← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والنساء لقوله: ﴿عَنكُمُ﴾ بالميم، ودليلُ إدخال النساء قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾. وقلتُ: هذا الحديثُ أخرجَه مسلمٌ عن عائشة مع تغيير يسير، ورَوينا عن أم سلمةَ قالت: إن هذه الآيةَ نزلَتْ في بيتِها ﴿نَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ قالت: وأنا جالسةٌ عند البابِ قلت: يا رسولَ الله ألسْتُ من أهلِ البيت؟ فقال: ((إنّك إلى خير، أنت من أزواج رسول الله))، وفي البيتِ رسولُ الله وعليٌّ وفاطمةُ والحسَنُ والحسينُ، فَجلَّلَهم بكساءٍ وقال: ((اللهمَّ هؤلاء أهلُ بَيْتي فأذهِبْ عنهم الرجْسَ وطَهِّرْهم تطهيرًا)) أخرَجه رَزينٌ، وأخرجه الترمذي، ولم يَزِدْ على: ((إنّك إلى خير)). اعلمْ أنّ قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ كالاستئنافِ على سبيلِ التعليل للآياتِ السابقة من لَدُنْ قولهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، وفيها الحثُّ على مكارمِ الأخلاقِ والردعُ عن رذائِلها، فالواجبُ أن تُعَلَّلَ العِلّةُ بما يدل على التخلية والتحلية. ومن ثَمَّ قال: ((استعار للذنوبِ الرجسَ وللتقوى الطُّهر، لأنّ عِرْضَ المقترفِ للمُقَبّحاتِ يتلوّثُ بها كما يتلوّثُ بدنه بالأرْجاسِ، وأما المُحسَّنات فالعِرْضُ معها نقي كالثوب الطاهر))، شرعَ أولاً في التخييرِ بين الحياتَيْن: الدنيوية والأخروية، وفيه: أنّ راسَ الأرجاسِ محبَّةُ الدنيا، كما أنّ أساسَ الدينِ محبَّة الله ومحبَّة رسوله. وثانيًا في تفصيلِ ما يؤدي إليه المحبتان: المحبةُ الدنيوية تؤدِّي إلى الفاحشة، والأخروية تستدعي القنوت لله والطاعة للرسول. وإنما أخَّر ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ لتكون كالخاتمة التي تشتمل على التخلص إلى نوع آخر من الكلام.

стр. 6617

[(وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ الله وَالْحِكْمَةِ إِنَّ الله كانَ لَطِيفاً خَبِيراً)] ٣٤ [ ثم ذكرهن أنّ بيوتهن مهابط الوحى، وأمرهن أن لا ينسين ما يتلى فيها من الكتاب الجامع بين أمرين: هو آيات بينات يدل على صدق النبوّة؛ لأنه معجزة بنظمه، وهو حكمة وعلوم وشرائع. (إِنَّ الله كانَ لَطِيفاً خَبِيراً) حين علم ما ينفعكم ويصلحكم في دينكم فأنزله عليكم، أو علم من يصلح لنبوّته ومن يصلح لأن يكونوا أهل بيته، أو حيث جعل الكلام الواحد جامعًا بين الغرضين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال القاضي: الخاتمة تذكيرٌ بما أنعَم الله عليهنّ حيثُ جعَلهنَّ أهلَ بيتِ النبوة ومهبطَ الوحي وما شاهَدْنَ من بُرَحائه مما يوجب قوة الإيمان والحرص على الطاعة والإيثار بما كُلِّفْنَ به. قولُه: (أو حيثُ جَعلَ الكلامَ الواحدَ)، عَطْفٌ على قوله: ((حين علِمَ ما ينفعكم))، فـ ((حين)) كـ ((حيث)) في إفادة التعليل، يعني: أن قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ تعليل لقوله: ﴿ايُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾، والمرادُ بالمتلوِّ: القرآن؛ لأنّ المعنى: ما يُتلى من الكتاب الجامع بين أمرين؛ هو آيات بَيِّنات؛ وهو حكمة وعلوم، ونظيرُه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: ٥٣] قال المصنف: ((يعني: الجامعَ بين كونِه كثابًا مُنزّلاً وفرقانًا)) يعني: التوراة، كقولك: رأيت الليثَ والغيثَ، تريدُ: الرجل الجامع بين الجود والكرم. ثُمَّ التعليلُ: إما راجعٌ إلى نفس المكنيِّ عنه-وهو القرآنُ- من غيرِ اعتبارِ ما كنى به من المعنَيين على نحو قوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣]، يعني: السفينة،

стр. 6618

[(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ الله كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ الله لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)] ٣٥ [ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وحققنا القول فيه في ((الأنفال))، ويدل على هذا إفرادُ ضميرِ القرآنِ في قوله: ((لأنه معجزة))، وقوله: ((فأنزَلَه عليكم)) وهو لوجهَيْن: أحدهما: أن يكون المُعلَّلُ القرآن، من حيث كونُه نازلاً لمصالحِ الخلق ومنافعِهم وهو المرادُ من قولهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ حين علم ما ينفعُكم ويُصلحُكم من دينكم فأنزله عليكم. وثانيهما: أن يكون مُعلَّلاً من حيثُ كونه نازلاً على حضرةِ الرسالة، وبيوتُهنَّ مهابطُه احترامًا لهن، وإليه الإشارة بقوله ((وعَلِمَ منْ يصلحُ لنبوته ومَنْ يصلح لأن يكون أهلَ بيته)). وإما راجعٌ إليه باعتبار المعنيين، وهو المراد من قولِه: ((أو حيث جَعلَ الكلامَ الواحدَ- أي: القرآنَ- جامعًا بين الغرضَيْن)) أي: بين كونه معجزة وبين كونه مشتملاً على بَيانِ العلمِ والعمل المُعَبَّرِ بهما عن الحكمة، وهذا الوجه أحسَنُ طِباقًا وأجرى على قانونِ البلاغةِ لِما في العلّة والمُعلَّلِ من اللفِّ والنشرِ، فإن قولَه: ﴿لَطِيفًا﴾ نَشْرٌ لقوله: ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ المعنيِّ بهما المعجزة، وقولَه: ﴿خَبِيرًا﴾ نشرٌ لقولِه: ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ واللطفُ فيه: أنّ شأنَ الإعجازِ يحتاج إلى لُطفِ إدراكٍ ودقّةِ نَظر كما قال صاحب ((المفتاح)): شأنُ الإعجازِ عَجيبٌ يدرك ولا يُمكنُ وصفه، فناسب صفة اللطف وأن تحقيقَ وضعِ الشرائعِ والأحكامِ يفتقرُ إلى حِكَم بليغة ولا يصل إلى كُنْهِ تلك الحكمة إلا علم العليم الخبير فناسب الخبير الحكمة، نحوه قوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] والله أعلم.

стр. 6619

روي: أنّ أزواج النبي ﷺ قلن: يا رسول الله، ذكر الله الرجال في القرآن بخير، أفما فينا خير نذكر به؟ إنا نخاف أن لا تقبل منا طاعة. وقيل: السائلة أم سلمة. وروى: أنه لما نزل في نساء النبي ﷺ ما نزل، قال نساء المسلمين: فما نزل فينا شيء؟ فنزلت. والمسلم: الداخل في السلم بعد الحرب، المنقاد الذي لا يعاند، أو المفوّض أمره إلى الله، المتوكل عليه، من أسلم وجهه إلى الله. والمؤمن: المصدق بالله ورسوله وبما يجب أن يصدق به. والقانت: القائم بالطاعة الدائم عليها. والصادق: الذي يصدق في نيته وقوله وعمله. والصابر: الذي يصبر على الطاعات وعن المعاصي. والخاشع: المتواضع لله بقلبه وجوارحه. وقيل: الذي إذا صلى لم يعرف من عن يمينه وشماله. والمتصدق: الذي يزكى ماله، ولا يخل بالنوافل. وقيل: من تصدّق في أسبوع بدرهم فهو من المتصدّقين، ومن صام البيض من كل شهر فهو من الصائمين. والذاكر الله كثيرًا: من لا يكاد يخلو من ذكر الله بقلبه أو لسانه أو بهما، وقراءة القرآن، والاشتغال بالعلم من الذكر. وقال رسول الله ﷺ : «من استيقظ من نومه وأيقظ امرأته فصليا جميعًا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات»، والمعنى: والحافظاتها والذاكراته، فحذف؛ لأنّ الظاهر يدل عليه. فإن قلت: أى فرق بين العطفين، أعنى عطف الإناث على الذكور، وعطف الزوجين على الزوجين؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (رُوي أنّ أزواج النبي ﷺ ، الحديثُ من روايةِ الترمذي عن أم عُمارَة الأنصارية قالت: أتيتُ رسولَ الله ﷺ فقلتُ: ما أرى كلَّ شيءٍ إلا للرجال، وما أرى النساءُ يذكَرْنَ بشيءٍ، فنزلت الآية. قولُه: (من اسيقظ من نومه)، الحديثُ رواه أبو داود وابنُ ماجَه عن أبي سعيدٍ وأبي هريرة مع تغيير يسير.

стр. 6620

قلت: العطف الأوّل نحو قوله تعالى: (ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً)] التحريم: ٥ [في أنهما جنسان مختلفان، إذا اشتركا في حكم لم يكن بد من توسيط العاطف بينهما. وأما العطف الثاني فمن عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع، فكان معناه: إنّ الجامعين والجامعات لهذه الطاعات (أَعَدَّ الله لَهُمْ). (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً)] ٣٦ [ خطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة، فأبت وأبى أخوها عبد الله؛ فنزلت، فقال: رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه، وساق عنه إليها مهرها ستين درهمًا وخمارًا وملحفًة ودرعًا وإزارًا وخمسين مدًا من طعام وثلاثين صاعًا من تمر. وقيل: هي أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط، وهي أوّل من هاجر من النساء، وهبت نفسها للنبي ﷺ فقال: "قد قبلت"، وزوّجها زيدًا، فسخطت، هي وأخوها، وقالا: إنما أردنا رسول الله ﷺ ، فزوّجنا عبده! والمعنى: وما صح لرجل ولا امرأةٍ من المؤمنين (إِذا قَضَى الله وَرَسُولُهُ) أى: رسول الله، أو لأنّ قضاء رسول الله هو قضاء الله (أَمْراً) من الأمور؛ أن يختاروا من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (العطف الأول نحو قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥])، قال صاحب ((التقريب)): عطفُ الإناثِ على الذكور لاختلافهما ذاتًا، وعطفُ الزوجَيْن على الزوجَيْن لاختلافهما صفة. وقلت: لما كان الثاني على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأنهما ليسا جنسين مختلفَين كالأولِ قال بحرفِ الجمع ليؤذنَ بأنه مسلوبُ الدَّلالة على المغايرة. قال في قوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]: ((ويجوزُ أن يكون الواو بمعنى: مع))، وقد بُيِّن معناه في مقامه. قولُه: (أي: رسول الله)، يريدُ: قضى رسول الله صلى الله عليه، على هذا: ذِكْرُ الله تمهيدٌ للذكْرِ رسول الله ﷺ ، نحو أعجبني زيد وكرمُه. وفائدةُ هذه الطريقة قوةُ الاختصاص وأنه

стр. 6621

أمرهم ما شاءوا، بل من حقهم أن يجعلوا رأيهم تبعا لرأيه، واختيارهم تلوا لاختياره. فإن قلت: كان من حق الضمير أن يوحد، كما تقول: ما جاءني من رجٍل ولا امرأة إلا كان من شأنه كذا. قلت: نعم، ولكنهما وقعا تحت النفي؛ فعما كل مؤمن ومؤمنة؛ فرجع الضمير على المعنى لا على اللفظ. وقرئ: (يكون) بالتاء والياء. و (الْخِيَرَةُ) ما يتخير. [(وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ الله وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَالله أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً)] ٣٧ [ (لِلَّذِي أَنْعَمَ الله عَلَيْهِ) بالإسلام الذي هو أجل النعم، وبتوفيقك لعتقه ومحبته واختصاصه، (وَأَنْعَمْتَ عَلَيْه) بما وفقك الله فيه، فهو متقلب في نعمة الله ونعمة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صلوات الله عليه بمنزلةٍ من الله ومكانة، وعلى الثاني: المرادُ بقضاءِ الله نَصُّه وهو القرآنُ المُنزل، وبقضاءِ رسول الله امتثالُ أمرِه. ذكَر الوجهَيْن في أولِ ((الأنفال))، فليُنظَر هناك ليتحقق. قولُه: (فرجع الضمير على المعنى لا على اللفظ)، لم يذكر الفائدةَ في العدول عن الظاهر، ولعل الفائدةَ فيه الإيذانُ بأنه كما لا يصحّ لكل فردٍ من المؤمنين أن يكون لهم الخِيرَةُ، كذلك لا يصح أن يجتمعوا ويَتَّفِقوا على كلمةٍ واحدة؛ لأن تأثيرَ الجماعة واتفاقَهم أقوى من تأثيرِ الواحد، فجمعَ في الآية المعنَيين معًا. قولُه: (قُرئ: ﴿يَكُونَ﴾ بالتاءِ والياءِ)، وبالتاءِ الفَوْقانية: نافعٌ وابنُ ذَكْوان، والباقون: بالياء.

стр. 6622

رسوله ﷺ ، وهو زيد بن حارثة: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) يعنى زينب بنت جحش رضى الله عنها؛ وذلك أن رسول الله ﷺ أبصرها بعد ما أنكحها إياه، فوقعت في نفسه، فقال: "سبحان الله مقلب القلوب"؛ وذلك أنّ نفسه كانت تجفو عنها قبل ذلك لا تريدها، ولو أرادتها لاختطبها، وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد، ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لرسول الله ﷺ ، فقال لرسول الله ﷺ : إنى أريد أن أفارق صاحبتي، فقال: "مالك؟ أرابك منها شيء؟ " قال: لا والله؛ ما رأيت منها إلا خيرًا، ولكنها تتعظم علىّ لشرفها وتؤذيني، فقال له: "أمسك عليك زوجك واتق الله"، ثم طلقها بعد، فلما اعتدت قال رسول الله ﷺ : "ما أجد أحدًا أوثق في نفسي منك، اخطب علىّ زينب". قال زيد: فانطلقت، فإذا هي تخمر عجينتها، فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، حين علمت أنّ رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري وقلت: يا زينب، أبشرى، إنّ رسول الله ﷺ يخطبك، ففرحت وقالت: ما أنا بصانعةٍ شيئًا حتى أؤامر ربى، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن (زَوَّجْناكَها) فتزوجها رسول الله ﷺ ودخل بها، وما أو لم على امرأةٍ من نسائه ما أو لم عليها: ذبح شاة، وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتدّ النهار. فإن قلت: ماذا أراد بقوله: (وَاتَّقِ الله)؟ قلت: أراد: واتق الله فلا تطلقها، وقصد نهى تنزيه لا تحريم؛ لأن الأولى أن لا يطلق. وقيل: أراد: واتق الله فلا تذمّها بالنسبة إلى الكبر وأذى الزوج. فإن قلت: ما الذي أخفى في نفسه؟ قلت: تعلق قلبه بها. وقيل: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (لأنّ الأولى أن لا يُطَلِّق)، عن أبي داودَ عن مُحاربٍ: أنّ رسولَ الله ﷺ قال: ((ما أحلَّ الله شيئا أبغض إليه من الطلاق))، وفي روايةٍ أخرى عن ابنِ عُمر عن رسولِ الله ﷺ : ((أبغَضُ الحلالِ إلى الله الطلاق)).

стр. 6623

مودة مفارقة زيد إياها. وقيل: علمه بأن زيدًا سيطلقها وسينكحها؛ لأن الله قد أعلمه بذلك. وعن عائشة رضى الله عنها: لو كتم رسول الله ﷺ شيئًا مما أوحى إليه لكتم هذه الآية. فإن قلت: فماذا أراد الله منه أن يقوله حين قال له زيد: أريد مفارقتها، وكان من الهجنة أن يقول له: افعل، فإنى أريد نكاحها؟ قلت: كأن الذي أراد منه أن يصمت عند ذلك، أو يقول له: أنت أعلم بشأنك، حتى لا يخالف سره في ذلك علانيته؛ لأن الله يريد من الأنبياء تساوى الظاهر والباطن، والتصلب في الأمور، والتجاوب في الأحوال، والاستمرار على طريقة مستتبة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (لو كتمَ رسول الله ﷺ شيئًا)، الحديثُ من روايةِ البخاريِّ والترمذيِّ والنسائي عن أنس قال: جاء زيدُ بن حارثة يشكو، فجعلَ رسولُ الله ﷺ يقول: ((اتّقِ الله وأمسِك عليك زوجك))، لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا لكتَم هذه الآية. قولُه: (وكان من الهُجْنة)، الأساس: هذا ما يُستهجَنُ وفيه هُجْنة. الجوهري: تهجينُ الأمر تقبيحه. قولُه: (كأنّ الذي أرادَ منه أن يصمُت)، فيه اعتزالٌ وسوءُ أدبٍ، بل كان الذي أولى له ﷺ أن يسكُتَ، وإنْ كان السكوتُ والنُّطق بإرادتِه ومشيئته. قولُه: (والتجاوب في الأحوال)، الأساس: كلامُ فلانٍ متناسبٌ متجاوب، ولا يتجاوب أول كلامِك وآخرُه. قولُه: (مُستَتِبّة)، الأساس: واستتَبَّ الطريق: ذلَّ وانقاد، كما يُقال: طَريقٌ مُعبَّد. واستتَبَّ له الأمر، ويجوز أن يقال للاستقامةِ والتمام: الاستتباب، أي: طلبِ التّباب، من: تَبَّ الرجل: إذا شاخ لأن التبابَ يتبَعُ التمام. الراغب: التبابُ والتبُّ الاستمرارُ في الخسران.

стр. 6624

كما جاء في حديث إرادة رسول الله ﷺ قتل عبد الله بن أبى سرح واعتراض عثمان بشفاعته له: أن عمر قال له: لقد كان عينى إلى عينك، هل تشير إلىّ فأقتله، فقال: "إن الأنبياء لا تومض، ظاهرهم وباطنهم واحد". فإن قلت: كيف عاتبه الله في ستر ما استهجن التصريح به، ولا يستهجن النبىّ ﷺ التصريح بشيء إلا والشيء في نفسه مستهجن، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يقال: تَبًّا له وتَبَّ له وتَبَبْتهُ إذا قلت له ذلك ولتضمن الاستمرار قيل: استَتَبَّ لفلان كذا أي استمر. قولُه: (كما جاءَ في حديثِ إرادةِ رسول الله صلى الله عليه)، وحديثُه على ما رواه أبو داود والنسائي عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يومُ فتح مكة أمّن رسول الله الناسَ إلا أربعةَ نفرٍ وامرأَتين- فسَمّاهم- وابنُ أبي سَرْح، فذكر الحديث. وأما ابنُ أبي سَرْحٍ فإنه اختبأ عند عُثمان رضي الله تعالى عنه فلما دعا رسول الله ﷺ الناسَ إلى البيعةِ جاءَ به حتى وقفه على النبيِّ ﷺ فقال: يا نبي الله، بايعِ عبد الله، فرفع رأسَه فنظر إليه ثلاثًا كل ذلك يأبى فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على الصحابةِ فقال: ((أما كان منكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كفَفْتُ يدي عن بَيعتِه فيَقتله فقالوا: مَا ندْري يا رسولَ الله ما في نفسِك ألا ما أوماتَ إلينا بعينك؟ قال: ((لا ينبغي لنبيّ أن يكونَ له خائنة الأعين)). قولُه: (لا تُومضُ)، الأساس: ومنَ المجازِ: أومَضَتْ بعَيْنها سارَقتِ النظر. قال: قُل للهُمامِ وخَيْرُ القولِ أصدَقُه … والدهرُ يومِضُ بعد الحالِ بالحال هو من قولك: وَمضَ البرقُ وَميضًا ووَمْضًا، وبَرقٌ وامِضٌ، وأوْمضَ إيماضًا: إذا لَمع خَفِيًّا.

стр. 6625

وقالة الناس لا تتعلق إلا بما يستقبح في العقول والعادات؟ وماله لم يعاتبه في نفس الأمر؟ ولم يأمره بقمع الشهوة وكف النفس عن أن تنازع إلى زينب وتتبعها؟ ولم يعصم نبيه ﷺ عن تعلق الهجنة به وما يعرضه للقالة؟ قلت: كم من شيٍء يتحفظ منه الإنسان ويستحيى من اطلاع الناس عليه، وهو في نفسه مباح متسع، وحلال مطلق، لا مقال فيه ولا عيب عند الله، وربما كان الدخول في ذلك المباح سلمًا إلى حصول واجباٍت يعظم أثرها في الدين ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وقالةُ الناس)، النهاية: وفي الحديثِ: ((وفَشَتِ القالةُ بين الناس)) أي: كثرةُ القولِ وإيقاعُ الخصومة بين الناس بما يُحكى للبعضِ عن البعض. قولُه: (ولم يَعْصِمْ نَبِيَّه)، أي: ومالَهُ لم يعصِم نَبيّه عن تعلق الهُجْنَة به؟ هو عطفٌ على قوله: ((ولم يأمره)). قولُه: (يتحفظ منه)، الأساس: عليكَ بالتحفّظِ من الناسِ وهو التوقِّي. قولُه: (وربما كان الدخول في ذلك المباح سُلّمًا إلى حُصولِ واجباتٍ يَعظُم أثرُها في الدين)، قال بعضُ المحقِّقين: لعلّ السرَّ في طَلاقِ الزوجِ مَرغوبتَه امتحانُ إيمانِه، ومن رسول الله ﷺ الابتلاءُ بَبليّةِ البشريةِ ومَنْعِه من خائنةِ الأعيُن وإظهارِ ما يخالفُ الإضمارَ وكان ذلك منه في غاية التشديد، ولو كُلِّفَ بذلك آحادُ الناس لما فَتحوا أعيُنهم في الشوارع. قال شيخُنا شيخُ الإسلام أبو حَفْصٍ السُّهْروردي قدّسَ الله سِرَّه- في قولِه ﷺ : ((إنه ليُغانُ على قلبي)) -: ((إن روحَ النبيِّ ﷺ لم يَزْل في الترقِّي إلى مقامِ القربِ مستتبعةً للقلبِ في رُقيِّها إلى مركزِها، وهكذا كان القلب يستتبعُ نَفْسَه الزكيَّة، ولا خفاءَ أنّ حركةَ الروحِ والقلبِ أسرَعُ وأتمُّ من نهضةِ النفسِ وحركتِها، وكانت خُطى النفسِ تقصُر عن مدى الروحِ والقلبِ في العروجِ والولوجِ من حريم القلب ولحوقِها بِها فاقتضت العواطفُ الربانية على الضعفاءِ من الأمةِ إبطاءَ حركةِ القلب بإلقاءِ الغَيْنِ عليه؛ لئلا يُسرعَ ويَسرحَ في معارج الروح ومدارِجها فتنقطع علاقة النفس عنه لقوة الانجذاب فيبقى العبادُ مُهمَلين

стр. 6626

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محرومين من الاستنارةِ بأنوارِ النبوة والاستضاءةِ بمشكاةِ مصباحِ الشريعة، فظهرَ أن الغَيْن كان كمالاً أو تتمَّة كمالٍ لا نقصًا في حاله. قلت- والله أعلم-: إنه سَبقَ أن هذه السورة إلى مختتمها في بيان فضله ﷺ فسلك في هذه الآيات مسلك أن حاله ﷺ مباينٌ لأحوالِ غيره وأنه مَظْهرُ رحمةِ الله تعالى على خلقِه، ولا يصدرُ عنه إلا ما يكونُ منطويًا على مصالح جَمَّة، وإن خفي عليه وعلى الناس أمرُه، فنَبّه عليه بقوله أولاً: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾، ثم خَصَّ أزوجَه بالتخييرِ، وأنّ شأنه ليسَ كشأنِ سائر الأزواج، ثم فَرّعٍ عليهما قولَه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ تقريرًا وتوكيدًا، ثم جاءَ بتصويرِ حالةٍ من حالاته التي لا يرضى له بعض الناس بحَسْبِ العُرفِ والعادةِ وجَعله سُلّمًا إلى حصول ما يعظم أثره في الدين وهو قوله: ﴿تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾، يعني: كان الواجب عليك إظهار ما أخْطَرْنا في بالِك وأن لا تخشى قالةَ الناسِ كما عليه العُرْفُ والعادة لأن أمرك خلاف أمرِهم وبشريتُك مغمورةٌ في درجاتِ روحانيتك، ومن تقديرنا أن لا يجري عليك إلا ما فيه رحمةٌ للعباد وإليه الإشارة بقَوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ و ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾؛ ألا ترى كيف عَلّل ذلك برَفْع الحَرجِ عن المؤمنين وعن نفسه الطاهرة بقوله: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ ﴿مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾، وختمَ ذلك بقوله: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، هذا كلُّه معنى قولِ المصنِّف: ((كان الدخولُ في ذلك سُلّمًا إلى واجباتٍ يعظُمُ أثرُها في الدين)). ويقرُبُ منه ما روى مُحيي السنة أنّ زينَ العابدين عليّ بنَ الحُسين بن علي رضي الله تعالى عنه سأل عليَّ بن زيد بن جُدعان: ما يقولُ الحسَنُ في قوله : ﴿تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾؟ قال: يقول: لما قال زيدٌ: يا نبيَّ الله، إني أريدُ أن أطلِّقَ زينبَ، أعجَبَه ذلك وقال: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾، فقال زين العابدين: ليس كذلك، كان الله قد أعلمَه أنها ستكونُ من أزواجِه، وأنّ زيدًا سيُطَلِّقَها، فلما قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾، عاتبه الله وقال: لم قُلْت: أمسِكْ عليكَ زوْجَك، وقد أعلمتُك أنها

стр. 6627

ويجل ثوابها، ولو لم يتحفظ منه لأطلق كثير من الناس فيه ألسنتهم إلا من أوتى فضلًا وعلمًا ودينًا ونظرًا في حقائق الأمور ولبوبها دون قشورها، ألا ترى أنهم كانوا إذا طمعوا في بيوت رسول الله ﷺ بقوا مرتكزين في مجالسهم لا يريمون مستأنسين بالحديث، وكان رسول الله ﷺ يؤذيه قعودهم، ويضيق صدره حديثهم، والحياء يصده أن يأمرهم بالانتشار، حتى نزلت (إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَالله لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ)] الأحزاب: ٥٣ [، ولو أبرز رسول الله ﷺ مكنون ضميره وأمرهم أن ينتشروا؛ لشق عليهم، ولكان بعض القالة؟ فهذا من ذاك القبيل؛ لأن طموح قلب الإنسان إلى بعض مشتهياته -من امرأة أو غيرها- غير موصوف بالقبح في العقل ولا في الشرع؛ لأنه ليس بفعل الإنسان ولا وجوده باختياره، وتناول المباح بالطريق الشرعي ليس بقبيح أيضًا، وهو خطبة زينب ونكاحها من غير استنزال زيد عنها، ولا طلب إليه وهو أقرب منه من زرّ قميصه أن يواسيه بمفارقتها، مع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ستكونُ من أزواجِك؟ وهذا هو الأولى والألْيقُ بحالِ الأنبياءِ فهو مُطابقٌ للتلاوةِ، لأنّ الله تعالى أعلمَ أنه تعالى يُبدي ما أخفاهُ، ولم يُظهر غيرَ تزويجِها فقال: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾، فلو كان الذي أضمَره محبَّتها وإرادةَ طلاقِها؛ لكان يُظهِرُ ذلك، ثم قال في آخرِ كلامه: هذا قول حَسَنٌ مرضي. قولُه: (مرتكزين)، أي: ثابِتين، من: ركزْتُ الرُّمحَ، وكذا غرَزْتُه في الأرض. قولُه: (لا يَريمون): لا يَبْرحون، الجوهري: رامَه يَريمه رَيْمًا، أي: بَرَحَه. قولُه: (ولا طَلَبٍ إليه)، النهاية: ومنه حديثُ نُقادةَ الأسدي قلت: يا رسول الله اطلُبْ إليّ طَلِبةً فإني أحبُّ أن أُطْلِبَكَها. الطَّلِبةُ: الحاجةُ، والاطّلابُ: إنجازُها وقضاؤها. يُقال: طلبَ إلي فأطْلَبتُه، أي: أسعَفْتُه بما طلب. والضميرُ في ((مِنْه)) لزيد، و ((منْ)) صلة،

стр. 6628

قوة العلم بأن نفس زيٍد لم تكن من التعلق بها في شيء، بل كانت تجفو عنها، ونفس رسول الله ﷺ متعلقة بها، ولم يكن مستنكرًا عندهم أن ينزل الرجل عن امرأته لصديقه، ولا مستهجنًا إذا نزل عنها أن ينكحها الآخر؛ فإنّ المهاجرين حين دخلوا المدينة استهم الأنصار بكل شيء، حتى إن الرجل منهم إذا كانت له امرأتان نزل عن إحداهما وأنكحها المهاجر، وإذا كان الأمر مباحًا من جميع جهاته، ولم يكن فيه وجه من وجوه القبح ولا مفسدةٌ ولا مضرّة بزيٍد ولا بأحد، بل كان مستجرًا مصالح -ناهيك بواحدة منها: أن بنت عمة رسول الله ﷺ أمنت الأيمة والضيعة، ونالت الشرف، وعادت أما من أمّهات المسلمين-، إلى ما ذكر الله من المصلحة العامّة في قوله: (لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً)، فبالحرى أن يعاتب الله رسوله حين كتمه وبالغ في كتمه. بقوله: (أَمْسِكْ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ و((مِن)) الثانية هي التي تستعمل مع ((أفعل))، و ((أن يُواسيه)) مفعولُ ((طلب)). ((وهو أقربُ منه من زِرِّ قميصه)) جملةٌ معترضة، والجملةُ كنايةٌ عن رضاه على المبالغة. قولُه: (آسَتْهُم الأنصار)، من المواساة، وروي: ((اسْتَهَمَ)) أي: اقترع. قولُه: (أن بنتَ عَمّةِ رسول الله ﷺ ، زينبُ بنت جحش، أمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم، لم تكن امرأةٌ خيرًا من زينب في الدين، وأتقى لله، وأصدقَ حديثًا، وأوصَل للرحم، وأعظَم صدقةً، وأشدَّ تبذُّلاً لنفسها في العملِ الذي يُتصَدَّقُ به ويتقرب إلى الله تعالى. قولُه: (أمِنَت الأَيْمةَ)، أي: أمِنَتْ من أن تَصير أَيِّمةً. قولُه: (إلى ما ذكر الله)، متعلِّق بقولِه ((مُسْتَجِرًّا))، وقولُه: ((ناهيك)) إلى قوله: ((أمهات المؤمنين)) معترضةٌ، و ((منها)) صفةٌ لـ ((واحدة)) و ((أن بنتَ عمةِ رسول الله)) بدَلٌ من ((واحدة)). قولُه: (فبالَحرى أن يُعاتِبَ اللهُ رسولَه حين كتمه)، جواب ((إذا))، وهو تلخيصُ الجوابِ

стр. 6629

عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ الله)، وأن لا يرضى له إلا اتحاد الضمير والظاهر، والثبات في مواطن الحق؛ حتى يقتدى به المؤمنون؛ فلا يستحيوا من المكافحة بالحق وإن كان مرًا. فإن قلت: الواو في (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ)، (وَتَخْشَى النَّاسَ وَالله أَحَقُّ) ما هي؟ قلت: واو الحال، أى: تقول لزيد: أمسك عليك زوجك مخفيًا في نفسك إرادة أن لا يمسكها، وتخفى خاشياً قالة الناس وتخشى الناس، حقيقًا في ذلك بأن تخشى الله؛ أو واو العطف، كأنه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن قولِه: ((كيف عاتَبه الله في سَتْرِ ما استُهْجِنَ التصريحُ به؟ ))، وقولُه: ((كَمْ من شيء يتَحفَّظُ منه الإنسان)) إلى آخره، توطئةٌ للجواب على وجه كلِّي، وقولُه: ((وتناولُ المباحِ بالطريقِ الشرعيِّ ليس بقبيح)) إلحاقٌ لهذه الصورة المخصوصة بذلك، بدليل قوله: ((وهو خِطبةُ زينب))، وقولُه: ((لأَنّ طموحَ قلبِ الإنسانِ)) إلى قوله: ((غيرُ موصوفٍ بالقبحِ لا بالعقلِ ولا في الشرعِ))، وقولُه: ((لذا كان مباحًا)) إثباتٌ للحكمِ المستلزمِ للمقصودِ في الجواب، وهو قوله: ((فبالحرى أن يعاتبَ الله رسولَه حين كتمه)). هذا تقريرٌ متين، لكنّ قولَه: ((فلا يستحيوا من المكافحةِ بالحق وإن كان مُرًّا)) غيرُ موافقٍ لما قال قَبْلُ: ((كان الذي أرادَ منه أن يصمُت)). قولُه: (وأن لا يرضى له إلا اتّحادَ الضمير)، أي: وبالحرى أن لا يرضي لرسوله ﷺ إلا مطابقةَ ما في ضميره لما في ظاهره، وذلك بأن يخاطب زيْدًا مكافحًا بأنّ زوجتَك ستكون امرأتي وأريد أن لا تُمسكها. قولُه: (من المكافحة)، الأساس: كافَحه: لاقاهُ مواجهةً عن مفاجأةٍ. ومن المجازِ: كفَحْتُ الدابة وأكفَحْتُها: تلقَّيْتُ فاها بلِجام. قولُه: (واو الحال)، الجملةُ الواو فيها للحال على سبيل التداخل، فقولُه: ﴿وَتُخْفِي﴾ حال من المستتر في ﴿تَقُولُ﴾، وإليه الإشارةُ بقوله: ((لزيدٍ مُخْفيًا))، وقوله: ﴿تَخْشَى النَّاسَ﴾ من فاعل ((تُخفي))، وهو المرادُ بقولِه: و ((تُخْفي خاشيًا قالةَ الناسِ))، وقولُه: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ من فاعل ((تخشى الناس))، وإليه أومأ بقوله: ((وتخشى الناس حقيقًا في ذلك بأن تخشى الله)).

стр. 6630

قيل: وإذ تجمع بين قولك: (أمسك)، وإخفاء خلافه، وخشية الناس، (والله أحق أن تخشاه)؛ حتى لا تفعل مثل ذلك. إذا بلغ البالغ حاجته من شيٍء له فيه همة قيل: قضى منه وطره. والمعنى: فلما لم يبق لزيٍد فيها حاجة، وتقاصرت عنها همته، وطابت عنها نفسه، وطلقها، وانقضت عدتها (زَوَّجْناكَها). وقراءة أهل البيت: (زوّجتكها). وقيل لجعفر بن محمد رضى الله عنهما: أليس تقرأ علىّ غير ذلك؟ فقال: لا والذي لا إله إلا هو، ما قرأتها على أبى إلا كذلك، ولا قرأها الحسن بن علىّ على أبيه إلا كذلك، ولا قرأها على بن أبى طالب على النبي ﷺ إلا كذلك. (وَكانَ أَمْرُ الله مَفْعُولًا) جملة اعتراضية، يعنى: وكان أمر الله الذي يريد أن يكونه مفعولًا مكونًا لا محالة، وهو مثل لما أراد كونه من تزويج رسول الله ﷺ زينب، ومن نفى الحرج عن المؤمنين في إجراء أزواج المتبنين مجرى أزواج البنين في تحريمهن عليهم بعد انقطاع علائق الزواج بينهم وبينهن، ويجوز أن يراد بأمر الله: المكون؛ لأنه مفعول بـ"كن"، وهو أمر. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ حتى لا تفعلَ مثل ذلك)، هذا تقرير معنى كون الجملة مستأنفةً وتذييلٌ للكلام السابق. قولُه: (إذا بلغ البالغ حاجته)، قال الزجاج: قال الخليل: الوَطَرُ: كل حاجةٍ لك فيها هِمّة. فإذا بلغها البالغ قال: قد قضى وَطَره. الراغب: الوَطر: النَّهْمة والحاجَةُ المهمة. قولُه: (ويجوز أن يراد بأمر الله المُكوَّن)، لأنه مفعول بـ ((كُنْ)))، هذا كما قيل لعيسى ﵊: ((كلمة الله)) من إطلاق السَّببِ على المسبَّبِ، فالأمرُ بمعنى المأمور، وأصلُه الأمرُ الذي هو واحد الأوامر، لقوله: ((لأنه مفعول بـ (كن)))، وعلى الوجه الأول: لقوله: ((وكان أمر الله الذي يريد أن يكونه مفعولاً مكونًا))، فمعنى ﴿أَمْرُ اللهِ﴾: مخلوقُه ومراده.

стр. 6631

[(ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ الله لَهُ سُنَّةَ الله فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَقْدُوراً (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ الله وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ الله وَكَفى بِالله حَسِيباً)] ٣٩ - ٣٨ [ (فَرَضَ الله لَهُ): قسم له وأوجب، من قولهم: فرض لفلان في الديوان كذا، ومنه: فروض العسكر؛ لرزقاتهم. (سُنَّةَ الله) اسم موضوع موضع المصدر -كقولهم: تربًا، وجندلًا- مؤكد لقوله تعالى: (ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ)، كأنه قيل: سنّ الله ذلك سنة في الأنبياء الماضين؛ وهو أن لا يحرج عليهم في الاقدام على ما أباح لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره، وقد كانت تحتهم المهائر والسراري، وكانت لداود ﵇ مئة امرأةٍ وثلاث مئة سرية، ولسليمان ﵇ ثلاث مئة وسبعمئة (فِي الَّذِينَ خَلَوْا): في الأنبياء الذين مضوا. (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ) يحتمل وجوه الإعراب: الجرّ، على الوصف للأنبياء، والرفع والنصب، على المدح على: هم الذين يبلغون، أو على: أعنى الذين يبلغون. وقرئ: (رسالة الله). (قدرا مقدورا): قضاًء مقضيًا، وحكمًا مبتوتًا، ووصف الأنبياء بأنهم لا يخشون إلا الله تعريض بعد التصريح في قوله تعالى: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَالله أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ)] الأحزاب: ٣٧ [. (حَسِيباً): كافيا للمخاوف، أو: محاسبًا على الصغيرة والكبيرة، فيجب أن يكون ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (لرَزَقاتِهم) جمع الرَّزْقةِ، بالفتح، وهو المرة الواحدة، وهي أطماع الجُنْد، أي: إقطاعهم. الأساس: أجْرى عليه رِزْقًا، وكَم رِزْقُك في الشهر، أي: جِرايتُك، وأخذ الجند رَزَقاتَهم وأرزاقَهم. قولُه: (تُرْبًا وجَنْدلاً)، أي: رُغمًا وهوانًا وخيبة. قولُه: (﴿قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾: قضاءً مَقْضِيًّا)، وهو في التلاوةِ مُقدَّمٌ على ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ﴾ وقد أخّره.

стр. 6632

حقّ الخشية من مثله. [(ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ الله وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً)] ٤٠ [ (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ) أى: لم يكن أبا رجل منكم على الحقيقة، حتى يثبت به وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح، (وَلكِنْ) كان (رَسُولَ الله) وكل رسوٍل أبو أمّته فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم له عليهم، ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه، لا في سائر الأحكام الثابتة بين الآباء والأبناء، وزيد واحد من رجالكم الذين ليسوا بأولاده حقيقةً، فكان حكمه حكمكم، والادعاء والتبني من باب الاختصاص والتقريب لا غير، (وَ) كان (خاتَمَ النَّبِيِّينَ) يعنى: أنه لو كان له ولد بالغ مبلغ الرجال؛ لكان نبيًا ولم يكن هو خاتم الأنبياء، كما يروى: أنه قال في إبراهيم حين توفى: "لو عاش لكان نبيا". فإن قلت: أما كان أبًا للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم؟ قلت: قد أخرجوا من حكم النفي بقوله: (مِنْ رِجالِكُمْ) من وجهين؛ أحدهما: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (حَقَّ الخَشْيةِ مِنْ مثله)، أي: منه، يعني: مَنْ هو في صِفتِه من كونه كافيًا للمخاوف أو محاسبًا على الصغيرةِ والكبيرة، وليس كمِثله شيء، فهو كناية. قولُه: (﴿وَلَكِن﴾ كانَ ﴿رَّسُولَ اللهِ﴾ ﷺ وكُلُّ رسولٍ أبو أمته)، وذلك أن ((لكن)) يقع بين المُتغايرَيْن، فلما نفى عنه ﷺ معنى الأبوة الحقيقية أثبت له الأبوة المجازية، وهو كونه رسولاً، فيقتضي أن يوقروه تعظيم الآباء، وهو يشفق عليكم شفقة الأبناء. روى صاحب ((الروضة)): قال بعضُ أصحابنا: لا يجوز أن يقال: هو أبو المؤمنين بهذه الآية. قال: ونَصَّ الشافعيُّ على أنه يجوز ((أبو المؤمنين))، أي: في الحرمةِ، المعنى ليس أحدٌ من رجالكم ولدَ صُلْبِه.

стр. 6633

أنّ هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال. والثاني: أنه قد أضاف الرجال إليهم، وهؤلاء رجاله لا رجالهم. فإن قلت: أما كان أبا للحسن والحسين؟ قلت: بلى، ولكنهما لم يكونا رجلين حينئٍذ، وهما أيضًا من رجاله لا من رجالهم، وشيء آخر: وهو أنه إنما قصد ولده خاصة، لا ولد ولده؛ لقوله تعالى: (وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ)، ألا ترى أن الحسن والحسين قد عاشا إلى أن نيف أحدهما على الأربعين والآخر على الخمسين؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (أنّ هؤلاء لم يبلغوا مبلغَ الرجال)، روَيْنا عن البخاريِّ وابن ماجَه عن إسماعيل بن خالد قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أرأيْتَ إبراهيمَ بن رسول الله ﷺ ؟ قال: نعَم، مات صغيرًا، ولو قُضيَ أن يكون بعد محمد ﷺ نبيٌّ لكان ابنَه، ولكن لا نبيَّ بعده. قولُه: (وشيء آخر) عَطْفٌ على قولِه: ((بلى، ولكنّهما لم يكونا رجلَيْن))، وتقرير السؤال والجواب حينئذ أن يقال: أما كان النبيّ ﷺ أبا الحسن والحسين؟ قال: نعم أي: لم يكن أباهما، لأنه تعالى إنّما قصد بقوله: ﴿أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ ولده خاصةً، لا ولد ولدِه لقولِه بعد ذلك: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ لأنه يوجبُ أن لا يكون له ولدٌ بلغَ مبلغَ الرجالِ فيصيرَ نَبِيًّا لما يؤدِّي ذلك إلى أنه لم يكن خاتمَ النبيين، ألا ترى كيف بلغ الحسن والحسين مبلغ الرجال وأوانَ أن ينزل عليهما الوحي، وهو بلوغُ أحدِهما فوقَ الأربعين، والآخر الخمسين، ولم ينزل عليهما النبوة، وفي هذا الوجه تكلُّف. قولُه: (ألا ترى الحسن والحسين قد عاشا)، ذكر في ((جامع الأصول)): أنه ولد الحسن بن على سنة ثلاث من الهجرة ومات سنة خمسين، وقيل: تسع وأربعين، وقيل: ثمان وأربعين، وقيل: ثمان وأربعين، وقيل: سبعًا، وكان للحسن يوم قتل وخمسون. وفي ((الاستيعاب)): قيل: كانت سن الحسن يوم مات سِتًّا وأربعين سنة، وسن الحسين يوم قتل ابن سبع وخمسين، وقيل: ثمان وخمسين. وفي ((تاريخ الكامل)): كانت الأحزابُ في السنة الخامسة من الهجرة،

стр. 6634

قرئ: (ولكن رسول الله) بالنصب؛ عطفًا على (أَبا أَحَدٍ)، وبالرفع؛ على: ولكن هو رسول الله، و (لكنّ) بالتشديد على حذف الخبر، تقديره: ولكنّ رسول الله من عرفتموه، أى: لم يعش له ولد ذكر. (وخاتم) بفتح التاء: بمعنى الطابع، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفيها تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، وهي ابنةُ عَمّته، فيكون عمرُ الحسنِ يومئذ سنتَيْن. قولُه: (و ((لكنّ)) بالتشديدِ) وهي شاذّة، قال ابن جِنّي: روى عن أبي عمرو: ولكنّ رسولَ الله محمد، وعليه قولُ الفرزدق: فلو كنتَ ضَبّيًا عرفْتَ قَرابتي … ولكنّ زَنْجِيًّا غليظَ المشافر أي: ولكن زنْجيًّا لا تعرِفُ قَرابتي، فحَذف الخبرَ لدلالةِ ما قبله عليه، وهو قوله: عرفتَ، كما أن قوله: ﴿ما كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ يدل على أنه مخالف لهذا الضرب من الناس. يريد: ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم، مفهومُه: أنه ليس ممن عرفتموه، كأنه قيل: محمد ممن عرفتموه من الرجال الذين يعيش لهم أولاد ذكور، ولكنّ رسولَ الله ممّن عرفتموهُ أنه لم يعِشْ له ولَدٌ ذَكَر. قولُه: (﴿وَخَاتَمَ﴾ بفَتْح التاء) عاصم، والباقون: بكَسْرِها. قال الزجاج: فمَنْ قرأها: ((وخاتِم)) فعناه: خَتم النبيين، ومن قرأه: ((خاتَم)) بفتح التاء فمعناه: آخِر النبيين لا نبي بعده.

стр. 6635

وبكسرها: بمعنى الطابع وفاعل الختم، وتقوّيه قراءة ابن مسعود: (ولكنّ نبيا ختم النبيين). فإن قلت: كيف كان آخر الأنبياء وعيسى ينزل في آخر الزمان؟ قلت: معنى كونه آخر الأنبياء: أنه لا ينبأ أحد بعده، وعيسى ممن نبئ قبله، وحين ينزل ينزل عاملًا على شريعة محمد، مصليًا إلى قبلته، كأنه بعض أمّته. [(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا الله ذِكْراً كَثِيراً (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً)] ٤١ - ٤٢ [ (اذْكُرُوا الله): أثنوا عليه بضروب الثناء من التقديس والتحميد والتهليل والتكبير وما هو أهله، وأكثروا ذلك (بُكْرَةً وَأَصِيلًا) أى: في كافة الأوقات، قال رسول الله ﷺ : "ذكر الله على فم كل مسلم"، وروى: "في قلب كل مسلم". وعن قتادة: قولوا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلا بالله. وعن مجاهد: هذه كلمات يقولها الطاهر والجنب. والفعلان -أعنى: اذكروا وسبحوا- موجهان إلى البكرة والأصيل، كقولك: صم وصلّ يوم الجمعة. والتسبيح من جملة الذكر، وإنما اختصه من بين أنواعه اختصاص جبريل وميكائيل من بين الملائكة؛ ليبين فضله على سائر الأذكار؛ لأن معناه: تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (بمعنى الطابع)، النهاية: في حديث الدعاء: ((اختُمْه بآمين، فإنّ آمين مثلُ طابَع- بالفتح- الخاتم))، يريد: أنه يختم عليها ويُرفَعُ كما يَفعَل الإنسان بما يعِزُّ عليه. قولُه: (﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾)، ذُكِرَ الوقتانِ المخصوصان وأريد الدوام، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]. قال القاضي: وتخصيصُ الوقتَيْن بالذكر للدلالةِ على فَضْلِهما على سائر الأوقات، لكونهما مشهودين، كإفراد التسبيح بالذكر من جملة الأذكار لأنها العمدة فيها.

стр. 6636

الصفات والأفعال، وتبرئته من القبائح. ومثال فضله على غيره من الأذكار: فضل وصف العبد بالنزاهة من أدناس المعاصي، والطهر من أرجاس المآثم، على سائر أوصافه من كثرة الصلاة والصيام، والتوفر على الطاعات كلها، والاشتمال على العلوم، والاشتهار بالفضائل، ويجوز أن يريد بالذكر وإكثاره: تكثير الطاعات، والإقبال على العبادات؛ فان كل طاعة وكل خير من جملة الذكر، ثم خص من ذلك التسبيح بكرةً وأصيلًا وهي الصلاة في جميع أوقاتها؛ لفضل الصلاة على غيرها. أو: صلاة الفجر والعشاءين؛ لأنّ أداءها أشقّ ومراعاتها أشدّ. [(هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً) [٤٣ - ٤٤] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (فَضْلُ وَصْف العبدِ بالنزاهةِ من أدناس المعاصي)، على سائر أوصافه من كثرةِ الصلاة والصيام. وذلك أن العادة استمرت أنه إذا أريد المبالغة في الوصف قيل: فلان معصومٌ نقيُّ الذيلِ طاهرُ الجيب، ومنها قولُه تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، وقولُ حسّان في أمِّ المؤمنين عائشة الصديقة ﵂ في رواية الشيخين: حَصَانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بريبةٍ … وتُصْبحُ غَرْثى من لحوم الغوافل لأن النفسَ إذا كانت زكية طاهرة يتسهَّلُ لها محاسنُ الشِّيَم ولا يتأبّى عليها مكارم الأخلاق. الحصَانُ -بالفتحِ-: المرأةُ العفيفة. ما تُزَنُّ -بالزاي-: أي: ما تُتَّهَمُ يقال: زَنَّه بكذا وأزنّه: إذا اتّهمه به. وغَرْثانُ: جَوْعان، وامرأة غَرْثى.

стр. 6637

لما كان من شأن المصلى أن ينعطف في ركوعه وسجوده استعير لمن ينعطف على غيره؛ حنوّا عليه وترؤفًا، كعائد المريض في انعطافه عليه، والمرأة في حنوّها على ولدها، ثم كثر حتى استعمل في الرحمة والترؤف، ومنه قولهم: صلى الله عليك، أى: ترحم عليك وترأف. فإن قلت: قوله: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ) إن فسرته بـ: يترحم عليكم ويترأف، فما تصنع بقوله: (وَمَلائِكَتُهُ)؟ وما معنى صلاتهم؟ قلت: هي قولهم: اللهم صل على المؤمنين، جعلوا لكونهم مستجابى الدعوة كأنهم فاعلون الرحمة والرأفة. ونظيره قوله: حياك الله، أى أحياك وأبقاك، و: حييتك، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (لما كان من شأنِ المصلِّي أن ينعطفَ في ركوعِه وسجوده)، إشارة إلى ما قال في ((البقرة)) أن اشتقاق الصلاة من تحريك الصَّلَوَيْن. قولُه: (جُعلوا لكونهم مُستجابي الدعوة كأنهم فاعِلونَ الرحمةَ والرأفةَ)، الانتصاف: هو يفِرُّ من إرادةِ الحقيقة والمجاز معًا، وقد التزمَه هاهنا بجَعْلِ الصلاة رحمةً من الله حقيقة ومن الملائكة مجازًا. وأجابَ صاحبُ ((الإنصاف)): يُصَلُّونَ فيه ضميرُ جمعٍ فهو مُنزَّلٌ منزلةَ تكرارِ لفظةِ ((يُصَلِّي))، فليس هذا من إرادة الحقيقة والمجاز بلفظ واحد، فلا حاجةَ إلى اعتذارِ محمودٍ ولا جوابِ أحمد عنه. قلت: ذهبَ المصنِّفَ إلى القول بالقدرِ المُشتَركِ وعمومِ المجاز وهو معنى الرأفة والرحمة، وإطلاق هذا المعنى على الصلاتين مجاز. ألا ترى إلى قولِه: ((استُعيرَ لمن يتعطَّفُ على غيره))، نعم هذا في حقِّ الملائكة مجَاز بمرتبتَين، وذلك لا يمنعُ من الإيرادِ، وذهب عن صاحب ((الانتصاف)) أن النحويين يشبهون: جاءني زيدٌ، وزيدٌ وزَيدٌ بقَولِهم: جاءَني الزيدون، في أن العامل واحد.

стр. 6638

أي: دعوت لك بأن يحييك الله؛ لأنك لاتكالك على إجابة دعوتك كأنك تبقيه على الحقيقة، وكذلك: عمرك الله، وعمرتك، وسقاك الله، وسقيتك، وعليه قوله تعالى: (إِنَّ الله وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْه)] الأحزاب: ٥٦ [أى: ادعوا الله بأن يصلى عليه. والمعنى: هو الذي يترحم عليكم ويترأف حيث يدعوكم إلى الخير ويأمركم بإكثار الذكر والتوفر على الصلاة والطاعة؛ (لِيُخْرِجَكُمْ) من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة، (وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً) دليل على أنّ المراد بالصلاة الرحمة. ويروى أنه لما نزل قوله تعالى: (إِنَّ الله وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)] الأحزاب: ٥٦ [قال أبو بكر رضى الله عنه: ما خصك يا رسول الله بشرٍف إلا وقد أشركنا فيه؛ فأنزلت. (تَحِيَّتُهُمْ) من إضافة المصدر إلى المفعول، أى: يحيون يوم لقائه بسلام. فيجوز أن يعظمهم الله بسلامه عليهم، كما يفعل بهم سائر أنواع التعظيم، وأن يكون مثلًا كاللقاء على ما فسرنا. وقيل: هو سلام ملك الموت والملائكة معه عليهم، وبشارتهم بالجنة. وقيل: سلام الملائكة عند الخروج من القبور. وقيل: عند دخول الجنة، كما قال: (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ)] الرعد: ٢٣ - ٢٤ [، والأجر الكريم: الجنة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضي: الفعل يتعدّدُ معنًى لا لفظًا، والمرادُ بالصلاةِ المُشتَركُ وهو العنايةُ بصلاحِ أمرِكم وظهور شرفكم، مستعار من الصلاة، وقيل: الترحُّمُ والانعطافُ المعنوي مأخوذٌ من الصلاةِ المشتملةِ على الانعطافِ الصوري الذي هو الركوع والسجود. وقلتُ: هذا التأويلُ أقوى لقولِه تعالى: ﴿لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، ولذلك اختاره المصنِّف، ونصَّ عليه بقوله: ((﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ دليلٌ على أن المرادَ بالصلاة الرحمةُ))، والتأويلُ الأول أي: ظهورُ الشرف أنسَبُ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية.

стр. 6639

[(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً)] ٤٥ - ٤٦ [ (شاهِداً) على من بعثت إليهم، وعلى تكذيبهم وتصديقهم، أى: مقبولًا قولك عند الله لهم وعليهم، كما يقبل قول الشاهد العدل في الحكم. فإن قلت: وكيف كان شاهدًا وقت الإرسال، وإنما يكون شاهدًا عند تحمل الشهادة أو عند أدائها؟ قلت: هي حال مقدرة كمسألة "الكتاب": مررت برجل معه صقر صائدًا به غدًا، أى: مقدرا به الصيد غدًا. فإن قلت: قد فهم من قوله: إنا أرسلناك داعيًا: أنه مأذون له في الدعاء، فما فائدة قوله: (بِإِذْنِهِ)؟ قلت: لم يرد به حقيقة الإذن، وإنما جعل الإذن مستعارًا للتسهيل والتيسير؛ لأن الدخول في حق المالك متعذر، فإذا صودف الإذن تسهل وتيسر، فلما كان الإذن تسهيلًا لما تعذر من ذلك؛ وضع موضعه؛ وذلك أن دعاء أهل الشرك والجاهلية إلى التوحيد والشرائع أمر في غاية الصعوبة والتعذر، فقيل: (بإذنه) للإيذان بأن الأمر صعب لا يتأتى ولا يستطاع إلا إذا سهله الله ويسره، ومنه قولهم في الشحيح: أنه غير مأذوٍن له في الإنفاق، أى: غير مسهل له الإنفاق؛ لكونه شاقًا عليه داخلًا في حكم التعذر. جلى به الله ظلمات الشرك، واهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به. أو: أمدّ الله بنور نبوّته نور البصائر، كما يمدّ بنور السراج نور الأبصار. ووصفه بالإنارة؛ لأن من السرج ما لا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (جَلّى به الله ظلماتِ الشرك)، اعلم أنّ قوله: ((سراجًا مُنيرًا)) موقعُه المُشبَّهِ بِه، والمشبه الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، وهو على وجهين: أحدهما: أن يكون من التشبيهِ المركّبِ العقلي؛ شبهّه بالسراجِ المنيرِ في كونه جَلّى به الظَّلماءَ وهَدى به الضالين. وثانيها: أن يكون من التمثيلي، وهو أن يكون الوجْهُ منتزعًا من عدة أمور متوهمة، ولهذا اعتَبرَ شيئين: أحدُهما: قولُهك أمَدَّ بنور نبوتهِ نورَ البصائر، وثانيها: وصْفُه بالزيادة، ويجوز أن يكون الثاني مُفَرّقًا فالمشبّه به يكونُ حْسّيًّا والمشبَّه عَقْليًّا.

стр. 6640

يضيء إذا قل سليطه ودقت فتيلته. وفي كلام بعضهم: ثلاثة تضيء: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظر لها من يجيء. وسئل بعضهم عن الموحشين؟ فقال: ظلام ساتر، وسراج فاتر. وقيل: وذا سراج منير. أو وتاليًا سراجًا منيرًا. ويجوز على هذا التفسير أن يعطف على كاف (أَرْسَلْناكَ). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (ومائدةٌ يُنْتَظَرُ)، وأنشد في معناه: رَسْمٌ جرى في الناسِ ليس بحامدٍ … جوعَ الجماعةِ بانتظارِ الواحد قولُه: (وقيل: وذا سِراج منير)، قال الزجاج: ﴿وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ أي: وكتابًا مبينًا. المعنى: أرسلناك شاهدًا وذا سراجٍ منير، أي: وذا كتاب نَيِّر، وإن شِئْتَ كانَ ((سراجًا)) منصوبًا على معنى: وداعيًا وتاليًا كتابًا بيِّنا. وقال أبو البقاء: والسراجُ اسمٌ للتسريجِ وليس بالمصدر. قولُه: (ويجوز على هذا التفسير أن يعطف على كافِ ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾)، يعني: تفسيرُ ((ذا سراج)) أو ((وتاليًا سِراجًا)). قال صاحبُ ((التقريب)): إذ يجوزُ أن يكون حالَ الإرسالِ ذا سراج وتاليًا له، فيصحّ تقدير ((أرسلنا)) فيه، وأمّا على الأول -وهو أنه سراجٌ انجلَتْ به الظلماتُ- فلا يصحُّ تقدير ((أرسلنا)) معه، إذ لم يكن حالَ الإرسالِ كذا، بل مُقَدّرًا كونُه كذلك، فحقُّه أن يُعطفَ على الأحوال المقدرة قبله، ويجوزُ أن يكونَ مرادُه أنّ السراجَ المنير إذا أُريدَ به القرآنُ على الكاف، أي: أرسَلْناك وقرآنًا وإنما صَحَّ بالتبعية وإلا فالقرآنُ لا يكون مرسَلاً. وقلت: عكْسُه ((وأنزل معه الكتاب))، على معنى: أنزلَ معه نبوتَه؛ لأن استنباءَهُ كان مصحوبًا بالقرآن مشفوعًا به، والتحقيق: أنّ هذا العطفَ مِن قَبيل: مُتقلّدًا سيفًا ورُمحا

стр. 6641

[(وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ الله فَضْلاً كَبِيراً)] ٤٧ [ الفضل: ما يتفضل به عليهم زيادةً على الثواب، وإذا ذكر المتفضل به وكبره فما ظنك بالثواب؟ ويجوز أن يريد بالفضل: الثواب، من قولهم للعطايا: فضول وفواضل، وأن يريد أنّ لهم فضلًا كبيرًا على سائر الأمم، وذلك الفضل من جهة الله، وأنه آتاهم ما فضلوهم به. [(وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وَكَفى بِالله وَكِيلاً)] ٤٨ [ (وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ) معناه: الدوام والثبات على ما كان عليه، أو التهييج. (أَذاهُمْ) يحتمل إضافته إلى الفاعل والمفعول، يعنى: ودع أن تؤذيهم بضرر أو قتل، وخذ بظاهرهم، وحسابهم على الله في باطنهم. أو: ودع ما يؤذونك به ولا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإذا فسِّر سراجًا بـ ((ذا سِراجٍ)) يعني به القرآن، وكان التقدير: إنا أرسلناك شاهدًا وأنزلنا عليك ذا سراجٍ منير، وإذا فُسِّر بـ ((تاليًا سِراجًا)) كنايةً عن رسولِ الله ﷺ كقوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾ [البيّنة: ٢] كان التقدير: أرسلناكَ شاهدًا وجعلناك تاليًا سراجًا منيرًا، ويجوز على هذا أن يكون من باب ﴿ص وَالْقُرْآنِ﴾ [ص: ١] إن أريدَ بهما اسما السورة؛ جَرَّدَ من رسولِ الله صلى الله ﷺ المنعوتِ بتلك الصفاتِ الكاملةِ تاليًا سراجًا مُنيرًا، كما جَرَّدَ من الرجلِ في قولِه: مررتُ بالرجلِ الكريمِ والنَّسمَةِ المباركةِ، وعُطِفَتْ عليه وهي هو. قولُه: (الفَضل ما يتفضَّلُ به عليهم، زيادةَ على الثواب)، مَذْهَبُه، وبيانُه مَرَّ مرارًا. قولُه: (وكَبَّرَه فما ظَنُّك بالثوابِ؟ )، أي: وصفَ المتفضَّلَ به بالكِبَرِ في قوله: ﴿فَضْلًا كَبِيرًا﴾. قولُه: (معناه الدوامُ والثباتُ على ما كان عليه)، أي: من عدمِ إطاعتِه إيّاهم في فَسْخ عَهْدٍ وفيما لا يحلّ.

стр. 6642

تجازهم عليه حتى تؤمر، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: هي منسوخة بآية السيف. (وَتَوَكَّلْ عَلَى الله) فإنه يكفيكهم، وكفى به مفوّضا إليه. ولقائل أن يقول: وصفه الله بخمسة أوصاف، وقابل كلا منها بخطاٍب مناسب له: قابل الشاهد بقوله: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وصفه الله تعالى بخَمْسةِ أوصاف، وقابل كُلاًّ مِنها بخطاب مناسب له) إلى آخره، نَظْمٌ في غايةٍ من الحُسْن لكنَّ في مُقابلةِ المُبشِّرِ بالإعراض عن الكافرين: كَلفةً، ولهذا قال القاضي: ﴿وَبَشِّرِ﴾ معطوف على محذوف مثل: فراقِبْ أحوالَ أمتك، لأن ما بعده قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ إلى آخره كالتفصيل له، وقابلَ المُبشِّرَ بالأمرِ بالبشارةِ للمؤمنين، والنذيرَ بالنهيِ عن مراقبةِ الكفار والمبالاةِ بأذاهم، والداعي إلى الله بتيسيره بالأمرِ بالتوكل عليه، والسراج المنير بالاكتفاء به، فإن مَنْ أنارَهُ الله برهانًا على جميعِ خلقه كان حقيقًا بأن يُكْتَفى به عن غيره. وقلت: نظير هذا الآية ما رَوْينا عن البخاريِّ والإمامِ أحمدَ بن حنبل عن عطاء بن يسار قال: لقيتُ عبدَ الله بنَ عمروٍ وقلتُ: أخْبِرني عن صفةِ رسولِ الله ﷺ في التوراة؟ قال: والله إنه لموصوفٌ في التوراة ببَعْض صفَتهِ في القرآن: يا أيها النبي، إنا أرسَلْناك شاهدًا ومُبشّرًا ونذيرًا وحِرْزًا للمؤمنين، أنتَ عَبْدي ورسولي سمَّيتُك المتوكِّلَ، ليس بفَظٍّ ولا غَليظٍ ولا صَخّابٍ في الأسواقِ ولا تدفَعُ السيئةَ بالسيئةِ ولكن تَعْفو وتصفَحُ، ولن يَقْبضَه الله حتى يُقَيم به المِلّةَ العَوْجاء ويفتحَ به أعُينًا عُمْيَا وآذانًا صُمًّا وقُلوبًا غُلْفا. وقد روى الدارميُّ نحْوَه عن عبدِ الله بن سَلام. فقولُه: ((حِرْزًا للمؤمنين)) مُقابلٌ لقوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ أي: بتيسيرِه وتسهيلِه، فإنّ دَعْوَتَه صلوات الله عليه إنما حصلت فائدتُها فيمن وفَّقه الله بتيسيره وتسهيله، فلذلك أمِنوا من مكارِه الدنيا وشدائد الآخرة، فكان صلوات الله عليه بهذا الاعتبار حِرْزًا لهم.

стр. 6643

(وبشر المؤمنين)] الأحزاب: ٤٧ [؛ لأنه يكون شاهدًا على أمته وهم يكونون شهداء على سائر الأمم، وهو الفضل الكبير؛ والمبشر بالإعراض عن الكافرين والمنافقين؛ لأنه إذا أعرض عنهم أقبل جميع إقباله على المؤمنين، وهو مناسب للبشارة؛ والنذير بدع أذاهم؛ لأنه إذا ترك أذاهم في الحاضر -والأذى لا بدّ له من عقاب عاجل أو آجل- كانوا منذرين به في المستقبل؛ والداعي إلى الله بتيسيره بقوله: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الله)؛ لأنّ من توكل على الله يسر عليه كل عسير؛ والسراج المنير بالاكتفاء به وكيلا؛ لأن من أناره الله برهانًا على جميع خلقه، كان جديرًا بأن يكتفى به عن جميع خلقه. [(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً)] ٤٩ [ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقولُه: ((سمَّيْتُك المتوكِّلَ)) إلى آخرِ الحديث مُقابِلٌ لقولِه: ((سِراجًا مُنيرًا)). فعُلمَ أنّ قولُه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ مناسبٌ لقولِه: ﴿وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾، فإنّ السراجَ مضيءٌ في نَفْسِه ومُنَوِّرٌ لغيرِه، فكَوْنُه متوكّلاً على الله يكون كَمالاً في نفسِه، فهو مناسب لقولِه: ((أنت عَبدي ورسولي سمَّيتُك المتوكلَ)) إلى قولِه: ((يعفو ويَصفح))، وكونُه منيرًا بفَيْضِ الله عليه يكونُ كمالاً لغيرِه، وهو مناسبٌ لقوله: ((حتى يُقيم به المِلّةَ العَوْجاءَ ويفتح به أعينًا عُميًا وآذانا صُمًّا)). هذا معنى قول المصنف: ((أنارَه الله بُرهانًا على جَميع خلقِه، كان جديرًا بأن يُكتَفَى به عن جميع الخلق))، والله أعلم. ويمكن أن تُنَزَّل المراتب على لسان أهل العرفان؛ فقولُه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ هو مقامُ الشريعةِ ودعوةِ الناسِ إلى الإيمانِ وتَرْكِ الكفر ونتيجةُ بِشارةِ مَنْ آمن وإنذارِ مَنْ أعرض، وقولُه: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ مقامُ الطريقةِ ونتيجةُ الإعراضِ عمّا سوى الله، والأخذِ في السيرِ والسلوكِ والالتجاءِ إلى حَرم لُطْفِه والتوكلِ عليه وقولُه: ﴿وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ هو مقامُ الحَقيقة ونتيجتُه فَناءُ السالكِ وقيامُه بقَيُّوميتِه، وكفى بالله وكيلاً، واللهُ أعلَمُ بمراده من كلامه.

стр. 6644

النكاح: الوطء، وتسمية العقد نكاحا؛ لملابسته له، من حيث إنه طريق إليه. ونظيره تسميتهم الخمر إثمًا؛ لأنها سبب في اقتراف الإثم، ونحوه في علم البيان قول الراجز: أسنمة الآبال في سحابه سمى الماء بأسنمة الآبال؛ لأنه سبب سمن المال وارتفاع أسنمته، ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد؛ لأنه في معنى الوطء من باب التصريح به. ومن آداب القرآن: الكناية عنه بلفظ الملامسة والمماسة والقربان والتغشي والإتيان. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (تسميتُهم الخَمْرَ إثمًا)، قال: شربتُ الإثمَ حتى ضَلَّ عقلي … كذاك الإثمُ يذهَبُ بالعقول قولُه: (أسْنِمةُ الآبالِ في سَحابه)، بعده: أقبلَ في المُسْتَنِّ مِن رَبابه استنّ الفرسَ: قَمَصَ. وفي المَثل: استَنَّتِ الفِصالُ حتى القرعى. قولُه: (ومِن آدابِ القرآنِ الكنايةُ عنه- أي: الوَطء- بلفظ الملامَسةِ) ونحوه احترازًا عن الاستهجان. فإن قيل: هذا لا يناسبُ قولَه: ((ولم يَرِدْ النكاحِ في كتابِ الله إلا بلفظِ العَقْدِ))، لأنّ الكنايَة أن يعدِل من اللفظِ الموضوعِ لمعنًى إلى ما يَسْتلزمُه، ورعايةُ الأدبِ العدولُ عن لفظٍ فيه بَشاعةٌ إلى ما ليسَ كذلك، كَالملامسةِ والمُماسّة والقُربان والغِشيانِ، لا عَنْ لفظٍ ليس فيه بَشاعةٌ كالعقدِ إلى ما فيه بشاعةٌ كالوطء. والجوابُ: أنّ استعمالَ النكاحِ في معنى العقد ليس من الكناية في شيء، بل إنه من الحقيقةِ الشرعية منْسيًّا فيه المعنى اللغوي، ولا يكادُ يُفْهَمُ منه معنى الوطءِ إلاّ بقرينة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ كيف قرنَه به حين أرادَ به ذلك المعنى؟ فعلى هذا قولُه: ((لأنه في معنى الوطء)) تعليلٌ لكونها

стр. 6645

فإن قلت: لم خصّ المؤمنات، والحكم الذي نطقت به الآية تستوي فيه المؤمنات والكتابيات؟ قلت: في اختصاصهنّ تنبيه على أن أصل أمر المؤمن والأولى به أن يتخير لنطفته، وأن لا ينكح إلا مؤمنة عفيفة، ويتنزه عن مزاوجة الفواسق، فما بال الكوافر! ويستنكف أن يدخل تحت لحاٍف واحٍد عدوة الله ووليه، فالتي في سورة المائدة: تعليم ما هو جائز غير محرّم، من نكاح المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، وهذه فيها تعليم ما هو الأولى بالمؤمنين من نكاح المؤمنات. فإن قلت: ما فائدة "ثم" في قوله: (ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ)؟ قلت: فائدته نفى التوهم عمن عسى أن يتوهم تفاوت الحكم بين أن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ منقولةً شرعيةً لا أنه كِنايةٌ فصَحَّ قولُه: و ((مِن آدابِ القرآنِ الكنايةُ عنه بالملامسةِ)) يعني: لا يرادُ به الكناية، بل الاصطلاح؛ لأن من آدابِ القرآنِ عكسَه. قولُه: (وهذه فيها تعليم ما هو الأولى)، وبيان الاختصاص أن ما في ((المائدة)) وردَت في بيانِ تحريمِ ما يجب تحريمُه وتحليلِ ما هو مباحٌ من الأطعمة والأنكحة كما قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥] ففيها تعلُّمُ ما هو جائزٌ غيرُ مُحرَّم. وأما اختصاص هذه الآية بما ذكر فهو أنها عقيب قوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، فجُعِلَت تخلُّصًا إلى ذكر ما هو الأفضلُ والأولى والأطيبُ والأزكى بحاله ﷺ من النساء وما يتعلَّق بهن، فطبّقت لذلك مَفْصِلَ البلاغة. قولُه: (نَفْيُ التوهُّمِ عمَّن عسى أن يتوهَّم)، يعني: لا تفاوتَ في عدمِ وجوبِ العِدَّة عليها سواءٌ كانت قريبةَ العهدِ بالنكاحِ أو بعيدتَه منه؛ وذلك أن المرأةَ إذا تراخى بها المدة في حِبالةِ الزوجِ استأنسَ كل واحد بصاحبه وربما توقّعَ الرجلُ من توهُّمِ عُلْقَةِ الزوجية وقد تَقَّرر عندَه أَنّ العِدَّةَ حقٌّ واجبٌ للنساءِ على الرجالِ فجيء بـ ((ثُمَّ)) لإزالةِ هذا التوهمِ وبيانِ أنّ العُلْقةَ إنما تتمُّ بالدخول. قال القاضي: فائدة ((ثمّ)) إزاحةُ ما عسى يتَوهَّمُ متوهِّمٌ أن تراخي الطلاق ريثما تمكن الإصابةُ كما يؤثِّر في النسب يؤثِّر في العدة.

стр. 6646

يطلقها وهي قريبة العهد من النكاح، وبين أن يبعد عهدها بالنكاح ويتراخى بها المدة في حبالة الزواج ثم يطلقها. فإن قلت: إذا خلا بها خلوة يمكنه معها المساس، هل يقوم ذلك مقام المساس؟ قلت: نعم، عند أبى حنيفة وأصحابه حكم الخلوة الصحيحة حكم المساس، وقوله: (فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا) دليل على أن العدة حق واجب على النساء للرجال. (تَعْتَدُّونَها): تستوفون عددها، من قولك: عددت الدراهم فاعتدها، كقولك: كلته فأكتاله، ووزنته فاتزنه. وقرئ: (تعتدونها) مخففًا؛ أى: تعتدون فيها، كقوله: ويوم شهدناه والمراد بالاعتداد ما في قوله تعالى: (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا)] البقرة: ٢٣١ [. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (في حِبالة الزوج)، الجوهري: الحِبالة: التي يُضادَ بها. قولُه: (نعم عند أبي حنيفة وأصحابه)، قال القاضي: ظاهرُ الآية يقتضي عدمَ وجوبِ العِدّةِ بمُجرَّدِ الخَلْوة. قولهُ: (﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾: تستوفون عَدَها) أي: تعدُّونها عليهنَّ، قال أبو البقاء: ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾ تفتعلونها من العدد، أي: تعدّونها عليهِنّ، وموضعُه جَرٌّ على اللفظ أوْ رَفْعٌ على الموضع. قولُه: (وقُرِئ: ((تَعْتَدُونَها)) مخفّفًا)، وهو من الاعتداء، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] أي: لتظلموا. قولُه: (ويومٍ شَهِدناه)، تمامه: سُهيلاً وعامِرًا … قليلٍ سوى الطعنِ الدِّراكِ نوافلُه

стр. 6647

فإن قلت: ما هذا التمتيع؟ أواجب أم مندوب إليه؟ قلت: إن كانت غير مفروض لها؛ كانت المتعة واجبةً، ولا تجب المتعة عند أبى حنيفة إلا لها وحدها دون سائر المطلقات، وإن كانت مفروضا لها؛ فالمتعة مختلف فيها: فبعض على الندب والاستحباب، ومنهم أبو حنيفة، وبعض على الوجوب. (سَراحاً جَمِيلًا) من غير ضراٍر ولا منع واجب. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (إن كانت غير مفروض لها كانت المتعة واجبة)، قال القاضي: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ إن لم يكُن مفروضَا لها، فإن الواجبَ المفروضَ لها نصفُ المفروضِ دونَ المتعةِ، ويجوز أن يُؤوَّلَ التمتيعُ بما يعمّهما أو الأمر بالمشتركِ بين الوجوبِ والندبِ، فإنّ المتعة سنةٌ للمفروضِ لها. سبقَ تقريره في البقرة. قولُه: (﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ من غيرِ ضِرار)، السَّراح: اسمُ التسريح، وليسَ بمصدر. الراغب: السَّرْحُ: شجَرٌ له ثمَر، الواحدة سرحة وسَرَّحْتُ الإبلَ: أن تُرْعِيَه السرح ثم جُعِلَ لكل إرسالٍ في الرعي قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]، والتسريح في الطلاق مستعارٌ من تَسريحِ الإبلِ، كالطلاقِ في كونه مُستعارًا من إطلاقِ الإبل، واعتُبر في السرحِ المُضيُّ، فقيل: ناقةٌ سُرُحٌ: تسرَحُ في سيرِها، ومضى سَرْحًا جميلاً، والمُنسرِحُ: ضَرْبٌ من الشعر، استعيرَ لفظَهُ من ذلك. وقلت: وأما بَيانُ رَبْط هذه الآية بأنها كالتمهيدِ للشروع في نوعٍ آخرَ من كرامة النبي ﷺ وفضائله وهو استئثار الله له الأفضلَ والأولى واستخارتُه الأطيبَ والأزكى في قوله: ﴿آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾، واختصاصُه من دون المؤمنين بنكاحِ الموهوبةِ نفْسَها لإزاحةِ الحَرجِ عنه وإخلاءِ باله. ألا ترى كيف ضَيَّق على المؤمنين في طلاقِ غيرِ المدخولِ بها حيث أسقط حَقَّهم من العِدّةِ وأمرَهم بسَوْقِ المُتْعةِ والتسريحِ الجميل هذا يؤيد قوله: ((﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ مُعْتَرضٌ))، هذا ما خَطر بالبالِ، والله أعلم بحقيقة الحال.

стр. 6648

[(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ الله عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاَّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ الله غَفُوراً رَحِيماً)] ٥٠ [ (أُجُورَهُنَّ): مهورهنّ؛ لأنّ المهر أجر على البضع. وإيتاؤها: إما إعطاؤها عاجلًا، وإما فرضها وتسميتها في العقد. فإن قلت: لم قال: (اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ)، و: (مِمَّا أَفاءَ الله عَلَيْكَ)، و: (اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ)؟ وما فائدة هذه التخصيصات؟ قلت: قد اختار الله لرسوله الأفضل الأولى، واستحبه بالأطيب الأزكى، كما اختصه بغيرها من الخصائص، وآثره بما سواها من الأثر؛ وذلك أنّ تسمية المهر في العقد أولى وأفضل من ترك التسمية، وإن وقع العقد جائزًا؛ وله أن يماسها، وعليه مهر المثل إن دخل بها، والمتعة إن لم يدخل بها. وسوق المهر إليها عاجلًا أفضل من أن يسميه ويؤجله، وكان التعجيل ديدن السلف وسنتهم، وما لا يعرف بينهم غيره. وكذلك الجارية إذا كانت سبية مالكها، وخطبة سيفه ورمحه، ومما غنمه الله من دار الحرب أحل وأطيب مما يشترى من شق الجلب. والسبي على ضربين: سبى طيبة، وسبى خبثة، فسبى الطيبة: ما سبى من أهل الحرب، وأما من كان له عهد فالمسبي منهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (من الإِثْر)، أي: من الخُلاصةِ والنُّقاوة. الجوهري: الإثرُ بالكَسْر: خُلاصَةُ السَّمْنِ، ويُروى: ((من الأُثَر)) جَمْعُ أُثْرَة. قولُه: (وخُطبة سيفهِ ورمحه)، ينظرُ إلى قولِ الفرزدق: وذاتِ حَليلٍ أنكحَتْها رماحُنا … حلالٌ لمنْ يبني بها لم تُطلّقِ

стр. 6649

سبي خبثة، ويدل عليه قوله تعالى: (مِمَّا أَفاءَ الله عَلَيْكَ)؛ لأن فيء الله لا يطلق إلا على الطيب دون الخبيث، كما أنّ رزق الله يجب إطلاقه على الحلال دون الحرام، وكذلك اللاتي هاجرن مع رسول الله ﷺ من قرائبه غير المحارم أفضل من غير المهاجرات معه. وعن أم هانيء بنت أبى طالب: خطبنى رسول الله ﷺ ، فاعتذرت إليه فعذرنى، ثم أنزل الله هذه الآية؛ فلم أحلّ له؛ لأنى لم أهاجر معه؛ كنت من الطلقاء. وأحللنا لك من وقع لها أن تهب لك نفسها ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وعن أم هانئ)، في ((جامع الأصول)): هي فاختةُ بنت أبي طالب أختُ علي، خطَبها النبي ﷺ ، فقالت: إني امرأة مُصْبِيةٌ، فاعتذرت إليه فعذَرها. وعن الترمذيِّ عن أم هانئ: خطَبني رسول الله ﷺ ، فاعتذَرْتُ إليه فعذَرني، ثم أنزل الله تعالى: ﴿نَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]. قالت: فلم أكن أحل له لأني لم أهاجِر، وكُنت من الطّلقاء. النهاية: الطلقاءُ: هو الذين خَلّى عنهم يوم فتح مكة وأطلَقهم ولم يسترِقَّهم، الواحدُ: طَليقٌ؛ فَعيلٌ بمعنى مَفعول، وهو الأسيرُ إذا أُطلِقَ سَبيلُه. قولُه: (وأحلَلْنا لك مَن وقع لها أن تهبَ نفسها لك)، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً﴾ عطْفٌ على قوله: ﴿أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ على تقديرِ الفعل. قال صاحبُ ((الكشف)): ما أظنّك أنك إذا أعربْتَ ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً﴾ إلاّ أن تقول: إن انتصابها محمولٌ على

стр. 6650

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ما قَبْلَه من قولِه: ﴿أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾، وهذا مِن سوءِ تأمُّلك، لأنّ ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ شَرطٌ، والشرطُ لا يصحّ في الماضي وكذا الجزاء، ألا ترى أن لو قُلْتَ: إن قمتُ غدًا قمتَ أمس، لكنت مخطئًا، وقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ إخبارٌ عن إحلاله في الماضي، فلا يصحُّ ذلك التقدير، بل التقدير: ويُحلُّ لك امرأةً مؤمنةً إن وهبَتْ، ليصحَّ به الجزاء، كما تقول: أقومُ إن قمتَ، وأخرجُ إن خرجْتَ، فافهمه. وعن أبي علي أنه قال: فإن قلتَ: فإن هذا امتنانٌ منه على نَبيِّه بأن أحلَّ له امرأةً وهبَت نفْسَها له فيما مضى، وليس الامتنانُ عليه بامرأةٍ ستفعل ذلك، فإنه يكونُ من باب قوله: ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، أي: صحَّ أني كنتُ قلته، فكذلك ﴿إِن وَهَبَتْ﴾ أي: إن صح أنها وهبَتْ فإنه تحل لك، فهذا معنى هذا الكلام. وقال القاضي: ((امرأة)) نصبٌ بفعلٍ يُفَسِّرُه ما قبْلَه، أو عطفٌ على ما سبق، ولا يدفعُه التقييد بـ ((إنْ)) التي للاستقبال، فإن المعنيَّ بالإحلال الإعلامُ بالحلِّ، أي: أعلمناك حِلَّ امرأةٍ مؤمنةٍ تهَبُ لك نفسَها ولا تطلبُ مهْرَها إن اتفق، ولذلك نكرها. وقال أبو البقاء: قيل في ناصب ((وامرأةً)) وجهان: أحدُهما: ﴿أَحْلَلْنَا﴾ في أول الآية، وقد ردّ هذا قوم وقالوا: ﴿أَحْلَلْنَا﴾ ماضٍ، و ﴿إِن وَهَبَتْ﴾ - وهو صفةُ المرأة- مُستقبل ف ﴿أَحْلَلْنَا﴾ في موضع جوابه، وجوابُ الشرطِ لا يكونُ ماضيًا في المعنى، وهذا ليس بصحيح؛ لأن معنى الإحلال هاهنا الإعلامُ بالحِلِّ إذا وقع الفعلُ على ذلك، كما تقول: أبحْتُ لك أن تكلِّمَ فلانًا إن سَلَّمَ عليك. وقلت: فائدةُ العدولِ المبالغةُ في الامتنان.

стр. 6651

ولا تطلب مهرًا من النساء المؤمنات إن اتفق ذلك؛ ولذلك نكرها. واختلف في اتفاق ذلك: فعن ابن عباس رضى الله عنهما: لم يكن عند رسول الله ﷺ أحد منهنّ بالهبة. وقيل: الموهوبات أربع: ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة أمّ المساكين الأنصارية، وأمّ شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم، رضى الله عنهن. قرئ: (إِنْ وَهَبَتْ) على الشرط. وقرأ الحسن رضى الله عنه: (أنْ) بالفتح، على التعليل بتقدير حذف اللام. ويجوز أن يكون مصدرًا محذوفًا معه الزمان، كقولك: اجلس ما دام زيد جالسًا، بمعنى: وقت دوامه جالسًا، ووقت هبتها نفسها. وقرأ ابن مسعود بغير "إن". فإن قلت: ما معنى الشرط الثاني مع الأوّل؟ قلت: هو تقييد له، شرط في الإحلال هبتها نفسها، وفي الهبة إرادة استنكاح رسول الله ﷺ ، كأنه قال: أحللناها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (ميمونة بنت الحارث)، في ((الجامع)): توفي عنها أبو رُهم، فتزوجها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة سبع في عمرة القَضِيَّةِ بسرف، على عشرة أميال من مكة. قولُه: (وزينب بنت خُزيمة)، في ((الجامع)): وزينب بنت خزيمةَ بنت الحارث العامرية، كانت تسمى في الجاهلية أمَّ المساكين لإطعامِها إياهم، كانت تحتَ عبدِ الله بن جحش، فقُتل عنها يومَ أحدٍ، فتزوَّجها ﷺ سنة ثلاث. قولُه: (وأم شريك بنت جابر)، في ((الجامع)): قيل: أم شريك غزيّةُ بنت جابر طلقها النبيُّ ﷺ قبل أن يدخلَ بها، وهي وهَبتْ نفْسَها للنبي ﷺ . قولُه: (وخولة بنت حكيم)، في ((الجامع)): هي التي وهبَت نفْسَها للنبي ﷺ ، فأرجأها، فتزوّجَها عثمان بن مظعون. قولُه: (وقرئ: ﴿إِن وَهَبَتْ﴾ على الشرط)، وهي المشهورة.

стр. 6652

لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها؛ لأنّ إرادته هي قبول الهبة وما به تتم. فإن قلت: لم عدل عن الخطاب إلى الغيبة في قوله تعالى: (نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ) ثم رجع إلى الخطاب؟ قلت: للإيذان بأنه مما خص به وأوثر، ومجيئه على لفظ النبي؛ للدلالة على أن الاختصاص تكرمة له لأجل النبوّة، وتكريره تفخيم له وتقرير لاستحقاقه الكرامة لنبوته. واستنكاحها: طلب نكاحها والرغبة فيه، وقد استشهد به أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة؛ لأنّ رسول الله) ﷺ وأمّته سواء في الأحكام إلا فيما خصه الدليل، وقال الشافعي: لا يصح، وقد خص رسول الله ﷺ بمعنى الهبة ولفظها جميعا؛ لأنّ اللفظ تابع للمعنى، والمدعى للاشتراك في اللفظ يحتاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وتكريره تفخيمٌ له [وتقريرٌ] لاستحقاقِه الكرامةَ لنبوته)، يعني: دلَّ إقامةُ المُظهرِ موضعَ المُضْمرِ في قوله: ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ على أنَّ المرأة إنما وهبَتْ نفسَها له، وجاز له ذلك دون غيره تكرِمَةً لأجل نُبوتِه، ودل تكرير ذلك في قولِه: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا﴾ على أن الله تعالى إنما آثر إرادته في ذلك لكونه صلوات الله عليه أهلاً لذلك لأجلِ نُبوَّتِه، فظهَر أن طريقَ التعليلَيْن مختلفة، فكما أنّ نبوتَه اقتضت ذلك كذا إرادته، قال الزجاج: وإنما قيل: ﴿لِلنَّبِيِّ﴾؛ لأنه لو قيل: إن وهبَتْ نفْسَها لك، كان يَجوزُ ان يُتوهَّمَ أن في الكلام دليلاً على أنه يجوز ذلك لغير النبيِّ، كما جاء في ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾. قولُه: (وقد خُصَّ رسولُ الله ﷺ بمعنى الهبة ولفظها جميعًا)، قال الإمام: قال الشافعيُّ ﵁: معنى الآية إباحةُ الوَطْءِ بالهبة، وحصولُ التزوجِ بلفظِها من خواصك. وقال أبو حنيفة ﵁: تلك المرأة صارت زوجةً ومن أمهات [المؤمنين] لا تحلُّ لغيرِك أبدًا، وقال: ويمكن أن يقال: فعلى هذا التخصيصُ بالواهبةِ لا فائدةَ فيه؛ فإن أزواجَه كلّهن خالصاتٌ له.

стр. 6653

إلى دليل. وقال أبو الحسن الكرخي: إن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز؛ لقوله تعالى: (اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ) وقال أبو بكر الرازي: لا يصح؛ لأنّ الإجارة عقد مؤقت، وعقد النكاح مؤبد؛ فهما متنافيان. (خالِصَةً) مصدر مؤكد، كـ (وعد الله)] النساء: ١٢٢ [، و (صبغة الله)] البقرة: ١٣٨ [، أى: خلص لك إحلال ما أحللنا لك خالصة، بمعنى خلوصًا، والفاعل والفاعلة في المصادر غير عزيزين، كالخارج، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: وجهُ التقريرِ: أن الله تعالى ذكر في هذه الآية طبقاتِ النساءِ المحلّلاتِ للرسول ﷺ ، واختصاصَهنَّ بما لم يوجَدْ في غيرِهن، وهي كونُهنَّ أمهاتِ المؤمنين ولم يذكر في شيء منها لفظًا تنعقدُ به عُلْقةُ الزوجية سِوى ما ذكر في هذه الواهبة نفسها، فإنه تعالى ما اكتفى بكونها صائرةً من أمهات المؤمنين بسبب إحلالِ الله إياها كالبواقي بل صَرَّح بلفظِ الهبة، ولو لم يكن له مَدخلٌ في الاختصاصِ لم يكن لذكرهِ فائدة، ولقائل أن يقول: فَرْقٌ بين هذه الصورةِ وبين غيرِها فإنه لو لم يذكر لفظ الهبة لم يحصُل المقصود، بخلافِ غيرها فلذلك ذكَره لا أن له مدخلاً في الاختصاص. قولُه: (أي خَلَصَ إحلالُ ما أحلَلْنا لك خالصة)، يعني: أن ﴿خَالِصَةً﴾ مصدرٌ مولِّدٌ لمضامين الجمل كلها كَوْعدَ الله وصِبْغةَ الله، فلا تختصُّ بقولِه: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ كما قال أبو البقاء: ﴿خَالِصَةً﴾ حالٌ من ضميرِ ﴿وَهَبَتْ﴾ أو صفةٌ لمصدرٍ محذوف، واستدلّ المصنِّف لمذهبه بأن قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وردَ بعد ذكرِ الإحلالاتِ التي جمعَها معنى الاختصاصِ برسول الله ﷺ دون المؤمنين. وقيل: الغرضُ في شرعيتها له خاصة. ومفهومُه مؤكِّدٌ لمضمونِ المعاني كلها لا تختصُّ بواحدة دون واحدة، وهو ما قال: ((قد عَلِمْنا ما فيه مصلحةُ المؤمنينَ ففرَضْناها وعلمنا ما فيه مصلحةُ الرسول من الاختصاصِ ففَعلْنا))، فلو عَلّقَ ﴿خَالِصَةً لَّكَ﴾ بقِصّةِ الموهوبة لم يكنْ ﴿قَدْ عَلِمْنَا﴾ معترضًا بل يكون أجنبيًّا وذلك لا يَجوز.

стр. 6654

والقاعد، والعافية، والكاذبة. والدليل على أنها وردت في أثر الإحلالات الأربع مخصوصةً برسول الله ﷺ على سبيل التوكيد لها، قوله: (قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) بعد قوله: (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)، وهي جملة اعتراضية، وقوله: (لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ) متصل بـ (خالصة لك من دون المؤمنين)، ومعنى هذه الجملة الاعتراضية: أنّ الله قد علم ما يجب فرضه على المؤمنين في الأزواج والإماء، وعلى أى حدّ وصفةٍ يجب أن يفرض عليهم؛ ففرضه، وعلم المصلحة في اختصاص رسول الله ﷺ بما اختصه به؛ ففعل ومعنى: (لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ): لئلا يكون عليك ضيق في دينك؛ حيث اختصصناك بالتنزيه واختيار ما هو أولى وأفضل، وفي دنياك؛ حيث أحللنا لك أجناس المنكوحات، وزدنا لك الواهبة نفسها. وقرئ: (خالصة) بالرفع، أى: ذاك خلوص لك وخصوص من دون المؤمنين. ومن جعل (خالصة) نعتًا للمرأة، فعلى مذهبه: هذه المرأة خالصة لك من دونهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويلزم أيضًا أنها وحدها خالصة لك من دونهم، قال محيي السنة: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: أوجَبْنا على المؤمنين في أزواجهم من الأحكام، أن لا تزوجوا أكثر من أربع، ولا يتزوجوا إلا بولي وشهودٍ ومَهْرٍ وما ملكت أيمانهم، أي: ما أوجبنا من الأحكام في مِلكِ اليمين لكي لا يكون عليك حرج، وهذا يرجع إلى أول الآية، أي: أحللنا لك أزواجَك، وما ملكت يمينك، والموهوبة؛ لكيلا يكون عليك حرج، أي: ضيق. قولُه: (وفي دَنْياكَ) عَطْفٌ على ((دينِك))، يعني: أطلقَ الحرجَ ولم يُقيِّد أنه في أيِّ شيء، لدَلالة سَوْقِ الكلامِ عليه، والمراد باختصاص التبرئة ما يدل عليه قوله: ﴿اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ من أن لا تترك التسمية، ولا تعجيل المهر، وقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ من أن لا تكون مُشتراةً مجلوبة، وباختصاصِ ما هو أولى، ما يُنْبيءُ عنه قوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ فإن المهاجراتِ معه من قرابتِه أفضَلُ من غير المهاجرات.

стр. 6655

(وَكانَ الله غَفُوراً) للواقع في الحرج إذا تاب (رَحِيماً) بالتوسعة على عباده. روى: أن أمهات المؤمنين حين تغايرن وابتغين زيادة النفقة وغظن رسول الله ﷺ ، هجرهنّ شهرًا، ونزل التخيير، فأشفقن أنّ يطلقهنّ، فقلن: يا رسول الله، افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت. وروى: أن عائشة رضى الله عنها قالت: يا رسول الله، إنى أرى ربك يسارع في هواك. [(تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشَاءُ ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ واللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا) [٥١] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ للواقعِ في الحرج إذا تاب)، اعلم أن قولَه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ واردٌ على سبيل التذييل للآية أجمعِها، ومضمونُها رَفْعُ الحَرجِ عن حضرةِ الرسالةِ في أمور النساء، كذا عن الواحدي، فجيء بالفاصلةِ عامة في نفي الحرج من جميع التكاليف في الدين لِسائرِ المؤمنين، فيدخل فيه أمرُ الرسول ﷺ أوّليًّا فإذن لا مَدْخَل لحديثِ التوبة. قولُه: (وغِظْنَ رسول الله ﷺ ، الجوهري: الغيظُ: غضَبٌ كامنٌ للعاجز، يقال: غاظه فهو مَغيظ، ولا يقال: أغاظه. قولُه: (إني أرى ربّك يُسارع في هواك)، روى البُخاريّ ومُسلم وغيرُهما عن عائشة رضي عنها. كانت خولةُ بنتُ حكيمٍ من اللاتي وهَبْنَ أنفُسَهنّ للنبيِّ ﷺ ، فقالت عائشة: أما تستحي المرأة أن تَهب نفْسَها للرجل، فلما نزَلت: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾، قلت: يا رسولَ الله، ما أرى ربَّك إلا يُسارعُ في هواك.
следующие страницы →