Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.
стр. 6406
الظالمين بعضًا وفرق بين كلمهم، حتى تفانوا وتناقصوا، وفل هؤلاء شوكة هؤلاء؛ وفي ذلك قوّة للإسلام. وعن أبى سعيد الخدري ﵁: وافق ذلك يوم بدر، وفي هذا اليوم نصر المؤمنون، (وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) ينصر عليكم تارةً وينصركم أخرى.
[(وَعْدَ الله لا يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ)] ٦ - ٧ [
(وَعْدَ الله) مصدر مؤكد، كقولك: لك علىّ ألف درهم عرفًا: لأنّ معناه: أعترف لك بها اعترافًا، ووعد الله ذلك وعدًا؛ لأنّ ما سبقه في معنى (وعد). ذمّهم الله بأنهم عقلاء في أمور الدنيا، بله في أمر الدين، وذلك أنهم كانوا أصحاب تجاراٍت ومكاسب. وعن الحسن: بلغ من حذق أحدهم أنه يأخذ الدرهم فينقره بإصبعه، فيعلم أرديء هو أم جيد. وقوله: (يَعْلَمُونَ) بدل من قوله: (لا يَعْلَمُونَ) وفي هذا الإبدال من النكتة أنه أبدله منه، وجعله بحيث يقوم مقامه ويسدّ مسدّه، ليعلمك أنه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفي هذا الإبدالِ من النُّكتة) إلى آخره، إرشادٌ إلى طريق استنباط المعاني الفائقةِ منَ العُدول عن مقتضى الظاهرِ واجتِنَاءِ ثمراتِ المَزايا من فُنون الكِناياتِ، وذلك أنَّ الأصلَ: ولكنّ أكثر الناس يعلمون ظاهرَ ما يتعيَّشون به في الدُّنيا من التِّجارات والمكاسب، ولا يعلمون باطِنَها من تجاراتِ الآخرةِ والفوزِ بالفلاح، فوُضِع ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ - هو مطلَقٌ، فيُفيد سَلْبَ العلم رأسًا- موضِعَ ﴿يَعْلَمُونَ﴾، ونُكِّر ﴿ظَاهِرًا﴾ ووُضِع موضِعَ ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ بإظهارِ قوله: ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾؛ ليُفيدَ تلك الفوائدَ.
وقلت: الَاوْلى أن يُقالَ: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ((وَعْدَ الله حقٌ))، وأنَّ ((لله
стр. 6407
لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا. وقوله: (ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا) يفيد أن للدنيا ظاهرًا وباطنًا، فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها والتنعم بملاذها. وباطنها وحقيقتها أنها مجاز إلى الآخرة: يتزود منها إليها بالطاعة والأعمال الصالحة. وفي تنكير الظاهر: أنهم لا يعلمون إلا ظاهرًا واحدًا من جملة ظواهرها. و (هم) الثانية يجوز أن يكون مبتدأ. و (غافِلُونَ) خبره، والجملة خبر (هم) الأولى، وأن يكون تكريرًا للأولى، و (غافلون) خبر الأولى. وأية كانت فذكرها مناٍد على أنهم معدن الغفلة عن الآخرة ومقرّها ومعلمها، وأنها منهم تنبع وإليهم ترجع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأمرَ من قبلُ ومن بعدُ))، وأنَّه ينصرُ المؤمنينَ على الكافرين، ويَقذفُ بالحقِّ على الباطلِ فيَدمغُه؛ ليكونَ الدِّينُ كلُّه لله؛ لأنَّهم يعلمون ظاهرًا من الحياة الدُّنيا كما قالوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩]، وهم عن أسرار الله- من أنَّه تعالى ما خَلَق الخلقَ للَّهوِ واللَّعِبِ، بل خَلَقهم لِيَعرفُوه ويعبدُوه ويتزوَّدوا لدارِ القرارِ- غافلون كما قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢]. ومِنْ ثَمَّ أَتبَع ذلك بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [الروم: ٨] وخَتَمه بقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ والنّاسُ النّاسُ، فعلى هذا ﴿يَعْلَمُونَ﴾ الجملة استئنافيةٌ لبيانِ مُوجِب جَهْلِهم بوَعْد الله، واللهُ أعلم.
قوله: (ومَعلَمها)، الأساس: يقول: هو مَعلَمُ الخيرِ، مِنْ مَعالِمِه؛ أي: من مَظانِّه، وخَفِيت معالمُ الطريقِ؛ أي: آثارُها.
قوله: (وأنَّها منهم تَنْبعُ وإليهم ترجعُ)، أي: مصدرُها عنهم ومَورِدُها إليهم، وذلك أن ((هم)) الأوَّلَ دلَّ على الاختصاص؛ أي: هم الغافلون لا غيرهم، والثاني على التأكيدِ؛ أي:
стр. 6408
[(أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ الله السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ)] ٨ [
(فِي أَنْفُسِهِمْ) يحتمل أن يكون ظرفًا، كأنه قيل: أو لم يحدثوا التفكر في أنفسهم، أى: في قلوبهم الفارغة من الفكر، والتفكر لا يكون إلا في القلوب، ولكنه زيادة تصوير لحال المتفكرين، كقولك: اعتقده في قلبك وأضمره في نفسك، وأن يكون صلة للتفكر، كقولك: تفكر في الأمر وأجال فيه فكره. و (ما خَلَقَ) متعلق بالقول المحذوف، معناه: أو لم يتفكروا فيقولوا هذا القول. وقيل: معناه: فيعلموا، لأنّ في الكلام دليلًا عليه، (إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى) أى: ما خلقها باطلًا وعبثًا بغير غرٍض صحيٍح وحكمة بالغة، ولا لتبقى خالدة: وإنما خلقها مقرونةً بالحق مصحوبة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هم الذين استقرَّ وثبتَ فيهم الغَفْلةُ بالتَّحقيق، فبالاعتبار الأوَّل يُعلمُ أنَّ ليس للغَفْلة محلٌّ سِواهم، وأنها إليهم ترجعُ، وبالثاني تحقَّق أنهم مَعْدِن الغَفْلة ومَعْلَمُها ومَقَرُّها، ومنهم تَنبعُ.
قوله: (وقيل: معناه: فيَعلموا، لأنّ في الكلام دليلاً عليه)، أي: على تقدير (فيَعلَموا)؛ لأنَّ العلمَ نتيجةُ الفِكْرِ.
قوله: (بغير غَرَضٍ صحيحٍ)، مذهبُه، جَعَلَ الحقَّ في مقابل الباطِل، وفسَّره بالعَبَث، والعبثُ: أن لا يكونَ في الخَلْق فائدةٌ، ولمّا عُلم أنَّ الفائدةَ غيرُ راجعةٍ إلى الله بل إلى المكلَّفين، يجبُ أن يُقالَ: ما خَلَقها إلاّ بأنْ تكونَ مساكنَ المكلَّفين ومسارحَ نَظَرِ المتفكِّرين؛ ليعرفُوه فيعبُدوه. فلا يُقالُ: لغرض صحيح؛ لئلاّ يُوهم النُّقصان.
قوله: (ولا لتبقى خالدة وإنَّما خَلَقها مقرونةً بالحقِّ) إلى آخره، مَشعرٌ بأنَّ قولَه: ﴿وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ عطفٌ تفسيريٌّ على قوله: ﴿بِالحَقِّ﴾، ولذلك استَشهد بقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، وذلك أنَّ هذا في حقِّ مُنكِري البعثِ، بدليل تَعْقيبه بقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ تقريعًا وتوبيخًا.
стр. 6409
بالحكمة، وبتقدير أجٍل مسمى لا بد لها من أن تنتهي إليه، وهو قيام الساعة، ووقت الحساب والثواب والعقاب. ألا ترى إلى قوله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ)] المؤمنون: ١١٥ [كيف سمى تركهم غير راجعين إليه عبثًا. والباء في قوله: (إِلَّا بِالْحَقِّ) مثلها في قولك: دخلت عليه بثياب السفر، واشترى الفرس بسرجه ولجامه، تريد: اشتراه وهو ملتبس بالسرج واللجام، غير منفك عنهما. وكذلك المعنى ما خلقها إلا وهي ملتبسة بالحق مقترنة به، فإن قلت: إذا جعلت (فِي أَنْفُسِهِمْ) صلة للتفكر، فما معناه؟ قلت: معناه: أو لم يتفكروا في أنفسهم التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات، وهم أعلم وأخبر بأحوالها منهم بأحوال ما عداها، فيتدبروا ما أودعها الله ظاهرًا وباطنًا من غرائب الحكم الدالة على التدبير دون الإهمال، وأنه لا بد لها من انتهاٍء إلى وقٍت يجازيها فيه الحكيم الذي دبر أمرها على الإحسان إحسانًا وعلى الإساءة مثلها، حتى يعلموا عند ذلك أن سائر الخلائق كذلك؛ أمرها جاٍر على الحكمة والتدبير، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك الوقت، والمراد بلقاء ربهم: الأجل المسمى.
[(أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)] ٩ [
(أَوَ لَمْ يَسِيرُوا) تقرير لسيرهم في البلاد ونظرهم إلى آثار المدمّرين من عاٍد وثمود
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حتى يَعلموا عند ذلك أنَّ سائرَ الخَلائق كذلك) قال القاضي: لأنَّ نَفْسَ الإنسان مرآةٌ يتجَلّى للمُستَبصِر فيها ما يَتجلّى له في المُمْكِنات بأسرها، فإذا تفكَّر فيها تحقَّق له قُدرةُ مُبدِعِها على إعادتها كما أَبدأَها.
стр. 6410
وغيرهم من الأمم العاتية، ثم أخذ يصف لهم أحوالهم وأنهم (كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ) وحرثوها قال الله تعالى: (لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ)] البقرة: ٧١ [، وقيل لبقر الحرث: المثيرة. وقالوا: سمى ثورًا لإثارته الأرض. وبقرة؛ لأنها تبقرها؛ أى تشقها، (وَعَمَرُوها) يعنى أولئك المدمّرون (أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها) من عمارة أهل مكة، وأهل مكة: أهل واٍد غير ذى زرع، ما لهم إثارة أرٍض أصلًا ولا عمارة لها رأسًا فما هو إلا تهكم بهم، وبضعف حالهم في دنياهم؛ لأنّ معظم ما يستظهر به أهل الدنيا ويتباهون به أمر الدهقنة، وهم أيضًا ضعاف القوى، فقوله: (كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً) أى: من عاٍد وثمود وأضرابهم من هذا القبيل، كقوله: (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً)] فصلت: ١٥ [وإن كان هذا أبلغ؛ لأنه خالق القوى والقدر. فما كان تدميره إياهم ظلمًا لهم، لأنّ حاله منافية للظلم، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث عملوا ما أوجب تدميرهم.
[(ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ الله وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ)] ١٠]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من هذا القبيل) خبرٌ لقولِه: ((فقوله وقوله))؛ أي: أراد بقوله: ((من هذا القَبِيل)) قَبِيلَ التَّهكُّم في قوله: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ يريد أنه كما أسنَدَ العِمَارةَ إلى أهل مكّةَ وهم أهلُ وادٍ غيرِ ذي زرعٍ تهكُّمًا بهم. كذلك نَسَب إليهم القُوَّةَ في قوله: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ حيث شارَكَهم مع عادٍ وثمودَ في القوَّة وهم ضِعافُ القُوى تَهكُّمًا، وعلى التَّهكُّم وَرَد قولُه تعالى: ﴿وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فُصِّلَت: ١٥]، وإن كان هذا في التَّهكُّم أبلغ؛ لأنَّه لا يُتصوَّر التَّفاوُتُ بينَ البَشَرِ في القوَّةِ.
قال صاحبُ: ((الفرائد)): يُمكن أن يكونَ المرادُ من العِمارةِ الأَبنيةَ من الدُّور والقُصور والحُصون، فعلى هذا لم يكن تَهكُّمًا.
قلت: أين يذهب عليه قولُه تعالى: ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾.
стр. 6411
قرئ (عاقبة) بالنصب والرفع. و (السُّواى) تأنيث الأسوأ وهو الأقبح، كما أنّ الحسنى تأنيث الأحسن. والمعنى: أنهم عوقبوا في الدنيا بالدمار، ثم كانت عاقبتهم السوأى؛ إلا أنه وضع المظهر موضع المضمر، أى: العقوبة التي هي أسوأ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قرئ: ﴿عَاقِبَةَ﴾ بالنَّصب والرفع) نافعٌ وابنُ كثير وأبو عمروٍ: بالرفع، والباقون: بالنَّصب.
قوله: (ثم كانت عاقبتُهم السُّوأى) تقريرٌ لقراءة الرَّفعِ، ووُضع ﴿الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ موضعَ الضَّمير لبيان العلَّة، ثم أُضِيف إليه اسمُ ﴿كَانَ﴾، والخبرُ)) السوأي ((، وكذا على الوجه الثاني، لكنَّ ﴿السُّوَأي﴾ داخلٌ في حيِّز الصِّلةِ، والخبرُ مقدَّرٌ، ولم يَذكر وَجْهَ قراءة النَّصب.
قال أبو البقاء: مَن نَصَب ﴿الْعاقِبَةَ﴾ جعلها خبرَ ((كان))، والاسمُ ﴿السُّوأَى﴾ أو ﴿أَن كَذَّبُوا﴾. ويجوز أن يكون ﴿أَن كَذَّبُوا﴾ بَدَلاً من ﴿السُّوأَى﴾ أو خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ، و ﴿السُّوأَى﴾ فُعلى؛ تأنيث الأَسوأ، صفة مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: ((أساؤوا الإساءةَ السُّوأي))، وإن جعلتَها اسمًا أو خبرًا كان التقديرُ: ((العقوبة السّوأي))؛ أي: الفعلة السُّوأي.
قال صاحب ((الفرائد)): على تقدير قراءةِ النَّصب هو الخبرُ، والاسمُ ﴿أَن كَذَّبُوا﴾ المعنى: كان عاقبةُ الذين فَعَلُوا الفِعْلةَ السَّوأي؛ أي: التَّكذيب؛ أي: لقّاهم شؤم أفعالهم في الكُفر؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٧]، فعلى هذا ليس المُظْهَرُ واقعًا مَوقِعَ المُضمَرِ، بل هو كلامٌ يَدخل فيه المَذكورون.
وقلت: لا بدَّ منَ القولِ بوضع المُظْهَرِ موضعَ المُضمَرِ؛ لأنَّ ﴿ثُمَّ﴾ هاهنا للاستبعاد؛
стр. 6412
العقوبات في الآخرة، وهي جهنم التي أعدّت للكافرين. و (أَنْ كَذَّبُوا) بمعنى: لأن كذبوا، ويجوز أن تكون (أن) بمعنى: أى؛ لأنه إذا كان تفسير الإساءة التكذيب والاستهزاء؛ كانت في معنى القول، نحو: نادى. وكتب، وما أشبه ذلك. ووجه آخر: وهو أن يكون (أَساؤُا السُّواى) بمعنى اقترفوا الخطيئة التي هي أسوأ الخطايا، و (أَنْ كَذَّبُوا) عطف بياٍن لها، وخبر (كان) محذوف كما يحذف جواب (لما) و (لو)؛ إرادة الإبهام.
[(الله يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)] ١١ [
(ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) أى: إلى ثوابه وعقابه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] يعني: أيقظناهم من غَفْلتهم بقولنا: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ودَلَلْناهم على طريق الإيقاظ.
والعِبْرةُ بقولنا: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾؛ لِيُقلعوا عمّا كانوا عليه منَ العِنَاد والتَّكذيب، ثمَّ بعدَ ذلك لم يكن عاقبتُهم إلاّ الفَعْلةَ السَّوأي والتَّكذيب، والله أعلم.
قال القاضي: وُضِع الظّاهرُ مَوضِعَ المُضمَر للدَّلالة على أنَّ ما اقتَضى أن تكونَ تلك عاقبتَهم هو أفعالُهم السّوأي، بمعنى اقتَرفوا الخطيئةَ.
فعلى هذا: الإساءةُ أعمُّ من أن تكون قوليةً أو فعليةً، وعلى أن تكون ((أن)) مفسِّرة يجب أن تكونَ قوليَّةً لا فعليةً؛ ليصحَّ جَعْلُها بمعنى القولِ، وإليه الإشارةُ بقوله: ((تفسير الإساءة التكذيب والاستهزاء)).
стр. 6413
وقرئ بالتاء والياء.
[(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ)] ١٢ - ١٣ [
الإبلاس: أى يبقى بائسًا ساكنًا متحيرًا. يقال: ناظرته فأبلس إذا لم ينبس ويئس من أن يحتجّ. ومنه الناقة المبلاس التي لا ترغو. وقرئ "يبلس" بفتح اللام، من أبلسه إذا أسكته، (مِنْ شُرَكائِهِمْ) من الذين عبدوهم من دون الله (وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ) أى: يكفرون بإلهيتهم ويجحدونها. أو: وكانوا في الدنيا كافرين بسببهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قرئ بالياء والتاء) أي: ﴿تُرْجَعُونَ﴾، قرأ أبو بكر وأبو عمروٍ: بالياء التَّحتانية، والباقون: بالتاء.
اعلَمْ أنَّه تعالى لمّا استَبعدَ فِعْلتَهم السوأي جاء بالوعيد والتَّهديد، يعني: لا بدَّ من الرُّجوع إلى القادر العظيمِ الشأنِ الذي بدأَ خَلقَكُم ثم يُعيدكم، فعند ذلك لا مجالَ للتَّكذيب، بل تَبْقون آيسِينَ ساكتينَ متحيِّرين، فوَضَعَ المجرمين في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ موضعَ الضَّميرِ، يدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾.
قوله: (وقرئ ((يَبْلَسُ)) بفتح اللام)، وهو بعيدٌ؛ لأنَّ ((أَبْلَسَ)) لا يُستعمل متعدِّيًا، ومخرجه أن يكونَ أقام المصدرَ مقامَ الفاعِلِ وحَذَفه، وأقام المضافَ إليه مقامَه؛ أي: ((يُبْلس إبلاسَ المجرمين)).
стр. 6414
وكتب (شفعواء) في المصحف بواٍو قبل الألف، كما كتب (علمؤا بنى إسرائيل)] الشعراء: ١٩٧ [، وكذلك كتبت (السوأى) بألٍف قبل الياء؛ إثباتًا للهمزة على صورة الحرف الذي منه حركتها.
[(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ)] ١٤ - ١٦ [
الضمير في (يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ) للمسلمين والكافرين، لدلالة ما بعده عليه. وعن الحسن رضى الله عنه: هو تفرّق المسلمين والكافرين: هؤلاء في عليين، وهؤلاء في أسفل السافلين. وعن قتادة رضى الله عنه: فرقة لا اجتماع بعدها، (فِي رَوْضَةٍ) في بستان، وهي الجنة. والتنكير لإبهام أمرها وتفخيمه. والروضة عند العرب: كل أرٍض ذات نباٍت وماء. وفي أمثالهم: أحسن من بيضةٍ في روضة، يريدون: بيضة النعامة. (يُحْبَرُونَ) يسرون. يقال: حبره؛ إذا سرّه سرورًا تهلل له وجهه، وظهر فيه أثره، ثم اختلفت فيه الأقاويل؛ لاحتماله وجوه جميع المسارّ؛ فعن مجاهد ﵁:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكتب ﴿شُفَعَاءُ﴾ في المصحف بواوٍ قَبْل الألفِ … ، و ﴿السُّوأَى﴾ بألفٍ قَبل الياء؛ إثباتًا للهمزة على صُورة الحرف الذي منه حركتُها) قال صاحب ((التقريب)): وفيه نظرٌ، إذِ الثانيةُ لا تختصُّ بالمصحفِ، بل هو قياس الخطِّ، وذلك العذرُ لا يستمرُّ في الأُولى، إذ مُقتضاه تأخيرُ الواو عن ألف ﴿شُفَعَاءُ﴾.
قوله: (تَهلَّل له وجهُه وظَهر فيه أثرُه)، الراغب: الحِبْرُ: الأثرُ المُستَحسَن، ومنه ما روى: ((يَخرجَ مِن النّارِ رَجُلٌ ذهبَ جِبْرُه وسِبْرُه))؛ أي: جمالُه وبهاؤه. ومنه سمِّي الحَبُرْ، وشاعر
стр. 6415
يكرمون، وعن قتادة: ينعمون. وعن ابن كيسان: يحلون وعن أبى بكر بن عياش: التيجان على رءوسهم. وعن وكيع: السماع في الجنة. وعن النبىّ ﷺ : أنه ذكر الجنة وما فيها من النعيم، وفي آخر القوم أعرابىّ فقال: يا رسول الله، هل في الجنة من سماع؟ قال: «نعم يا أعرابى، إنّ في الجنة لنهرًا حافتاه الأبكار من كل بيضاء خوصانية، يتغنين بأصواٍت لم تسمع الخلائق بمثلها قط، فذلك أفضل نعيم الجنة». قال الراوي: فسألت أبا الدرداء: بم يتغنين؟ قال: بالتسبيح. وروى: «إنّ في الجنة لأشجارًا عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحًا من تحت العرش؛ فتقع في تلك الأشجار، فتحرّك تلك الأجراس بأصواٍت لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طربًا»، (مُحْضَرُونَ) لا يغيبون عنه ولا يخفف عنهم، كقوله: (وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها)] المائدة: ٣٧ [، (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ)] الزخرف: ٧٥ [.
[(فَسُبْحانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ)] ١٧ - ١٩ [
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محبِّر، وشعر مُحبَّر، وثوبٌ حَبِير محسَّنٌ، والحَبْر: العالم؛ لما يبقى من أثر علومهم في قلوب الناس، ومن آثار أفعالهِم الحَسَنةِ المقتدى بها، وإليه أشار عليٌّ ﵁ بقوله: العلماءُ باقون ما بقيَ الدهرُ، أعيانُهم مفقودةٌ، وآثارُهم في القلوب موجودةٌ. وقولُه تعالى: ﴿فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ أي: يفرحون حتّى يظهر عليهم حَبارُ نَعِيمِهم.
قوله: (من كل بيضاء خُوْصانيةٍ) مشابهةٌ بخُوص النَّخل؛ أي: وَرَقه في اللِّين والرِّقة، وقيل: رقيقه الخضر. الأساس: هَضبة خَوْصاء: مرتفعة.
стр. 6416
لما ذكر الوعد والوعيد، أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجى من الوعيد، والمراد بالتسبيح ظاهره الذي هو تنزيه الله من السوء، والثناء عليه بالخير في هذه الأوقات لما يتجدّد فيها من نعمة الله الظاهرة. وقيل: الصلاة. وقيل لابن عباس رضى الله عنهما: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم، وتلا هذه الآية. (تُمْسُونَ) صلاتا المغرب والعشاء، و (تُصْبِحُونَ) صلاة الفجر، (وَعَشِيًّا) صلاة العصر. و (تُظْهِرُونَ) صلاة الظهر. وقوله: (وَعَشِيًّا) متصل بقوله: (حِينَ تُمْسُونَ)، وقوله: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) اعتراض بينهما. ومعناه:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لما ذكر الوَعْدَ والوَعِيدَ أتبعَه ذِكْرَ ما يُوصِل إلى الوَعْد ويُنجِّي منَ الوعيدِ) بيانٌ لاتصال ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ الآية بالآياتِ السابقة.
وفيه أنَّ الفاءَ فيه جزاءُ شرطٍ محذوفٍ، وأنَّ قولَه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ تفصيلٌ لما أجملَ في قوله تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: إذا كان الأمر كما تقرَّر فاستعدُّوا لما تَسعَدوا به في ذلك اليوم وتَفُوزوا برَوْضات الجِنَانِ، وبما تتخلّصوا به من الشَّقاوة الأبديَّةِ والحُضورِ في دَرَكاتِ النِّيرانِ، وهو استغراقُ الأوقاتِ في ذِكْر الله وطاعاتِه التي أوجَبَها عليكم، وفي النِّداء على الجميل لما أَوْلَيناكم من نعمة الإرشاد إلى الفلاح والنَّجاة.
ثم بيَّن على طريق الاستئناف مُوجِبَ التَّسبيح والتّحميد لله بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ إلى آخر الآيات الدّالَّةِ على الفَرْدانيَّة، وعلى اختصاصِه بالعُبوديَّة؛ أي: اعبُدوه واحمَدُوه؛ لأنَّه يُحيي ويُميت، وله الآياتُ الباهرةُ المتظاهرةُ، فظهَر من هذا البيانِ أنَّ المصدرَ أُنيب مَنابَ الأمرِ، ورَجَح به تأويلُ حَبْر الأُمَّة ﵁ من إيجاب الصَّلواتِ الخمسِ بإشارة النَّصِّ، والله أعلم.
стр. 6417
إنّ على المميزين كلهم من أهل السماوات والأرض أن يحمدوه. فإن قلت: لم ذهب الحسن ﵀ إلى أنّ هذه الآية مدنية؟ قلت: لأنه كان يقول: فرضت الصلوات الخمس بالمدينة، وكان الواجب بمكة ركعتين في غير وقٍت معلوم. والقول الأكثر: أنّ الخمس إنما فرضت بمكة. وعن عائشة رضى الله عنها: فرضت الصلاة ركعتين، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أقرّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر. وعن رسول الله ﷺ : «من سره أن يكال له بالقفيز الأوفى فليقل: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) الآية. وعنه ﵇: «من قال حين يصبح (فَسُبْحانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إن على المميِّزين كلِّهم من أهل السَّماوات والأرضِ أن يَحمَدُوه) فيه معنى الوُجوب، وذلك أنَّ الاعتراضَ تأكيدٌ لمعنى المعتَرض فيه، ولما دلَّ ذلك على وُجوب الصَّلوات على المميِّزين لقول ابن عباس، كان التأكيدُ مِثْلَ المؤكَّد، وكما أن يعبَّر عن الصَّلاة بالتَّسبيح لأنها مشتملةٌ عليه، جاز أن يُعبَّر عنها بالتَّحميد لذلك.
قوله: (أنّ الخَمْسَ إنّما فُرضت بمكَّةَ) وهو الصَّحيحُ لحديث المِعْراج، مُراجعة رسول الله ﷺ مع موسى عليه سلام على ما رواه البخاريُّ ومسلمٌ والنسائيُّ، عن أنسٍ في آخِره: ((يا محمدٌ، إنَّهنَّ خَمسُ صَلَواتٍ كلَّ يومٍ وليلَةٍ)) الحديثَ.
قوله: (فُرضتِ الصَّلاةث ركعتَين) روينا عن البخاريِّ ومسلمٍ ومالكٍ وأبي داودَ والنسائيِّ، عن عائشة ﵂ قالت: فَرضَ اللهُ الصَّلاةَ حينَ فَرضَها رَكعتينِ ركعتين في الحَضَر والسَّفرِ، فأُقِرَّت صلاةُ السَّفرِ، وزِيدَ في صلاةِ الحَضَرِ.
وفي أخرى قالت: فُرضتِ الصَّلاةُ رَكعتينِ، ثمَّ هاجرَ رسولُ الله ﷺ فَفُرضت أربعًا، وتُرِكَت صَلاةُ السَّفرِ على الفَريضة الأُولى.
قولُه: (من قال حين يُصبح: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ الحديثَ بتمامِه أخرجَه
стр. 6418
إلى قوله: (وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ) أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسى أدرك ما فاته في ليلته، وفي قراءة عكرمة: (حينا تمسون وحينا تصبحون)، والمعنى: تمسون فيه وتصبحون فيه، كقوله: (يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً)] البقرة: ٤٨ [بمعنى: فيه، (الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) الطائر من البيضة، و (الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ): البيضة من الطائر. وإحياء الأرض: إخراج النبات منها (وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ) ومثل ذلك الإخراج تخرجون من القبور وتبعثون. والمعنى: أنّ الإبداء والإعادة متساويان في قدرة من هو قادر على الطرد والعكس؛ من إخراج الميت من الحىّ وإخراج الحي من الميت وإحياء الميت وإماتة الحي.
وقرئ: (الميت) بالتشديد، و (تخرجون) بفتح التاء.
[(وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)] ٢٠ - ٢١ [
(خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أبو داودَ عن ابن عبّاسٍ.
قوله: (وقرئ: ﴿الْمَيِّتِ﴾ بالتَّشديد) نافعٌ وحفصٌ وحمزةُ والكسائيُّ، و ((تَخْرُجون)) بفتح التاء: حمزة والكسائي.
стр. 6419
لأنه خلق أصلهم منه. و (إِذا) للمفاجأة. وتقديره: ثم فاجأتم وقت كونكم بشرًا منتشرين في الأرض. كقوله: (وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً)] النساء: ١ [، (مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً)؛ لأن حوّاء خلقت من ضلع آدم ﵇، والنساء بعدها خلقن من أصلاب الرجال، أو من شكل أنفسكم وجنسها، لا من جنس آخر، وذلك لما بين الاثنين من جنس واحد من الإلف والسكون، وما بين الجنسين المختلفين من التنافر، (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ) التوادّ والتراحم بعصمة الزواج، بعد أن لم تكن بينكم سابقة معرفة، ولا لقاء، ولا سبب يوجب التعاطف من قرابة أو رحم. وعن الحسن رضى الله عنه: المودة كناية عن الجماع، والرحمة عن الولد، كما قال: (وَرَحْمَةً مِنَّا)] مريم: ٢١ [، وقال: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ)] مريم: ٢ [. ويقال: سكن إليه، إذا مال إليه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأنَّه خَلَق أصلَهم منه)، أي: إنَّما صحَّ الخطابُ للخَلْق بقوله: ﴿خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ لذلك، والمعنى: خَلَق أصلَكم من تُرابٍ ليتَّصلَ به قولُه:
﴿ثُمَّ﴾؛ أي: ثُمَّ فاجأتُم وقتَ كونِكُم بَشَرًا، و ﴿ثُمَّ﴾ للتَّرَاخي في الرُّتبة لا في الزَّمان، فإنَّ المفاجأةَ تدفعُه.
قوله: (كقوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]) وَجهُ التَّشبيه أنَّ قولَه: ﴿أَنتُم﴾ مبتدأٌ، و ﴿بَشَرٌ﴾ جنسٌ وقع خبرًا له، و ﴿تَنتَشِرُونَ﴾ صفةٌ لـ ﴿بَشَر﴾، فـ ﴿بَشَرٌ﴾ مِثلَ قولِه: ﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]، و ﴿تَنتَشِرُونَ﴾ مثل قوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾ [النساء: ١].
قال صاحب ((المطلع)): ثم إذا أنتُم خلقٌ كثيرٌ من لحمٍ ودَمٍ تَنبسطونَ في الأرضِ.
قوله: (كما قال: ﴿وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾)، أي: في قوله تعالى: ﴿لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً﴾ [مريم: ٢١]، والمراد بالرَّحمة: عيسى ﵇.
قوله: (﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ﴾ [مريم: ٢] وتقريرُه: أنَّ ﴿ذِكْرُ﴾ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، وهو مصدرٌ مضافٌ إلى المفعولِ، و ﴿عَبْدَهُ﴾ مفعولُ ﴿رَحْمَتِ﴾ و ﴿﴾ بَدَلٌ مِنْ ﴿عَبْدَهُ﴾، و ﴿إِذْ نَادَى﴾ ظرفٌ لـ ﴿رَحْمَتِ﴾ أو لـ ﴿ذِكْرُ﴾؛ أي: هذا إنَّ ذِكْرَ ربِّك رحمتَه
стр. 6420
كقولهم: انقطع إليه، واطمأن إليه، ومنه السكن. وهو الإلف المسكون إليه. فعل بمعنى مفعول. وقيل: إن المودة والرحمة من قبل الله، وإن الفرك من قبل الشيطان.
[(وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ)] ٢٢ [
الألسنة: اللغات، أو أجناس النطق وأشكاله. خالف عزّ وعلا بين هذه الأشياء حتى لا تكاد تسمع منطقين متفقين في همٍس واحد، ولا جهارة، ولا حدّة، ولا رخاوة، ولا فصاحة، ولا لكنة، ولا نظم، ولا أسلوب، ولا غير ذلك من صفات النطق وأحواله، وكذلك الصور وتخطيطها، والألوان وتنويعها، ولاختلاف ذلك وقع التعارف، وإلا فلو اتفقت وتشاكلت، وكانت ضربًا واحدًا لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطلت مصالح كثيرة، وربما رأيت توأمين يشتبهان في الحلية، فيعروك الخطأ في التمييز بينهما، وتعرف حكمة الله في المخالفة بين الحلىّ؛ وفي ذلك آية بينة؛ حيث ولدوا من أٍب واحد، وفرّعوا من أصٍل فذ، وهم على الكثرة التي لا يعلمها إلا الله مختلفون متفاوتون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لعَبدِه زكريا وَقْتَ طَلَبَه الولدَمن ربِّه. هذا يُفهم من تقديرِ أبي البقاء، فعلى هذا: الرحمةُ هي الولدُ.
قوله: (وإنَّ الفِرْكَ من قِبَل الشَّيطانِ) الفِرْك: بُغْضُ أحدِ الزَّوجين للآخَر.
قوله: (فيَعْروك الخطأُ في التَّمييز بينهما) أي: يُغشيك. الجوهريُّ: عَراني هذا الأمرُ واعتَراني: إذا غَشِيكَ.
стр. 6421
وقرئ: (للعالمين) بفتح اللام وكسرها، ويشهد للكسر قوله تعالى: (وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ)] العنكبوت: ٤٣ [.
[(وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ)] ٢٣ [
هذا من باب اللفّ، وترتيبه: ومن آياته منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، إلا أنه فصل بين القرينين الأوّلين بالقرينين الآخرين. لأنهما زمانان، والزمان والواقع فيه كشيٍء واحد، مع إعانة اللفّ على الاتحاد. ويجوز أن يراد: (منامكم) في الزمانين، (وابتغاءكم) فيهما،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: ﴿لِّلْعَالِمِينَ﴾ بفَتْح اللاّمِ وكَسْرها) بالكسر: حفصٌ وحدَه، والباقون: بفتحها.
قوله: (فَصَلَ بينَ القرينَينِ الأوَّلَين) أي: ﴿مَنَامُكُم﴾ و ﴿وَابْتِغَاؤُكُم﴾ (بالقرينَين الآخِرَينِ) أي: ﴿اللَّيْلِ﴾ و ﴿النَّهَارِ﴾. وإنّما جاز ذلك؛ لأنَّ الليلَ والنهارَ ظرفانِ، والوقعان فيهما المنامُ والابتغاءُ، والظرفُ والمظروف كشيء واحدٍ، فلا فَصْلَ بالأجنبيِّ.
ومعنى قولِه: (مع إعانة اللَّفٍّ على الاتِّحادِ) هو أن اللَّف يُعين السامعَ على أن يَرُدَّ كلَّ واحد من القرينينِ إلى مآلهِ، ويَتَّحد به من النشر.
قوله: (﴿مَنَامُكُم﴾ في الزَّمانينِ ﴿وَابْتِغَاؤُكُم﴾ فيهما) فعلى هذا: لا يكون من باب اللَّفِّ، بل من المُقابلةِ، فحذَفَ في إحدى المتقابلينِ ما يُقابل الآخَر لدلالةِ التَّقابُلِ، قال:
عجبتُ لهم إذ يَقتُلونَ نُفوسَهم … ومقتَلُهم عندَ الوَغى كانَ أعذَرا
стр. 6422
والظاهر هو الأول لتكرّره في القرآن، وأسدّ المعاني ما دل عليه القرآن يسمعونه بالآذان الواعية.
[(وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)] ٢٤ [
في (يُرِيكُمُ) وجهان: إضماران، وإنزال الفعل منزلة المصدر،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي: يقتلون نفوسَهم عند السِّلم، فحُذف لدلالة الوَغَى في المشطور الثاني عليه.
قوله: (لتكرُّره في القرآن) نحو قولِه تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]، وقولِه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١٠، ١١]، وغيرها.
قوله: (إضمارانِ، وإنزالُ الفعل منزلةَ المصدرِ) هو بيانٌ لقوله: ((وجهانِ))، أمّا قولُه: ((وبهما فُسّر المَثَل: ((تَسْمعَ بالمُعَيديِّ خيرٌ مِنْ أنْ تَراه))، وقول القائلِ))، فيَحتمل وجهَيْن:
أحدهما: أن يُرادَ اللَّفُّ والنَّشْرُ، وعليه ظاهرُ كلام صاحب ((اللُّباب))؛ حيث قال نحو: ((تَسمعُ بالمُعيديِّ خيرٌ مِنْ أن تَراه)) محمولٌ على حذف ((أنْ)) مثلها في قوله:
ألا أَيّهذا اللاّئمِي أحضُرَ الوَغى
فيمَن روى مرفوعًا، أو على تنزيل الفعل منزلةَ المصدرِ، مثلُه في قوله:
وقالواما تشاءُ فقلتُ أَلْهُو
وثانيهما: أن يكونا مثالين، لكن البيت لا يساعد عليه على ما ذهب إليه الشارحُ.
стр. 6423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال: ونحوُ ((تَسمعُ بالمُعَيديِّ خيرٌ مِنْ أن تَراهُ)) محمولٌ على حذف ((أنْ))، أو على تنزيل الفعل منزلةَ المصدر، مِثْلُه في قوله: ((وقالوا ما تشاء))، أي: ((سماعُك بالمُعِيديِّ))، كما كان الفعلُ منزّلاً منزلةَ المصدرِ في قوله: ((فقلت أَلْهُو)).
وثالثهما: أن يكونا مثالَيْن، لكن البيت لا يُساعِدُ عليه على ما ذهب إليه الشارح، قال: ((وتسمع بالمعيدي خير من أن تراه)) محمول على حذف ((أنْ)) أو على تنزيل الفعل منزلة المصدر، أي: الفعل ((سماعك بالمعيدي))، كما كان الفعل منزلاً منزلة المصدر في قوله: ((فقلت ألهو)) وهو متعيُنِّ فيه؛ لأنَّ معنى قوله: ((ما تشاء)): أيُّ شيءٍ تشاءُ، فهو سؤال عن مفردٍ؛ لأنَّ ((ما)) مفردٌ، وهو مفعول ((تشاء)) مقدَّمًا، فحقُّه أن يُجابَ بالمفرد، و ((أَلْهو)) جملة منزَّلةٌ منزِلةَ المفرد ليكونَ مطابقًا للمسؤولِ عنه.
فإن قلت: لو حُمل على حذف ((أنْ)) لكان أيضًا بتقدير مفردٍ، فَلِمَ لمْ يُحمل عليه؟
قلت: لأنَّ قولَه: ((ما تشاء)) سؤالٌ عمّا تشاؤه في الحال ظاهرٌ، كما إذا قلتَ: ما تريدُ؟ أي: الآنَ، فلو قُدِّر: ((أن أَلْهُو)) لكان مستقبَلاً، فكأنَّه سأله عمّا يشاؤه في الحال، فأجابَه بما يشاؤه في المستقبل لا في الحال، فلا ظاهرًا، فلذلك حَملَه على المصدر بدون حذف ((أنْ))؛ لأنَّ ((أنْ)) عَلَمٌ للاستقبال، وفيه بحثٌ، وهو ما ذَكَره الإمامُ عند قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ قال: قال تعالى هاهنا: ﴿أَن تَقُومَ﴾ وقبلَه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ ولم يقل: وأنْ يُريكم، وذلك أنَّ القيامَ لما كان غير مُتعيّن أخرجَ الفعل بـ ((أنْ)) وجَعل في تأويل المصدر ليدلَّ على الثُّبوت وإِراءَةُ البرقِ لما كانت من الأمورِ المتجَدّدة، لم يَذكر معها ما يدلُّ على المصدر.
стр. 6424
وبهما فسر المثل: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه". وقول القائل:
وقالوا ما تشاء فقلت ألهو … إلى الإصباح آثر ذى أثير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال صاحب ((الكَشف)): تقدير الآية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ آيةُ ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾، فحَذف الموصوفَ وأقام الصفةَ مقامَه، وكان أبو عليٍّ يحملُها على حذف ((أنْ))؛ أي: ومِن آياتِه أنْ يُريكم البَرْقَ، كقوله: ((أحضُرُ الوغي)) وأراد أن يأخذَ على أبي إسحاقَ حَذْفَ ((أنْ)) في قوله: ((أعبُد))، فنقل كلامَه ثم تذكَّر هذا الموضعَ فأمسَكَ.
وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون الموصوفُ محذوفًا؛ أي: ((ومن آياته آيةٌ يُريكم فيها البَرْقَ))، فحَذَف الموصوفَ والعائد؛ أي: ((ومن آياته شيءٌ أو سحاب))، ويكون فاعل ﴿يُرِيكُمُ﴾ ضميرَ شيءٍ المحذوف.
قوله: (تَسمعُ بالمُعيديِّ) قيل: هو تصغيرُ ((معدِّيٍّ))، أو ((مَعَدٍّ))، خَفَّف الدالَ استثقالاً للجمع بين التشديد مع ياء التصغير. يُضربُ للرَّجل الَّذي له صِيتٌ في الناس، فإذا رأيتَه ازدرَيْتَه. قالَه المنذر لشِقّةَ، مضى شرحُه مستوفًى في ((الأعراف)).
قوله: (وقالوا ما تَشاء) البيت لعروة بن الورد قبله:
أَرِقتُ وصُحْبتي بمَضيقِ عمقٍ … لبرقٍ من تِهامةَ مُستطيرِ
سَقَوْني الخَمرَ ثمَّ تَكنَّفوني … عُداةَ اللهِ من كَذِبٍ وزُورِ
آثَرَ من الإيثار، من: آثرت فلانًا على نفسي.
قوله: (ذي أَثير) من قولك: فلانٌ أثِيري؛ أي: خُلْصاني، أي: آثَرَ اللَّهْوَ أوَّلَ كلِّ شيء.
قال الميداني في قولهم: ((افعل ذاك آثِرًا مّا)) قالوا: معناه: افعل أوّلَ كل شيء، أي:
стр. 6425
(خَوْفاً) من الصاعقة أو من الإخلاف، (وَطَمَعاً) في الغيث. وقيل: خوفًا للمسافر، وطمعًا للحاضر، وهما منصوبان على المفعول له. فإن قلت: من حق المفعول له أن يكون فعلًا لفاعل الفعل المعلل؛ والخوف والطمع ليسا كذلك. قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن المفعولين فاعلون في المعنى، لأنهم راءون، فكأنه قيل: يجعلكم رائين البرق خوفًا وطمعًا. والثاني: أن يكون على تقدير حذف المضاف، أى: إرادة خوٍف وإرادة طمع، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ويجوز أن يكونا حالين، أى: خائفين وطامعين. وقرئ: (ينزل) بالتشديد.
(وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ)] ٢٥ - ٢٦ [
قيام السماوات والأرض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
افْعَله مؤثرًا له. وقال الأصمعيُّ: معناه افعل ذلك عازمًا عليه و ((ما)) تأكيد، ويقال أيضًا: ((افعلْه آثرَ ذي أثير))، أي: أوّلَ كلِّ شيء. وقيل: معناه: وقالوا: ما تشاءُ، فقلت: أن أَلْهو، واللَّهو إلى الصُّبح آثَرُ كلِّ شيءٍ يُؤثَرُ فِعْلُه.
قوله: (من حقِّ المفعول له أن يكون فعلاً لفاعل الفعل المعلَّل)، الانتصاف: الخوفُ والطمعُ مخلوقان لله تعالى، فيلزم اجتماعُ شرائطِ النَّصب فيهما، وهو كونُهما مصدرَيْنِ مقارَنيْن، والفاعل والخالقُ واحدٌ، فلا بدَّ من تخريجه على هذا الوجه، وهو أنَّ قولَ النُّحاة: أنَّ يكونَ فِعلاً لفاعل الفعلِ المعلَّلِ، وأن يكون مُتّصِفًا به، فإذا قلت: جئتك إكرامًا لك، فقد وصفتَ نفسَك بالإكرام؛ أي: جئتك مُكْرِمًا لك، واللهُ تعالى وإن خَلَق الخوفَ والطمعَ، إلاّ أنه تعالى مُقدَّسٌ عن الاتِّصاف بهما، فاحتِيجَ إلى تأويلِ الزَّمخشريِّ على المذهَبينِ.
стр. 6426
واستمساكهما بغير عمٍد (بِأَمْرِهِ) أى بقوله: كونا قائمتين. والمراد بإقامته لهما: إرادته لكونهما على صفة القيام دون الزوال. وقوله: (إِذا دَعاكُمْ) بمنزلة قوله: يريكم، في إيقاع الجملة موقع المفرد على المعنى، كأنه قال: ومن آياته قيام السماوات والأرض، ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاهم دعوةً واحدة: يا أهل القبور اخرجوا. والمراد سرعة وجود ذلك من غير توقٍف ولا تلبث، كما يجيب الداعي المطاع مدعوّه، كما قال القائل:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (واستمِساكُهما) قيل: هو من قولهم: هو لا يَستمسكُ على الرَّاحلة؛ أي: لا يقدر على إمساكِه نفسَه وضبطِها والثباتِ عليها.
قوله: (﴿بِأَمْرِهِ﴾ أي: بقوله: كونا قائمتَيْن) أي: قيل: بأمره، وأُريد هذا القول، ولم يُرد بالقول حقيقتَه، بل المرادُ إقامتُه لهما وإرادتُه لحدوثهما قائمتين، فقوله: ((إرادته لكونِهما)) خبرٌ، و ((المراد بإقامتهِ لهما)) مبتدأٌ، كذا صحّ، واللامان صِلَتانِ، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]. والمراد: أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه، فإنّما يكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناعٍ ولا قَوْلَ ثَمَّةَ، كذلك معنى قوله: ((كونا قائمتينِ)) حصولُهما على صفة القيام على وَفْق إرادتِه من غير توقُّفٍ ولا قَوْلَ ثَمَّةً، وإليه الإشارةُ بقوله: ((والمراد به سرعةُ وجودِ ذلك من غير توقُّف ولا تَلبُّثٍ)).
قال الإمام: قوله: ﴿بِأَمْرِهِ﴾ أي: بقوله: قوما، أو بإرادته قيامهما، وذلك أن الأمرَ عند المعتزلةِ موافقٌ للإرادة، وعندنا ليس كذلك، ولكن النزاعَ في الأمر الذي في التَّكليف لا في الأمر الذي في التَّكوينِ، فإننا لا نُنازعُهم في أنّ قولَه: ((كن))، و ((كونا))، و ((كونوا)) موافقٌ للإرادة.
стр. 6427
دعوت كليبا دعوة … فكأنّما دعوت به ابن الطّود أو هو أسرع
يريد بابن الطود: الصدى، أو الحجر إذا تدهدى، وإنما عطف هذا على قيام السماوات والأرض بـ"ثم"؛ بيانًا لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على مثله، وهو أن يقول: يا أهل القبور، قوموا؛ فلا تبقى نسمة من الأوّلين والآخرين إلا قامت تنظر، كما قال عز وعلا: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ)] الزمر: ٦٨ [. قولك: دعوته من مكان كذا، كما يجوز أن يكون مكانك يجوز أن يكون مكان صاحبك، تقول: دعوت زيدًا من أعلى الجبل فنزل علىّ، ودعوته من أسفل الوادي فطلع إلىّ. فإن قلت: بم تعلق (مِنَ الْأَرْضِ) أبالفعل أم بالمصدر؟ قلت: هيهات، إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. فإن قلت: ما الفرق بين إذا وإذا؟ قلت: الأولى للشرط، والثانية للمفاجأة، وهي تنوب مناب الفاء في جواب الشرط. وقرئ: (تخرجون) بضم التاء وفتحها، (قانِتُونَ) منقادون لوجود أفعاله فيهم لا يمتنعون عليه.
(وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)] ٢٧ [
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (دعَوتُ كُليْبًا) البيت، قوله: ((دعوتُ به))، أي: بكُلَيب، وهو من التجريد، جُرِّد منه شيءٌ يسمى بابن الطّوْدِ، وهو نفسُه.
قوله: (تدَهدى) أصله: تَدَهْدَه، أبدلت الهاء ياء، كما في تَظَنَّيْتُ، أصله: تَظَنَّنتُ.
قوله: (هيهاتَ) وهو اسم فعلٍ فاعلُه ضميرٌ مستترٌ يعود إلى ما دلَّ عليه الكلامُ المتقدِّم؛ أي: بعد تعلُّقه بالمصدر مع وجود الفعل.
قوله: (بَطَلَ نهْرُ مَعْقِل)، الاستيعاب: هو مَعقل بن يسار المُزني، سكن البصرة، وإليه يُنسب نهر معقل الذي بالبصرة، شهد بيعةَ الحُديبية، وتوفي بالبصرة في آخر خلافة معاوية.
стр. 6428
(وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) فيما يجب عندكم وينقاس على أصولكم ويقتضيه معقولكم؛ لأنّ من أعاد منكم صنعة شيء؛ كانت أسهل عليه وأهون من إنشائها، وتعتذرون للصانع إذا خطئ في بعض ما ينشئه بقولكم: أوّل الغزو أخرق، وتسمون الماهر في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ فيما يجب عندكم وينقاس على أصولكم ويقتضيه معقولكم) وتحقيقُه أنَّ الإنسانَ الضعيفَ العاجزَ الذي لا يُطيق حَمْل معاني الحكمة الإلهيَّةِ والأسرارِ الرُّبوبيةِ، إذ لو كُوشفوا ببعضِها لاضمَحَلَّت قُواهم وتلاشَتْ عقولُهم. ولله درُّ الإمامِ حُجّةِ الإسلامِ وقولِه في ((الإحياء)): لا طاقةَ للبَشَر أن ينفذوا غَوْرَ الحكمةِ، كما لا طاقةَ لهم أن ينفذُوا بأبصارهم ضوءَ عينِ الشَّمسِ، ولكنَّهم ينالون منها ما تحيي به أبصارُهم، ويستدلُّون بع على حوائجهم فقط.
وقد تأنَّق بعضُهم في التعبير عن وجه اللُّطفِ في إيصالِ معاني كلامِ اللهِ المجيدِ مع علوِّ درجتِه إلى فَهْم الإنسان مع قُصورِ رُتبته، وضربَ له مثلاً ولم يُقصِّر فيه، قال: إنّا رأينا الناسَ لمّا أرادوا أن يُفهِموا بعضَ الدَّواب والطيرِ ما يُريدون من تقديمِها وتأخيرها، ورَأَوا الدَّوابَّ تَقصُر عن فَهْمِ كلامِهم الصادرِ عن أنوار عقلِهم مع حُسنه وترتيبِه، فنزلوا إلى درجةِ تمييزِ البَهائم وأوصلوا مقاصِدَهم إلى بواطنِها بأصواتٍ يضعونها لائقةٍ بها من النَّفيرِ والصَّفير والأصواتِ القريبةِ من أصواتِهم، فنزلوا إلى درجة تمييز البهائمِ التي تُطيقُ حملَها، وكذلك الناسُ يعجَزون عن حملِ كلام الله المجيد بكُنْهه وكمال صفاتِه، فصاروا بما تراجعوا بينهم من الأصوات، ولا يمنع ذلك معاني الحكمة المخْبوءةِ في تلك الصفات.
قوله: (أوّل الغزوِ أخْرق)، يعني: أنّ صاحَبه غِرٌّ لم يَصْطَلِ بنارِه، ويُضرَبُ لمن ابتدأ أمرًا وهو لا يَحْذَقُه. قال الميداني: قال أبو عبيد: يُضَربُ في قلّةِ التجارِب. قال الشاعر:
الحَربُ أوّلُ ما تكونُ فَتيَّةً … تسعى بزينتِها لِكلِّ جَهولِ
حتى إذا استعرت وشبَّ ضِرامُها … عادت عجوزًا غيرَ ذاتِ حَليلِ
стр. 6429
صناعته معاودًا، تعنون أنه عاودها كرّةً بعد أخرى؛ حتى مرن عليها وهانت عليه. فإن قلت: لم ذكر الضمير في قوله: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)، والمراد به الإعادة؟ قلت: معناه: وأن يعيده أهون عليه. فإن قلت: لم أخرت الصلة في قوله: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) وقدّمت في قوله: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)] مريم: ٢١ [؟ قلت: هناك قصد الاختصاص وهو محزه، فقيل: هو علىّ هين، وإن كان مستصعبًا عندكم أن يولد بين هم وعاقر؛ وأما هاهنا فلا معنى للاختصاص، كيف والأمر مبنى على ما يعقلون من أنّ الإعادة أسهل من الابتداء؛ فلو قدمت الصلة لتغير المعنى. فإن قلت: ما بال الإعادة استعظمت في قوله: (ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ) حتى كأنها فضلت على قيام السماوات والأرض بأمره،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ووصف الغزو بالخُرْق؛ لخَرْقِ الناس فيه كما قيل: ليل نائم.
قوله: (مُستَصعِبًا) صحّ بكسرِ العين؛ لأنه لازم، الجوهري: استَصعَبَ عليه الأمرُ؛ أي: صَعُب.
قوله: (بين هِمٍّ وعاقر)، النهاية: الهِمُّ بالكسر: الكبير الفاني.
قوله: (وأما هاهنا فلا معنى للاختصاص)، يعني: اقتضى مقامُ خَرْقِ العادة هناك التَّقديمَ كأنَّ العادة تأبى أن يحصُلَ الولدُ بين الهِمِّ والعاقِرِ لِما جُرِّبَ وعُلِمَ بالاستقراء، فقيل: أنا القادر وحدي أن أخرق العادة دون غيري، وهاهنا العادة حاكمة قاطعةٌ بأنَّ منَ أعاد صَنعةَ شيءٍ كانت أسهلَ عليه وأهونَ من إنشائها، لكن الدُّهْريَّ المخذولَ يُنكِرُ فعلَه، فجيء بالجملة المفيدة لتقوي الحُكمَ على مجرى العُرف والعادة.
قوله: (ما بالُ الإعادة استُعْظِمت)، يعني: عطف قولِه: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ على قوله: ﴿أَن تَقُومَ السَّمَاءُ﴾ بحرف التَّراخي في الرُّتبة، فأفاد عظمةَ الثاني، فإنَّ الأوّلَ أَدْونُ حالاً
стр. 6430
ثم هوّنت بعد ذلك؟ قلت: الإعادة في نفسها عظيمة، ولكنها هوّنت بالقياس إلى الإنشاء. وقيل: الضمير في (عليه) للخلق. ومعناه: أنّ البعث أهون على الخلق من الإنشاء، لأن تكوينه في حدّ الاستحكام والتمام أهون عليه وأقل تعبًا وكبدًا، من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منه. ثم قيل في هذه الآية: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ففهم منه أنه أَدْوَنُ منه، وأجاب بما يدلُّ على أنّ اعتبارَ التعظيمِ في الأولِ لكونِ الإعادة في نفسِها عظيمةً؛ لأنّها الغايةُ في الإيجاد والمقصودُ في الإنشاء، وبها يستقرُّ كلٌّ من السُّعداء والأشقياء في درجاتهم ودَرَكاتِهم، واعتبارُ الأَهْوَنِ بحَسَب الإيجاد والقَصْد في الخَلْق.
وبهذا التقرير يُتخلَّص من إشكالِ صاحب ((الانتصاف)) حيث قال: ﴿ثُمَّ﴾ على بابها في تراخي الزَّمان أو يُسَلِّمُ تراخي المراتبِ على أن مرتبةَ المعطوف عليه العليا، ومرتبة المعطوف هي الدنيا تأكيدًا في مجيئها، فإن المعطوف بها في أكثر المواضع أرفع درجة من المعطوف عليه.
وقلت: ويجوز أن يُحملَ ﴿ثُمَّ﴾ على مجردِ البُعْدِ مجازًا، فيُعتَبرُ التراخي في الزمانِ والمَرْتبةِ معًا.
قوله: (لأنَّ تكوينَه في حدِّ الاستِحكامِ والتَّمامِ أهونُ عليه وأقلُّ تَعَبًا وكبَدًا، يعني: بالنِّسبة إلى الخَلْق.
قال الإمام: لأنَّ في البَدْء يكون عَلَقةً، ثم مضغةً، ثم لَحمًا، ثم عَظْمًا، ثم يُخلق بَشَرًا، ثم يَخرج طفلاً، ثم يَترعرعُ إلى غير ذلك، فَيصعب عليه كلُّ ذلك. وأمّا في الإعادة فيَخرج بَشرًا سَوِيًّا بِكُن فيكون، فهو أهونُ عليه.
стр. 6431
أن يتنقل في أحوال ويندرج فيها إلى أن يبلغ ذلك الحدّ. وقيل: الأهون بمعنى: الهين. ووجه آخر: وهو أن الإنشاء من قبيل التفضل الذي يتخير فيه الفاعل بين أن يفعله وأن لا يفعله، والإعادة من قبيل الواجب الذي لا بدّ له من فعله، لأنها لجزاء الأعمال، وجزاؤها واجب، والأفعال: إما محال، والمحال ممتنع أصلًا خارج عن المقدور، وإما ما يصرف الحكيم عن فعله صارٌف وهو القبيح، وهو رديف المحال؛ لأنّ الصارف يمنع وجود الفعل كما تمنعه الإحالة. وإما تفضل والتفضل حالة بين بين؛ للفاعل أن يفعله وأن لا يفعله. وإما واجب لا بدّ من فعله، ولا سبيل إلى الإخلال به، وكان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: الأَهْوَنُ بمعنى: الهين) روى الزَّجاج عن أبي عُبيدة وكثيرٍ من أهل اللغة: أنَّ ﴿أَهْوَنُ﴾ هاهنا ليس معناه: أنَّ الإعادةَ أهونُ عليه من الابتداء؛ لأنهما سهل عليه، ومثلُه في قوله:
لَعَمرُكَ ما أدري وإنّي لأوْجَلُ … على أيِّنا تَعدُو المَنيَّةُ أوّلُ
أي: لَوَجِلٌ. وقالوا: اللهُ أكبر، أي كبيرٌ.
قوله: (لأنَّها لجزاءِ الأعمالِ، وجزاؤها واجبٌ)، قال صاحب ((التقريب)): وفيه نظرٌ؛ لأنَّه مبنيٌّ على الوُجوب العقليِّ، ولأنَّ الوُجوبَ إن كان في الذات نَافَى القُدرةَ كالامتناع، وإلاّ كان ممكنًا، فتساوى النقيضانِ؛ لاشتراكهما في مصحح المقدوريَّة، وهو الإمكانُ.
وقال صاحب ((الانتصاف)): هذا على أُصولهم أيضًا غيرُ مستقيم، فإنَّ مقتضاها وجوبُ الإنشاء إذْ لولا مصلَحة اقتَضت الإنشاءَ لما وقعَ، وتلك المصلحةُ تُوجبُ متعلِّقها، فوَضَح أنَّ الزَّمخشريِّ لا إلى تَرقّى ولا على مذهب الاعتزالِ بَقِيَ.
стр. 6432
الواجب أبعد الأفعال من الامتناع وأقربها من الحصول. فلما كانت الإعادة من قبيل الواجب، كانت أبعد الأفعال من الامتناع. وإذا كانت أبعدها من الامتناع، كانت أدخلها في التأنى والتسهل، فكانت أهون منها. وإذا كانت أهون منها كانت أهون من الإنشاء، (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى) أى: الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله قد عرف به ووصف في السماوات والأرض على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر الذي لا يعجز عن شيٍء من إنشاٍء وإعادة وغيرهما من المقدورات، ويدل عليه قوله تعالى: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أى: القاهر لكل مقدور، (الحكيم) الذي يجرى كل فعٍل على قضايا حكمته وعلمه. وعن مجاهد (المثل الأعلى) قول لا إله إلا الله، ومعناه: وله الوصف الأعلى الذي هو الوصف بالوحدانية. ويعضده قوله تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ)] الروم: ٢٨ [، وقال الزجاج: (وله المثل الأعلى في السماوات والأرض) أى: قوله تعالى: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) قد ضربه لكم مثلًا فيما يصعب ويسهل. يريد: التفسير الأوّل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويَعضُده قوله: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾)؛ لأنَّ الكلام فيه لنَفْي الشَّريكِ وإثباتِ التَّوحيدِ، وتلخيصُ معناه يعودُ إلى معنى كلمةِ التَّوحيدِ، فصَحَّ أن يُسمَّى القولُ بكلمةِ التَّوحيدِ بـ ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾.
قال الزَّجاج: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ للعهد، وأن قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: معناه كالمثل المشهور بين الناس، أي: المسلمين منهم في كل زمان، نحو الأمثال المضروبة عند العرب، ويَقرُبُ منه قول المصنِّف: ((أي: الوصفُ الأعلى الذي ليس لغيرهِ مثلُه قد عُرف به ووُصِفَ في السّماواتِ والأرضِ)) إلى آخره، لكن الزَّجاج أجرى المَثلَ كالقولِ السَّائر على حقيقته وجعلَه المصنِّف مجازًا عن الوصف العَجيب الشأنِ ليشملَ القولَ وغيرَه، ولذلك قال: ((على ألسِنةِ الخلائق وأَلْسِنَةِ الدّلائلِ))، وخصَّ قَوْلَ الزَّجاجِ بالقول.
قوله: (يُريد التَّفسيرَ الأوّلَ)، أي: لقوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ وهو أن يكون الضَّميرُ-
стр. 6433
[(ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)] ٢٨ [
فإن قلت: أى فرق بين (من) الأولى والثانية والثالثة في قوله تعالى: (مِنْ أَنْفُسِكُمْ)، (مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ)، (مِنْ شُرَكاءَ)؟ قلت: الأولى للابتداء، كأنه قال: أخذ مثلًا وانتزعه من أقرب شيٍء منكم وهي أنفسكم ولم يبعد، والثانية للتبعيض، والثالثة مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي. ومعناه: هل ترضون لأنفسكم؛ وعبيدكم أمثالكم بشر كبشٍر وعبيد كعبيد، أن يشارككم بعضهم (فِي ما رَزَقْناكُمْ) من الأموال وغيرها، ما تكونون أنتم وهم فيه على السواء، من غير تفضلةٍ بين حرّ وعبد: تهابون أن تستبدوا بتصرف دونهم، وأن تفتاتوا بتدبيٍر عليهم كما يهاب بعضكم بعضًا من الأحرار، فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم، فكيف
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في ﴿عَلَيْهِ﴾ - لله؛ أي: ضرَب اللهُ قولَه: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ مثلاً فيما يَصعُب ويَسهُل عندكم، وينقاسُ على أُصولِكُم، لا التفسير الثاني، وهو أن يَرجِعَ الضَّميرُ إلى الخَلْقِ.
قوله: (أن يَشارِكَكُم بعضُهم) مفعول ((تَرضونَ))، و ((عبيدكم أمثالكم)) حالٌ من فاعلِه.
قوله: (تكونون أنتُم وهم فيه على السَّواء) والجملةُ بيانُ: ((أنْ يُشارِكَكُم)).
قوله: (تَهابُون أن تَستَبِدُّوا) تفسيرٌ لقولِه: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾.
وقال أبو البقاء: ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾ في موضع الحالِ من ضمير الفاعل في ﴿سَوَاءٌ﴾؛ أي: فتساوَوْا خائفًا بعضُكم بعضًا مشاركتَه له في المال، أي: إذا لم ترضَوْا أن يُشارِكَكم عبيدُكم في المال، فكيف تشرِكون في عبادة الله مَن هو مصنوعٌ لِله تعالى؟ !
قوله: (وأن تفتاتوا بتدبير عليهم)، الأساس: فاتني بكذا: سبقني به وذهب به عني،
стр. 6434
ترضون لرب الأرباب ومالك الأحرار والعبيد أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء؟ (كَذلِكَ) أى: مثل هذا التفصيل (نُفَصِّلُ الْآياتِ) أى: نبينها؛ لأن التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها؛ لأنه بمنزلة التصوير والتشكيل لها. ألا ترى كيف صوّر الشرك بالصورة المشوّهة؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وافتاتَ فلانٌ عليكم برأيه: سبَقكم به ولم يُشاوِرْكم، وفلانٌ لا يُفات عليه، ولا يُفتاتُ عليه؛ أي: لا يُستَبدُّ برأيٍ دونَه.
النهاية: قال عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي بكرٍ: ((أَمِثْلي يُفتاتُ عليه في بَناتِه))، فهو افْتَعل من الفَواتِ: السبق، يُقال لكلِّ مَن أحدثَ شيئًا في أمرِك: قد افتات عليك فيه.
قوله: (ألا ترى كيف صوَّر الشرك بالصُّورة المشوَّهة)؛ أي: القبيحة. يريد أن الغرض مِن ذِكْر التَّمثيل تقبيحُ شأنِ الشِّركِ وإبرازُه في ذِهن السّامع بصُورة يَشْمئِزُّ منها، وذلك بأن يَتصوَّر حالَة سَيدٍ له رقيقٌ مستبدٌّ متصرفٌ في أمواله تصرُّفَ الشُّركاءِ من غير تَفْصِلةٍ، بحيث إن أراد السَّيدُ التَّصرفَ هابَ منه.
ولما كان ضربُ الأمثالِ لإدْناء المتوهَّم إلى المعقول وإرادة المتخيَّلِ في صورة المحقَّق، أتى في هذه الفاصلة بقوله: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، وكذلك في الآية السابقة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؛ لأن ذلك تمثيل لإحياء النّاس وإنشارِ الموتى.
وأمّا الفاصلةُ بقوله: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ لقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾، لأنَّ القصدَ في خَلْق الأزواج السُّكونُ إليها وإلقاءُ المحبَّة بينَ الزَّوجينِ ليس لمجرَّد قضاء الشَّهوة التي يَشترك فيها البهائمُ، بل لتكثير النَّسْل وبقاءِ نَوع المُتفكِّرين الذين يؤدِّيهم الفِكرُ إلى المعرفةِ والعبادة التي ما خُلقت السَّماواتُ والأرضُ إلاّ لها، فناسَب ذلك التَّفكُّر.
وخُصَّ قولُه: ﴿مَنَامُكُم﴾ بالليل، ﴿وَابْتِغَاؤُكُم﴾ بالنهار بالسَّمع؛ لأنَّ أكثرَ الناس
стр. 6435
[(بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ الله وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ)] ٢٩ [
(الَّذِينَ ظَلَمُوا) أى: أشركوا، كقوله تعالى: (إنّ الشرك لظلم عظيم)] لقمان: ١٣ [، (بِغَيْرِ عِلْمٍ) أى: اتبعوا أهواءهم جاهلين؛ لأنّ العالم إذا ركب هواه ربما ردعه علمه وكفه. وأما الجاهل فيهيم على وجهه كالبهيمة لا يكفه شيء، (مَنْ أَضَلَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مُنْسدِحون باللَّيل كالأمواتِ ومتردِّدون كالبهائم بالنهار، لا يَدرون فيمَ هم ولم ذلك، لكن من ألقى السَّمعَ وهو شهيدٌ يَتنبَّه لواعظِ الله ويصغي إليه؛ لأنَّ مَرَّ اللَّيالي وكَرَّ النَّهار يناديانِ بلسانِ الحالِ: ((الرَّحيلَ الرحيلَ من دارِ الغرور إلى دار القرار))، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢].
وأمّا اختصاصُ قولِه: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ بالعلم الذي هو يُوجب تمييزًا؛ فلأنَّ كلَّ مَنْ له أدنى مُسْكَةٍ يُمَيِّزُ بين مخلوقٍ بالمَنطِق واللَّونِ، وكذا دلالةُ خَلْقِ السَّماواتِ والأرضِ على وُجود الصانعِ أظهرُ الأشياء وأَبيَنُها لا تخفى على كلِّ مَنْ له تمييزٌ، ولما فيه مِنَ العُموم. وقرئ ﴿لِّلْعَالِمِينَ﴾ بالفتح والكسر.
ثم جيء بعدَ آيات بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾، وفصَل بقوله: ﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ إيذانًا بأنه تعالى ذلك بمَحْضِ مشيئته، وبأنَّ ليس الغِنى بفعل العبد وجهده ولا العُدْمُ بعَجْزه وتقاعده، ولا يَعرفُ ذلك إلاّ مَنْ آمَن بأنَّ ذلك تقديرُ العزيز العليمِ كما قال:
كم من أديبٍ فَهِمٍ قَلْبُه … مستكملِ العقلِ مُقِلٍّ عَديمْ
ومِن جهولٍ مُكثَرٍ مالُه … ذلك تقديرُ العزيزِ العليمْ
стр. 6436
الله) من خذله ولم يلطف به، لعلمه أنه ممن لا لطف له، فمن يقدر على هداية مثله. وقوله: (وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) دليل على أن المراد بالإضلال الخذلان.
[(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)] ٣٠ - ٣٢ [
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ) فقوّم وجهك له وعدّله، غير ملتفٍت عنه يمينًا ولا شمالًا، وهو تمثيل لإقباله على الدين، واستقامته عليه، وثباته، واهتمامه بأسبابه، فإنّ من اهتم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ دليل على أنَّ المرادَ بالإضلالِ: الخذلانُ) كأنه قيل: من يَنصرُ من خذَله اللهُ ومَنع الإلطافَ عنه، والحالُ أنه لا ناصرَ له.
وقلت: ليس الكلامُ في النُّصرةِ والخِذلانِ، بل في الهدايةِ والضَّلالِ ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ كالتتميم لمعنى إرادة الإضلال والمَنْع من الهداية، وذلك أنّه تعالى عَقِيب ما عَدَّد الآياتِ البيِّناتِ والشواهدَ الدّالَة على الوحدانيّةِ ونَفْي الشَّريكِ وإثبات القول بالمَعاد وضَربَ المَثَل، وفَصَل ذلك بقوله: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
أراد أن يُسَلِّيَ حبيبَه ﷺ ويُوطِّنَه على اليأس من إيمانهم، فأضرَبَ عن ذلك وقال: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم﴾ وجَعل السَّبب في ذلك أنه تعالى ما أراد هدايتَهم وأنه مختوم على قلوبهم، ولذلك رتَّب عليهم قوله: ﴿فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ على التَّقريع والإنكارِ، ثم ذَيَّل الكُلَّ بقولِه: ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ يعني: إذا أراد اللهُ منهم ذلك لا مَخْلَص لهم منه، ولا أحدَ يُنقذهم لا أنتَ ولا غيرُك، فلا تذهب نفسُكَ عليهم حسرات، فاهتَمّ بخاصّةِ نفسك ومَنْ تَبِعَك، وأقِمْ وجهَك معهم للدِّين حنيفًا.
قوله: (فقوِّم وجهكَ له وعدِّله)، الأساس: وقوَّمَ العُودَ وأقامه، فقام واستَقامَ وتقوَّم، ورُمحٌ قويم.
стр. 6437
بالشيء عقد عليه طرفه، وسدّد إليه نظره، وقوّم له وجهه، مقبلًا به عليه. و (حَنِيفاً) حال من المأمور، أو من الدين (فِطْرَتَ الله) أى: الزموا فطرة الله. أو عليكم فطرة الله. وإنما أضمرته على خطاب الجماعة لقوله: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ) ومنيبين: حال من الضمير في: الزموا. وقوله: (وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصلاة وَلا تَكُونُوا) معطوف على هذا المضمر. والفطرة: الخلقة. ألا ترى إلى قوله: (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله) والمعنى: أنه خلقهم قابلين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: الزَمُوا فِطرةَ اللهِ، أو عليكم فِطرةَ اللهِ) قال مكيُّ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ نصب بإضمار فعلٍ؛ أي: ((اتَّبِعْ فطرةَ الله))، ودلَّ عليه قولُه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾؛ لأنَّ معناه: ((اتَّبعِ الدِّينَ))، وقيل: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ انتَصبَ على المصدر؛ لأنَّ الكلامَ دَلَّ على فَطْرِ الله [الخلقَ] فِطرةً. والتَّقديرُ الأوَّل أقربُ إلى تأليف النَّظْم؛ لأنَّه موافقٌ لقوله: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم﴾، ولترتُّبِ قولِه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ عليه بالفاء.
وأما قولُه: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ فهو حالٌ من الضَّمير في ﴿أَقِمْ﴾، وإنَّما جُمع لأنَّه مردودٌ على المعنى؛ لأنَّ الخطابَ للنبيِّ ﷺ لأُمّتِه؛ أي: أَقيمُوا وُجوهَكُم مُنيبِينَ إليه.
وقال الفرّاءُ: أي: ((أقِمْ وَجهَكَ ومَنِ اتَّبعكَ))؛ كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: ١١٢] فلذلك قال: ﴿مُنِيبِينَ﴾.
وفي ((المرشد)): أنَّ ﴿مُنِيبِينَ﴾ متعلِّق بمُضْمَرٍ، أي: كُونوا مُنيبينَ؛ لقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: كونوا منيبين ولا تكونوا مشركين وقال: هذا حَسَنٌ.
قوله: (أَلا تَرى إلى قوله: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ يعني دلَّ قولُه: ﴿لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ على أنَّ معنى فِطْرةَ الله: الخَلْقُ، وأنه من إقامة المُظْهَرِ موضعَ المُضْمَرِ من غير لفظِه السابقِ، وفائدتُه
стр. 6438
للتوحيد ودين الإسلام، غير نابين عنه ولا منكرين له، لكونه مجاوبًا للعقل، مساوقًا للنظر الصحيح، حتى لو تركوا لما اختاروا عليه دينًا آخر، ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الإنس والجن. ومنه قوله ﷺ : «كل عبادي خلقت حنفاء فاجتالتهم الشياطين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإشعارُ بأنَّ أصلَ الجِبِلَّةِ السَّليمةِ المتهيئةِ لقَبولِ الحَقِّ أن لا تُغيٍّرَ ولا تَتْرُكَ لِمَحْضِ التَّقليد، فإنه مُجاوِبٌ للعقل.
هذا معنى ما روينا عن البخاريِّ ومسلمٍ وغيرِهما، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما مِن مولودٍ إلاّ ويولَد على الفِطرةِ، فأَبواهُ يهوِّدانِه أو يُنَصِّرانِه أو يُمَجِّسانِه، كما تُنتِجُ البهيمةُ بهيمةً جَمعاءَ، هل تُحسُّون فيها من جَدعاءَ)). ثمَّ يقولُ أبو هريرةَ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾.
الجَمعاءُ: التي لم يذهب من بدنها شيءٌ. والجَدْعاء: المقطوعةُ الأُذنِ والأَنف أو الشَّفة أو اليد، ونحو ذلك. والمعنى: أن المولودَ يُولدُ على نوعٍ مِن الجِبِلَّة، وكونِه متهيِّئًا لقبول الحقِّ طبعًا لو خَلَّته شياطينُ الإنسِ والجنِّ، كما أن البَهيمة تولَد سَويَّةَ الأطرافِ، لولا النّاسُ وتعرُّضهم إليها لبَقِيَت كما وُلِدت سَلِيمةً.
قوله: (مساوقًا للنَّظر)، الأساس: هو يًساوقُه ويُقاودُه، وتَساوقَتِ الإبلُ: تَتابعت.
قوله: (كلُّ عبادي خَلَقتُ حُنَفاءَ) هذا حديث طويلٌ رواه عياضٌ بن حِمار ﵁، عن رسول الله ﷺ ، وفيه: ((إنِّي خَلَقتُ عبادي حُنفاءَ كلَّهم، وإنِّهمْ أَتتْهُمُ الشَّياطينُ فاجتَالَتْهُم عن دِينهم، وحَرَّمتْ عليهم ما أحلَلْتُ لهم، وأمَرَتْهُم أن يُشركوا بي)). أخرجه مسلم.
стр. 6439
عن دينهم وأمروهم أن يشركوا بى غيرى» وقوله ﵇: "كل مولوٍد يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهوّدانه وينصرانه»، (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله) أى: ما ينبغي أن تبدّل تلك الفطرة أو تغير. فإن قلت: لم وحد الخطاب أولًا، ثم جمع؟ قلت: خوطب رسول الله ﷺ أولًا، وخطاب الرسول خطاب لأمته مع ما فيه من التعظيم للإمام، ثم جمع بعد ذلك للبيان والتلخيص، (مِنَ الَّذِينَ) بدل من المشركين، (فَرَّقُوا دِينَهُمْ) تركوا دين الإسلام. وقرئ: (فرّقوا دينهم) بالتشديد، أى: جعلوه أديانًا مختلفة لاختلاف أهوائهم (وَكانُوا شِيَعاً) فرقًا، كل واحدةٍ تشايع إمامها الذي أضلها، (كُلُّ حِزْبٍ) منهم فرح بمذهبه مسرور، يحسب باطله حقًا ويجوز أن يكون (مِنَ الَّذِينَ) منقطعًا مما قبله، ومعناه: من المفارقين دينهم كل حزٍب فرحين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اجتالَتْهُم: استخفَّتهم، فجالُوا معهم، يُقال للقوم إذا تَرَكوا القَصْدَ والهُدى: اجتالَتْهُمُ الشَّياطينُ؛ أي: جالُوا معهم في الضَّلالة.
قوله: (وقرئ: ﴿فَرَّقُوا﴾، حمزة والكسائي: ((فارقوا))، والباقون: ﴿فَرَّقُوا﴾.
قوله: (ويجوز أن يكون ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ منقطعًا ممّا قبلَه) أي: لم يكن بَدَلاً من المشركين بإعادة الجارِّ، ويكون خبرًا، والمبتدأ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾، و ((فرحون بما لديهم)) وصفُه؛ فعلى هذا الآيةُ عامَّةٌ.
روى الواحديُّ عن مقاتل: كلُّ أهل مكّةَ بما عندهم من الدِّين راضون.
وسبيل الآية مع قولِه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ الآية، سبيلُ قولِه تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]؛ لأن وِزانَ الآيةِ الآخرة ووزِانَ الآيةِ الآخرة وزِانُ قولهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩].
стр. 6440
بما لديهم، ولكنه رفع (فرحون) على الوصف لكل، كقوله:
وكل خليل غير هاضم نفسه
[(وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)] ٣٣ - ٣٤ [
الضر: الشدّة من هزاٍل أو مرٍض أو قحٍط أو غير ذلك. والرحمة: الخلاص من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روينا عن التِّرمذيِّ، عن عبدِ الله بنِ عَمرٍو ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ : ((إنَّ بَني إسرائيلَ تَفرقت ثنتين وسَبعِين مِلَّةً، وتَفترق أُمَّتي على ثلاثٍ وسَبعِين مِلَّة، كلهم في النّار إلاّ مِلَّة واحدةً)) قالوا: ومَن هي يا رسول الله؟ قال: ((ما أنا عليه وأصحابي)).
وعلى الوجهِ الأوّلِ: الآيةُ خاصَّةٌ، ومِن ثمَّ جاءَ بضمير المشركين في قوله: ((كلُّ حزبٍ منهم)).
قوله: (ولكنّه رفع ﴿فَرِحُونَ﴾) قيل: يعني: كان مِنْ حقِّ الظاهر أن يَجرَّ ﴿فَرِحُونَ﴾؛ لكونه صفةَ ﴿حِزْبٍ﴾؛ لأنَّ الصِّفةَ في الأعداد وما هو من قَبِيلها ينبغي أن تكون للمضاف إليه؛ لقوله تعالى: ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف: ٤٣]، ولكنَّه وصفَ هاهنا المضافَ ليبيِّنَ أنَّ الفرحَ شاملٌ للكلِّ وهو أبلَغُ.
قوله: (وكلُّ خلِيلٍ غَيرُ هاضِمِ نَفسِه) تمامه:
لِوصلِ خلِيلٍ صارمٌ أَو مُعَارِز
((غيرُ هَاضِمِ نَفسِه)) صفة لـ ((كُلُّ خَلِيلٍ)). ((مُعَارِز)) أي: مجانب، بالرّاء والزاي بَعْدَه يقول: كلُّ خليلٍ لا يكسِرُ نفسَه ولا يَحمل أذى صاحبِه، فهو لا محالةَ مُصارِمُه أو مُعاتِبُه.
وقيل: تمامُه:
стр. 6441
الشدّة. واللام في (لِيَكْفُرُوا) مجاز مثلها في (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا)] القصص: ٨ [. (فَتَمَتَّعُوا) نظير (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ)] فصلت: ٤٠ [(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) وبال تمتعكم. وقرأ ابن مسعود: (وليتمتعوا).
[(أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ)] ٣٥ [
السلطان: الحجة، وتكلمه: مجاز، كما تقول: كتابه ناطق بكذا، وهذا مما نطق به القرآن. ومعناه الدلالة والشهادة، كأنه قال: فهو يشهد بشركهم وبصحته. و (ما) في (بِما كانُوا) مصدرية أى: بكونهم بالله يشركون. ويجوز أن تكون موصولةً ويرجع الضمير إليها. ومعناه: فهو يتكلم بالأمر الذي يسببه يشركون، ويحتمل أن يكون المعنى: أم أنزلنا عليهم ذا سلطان، أى: ملكًا معه برهان فذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه يشركون.
[(وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ)] ٣٦ [
(وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً) أى: نعمةً من مطٍر أو سعةٍ أو صحةٍ (فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) أى: بلاء من جدب أو ضيق أو مرض، والسبب فيها شؤم معاصيهم، قنطوا من الرحمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فبالصدِّ والإعراضِ عنه جَديرُ
قوله: (اللام في ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ مجاز)؛ لأن المعنى: ثم أذاقهم منه رحمةً ليشكروا ما أَوْلاهم من رحمته ولا يُشرِكوا به شيئًا، فعكسوا وأشركوا ليكفروا. وتحريرُه: أنَّهم ما قَصَدوا في اتِّخاذهم كُفرانَ النِّعمة، بل قَصَدوا بذلك أنْ يكونوا لهم شفعاءَ، فأدَّى ذلك إلى الكُفران، كما في قصّةِ موسى وفرعون.
стр. 6442
[(أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)] ٣٧ [
ثم أنكر عليهم بأنهم قد علموا أنه هو الباسط القابض، فما لهم يقنطون من رحمته، وما لهم لا يرجعون إليه تائبين من المعاصي التي عوقبوا بالشدّة من أجلها، حتى يعيد إليهم رحمته.
[(فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)] ٣٨ [
حق ذى القربى: صلة الرحم. وحق المسكين وابن السبيل: نصيبهما من الصدقة المسماة لهما. وقد احتج أبو حنيفة ﵀ بهذه الآية في وجوب النفقة للمحارم إذا كانوا محتاجين عاجزين عن الكسب. وعند الشافعي ﵀: لا نفقة بالقرابة إلا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقد احتَجَّ أبو حنيفةَ ﵁ بهذه الآية في وُجوب النَّفقةِ للمَحارم إذا كانوا محتاجينَ) قال القاضي: وهو غير مُشْعِرٍ به ﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾؛ أي: آتِهِما ما وُظِّف لهما منَ الزَّكاة، والخطابُ للنبيِّ ﷺ أو لمَن بُسِطَ له، ولذلك رُتِّبَ على ما قبله بالفاء.
وقال الإمام: لمّا بيَّن الله تعالى أنه يبسطُ [الرزق] ويَقدِر، فلا ينبغي أن يتوقَّفَ الإنسان في الإحسان، فإنَّ اللهَ إذا بَسطَ الرِّزقَ لا ينقصُ بالإنفاق، وإذا قَدَرَ لا يزداد بالإمساك.
وقلت: إنه تعالى لمّا حَكى في جنس الناس أنَّهم إذا أذاقَهم منه رحمةً فرحوا بها بَطِرِينَ أَشِرِينَ، وإنْ تُصبْهم سيِّئةٌ قَنَطُوا من رحمة الله، أَنكَر عليهم ذلك، ونَبَّههُم على أنَّ تلك الإذاقة والإصابة من بَسْط الله الرِّزقَ وقَبْضِه، وقال: فلا يكن منكم بَطَرٌ عند البَسْطِ بل
стр. 6443
على الولد والوالدين: قاس سائر القرابات على ابن العم؛ لأنه لا ولاد بينهم. فإن قلت: كيف تعلق قوله: (فَآتِ ذَا الْقُرْبى) بما قبله حتى جيء بالفاء؟ قلت: لما ذكر أنّ السيئة أصابتهم بما قدّمت أيديهم، .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اشكُروا اللهَ، وأنفِقُوا ممّا رَزَقكمُ اللهُ في سبيله ووَجْهِه، في الأقربينَ واليَتامى والمساكين ليزيدَكم من فَضْله، وتفوزوا بالفلاح عاجلاً وآجلاً، فلا يُوجد منكم يأس أيضًا عند القَبْض، بل ارجِعُوا إلى الله مُنيبينَ؛ لأنَّ ذلك من شؤم معاصيكم.
وإليه الإشارةُ بقوله: ((لما ذكر أن السَّيئةَ أصابتْهُم بما قدَّمت أيديهم أتبعَه ذِكْرَ ما يَجبُ أن يُفْعلَ وما يَجِبُ أن يُتركَ))، ولعلَّ وجهَ استدلال أبي حنيفة ﵁ رتَّب الأمرَ بإيتاء ذي القُربى على الوَصْف المناسبِ، وهو إصابةُ السَّيئةِ باجتراحِ المعاصي بعد أن ضَمَّ معَ الإيتاء لفظة: ﴿حَقَّهُ﴾ فيكون للوجوب، وأيضًا علَّل إثبات الفلاح باسم الإشارة إلى ذلك الوَصْفِ، وهو إيتاءُ ذي القُربى.
والشافعيُّ ﵁ رأى عطفَ ﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ على ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾ أمارةً لاشتراكهم في وُجوب الزَّكاة دُون النَّفقةِ؛ لأنَّ حُكمَ المعطوفينَ في النَّفقة خارجٌ بالاتِّفاقِ؛ لأنَّ مَنِ استحقَّ الزَّكاة سَقَطت نفقتُه.
قوله: (قاس سائرَ القَرابات على ابنِ العَمَّ)، قال صاحب ((الهداية)): النَّفقةُ لكلِّ ذِي رَحِمٍ محرَّم منه، ويُعلَمُ منه أنَّ مَن كان ذا رَحِمٍ ولم يكن محرَّمًا كأولاد العَمِّ والخال، فلا تَجبُ النفقةُ عليه؛ لأنَّ الصِّلةَ في القَرابةِ واجبةٌ دونَ البعيدةِ.
وأمّا قول المصنف: ((للمَحارم إذا كانوا محتاجين)) فمحمولٌ على المَحارم من النَّسَبِ دونَ الرَّضاعِ والمصاهَرة؛ لأن سياقَ الكلامِ في ذي القربى.
стр. 6444
أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل، وما يجب أن يترك (يُرِيدُونَ وَجْهَ الله) يحتمل أن يراد بوجهه: ذاته أو جهته وجانبه، أى: يقصدون بمعروفهم إياه خالصًا وحقه، كقوله تعالى: (إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى)] الليل: ٢٠ [أو يقصدون جهة التقرّب إلى الله لا جهةً أخرى، والمعنيان متقاربان، ولكن الطريقة مختلفة.
[(وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ الله وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ)] ٣٩ [
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أتبعَه ذِكْر ما يَجِبُ أن يُفعل وما يَجبُ أن يُترك) يعني: إذا تَقرَّر أن ما يُصيبهم من مصائبَ دنيويَّةٍ ودِينيَّةٍ بسَببِ معاصِيهم، فعلى كلِّ ذي لُبٍّ أن يعتبرَ العاقبة ويتحرّى إيتاءَ معروفِه في أهله ومُستَحقِّه، ويجتنبَ إيتاءَ ما يَمحَقُه الله في الدُّنيا من الرِّبا والسُّخط على صاحبه في العُقبى منَ الرِّياء، وممّا يدلُّ على أنَّ الآيتينِ متقابلتان تَكريرُ ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ فيهما، وتخصيصُ كلٍّ منَ الآيتينِ باسم الإشارة الدَّالٌ على أنَّ ما قبلَه جديرٌ بما بعدَه لأجل ذِكْرِ مُوجبه.
قوله: (أي: يَقْصدون بمعروفهم إيّاه [خالصًا] وحقَّه) عطفٌ على إياه؛ نحو: أعجَبَني زيدٌ وكَرمُه، وقيل: إنّما جاء بالضَّمير منفصلاً لما أهمَّه تقديمُ الجارِّ والمجرور على المفعول به، فيتعذَّر الاتصالُ. هذا على تقدير أنْ يُرادَ بوجهه ذاتُه، فيُفيدُ الاختصاصَ والإخلاص، وبقوله: ((أو يقصدون جهةَ التقرُّب على أن يُراد بوجهِه جهتُه وجانبُه)) فيه نَشْرٌ لما لفَّ في قولِه: ((يَحتملُ أن يُرادَ بوجهه ذاتُه أو جهتُه))، أو لِمَا في الثاني من معنى الكناية عن الذاتِ؛ لأنه تعالى مقدَّسٌ عنِ الجانبِ؛ كقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَر: ٥٦] ورجع المعنى إلى ذاته معَ مُراعاة العَظَمة، قال: و ((المعنيان متقاربانِ، ولكنَّ الطريقةَ مختلفةٌ)).
стр. 6445
هذه الآية في معنى قوله تعالى: (يَمْحَقُ الله الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ)] البقرة: ٢٧٦ [سواًء بسواء، يريد: وما أعطيتم أكلة الربا (مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي) أموالهم: ليزيد ويزكو في أموالهم، فلا يزكو عند الله، ولا يبارك فيه (وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ) أى: صدقةٍ تبتغون به وجهه خالصًا، لا تطلبون به مكافأةً ولا رياًء وسمعة، (فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) ذوو الأضعاف من الحسنات. ونظير المضعف: المقوي والموسر، لذي القوّة واليسار: وقرئ بفتح العين. وقيل نزلت في ثقيف، وكانوا يربون. وقيل: المراد أن يهب الرجل للرجل أو يهدى له، ليعوّضه أكثر مما وهب أو أهدى، فليست تلك الزيادة بحرام، ولكن المعوّض لا يثاب على تلك الزيادة. وقالوا: الربا ربوان: فالحرام: كل قرٍض يؤخذ فيه أكثر منه: أو يجرّ منفعة. والذي ليس بحرام: أن يستدعى بهبته أو بهديته أكثر منها. وفي الحديث: «المستغزر يثاب من هبته» وقرئ: (وما أتيتم من ربا)، بمعنى:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفي الحديث: ((المُستَغْزِرُ يُثابُ من هِبَتِه)))، النهاية: عن بعض التابعين: الجانبُ المُستغزِرُ يُثاب من هِبَتِه.
المُستغزِرُ: الذي يطلبُ أكثرَ مما يُعطي، وهي المُغازرَة؛ أي: إذا أهدى لك الغريبُ شيئًا يَطلبُ أكثرَ مِنه فأعطِه في مقابلة هديتِه. وأما قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدَّثر: ٦] فمخصوصٌ.
قوله: (قرئ: ((ما أتيتم من رِبًا))) قرأها ابنُ كثير مقصورًا، وهو يعود في المعنى إلى المشهورة، يقال: أتى معروفًا وأتى قبيحًا إذا فَعلَهما. وقرأ نافع: ((لتُربوا)) بالتاء مضمومة؛
следующие страницы →