← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

(بِالْحَقِّ) أي بالغرض الصحيح الذي هو حق لا باطل، وهو أن تكونا مساكن عباده وعبرةً للمعتبرين منهم، ودلائل على عظم قدرته، ألا ترى إلى قوله: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) ونحوه قوله تعالى: (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا)] ص: ٢٧ [ثم قال: (ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)] ص: ٢٧ [. (اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ وَالله يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ)] ٤٥ [ الصلاة تكون لطفًا في ترك المعاصي، فكأنها ناهية عنها. فإن قلت: كم من مصل يرتكب ولا تنهاه صلاته؟ قلت: الصلاة التي هي الصلاة عند الله المستحق بها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو بالغَرَض الصَّحيح)، الانتصاف: اللَّفظُ والمعنى فاسدٌ، ولو فُرض أنَّ المعنى صحيحٌ لَكانَ الواجبُ اجتنابَ هذه الألفاظ الرَّديئةِ. قوله: (ونحوُه [قوله تعالى]: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ [ص: ٢٧]) وذلك أنَّ الباطلَ في مُقابلِ الحقِّ، وأنَّ قولَه: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] في مُقابِلِ قولِه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وأمّا ظَنُّ الكافرِ أنَّه باطلٌ فلأنَّه لم يَجعلِ الدَّلائلَ مَسارِحَ نَظَرِه ومطارِحَ فِكْرِه، لِيستَدِلَّ به على وُجودِ مُبدِعٍ فاطِرٍ، مُستَحِقٍّ لأنْ يُعبَدَ ويُطاعَ في أوامِرِه ونَواهِيه، كما أنَّ معنى يَقينِ المؤمنِ أنّه نَظَر وعَرَف فعَبَد وأطاعَ وانتَفَع بها، فكأنَّه أقَرَّ بحقِّيَّتِها. وفيه: أنَّ صاحبَ عِلْمِ الهيئةِ الذي لا عبادةَ له كأنَّه ما نظَرَ فيها ولا عَرفَها حقَّ مَعرفتِها.

стр. 6372

الثواب: أن يدخل فيها مقدّمًا للتوبة النصوح، متقيًا؛ لقوله تعالى: (إِنَّما يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ)] المائدة: ٢٧ [، ويصليها خاشعًا بالقلب والجوارح، فقد روى عن حاتم: كأنّ رجلي على الصراط، والجنة عن يمينى، والنار عن يساري، وملك الموت من فوقى، وأصلى بين الخوف والرجاء؛ ثم يحوطها بعد أن يصليها فلا يحبطها، فهي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: "من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر؛ لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدًا". وعن الحسن ﵀: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فليست صلاته بصلاة، وهي وبال عليه". وقيل: "من كان مراعيًا للصلاة جرّه ذلك إلى أن ينتهى عن السيئات يومًا ما، فقد روى أنه قيل لرسول الله ﷺ : إنّ فلانًا يصلى بالنهار ويسرق بالليل، فقال: «إنّ صلاته لتردعه». وروى أنّ فتًى من الأنصار كان يصلى معه الصلوات، ولا يدع شيئًا من الفواحش إلا ركبه، فوصف له فقال: «إن صلاته ستنهاه» فلم يلبث أن تاب وعلى كل حاٍل فإنّ المراعى للصلاة لا بدّ أن يكون أبعد من الفحشاء والمنكر ممن لا يراعيها. وأيضًا فكم من مصلين تنهاهم الصلاة عن الفحشاء والمنكر، واللفظ لا يقتضى أن لا يخرج واحد من المصلين عن قضيتها، كما تقول: إنّ زيدًا ينهى عن المنكر؛ فليس غرضك أنه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (واللَّفظُ لا يَقْتضي أنْ لا يَخرُجَ واحدٌ) يعني: ليس التَّعريفُ في الصَّلاة للاستغراقِ لِيستوعِبَ جميعَ المُصلِّينَ، بل هو للجنسِ، فهو مُطلَقٌ في تَناوُلِه، ومعناه: مِنْ شأنِ الصَّلاةِ أنْ تَنهى عنِ الفحشاءِ والمُنكَرِ، فقد وُجد في صُوَرٍ كثيرةٍ هذا الحُكْمُ، فلا يجبُ أن لا يَخرُجَ أحدٌ منَ المصلِّينَ عن قَضيَّتِها. والحاصلُ أنَّ تَعريفَ الجِنسِ- الذي هو المعهودُ الذِّهنيُّ- كالنَّكرة في الشِّياع، والنَّكرةِ في سياق الإثباتِ، لا يُفيد العُمومَ.

стр. 6373

ينهى عن جميع المناكير، وإنما تريد أنّ هذه الخصلة موجودة فيه، وحاصلة منه من غير اقتضاء للعموم. (وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ) يريد: وللصلاة أكبر من غيرها من الطاعات، وسماها بذكر الله كما قال: (فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ الله)] الجمعة: ٩ [وإنما قال: ولذكر الله: ليستقلّ بالتعليل، كأنه قال: وللصلاة أكبر، لأنها ذكر الله. أو: ولذكر الله عند الفحشاء والمنكر وذكر نهيه عنهما ووعيده عليهما أكبر، فكان أولى بأن ينهى من اللطف الذي في الصلاة. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته (وَالله يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ) من الخير والطاعة، فيثيبكم أحسن الثواب. (وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)] ٤٦ [ (بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) بالخصلة التي هي أحسن، وهي مقابلة الخشونة باللين، والغضب بالكظم، والسورة بالأناة، كما قال: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)] المؤمنون: ٩٦ [، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ليستقلَّ بالتعليل) أي: لِيرَفعَه ويكونَ حاملاً له. الأساس: أقلَّه واستَقَلَّ به: رَفَعَه، يعني إنَّما عَدَل عنِ الظاهِرِ وهو قولُه: ((ولَلصَّلاةُ أكبر))؛ ليكونَ اللَّفظُ دالاًّ على المقصود بالمَجازِ ومُتضمِّنًا للتَّعليل؛ كأنَّه قيلَ: ولَلصَّلاةُ أكبرُ؛ لأنَّها ذِكْرُ الله، وقد عُلم أنَّ ذِكْرَ الله أكبرُ مِنْ كلِّ شيءٍ. تلخيصُه: أنه مِنْ وَضْعِ المُظهَرِ موضعَ المُضمَرِ من غير لفظِه السابقِ؛ للإشعار بالعِلِّيَّة، ولو جيءَ بظاهِرٍ لم يُفِدْ هذا المعنى. قوله: (مِنَ اللُّطْف الذي في الصَّلاة) المراد باللُّطف على اصطلاحهم: ما يُقرِّب إلى الطاعة ويَزْجُر عنِ المعصيةِ، يعني: تأثير الزّاجِرِ بذِكْر الله، وذِكْرُ نَهْيِه ووَعِيدِه أكثرُ مِنْ تأثير الزّاجِرِ بالصَّلاة. قوله: (والسَّوْرَة)، الجوهريُّ: سَوْرَةُ السُّلطانِ: سَطْوَتُه واعتداؤه، و ((الأَنَاةُ)) بوزن القَنَاةِ: الحِلْمُ والوَقارُ.

стр. 6374

(إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا) فأفرطوا في الاعتداء والعناد، ولم يقبلوا النصح، ولم ينفع فيهم الرفق. فاستعملوا معهم الغلظة، وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله ﷺ ، وقيل: إلا الذين أثبتوا الولد والشريك وقالوا: يد الله مغلولة. وقيل: معناه: ولا تجادلوا الداخلين في الذمّة المؤدّين للجزية إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا فنبذوا الذمّة ومنعوا الجزية، فإن أولئك مجادلتهم بالسيف. وعن قتادة: الآية منسوخة بقوله تعالى: (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالله وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ)] التوبة: ٢٩ [ولا مجادلة أشدّ من السيف: وقوله: (قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا) من جنس المجادلة بالتي هي أحسن. وعن النبي ﷺ : "ما حدّثكم أهل الكتاب فلا تصدّقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: معناه: لا تُجادلوا الدّاخِلينَ في الذِّمَّةِ) عطفٌ على قوله: ((وهي مُقابَلَةُ الخُشُونةِ باللِّينِ))، وعلى الأوَّل: المُجادَلَةُ بالحُجَّة، وعلى الثاني: بالسَّيفِ، والحاصلُ من الوُجوه أنَّ قولَه: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مُطلَقٌ؛ إمّا أن يجريَ على إطلاقِه، فهو المرادُ من قولِه: ((إلاّ الذينَ ظَلَموا فأَفرَطُوا في الاعتداء))؛ لأنَّ الكافرَ إذا وُصِفَ بالفِسْق أو الظُّلم حُمِلَ على المُبالغة فيما هو فيه، ولذلك أتى بالفاء في ((فأَفْرَطُوا)) ليكونَ سببًا في الإفراط، أو يُقيَّدُ بما يُوجد منهم مِنَ الأذى لرسول الله ﷺ ، من قولهم: ما أنتَ بصاحِبنا، ولا نجدُ في كتابنا ذِكْرَكَ، وهو المرادُ من قوله: ((آذَوْا رسولَ الله ﷺ ) والقَرينةُ خارجيَّةٌ، أو القَرينةُ ما يُفهَمُ مِنْ قولِه: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ وأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَاهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ وهو المرادُ من قوله: ((الذين أَثَبَتُوا الولدَ والشَّريكَ))، أي: منَ النَّصارى، ((وقالوا: يدُ الله مغلولة))، أي: منَ اليهودِ، أو يكونُ المرادُ من المُجادَلَةِ التَّعرُّضَ والقتالَ، لا المُقاوَلَةَ والظُّلمَ. على هذا أيضًا باقٍ على إطلاقِه، ونتيجتُه نَبْذُ العَهْدِ؛ لذلك جيءَ بالفاء في ((فنَبَذُوا الذِّمَّةَ)). قوله: (ما حدَّثَكُم أهلُ الكتابِ) الحديثَ؛ أخرجَه أبو داودَ، عن أبي نَمْلةَ الأنصاريِّ، وروى البخاريُّ عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: ((لا يُصَدِّقوا أهلَ

стр. 6375

بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلًا لم تصدّقوهم، وإن كان حقًا لم تكذبوهم». [(وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ)] ٤٧ [ ومثل ذلك الإنزال (أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ) أى: أنزلناه مصدّقًا لسائر الكتب السماوية، تحقيقًا لقوله: (آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم). وقيل: وكما أنزلنا الكتب إلى من كان قبلك أنزلنا إليك الكتاب (فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) هم عبد الله بن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكتابِ بما يُحدِّثُونَكُم عن الكتابِ ولا تُكذِّبوهم، وقولوا: ﴿آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]))؛ لأنَّ الله أخبرَ بأنهَّم كَتَبوا بأيديهم وقالوا: هذه من عندِ الله. قوله: (وكما أنزَلْنا الكُتُبَ إلى مَنْ كان قَبلَكَ)، يعني: أنَّ ((الكافَ)) منصوبُ المَحَلِّ على المصدر، والمشارُ إليه بـ ((ذلك)): إمّا ما دلَّ عليه قولُه: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾، وهو المرادُ من قوله: ((تحقيقًا لقوله: ﴿آمَنَّا﴾)) و ((تحقيقًا)) مفعولٌ له لمقدَّرٍ؛ أي: أشار بذلك تَحقيقًا له، أو المُشارُ إليه ما في الذِّهْنِ؛ أي: مثلَ ذلك الإنزالِ المَعلُومِ الذي أُنزل على الأنبياء من قَبلِكَ أَنزلْنا إليك. والمِثْلُ على الوجه الثاني: بمعنى النَّظيرِ والشَّبيهِ، وعلى الأوَّل: مُستعارٌ للصِّفة العَجيبةِ الشَّانِ. والفاءُ في ((فالذين آتيناهُم)) تفصيليَّةٌ؛ أي: مثلَ ذلك الإنزالِ العَجيبِ الشَّأنِ الداعي إلى الإيمان بجميع الكُتبِ المنزَّلَةِ وإلى التَّوحيد أَنزَلْناه، ثُمَّ النّاسُ مع ذلك تفرَّقوا فِرَقًا أربعًا؛ لأنَّ المبعوثَ إليهم إمّا أهلُ الكتابِ أو المشركون، فقولُه: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ المرادُ به بعضُ مَنْ آمَنَ من أهل الكتاب. وقولُه: ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ هم بعضُ المشركينَ. وقولُه: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِئَايَتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ﴾ مُؤذِنٌ بأنَّهم الفريقانِ الباقيانِ من

стр. 6376

سلام ومن آمن معه (وَمِنْ هؤُلاءِ) من أهل مكة، وقيل: أراد بالذين أوتوا الكتاب: الذين تقدموا عهد رسول الله ﷺ من أهل الكتاب. (ومن هؤلاء) ممن في عهده منهم. (وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا) مع ظهورها وزوال الشبهة عنها، إلا المتوغلون في الكفر المصممون عليه. وقيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه. (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ)] ٤٨ - ٤٩ [ وأنت أمىّ ما عرفك أحد قط بتلاوة كتاٍب ولا خط، (إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ) لو كان شيٌء من ذلك، أى: من التلاوة والخط (لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ) من أهل الكتاب وقالوا: الذي نجده في كتبنا أمى لا يكتب ولا يقرأ وليس به. أو لارتاب مشركو مكة وقالوا: لعله تعلمه أو كتبه بيده. فإن قلت: لم سماهم مبطلين، ولو لم يكن أمّيًا وقالوا: ليس الذي نجده في كتبنا، لكانوا صادقين محقين؟ ولكان أهل مكة أيضًا على حق في قولهم لعله تعلمه أو كتبه فإنه رجل قارئ كاتب؟ قلت: سماهم مبطلين لأنهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أُولئكَ، وهمُ تَوغَّلُوا في الكُفر وصَمَّمُوا عليه ولم يَفتحوا آذانَهم الصُّمَّ وأَعيُنَهم العُمْيَ، ولم يَلْتفتوا إلى الآيات البَيِّناتِ، والمرادُ بقوله: ﴿بِئَايَتِنَا﴾ الآياتُ المُنزَّلةُ في هذا الكتابِ الكريمِ، أو هو نفسُه آياتُ الله الباهرةُ، وحُجَّتُه القاهرةُ، واللهُ أعلمُ. قوله: (لِمَ سَمّاهُم مُبْطِلينَ) تَوجيهُ السُّؤالِ: لمَ سمّاهُم مُبْطِلِينَ في حال كَوْنِه كاتبًا قارئًا؛ لكونهم حينئذ محقين، وكونهم مبطلين إنما يصح أن لو لم يكن كاتبًا قرئًا؛ لِكَونِهم جينئذٍ عَلِموا الحقَّ وجَحَدوا؟ وخُلاصةُ الجوابِ: أنَّ التَّعريفَ في ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ للعَهْد، وهم قومٌ مَعْلُومونَ بدَليل قولِه: ((هؤلاء المُبْطِلُونَ))، يعني: هؤلاء المُجادلونَ المُبْطِلُونَ. تَزضيحُه: أنَّ ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ على تأويلِ مفهومِ اللَّقَبِ لا الصِّفةِ، كأنَّه قيل: هؤلاء الأشخاصُ الذين حَصَل لهمُ الإبطالُ.

стр. 6377

كفروا به وهو أمىّ بعيد من الريب، فكأنه قال: هؤلاء المبطلون في كفرهم به لو لم يكن أمّيًا لارتابوا أشدّ الريب؛ فحين ليس بقارئ كاتٍب فلا وجه لارتيابهم. وشيءٌ آخر: وهو أن سائر الأنبياء ﵈ لم يكونوا أمّيين، ووجب الإيمان بهم وبما جاءوا به، لكونهم مصدقين من جهة الحكيم بالمعجزات، فهب أنه قارئ كاتب فما لهم لم يؤمنوا به من الوجه الذي آمنوا منه بموسى وعيسى ﵉؟ على أن المنزلين ليسا بمعجزين، وهذا المنزل معجز، فإذن: هم مبطلون حيث لم يؤمنوا به وهو أمى، ومبطلون لو لم يؤمنوا به وهو غير أمى. فإن قلت: ما فائدة قوله: (بيمينك)؟ قلت: ذكر اليمين وهي الجارحة التي يزاول بها الخط: زيادة تصويٍر لما نفى عنه من كونه كاتبا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وشيءٌ آخَرُ) يعني: سَمّاهُم مُبْطِلينَ؛ لأنَّهم لم يَنظروا إلى الدَّليل، وما يُثبتُ به رسالتَه من إظهار المُعجزةِ بعد سَبْقِ الدَّعوى كما ثَبتَتْ رسالةُ سائرِ الأنبياءِ، وحينئذٍ لم يَفْتقروا إلى النَّظَر في كَوْنه أُمِّيًّا أو غيرَ أُمِّيٍّ، وهو المرادُ من قوله: ((فما لهم لم يُؤمنوا به مِنَ الوَجْهِ الذي آمَنُوا منه بموسى وعيسى ﵉)، ومعَ هذا انضَمَّ معه ما يَزيدُ به الدَّليلُ إيضاحًا، وهو أنَّه أُمِّيٌّ لم يقرا ولم يَكتبْ، فهو أَولى بالقَبُولِ، وعلى كلِّ حالٍ إنَّهم مُبْطِلُونَ، سواءٌ كان أُمِّيًّا أو لم يَكنْ. وهذا إنَّما يَستقيمُ معَ المشركينَ؛ لأنَّ أهلَ الكتاب يُثْبتون نُبوَّتَه بأماراتٍ يَجِدُونها في كُتبهم، وهي أنَّه أُمِّيٌّ لا يكتبُ ولا يقرأُ، فلَهُم أن يقولوا: أنت نبيٌّ، لكنْ لستَ بصاحِبنا. وإلى هذا يُنْظَر قولُ صاحبِ ((التَّقريب)): هذا الوجهُ إنَّما يَرِدُ على المشركين لا على أهل الكتابِ، إذْ نَعْتُه عندَهم أنَّه أُمِّيٌّ. قوله: (زيادةُ تَصْويرٍ لِمَا نُفِيَ عنه من كَوْنه كاتبًا) يعني: هو مِنْ أُسلوب قولِهم: نَظَرتُه بعَيني، وأَخذتُه بيَدي، وقلتُه بفَمِي. فإن قلتَ: كيف جَمَعَ بينَ هذا وبينَ ما رَوى البخاريُّ ومسلمٌ والإمامُ أحمدُ والدارميُّ عن البَراء بن عازبٍ، قال: اعتَمَر رسولُ الله ﷺ وساقوا الحديثَ إلى قوله: فلما كَتبوا الكتابَ

стр. 6378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كَتبوا: هذا ما قاضى عليه محمَّدٌ رسولُ الله، قالوا: لا نُقِرُّ بهذا، فلو نَعلمُ أنك رسولُ الله ما مَنَعْناك، ولكن أنتَ محمّدُ بنُ عبد الله، فقال رسولُ الله ﷺ : ((أنا رسول الله، وأنا محمّدُ بنُ عبدِ الله))، ثم قال لعليٍّ ﵁: ((امْحُ رسولَ الله))، قال: لا والله لا أمحوكَ أبدًا، فأخذَ رسولُ الله ﷺ وليس يُحسِنُ يكتب، فكتب: ((هذا ما قاضي عليه محمّدُ بنُ عبد الله، لا يُدْخِلُ مكَّةَ السِّلاحَ إلا السَّيفَ في القِرَابِ، وأنْ لا يَخرُجَ من أهلِها بأَحَدٍ إن أراد أنْ يَتْبَعَه، وأن لا يَمْنَعَ من أصحابه أَحدًا إذا أراد أن يُقِيمَ بها)). الحديثَ. والجواب ما قال مُحيي السُّنة: يعني: لو كنتَ تَكْتبُ أو تَقرأً قبل الوحي لشَكَّ المُبْطِلُونَ. قلت: ويؤيِّدهُ قولُه تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ﴾؛ أي: من قَبْلِ إنزالِنَا إليكَ الكتابَ. وقال الشيخ مُحيي الدِّين النَّواوي في ((شرح صحيح مسلم)): وكما جاز أن يتلوَ جاز أنْ يَخُطَّ، ولا يَقْدَحُ هذا في كونه أُمِّيًّا، إذ ليستِ المُعجزةُ مجرَّدَ كونِه أُمِّيًّا، فإنَّ المعجزةَ حاصلةٌ بكَوْنه أوَّلاً كذلك، ثم جاء بالقرآن وبعُلومٍ لا يَعلَمُها الأُمِّيُّونَ. وقالوا: إنَّ اللهَ تعالى علَّمَه ذلك حينئذٍ، حِينَ كَتَب، وجَعَل هذا زيادةً في مُعجزتِه، فإنَّه كان أُمِّيًّا، فكما علَّمَه ما لم يكن يَعْلم منَ العلمِ وجَعَله يقرأُ ما لم يَقرا، ويَتْلو ما لم يَتْلُ، كذلك عَلَّمه أن يَكتُبَ ويَخُطَّ ما لم يَخُطَّ بعدَ النُّبوةِ. واحتَجُّوا أيضًا بآثار جاءتْ في هذا عن الشَّعبيِّ وبعضِ السَّلفِ، فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يَمُتْ حتّى كَتَب. تَمَّ كلامُه. ويمكنُ أن يُقالَ سبيلُ هذه الكتابةِ مع هذه الآيةِ سبيلُ قولِه: هل أنتِ إلاّ أُصْبَعٌ دَمِيتِ … وفي سَبيل الله ما لَقِيتِ

стр. 6379

ألا ترى أنك إذا قلت في الإثبات: رأيت الأمير يخط هذا الكتاب بيمينه، كان أشد لإثباتك أنه تولى كتبته، فكذلك النفي (بَلْ) القرآن (آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ) العلماء به وحفاظه، وهما من خصائص القرآن: كون آياته بينات الإعجاز، وكونه محفوظًا في الصدور يتلوه أكثر الأمة ظاهرًا؛ بخلاف سائر الكتب، فإنها لم تكن معجزات، وما كانت تقرأ إلا من المصاحف. ومنه ما جاء في صفة هذه الأمة «صدورهم أناجيلهم». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ونحوُه قولُه تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٢٩]، قال المصنف: ((ما هو إلاّ كلامٌ من جِنْس الكلامِ الذي يُرْمى به على السَّليقةِ من غير صَنْعَةٍ وقَصْدٍ إلى ذلك، ولا التفاتٍ منه إليه))، ويَعضُدُه قولُ راوي الحديثِ: ((وليس يُحسِن يَكْتُبُ)). قال في تفسير قولِه تعالى: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]: ((حقيقتُه: يحسن معرفته؛ أي: يَعرِفُه معرفةً حسنةً بتحقيق وإتقان)). وفي ((الروضة)): وممّا عُدَّ منَ المحرَّماتِ الشِّعرُ والخَطَّ، وإنّما يَتَّجهُ القولُ بتحريمهما لمَنْ يقول: إنه ﷺ كان يُحْسِنُهما، وقد اختُلف فيه؛ فقيل: كان يُحسنهما لكنه يمتنع منهما. والأصحُّ: أنه كان لا يُحسنهما. ثم قال صاحبُ ((الروضة)): ولا يمتنع تحريمهما وإن لم يُحسنهما، والمرادُ تحريمُ التَّوصُّلِ إليهما. قوله: (وهما من خصائص القرآنِ) مفسَّرٌ بقوله: ((كَوْنُ آياتِه بَيِّناتِ الإِعجازِ)) وبقوله: ((كَوْنُه محفوظًا في في الصُّدور))، يدلُّ عليه قوله: ((بخلاف سائرِ الكُتبِ))، فعلى هذا ((بل)) إضرابٌ عن مفهوم الآيتَينِ السابقتَينِ. المعنى: وكذلك أنزَلْنا إليكَ الكتابَ، والحال أنَّك أُمِّيٌّ ما كنتَ تَتْلُو مِنْ قَبلهِ من كتابٍ ولا تَخُطُّه بيَمينِكَ، بل ذلك الإنزالُ معجزةٌ خارقةٌ للعادات، وهي كَوْنُها في نفسِها آياتٍ بيِّناتٍ؛ لبلاغَتِها وفَصاحَتِها، وكَوِنُه اختُصَّ بأنْ حُوفِظَ [عليه] في صُدور العلماءِ دونَ سائر الكُتبِ. قوله: (صُدورُهم أَناجِيلُهم)، النهاية: في صفة الصَّحابة: ((معه قومٌ صُدورُهم

стр. 6380

(وَما يَجْحَدُ) بآيات الله الواضحة، إلا المتوغلون في الظلم المكابرون. [(وقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وإنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٥٠) أوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفى بِالله بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِالله أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ)] ٥٠ - ٥٢ [ قرئ: (آية) و (آيات) أرادوا: هلا أنزل عليه آية مثل ناقة صالح ومائدة عيسى ﵉، ونحو ذلك (إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ الله) ينزل أيتها شاء، ولو شاء أن ينزل ما تقترحونه لفعل (وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ) كلفت الإنذار وإبانته بما أعطيت من الآيات، وليس لي أن أتخير على الله آياته فأقول: أنزل علىّ آية كذا دون آية كذا، مع علمى أنّ الغرض من الآية ثبوت الدلالة، والآيات كلها في حكم آيةٍ واحدةٍ في ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أناجيلُهم)): هي جمعُ إنْجِيلٍ، وهي اسمُ كتابِ الله المنزَّلِ على عيسى- صلواتُ الله عليه- وهو عِبْرانيٌّ وسُريانيٌّ، وقيل: عربيٌّ، يريد أنَّهم يقرؤون كتابَ الله عن ظَهْر قُلوبِهم، ويَجمعُونَه في صُدورِهم حِفْظًا. وفي روايةٍ: ((وأَناجِيلُهم في صُدورِهم))؛ أي: كتبهم محفوظة فيها. ورُويَ في بعض كُتب التَّفسير في الكتابَينِ في صفة النبيِّ ﷺ وأُمَّتِه: يجتزئ بالبُلْغَةِ، ويَلْبَسُ الشَّمْلَةَ مع عَصَابَةٍ، وأَناجِيلُهم في صُدُورِهم. ورُويَ في بعض كتب التفسير: ((وقَرابينهُم من نُفوسِهم)). قوله: (قرئ: ((آيةٌ))، و ﴿آيَاتٌ﴾)، ((آيةٌ)): ابنُ كثيرٍ وأبو بكرٍ وحمزةُ والكسائيُّ، والباقون: ﴿آيَاتٌ﴾.

стр. 6381

ذلك، ثم قال: (أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ) آيةً مغنيةً عن سائر الآيات -إن كانوا طالبين للحق غير متعنتين- هذا القرآن الذي تدوم تلاوته عليهم في كل مكاٍن وزمان فلا يزال معهم آيةً ثابتةً لا تزول ولا تضمحلّ. كما تزول كل آيةٍ بعد كونها، وتكون في مكاٍن دون مكان. إنّ في مثل هذه الآية الموجودة في كل مكاٍن وزماٍن إلى آخر الدهر (لَرَحْمَةً): لنعمةً عظيمةً لا تشكر، وتذكرةً (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) وقيل: أو لم يكفهم، يعني: اليهود ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هذا القرآنُ الذي تَدُوم تلاوتُه عليهم في كلِّ مكانٍ) إلى آخره، هذه المُبالَغاتُ إنَّما نَشأتْ من وضع ﴿إِنَّا أَنزَلِنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ موضعَ ((القرآنِ))؛ لأنَّه مشتملٌ على صيغة التَّعظيمِ، فدلَّ على عظمة المنزَّل، واللاّم في ﴿اَلْكِتَابَ﴾ للجنس، فدلَّ على الكمالِ، أو للعهد فدلَّ على ما عُرف واشتُهر في البلاغة. ثم في استئنافِ ﴿يُتْلَى﴾ وتَخصِيصِه بالمضارع وجَعْلِه علَّةً للمنزَّل الدلالةُ على الاستمرار زمانًا ومكانًا، وإليه الإشارةُ بقوله: ((هذا القرآن الذي تَدُوم تِلاوتُه عليهم في كلِّ مكانٍ وزمانٍ))، ثم تعليل الجملة بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً﴾ تَتْمِيمٌ لذلك المعنى. قوله: (إنَّ في مِثْل هذه الآيةِ الموجودةِ) المِثْلُ: يُستعمل كنايةً عن ذات الشَّيء إذا كان متَّصفًا بأوصافٍ يَشترك فيها غيرُه تحقيقًا أو فرضًا، وهاهنا لمّا وَصَف القرآنَ بتلك الصفاتِ الفائقةِ وعقَّب بقوله ذلك لِيُستحضرَ بجميع صفاتِه، وآذَنَ بأنَّ القرآنَ جديرٌ بأنْ يكونَ رحمةً وذِكْرى، لِمَا له تلك الخِصَالُ الكاملةُ على سبيل التَّعليل. والقولِ الكُلِّيّ، حَسُنَ أن يُقالَ: إنَّ في مثل هذه الآيةِ كذا وكذا، ونَظيرُه في الكناية قولُهم: العَربُ لا تَخْفِرُ الذّْمَمَ. قوله: (﴿لَرَحْمَةً﴾ لَنِعْمَةً عظيمةً لا تُشْكَرُ) يُريد: أَنَّ التَّتكيرَ في ﴿لَرَحْمَةً وَذِكْرَى﴾ للتَّعظيم، وأنَّها رحمة لا يُقادَرُ قَدْرُها، وتَذكرةٌ؛ أي: تَذْكرة للمؤمنينَ. وفيه تعريضٌ بمَن لم يَرفعْ به رأسًا، ويقترحُ آياتٍ غيرَها، لا نِسْبةَ بينَها وبينَها، يعني: أَوْلَيناهُم تلكَ النِّعمةَ المُتكاثِرةَ الفوائدِ لِيَشْكُروها ويَعْرفوا حقَّها بأنْ يؤمنوا، وهم عَكَسوا وكَفَروا بها وقالوا: لولا نُزِّل عليه آيةٌ.

стр. 6382

أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم بتحقيق ما في أيديهم من نعتك ونعت دينك. وقيل: إنّ ناسًا من المسلمين أتوا رسول الله ﷺ بكتٍف قد كتبوا فيها بعض ما تقول اليهود، فلما أن نظر إليها ألقاها وقال: كفى بها حماقة قوٍم أو ضلالة قوٍم أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم، فنزلت. والوجه: ما ذكرناه. (كَفى بِالله بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً) أنى قد بلغتكم ما أرسلت به إليكم وأنذرتكم، وأنكم قابلتمونى بالجحد والتكذيب، (يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) فهو مطلع على أمرى وأمركم، وعالم بحقي وباطلكم (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ) منكم، وهو ما تعبدون من دون الله (وَكَفَرُوا بِالله) وآياته (أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) المغبونون في صفقتهم؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إنَّ ناسًا منَ المسلمينَ) الحديثَ، من رواية الدارميِّ عن يَحيى بنِ جَعْدةَ قال: أُتَي النبيُّ ﷺ بكَتِفٍ فيه كتابٌ، فقال: ((كفى بقومٍ ضَلَالاً أنْ يَرْغَبُوا عمّا جاء به نَبيُّهم، إلى ما جاء بع غيرُ نَبيِّهم، أو كتابٍ غيرِ كتابِهم))، فأَنزلَ اللهُ ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ الآيةَ. قوله: (والوَجْهُ ما ذَكَرِنا) أي: المعنى: أوَلَم يَكْفِهِم آيةٌ مُغْنيةٌ عن سائر الآياتِ؟ لأنَّه لا يلزمُ منَ الوَجْه الثاني كَوْنُه معجزةً بالغةً حَدَّ الإعجازِ والكَمالِ، ومِنَ الثالث كَونُه معجزةً أصلاً، والكلامُ في المُعجِزَة كقولهم: ((لولا أُنزل عليه آيةٌ))، يدلُّ عليه ما في ((المعالم)) و ((المطلع)): هذا جوابٌ لقولهم: ((لولا أُنزِلَت عليه آيةٌ من ربِّه)). قوله: (المَغْبُونونَ في صَفْقَتِهم) إشارةٌ إلى أنَّ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ﴾ استعارةٌ للاشتراء والبيع تقديرًا، و ﴿الْخَاسِرُونَ﴾ قرينةٌ للاستعارة، فإنَّ الخُسْرانَ لا يُستعمل حقيقةً إلاّ في التِّجارة المُتعارَفةِ. شَبَّه استبدالَ الكُفرِ بالإيمان المُستَلْزِمِ للعقابِ بالاشتراء المُستَلْزِمِ للخُسْرانِ.

стр. 6383

حيث اشتروا الكفر بالإيمان، إلا أن الكلام ورد مورد الإنصاف، كقوله: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)] سبأ: ٢٤ [، وكقول حسان: فشر كما لخير كما الفداء وروى أنّ كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد، من يشهد لك بأنك رسول الله؟ فنزلت. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلاَّ أنَّ الكلامَ وَرَدَ مَوْرِدَ الإنصافِ) أي: على أُسلوبِ الاستدراج والكلامِ المُنْصِفِ، وذلك أنَّ قولَه: ﴿قُلْ كَفَى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالبَاطِلِ﴾ الآيةَ كلامٌ فيه وَعيدٌ شديدٌ، وتهديدٌ عظيمٌ، لكن لم يُكافِحْ به مَنْ خُوطِبَ بأنْ لم يَقُلْ: والذين آمنوا بالباطلِ منكم، بل جيءَ به عامًّا على الغَيْبةِ، ولم يُصرِّحْ بما كان منهم من الجَحْد والتَّكذيبِ ليتفكَّروا فيه، ويَنظُروا: هل هم منَ الجاحِدينَ للحقِّ أو مِنَ المُنصِفِينَ، أو مِنَ الذين آمنوا بالله وكَفَروا بالطَّاغوتِ أو خلافِه، أو كانوا مُحِقِّينَ أو مُبْطِلِينَ؟ فحينئذٍ يُنْصَفُون من أنفُسِهم ويُذعنون للحقِّ، كما أنَّ حسّانَ وَبَّخ المخاطَبَ في صَدر البيت بقولِه: أتَهْجُوهُ ولستَ له بكُفْءٍ ثم أَبرزَ الكلامَ على الإنصافِ حيث لم يُبَيِّنِ الشِّريرَ والخَيِّرَ بقوله: فشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ فقولُه: ((إلا أنَّ الكلام وَرَد)) متعلِّقٌ بقوله: ((فهو مُطَّلِعٌ على أَمْري)) إلى آخِره؛ يعني: كان مِنْ ظاهرِ ما يَقتضيه الكلامُ أنْ يُقالَ: عالمٌ بحَقِّي وباطِلِكُم، والذين آمنُوا بالباطِلِ منكم، إلى آخِره، ولكنَّ الكلامَ وَرَدَ مَورِدَ الإنصافِ. قوله: (من يشهد لك بأنَّك رسولُ الله؟ فنَزلتْ) أي: قولُه: ﴿قُلْ كَفَى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾.

стр. 6384

[(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَاتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)] ٥٣ - ٥٥ [ كان استعجال العذاب استهزاًء منهم وتكذيبًا، والنضر بن الحارث هو الذي قال: اللهم أمطر علينا حجارةً من السماء، كما قال أصحاب الأيكة: (فأسقط علينا كسفا من السماء)] الشعراء: ١٨٧ [. (وَلَوْلا أَجَلٌ) قد سماه الله وبينه في اللوح لعذابهم، وأوجبت الحكمة تأخيره إلى ذلك الأجل المسمى (لَجاءَهُمُ الْعَذابُ) عاجلًا. والمراد بالأجل: الآخرة، لما روى أنّ الله تعالى وعد رسول الله ﷺ أن لا يعذب قومه ولا يستأصلهم، وأن يؤخر عذابهم إلى يوم القيامة. وقيل: يوم بدر. وقيل: وقت فنائهم بآجالهم، (لَمُحِيطَةٌ) أى: ستحيط بهم (يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ) أو هي محيطة بهم في الدنيا، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإنْ قلتَ: كيف الجمعُ بين هذا وبينَ قولِه تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٣]؟ لا تَسْتَشْهِدُوا بالله، ولا تقولوا: اللهُ يَشهدُ أنَّ ما نَدَّعِيه حقٌّ، كما يقولُه العاجِزُ عن إقامة البَيِّنةِ. قلت: المراد بالشَّهيد في هذه الآية: إظهارُ المُعجزةِ القاهرة على يَدِه، وإنزالُ هذا الكتاب الذي لا يزال معه آيةً ثابتةً في كلِّ مكانٍ وكلِّ زمانٍ يَشهدُ بذِلك الآيةُ السابقةُ. قوله: (﴿لَّجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ عاجلاً) يدلُّ على هذا المقدَّر قولُه: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمًّى﴾، وقولُه: ﴿وَلَيَاتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ عطفٌ تفسيريٌّ على ﴿لَّجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ نحو: أَعجَبَني زيدٌ وكرمُه. قوله: (أي: سَتُحيطُ بهم) أي: أصلُ الكلامِ هذا، ولكن جيءَ بالجملة الاسميَّةِ مؤكَّدةً باللاّم، و ((إنَّ)) لِيُؤذنَ بأنَّ إخبارَ الله عن الكائنِ واقعٌ البَتَّةَ، لِصِدْق وَعْدِه ووَعيدِه؛ نحو قولِه تعالى: ﴿إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: ١]، وعلى هذا: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ﴾ منصوبٌ بـ ((مُحِيطةٌ)). قوله: (أو هي مُحِيطةٌ بهم في الدُّنيا) تُنزَّلُ إحاطةُ أسبابِ العذابِ بهم منَ الكُفر والمعاصي

стр. 6385

لأنّ المعاصي التي توجبها محيطة بهم. أو: لأنها مآلهم ومرجعهم لا محالة فكأنها الساعة محيطة بهم. و (يَوْمَ يَغْشاهُمُ) على هذا منصوب بمضمر، أى: يوم يغشاهم العذاب كان كيت وكيت. (مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) كقوله تعالى: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ)] الزمر: ١٦ [، وَ (يَقُولُ) قرئ بالنون والياء (ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أى: جزاءه. [(يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ)] ٥٦ [ معنى الآية: أنّ المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة في بلٍد هو فيه ولم يتمش له أمر دينه كما يحب فليهاجر عنه إلى بلٍد يقدّر أنه فيه أسلم قلبًا وأصح دينًا وأكثر عبادةً وأحسن خشوعًا. ولعمري إن البقاع تتفاوت في ذلك التفاوت الكثير، ولقد جرّبنا وجرّب أوّلونا، فلم نجد فيما درنا وداروا أعون على قهر النفس وعصيان الشهوة، وأجمع للقلب المتلفت، وأضم للهم المنتشر، وأحث على القناعة، وأطرد للشيطان، وأبعد من كثير من الفتن، وأضبط للأمر الديني في الجملة؛ من سكنى حرم الله وجوار بيت الله، فلله الحمد على ما سهل من ذلك وقرب، ورزق من الصبر وأوزع من ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ منزلةَ إحاطةِ العذاب نَفْسِه؛ إطلاقًا لاسم المسبَّب على السَّببِ. قوله: (أو لأنَّها مآلُهم ومَرْجِعُهم لا مَحالَة) يريد أنَّ ((ما)) للوُقوع كالواقعِ لِتَظاهُرِ أسبابِه؛ نحو: مُتْ، وهو من باب المَجازِ باعتبار ما يَؤُولُ. قوله: (كَيْتَ وكَيْتَ) كنايةٌ عمّا يَقْصُر الوَصفُ عن بَيانِه؛ أي: حَدَثَ ووَقَع أمرٌ عظيمٌ، وخَطْبٌ جَسيمٌ، منَ الانتقام منَ المستهزئين وقَهْرِ المُكذِّبينَ، وتَشَفِّي غَليلِ المؤمنينَ، إلى غير ذلك، ولو قيل: واذكُرْ يومَ يغشاهُم، لم يُفِدْ هذه الفوائدَ. قوله: (﴿وَيَقُولُ﴾ قُرئ بالنُّونِ والياءِ) بالنُّون: ابنُ كثيرٍ وأبو عَمرٍو وابنُ عامر، والباقون: بالياء.

стр. 6386

الشكر. وعن رسول الله ﷺ : «من فرّ بدينه من أرٍض إلى أرٍض وإن كان شبرًا من الأرض؛ استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد» وقيل: هي في المستضعفين بمكة الذين نزل فيهم: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها)] النساء: ٩٧ [وإنما كان ذلك لأنّ أمر دينهم ما كان يستتب لهم بين ظهراني الكفرة، (فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) في المتكلم، نحو: إياه ضربته، في الغائب وإياك عضتك، في المخاطب. والتقدير: فإياى فاعبدوا فاعبدون. فإن قلت: ما معنى الفاء في (فَاعْبُدُونِ) وتقديم المفعول؟ قلت: الفاء جواب شرط محذوف؛ لأنّ المعنى: إنّ أرضى واسعة فإن لم تخلصوا العبادة لي في ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وإيّاكَ عَضَّتْكَ) بالعين المُهملة والضّادِ المُعجَمةِ، والفاعلُ مقدَّرٌ، وهو الحربُ، ((وإيّاك)) منصوبٌ على شَرِيطة التَّفسير. الأساس: مِنَ المُستعار: عَضَّه الأمرُ: اشتدَّ عليه، وعضَّتْهُ الحربُ. قوله: (فإيّايَ فاعبُدوا فاعْبُدون)، يُريد أنَّ ((إيايَ)) لا يجوزُ أن يكون مَعْمولاً لهذا المَذْكورِ؛ لأنَّه اشتَغَل عنه بضَميرِه، فوَجَب تقديرُ مُفسِّرٍ، وهو قولُه: ((فاعبُدوا)) وهو العاملُ في ((إيّايَ))، والفاءُ الأُولى جوابُ شرطٍ محذوفٍ والثانية كذلك، لكن أُنِيبَ مَنابَه تقدُّمُ المفعول، المعنى: يا عبادي إنَّ أرضي واسعةٌ. وإذا كان كذلك فأَخْلِصُوا لي العبادةَ أينما كنتُم، فإنْ لم تَتمكَّنوا منَ الإخلاص في أرضٍ تَتمكَّنون منه فيها. قال الزَّجاجُ: ((إيّايَ)) منصوبٌ بفعل مضمَرٍ يُفسِّرُه الظّاهرُ؛ أي: فاعبُدوا إيّايَ فاعبدوني، ولا يجوز انتصابه بالمذكور؛ لأنه مشغول بالضمير. وإذا قلت: ((فإيّايَ فاعبُدوا)) فـ ((إيّايَ)) منصوبٌ بما بعدَ الفاءِ، ولا تَنصبه بفعل مُضمَرٍ، كما إذا قلتَ: بزيدٍ فامْرُرْ، فالباء متعلِّقة بـ ((امْرُرْ))، وإذا قلتَ: زيدًا فاضربْ، فالفاء لا يَصلُح إلا أن تكونَ جوابًا للشَّرط، كأن قائلاً قال: أنا لا أضربُ عمرًا، ولكنّني أضربُ زيدًا. ثم قلتَ: زيدًا فاضْرِبْ، فجعلتَ تقديمَ الاسم بَدَلاً من لفظك بالشَّرطِ، كأنك قلت: إذا كان الأمر على ما قَصَدتَ فاضرِبْ زيدًا. هذا مذهبُ جميع البَصريِّينَ.

стр. 6387

أرٍض فأخلصوها لي في غيرها، ثم حذف الشرط وعوّض من حذفه تقديم المفعول، مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص والإخلاص. [(كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ)] ٥٧ [ لما أمر عباده بالحرص على العبادة وصدق الاهتمام بها حتى يتطلبوا لها أوفق البلاد وإن شسعت، أتبعه قوله: (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) أى: واجدة مرارته وكربه كما يجد الذائق طعم المذوق. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ثم حَذِفَ الشرطُ وعُوِّضَ مِنْ حَذْفِه تقديمُ المفعولِ، مع إفادةِ تَقْديمِه معنى الاختصاصِ والإخلاص) يعني: لمّا حُذف الشَّرطُ لدلالة الفاعليَّةِ، وعند الحَذْف خَفِيَ أمرُ المقدَّرِ أنَّه مِنْ أيِّ جنسٍ هو، فعُوِّض من ذِكْره تقديمُ المفعولِ معَ إفادةِ تَقْديمِه معنى الاختصاصِ والإخلاصِ، يعني: لمّا حُذف لدلالة الفاعليَّةِ وعندَ الحَذْفِ خَفِيَ أمر المقدَّر أنَّه من أيِّ جنس هو فعوض من ذِكْره تقديمُ المفعولِ، فإنَّه يُفيد الإخلاصَ ضِمْنًا لدلالتِه على الاختصاصِ، والاختصاصً والإخلاصُ من وادٍ واحدٍ، وإنّما أَخَّرْنا المفسَّرَ على المنصوبِ ليُفيدَ الاختصاصَ لاقتِضَاء المَقام، وهو قولُه: ((لأنَّ أَمْرَ دِينِهم ما كان يَسْتَتِبُّ لهم بينَ ظَهْرانَيِ الكَفَرة)). قوله: (وإنْ شَسَعَتْ) أي: بَعُدَتْ. الأساس: سَفَرٌ شاسِعٌ، وقد شَسِعَ شُسُوعًا. قوله: (كما يَجِدُ الذائقُ طَعْمَ المَذُوقِ)، الراغب: الذَّوْقُ: وُجودُ الطَّعم بالفَمِ، وأصلُه فيما يَقِلُّ تَناولُه دُونَ ما يَكْثُر منه، فإنَّه يُقال له الأكلُ، واخْتِيرَ في القرآن لفظُ الذَّوْقِ في العذابِ؛ لأنَّ ذلك- وإن كان في التَّعارُفِ للقليل- فهو مُسْتَصْلَحٌ للكثير، فخَصَّه بالذِّكر لِيَعُمَّ الأمرَينِ، وكَثُرَ استعمالُه في العذاب نحو: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]؛ وقد جاء في الرَّحمةِ؛ نحوُ ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ [هود: ٩].

стр. 6388

ومعناه: إنكم ميتون فواصلون إلى الجزاء، ومن كانت هذه عاقبته لم يكن له بد من التزود لها والاستعداد بجهده. [(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)] ٥٨ - ٥٩ [ (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ) لننزلنهم (مِنَ الْجَنَّةِ) علالي. وقرئ: (لنثوّينهم) من الثواء، وهو ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومعناه: إنَّكم مَيِّتون فواصِلُون إلى الجزاء) فإنْ قلتَ: لِمَ خالَفَ التِّلاوةَ حيث أَتى بالفاء، وفيها ((ثم))، وشَتّانَ ما بينَهما؟ قلت: الفاءُ الكاشفيَّةُ فَصيحةٌ، وليست للتَّعقيبِ المذكورِ؛ لأنَّ بينَ الموتِ والمُثُولِ بَيْن يَدَي المَلِكِ الجبّارِ في دار الجزاء تَراخِيًا؛ ولهذا جيءَ في التَّنزيل بـ ((ثُمَّ))، كأنَّه قيل: ثمَّ إنَّكم مَيِّتون فتُقبرون، ثم تُنشَرون فواصِلُون عَقِيبَه إلى الجزاء؛ كقوله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨]. وفائدةُ العُدُولِ الإشعارُ بأنَّ ما هو آتٍ أت، كأنَّ مَنْ مات فقد قامَت قيامتُه، وتَرتَّب عليه الجزاءُ على نحوِ ما مرَّ في قوله: ﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكَافِرِينَ﴾. ويُمكن أن تُحملَ ((ثُمَّ)) على التَّراخي في الرُّتبة، المعنى: يا عبادي الذين آمنُوا، إنْ يَصْعُب عليكم مُفارقةُ الأَوطانِ والهِجْرةُ إلى دار الغُربة للتَّخلِّي لعبادتي، فاعلَمُوا أنَّ الفُرْقَةَ العُظمى -وهي الموت- لابدَّ منها؛ لأنَّها مكتوبةٌ على كلِّ نَفْسٍ، ثُمَّ أصعبُ منها الحصولُ في دار الجزاء بَين يَدَي جبّار السَّماواتِ والأرضِ، يومَ نَضَع الموازينَ القِسْطَ، يومَ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، ومَن كانت عاقبتُه هذه لم يكنْ له بُدٌّ من التَّزوُّد لها وأخْذِ الأُهْبَةِ لها بمَجْهُوده. قوله: (لَنُثوِيَنَّهُم) حمزةُ والكسائيُّ: بالثاء، مِنَ الثَّواءِ، وهي الإقامةُ؛ ساكنة من غير همز، والباقون: بالباء مفتوحة مع الهمزِ.

стр. 6389

النزول للإقامة. يقال: ثوى في المنزل، وأثوى هو، وأثوى غيره وثوى: غير متعد، فإذا تعدى بزيادة همزة النقل لم يتجاوز مفعولًا واحدًا، نحو: ذهب، وأذهبته. والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين وإلى الغرف: إمّا إجراؤه مجرى لننزلنهم ونبوئنهم. أو حذف الجار وإيصال الفعل: أو تشبيه الظرف المؤقت بالمبهم. وقرأ يحيى بن وثاب: (فنعم)، بزيادة الفاء (الَّذِينَ صَبَرُوا) على مفارقة الأوطان والهجرة لأجل الدين. وعلى أذى المشركين، وعلى المحن والمصائب، وعلى الطاعات، وعن المعاصي، ولم يتوكلوا في جميع ذلك إلا على الله. [(وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا الله يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)] ٦٠ [ لما أمر رسول الله ﷺ من أسلم بمكة بالهجرة، خافوا الفقر والضيعة. فكان يقول الرجل منهم: كيف أقدم بلدةً ليست لي فيها معيشة، فنزلت. والدابة: كل نفٍس دبت على وجه الأرض، عقلت أو لم تعقل. (لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا) لا تطيق أن تحمله ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال مَكِّيٌّ: من قرأ بالثاء المثلَّثة من الثَّواء فـ ﴿غُرَفًا﴾ منصوبٌ بحَذْف حرف الجرِّ؛ لأنَّه لا يتعدَّى إلى مفعولين. ولا يَحسُن أن يُنصبَ ((الغُرَف)) على الظَّرف؛ لأنَّ الفعل لا يتعدَّى إلى مفعولَينِ، يقول: بَوَّاتُ زيدًا منزلاً. وأما قوله: ﴿وَإِذْ بَوَّانَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]، فاللاّم زائدةٌ كزيادتها في ﴿رَدِفِ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢] أي: رَدِفَكُم. قوله: (أو تَشبيهُ الظَّرفِ المؤقَّتِ بالمُبْهَمِ) أي: المعيَّنِ المَحْدودِ، وهذا أسْهَلُ في المُنكَّر منه في المُعرَّف في قول القائل: كما عَسَل الطَّريقَ الثَّعلَبُ لِمَا فيها منَ الإبهام، ومثل ﴿غُرَفًا﴾ في مجيئه ظرفًا منكرًا ((أرضًا)) في قوله: ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ [يوسف: ٩]. في ((المطلع)).

стр. 6390

لضعفها عن حمله (الله يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ) أى: لا يرزق تلك الدواب الضعاف إلا الله، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: لا يرزق تلك الدَّوابَّ الضِّعافَ إلا الله) هذا الحَصْرُ مُستفادٌ من بناء ﴿يَرْزُقُهَا﴾ على الاسم الجامع، ومثل هذا التَّركيبِ يُفيدُ التَّخصيصً عنده كما مرَّ في ((سورة الرعد)) عند قوله تعالى: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِزْقَ﴾ [الرعد: ٢٦]. قوله: ﴿وَإيَّاكُمْ﴾ تتميم ومبالغة لمعنى الرازقية في قوله: ﴿اللهُ يَرزُقُهَا﴾، ومِنْ ثَمَّ قال: ((ولا يَرزُقكُم أيضًا أيُّها الأقوياءُ إلاّ هو وإن كنتم مُطِيقينَ))، ويُمكن أن يُستنبَطَ معنى التَّخصيص من مَضْمون الكلامِ، وذلك أنَّه تعالى ما حَرَّض المؤمنينَ على المُهاجِرَةِ بقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿كَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ إلاّ وأنَّهم اعتَقَدوا الضَّياعَ وخافوا الفقرَ، يَدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾. وتأويلُ المصنِّف ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لقولكم: نخشى الفقرَ والضَّيعةَ، ﴿العَلِيمُ﴾ بما في ضمائركم، فمعنى قولِه تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾، أي: إنْ كان أمرُ دينِكُم لا يَسْتَتِبُّ بينَ الكَفَرةِ، فاعلَموا أنَّ أرضي واسعةٌ، فهاجروا إلى ما يَتَمكَّنُ فيه لكم ذلك الأمرُ. وفي لفظ ﴿وَاسِعَةٌ﴾ إشعارٌ بالوَعد من الضِّيق إلى السَّعَة، وقد أنجَزَ اللهُ وَعْدَه في المدينة. ولما أراد الوَعْدَ بالتَّوسعةِ في الآخرةِ والتَّسليةِ عن مُفارقَةِ الوطنِ قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وعقَّبَه بقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾، وبَنىَ عليه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ﴾ ولمّا أَتمَّ أمرَ التَّسليةِ في مُفارقةِ الأوطان وأراد أن يُزيلَ عنهم خوفَ الفقرِ أتى بقوله: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾؛ ليكونَ كالتَّخلُّصِ من حديث التَّوسعةِ في الأَمكِنَةِ إلى حديث التَّوسعةِ في الرِّزق، وهو قولُه: ﴿كَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾. ومِنْ ثَمَّ فسَّر المصنِّف الصَّبْرَ بقوله: ((صَبَروا على مُفارَقَة الأوطانِ))، فيكون هذا الكلامُ نفيًا لِمَا أَضْمَرُوا في أنفُسِهم من استشعارِ الخوفِ على الفقرِ إذا فارَقُوا أوطانَهم، وإثباتًا

стр. 6391

ولا يرزقكم أيضا أيها الأقوياء إلا هو، وإن كنتم مطيقين لحمل أرزاقكم وكسبها، لأنه لو لم يقدركم ولم يقدّر لكم أسباب الكسب، لكنتم أعجز من الدواب التي لا تحمل، وعن الحسن: (لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا) لا تدّخره، إنما تصبح فيرزقها الله. وعن ابن عيينة: ليس شيء يخبأ إلا الإنسان والنملة والفأرة. وعن بعضهم: رأيت البلبل يحتكر في حضنيه. ويقال: للعقعق مخابئ إلا أنه ينساها، (وَهُوَ السَّمِيعُ) لقولكم: نخشى الفقر والضيعة، (الْعَلِيمُ) بما في ضمائركم. [(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ الله فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ)] ٦١ [ الضمير في (سَأَلْتَهُمْ) لأهل مكة، (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) فكيف يصرفون عن توحيد الله وأن لا يشركوا به، مع إقرارهم بأنه خالق السماوات والأرض. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لِرازقيَّةِ الله تعالى على التَّوكيد البَليغِ، فيحصلُ الحَصْرُ من معنى نَفْي مُعتَقَدِهم وإثباتِ ما يُخالِفُه. قوله: (لو لم يُقْدِرْكُم ولم يقدِّرْ لكم)، أَقْدَرَهُ: جَعَلَه قادرًا، وقدَّره له: هَيّأهُ له، وهذا المعنى إنّما استُفِيدَ من عطفِ ((إيّاكم)) على ضمير الدَّوابِّ، وأنَّهم مشتركونَ معها في العَجْزِ. قوله: (في حِضْنَيهِ)، الأساس: الحِضْنُ: ما دُون الإبطِ إلى الكَشْحِ، حَضَنتِ المرأةُ وَلدَها، والحمامةُ بيضَها ومِحْضَنَةُ الحمامةِ، شِبْه قَصعتَينِ مُرَوَّحتينِ تُعمل من الطِّينِ. قوله: (فكيف يُصرفونَ عن توحيدِ الله)، الجوهريُّ: صَرَفْتُ الرَّجلَ عنِّي فانصَرَفَ، وصَرَف اللهُ عنك الأَذى. و((أن لا يشركوا به)) عطفٌ على سبيل التَّفسير على قوله: ((تَوْحيدِ اللهِ))، و ((معَ إقرارِهم)) حالٌ من فاعل ((يُصْرَفون)).

стр. 6392

[(الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)] ٦٢ [ قدر الرزق وقتره بمعنى إذا ضيقه. فإن قلت: الذي رجع إليه الضمير في قوله: (وَيَقْدِرُ لَهُ) هو: من يشاء، فكأن بسط الرزق وقدره جعلا لواحد؟ قلت: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الفاءَ في ﴿فَأَنَّى﴾ جوابُ شرطٍ محذوفٌ مقدَّرٌ بعد جوابِ القَسَمِ السادِّ مَسَدَّ جواب الشَّرطِ، وهو: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾؛ أي: إذا كان جوابُهم عن قولِه: ﴿مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، والاستفهامُ ولَّد التَّعجُّبُ، يعني: كيف يُمنَعون عنِ التَّوحيدِ وهُم مُقِرُّون بأنَّه خالقُ السَّماواتِ. قوله: (قَدَرَ الرِّزقَ وقَتَرَه) هذه الآيةُ- أعني قولَه: ﴿للَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ -تكميلٌ لمعنى قولِه: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾، لأنَّ الأوَّلَ الكلامُ في المَرْزُوقِ وعُمومِه، وهذا في الرِّزقِ وبَسْطِه وقَتْرِه. وقوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ مُعتَرِضٌ لتوكيدِ معنى الآيتينِ، وتَعرُّضٌ بأنَّ الذين اعتَمدتُم عليهم في الرِّزق مقرِّونٌ بقُدرتِنا؛ كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]. قوله: (الذي رجع إليه الضَّميرُ) يعني: إنَّ الضَّميرَ المجرورَ في قوله عائد إلى ((مَنْ))، فيَلْزمُ منه أن يَجعلَ القَبْضَ والبَسْطَ لواحدٍ. وأجاب أن الضَّميرَ غيرُ عائدٍ إلى ((مَنْ))، بل وَضعَ موضعَ ((من يشاء))، بجامع كونهما مبهمتين فيتعدد المرزوق، ويجوز أن يرجع إلى ((من))، ويُرادَ به شخصٌ واحد، فيتعدد بحَسْبِ أحواله فيبسطُ له تارةً ويُقدِّر له أخرى. وقلت: يمكنُ أن يرجعَ إلى ((مَنْ))، ويرادَ به العمومُ بدليل بيانِه بقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾، فيكونَ التعددُ بحَسبِ أشخاصِه، فالمعنى: إنَّ الله يبسطُ رزقَ بعضٍ ويُقدِّرُ رزْقَ بعضٍ، كما يقول: أكرمْتُ بني تميمٍ وأهنتُهم، ويريد البعضَ بقرينةِ المقام.

стр. 6393

يحتمل الوجهين جميعًا: أن يريد ويقدر لمن يشاء، فوضع الضمير موضع "من يشاء"؛ لأن "مَنْ يَشاءُ" مبهم غير معين، فكان الضمير مبهمًا مثله، وأن يريد تعاقب الأمرين على واحٍد على حسب المصلحة (إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) يعلم ما يصلح العباد وما يفسدهم. [(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ الله قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ)] ٦٣ [ استحمد رسول الله ﷺ على أنه ممن أقر بنحو ما أقروا به؛ ثم نفعه ذلك في توحيد الله ونفى الأنداد والشركاء عنه، ولم يكن إقرارًا عاطلًا كإقرار المشركين؛ وعلى أنهم أقروا بما هو حجة عليهم؛ حيث نسبوا النعمة إلى الله وقد جعلوا العبادة للصنم، ثم قال: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) ما يقولون وما فيه من الدلالة على بطلان الشرك وصحة التوحيد. أو: لا يعقلون ما تريد بقولك الحمد لله، ولا يفطنون لم حمدت الله عند مقالتهم؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يحتمل الوجهين جميعًا) اللام للعهد؛ أي: الوجهين المذكورين في السؤال منطوقًا ومفهومًا؛ لأن قوله: ((فكأنَّ بَسْطَ الرزقِ وقَدْرَه جعلا لواحد))، والحال أنهما للاثنين. قوله: (استحمدَ رسولَ الله ﷺ أي: طلب منه أن يحمده. الأساس: واستحمدَ الله على خلقِهك بإحسانِه إليهم وإنعامه عليهم. قوله: (﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ما يقولون) هذا مبنيٌّ على الوجه الثاني، وهو أنهم أقروا بما هو حُجّةٌ عليهم، وقوله: أو لا يعقلون ما تريد، بينيٌّ على الوجهِ الأول، وهو قوله: ((إنه أقر بنحو ما أقروا به)، والأول أظهر لمُقْتضى بل من الترقي، كأنه قيل: احمَدِ الله على ما أقروا بما هو حُجّةٌ عليهم، وعلى تبكيتِهم وإلزامِهم، بل على جهلهم، وأن ما قالوه دلّ على سَلْبِ عقولهم.

стр. 6394

[(وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ)] ٦٤ [ (هذِهِ) فيها ازدراء للدنيا وتصغير لأمرها، وكيف لا يصغرها وهي لا تزن عنده جناح بعوضة، يريد: ما هي لسرعة زوالها عن أهلها وموتهم عنها إلا كما يلعب الصبيان ساعةً ثم يتفرقون. (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ) أى: ليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة خالدة لا موت فيها، فكأنها في ذاتها حياة. والحيوان: مصدر "حي"، وقياسه حييان، فقلبت الياء الثانية واوًا، كما قالوا: حيوة، في اسم رجل، وبه سمى ما فيه حياة: حيوانًا. قالوا: اشتر من الموتان ولا تشتر من الحيوان. وفي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهي لا تزِنُ عنده جناحَ بعوضة) مقتبس من قوله ﷺ : ((لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء)). أخرجه الترمذي عن سهل بن سعد. قوله: (وقياسه: حَيَيان) قال أبو البقاء: فقُلبت الياءُ واوًا؛ لئلا يلتَبسَ بالتثنية، ولم يَقلب الفاء لتحرُّكِها وانتفاحِ ما قبلها؛ لئلا يحذف أحد الألفين. قوله: (وبه سُمِّيَ ما فيه حياةٌ: حيوانًا) قال صاحب ((الكشف)): أما قولهم: الحيوان للنفس، فإنه في الأصل مصدر، وسمي به الشخص على تقدير أنه ذو الحياة. قوله: (اشْتَر من المَوَتان)، الجوهري: الموتَانِ بالتحريكِ خلافُ الحيوان؛ أي: اشْترِ الأرضِينَ والدورَ، ولا تشتر الرقيقَ والدوَاب. والنَّزَوان من نزا نزوانًا، ونزا الذكر على الأنثى نِزا بالكسر، يقال ذلك في الحافر والظلف والسباع. والنفَضان: التحرك، نفضَ رأسَه ينفضُ نفضًا ونفوضًا. واللَّهَبان بالتحريك: إيقاد النار، وكذلك اللهيبُ واللُّهبان بالضم.

стр. 6395

بناء الحيوان زيادة معنى ليس في بناء الحياة، وهي ما في بناء فعلان من معنى الحركة والاضطراب، كالنزوان والنفضان واللهبان، وما أشبه ذلك. والحياة: حركة، كما أن الموت سكون، فمجيئه على بناٍء دال على معنى الحركة، مبالغة في معنى الحياة، ولذلك اختيرت على الحياة في هذا الموضع المقتضى للمبالغة. (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ): فلم يؤثروا الحياة الدنيا عليها. [(فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)] ٦٥ - ٦٦ [ فإن قلت: بم اتصل قوله (فَإِذا رَكِبُوا)؟ قلت: بمحذوف دلّ عليه ما وصفهم به وشرح من أمرهم، معناه: هم على ما وصفوا به من الشرك والعناد (فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) كائنين في صورة من يخلص الدين لله ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولذلك اختيرت على الحياة في هذا الموضع) أي: لما فيه من المبالغة اختيرت، وأن المقام يقتضي المبالغة؛ لأنه واقع في مقابل حياة الدنيا، فكما بولغَ في قلّةِ ثباتها وسرعة تقضيها حيث جعلت لهوًا ولعبًا تشبيهًا بلعب الصبيان، يلعبون ساعة ثم يتفرقون؛ بولغ في دوامها وثباتها، كما قال: ((ليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة خالدة .... فكأنها في ذاتها حياة)). قوله: (هم على ما وُصِفوا به من الشرك والعناد ﴿فَإِذَا رَكِبُوا﴾، يريد: أن الفاء للتعقيب، وفي الكلام معنى الغاية، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ إلى قوله: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢]، يعني: هم مصروفون عن توحيد الله مع إقرارِهم بأنه الخالقُ مُقِرّون بما هو حجة عليهم في قولهم ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ حين سئلوا ﴿مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ لاهون بالدنيا، مشتغلون بما هو في وشك الزوال، ذاهلون عن الحياة الأبدية حتى إذا ركبوا في الفلك فحينئذ يرجعون إلى أنفسِهم داعين خاضعينَ مُخلصين له الدين. يدل على هذا الترتيب قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾، فإنه نَشْرٌ لمضمون

стр. 6396

من المؤمنين، حيث لا يذكرون إلا الله، ولا يدعون معه إلهًا آخر. وفي تسميتهم مخلصين ضرب من التهكم، (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ) وآمنوا عادوا إلى حال الشرك: واللام في (لِيَكْفُرُوا) محتملة أن تكون لام "كى"، وكذلك في (وَلِيَتَمَتَّعُوا) فيمن قرأها بالكسر. والمعنى: أنهم يعودون إلى شركهم ليكونوا بالعود إلى شركهم كافرين بنعمة النجاة، قاصدين التمتع بها والتلذذ لا غير، على خلاف ما هو عادة المؤمنين المخلصين على الحقيقة: إذا أنجاهم الله أن يشكروا نعمة الله في إنجائهم، ويجعلوا نعمة النجاة ذريعةً إلى ازدياد الطاعة، لا إلى التمتع والتلذذ، وأن تكون لام الأمر، وقراءة من قرأ: (وليتمتعوا) بالسكون تشهد له. ونحوه قوله تعالى: (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)] فصلت: ٤٠ [. فإن قلت: كيف جاز أن يأمر الله تعالى بالكفر وبأن يعمل العصاة ما شاءوا، وهو ناهٍ عن ذلك ومتوعد عليه؟ قلت: هو مجاز عن الخذلان والتخلية، وأن ذلك الأمر متسخط إلى غاية. ومثاله أن ترى الرجل قد عزم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الآيات السابقة من الشرك الذي بَيَّنَ عنه قوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ومن التمتع بالدنيا المُومَأ إليه بقوله: ﴿مَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾. قوله: (من قرأ: ((وَلْيَتَمتَّعُوا)) بالسكون) ابن كثير وقالون وحمزة والكسائي، والباقون: بكسر اللام. قال مكي: مَنْ كَسرها جَعلَها لام ((كي))، ويجوز أن يكون لام أمر، ومن أسكنَها فهي لامُ أمرٍ لا غير. ولا يجوز أن يكون مع الإسكان لام ((كي))، لأنّ لام ((كيْ)) حُذِفَتْ بعدها ((أن))، فلا يجوزُ حذْفُ حركتِها أيضًا لضعفِ عواملِ الأفعال. قوله: (﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فُصِّلَت: ٤٠])، فالأمر للتهديد. قوله: (مُتسخَّط)، الأساس: سَخِط عليه سُخْطًا، وهو مَسْخوطٌ عليه، وأسخطه: أعطاه قليلاً، فَتسخَّطه: لم يرضه، والبِرُّ مَرضاة للربِّ مَسْخَطةٌ للشيطان، ولا يَتعرّضُ لسُخْطةِ الملك.

стр. 6397

على أمر، وعندك أنّ ذلك الأمر خطأ، وأنه يؤدى إلى ضرٍر عظيم، فتبالغ في نصحه واستنزاله عن رأيه، فإذا لم تر منه إلا الإباء والتصميم، حردت عليه وقلت: أنت وشأنك وافعل ما شئت، فلا تريد بهذا حقيقة الأمر. وكيف والآمر بالشيء مريد له، وأنت شديد الكراهة متحسر، ولكنك كأنك تقول له: فإذ قد أبيت قبول النصيحة، فأنت أهل ليقال لك: افعل ما شئت وتبعث عليه، ليتبين لك إذا فعلت صحة رأى الناصح وفساد رأيك. [(أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ الله يَكْفُرُونَ)] ٦٧ [ كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضًا، ويتغاورون، ويتناهبون، وأهل مكة قارّون آمنون فيها، لا يغزون ولا يغار عليهم مع قلتهم وكثرة العرب، فذكرهم الله هذه النعمة الخاصة عليهم، ووبخهم بأنهم يؤمنون بالباطل الذي هم عليه، ومثل هذه النعمة المكشوفة الظاهرة، وغيرها من النعم التي لا يقدر عليها إلا الله وحده، مكفورة عندهم. [(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى الله كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ)] ٦٨ [ افتراؤهم على الله كذبًا: زعمهم أن لله شريكًا. وتكذيبهم بما جاءهم من الحق: كفرهم بالرسول والكتاب. وفي قوله: (لَمَّا جاءَهُ) تسفيه لهم، يعني: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والآمِرُ بالشيء مريدٌ له) يعني: أمر الكافر بالإيمان، فلا يكون مريدًا للكفر منه. هذا مذهبه. وعند أهل السنة: يجوز أن يكون الأمر على خلاف المراد؛ لأن الله تعالى أمر فرعون بالإيمان ولم يرد منه إلا الكفر. قوله: (وتُبعَثُ عليه)، الأساس: بعثه على الأمر، وتباعثوا عليه.

стр. 6398

لم يتلعثموا في تكذيبه وقت سمعوه، ولم يفعلوا كما يفعل المراجيح العقول المثبتون في الأمور: يسمعون الخبر فيستعملون فيه الروية والفكر. ويستأنون إلى أن يصح لهم صدقه أو كذبه، (أَلَيْسَ) تقرير لثوائهم في جهنم، كقوله: ألستم خير من ركب المطايا قال بعضهم: ولو كان استفهامًا ما أعطاه الخليفة مئةً من الإبل. وحقيقته: أن الهمزة همزة الإنكار دخلت على النفي، فرجع إلى معنى التقرير، فهما وجهان، أحدهما: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لم يَتَلَعثَموا)، الجوهري: أبو زيد: تلعثم الرجل في الأمر: إذا مكث فيه وتأني. وقال الخليل: نكل عنه وتبصَّر. قوله: (المراجيح العقول)، ومن المجاز: رجل راجح العقل، وفلان في عقله رجاحة، وفي خُلقه سَجاحة. قوله: (ويَسْتَأنون)، تأني في الأمر واستأنى، يقال: تأنَّ في أمرك: اتَّئِد، واستأنيت فلانًا: لم أعجله، واستأنى: رفق. في ((الأساس)). هذا كُله معنى ﴿لَمَّا﴾ في ﴿لَمَّا جَاءَهُ﴾ قوله: (ألستُم خيرَ مَن ركبَ المَطايا)، تمامه: وأندى العالمين بطونَ راح يقال: نَدِيَتْ كفُّه بكذا؛ أي: جادت، يعني أكثرهم عطاء. قيل لما مدح الشاعر الخليفة بهذه القصيدة وبلغ البيت متكئًا فاستوى جالسًا فرحًا، وقال: مَنْ مَدحَنا فليمْدَحْنا هكذا، وأعطاه مئة من الإبل. قوله: (وفيها وجهان) ويروي: ((فهما)) بغير واو. قيل: ضميرُ التثنية مُبْهَمٌ فُسِّرَ بقوله: ((وجهان))، كقوله تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]، فقوله: ((وألا

стр. 6399

ألا يثوون في جهنم، وألا يستوجبون الثواء فيها، وقد افتروا مثل هذا الكذب على الله، وكذبوا بالحق هذا التكذيب والثاني: ألم يصح عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين، حتى اجترءوا مثل هذه الجرأة؟ . [(وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ الله لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)] ٦٩ [ أطلق المجاهدة ولم يقيدها بمفعول؛ ليتناول كل ما يجب مجاهدته من النفس الأمّارة بالسوء والشيطان وأعداء الدين، (فِينا) في حقنا ومن أجلنا ولوجهنا خالصًا، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يستوجبون الثواءَ فيها وقد افتروا)) هذا مستفاد من جعل التعريف في ((الكافرين)) للعهد، وتنزيله منزلة المضمر إشعارًا بالعِلّيّة. قوله: (والثاني: ألم يصحَّ عندهم أن في جهنم مثوىً للكافرين) على أن التعريف للجنس، فيلزم منه إدخالهم في ذلك الحكم بطريق برهاني. قوله: (﴿فِينَا﴾ في حَقِّنا ومن أجلِنا ولوَجهنا) أكّد تفسيرَ ((فينا)) وترقّي فيه، وذلك لاستعمالِ ((في)) وإدخالها على صيغةِ التعظيم، كأنه أريد أنّ حَقيقة المجاهدة مكانُها ومستقَرّها أن تكونَ في الله وفي ذاته لا يتجَزّأُ منها شيءٌ إلى مكانٍ آخر، وهو كناية إيمائية. قال خُبيبٌ الأنصاريُّ المقتول صَبْرًا: فلستُ أبالي حين أُقتلُ مُسلمًا … على أيِّ شِقٍّ كان لله مَصْرعي وذلك في ذاتِ الإلهِ وإن يشَا … يُباركْ على أوصالِ شِلْوٍ مُمزَّع الممزَّع: المُفرَّق، والمقسَّم والشِّلْوُ: العضْوُ، وحديثُه بطولهِ مذكور في ((صحيح البخاري)) و ((سنن أبي داود)) عن أبي هريرة. ألا ترى كيف أظهَر الإخلاصَ حتى علّق البركةَ بالمشيئة. وقال جعفر الصادق ﵁: المجاهدةُ صدقُ الافتقارِ، وهو انفصالُ العبدِ من نفسهِ واتصالُه بربه. وقال: من جاهَد بنفسِه لنفسِه وصلَ إلى كرامةِ ربه، ومن جاهد بنفسهِ لربِه وصل إلى ربه.

стр. 6400

(لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) لنزيدنهم هدايةً إلى سبل الخير وتوفيقًا، كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً)] محمد: ١٧ [، وعن أبى سليمان الداراني: والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا. وعن بعضهم: من عمل بما يعلم وفق لما لا يعلم. وقيل: إن الذي نرى من جهلنا بما لا نعلم، إنما هو من تقصيرنا فيما نعلم (لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) لناصرهم ومعينهم. وعن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كل المؤمنين والمنافقين». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مَنْ عمِلَ بما يعلمُ وُفِّق لما لا يعلم) مثله قولهم: العلم علمان: علم وراثةٍ وعلمُ دراسة، العارفون صدقَتْ مجاهداتهم فنالوا علومَ الدراسة، العارفون صدقَتْ مجاهداتهم فنالوا علومَ الدراسة، وصفَتْ معاملتُهم فمُنحوا علم الوارثة. قوله: (﴿لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ لَناصِرُهم ومعينهم)، أفادت النصرةَ المعيّةُ فطابق ﴿لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ لَناصِرُهم ومعينهم)، أفادت النصرةَ المعيّةُ فطابق ﴿لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قوله: ﴿جَاهَدُوا﴾ لفظًا ومعنى، أما اللفظ فمن حيث الإطلاق، وأما المعنى فالمجاهد للأعداء يفتقر إلى معين وناصر، ثم إن جملة قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ تذييلٌ للآية مؤكَّدٌ بكلمَتي التوكيد، محكيٌّ باسم الذات؛ ليؤذن بأن من جاهد بكليته وشراشرهِ في ذاته تجلَّى له الربُّ عن اسمهِ باسمهِ الجامع في صفةِ النصرة والإعانةِ تجليًّا تامًّا. هذه خاتمةٌ شريفةٌ للسورة؛ لأنها مجاوبةٌ لمُفتتَحِها ناظرةٌ إلى فريدةِ قلادتِها ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ لامحةٌ إلى واسطةِ عِقْدِها ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾، وهي في نفسها جامعة فاذة، ولهذا قال: ليتناولَ كل ما يجبُ مجاهدته من النفس الأمارة بالسوء والشيطانِ وأعداءِ الدين. تمت السورة، حامدًا لله ومُصَلِّيًا ومسلِّمًا

стр. 6401

سورة الروم مكية، وآياتها ستون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ الله يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)] ١ - ٥ [ القراءة المشهورة الكثيرة: (غُلِبَتِ) بضم الغين، و (سيغلبون) بفتح الياء. والأرض: أرض العرب، لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم. والمعنى: غلبوا في أدنى أرض العرب منهم وهي أطراف الشام. أو: أراد أرضهم، على إنابة اللام مناب المضاف إليه، أى: في أدنى أرضهم إلى عدوّهم. قال مجاهد: هي أرض الجزيرة، وهي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورةُ الرُّوم مكِّيّةٌ، وآياتُها ستُّون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (في أَدنى أرضِ العربِ منهم) ((منهم)) متعلِّق بـ ((أدنى))، والضَّميرُ للرُّوم. قوله: (على إنابة اللاَّم مَنابَ المضافِ إليه) فعَلى هذا: الأرضُ أرضُ الرُّوم، وإنّما نَسَب الأدنى إلى عدوِّهم في هذا الوجه؛ لأنَّ ((أدنى)) من الأمور النِّسبية، فإذا لم يُرد بها أرضَ العرب لابدَّ مِن أرضٍ أخرى، وليست إلا أرضَ عدوِّهم، وهو فارسُ، والقرينةُ ﴿غُلِبَتِ﴾.

стр. 6402

أدنى أرض الروم إلى فارس. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: الأردن وفلسطين. وقرئ: (في أدانى الأرض)، والبضع ما بين الثلاث إلى العشر. عن الأصمعى. وقيل: احتربت الروم وفارس بين أذرعات وبصرى، فغلبت فارس الروم، فبلغ الخبر مكة فشق على النبي ﷺ والمسلمين؛ لأن فارس مجوس لا كتاب لهم، والروم أهل الكتاب، وفرح المشركون وشمتوا وقالوا: أنتم والنصارى أهل الكتاب، ونحن وفارس أميون، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم، ولنظهرنّ نحن عليكم، فنزلت. فقال لهم أبو بكر رضى الله عنه: لا يقرّر الله أعينكم، فو الله لتظهرنّ الروم على فارس بعد بضع سنين، فقال له أبى بن خلف: كذبت يا أبا فصيل، اجعل بيننا أجلًا أنا حبك عليه. والمناحبة: المراهنة، فناحبه على عشر قلائص من كل واحد منهما، وجعلا الأجل ثلاث سنين، فأخبر أبو بكر رضى الله عنه رسول الله ﷺ فقال: البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر ومادّه في الأجل. فجعلاها مائة قلوٍص إلى تسع سنين. ومات أبىّ من جرح رسول الله، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك عند رأس سبع سنين. وقيل: كان النصر يوم بدر للفريقين، فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبى، وجاء به إلى رسول الله ﷺ فقال: تصدّق به. وهذه الآية من الآيات البينة الشاهدة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يا أبا فَصيل) بالفاءِ والصادِ المُهْمَلة، أكثرُ ما يُطلق ((فَصيل)) في الإبل ((فَعيل)) بمعنى مفعول، وهو ولدُ الناقةِ إذا فُصِل عن أمِّه، ولم تسمع هذه الكنية فيه ﵁ لا في الجاهلية ولا في الإسلام. ولعل هذا القائل ذهب إلى أنَّ ((أبا بَكَرٍ)) بالفتح في ((أبي بَكْر)) هو الفَتِيُّ من الإبل، بمنزلةِ الغلامِ من الإنسان، فوُضِع موضعَه الفَصِيل تلميحًا، والله أعلم. قوله: (ومادَّه في الأَجَل)، النهاية: المُدَّة: طائفةٌ مِن الزَّمانِ تقعُ على القليل والكثير، ومادَّ فيها، أي: أطالَها، وهي فاعَل من المدِّ، ومنه الحديث: ((إن شاؤوا مادَدْناهم)).

стр. 6403

على صحة النبوّة، وأن القرآن من عند الله؛ لأنها إنباء عن علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. وقرئ: (غلبهم) بسكون اللام. والغلب والغلب مصدران كالجلب والجلب، والحلب والحلب. وقرئ: (غلبت الروم) بالفتح، وسيغلبون، بالضم. ومعناه أن الروم غلبوا على ريف الشام وسيغلبهم المسلمون في بضع سنين. وعند انقضاء هذه المدّة أخذ المسلمون في جهاد الروم، وإضافة (غلبهم) تختلف باختلاف القراءتين، فهي في إحداهما إضافة المصدر إلى المفعول. وفي الثانية إضافته إلى الفاعل. ومثالها: (مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ)] البقرة: ٨٥ [، (وَلَنْ يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ)] الحج: ٤٧ [. فإن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: ((غَلَبَتِ الرُّومُ)) بالفتح)، روى الترِّمذيُّ، عن أبي سعيد: لما كان يومُ بدرِ ظهرت الرُّوم على فارسَ، فأعجب ذلك [المؤمنين] فنزل: ﴿أَلَم*غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إلى قوله: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ*بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ قال: ففرح المؤمنون بظُهور الرُّوم على فارسَ. قال التَّرمذيُّ: وهكذا قرأَ نصرُ بن عليٍّ: ((غَلَبَت)). قال الزَّجاج: قرأ أبو عمرو وحدَه: ((غَلبت الرُّوم)) بفتح الغين، والمعنى على ﴿غُلِبَتِ﴾، وهي إجماع القرّاء، وذلك أن فارسَ كانت قد غلبتِ الرُّومَ في ذلك الوقت، فالرُّوم مغلوبة، فالقراءة ﴿غُلِبَتِ﴾. وقلت: التِّرمذيُّ من الثقات، والتَّوفيقُ بين الرِّوايتينِ أن يُقالَ: إنها نزلت مرَّتين، مرةً في مكَةّ؛ ﴿غُلِبَتِ﴾ بالضِّم، وأخرى يومَ بدرٍ؛ بالفتح. وتأويل الفتح ما ذَكَره المصنِّف أن الرُّومَ غَلبوا على رِيف الشّام، وسَيغلبهم المؤمنون في بضع سنين. والرِّيف: أرضٌ فيها زَرعٌ وخَصْب.

стр. 6404

قلت: كيف صحت المناحبة وإنما هي قمار؟ قلت: عن قتادة رحمه الله تعالى أنه كان ذلك قبل تحريم القمار. ومن مذهب أبى حنيفة ومحمد: أن العقود الفاسدة من عقود الربا وغيرها جائزة في دار الحرب بين المسلمين والكفار. وقد احتجا على صحة ذلك بما عقده أبو بكر بينه وبين أبىّ بن خلف. (مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) أى: في أوّل الوقتين وفي آخرهما حين غلبوا وحين يغلبون، كأنه قيل: من قبل كونهم غالبين، وهو وقت كونهم مغلوبين. ومن بعد كونهم مغلوبين. وهو وقت كونهم غالبين، يعنى: أن كونهم مغلوبين أوّلًا وغالبين آخرًا ليس إلا بأمر الله وقضائه، (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ)] آل عمران: ١٤٠ [وقرئ: (من قبل ومن بعد) على الجرّ من غير تقدير مضاٍف إليه واقتطاعه. كأنه قيل: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مِنْ قَبْلِ كَوْنهم غالبينَ)، وهو وقتُ كَونِهم مغلوبينَ ومِن بَعْدِ كونِهم مغلوبين، وهو وقتُ كونِهم غالبين؛ وذلك أنَّ كلاًّ مِن الوقتين، أَعني: وقتَ كَوْنِهم مغلوبين ووَقْتَ كَونِهم غالبين بالنِّسبة إلى الآخَرِ له اعتبارُ القَبْليَّةِ والبَعْديَّة، فأنَّ الرُّومَ كانوا في أوَّل الأمرِ مغلوبينَ، وفي ثاني الحالِ صاروا غالبينَ، فكَونهم مغلوبينَ قبلَ كونِهم غالبينَ، وكونهم غالبينَ بعدَ كونِهم مغلوبينَ، وذلك أن ((قَبْل)) و ((بَعْد)) من الغايات، فلا بدَّ من تقدير المضافِ إليه. قوله: (وقرئ: ((مِنْ قَبْلِ ومِنْ بَعْدِ)) على الجرّ)، قال الزَّجاجُ: ((إنهم يُجيزون بالتَّنوين، وبعضُهم بغير التَّنوين، وهذا خطأٌ؛ لأنَّ ((قَبْل)) و ((بَعْد)) أصلُهما هاهنا الخفضُ، ولكن بُنِيَتا على الضمِّ؛ لأنَّهما غايتانِ، ومعنى الغايةِ أنَّ الكلمةَ حُذفت منها الإضافة وجُعلت غايةُ الكَلِمة ما بقيَ بعدَ الحَذْف، وإنما بُنِيَتا على الضَّمِّ؛ لأنَّ إعرابَهما في الإضافة النَّصْبُ والخفضُ ولا يُرفعان؛ لأنهما لا يُحدَّث عنهما، استُعملا ظرفَينْ، فلما عُدِلا عن بابهما حُرِّكا

стр. 6405

قبلًا وبعدًا، بمعنى أوّلًا وآخرًا، وَ (يَوْمَئِذٍ) ويوم تغلب الروم على فارس، ويحل ما وعده الله من غلبتهم (يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) وتغليبه من له كتاب على من لا كتاب له. وغيظ من شمت بهم من كفار مكة. وقيل: نصر الله: هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم، وقيل: نصر الله أنه ولى بعض ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بغير الحَركتين اللَّتينِ كنتا له يَدخلانِ بحقِّ الإعراب، وأما وجوبُ بنائهما وذهاب وإعرابهما فلأنَّهما عُرِّفا من غير جهةِ التَّعريف؛ لأنه حُذف منهما ما أُضيفتا إليه. وأما الخفضُ والتنوينُ فعلى جَعْلهما نَكرتَينِ، المعنى: للهِ الأمرُ مِنْ تَقَدُّمٍ ومِنْ تأخُّرٍ. وأما الكسر بلا تنوين، فذَكر الفرّاءُ أنه تُرك على ما كان عند الإضافة، واحتَجَّ بقوله: بين ذِراعَيْ وجبهَة الأسدِ وليس هذا القولُ مما يُعرَّج إليه؛ لأنَّ ذِكْرَ المضافِ إليه في البيت يَدلُّ على الآخَر. وقال مكيُّ: ((قبلُ)) و ((بعدُ)) بُنِيا؛ لأنَّهما تَعرَّفا بغير ما تتعرَّفُ به الأسماءُ؛ لأنَّ الأسماءَ تتعرف بالألفِ واللاّمِ، وبالإضافة إلى المعرفة، وبالإضمار ونحوها، وليس في ((قبل)) و ((بعد)) شيءٌ من ذلك، فلما تَعرَّفا بخلاف ما تتعرَّف به الأسماءُ- وهو حَذفُ ما أُضِيفَ إليهما- خالفا الأسماءَ وشابَها الحروفَ، فبُنِيَتا كما تُبنى الحروفُ، وإنّما بُنِيَتا على الضمِّ لمُشابهتِهِما المنادى المفرد، إذِ المُنادى يُعرب إذا أضيف. وقال بعضُهم: إنَّما بُنِيَا؛ لأنَّهما تعلَّقا بما بعدَهما فأَشْبَها الحروفَ إذ الحروفُ مُتعلِّقة بغيرها.

стр. 6406

الظالمين بعضًا وفرق بين كلمهم، حتى تفانوا وتناقصوا، وفل هؤلاء شوكة هؤلاء؛ وفي ذلك قوّة للإسلام. وعن أبى سعيد الخدري ﵁: وافق ذلك يوم بدر، وفي هذا اليوم نصر المؤمنون، (وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) ينصر عليكم تارةً وينصركم أخرى. [(وَعْدَ الله لا يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ)] ٦ - ٧ [ (وَعْدَ الله) مصدر مؤكد، كقولك: لك علىّ ألف درهم عرفًا: لأنّ معناه: أعترف لك بها اعترافًا، ووعد الله ذلك وعدًا؛ لأنّ ما سبقه في معنى (وعد). ذمّهم الله بأنهم عقلاء في أمور الدنيا، بله في أمر الدين، وذلك أنهم كانوا أصحاب تجاراٍت ومكاسب. وعن الحسن: بلغ من حذق أحدهم أنه يأخذ الدرهم فينقره بإصبعه، فيعلم أرديء هو أم جيد. وقوله: (يَعْلَمُونَ) بدل من قوله: (لا يَعْلَمُونَ) وفي هذا الإبدال من النكتة أنه أبدله منه، وجعله بحيث يقوم مقامه ويسدّ مسدّه، ليعلمك أنه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفي هذا الإبدالِ من النُّكتة) إلى آخره، إرشادٌ إلى طريق استنباط المعاني الفائقةِ منَ العُدول عن مقتضى الظاهرِ واجتِنَاءِ ثمراتِ المَزايا من فُنون الكِناياتِ، وذلك أنَّ الأصلَ: ولكنّ أكثر الناس يعلمون ظاهرَ ما يتعيَّشون به في الدُّنيا من التِّجارات والمكاسب، ولا يعلمون باطِنَها من تجاراتِ الآخرةِ والفوزِ بالفلاح، فوُضِع ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ - هو مطلَقٌ، فيُفيد سَلْبَ العلم رأسًا- موضِعَ ﴿يَعْلَمُونَ﴾، ونُكِّر ﴿ظَاهِرًا﴾ ووُضِع موضِعَ ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ بإظهارِ قوله: ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾؛ ليُفيدَ تلك الفوائدَ. وقلت: الَاوْلى أن يُقالَ: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ((وَعْدَ الله حقٌ))، وأنَّ ((لله

стр. 6407

لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا. وقوله: (ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا) يفيد أن للدنيا ظاهرًا وباطنًا، فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها والتنعم بملاذها. وباطنها وحقيقتها أنها مجاز إلى الآخرة: يتزود منها إليها بالطاعة والأعمال الصالحة. وفي تنكير الظاهر: أنهم لا يعلمون إلا ظاهرًا واحدًا من جملة ظواهرها. و (هم) الثانية يجوز أن يكون مبتدأ. و (غافِلُونَ) خبره، والجملة خبر (هم) الأولى، وأن يكون تكريرًا للأولى، و (غافلون) خبر الأولى. وأية كانت فذكرها مناٍد على أنهم معدن الغفلة عن الآخرة ومقرّها ومعلمها، وأنها منهم تنبع وإليهم ترجع. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأمرَ من قبلُ ومن بعدُ))، وأنَّه ينصرُ المؤمنينَ على الكافرين، ويَقذفُ بالحقِّ على الباطلِ فيَدمغُه؛ ليكونَ الدِّينُ كلُّه لله؛ لأنَّهم يعلمون ظاهرًا من الحياة الدُّنيا كما قالوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩]، وهم عن أسرار الله- من أنَّه تعالى ما خَلَق الخلقَ للَّهوِ واللَّعِبِ، بل خَلَقهم لِيَعرفُوه ويعبدُوه ويتزوَّدوا لدارِ القرارِ- غافلون كما قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢]. ومِنْ ثَمَّ أَتبَع ذلك بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [الروم: ٨] وخَتَمه بقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ والنّاسُ النّاسُ، فعلى هذا ﴿يَعْلَمُونَ﴾ الجملة استئنافيةٌ لبيانِ مُوجِب جَهْلِهم بوَعْد الله، واللهُ أعلم. قوله: (ومَعلَمها)، الأساس: يقول: هو مَعلَمُ الخيرِ، مِنْ مَعالِمِه؛ أي: من مَظانِّه، وخَفِيت معالمُ الطريقِ؛ أي: آثارُها. قوله: (وأنَّها منهم تَنْبعُ وإليهم ترجعُ)، أي: مصدرُها عنهم ومَورِدُها إليهم، وذلك أن ((هم)) الأوَّلَ دلَّ على الاختصاص؛ أي: هم الغافلون لا غيرهم، والثاني على التأكيدِ؛ أي:

стр. 6408

[(أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ الله السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ)] ٨ [ (فِي أَنْفُسِهِمْ) يحتمل أن يكون ظرفًا، كأنه قيل: أو لم يحدثوا التفكر في أنفسهم، أى: في قلوبهم الفارغة من الفكر، والتفكر لا يكون إلا في القلوب، ولكنه زيادة تصوير لحال المتفكرين، كقولك: اعتقده في قلبك وأضمره في نفسك، وأن يكون صلة للتفكر، كقولك: تفكر في الأمر وأجال فيه فكره. و (ما خَلَقَ) متعلق بالقول المحذوف، معناه: أو لم يتفكروا فيقولوا هذا القول. وقيل: معناه: فيعلموا، لأنّ في الكلام دليلًا عليه، (إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى) أى: ما خلقها باطلًا وعبثًا بغير غرٍض صحيٍح وحكمة بالغة، ولا لتبقى خالدة: وإنما خلقها مقرونةً بالحق مصحوبة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هم الذين استقرَّ وثبتَ فيهم الغَفْلةُ بالتَّحقيق، فبالاعتبار الأوَّل يُعلمُ أنَّ ليس للغَفْلة محلٌّ سِواهم، وأنها إليهم ترجعُ، وبالثاني تحقَّق أنهم مَعْدِن الغَفْلة ومَعْلَمُها ومَقَرُّها، ومنهم تَنبعُ. قوله: (وقيل: معناه: فيَعلموا، لأنّ في الكلام دليلاً عليه)، أي: على تقدير (فيَعلَموا)؛ لأنَّ العلمَ نتيجةُ الفِكْرِ. قوله: (بغير غَرَضٍ صحيحٍ)، مذهبُه، جَعَلَ الحقَّ في مقابل الباطِل، وفسَّره بالعَبَث، والعبثُ: أن لا يكونَ في الخَلْق فائدةٌ، ولمّا عُلم أنَّ الفائدةَ غيرُ راجعةٍ إلى الله بل إلى المكلَّفين، يجبُ أن يُقالَ: ما خَلَقها إلاّ بأنْ تكونَ مساكنَ المكلَّفين ومسارحَ نَظَرِ المتفكِّرين؛ ليعرفُوه فيعبُدوه. فلا يُقالُ: لغرض صحيح؛ لئلاّ يُوهم النُّقصان. قوله: (ولا لتبقى خالدة وإنَّما خَلَقها مقرونةً بالحقِّ) إلى آخره، مَشعرٌ بأنَّ قولَه: ﴿وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ عطفٌ تفسيريٌّ على قوله: ﴿بِالحَقِّ﴾، ولذلك استَشهد بقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، وذلك أنَّ هذا في حقِّ مُنكِري البعثِ، بدليل تَعْقيبه بقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ تقريعًا وتوبيخًا.

стр. 6409

بالحكمة، وبتقدير أجٍل مسمى لا بد لها من أن تنتهي إليه، وهو قيام الساعة، ووقت الحساب والثواب والعقاب. ألا ترى إلى قوله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ)] المؤمنون: ١١٥ [كيف سمى تركهم غير راجعين إليه عبثًا. والباء في قوله: (إِلَّا بِالْحَقِّ) مثلها في قولك: دخلت عليه بثياب السفر، واشترى الفرس بسرجه ولجامه، تريد: اشتراه وهو ملتبس بالسرج واللجام، غير منفك عنهما. وكذلك المعنى ما خلقها إلا وهي ملتبسة بالحق مقترنة به، فإن قلت: إذا جعلت (فِي أَنْفُسِهِمْ) صلة للتفكر، فما معناه؟ قلت: معناه: أو لم يتفكروا في أنفسهم التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات، وهم أعلم وأخبر بأحوالها منهم بأحوال ما عداها، فيتدبروا ما أودعها الله ظاهرًا وباطنًا من غرائب الحكم الدالة على التدبير دون الإهمال، وأنه لا بد لها من انتهاٍء إلى وقٍت يجازيها فيه الحكيم الذي دبر أمرها على الإحسان إحسانًا وعلى الإساءة مثلها، حتى يعلموا عند ذلك أن سائر الخلائق كذلك؛ أمرها جاٍر على الحكمة والتدبير، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك الوقت، والمراد بلقاء ربهم: الأجل المسمى. [(أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)] ٩ [ (أَوَ لَمْ يَسِيرُوا) تقرير لسيرهم في البلاد ونظرهم إلى آثار المدمّرين من عاٍد وثمود ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حتى يَعلموا عند ذلك أنَّ سائرَ الخَلائق كذلك) قال القاضي: لأنَّ نَفْسَ الإنسان مرآةٌ يتجَلّى للمُستَبصِر فيها ما يَتجلّى له في المُمْكِنات بأسرها، فإذا تفكَّر فيها تحقَّق له قُدرةُ مُبدِعِها على إعادتها كما أَبدأَها.

стр. 6410

وغيرهم من الأمم العاتية، ثم أخذ يصف لهم أحوالهم وأنهم (كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ) وحرثوها قال الله تعالى: (لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ)] البقرة: ٧١ [، وقيل لبقر الحرث: المثيرة. وقالوا: سمى ثورًا لإثارته الأرض. وبقرة؛ لأنها تبقرها؛ أى تشقها، (وَعَمَرُوها) يعنى أولئك المدمّرون (أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها) من عمارة أهل مكة، وأهل مكة: أهل واٍد غير ذى زرع، ما لهم إثارة أرٍض أصلًا ولا عمارة لها رأسًا فما هو إلا تهكم بهم، وبضعف حالهم في دنياهم؛ لأنّ معظم ما يستظهر به أهل الدنيا ويتباهون به أمر الدهقنة، وهم أيضًا ضعاف القوى، فقوله: (كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً) أى: من عاٍد وثمود وأضرابهم من هذا القبيل، كقوله: (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً)] فصلت: ١٥ [وإن كان هذا أبلغ؛ لأنه خالق القوى والقدر. فما كان تدميره إياهم ظلمًا لهم، لأنّ حاله منافية للظلم، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث عملوا ما أوجب تدميرهم. [(ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ الله وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ)] ١٠] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من هذا القبيل) خبرٌ لقولِه: ((فقوله وقوله))؛ أي: أراد بقوله: ((من هذا القَبِيل)) قَبِيلَ التَّهكُّم في قوله: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ يريد أنه كما أسنَدَ العِمَارةَ إلى أهل مكّةَ وهم أهلُ وادٍ غيرِ ذي زرعٍ تهكُّمًا بهم. كذلك نَسَب إليهم القُوَّةَ في قوله: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ حيث شارَكَهم مع عادٍ وثمودَ في القوَّة وهم ضِعافُ القُوى تَهكُّمًا، وعلى التَّهكُّم وَرَد قولُه تعالى: ﴿وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فُصِّلَت: ١٥]، وإن كان هذا في التَّهكُّم أبلغ؛ لأنَّه لا يُتصوَّر التَّفاوُتُ بينَ البَشَرِ في القوَّةِ. قال صاحبُ: ((الفرائد)): يُمكن أن يكونَ المرادُ من العِمارةِ الأَبنيةَ من الدُّور والقُصور والحُصون، فعلى هذا لم يكن تَهكُّمًا. قلت: أين يذهب عليه قولُه تعالى: ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾.
следующие страницы →