوا إلى النصِّ القاهرِ.
стр. 6365
ولكنهم لجوا حتى هلكوا.
[(وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)] ٣٩ - ٤٠ [
(سابِقِينَ) فائتين، أدركهم أمر الله فلم يفوتوه.
الحاصب: لقوم لوط، وهي ريح عاصف فيها حصباء. وقيل: ملك كان يرميهم. والصيحة: لمدين وثمود. والخسف: لقارون. والغرق: لقوم نوح وفرعون.
(مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ الله أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ الله يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)] ٤١ - ٤٢ [
الغرض تشبيه ما اتخذوه متكلًا ومعتمدًا في دينهم وتولوه من دون الله، بما هو مثل عند الناس في الوهن وضعف القوّة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لَجُّوا)، لَجَّ: مِنْ باب عَلِمَ، لَجَاجًا ولَجَاجَةً: تَمادي في الخُصومةِ، والَّجَّةُ بالفتح: الأصواتُ، وفي أمثالهم: لَجَّ فلانٌ حتّى حَجَّ؛ أي: غَلَب.
قوله: (الغَرَضُ تَشبيه ما اتَّخذُوه مُتَّكَلاً ومُتَعمدًا في دينهم وتَولَّوْهُ من دُون الله بما هو مَثَلٌ عند النّاسِ في الوَهْن وضَعْفِ القُوَّةِ) اعلَمْ أنَّ الغَرضَ في التَّشبيه في الأَغلَب يكونُ عائدًا إلى المُشَبَّه، ويكون ذلك تَقويةَ شَانِه في نَفْس السامِعِ وزيادةَ تَقريرِه عندَه، كما إذا كنتَ معَ صاحبِكَ في تقريرِ أنَّه لا يحصلُ مِن سَعْيه على طائلٍ قلتَ كما قال:
стр. 6366
وهو نسج العنكبوت. ألا ترى إلى مقطع التشبيه وهو قوله: (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فأَصبحتُ من ليلى الغَداةَ كقابضٍ … على الماءِ خانَتْهُ فُروجُ الأَصابِعِ
ولمّا كانت حالُ الآلهةِ التي جَعلَها الكُفّارُ أندادًا لله لا حالَ أحقَرَ منها وأقلَّ، جُعل بيتُ العنكبوتِ مثلاً لها في الضَّعْفِ والوَهْنِ، وفي هذا التَّقرير إشارةٌ إلى تقدير مضافٍ في كلام المصنِّفِ عند المُشبَّه؛ أي: تَشبيه حالِ ما اتَّخذوه مُتَّكلاً، وعند المشبَّهِ به؛ أي: بحال ما هو مَثَلٌ عند الناسِ، وذِكْرُ المَثَلَينِ في التَّنزيل أيضًا يُوجبُ هذا الإضمارَ.
قوله: (ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشبيهِ) أي: كيف دلَّ قولُه: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ على أنَّ الغَرَضَ مِنَ التَّشبيه ما ذَكَرْنا.
وكلامُه يَجمعُ أمورًا:
أحدها: أنْ يكونَ قولُه: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ كالتَّذييلِ للتَّشبيه كما يُفهَمُ مِنَ الوجه الأوَّلِ مِنَ الوُجوهِ المَذكورةِ في جوابِ ما معنى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
وذلك أنَّ التَّشبيهَ عندَ قولِه: ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ ثُمَّ ذُيِّل بقولِه: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ كما مَرَّ في قولهم: فلانٌ يَنطِقُ بالحقِّ، والحقُّ أَبْلَجُ. وحَدَثتِ الحوادثُ، والحَوادثُ جَمَّةٌ. فالتَّشبيهُ حينئذٍ يَحتملُ أن يكون مركَّبًا عقليًّا، إذا جُعِلَ الوجهُ الوَهْنَ كما أشار إليه في قوله: ((بما هو مَثَلٌ عند النّاسِ في الوَهْنِ))؛ لأنَّه هو الزُّبدةُ والخُلاصةُ المأخوذةُ مِنَ المجموعِ، أو وَهْمِيًّا بأنْ يكونَ الوجهُ مُنْتَزَعًا من عدَّة أمورٍ مُتوهَّمة، وفي قوله: ((وأنَّ أَمْرَ دينهِم بالغٌ إلى هذه الغايةِ مِنَ الوَهْن)) إيماءٌ إليه.
وثانيها: أن يكونَ التَّمثيلُ بجُملته كالمقدِّمة الأولى، ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ كالثانية، والنتيجةُ محذوفةٌ لشُهرتِها، ولذلك أتى بالفاء، وفي قولِه: ((فقد تبيَّن أن دِينَهم أَوْهَنُ الأديانِ))، فالكلامُ متضمِّنٌ للكناية الإيمائيَّةِ.
وثالثها: أن يكونَ ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ استعارةً تَمثيليَّةً، وذِكْرُ
стр. 6367
لبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ)؟ فإن قلت: ما معنى قوله: (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) وكل أحٍد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المشبَّهِ والمُشبَّهِ به كالتَّسَبُّبِ والتَّوطئةِ لِذِكْرها؛ لأنَّ الاستعارةَ مسبوقةٌ بالتَّشبيه، وإليه الإشارةُ بقوله: ((أو أخرجَ الكلامَ بعدَ تَصْحيحِ التَّشبيه مخرجَ المَجازِ))، فعلى هذا الجملةُ أيضًا تذييلٌ مقرِّر لمعنى المُشبَّهِ كما كان مُقرَّرًا في الأوَّلِ للمُشبَّه به، نَحوُه التَّجريدُ والتَّرشيحُ في الاستعارةِ.
ورابعها: أن يكونَ من تتمَّة التَّشبيهِ، داخلاً في حَيِّز المُشبَّه به حالاً منَ المنصوبِ، والعاملُ ﴿اتَّخَذَتْ﴾، أو مِنَ المرفوعِ المُستَكِنِّ الراجعِ إلى العنكبوتِ، وعلى التَّقديرَينِ وُضِعَ موضعَ الرّاجعِ في الجُملة المُظْهَرِ، واللاَّمُ في ﴿الْبُيُوتِ﴾ استغراقيَّةٌ، يشهدُ له قولُه: ((إذا استَقْرَيْتَها بيتًا بيتًا))، والتَّشبيهُ حينئذٍ إمّا مِنَ التَّشبيهاتِ المُفرَّقة أو التَّمثيليَّةِ التي يكون وجهُها المُشبَّهُ مُنْتَزَعًا مِنَ الأمور المُتعدِّدة الوَهْميَّةِ، ولذلك قال: ((بالإضافة إلى رَجلٍ يبني بيتًا بآجُرِّ وجِصٍّ)) فالعنكبوتُ التي تَتَّخِذُ بيتًا في مُقابِلِ الكافرِ الذي يَعْبُدُ الوَثَنَ، والرَّجُلُ الذي يبني بيتًا بآجُرٍّ وجِصٍّ في مُقابِلِ المؤمنِ الذي يَعبُدُ اللهَ، وإنَّ أَوْهَنَ البيوتِ بيتًا بَيتًا وهو بيتُ العنكبوتِ، مقابلٌ لضَعْفِ دِين عَبَدةِ الأوثانِ دِينًا دِينًا، وإنَّ أقوى البيوتِ بيتًا بيتًا هو البيتُ المبنيُّ بالآجُرِّ والجَصِّ، مقابلٌ لقوَّةِ دين عِبادِ الرَّحمنِ دِينًا دِينًا، وكلُّ هذه التَّقريراتِ المُلتَزِمَةِ إدخالَ هذه الفَقْرَةِ في حَيِّزِ التَّشبيهِ.
وأما قولُه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فإيغالٌ لأنَّ مَن وَقَف على قُبح القَبيحِ ربَّما أَقلَع عنه. وعن بغضِهم: الوَقْفُ على قولِه: ﴿الْعَنكَبُوتِ﴾ لازِمٌ، وهو قولُ الأَخفَشِ؛ لأنَّ جوابَ ((لو)) محذوفٌ، تقديرُه: لو كانوا يَعلمون وَهْنَ دِينِ عَبَدةِ الأوثانِ لَمَا اتَّخذوها أولياءَ، ولو وُصِل صار وَهْنُ بيتِ العنكبوت معلَّقًا بعِلْمِهم، وهو مطلَقٌ، والجملةُ لا تَصْلُح صفةً للمعرفةِ.
وعن الفَرّاء: إنَّ الموصولَ محذوفٌ كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارَا﴾ [الجمعة: ٥]؛ أي: الذي يَحملُ الأسفارَ؛ وعلى هذا لا يُوقَفُ، وهو اختيارُ ابنِ دَرَسْتَوَيه في حَذْف المَوصُولِ.
стр. 6368
يعلم وهن بيت العنكبوت؟ قلت: معناه لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم وأن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن. ووجه آخر: وهو أنه إذا صحّ تشبيه ما اعتمدوه في دينهم ببيت العنكبوت، وقد صح أن أوهن البيوت بيت العنكبوت، فقد تبين أن دينهم أوهن الأديان لو كانوا يعلمون. أو أخرج الكلام بعد تصحيح التشبيه مخرج المجاز، فكأنه قال: وإن أوهن ما يعتمد عليه في الدين عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون.
ولقائٍل أن يقول: مثل المشرك الذي يعبد الوثن بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله، مثل عنكبوٍت يتخذ بيتًا، بالإضافة إلى رجل يبنى بيتًا بآجر وجص أو ينحته من صخر، وكما أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتًا بيتًا؛ بيت العنكبوت، كذلك أضعف الأديان إذا استقريتها دينًا دينًا؛ عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون. قرئ: (يدعون) بالتاء والياء. وهذا توكيد للمثل وزيادة عليه، حيث لم يجعل ما يدعونه شيئًا (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فيه تجهيل لهم؛ حيث عبدوا ما ليس بشيء؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال صاحبُ ((الفرائد)): يُمكن أن يكونَ المعنى مَثَلُ مَنْ أَشرَكَ وطَمِعَ في نَفْعِهم والإغناءِ عنها في الدّارَين كمَثَلِ العنكبوتِ جَعَلت لِنفسِها بيتًا وطَمِعَت في نَفْعِها مِنْ دَفْع الحَرِّ والبَرْدِ والإغناءِ عنها، فكما لا يَفي بذلك بيتُ العنكبوتِ كذلك اتِّخاذُهمُ الأوثانَ.
قوله: (برئ ﴿يَدْعُونَ﴾ بالتاء والياء) بالياء التحتانية: أبو عمروٍ وعاصمٌ، والباقون: بالتاء.
قوله: (وهذا توكيدٌ للمَثَل وزيادةٌ عليه) أي: تَتْمِيمٌ له للمبالغة فيه؛ لأنَّه أَثْبَتَ في المَثَلِ وَهْنَ دِين عابدِ الوَثَنِ وضَعْفَه، وجُعل هنا عَدَمًا صِرْفًا، فـ ((ما)) في ﴿مَا يَدْعُونَ﴾ نافيةٌ.
قال أبو البقاء: يجوزُ أن تكونَ استفهاميّةً منصوبةً بـ ﴿يَدْعُونَ﴾، و ﴿مِن شَيْءٍ﴾:
تَبْيِينٌ، ويجوز أن تكونَ نافيةً، و ((مِنْ)) زائدةً، و ﴿شَيْئًا﴾ مفعول ﴿يَدْعُونَ﴾.
стр. 6369
لأنه جماد ليس معه مصحح العلم والقدرة أصلًا، وتركوا عبادة القادر القاهر على كل شيء، الحكيم الذي لا يفعل شيئًا إلا بحكمةٍ وتدبير.
(وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ)] ٤٣ [
كان الجهلة والسفهاء من قريش يقولون: إنّ ربّ محمٍد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، ويضحكون من ذلك، فلذلك قال: (وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ) أى: لا يعقل صحتها وحسنها وفائدتها إلا هم، لأنّ الأمثال والتشبيهات إنما هي الطرق إلى المعاني المحتجبة في الأستار؛ حتى تبرزها وتكشف عنها وتصوّرها للأفهام، كما صوّر هذا التشبيه الفرق بين حال المشرك وحال الموحد.
وعن النبي ﷺ أنه تلا هذه الآية فقال: «العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ليس معه مُصَحِّحُ العِلْمِ والقُدْرةِ)، أي: الحياة، يريدُ أنَّ قولَه: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تتمِيمٌ لمعنى التَّجهيلِ الذي يُعطيه قولُه: ﴿يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ يعني: ما عَرَفوا أنَّ ما يَدْعونَه ليس بشيءٍ، ولا عَلِموا أنَّه ﴿الْعَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ حيث تَرَكوا عبادةَ القادِرِ الحَكيمِ إلى ما ليس معه مُصحِّحُ العِلْمِ والقُدرةِ.
قوله: (العالِمُ مَنْ عَقَل عن الله فعَمِلَ بطاعتِه واجتَنبَ سَخَطَه) الحديثَ، أورَدَه محيي السُّنة في ((معالم التنزيل)) عن جابرٍ.
الجوهريُّ: قولُهم: ما أَعقِلُه عنك شيئًا، أي: دَعْ عنكَ هذا الشَّكَّ. هذا حرفٌ رواه سيبويه كأنه قال: ((ما أعلم شيئًا ممّا تقول، فدع عنك الشكّ)). وعن بعضِهم في الكلام حَذْفٌ، أي: الذي تقول ما أَعْقِلُه عنك شيئًا؛ ما أَعْقِل منه.
وقلت: خلاصتُه أنَّ مِثْلَ هذا التَّركيبِ لا يُستعمل إلاّ في معنًى دقيقِ المَسْلَكِ، صَعْبِ المُرْتَقى.
стр. 6370
[(خَلَقَ الله السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ)] ٤٤]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومِنْ ثَمَّ جيء بقوله: ((العالمِ)) بلام الجِنْسِ؛ أي: العالِمُ الكامِلُ، الحكيمُ الحازمُ، ذو الدُّرْبَةِ والكِياسَةِ، مَنْ يَعقِلُ ويَعرِفُ ما صَدَر عنِ الله، ومِنْ ثَمَّ طبَّق التأويلُ النَّبويُّ التَّنزيلَ الإلهيَّ ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ حيث جَمعَ العَقْلَ والعِلْمَ معًا على سبيل الحَصْرِ.
ومِثْلُه: ((الكَيِّسُ مَنْ دانَ نفسَه وعَمِلَ لِمَا بعدَ الموتِ))، فإذن الواجبُ أنْ يُتَركَ قولهُ تعالى: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ - في قولِه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ﴾ - على الإطلاقِ ليتناوَلَ سائرَ الولاياتِ التي يَجبُ على الموحِّد الاجتنابَ عنها، ويَشْتملَ على دقائق الشِّركِ ومَكامِنِه، ويَنْفي الحَوْلَ والقوَّةَ عمَّن سِواهُ إلى غير ذلك. وفيه مَسْحةٌ من معنى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
في ((حقائق السُّلَميِّ)): قال ابنُ عطاءٍ: مَنِ اعتَمَد شيئًا سوى اللهِ فهو هَباءٌ لا حاصِلَ له، وهَلاكُه في نَفْسِ ما اعتَمَده، ومَنِ اتَّخذ سِواهُ ظَهيرًا قَطَع عن نَفسِه سبيلَ العِصْمَةِ ورُدَّ إلى حَوْله وقُوَّتِه، كالعنكبوتِ اتَّخذت بيتًا ظَنَّه أنَّه يَكُنُّه. وأنشَدَ البُسْتِيُّ:
مَنِ استَعانَ بغير الله في طَلَبٍ … فإنَّ ناصِرَه عَجْزٌ وخِذلانُ
والله أعلمُ.
стр. 6371
(بِالْحَقِّ) أي بالغرض الصحيح الذي هو حق لا باطل، وهو أن تكونا مساكن عباده وعبرةً للمعتبرين منهم، ودلائل على عظم قدرته، ألا ترى إلى قوله: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) ونحوه قوله تعالى: (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا)] ص: ٢٧ [ثم قال: (ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)] ص: ٢٧ [.
(اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ وَالله يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ)] ٤٥ [
الصلاة تكون لطفًا في ترك المعاصي، فكأنها ناهية عنها. فإن قلت: كم من مصل يرتكب ولا تنهاه صلاته؟ قلت: الصلاة التي هي الصلاة عند الله المستحق بها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو بالغَرَض الصَّحيح)، الانتصاف: اللَّفظُ والمعنى فاسدٌ، ولو فُرض أنَّ المعنى صحيحٌ لَكانَ الواجبُ اجتنابَ هذه الألفاظ الرَّديئةِ.
قوله: (ونحوُه [قوله تعالى]: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ [ص: ٢٧]) وذلك أنَّ الباطلَ في مُقابلِ الحقِّ، وأنَّ قولَه: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] في مُقابِلِ قولِه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وأمّا ظَنُّ الكافرِ أنَّه باطلٌ فلأنَّه لم يَجعلِ الدَّلائلَ مَسارِحَ نَظَرِه ومطارِحَ فِكْرِه، لِيستَدِلَّ به على وُجودِ مُبدِعٍ فاطِرٍ، مُستَحِقٍّ لأنْ يُعبَدَ ويُطاعَ في أوامِرِه ونَواهِيه، كما أنَّ معنى يَقينِ المؤمنِ أنّه نَظَر وعَرَف فعَبَد وأطاعَ وانتَفَع بها، فكأنَّه أقَرَّ بحقِّيَّتِها.
وفيه: أنَّ صاحبَ عِلْمِ الهيئةِ الذي لا عبادةَ له كأنَّه ما نظَرَ فيها ولا عَرفَها حقَّ مَعرفتِها.
стр. 6372
الثواب: أن يدخل فيها مقدّمًا للتوبة النصوح، متقيًا؛ لقوله تعالى: (إِنَّما يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ)] المائدة: ٢٧ [، ويصليها خاشعًا بالقلب والجوارح، فقد روى عن حاتم: كأنّ رجلي على الصراط، والجنة عن يمينى، والنار عن يساري، وملك الموت من فوقى، وأصلى بين الخوف والرجاء؛ ثم يحوطها بعد أن يصليها فلا يحبطها، فهي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: "من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر؛ لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدًا". وعن الحسن ﵀: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فليست صلاته بصلاة، وهي وبال عليه". وقيل: "من كان مراعيًا للصلاة جرّه ذلك إلى أن ينتهى عن السيئات يومًا ما، فقد روى أنه قيل لرسول الله ﷺ : إنّ فلانًا يصلى بالنهار ويسرق بالليل، فقال: «إنّ صلاته لتردعه».
وروى أنّ فتًى من الأنصار كان يصلى معه الصلوات، ولا يدع شيئًا من الفواحش إلا ركبه، فوصف له فقال: «إن صلاته ستنهاه» فلم يلبث أن تاب وعلى كل حاٍل فإنّ المراعى للصلاة لا بدّ أن يكون أبعد من الفحشاء والمنكر ممن لا يراعيها. وأيضًا فكم من مصلين تنهاهم الصلاة عن الفحشاء والمنكر، واللفظ لا يقتضى أن لا يخرج واحد من المصلين عن قضيتها، كما تقول: إنّ زيدًا ينهى عن المنكر؛ فليس غرضك أنه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (واللَّفظُ لا يَقْتضي أنْ لا يَخرُجَ واحدٌ) يعني: ليس التَّعريفُ في الصَّلاة للاستغراقِ لِيستوعِبَ جميعَ المُصلِّينَ، بل هو للجنسِ، فهو مُطلَقٌ في تَناوُلِه، ومعناه: مِنْ شأنِ الصَّلاةِ أنْ تَنهى عنِ الفحشاءِ والمُنكَرِ، فقد وُجد في صُوَرٍ كثيرةٍ هذا الحُكْمُ، فلا يجبُ أن لا يَخرُجَ أحدٌ منَ المصلِّينَ عن قَضيَّتِها.
والحاصلُ أنَّ تَعريفَ الجِنسِ- الذي هو المعهودُ الذِّهنيُّ- كالنَّكرة في الشِّياع، والنَّكرةِ في سياق الإثباتِ، لا يُفيد العُمومَ.
стр. 6373
ينهى عن جميع المناكير، وإنما تريد أنّ هذه الخصلة موجودة فيه، وحاصلة منه من غير اقتضاء للعموم. (وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ) يريد: وللصلاة أكبر من غيرها من الطاعات، وسماها بذكر الله كما قال: (فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ الله)] الجمعة: ٩ [وإنما قال: ولذكر الله: ليستقلّ بالتعليل، كأنه قال:
وللصلاة أكبر، لأنها ذكر الله. أو: ولذكر الله عند الفحشاء والمنكر وذكر نهيه عنهما ووعيده عليهما أكبر، فكان أولى بأن ينهى من اللطف الذي في الصلاة. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته (وَالله يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ) من الخير والطاعة، فيثيبكم أحسن الثواب.
(وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)] ٤٦ [
(بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) بالخصلة التي هي أحسن، وهي مقابلة الخشونة باللين، والغضب بالكظم، والسورة بالأناة، كما قال: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)] المؤمنون: ٩٦ [،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ليستقلَّ بالتعليل) أي: لِيرَفعَه ويكونَ حاملاً له.
الأساس: أقلَّه واستَقَلَّ به: رَفَعَه، يعني إنَّما عَدَل عنِ الظاهِرِ وهو قولُه: ((ولَلصَّلاةُ أكبر))؛ ليكونَ اللَّفظُ دالاًّ على المقصود بالمَجازِ ومُتضمِّنًا للتَّعليل؛ كأنَّه قيلَ: ولَلصَّلاةُ أكبرُ؛ لأنَّها ذِكْرُ الله، وقد عُلم أنَّ ذِكْرَ الله أكبرُ مِنْ كلِّ شيءٍ.
تلخيصُه: أنه مِنْ وَضْعِ المُظهَرِ موضعَ المُضمَرِ من غير لفظِه السابقِ؛ للإشعار بالعِلِّيَّة، ولو جيءَ بظاهِرٍ لم يُفِدْ هذا المعنى.
قوله: (مِنَ اللُّطْف الذي في الصَّلاة) المراد باللُّطف على اصطلاحهم: ما يُقرِّب إلى الطاعة ويَزْجُر عنِ المعصيةِ، يعني: تأثير الزّاجِرِ بذِكْر الله، وذِكْرُ نَهْيِه ووَعِيدِه أكثرُ مِنْ تأثير الزّاجِرِ بالصَّلاة.
قوله: (والسَّوْرَة)، الجوهريُّ: سَوْرَةُ السُّلطانِ: سَطْوَتُه واعتداؤه، و ((الأَنَاةُ)) بوزن القَنَاةِ: الحِلْمُ والوَقارُ.
стр. 6374
(إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا) فأفرطوا في الاعتداء والعناد، ولم يقبلوا النصح، ولم ينفع فيهم الرفق. فاستعملوا معهم الغلظة، وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله ﷺ ، وقيل: إلا الذين أثبتوا الولد والشريك وقالوا: يد الله مغلولة. وقيل: معناه: ولا تجادلوا الداخلين في الذمّة المؤدّين للجزية إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا فنبذوا الذمّة ومنعوا الجزية، فإن أولئك مجادلتهم بالسيف. وعن قتادة: الآية منسوخة بقوله تعالى: (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالله وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ)] التوبة: ٢٩ [ولا مجادلة أشدّ من السيف: وقوله: (قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا) من جنس المجادلة بالتي هي أحسن. وعن النبي ﷺ : "ما حدّثكم أهل الكتاب فلا تصدّقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: معناه: لا تُجادلوا الدّاخِلينَ في الذِّمَّةِ) عطفٌ على قوله: ((وهي مُقابَلَةُ الخُشُونةِ باللِّينِ))، وعلى الأوَّل: المُجادَلَةُ بالحُجَّة، وعلى الثاني: بالسَّيفِ، والحاصلُ من الوُجوه أنَّ قولَه: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مُطلَقٌ؛ إمّا أن يجريَ على إطلاقِه، فهو المرادُ من قولِه: ((إلاّ الذينَ ظَلَموا فأَفرَطُوا في الاعتداء))؛ لأنَّ الكافرَ إذا وُصِفَ بالفِسْق أو الظُّلم حُمِلَ على المُبالغة فيما هو فيه، ولذلك أتى بالفاء في ((فأَفْرَطُوا)) ليكونَ سببًا في الإفراط، أو يُقيَّدُ بما يُوجد منهم مِنَ الأذى لرسول الله ﷺ ، من قولهم: ما أنتَ بصاحِبنا، ولا نجدُ في كتابنا ذِكْرَكَ، وهو المرادُ من قوله: ((آذَوْا رسولَ الله ﷺ ) والقَرينةُ خارجيَّةٌ، أو القَرينةُ ما يُفهَمُ مِنْ قولِه: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ وأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَاهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ وهو المرادُ من قوله: ((الذين أَثَبَتُوا الولدَ والشَّريكَ))، أي: منَ النَّصارى، ((وقالوا: يدُ الله مغلولة))، أي: منَ اليهودِ، أو يكونُ المرادُ من المُجادَلَةِ التَّعرُّضَ والقتالَ، لا المُقاوَلَةَ والظُّلمَ. على هذا أيضًا باقٍ على إطلاقِه، ونتيجتُه نَبْذُ العَهْدِ؛ لذلك جيءَ بالفاء في ((فنَبَذُوا الذِّمَّةَ)).
قوله: (ما حدَّثَكُم أهلُ الكتابِ) الحديثَ؛ أخرجَه أبو داودَ، عن أبي نَمْلةَ الأنصاريِّ، وروى البخاريُّ عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: ((لا يُصَدِّقوا أهلَ
стр. 6375
بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلًا لم تصدّقوهم، وإن كان حقًا لم تكذبوهم».
[(وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ)] ٤٧ [
ومثل ذلك الإنزال (أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ) أى: أنزلناه مصدّقًا لسائر الكتب السماوية، تحقيقًا لقوله: (آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم). وقيل: وكما أنزلنا الكتب إلى من كان قبلك أنزلنا إليك الكتاب (فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) هم عبد الله بن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكتابِ بما يُحدِّثُونَكُم عن الكتابِ ولا تُكذِّبوهم، وقولوا: ﴿آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]))؛ لأنَّ الله أخبرَ بأنهَّم كَتَبوا بأيديهم وقالوا: هذه من عندِ الله.
قوله: (وكما أنزَلْنا الكُتُبَ إلى مَنْ كان قَبلَكَ)، يعني: أنَّ ((الكافَ)) منصوبُ المَحَلِّ على المصدر، والمشارُ إليه بـ ((ذلك)): إمّا ما دلَّ عليه قولُه: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾، وهو المرادُ من قوله: ((تحقيقًا لقوله: ﴿آمَنَّا﴾)) و ((تحقيقًا)) مفعولٌ له لمقدَّرٍ؛ أي: أشار بذلك تَحقيقًا له، أو المُشارُ إليه ما في الذِّهْنِ؛ أي: مثلَ ذلك الإنزالِ المَعلُومِ الذي أُنزل على الأنبياء من قَبلِكَ أَنزلْنا إليك.
والمِثْلُ على الوجه الثاني: بمعنى النَّظيرِ والشَّبيهِ، وعلى الأوَّل: مُستعارٌ للصِّفة العَجيبةِ الشَّانِ. والفاءُ في ((فالذين آتيناهُم)) تفصيليَّةٌ؛ أي: مثلَ ذلك الإنزالِ العَجيبِ الشَّأنِ الداعي إلى الإيمان بجميع الكُتبِ المنزَّلَةِ وإلى التَّوحيد أَنزَلْناه، ثُمَّ النّاسُ مع ذلك تفرَّقوا فِرَقًا أربعًا؛ لأنَّ المبعوثَ إليهم إمّا أهلُ الكتابِ أو المشركون، فقولُه: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ المرادُ به بعضُ مَنْ آمَنَ من أهل الكتاب. وقولُه: ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ هم بعضُ المشركينَ. وقولُه: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِئَايَتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ﴾ مُؤذِنٌ بأنَّهم الفريقانِ الباقيانِ من
следующие страницы →