← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

ولا تطلب مهرًا من النساء المؤمنات إن اتفق ذلك؛ ولذلك نكرها. واختلف في اتفاق ذلك: فعن ابن عباس رضى الله عنهما: لم يكن عند رسول الله ﷺ أحد منهنّ بالهبة. وقيل: الموهوبات أربع: ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة أمّ المساكين الأنصارية، وأمّ شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم، رضى الله عنهن. قرئ: (إِنْ وَهَبَتْ) على الشرط. وقرأ الحسن رضى الله عنه: (أنْ) بالفتح، على التعليل بتقدير حذف اللام. ويجوز أن يكون مصدرًا محذوفًا معه الزمان، كقولك: اجلس ما دام زيد جالسًا، بمعنى: وقت دوامه جالسًا، ووقت هبتها نفسها. وقرأ ابن مسعود بغير "إن". فإن قلت: ما معنى الشرط الثاني مع الأوّل؟ قلت: هو تقييد له، شرط في الإحلال هبتها نفسها، وفي الهبة إرادة استنكاح رسول الله ﷺ ، كأنه قال: أحللناها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (ميمونة بنت الحارث)، في ((الجامع)): توفي عنها أبو رُهم، فتزوجها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة سبع في عمرة القَضِيَّةِ بسرف، على عشرة أميال من مكة. قولُه: (وزينب بنت خُزيمة)، في ((الجامع)): وزينب بنت خزيمةَ بنت الحارث العامرية، كانت تسمى في الجاهلية أمَّ المساكين لإطعامِها إياهم، كانت تحتَ عبدِ الله بن جحش، فقُتل عنها يومَ أحدٍ، فتزوَّجها ﷺ سنة ثلاث. قولُه: (وأم شريك بنت جابر)، في ((الجامع)): قيل: أم شريك غزيّةُ بنت جابر طلقها النبيُّ ﷺ قبل أن يدخلَ بها، وهي وهَبتْ نفْسَها للنبي ﷺ . قولُه: (وخولة بنت حكيم)، في ((الجامع)): هي التي وهبَت نفْسَها للنبي ﷺ ، فأرجأها، فتزوّجَها عثمان بن مظعون. قولُه: (وقرئ: ﴿إِن وَهَبَتْ﴾ على الشرط)، وهي المشهورة.

стр. 6652

لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها؛ لأنّ إرادته هي قبول الهبة وما به تتم. فإن قلت: لم عدل عن الخطاب إلى الغيبة في قوله تعالى: (نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ) ثم رجع إلى الخطاب؟ قلت: للإيذان بأنه مما خص به وأوثر، ومجيئه على لفظ النبي؛ للدلالة على أن الاختصاص تكرمة له لأجل النبوّة، وتكريره تفخيم له وتقرير لاستحقاقه الكرامة لنبوته. واستنكاحها: طلب نكاحها والرغبة فيه، وقد استشهد به أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة؛ لأنّ رسول الله) ﷺ وأمّته سواء في الأحكام إلا فيما خصه الدليل، وقال الشافعي: لا يصح، وقد خص رسول الله ﷺ بمعنى الهبة ولفظها جميعا؛ لأنّ اللفظ تابع للمعنى، والمدعى للاشتراك في اللفظ يحتاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وتكريره تفخيمٌ له [وتقريرٌ] لاستحقاقِه الكرامةَ لنبوته)، يعني: دلَّ إقامةُ المُظهرِ موضعَ المُضْمرِ في قوله: ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ على أنَّ المرأة إنما وهبَتْ نفسَها له، وجاز له ذلك دون غيره تكرِمَةً لأجل نُبوتِه، ودل تكرير ذلك في قولِه: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا﴾ على أن الله تعالى إنما آثر إرادته في ذلك لكونه صلوات الله عليه أهلاً لذلك لأجلِ نُبوَّتِه، فظهَر أن طريقَ التعليلَيْن مختلفة، فكما أنّ نبوتَه اقتضت ذلك كذا إرادته، قال الزجاج: وإنما قيل: ﴿لِلنَّبِيِّ﴾؛ لأنه لو قيل: إن وهبَتْ نفْسَها لك، كان يَجوزُ ان يُتوهَّمَ أن في الكلام دليلاً على أنه يجوز ذلك لغير النبيِّ، كما جاء في ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾. قولُه: (وقد خُصَّ رسولُ الله ﷺ بمعنى الهبة ولفظها جميعًا)، قال الإمام: قال الشافعيُّ ﵁: معنى الآية إباحةُ الوَطْءِ بالهبة، وحصولُ التزوجِ بلفظِها من خواصك. وقال أبو حنيفة ﵁: تلك المرأة صارت زوجةً ومن أمهات [المؤمنين] لا تحلُّ لغيرِك أبدًا، وقال: ويمكن أن يقال: فعلى هذا التخصيصُ بالواهبةِ لا فائدةَ فيه؛ فإن أزواجَه كلّهن خالصاتٌ له.

стр. 6653

إلى دليل. وقال أبو الحسن الكرخي: إن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز؛ لقوله تعالى: (اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ) وقال أبو بكر الرازي: لا يصح؛ لأنّ الإجارة عقد مؤقت، وعقد النكاح مؤبد؛ فهما متنافيان. (خالِصَةً) مصدر مؤكد، كـ (وعد الله)] النساء: ١٢٢ [، و (صبغة الله)] البقرة: ١٣٨ [، أى: خلص لك إحلال ما أحللنا لك خالصة، بمعنى خلوصًا، والفاعل والفاعلة في المصادر غير عزيزين، كالخارج، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: وجهُ التقريرِ: أن الله تعالى ذكر في هذه الآية طبقاتِ النساءِ المحلّلاتِ للرسول ﷺ ، واختصاصَهنَّ بما لم يوجَدْ في غيرِهن، وهي كونُهنَّ أمهاتِ المؤمنين ولم يذكر في شيء منها لفظًا تنعقدُ به عُلْقةُ الزوجية سِوى ما ذكر في هذه الواهبة نفسها، فإنه تعالى ما اكتفى بكونها صائرةً من أمهات المؤمنين بسبب إحلالِ الله إياها كالبواقي بل صَرَّح بلفظِ الهبة، ولو لم يكن له مَدخلٌ في الاختصاصِ لم يكن لذكرهِ فائدة، ولقائل أن يقول: فَرْقٌ بين هذه الصورةِ وبين غيرِها فإنه لو لم يذكر لفظ الهبة لم يحصُل المقصود، بخلافِ غيرها فلذلك ذكَره لا أن له مدخلاً في الاختصاص. قولُه: (أي خَلَصَ إحلالُ ما أحلَلْنا لك خالصة)، يعني: أن ﴿خَالِصَةً﴾ مصدرٌ مولِّدٌ لمضامين الجمل كلها كَوْعدَ الله وصِبْغةَ الله، فلا تختصُّ بقولِه: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ كما قال أبو البقاء: ﴿خَالِصَةً﴾ حالٌ من ضميرِ ﴿وَهَبَتْ﴾ أو صفةٌ لمصدرٍ محذوف، واستدلّ المصنِّف لمذهبه بأن قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وردَ بعد ذكرِ الإحلالاتِ التي جمعَها معنى الاختصاصِ برسول الله ﷺ دون المؤمنين. وقيل: الغرضُ في شرعيتها له خاصة. ومفهومُه مؤكِّدٌ لمضمونِ المعاني كلها لا تختصُّ بواحدة دون واحدة، وهو ما قال: ((قد عَلِمْنا ما فيه مصلحةُ المؤمنينَ ففرَضْناها وعلمنا ما فيه مصلحةُ الرسول من الاختصاصِ ففَعلْنا))، فلو عَلّقَ ﴿خَالِصَةً لَّكَ﴾ بقِصّةِ الموهوبة لم يكنْ ﴿قَدْ عَلِمْنَا﴾ معترضًا بل يكون أجنبيًّا وذلك لا يَجوز.

стр. 6654

والقاعد، والعافية، والكاذبة. والدليل على أنها وردت في أثر الإحلالات الأربع مخصوصةً برسول الله ﷺ على سبيل التوكيد لها، قوله: (قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) بعد قوله: (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)، وهي جملة اعتراضية، وقوله: (لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ) متصل بـ (خالصة لك من دون المؤمنين)، ومعنى هذه الجملة الاعتراضية: أنّ الله قد علم ما يجب فرضه على المؤمنين في الأزواج والإماء، وعلى أى حدّ وصفةٍ يجب أن يفرض عليهم؛ ففرضه، وعلم المصلحة في اختصاص رسول الله ﷺ بما اختصه به؛ ففعل ومعنى: (لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ): لئلا يكون عليك ضيق في دينك؛ حيث اختصصناك بالتنزيه واختيار ما هو أولى وأفضل، وفي دنياك؛ حيث أحللنا لك أجناس المنكوحات، وزدنا لك الواهبة نفسها. وقرئ: (خالصة) بالرفع، أى: ذاك خلوص لك وخصوص من دون المؤمنين. ومن جعل (خالصة) نعتًا للمرأة، فعلى مذهبه: هذه المرأة خالصة لك من دونهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويلزم أيضًا أنها وحدها خالصة لك من دونهم، قال محيي السنة: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: أوجَبْنا على المؤمنين في أزواجهم من الأحكام، أن لا تزوجوا أكثر من أربع، ولا يتزوجوا إلا بولي وشهودٍ ومَهْرٍ وما ملكت أيمانهم، أي: ما أوجبنا من الأحكام في مِلكِ اليمين لكي لا يكون عليك حرج، وهذا يرجع إلى أول الآية، أي: أحللنا لك أزواجَك، وما ملكت يمينك، والموهوبة؛ لكيلا يكون عليك حرج، أي: ضيق. قولُه: (وفي دَنْياكَ) عَطْفٌ على ((دينِك))، يعني: أطلقَ الحرجَ ولم يُقيِّد أنه في أيِّ شيء، لدَلالة سَوْقِ الكلامِ عليه، والمراد باختصاص التبرئة ما يدل عليه قوله: ﴿اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ من أن لا تترك التسمية، ولا تعجيل المهر، وقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ من أن لا تكون مُشتراةً مجلوبة، وباختصاصِ ما هو أولى، ما يُنْبيءُ عنه قوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ فإن المهاجراتِ معه من قرابتِه أفضَلُ من غير المهاجرات.

стр. 6655

(وَكانَ الله غَفُوراً) للواقع في الحرج إذا تاب (رَحِيماً) بالتوسعة على عباده. روى: أن أمهات المؤمنين حين تغايرن وابتغين زيادة النفقة وغظن رسول الله ﷺ ، هجرهنّ شهرًا، ونزل التخيير، فأشفقن أنّ يطلقهنّ، فقلن: يا رسول الله، افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت. وروى: أن عائشة رضى الله عنها قالت: يا رسول الله، إنى أرى ربك يسارع في هواك. [(تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشَاءُ ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ واللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا) [٥١] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ للواقعِ في الحرج إذا تاب)، اعلم أن قولَه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ واردٌ على سبيل التذييل للآية أجمعِها، ومضمونُها رَفْعُ الحَرجِ عن حضرةِ الرسالةِ في أمور النساء، كذا عن الواحدي، فجيء بالفاصلةِ عامة في نفي الحرج من جميع التكاليف في الدين لِسائرِ المؤمنين، فيدخل فيه أمرُ الرسول ﷺ أوّليًّا فإذن لا مَدْخَل لحديثِ التوبة. قولُه: (وغِظْنَ رسول الله ﷺ ، الجوهري: الغيظُ: غضَبٌ كامنٌ للعاجز، يقال: غاظه فهو مَغيظ، ولا يقال: أغاظه. قولُه: (إني أرى ربّك يُسارع في هواك)، روى البُخاريّ ومُسلم وغيرُهما عن عائشة رضي عنها. كانت خولةُ بنتُ حكيمٍ من اللاتي وهَبْنَ أنفُسَهنّ للنبيِّ ﷺ ، فقالت عائشة: أما تستحي المرأة أن تَهب نفْسَها للرجل، فلما نزَلت: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾، قلت: يا رسولَ الله، ما أرى ربَّك إلا يُسارعُ في هواك.

стр. 6656

(تُرْجِي) بهمز وغير همز: تؤخر (وَتُؤْوِي): تضمّ، يعنى: تترك مضاجعة من تشاء منهن، وتضاجع من تشاء. أو: تطلق من تشاء، وتمسك من تشاء. أو: لا تقسم لأيتهن، تقسم لمن شئت. أو تترك تزوّج من شئت من نساء أمّتك، وتتزوّج من شئت. وعن الحسن رضى الله عنه: كان النبي ﷺ إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها. وهذ قسمة جامعة لما هو الغرض؛ لأنه إما أن يطلق، وإما أن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (﴿تُرْجِى﴾ بهَمْز وبغيرِ همز)، بالهمْزِ: ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْروٍ وابنُ عامرٍ وأبو بكر، والباقون: بغَيْرِ همز. قال الزجاج: الهَمْزُ أجودُ وأكثرُ، والمعنى واحد. يقال: أرجأت الأمرَ وَأرجيتُه؛ إذا أخرته. قولُه: (وهذه قسمةٌ جامعة)، قال صاحب ((التقريب)): أي: حاضرة؛ لأنه إما أن يُطلق أو يُمْسك، فإذا أمسَك ضاجَع أوْ لا، قَسَم أوْ لا، وإذا طَلَّق إما أن يَبْتغيها أوْ لا، قال محيي السنة: المراد من قوله تعالى: ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ تردُّ إليك مَنْ تشاء بعد العزل، بلا تجديد عقد. واعلم أنّ الزجاجَ والواحديَّ وأبا البقاء جعلوا ﴿فَلَا جَنَاحَ﴾ خبرًا لقوله: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ فَقدّر الزجاجُ: إنْ أردْتَ أن تُؤويَ إليك امرأةً ممن عزلتَ فلا جناح عليك، والواحدي قال: إن أردتَ أن تُؤوي إليك امرأةً ممّن عزلتَهنَّ من القَسْمِ وتضمَّها إليك

стр. 6657

يمسك؛ فإذا أمسك: ضاجع أو ترك، وقسم أو لم يقسم. وإذا طلق وعزل: فإما أن يخلى المعزولة لا يبتغيها، أو يبتغيها. وروى: أنه أرجأ منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة، فكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه: عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب رضى الله عنهن، أرجأ خمسًا وآوى أربعًا. وروى أنه كان يسوّى مع ما أطلق له وخير فيه إلا سودة؛ فإنها وهبت ليلتها لعائشة، وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك. (ذلِكَ) التفويض إلى مشيئتك (أَدْنى) إلى قرّة عيونهن وقلة حزنهن ورضاهن جميعا؛ لأنه إذا سوّى بينهن في الإيواء والإرجاء والعزل والابتغاء، وارتفع التفاضل، ولم يكن لإحداهن مما تريد ومما لا تريد إلا مثل ما للأخرى، وعلمن أنّ هذا التفويض من عند الله بوحيه؛ اطمأنت نفوسهن، وذهب التنافس والتغاير، وحصل الرضا، وقرّت العيون، وسلت القلوب. (وَالله يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ) فيه وعيد لمن لم ترض منهنّ بما دبر الله من ذلك وفوّض إلى مشيئة رسول الله ﷺ ، وبعث على تواطؤ قلوبهن والتصافي بينهن والتوافق على طلب رضا رسول الله ﷺ وما فيه طيب نفسه. وقرئ: (تقرّ أعينهنّ) بضم التاء ونصب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فلا سَبيلَ عليك بلومٍ ولا عَتَب، فجعلَ الجملةَ الشرطيةَ عَطْفًا على قوله: ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ وقسيمًا لقوله: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ ولم يذكر فائدةَ المعطوف، والمصنّفُ اعتبرَها، وذلك أنه فسر: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ أولاً بالوجوهِ الأربعةِ الماضية، ثم ثنّى ببناءِ التقسيمِ الحاصِر على الوجهِ الثاني، على طريقةِ الجمْع من الوجوهِ الأربعةِ باستعانةِ انضمام قوله: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ معها، على أنّ المرادَ بـ ((مَن عزلت)): المطلقةُ المبتغي إيواؤها، فأوجَب ذلك أن يُضَمَّنَ قولُه: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ﴾ معنًى يَشْملُ المعزولةَ غيرَ المُبتغي إيواؤها أيضًا ليستَقيم ذلك التقسيم، فحينئذ ((أو)) في الوجوهِ المذكورةِ للتنويعِ لا للترديدِ أو للإباحة، كما في قولِه تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩]، وقولُه: ((ورُويَ: أنه أرجَأ منهن)) إلى آخره: بيانٌ لبعضِ مَنْ وقعَ إليه التقسيم.

стр. 6658

"الأعين"، و"تقرّ أعينهن" على البناء للمفعول. (وَكانَ الله عَلِيماً) بذات الصدور، (حَلِيماً) لا يعاجل بالعقاب، فهو حقيق بأن يتقى ويحذر. (كُلُّهُنَّ) تأكيد لنون (ويرضين)، وقرأ ابن مسعود: (ويرضين كلهن بما آتيتهنّ) على التقديم. وقرئ: (كلهن)، تأكيدًا لـ «هن» في (آتَيْتَهُنَّ). [(لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً)] ٥٢ [ (لا يَحِلُّ) وقرئ بالتذكير؛ لأنّ تأنيث الجمع غير حقيقى، وإذا جاز بغيرِ فصلٍ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وقُرِئ: ((كُلَّهن)) تأكيدًا لـ ((هُنَّ)) في ﴿آتَيْتَهُنَّ﴾)، قال ابن جِنِّي: وهي قراءةُ أبي إياس وهي راجعةٌ إلى معنى قراءةِ العامةِ ﴿كَلُّهُنَّ﴾ بضَمِّ اللام، وذلك أنّ رضاهُنَّ كلَّهن بما أوتينَ كُلُّهنَّ على انفرادهِن واجتماعِهن فالمعنيان إذن واحد إلاّ أن للرفع معنى أقوى، وذلك أنّ فيه إصراحًا من اللفظِ بأن يَرْضَيْن كلّهن. والإصراحُ في القراءةِ الشاذةِ -أعني النَّصْبَ- إنما هو في إيتائِهن، وإن كان محصولُ الحالِ فيهما واحدًا مع التأويل. وقلت: في توكيدِ الفاعلِ دون المفعولِ إظهارٌ لكمالِ الرضى منهن وإن لم يكن الإيتاء كاملاً سَويًّا، وفي توكيد المفعول إظهارُ أنّهن مع كمال الإيتاء غيرُ كاملاتٍ في الرضى، والأول أبلغُ في المدح؛ لأن فيه معنى التتميم، وذلك أن المؤكِّدَ رفَع إبهامَ التجوُّزِ عن المؤكد. قولُه: (((لا تحِلُّ))، وقُرئ بالتذكير) أبو عَمْرو: بالتاءِ الفوقانية، والباقون: بالياء. قال الزجاج: مَنْ قرأ بالتاءِ فلأنّ النساءَ في معنى جميعِ النساء، والنساءُ يدلُّ على التأنيث فيُسْتغني عن تأنيثِ ((يحلُّ))، ومعنى التاءِ: لا تحِلُّ لك جماعةُ النساء.

стр. 6659

في قوله تعالى: (وَقالَ نِسْوَةٌ)] يوسف: ٣٠ [؛ كان مع الفصل أجوز. (مِنْ بَعْدُ) من بعد التسع؛ لأنّ التسع نصاب رسول الله ﷺ من الأزواج، كما أن الأربع نصاب أمّته منهنّ؛ فلا يحل له أن يتجاوز النصاب، (وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ): ولا أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجًا أخر بكلهنّ أو بعضهن، أراد الله لهنّ كرامةً وجزاًء على ما اخترن ورضين. فقصر رسول الله ﷺ عليهنّ، وهي التسع اللاتي مات عنهن: عائشة بنت أبى بكر، حفصة بنت عمر، أمّ حبيبة بنت أبى سفيان، سودة بنت زمعة، أمّ سلمة بنت أبى أمية، صفية بنت حيي الخيبرية، ميمونة بنت الحرث الهلالية، زينب بنت جحش الأسدية، جويرية بنت الحرث المصطلقية، رضى الله عنهن. "من" في (مِنْ أَزْواجٍ) لتأكيد النفي، وفائدته: استغراق جنس الأزواج بالتحريم. وقيل: معناه: لا تحل لك ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وقيلَ: معناه: لا تحِلّ لك)، معطوفٌ على قولِه: ((من بعد التِّسْع)). والفرقُ أنّ الأولَ فيه حكمان: تحريمُ الزيادةِ على التسعِ وتحريمُ التبديل، والثاني: فيه حُكمٌ واحدٌ، وهو تحريمُ غيرِ ما نَصَّ عليه من الأجناس الأربعةِ المذكورة في قولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآية، وقولُه: ﴿وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ تأكيدٌ لذلك، فيجوز أن يزيدَ على العدد، وأن تُبدِّلَ بكُلِّهنَّ أو ببَعْضهنَّ من جِنْسِ ما نَصَّ عليه. يدلُّ عليه ما روى مُحيي السنة عن أبي صالح: أُمِرَ أنْ لا يتزوّجَ أعرابية ولا غريبَةً، ويتزوَّجَ من نساءِ قومِه من بناتِ العمِّ والعمّةِ والخالِ والخالة إن شاء ثلاث مئة. فقولُ المصنِّف: ((من الأعربياتِ والغرائبِ)) بيانُ النساءِ في ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾، وقولُه: ((من الأجناسِ الأربعة)) بيانُ النساءِ اللاتي نُصَّ إحلالهنَّ، والأعرابيات في مقابلةِ المهاجراتِ، والغرائبِ في مقابلةِ القرايب، والكتابياتُ في مقابلةِ امرأةٍ مؤمنةٍ، والإماءُ بالنكاحِ في مقابلة ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ﴾. فإن قُلت: ما فائدةُ الاختلافِ بأن جاء بـ ((أو)) في المعطوفَيْن الأخيرَيْن، أي: في قولِه:

стр. 6660

النساء من بعد النساء اللاتي نص إحلالهنّ لك من الأجناس الأربعه من الأعرابيات والغرائب، أو من الكتابيات، أو من الإماء بالنكاح. وقيل في تحريم التبدل: هو من البدل الذي كان في الجاهلية؛ كان يقول الرجل للرجل: بادلني بامرأتك وأبادلك بامرأتى، فينزل كل واحٍد منهما عن امرأته لصاحبه. ويحكى: أنّ عيينة بن حصن دخل على النبىّ ﷺ وعنده عائشة من غير استئذان، فقال رسول الله ﷺ : "يا عيينة، أين الاستئذان؟ " قال: يا رسول الله، ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت، ثم قال: من هذه الجميلة إلى جنبك؟ فقال ﷺ : "هذه عائشة أمّ المؤمنين". قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق؟ فقال ﷺ : "إنّ الله قد حرّم ذلك"، فلما خرج قالت عائشة رضى الله عنها: من هذا يا رسول الله؟ قال: "أحمق مطاع، وإنه على ما ترين لسيد قومه». وعن عائشة رضى الله عنها: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له النساء. تعنى: أنّ الآية قد نسخت. ولا يخلو نسخها: إما أن يكون بالسنة، وإما بقوله تعالى: (إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ)] الأحزاب: ٥٠ [، وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف. (وَلَوْ أَعْجَبَكَ) في موضع الحال من الفاعل، وهو الضمير في (تَبَدَّلَ)، لا من المفعول الذي هو (مِنْ أَزْواجٍ)؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ((أو من الكتابياتِ أو من الإماءِ)) دون الثاني، والأصل الواو؟ قلتُ: ليؤذنَ بالاختلافِ والجمعِ بين الأقوال، فالواوُ في ((والغرائب)) إشارةٌ إلى قولِ أبي صالحٍ: أن لا يتزوَّجَ أعرابيةً ولا غريبةً، و ((أو)) في ((أو من الكتابيات)) مشيرةٌ إلى ما رَوى مُحيي السنة عن مُجاهدٍ: أنّ معناهُ: لا يحلُّ لك اليهودياتُ والنصرانياتُ، ولا أن تَبدَّلَ بالمسلماتِ غيرَهُنَّ من اليهودِ والنصارى، إلا ما ملكَتْ يمينُك من الكتابياتِ أن تَتسَرّى بهنَّ. وأما ((أو)) في ((أو من الإماء)) فهو ظاهرٌ، لأنه غيرُ مُسْتَنْكرٍ من آحادِ المسلمين أن يتزوج أمَة الغيرِ، فكيفَ بمَنْصِبِ الرسالة، فلو جِيءَ بالواوِ لم يُعْلَم اختلافُ الأقوالِ، وكذا لو أتى بـ ((أو)) في الغرائب لم يُعلَمْ أنه قولُ واحد، وأما صاحبُ ((التقريب)) فقَد أجرى الكلَّ على ((أو)).

стр. 6661

لأنه موغل في التنكير، وتقديره: مفروضًا إعجابك بهنّ. وقيل: هي أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبى طالب، والمراد أنها ممن أعجبه حسنهنّ. واستثنى ممن حرم عليه الإماء. (رَقِيباً): حافظًا مهيمنًا، وهو تحذير عن مجاوزة حدوده وتخطى حلاله إلى حرامه. [(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَانِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَالله لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ الله وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ الله عَظِيماً)] ٥٣ [ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (لأنه مُوغِلٌ في التنكير)، وقُلتُ: جائزٌ أن يكونَ صفةً لـ ﴿أَزْوَاجٍ﴾، والواوُ لتأكيد لصوقِ الصفةِ بالموصوفِ كما تَقرَّر، فالمعنى: ولا أن تبدَّلَ بهنَّ من أزواجٍ مفروضًا إعجابُك بهنَّ لا تفارقُ الإعجابَ عنهن لحُسْنِهُنَّ. وعند صاحبِ ((المِفتاح)): يجوزُ أن يكونَ حالاً من ﴿أَزْوَاجٍ﴾، ومُصحِّحها موصوفِيّةُ ﴿أَزْوَاجٍ﴾، لأنه على تقديرِ: أزواجٍ من الأزواج، ودخولُ الواوِ لعدَمِ الإلباس بالصفة بناءً على أنه لا يجوزُ توسيطُ الواوِ بين الصفةِ والموصوف. المعنى: ولا أن تبدَّلَ بهنَّ مِن أزواجٍ وإن كُنَّ بالغاتٍ في الحسنِ غايَته، وهذا أبلغ. قولُه: (واستُثنيَ ممّن حُرِّم عليه الإماءُ)، وهُنَّ اللاتي أشيرَ إليهنَّ في ﴿مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ وكُرِّرَ توكيدًا لطول الكلام. وقال أبو البقاء: ﴿مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ في موضعِ رَفْعٍ بَدلاً من ﴿النِّسَاءُ﴾ أو موضعِ نَصْبٍ على الاستثناءِ، وهو من الجنْسِ، فيكونُ متَّصلاً، ويجوزُ أن يكونَ من غيرِ الجنسِ، فيكونَ مُنقطعًا.

стр. 6662

(أَنْ يُؤْذَنَ) في معنى الظرف، تقديره: وقت أن يؤذن لكم. و (غَيْرَ ناظِرِينَ) حال من (لا تَدْخُلُوا) وقع الاستثناء على الوقت والحال معًا، كأنه قيل: لا تدخلوا بيوت النبي ﷺ إلا وقت الإذن، ولا تدخلوها إلا غير ناظرين، وهؤلاء قوم كانوا يتحينون طعام رسول الله، فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه. ومعناه: لا تدخلوا يا هؤلاء المتحينون للطعام -إلا أن يؤذن لكم إلى طعاٍم غير ناظرين إياه، وإلا فلو لم يكن لهؤلاء خصوصًا، لما جاز لأحٍد أن يدخل بيوت النبي ﷺ إلا أن يؤذن له إذنًا خاصًا، وهو الإذن إلى الطعام فحسب. وعن ابن أبى عبلة: أنه قرأ: (غير ناظرين) مجرورًا صفة لـ (طعام)، وليس بالوجه؛ لأنه جرى على غير ما هو له، فمن حق ضمير ما هو له أن يبرز إلى اللفظ، فيقال: غير ناظرين إناه أنتم، كقولك: هند زيد ضاربته هي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وقعَ الاستثناءُ على الوقتِ والحالِ معًا)، يعني: وقعَ الاستثناء على وقتِ الإذنِ المصحوبِ بقيدِ ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾، وهما قيدان للفعل، فوجبَ تقديرُ مستثنًى منه من أعمِّ هذا المستثنى. أي: لا تدخُلوا في وقتٍ من الأوقاتِ إلا في هذا الوقتِ، لكنَّ النهيَ واردٌ في قومٍ مخصوصين كانوا يضبطون وَقْتَ إدراكِ الطعام فنُهوا عن ذلك، وإليه الإشارةُ بقولِه: ((وإلا فلو لم يكُنْ لهؤلاءِ خُصوصًا لَما جازَ لأحدٍ أن يدخُلَ إلاّ أن يؤذَنَ له إذنًا خاصًّا، وهو الإذنُ إلى الطعامِ فحَسْبُ))، لكنه يجوزُ الدخولُ بالإذْنِ مُطلقًا. قال أبو البَقاء: ﴿إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ في موضع الحال، أي: لا تدخُلوا إلا مأذونًا لكم، وهو على هذا حالٌ من فاعل ﴿تَدْخُلُوا﴾ أو حالٌ من المجرور في ﴿لَكُمْ﴾. قولُه: (يتحَيَّنون)، أي: يضْبطونَ وقْتَ إدراكِ الطعامِ وحينَه. قولُه: (كقولك: هِنْدٌ زيدٌ ضارِبتُه هي)، في ((المُقْتَبس)) عن الطبّاخي: التاءُ علامةٌ لا

стр. 6663

وإنى الطعام: إدراكه، يقال: أنى الطعام إنى، كقولك: قلاه قلى، ومنه قوله: (بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ)] الرحمن: ٤٤ [: بالغ إناه. وقيل: (إِناهُ): وقته، أى: غير ناظرين وقت الطعام وساعة أكله. وروى: أن رسول الله ﷺ أو لم على زينب بتمٍر وسويٍق وشاةٍ، وأمر أنسا أن يدعو ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فاعل، والفاعلُ ((هي))، وإنّما أتى به وإن كانَ في اللفظ ما يدلُّ على أن الضرْبَ لهندٍ وهو التاءُ، لأنه يأتي في مواضعَ مَشْكِلاً، فاحتيجَ إلى هذا المُنفَصِل ليَجْرِيَ المُشْكِلُ وغيرُه على سَنَنٍ واحد. قال ابنُ الحاجب: إذا قلتَ: نحنُ الزيدونَ ضارِبون، أو: زيدٌ ضاربٌ، ونحوُهما، يؤدِّي إلى اللَّبْسِ، فَعدلوا إلى المنفصل. قال الشيخُ عبدُ القادر: يجبُ الإبرازُ في قولِك: هندٌ ضارِبتُه هي، ولو قُلتَ: زيدٌ هِنْدٌ ضارِبَتُه، لم يجبْ؛ لأنَّ في الأولِ جَرى الوصْفُ على غيرِ ما هو له. قال مكّي: ﴿غَيْرَ﴾ حالٌ من ((كُم)) في ﴿لَكُمْ﴾ والعاملُ ﴿يؤْذَنَ﴾، ولا يجوزُ أن يكونَ وصفًا للطعامِ إذ لو كان وصفًا له لقيل: غيْرَ ناظرينَ أنتُم، لأنّ اسْمَ الفاعلِ إذا جَرى صفةً أو حالاً أو صِلةً من غَيرِ مَنْ هو له لَم يَسْتَترِ فيه ضميرُ الفاعلِ بخلافِه في الفعلِ، فلو قيل: إلى طعامٍ لا يَنْتظرونَ إناهُ؛ على الوصْفِ لجاز. قولُه: (وإني الطعام: إدراكُه)، قال الزجاج: إناهُ: نُضْجُه وبُلوغُه، تقول: أنى يأني إنًى: إذا نَضَج وبَلغ. قال مكّي: ﴿إِنَاءُ﴾: ظرفُ زمانٍ مقلوبٌ مِن: آن، التي بمعنى الحين، فقُلِبَتِ النونُ قبلَ الألفِ وغُيِّرت الهمزةُ إلى الكسرةِ، أي: غَيْرَ ناظرينَ آنه، أي: حينَه، ثم قُلِبَتْ وغُيّرت. قولُه: (أوْلَمَ على زَيْنبَ بتمرٍ)، الحديثُ من روايةِ البخاريِّ ومُسلمٍ والتِّرمذيِّ

стр. 6664

بالناس، فترادفوا أفواجًا يأكل فوج فيخرج، ثم يدخل فوج، إلى أن قال: يا رسول الله، دعوت حتى ما أجد أحدًا أدعوه، فقال: "ارفعوا طعامكم"، وتفرق الناس، وبقي ثلاثة نفٍر يتحدثون، فأطالوا؛ فقام رسول الله ﷺ ؛ ليخرجوا، فانطلق إلى حجرة عائشة رضى الله عنها، فقال: "السلام عليكم أهل البيت"، فقالوا: عليك السلام يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ وطاف بالحجرات فسلم عليهن، ودعون له؛ ورجع، فإذا الثلاثة جلوس يتحدثون، وكان رسول الله ﷺ شديد الحياء، فتولى، فلما رأوه متوليًا خرجوا، فرجع؛ ونزلت. (وَلا مُسْتَانِسِينَ لِحَدِيثٍ): نهوا عن أن يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعٍض لأجل حديث يحدثه به، أو عن أن يستأنسوا حديث أهل البيت. واستئناسه: تسمعه وتوجسه. وهو مجرور معطوف على (ناظرين). وقيل: هو منصوب على: ولا تدخلوها مستأنسين. لا بد في قوله: (فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ) من تقدير المضاف، أى: من إخراجكم، بدليل قوله: (وَالله لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) يعنى: أن إخراجكم حتى ما ينبغي أن يستحيا منه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والنَّسائيِّ عن أنسٍ قال: كنتُ أعلمَ الناسِ بشأنِ الحجابِ حين أُنزِلَ، وكانَ أوّلَ ما أُنزِلَ في مُبتنى رسولِ الله ﷺ بزينبَ بنتِ جَحْش؛ أصبحَ النبيُّ ﷺ عروسًا فدعا القومَ فأصابوا الطعامَ ثم خَرجوا، وبقيَ رَهْطٌ منهم عندَ رسولِ الله ﷺ فأطالوا المُكْثَ، فقامَ النبيُّ ﷺ ، فخرجَ وخرجتُ معه، الحديثُ على نَحْو ما ذكَره المصنِّفُ مع تغييرٍ في رواياتٍ شتّى. قولُه: (وتوجُّسُه)، الجوهري: التوجُّسُ: التسمُّعُ إلى الصوتِ الخَفيّ. قولُه: (بدليلِ قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾)، لأن معناه: لا يتركُ تأديبَكم، والتأديبُ في هذا المقامِ إخراجُهم من البيتِ لأنّ جلوسَهم فيه كان يُؤذي النبيَّ ﷺ ، فوجبَ لذلك أن يُقدَّرُ إخراجُهم ليتطابقَ النفيُ والإثبات. وفي وَضْع الحقِّ مقامَ الإخراجِ إيذانٌ بتعظيمِ جانبِ الرسول ﷺ .

стр. 6665

ولما كان الحياء مما يمنع الحيي من بعض الأفعال قيل: (لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) بمعنى: لا يمتنع منه ولا يتركه ترك الحيي منكم. وهذا أدب أدّب الله به الثقلاء. وعن عائشة رضى الله عنها: حسبك في الثقلاء أنّ الله تعالى لم يحتملهم وقال: (فإذا طعمتم فانتشروا). وقرئ: (لا يستحى) بياٍء واحدة. الضمير في (سَأَلْتُمُوهُنَّ) لنساء النبي ﷺ ، ولم يذكرن؛ لأنّ الحال ناطقة بذكرهن، (مَتاعاً) حاجة (فَسْئَلُوهُنّ) المتاع. قيل: إن عمر رضى الله عنه كان يحب ضرب الحجاب عليهن محبًة شديدة، وكان يذكره كثيرًا، ويود أن ينزل فيه، وكان يقول: لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، وقال: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؛ فنزلت. وروى: أنه مر عليهن وهن مع النساء في المسجد، فقال: لئن احتجبتن، فإن لكن على النساء فضلًا، كما أن لزوجكن على الرجال الفضل، فقالت زينب رضى الله عنها: يا ابن الخطاب، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (ولمّا كان الحياءُ ممّا يمنَعُ الحَيِيَّ من بعض الأفعال قيل: ﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾)، يعني: استُعير لقولِنا: لا يمتنعُ ولا يتركُ، لفظُ: ﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾ بعد التشبيه، بدليلِ قولِه: ((تَرْكَ الحَيِيِّ))، أو لأنّ الله إذا وُصِفَ بما يختَصُّ بالأجسامِ حُمِلَ على نهاياتِ أغراضِه لا على بداياتِه، فإن الإنسان إذا حيي عن فِعْلٍ عِيبَ فيه، تركَه وامتنعَ منه. قولُه: (تَرْكَ الحَيِيِّ)، منصوبٌ على المصدر، أي: لا يتركُه تركًا مثْلَ تَرْكِ الحَييِّ منكم. فيه إشعارٌ بأنَّ استعمالَ الحياءِ هنا مَجازٌ مسبوقٌ بالتشبيهِ، فيكونُ استعارةً، لأنَّ المُشَبَّه المتروكَ هو: لا يترك. قولُه: (قيل: إنّ عُمرَ ﵁ كان يُحِبُّ ضَرْبَ الحجاب عليهن)، روى البخاريُّ ومسلمٌ عن أنسٍ: قال عمر ﵁: قلتُ: يا رسولَ الله، يدخلُ عليك البَرُّ والفاجر، فلو أمرْتَ أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزلَ الله آيةَ الحجاب. قولُه: (لو أُطاع فيكُنَّ ما رأتكُنَّ عين)، كنايةٌ عن ضَرْبِ الحجابِ، أي: عَيْن الأجانب.

стр. 6666

إنك لتغار علينا والوحى ينزل في بيوتنا! فلم يلبثواإلا يسيرا حتى نزلت. وقيل: إنّ رسول الله ﷺ كان يطعم ومعه بعض أصحابه، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، فكره النبي ﷺ ذلك؛ فنزلت آية الحجاب. وذكر: أنّ بعضهم قال: أننهى أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب؟ لئن مات محمد لأتزوجن عائشة. فأعلم الله أن ذلك محرم. (وَما كانَ لَكُمْ): وما صح لكم إيذاء رسول الله ﷺ ولا نكاح أزواجه من بعده، وسمى نكاحهن بعده عظيما عنده، وهو من أعلام تعظيم الله لرسوله وإيجاب حرمته حيًا وميتًا، وإعلامه بذلك مما طيب به نفسه وسر قلبه واستغزر شكره. فإن نحو هذا مما يحدث الرجل به نفسه ولا يخلى منه فكره. ومن الناس من تفرط غيرته على حرمته حتى يتمنى لها الموت؛ لئلا تنكح من بعده. وعن بعض الفتيان: أنه كانت له جارية لا يرى الدنيا بها شغفًا واستهتارًا، فنظر إليها ذات يوم فتنفس الصعداء، وانتحب فعلا نحيبه مما ذهب به فكره هذا المذهب، فلم يزل به ذلك حتى قتلها؛ تصورًا لما عسى يتفق من بقائها بعده وحصولها تحت يد غيره. وعن بعض الفقهاء: أن الزوج الثاني في هدم الثلاث مما يجرى مجرى العقوبة؛ فصين رسول الله ﷺ عما يلاحظ ذلك. [(إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ الله كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً)] ٥٤ [ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وذُكِرَ أنّ بعْضَهم قال: أنُنهي أن نُكَلِّمَ بناتِ عَمِّنا)، روى مُحيي السنّةِ عن مُقاتل بن سُليمانَ: أنّه طَلْحة بن عُبيد الله. وفي روايتِه بَدَلَ ((فُلانةٍ)): عائشةُ ﵂. قولُه: (لا يرى الدنيا بها)، قيل: الباءُ فيه كالباءِ في: بِعْتُ هذا بهذا. قولُه: (واستهتارًا)، الاستهتار: أن يبلُغَ في الحبِّ غايةً لا يُبالي فيه ما قيلَ فيه، مأخوذٌ من الهَتْرِ، وهو مَزْقُ العِرْض. قولُه: (في هَدْمِ الثلاث)، أي: الطلقاتِ الثلاثِ عند إرادةِ التحليل.

стр. 6667

(إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً) من نكاحهن على ألسنتكم (أَوْ تُخْفُوهُ) في صدوركم (فَإِنَّ الله) يعلم ذلك فيعاقبكم به. وإنما جاء به على أثر ذلك عامًا لكل باٍد وخاٍف؛ ليدخل تحته نكاحهن وغيره؛ ولأنه على هذه الطريقة أهول وأجزل. [(لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ الله إِنَّ الله كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً)] ٥٥ [ روى: أنه لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب: يا رسول الله، أو نحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب؟ فنزلت. (لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ) أى: لا إثم عليهن في أن لا يحتجبن من هؤلاء، ولم يذكر العم والخال؛ لأنهما يجريان مجرى الوالدين، وقد جاءت تسمية العم أبًا، قال الله تعالى: (وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ)] البقرة: ١٣٣ [، وإسماعيل عم يعقوب. وقيل: كره ترك الاحتجاب عنهما؛ لأنهما يصفانها لأبنائهما، وأبناؤهما غير محارم، ثم نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب، وفي هذا النقل ما يدل على فضل تشديد، فقيل: (وَاتَّقِينَ الله) فيما أمرتن به من الاحتجاب وأنزل فيه الوحى من الاستتار، واحططن فيه، وفيما استثنى منه ما قدرتن، واحفظن حدودهما، واسلكن طريق التقوى في حفظهما، وليكن عملكن في الحجب أحسن مما كان وأنتن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وإنما جاءَ به على أثَرِ ذلك عامّاً)، يعني: كانَ منَ الظاهرِ أن يُقال: إن تبدوا إنكاحَهُنَّ على ألسنتِكم فإنَّ اللهَ يَعلمُ ذلك، فوضَعَ في مَوْضعِهما ﴿شَيْئًا﴾ و ﴿شَيْءٌ﴾؛ ليدخُلَ تحْتَ هذا العامِّ دخولاً أوّليًا على سبيلِ البُرْهان، وكان أجْزَل وأهْول. قولُه: (فقيل: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾)، متَّصلٌ بقَوْلِه: ((ثمّ نَقَلَ الكلامَ من الغَيْبةِ إلى الخطاب))، وقولِه: ((وفي هذا النقلِ ما يدلُّ على فَضْلِ تشديد)) اعتراض، وإنما كان فَضْلَ تشديدٍ لأنّ الخطابَ أقوى من الغيبةِ، ومَنْ كان مُشافَهًا في الزَّجْرِ كان أرْدَع له مِمّا كان غائبًا، ولذلك قيل: كافَحَه وواجَهَه في الكلام. قولُه: (واحفَظْنَ حدودَهما)، أي: حدودَ الاحتجاب وما استُثْنيَ منه من عدمِ الاحتجابِ

стр. 6668

غير محتجبات؛ ليفضل سركن علنكن (إنَّ الله كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ) من السر والعلن وظاهر الحجاب وباطنه (شَهِيداً) لا يتفاوت في علمه الأحوال. [(إِنَّ الله وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)] ٥٦ [ قرئ: (وملائكته) بالرفع؛ عطفًا على محل (إن) واسمها، وهو ظاهر على مذهب الكوفيين، ووجهه عند البصريين: أن يحذف الخبر؛ لدلالة (يصلون) عليه. (صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا) أى قولوا: الصلاة على الرسول والسلام. ومعناه: الدعاء بأن يترحم عليه الله ويسلم. فإن قلت: الصلاة على رسول الله ﷺ واجبة أم مندوب إليها؟ قلت: بل واجبة، وقد اختلفوا في حال وجوبها؛ فمنهم من أوجبها كلما جرى ذكره، وفي الحديث: «من ذكرت عنده فلم يصل علىّ فدخل النار فأبعده الله»، ويروى: أنه قيل: يا رسول الله، أرأيت قول الله تعالى: (إِنَّ الله وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)؟ فقال ﷺ : «هذا من العلم المكنون، ولولا أنكم سألتمونى عنه ما أخبرتكم به؛ إنّ الله ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من المذكورين. قولُه: (مَنْ ذُكِرْتُ عنْدَه فلم يُصَلِّ عليَّ فَدخلَ النارَ)، روى الشيخُ مُحيي الدين في ((الأذكار)). عن ابنِ السُّنِّي عن جابرٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((مَنْ ذُكِرْتُ عندَه فلم يُصَلِّ عليَّ فقد شَقي)). وروى أيضًا عن التِّرمذيِّ عن أبي هُريرَة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((رَغِمَ أنفُ رجلٍ ذُكِرْتُ عنْدَه فلَمْ يُصَلِّ عليّ)). قال التِّرمذيُّ: حديثٌ حسن.

стр. 6669

وكل بي ملكين فلا أذكر عند عبد مسلٍم فيصلى علىّ إلا قال ذانك الملكان: غفر الله لك، وقال الله تعالى وملائكته جوابًا لذينك الملكين: آمين، ولا أذكر عند عبٍد مسلٍم فلا يصلى علىّ إلا قال ذانك الملكان: لا غفر الله لك، وقال الله وملائكته لذينك الملكين: آمين»؛ ومنهم من قال: تجب في كل مجلس مرة، وإن تكرر ذكره، كما قيل في آية السجدة وتشميت العاطس، وكذلك في كل دعاٍء في أوله وآخره؛ ومنهم من أوجبها في العمر مرةً، وكذا قال في إظهار الشهادتين. والذي يقتضيه الاحتياط الصلاة عليه عند كل ذكر؛ لما ورد من الأخبار. فإن قلت: فالصلاة عليه في الصلاة، أهى شرط في جوازها أم لا؟ قلت: أبو حنيفة وأصحابه لا يرونها شرطًا، وعن إبراهيم النخعي: كانوا يكتفون عن ذلك -يعنى الصحابة- بالتشهد، وهو: السلام عليك أيها النبي، وأما الشافعي ﵀ فقد جعلها شرطًا. فإن قلت: فما تقول في الصلاة على غيره؟ قلت: القياس جواز الصلاة على كل مؤمن؛ لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ)] الأحزاب: ٤٣ [، وقوله تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)] التوبة: ١٠٣ [، وقوله ﷺ : «اللهم صل على آل أبى أوفى»، ولكن للعلماء تفصيلًا في ذلك؛ وهو: أنها إن كانت على سبيل التبع كقولك: صلى الله على النبي وآله؛ فلا كلام فيها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وهو أنّها إن كانت على سبيلِ التبع)، قال الشيخُ مُحيي الدين في كتابِ ((الأذكار)): أجمعوا على الصلاةِ على نَبيِّنا وعلى سائرِ الأنبياءِ والملائكةِ استقلالاً، وأما غَيْرُ الأنبياءِ فالجُمهورُ لا يُصَلّى عليهم ابتداءً، واختُلِفَ فيه فقيل: هو حرام، وقيل: مَكْروهٌ كَراهةَ تنزيهٍ، لأنّه شِعارُ أهلِ البِدَع، وقالوا: إنَّ الصلاةَ صارَتْ مخصوصةً في لسانِ السلفِ بالأنبياءِ كما أنّ قولَنا مخصوصٌ بالله ، وكما لا يُقالُ: محمَّدٌ ، وإن كان عزيزًا جليلاً، لا يقالُ: أبو بكرٍ أو عَليٌّ صلى الله عليه وإن كان صحيحًا. واتفقوا على جوازِ غيرِ الأنبياءِ تَبَعًا لهم فيقال: اللهمَّ صَلِّ على محمدٍ وعلى آلهِ وأصحابِه وأزواجهِ وأتباعهِ؛ للأحاديثِ الصحيحة. وأما السلامُ فقال الشيخُ أبو محمَّدٍ الجُوَيْني: هو في معنى الصلاةِ،

стр. 6670

وأما إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو: فمكروه؛ لأن ذلك صار شعارًا لذكر رسول الله ﷺ ، ولأنه يؤدى إلى الاتهام بالرفض، وقال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم". [(إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً)] ٥٧ - ٥٨ [ (يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ) فيه وجهان؛ أحدهما: أن يعبر بإيذائهما عن فعل ما يكرهانه ولا يرضيانه من الكفر والمعاصي، وإنكار النبوّة، ومخالفة الشريعة، وما كانوا يصيبون به رسول الله ﷺ من أنواع المكروه، على سبيل المجاز. وإنما جعلته مجازًا فيهما جميعًا، وحقيقة الإيذاء صحيحة في رسول الله ﷺ ؛ لئلا أجعل العبارة الواحدة معطية معنى المجاز والحقيقة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فلا يُسْتَعملُ في الغائبِ فلا يُفْرَدُ به غيرُ الأنبياء فلا يُقال: عليٌّ ﵇، وسواءٌ هذا في الأحياءِ والأموات، وأما الحاضرُ فيُخاطَبُ به، ويُسْتحَبُّ الترضِّي والترحُّمُ على الصحابةِ والتابعينَ فمَنْ بعْدَهُم من العلماءِ والعُبَّادِ وسائرِ الأخيارِ. وأما ما قالَه بعضُ العلماءِ: إن قوِلَه: ﵁، مخصوصٌ بالصحابة، ويُقالُ في غيرِهم: ﵀، فليسَ كما قال، بل الصحيحُ الذي عليه الجمهورُ استحبابهُ ودلائلُه أكثَرُ من أن تُحْصى. قولُه: (على سبيلِ المجاز)، متعلِّقٌ بقَوْلِه: ((أن يُعَبَّر)) يعني: أطلقَ ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وأريدَ به فْعْلُ ما لا يَرْضيانه من الكفرِ والمعاصي وغيرِهما، كأنه قيل: إنّ الذين يَفْعلونَ ما لا يُرْضي الله ورسولَه، فأطْلقَ السَّببُ وأريدَ المسبَّب، وإنّما ارتكبَ طريقَ المجازِ، وإن صَحَّ إطلاقُ الإيذاءِ في حَقِّ رسولِ الله ﷺ حقيقةً؛ لئلاّ يَجْعلَ العبارةَ الواحدةَ مُعطيةً معنى المجازِ والحقيقةِ معًا، هذا الطريقُ هو الذي يُسمِّيه الأصوليون عُمومَ المجاز.

стр. 6671

والثاني: أن يراد: يؤذون رسول الله ﷺ . وقيل في أذى الله: هو قول اليهود والنصارى والمشركين: (يد الله مغلولة)] المائدة: ٦٤ [، و: (ثالث ثلاثة)] المائدة: ٧٣ [، و: (المسيح ابن الله)] التوبة: ٣٠ [، و: الملائكة بنات الله، و: الأصنام شركاؤه. وقيل: قول الذين يلحدون في أسمائه وصفاته. وعن رسول الله ﷺ فيما حكى عن ربه: «شتمني ابن آدم، ولم ينبغ له أن يشتمني، وآذاني ولم ينبغ له أن يؤذيني؛ فأما شتمه إياى فقوله: إنى اتخذت ولدًا. وأما أذاه فقوله: إن الله لا يعيدني بعد أن بدأنى». وعن عكرمة: فعل أصحاب التصاوير الذين يرومون تكوين خلٍق مثل خلق الله. وقيل في أذى رسول الله ﷺ : قولهم: ساحر، شاعر، كاهن، مجنون. وقيل: كسر رباعيته وشج وجهه يوم أحد. وقيل: طعنهم عليه في نكاح صفية بنت حيي وأطلق إيذاء الله ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (والثاني: أن يُرادَ: يُؤذونَ رسولَ الله ﷺ ، فيكونُ ذِكْرُ الله تمهيدًا لذكْرِه، وأنّ رسولَ الله ﷺ عندَ الله بمكانةٍ حتى إنّ إيذاءَه إيذاؤه. قولُه: (شتَمني ابنُ آدمَ ولم يَنْبغِ له أن يَشْتُمَني)، الحديث من روايةِ البُخاريِّ والنَّسائي عن أبي هريرة، قد أوردناهُ، وفيما أورَده اختلافٌ في الألفاظ. قولُه: (وقيل: [طعنُهم عليه] في نكاحِ صَفِيّةَ بنت حُيَيّ)، روى في ((الاستيعاب)) عن أبي عُبَيدةَ: كانت صَفِيّةُ عند سَلاّمِ بن مِشْكَم وكان شاعرًا، ثم خَلفَ عليها كِنانَةُ وهو شاعرٌ، فقُتِلَ يوْمَ خَيْبَر، وتزوَّجَها النبيُّ ﷺ سنَةَ سَبْعٍ من الهجرة. ورُويَ عن أنسٍ أنه قال فيه: إنَّ النبيَّ ﷺ لما جَمعَ سَبْيَ خَيْبَر جاءَه دِحْيَة فقال: أعْطِني جاريةً من السَّبْي، فقال: ((اذهَبْ فخُذْ جاريةً))، فأخذَ صَفِيّةَ فقيل: يا رسولَ الله، إنَّها سيِّدةُ بَني قُريظةَ والنَّضير، ما تصْلُحُ إلاّ لَك، فقال النبيَّ ﷺ : ((خُذْ جاريةً غَيْرها))، قال ابن شِهاب: كانَتْ مِمّا أفاءَ الله عليهِ فحَجَبها، وأوْلَم عليها بتَمْرٍ وسَويقٍ وقَسَم لها، وكانَتْ إحدى أمَّهاتِ المؤمنين.

стр. 6672

ورسوله، وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات؛ لأن أذى الله ورسوله لا يكون إلا غير حق أبدا، وأما أذى المؤمنين والمؤمنات؛ فمنه ومنه. ومعنى (بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا): بغير جنايةً واستحقاٍق للأذى. وقيل: نزلت في ناس من المنافقين يؤذون عليًا رضى الله عنه ويسمعونه. وقيل: في الذين أفكوا على عائشة رضى الله عنها. وقيل: في زناةٍ كانوا يتبعون النساء وهنّ كارهات. وعن الفضيل: لا يحل لك أن تؤذى كلبًا أو خنزيرًا بغير حق، فكيف؟ وكان ابن عوٍن لا يكرى الحوانيت إلا من أهل الذمّة؛ لما فيه من الروعة عند كرّ الحول. [(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ الله غَفُوراً رَحِيماً)] ٥٩ [ الجلباب: ثوب واسع أوسع من الخمار ودون الرداء تلويه المرأة على رأسها وتبقى منه ما ترسله على صدرها. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: الرداء الذي يستر من فوق إلى أسفل. وقيل: الملحفة وكل ما يستتر به من كساء أو غيره. قال أبو زبيد: مجلبب من سواد اللّيل جلبابا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ورُويَ أنّ رسولَ الله ﷺ دخَل عليها وهي تَبْكي، فقال لها: ((ما يُبكيك))؟ فقالت: إنّ عائشَة وحَفْصَة تنالانِ منّي وتقولان: نَحْنُ خَيْرٌ من صَفيّةَ، قال: ((ألا قُلْتِ لهنَّ: كيفَ تكُنَّ خيرًا مني وأبي هارونُ وعَمِّي موسى وزوجي مُحمَّد))، وكانَتْ مِن سِبْط هارون. وليس في ((الاستيعاب)) ولا في ((الجامع)) أنَّ أحدًا طَعَنَ في نكاحِها، والله أعلم. قولُه: (فمِنْه ومنْه)، أي فمْنْهُ حَقٌّ ومِنه باطل. والفاءُ للتعقيبِ دخَلَتْ على التفصيل.

стр. 6673

ومعنى (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ): يرخينها عليهنّ، ويغطين بها وجوههنّ وأعطافهنّ. يقال: إذا زل الثوب عن وجه المرأة: أدنى ثوبك على وجهك؛ وذلك أن النساء كنّ في أول الإسلام على هجيراهنّ في الجاهلية متبذلاٍت، تبرز المرأة في درع وخمار فصل بين الحرّة والأمة، وكان الفتيان وأهل الشطارة يتعرّضون -إذا خرجن بالليل إلى مقاضى حوائجهنّ في النخيل والغيطان- للإماء، وربما تعرّضوا للحرّه بعلة الأمة؛ يقولون: حسبناها أمةً، فأمرن أن يخالفن بزيهنّ عن زى الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه؛ ليحتشمن ويهبن فلا يطمع فيهن طامع؛ وذلك قوله: (ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ) أى: أولى وأجدر بأن يعرفن فلا يتعرّض لهن ولا يلقين ما يكرهن. فإن قلت: ما معنى (مِنْ) في (مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ)؟ قلت: هو للتبعيض، إلا أن معنى التبعيض محتمل وجهين، أحدهما: أن يتجلببن ببعض مالهنّ من الجلابيب، والمراد: أن لا تكون الحرة متبذلة في درٍع وخمار، كالأمة والماهنة، ولها جلبابان فصاعدًا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (مُبْتذلاتٍ)، الجوهري: وابتذالُ الثوب وغيره: امتهانُه، والتبذُّلُ: ترْكُ التصاوُن. قولُه: (والغِيطان)، الجوهري: أصلُ الغائطِ: المطمئنُّ منَ الأرضِ الواسعُ، والجمْعُ: غُوطٌ وأغواطٌ وغِيطان. قولُه: (والمرادُ: أن لا تكون الحرَّةُ مُبتذَلة)، يعني: عَبر بقوله: ((يُدنيَن عليهنّ بَعْضَ جلابيبهنَّ)) عن كوْنِ الحرَّةِ غيرَ مبتذلة، لأنه يلزَمُ من ذلك أن تكونَ ذات جلابيبَ، فلا تُنزل نَفْسَها بمَنْزلةِ مَنْ ليسَ لها إلا دِرْعٌ وخِمار، كالأمةِ. قولُه: ((ولها جِلْبابان))، حالٌ من الضمير في ((مُبْتذَلة)). قولُه: (والماهِنة)، أي: الخادمة. الجوهري: المَهْنة بالفَتْح، أي: الخِدمةُ، وحكى أبو زيدٍ

стр. 6674

في بيتها. والثاني: أن ترخى المرأة بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع حتى تتميز من الأمة. وعن ابن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن ذلك فقال: أن تضع رداءها فوق الحاجب، ثم تديره حتى تضعه على أنفها. وعن السدى: أن تغطى إحدى عينيها وجبهتها، والشق الآخر إلا العين. وعن الكسائي: يتقنعن بملاحفهن منضمة عليهنّ. أراد بالانضمام معنى الإدناء. (وَكانَ الله غَفُوراً) لما سلف منهن من التفريط، مع التوبة؛ لأن هذا مما يمكن معرفته بالعقل. [(لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلاً (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (٦١) سُنَّةَ الله فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً)] ٦٠ - ٦٢ [ (الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ): قوم كان فيهم ضعف إيمان وقلة ثبات عليه. وقيل: هم الزناة وأهل الفجور من قوله تعالى: (فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ)] الأحزاب: ٣٢ [. (وَالْمُرْجِفُونَ): ناس كانوا يرجفون بأخبار السوء عن سرايا رسول الله ﷺ ، فيقولون: هزموا وقتلوا وجرى عليهم كيت وكيت، فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين. يقال: أرجف بكذا؛ إذا أخبر به على غير حقيقة؛ لكونه خبرًا متزلزلًا غير ثابت، من الرجفة؛ وهي الزلزلة. والمعنى: لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدكم، والفسقة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والكِسائيُّ بالكَسْرِ، وأنكَره الأصمعيُّ، والماهِنُ: الخادم. قولُه: (لأنّ هذا مِمّا يُمكنُ معرفتُه بالعقل)، وعندَ أهلِ السنّة: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ لِما عسى يصدُر عنهُنَّ [من] الإخلالِ في أمرِ التستُر رحيمًا بهنَّ بعد التوبة. وقيل: ﴿غَفُورًا﴾ لِما وَقَع منهنَّ قبْلَ الأمرِ فلا يُؤاخِذهُنَّ به، في ((المطلع)). قولُه: (يُرْجِفون بأخبارِ السوء)، الراغب: الرجفُ: الاضطرابُ الشديد، والإرجافُ: إيقاعُ الرجفةِ إما بالفِعْلِ أو القولِ، ويقال: الأراجيفُ مَلاقيحُ الفِتن.

стр. 6675

عن فجورهم، والمرجفون عما يؤلفون من أخبار السوء: لنأمرنك بأن تفعل بهم الأفاعيل التي تسوءهم وتنوؤهم، ثم بأن تضطرهم إلى طلب الجلاء عن المدينة، وإلى أن لا يساكنوك فيها (إِلَّا) زمنًا (قَلِيلًا) ريثما يرتحلون ويلتقطون أنفسهم وعيالاتهم. فسمى ذلك إغراء -وهو التحريش- على سبيل المجاز. (مَلْعُونِينَ) نصب على الشتم أو الحال، أى: لا يجاورونك إلا ملعونين. دخل حرف الاستثناء على الظرف والحال معًا، كما مرّ في قوله: (إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ)] الأحزاب: ٥٣ [، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وتَنُوءُهم)، الجوهري: قال ابنُ السكّيت: يُقال: له عندي ما ساءَهُ وناءَهُ، أي: أثْقَلَه، وما يسوءُه وينوءُه. وقال بعضُهم: أراد: ساءَهُ وأناءه، وإنّما قال: ناءَهُ، وهو لا يتَعدّى لأجل ((ساءَه)) ليَزْدوِجَ الكَلام. قولُه: (ويلتقطون أنفُسَهم)، الأساس: لَقَطَ الحصا وغَيْرَه والتقَطه ويَلْقُطُه. الانتصاف: في قولهِ: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ إشارةٌ إلى ما فَسَّره الزمخشريُّ إلى أنّ مَنْ توجَّه عليه إخلاءُ مَنْزلٍ مملوكٍ للغيرِ بوَجْهٍ شَرْعيٍّ؛ يُمْهَلُ رَيْثَما نفْسَه ومَتاعَه وعيالَه إن كان له موضعٌ، وإلا يُمْهَلُ حتّى يتَيَّسر له موضِعٌ آخَر. قولُه: (فسَمّى ذلك إغراءً)، أي: أطلقَ على الأمرِ بأن يَفْعلَ بهم الأفاعيلَ التي تَسوءهُم الإغراءَ بقولِه: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ على المجازِ مُبالغة. قولُه: (التحريش)، النهاية: وفي الحديث: نهي عن تحريش البهائم، وهو الإغراءُ وتَهْييُج بعضِها على بعضِ، كما يُفعَلُ بين الجمالِ والكِباشِ والديوك. قولُه: (دخَل حرْفُ الاستثناءِ على الظرفِ والحالِ معًا)، كأنّه قيل: لا يُجاورونَك فيها في حالٍ من الأحوالِ وزَمنٍ من الأزمنةِ، إلاّ مَطرودين مَلعونين، زمنًا قليلاً، ريْثَما يرتحِلون ويلتقطونَ أنفُسَهم وعِيالاتِهم.

стр. 6676

ولا يصح أن ينتصب عن (أُخِذُوا)؛ لأنّ ما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيما قبلها. وقيل في (قَلِيلًا): هو منصوب على الحال أيضًا، ومعناه: لا يجاورونك إلا أقلاء أذلاء ملعونين. فإن قلت: ما موقع (لا يجاورونك)؟ قلت: (لا يجاورونك) عطف على (لنغرينك)؛ لأنه يجوز أن يجاب به القسم، ألا نرى إلى صحة قولك: لئن لم ينتهوا لا يجاورونك؟ فإن قلت: أما كان من حق (لا يجاورونك) أن يعطف بالفاء، وأن يقال: لنغرينك بهم فلا يجاورونك؟ قلت: لو جعل الثاني مسببًا عن الأوّل لكان الأمر كما قلت، ولكنه جعل جوابًا آخر للقسم معطوفًا على الأوّل، وإنما عطف بـ"ثم"؛ لأن الجلاء عن الأوطان كان أعظم عليهم وأعظم من جميع ما أصيبوا به، فتراخت حاله عن حال المعطوف عليه. (سُنَّةَ الله) في موضع مصدر مؤكد، أى: سن الله في الذين ينافقون الأنبياء أن يقتلوا حيثما ثقفوا. وعن مقاتل: يعنى: كما قتل أهل بدر وأسروا. (يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ الله وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً)] ٦٣ [ كان المشركون يسألون رسول الله ﷺ عن وقت قيام الساعة؛ استعجالًا على سبيل الهزء، واليهود يسألونه امتحانا؛ لأن الله تعالى عمى وقتها في التوراة وفي كل كتاب، فأمر رسول الله ﷺ بأن يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به؛ لم يطلع عليه ملكًا ولا نبيًا، ثم بين لرسوله أنها قريبة الوقوع؛ تهديدا للمستعجلين، وإسكاتًا للممتحنين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (أما كانَ مِن حَقِّ ﴿لَا يُجَاوِرُونَكَ﴾ أن يُعطَفَ بالفاءِ)، لأنّ جَلاءَهم عن الأوطانِ كان مُسَبّبًا عن التحريشِ بهم وما يَضْطَرُّهم إلى طَلبِ الجلاء؟ وخُلاصةُ الجواب: أنّ ما عليه التلاوةُ أبلغ، ولاحتواءِ الفائدةِ أملأ، كأنّه قيل: لئن لم يَنْتهِ المنافقونَ ليحصُل لهم خَطْبانِ عَظيمان، لكنّ الثاني أعظَمُ عليهِم من الأول، لأنّ مُفارقةَ الوطنِ أعظَمُ المصائب، ألا ترى إلى بني إسرائيلَ كيفَ اختاروا القَتْلَ على الجَلاء.

стр. 6677

(قَرِيباً): شيئًا قريبًا، أو لأن الساعة في معنى اليوم، أو في زمان قريب. [(إِنَّ الله لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (٦٤) خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً)] ٦٤ - ٦٥ [ السعير: النار المسعورة الشديدة الإتقاد. [(يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرَّسُولا)] ٦٦ [ وقرئ: (تقلب) على البناء للمفعول، و (تقلب) بمعنى: تتقلب، و (نقلب)، أى: نقلب نحن، و (تقلب) على أن الفعل للسعير ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (﴿قَرِيبًا﴾: شيئًا قريبًا، أوْ لأنّ الساعةَ في معنى اليوم)، يعني: مِن حَقِّ الظاهرِ أن يُقال: قريبة، لأنّها خَبرُ ((كان)) واسمُه مؤنَّث، فقيل: ﴿قَرِيبًا﴾ على تأويلِ أنّه صفةُ موصوفٍ محذوفٍ، أو الساعةُ بمعنى اليومِ أو الزمان. روى الزجّاجُ عن أبي عُبيدة: أن ((قَريبًا)) يكونُ للمؤنَّث والثِّنتَيْن والجَمْع بلَفْظِ واحدٍ، ولا يُدْخِلون الهاءَ لأنه ليسَ بصفةٍ ولكن ظَرف، وأنشدَ: وإنْ تُمْسِ ابنةُ السَّهْميِّ منا … بعيدًا لا تُكلِّمنا كلاما فإذا جَعلوها صفةً في معنى: مُقْتربة، قالوا: هي قريبة. قولُه: (وقُرِئ: ﴿تُقَلَّبُ﴾ على البناء للمفعول)، هي المشهورة. قولُه: (و ((نُقَلِّبُ))، أي: نُقَلِّبُ نحنُ، و ((تُقَلِّبُ)) على أنّ الفعلَ للسَّعير)، قال ابن جِنّي: ((تُقَلِّبُ وجوهَهم)) بالنصبِ، فاعلُه ضميرُ السعيرِ، فنُسِبَ الفِعْلُ إليها، وإن كان المُقَلِّبُ هو اللهَ تعالى بدلالةِ قراءةِ أبي حَيْوَةَ: ((نُقَلِّبُ)) بالنونِ للملابسةِ التي بينهما، قال الله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] نسَبَ المكْرَ إليهما لوقوعِه فيهما، وعليه قولُ الشاعر: لقَدْ لُمتِنا يا أمَّ غَيْلَان في السُّرى … ونِمْتِ وما ليلُ المطيِّ بنائمِ

стр. 6678

ومعنى تقليبها: تصريفها في الجهات، كما ترى البضعة تدور في القدر إذا غلت فترامى بها الغليان من جهة إلى جهة. أو: تغييرها عن أحوالها، وتحويلها عن هيئاتها. أو: طرحها في النار مقلوبين منكوسين. وخصت الوجوه بالذكر؛ لأن الوجه أكرم موضٍع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وبيتُ ((الكتاب)): أما النهارُ ففِي قَيْدٍ وسِلْسلةٍ … والليلُ في جَوْفِ مَنْحوتٍ من الساج أي: المذكورُ في نَهاره في القَيْدِ وفي لَيْلهِ في بَطنِ المنحوتِ، أي: السفينةِ، وقد جاءَ في الأماكنِ نَحْو: سارَتْ بهم الفِجاجُ، أي: ساروا فيها. قولُه: (ومعنى تقْليبها: تَصْريفُها في الجهات)، الراغب: قَلْبُ الشيء: تصريفُه وصَرْفُه عن وجْهٍ إلى وجه، وقَلْبُ الإنسان أي: صَرْفُه عن طريقتِه والانقلابُ الانصراف قال الله تعالى: ﴿انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، وقَلبُ الإنسانِ قيل: سُمِّيَ به لكَثْرةِ تَقَلُّبهِ، ويُعَبَّرُ بالقلْبِ عن المعاني التي تختصُّ به من الروحِ والعلمِ والشجاعةِ وسائرِ ذلك، وقولُه: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] أي: الأرواح، وقولُه: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] أي: عِلْمٌ وفَهْم. وقوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال: ١٠] أي: تثبُتَ به شجاعَتُكُم ويزولَ خوفُكم، وعلى عكْسِه: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب: ٢٦]، وتقليبُ الشيء: تَغْييرُه مِن حالٍ إلى حالٍ نَحْو: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [الأحزاب: ٦٦]، وتقليبُ الأمور: تدبُّرها والنظرُ فيها، قال الله تعالى: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ [التوبة: ٤٨]، وتقليبُ الله القلوبَ والبصائرَ: صَرْفُها مِن رأيٍ إلى رأي، وتقليبُ اليدِ: عبارةٌ عن النّدمِ ذكرًا لحالِ ما يُوجَدُ عليه النادمُ، قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ [الكهف: ٤٢] أي: يُصفِّقُ ندامةً، والقَليبُ: البئرُ التي لم تُطْوَ، والقُلْبُ: المقلوبُ من الإسورة.

стр. 6679

على الإنسان من جسده. ويجوز أن يكون الوجه عبارة عن الجملة، وناصب الظرف: (يَقُولُونَ)، أو محذوف؛ وهو: «اذكر»، وإذا نصب بالمحذوف كان (يَقُولُونَ) حالًا. [(وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً)] ٦٧ - ٦٨ [ وقرئ: (سادتنا)، و (ساداتنا)، وهم رؤساء الكفر الذين لقنوهم الكفر وزينوه لهم. يقال: ضلّ السبيل وأضله إياه، وزيادة الألف؛ لإطلاق الصوت؛ جعلت فواصل الآي كقوافى الشعر، وفائدتها: الوقف والدلالة على أن الكلام قد انقطع، وأن ما بعده مستأنف. وقرئ: (كثيرا)؛ تكثيرًا لإعداد اللعائن، و (كبيرا)؛ ليدل على أشد اللعن وأعظمه. (ضِعْفَيْنِ) ضعفًا لضلاله، وضعفًا لإضلاله. يعترفون، ويستغيثون، ويتمنون، ولا ينفعهم شيء من ذلك. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ الله مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ الله وَجِيهاً)] ٦٩ [ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وإذا نُصِبَ بالمحذوفِ كان ﴿يَقُولُونَ﴾ حالاً)، قال أبو البقاء: ﴿يَقُولُونَ﴾ حالٌ من الوجوهِ، لأنّ المرادَ أصحابُها، ويَضْعُفُ أن يكونَ من الضميرِ المجرورِ، لأنه مُضافٌ إليه. قولُه: (وقُرئ: ﴿سَادَتَنَا﴾ و ((ساداتِنا)))، ابنُ عامر: بالجمع وبكسر التاء، والباقون: ﴿سَادَتَنَا﴾ بفتح التاء. قولُه: (وقرئ: ((كثيرًا)))، عاصمٌ وحْدَه: ﴿كَبِيرًا﴾ بالباء، والباقون: بالثاءِ المثلثة. قولُه: (يعترفون ويَسْتغيثون ويتَمنَّوْن)، إشارةٌ إلى نَظْمِ الآياتِ، فالتمنِّي قَوْلُهم: ﴿يَالَيْتَنَى﴾، والاستغاثةُ: ﴿رَبَّنَا﴾، والاعتراف: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا﴾.

стр. 6680

(لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى) قيل: نزلت في شأن زيٍد وزينب، وما سمع فيه من قالة بعض الناس. وقيل في أذى موسى ﵇: هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذفه بنفسها. وقيل: اتهامهم إياه بقتل هارون، وكان قد خرج معه إلى الجبل فمات هناك، فحملته الملائكة ومروا به عليهم ميتًا فأبصروه حتى عرفوا أنه غير مقتول. وقيل: أحياه الله فأخبرهم ببراءة موسى ﵇. وقيل: قرفوه بعيٍب في جسده من برص أو أدرة، فأطلعهم الله على أنه بريء منه. (وَجِيهاً): ذا جاٍه ومنزلةٍ عنده؛ فلذلك كان يميط عنه التهم، ويدفع الأذى، ويحافظ عليه؛ لئلا يلحقه وصم ولا يوصف بنقيصة، كما يفعل الملك بمن به عنده قربة ووجاهة. وقرأ ابن مسعود والأعمش وأبو حيوة: (وكان عبد الله وجيها). قال ابن خالويه: صليت خلف ابن شنبوذ في شهر رمضان، فسمعته يقرؤها. وقراءة العامة أوجه؛ لأنها مفصحة عن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وقيل: في أذن موسى ﵇، الحديثُ رَواهُ البُخاريُّ ومسلمٌ والتِّرمذيُّ عن أبي هُريرَة عن رسولِ الله ﷺ ، وهو مشهورٌ وقد أورَدْناه فيما سبق. قولُه: (قَرفوهُ بعَيْبٍ): اتهَّموه، الأُدْرَةُ؛ بالضم: نَفْخَةٌ بالخُصْية. قولُه: (صَلَّيْتُ خَلْفَ ابنِ شَنَبوذ في شهرِ رَمضانَ فسَمِعتُه يقرؤُها)، أي: ((عبدًا لله)) بالباء. قال صاحبُ ((الروضة)): وتُجْزِئُ بالقراءاتِ السبعةِ، وتَصِحُّ بالقراءةِ الشاذّةِ إن لم يكُنْ فيها تغييرُ معنى ولا زيادةُ حَرْفٍ ولا نُقصان، وهاهُنا بين المعنَيينْ بَوْنٌ كما ذكَره المصنِّفُ، ونَحْوُه عن ابن جِنّي.

стр. 6681

وجاهته عند الله؛ كقوله تعالى: (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ)] التكوير: ٢٠ [، وهذه ليست كذلك. فإن قلت: قوله: (مِمَّا قالُوا) معناه: من قولهم، أو: من مقولهم؛ لأنّ «ما» إما مصدرية أو موصولة، وأيهما كان؛ فكيف تصح البراءة منه؟ قلت: المراد بالقول أو المقول: مؤداه ومضمونه؛ وهو الأمر المعيب، ألا ترى أنهم سموا السبة بالقالة، والقالة بمعنى القول؟ [(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (٧١) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً (٧٢) لِيُعَذِّبَ الله الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ الله غَفُوراً رَحِيماً)] ٧٠ - ٧٣ [ (قَوْلًا سَدِيداً): قاصدا إلى الحق. والسداد: القصد إلى الحق، والقول بالعدل. يقال: سدّد السهم نحو الرميّة: إذا لم يعدل به عن سمتها، كما قالوا: سهم قاصد، والمراد: نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب من غير قصٍد وعدٍل في القول، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (فكيفَ تَصِحُّ البراءةُ منه)، يعني: لا يقال: بَراءةٌ من القولِ، بل من العَيْب والدِّين. قولُه: (سَمّوا السُّبَّةَ بالقالة)، النهاية: في الحديثِ ((فشَت القالةُ بين الناس))، أي: كَثْرَةُ القولِ وإيقاعُ الخُصومةِ بين الناسِ بما يُحكى للبعضِ عن البعض. قولُه: (والمرادُ: نَهْيُهم)، قيل: أي: بـ ﴿لَا تَكُونُوا﴾، ((والبعثُ)) أي: بقَوْله: ((قولوا)). وقلت: وليس بذاك، لأنه عنى بالنَّهْي خوْضَهم في حديثِ زينَب من غيرِ قَصْدٍ وعَدْلٍ في القول، والمنهيُّ في الآية السابقةِ كوْنُهم في أذى رسولِ الله ﷺ مِثْلَ كَوْنِ قومِ موسى ﵇ في أذاهُ، بل عَطْفُ قوْلِه: و ((البَعْثُ)) على ((نَهْيْهِم)) مبنيٌّ على أن الأمرَ بالشيءِ نَهْيٌ عن ضِدّه، ولو أريدَ بهذا العطفِ ذلك المعنى لجاءَ قولُه: ((وهذه الآيةُ مُقرِّرةٌ للتي قَبلَها))

стр. 6682

والبعث على أن يسد قولهم في كل باب؛ لأنّ حفظ اللسان وسداد القول رأس الخير كله. والمعنى: راقبوا الله في حفظ ألسنتكم، وتسديد قولكم؛ فإنكم إن فعلتم ذلك أعطاكم الله ما هو غاية الطلبة؛ من: تقبل حسناتكم والإثابة عليها، ومن مغفرة سيئاتكم وتكفيرها. وقيل: إصلاح الأعمال: التوفيق في المجيء بها صالحة مرضية. وهذه الآية مقرّرة للتي قبلها، بنيت تلك على النهى عما يؤذى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهذه على الأمر باتقاء الله تعالى في حفظ اللسان؛ ليترادف عليهم النهى والأمر، مع اتباع النهى ما يتضمن الوعيد من قصة موسى ﵇، وإتباع الأمر الوعد البليغ؛ فيقوى الصارف عن الأذى والداعي إلى تركه. لما قال: (وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ) وعلق بالطاعة الفوز العظيم؛ أتبعه قوله: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ) وهو يريد بالأمانة الطاعة؛ فعظم أمرها وفخم شأنها، وفيه وجهان: أحدهما: أنّ هذه الأجرام العظام من السماوات والأرض والجبال قد انقادت لأمر الله عز وعلا انقياد مثلها، وهو ما يتأتى من الجمادات، وأطاعت له الطاعة التي تصح منها وتليق بها؛ حيث لم تمتنع على مشيئته وإرادته إيجادًا وتكوينًا وتسويةً على هيئاٍت مختلفةٍ وأشكاٍل متنوعة، كما قال: (قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ)] فصلت: ١١ [، وأما الإنسان فلم تكن حاله فيما يصح منه من الطاعات ويليق به من الانقياد لأوامر الله ونواهيه، وهو حيوان عاقل صالح للتكليف مثل حال تلك الجمادات فيما يصح منها ويليق بها من الانقياد وعدم الامتناع. والمراد بالأمانة: الطاعة؛ لأنها لازمة الوجود، كما أن الأمانة لازمة الأداء. وعرضها على الجمادات وإباؤها وإشفاقها: مجاز. وأما حمل الأمانة: فمن قولك: فلان حامل للأمانة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إلى آخرهِ مُكَرّرًا مُسْتَدْرَكًا مع إتباعِ النهيِ ما يتضمَّنُ الوعيدَ من قصةِ موسى ﵇، وإتباعِ الأمرِ الوعْدَ. والأولُ على سبيلِ التشبيهِ ليُتصوَّرَ التهديدُ من قولِه: ﴿وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ مِن أنّ الملِكَ لابُدَّ مِن أن ينتَقِم ممَّن يُريدُ نقيصةَ مَنْ له عندَه قُربةٌ ووَجاهةٌ فيُجْتَنبُ عن مِثْلِه، والثاني على سبيل الاشتقاقِ والتعليلِ فيقوى داعيةُ المأمورِ في الامتثالِ بالمأمورِ به، هذا أحسَنُ من قَوله: ((فيقَوى الصارفُ عن الأذى والداعي إلى تركِه))، والله أعلم.

стр. 6683

ومحتمل لها؛ تريد أنه لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمّته ويخرج عن عهدتها؛ لأن الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها وهو حاملها، ألا تراهم يقولون: ركبته الديون، ولى عليه حق، فإذا أداها لم تبق راكبةً له ولا هو حاملًا لها. ونحوه قولهم: لا يملك مولى لمولى نصرًا. يريدون: أنه يبذل النصرة له ويسامحه بها، ولا يمسكها كما يمسكها الخاذل، منه قول القائل: أخوك الّذى لا تملك الحسّ نفسه … وترفضّ عند المحفظات الكتائف أى: لا يمسك الرقة والعطف إمساك المالك الضنين ما في يده؛ بل يبذل ذلك ويسمح به. ومنه قولهم ابغض حق أخيك؛ لأنه إذا أحبه لم يخرجه إلى أخيه ولم يؤده، وإذا أبغضه أخرجه وأدّاه، فمعنى (فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان): فأبين إلا أن يؤدينها، وأبى الإنسان إلا أن يكون محتملًا لها لا يؤديها. ثم وصفه بالظلم؛ لكونه تاركا لأداء الأمانة، وبالجهل؛ لإخطائه ما يسعده مع تمكنه منه؛ وهو أداؤها. والثاني: أن ما كلفه الإنسان ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (قولُ القائل- وهو القُطاميُّ-: أخوكَ) البيت، الحِسُّ: مصدَرُ قَوْلِك: حَسَّ له، أي: رَفَق له. والارفضاضُ: تَرْشيحُ الدمعِ، وكلُّ مُتَفرِّقٍ ذاهبٍ: مُرفَضّ. الكتيفة: الحِقْد، والمُحْفِظات: المُغْضِبات. يقول: أخوكَ هو الذي إنْ أصابَك مِن أحدٍ ما يَسؤوك يغضَبُ لك ويَرِقُّ لأجْلِك ويذهَبُ حِقْدُه، ولا يُمْسِكُ الرِّقَة والعَطْفَ، بل يَبْذلُ ذلك ويَسْمح به. قولُه: (والثاني: أنّ ما كُلِّفه الإنسان)، اعلَمْ أنّ الفرْقَ بين الوجهَيْن هو: أنّ التمثيلَ على الأولِ واقعٌ في هذه الأجرام العِظام؛ شُبِّهَتْ حالةُ انقيادِها وأنَّها لا تَمْتنعُ عن مشيئةِ الله وإرادتِه إيجادًا وتكوينًا وتسويةً بهيئاتٍ مُختلفةٍ بحالِ مأمورٍ مُطيعٍ منقادٍ لا يتوقَّفُ عن الامتثالِ إذا توجَّه إليه أمرُ آمرِه المطاعِ كالأنبياءِ وأفرادِ المؤمنين كقولِه: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا

стр. 6684

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فُصّلت: ١١]، وهذا معنى قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، فعلى هذا التأويلِ: معنى ﴿فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا﴾ أنّها بَعْدَ ما انقادَت وأطاعَتْ ثَبتَتْ عليها وأدَّتْ ما التزَمتها من الأمانةِ وخرجَتْ عن عُهدتِها، سوى الإنسانِ، فإنه ما وَفّى بذلك وخاسَ به، ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. وعلى الثاني: بعكسِ الأول؛ فإنه شَبَّه حالةَ الإنسانِ وهي ما كُلِّفَه من الطاعةِ بحالةٍ مفروضةٍ لو عُرِضَتْ على السماواتِ والأرضِ والجبالِ لأبَتْ حَمْلَها وأشفَقتْ مِنها لعِظَمه وثِقَل مَحْمَلِه، وحَمَله الإنسانُ على ضَعْفه وَرِخاوةِ قُوَّته، إنه ظَلومٌ على نفسِه جاهلٌ بأحوالِها حيثُ قَبِلَ ما لم يُطْقْ عليه هذه الأجرامُ العِظام. وعلى هذا: قولُه: ﴿وَحَمَلَهَا﴾ مُجرًى على حقيقتِه. والمرادُ بالأمانةِ: التكليفُ ومرجِعُه الطاعة، لأنّ المُكلِّفَ ما يريدُ مِنْ تَكليفِه على المُكلَّفِ إلا إظهارَ طاعتِه، فلذلك صَرَّحَ في الأولِ بقوله: ((والمرادُ بالأمانةِ الطاعةُ لأنّها لازمةُ الوجودِ)) بَعْدَ ما فَرَّعَ الوجهَيْن عليها حيثُ قال: ((وهو يريدُ بالأمانةِ الطاعَة))، وفيه وَجْهان، والوجْهُ الأول مِن قولِ الزجاج قال: وحَقيقةُ هذه الآية: أعلَمَنا الله تعالى أنه ائتمنَ بني آدمَ على ما افترضه عليهم من طاعته، وائتمنَ السماواتِ والأرضَ والجبالَ على طاعتِه والخضوعِ له، فأمّا السمواتُ والأرضُ والجبالُ فإنَّهُنَّ أطَعْنَ الله بقوله: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] ولم تحتمل الأمانة، أي: أدَّتْها، وكلُّ مَنْ خانَ الأمانةَ فقد احتمَلَها، وكذلك كلُّ مَنْ أثِمَ فقد احتمَلَ الإثْم، وأداؤها طاعةُ الله فيما أمرَ به. قال الحسن: الكافرُ والمُنافق حملا الأمانَة، أي: خانا ولم يُطيعا. قال الزجاج: ومَنْ أطاعَ من الأنبياءِ والصدِّيقين والمؤمنينَ فلا يُقال: كان ظلومًا، وتصديقُ ذلك ما يتلوهُ من قوله: ﴿لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ﴾ الآية.

стр. 6685

بلغ من عظمه وثقل محمله: أنه عرض على أعظم ما خلق الله من الأجرام وأقواه وأشدّه أن يتحمله ويستقل به، فأبى حمله والاستقلال به وأشفق منه، وحمله الإنسان على ضعفه ورخاوة قوّته. (إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا) حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها، وضمنها ثم خاس بضمانه فيها، ونحو هذا من الكلام كثير في لسان العرب، وما جاء القرآن إلا على طرقهم وأساليبهم؛ من ذلك قولهم: لو قيل للشحم: أين تذهب؟ لقال: أسوى العوج. وكم وكم لهم من أمثاٍل على ألسنة البهائم والجمادات! وتصوّر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ روى صاحبُ ((المُطْلع)) عن الأزهريِّ قال: ما علِمْتُ أحدًا فَسَّر هذه الآيةَ ما فَسّرَهُ أبو إسحاقَ الزجّاج ﵀. هذا والذي عليه الاعتماد: أنَّ الله قادِرٌ بقُدْرتِه على أن يخلِقَ في كُلِّ ذَرّةٍ من ذَرّاتِ الكائناتِ العلمَ والحياة والنُّطقَ للتخاطُب. روى مُحيي السنّة ﵀: عرضَ اللهُ الأمانةَ على أعيانِ السماواتِ والأرضِ والجبال. وعليه جماعةٌ من التابعين وأكثرُ السّلف فقال لهن: أتَحْمِلْنَ هذه الأمانةَ بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قال: إن أحسَنْتُنَّ جوزيتنَّ وإن عَصَيْتُنَّ عُوقِبتُنَّ، قُلْنَ: لا يا ربُّ لا نُريدُ ثوابًا ولا عِقابًا خشيةً وتعظيمًا لدينِ الله، وكان العرْضُ تخييرًا لا إلزامًا، ولو ألزمَهُنَّ لم يمتَنِعْنَ من حَمْلِها، والجماداتُ كلّها خاضعةٌ لله ساجدةٌ له، لقوله تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: ١٨] الآية. قال: بعضُهم: ركَّبَ الله فيهن العَقْلَ والفهْمَ حين عرضَ الأمانةَ عليهِنَّ حتى عقَلْنَ الخِطابَ وأجَبْنَ بما أجَبْنَ. تمَّ كلامُه، والله أعلم. قولُه: (ثم خاسَ بضمانه)، الأساس: خاسَ بعَهْدِه وبوَعْده: إذا نكَثَ وأخْلَفَ، وخاسَ بما كان عليه. قال ابنُ الدُّمَيْنَة: فيا ربِّ إنْ خاسَتْ بما كانَ بيننا … من الودِّ فابعَثْ لي بما فعلَتْ صبرا

стр. 6686

مقاولة الشحم محال، ولكن الغرض أنّ السمن في الحيوان مما يحسن قبيحه، كما أن العجف مما يقبح حسنه، فصوّر أثر السمن فيه تصويرًا هو أوقع في نفس السامع؛ وهي به آنس، وله أقبل، وعلى حقيقته أوقف. وكذلك تصوير عظم الأمانة وصعوبة أمرها وثقل محملها والوفاء بها. فإن قلت: قد علم وجه التمثيل في قولهم للذي لا يثبت على رأى واحد: أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى؛ لأنه مثلت حاله في تميله وترجحه بين الرأيين، وتركه المضي على أحدهما بحال من يتردد في ذهابه فلا يجمع رجليه للمضى في وجهه، وكل واحٍد من الممثل والممثل به شيء مستقيم داخل تحت الصحة والمعرفة، وليس كذلك ما في هذه الآية؛ فإن عرض الأمانة على الجماد وإباءه وإشفاقه محال في نفسه، غير مستقيم، فكيف صح بناء التمثيل على المحال؟ وما مثال هذا إلا أن تشبه شيئًا والمشبه به غير معقول. قلت: الممثل به في الآية، وفي قولهم: لو قيل للشحم: أين تذهب؟ وفي نظائره: مفروض، والمفروضات تتخيل في الذهن كما المحققات؛ مثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحاله المفروضة لو عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها. واللام في (لِيُعَذِّبَ) لام التعليل على طريق المجاز؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وترجُّحه بين الرأيَيْن)، الأساس: ترجَّحَ في القول: تَرجَّحَ في القول: تَميَّلَ فيه، وترجَّحَتِ الأرجوحةُ، ورجَحَ أحدُ قولَيْه على الآخر. قولُه: (واللامُ في ﴿لِّيُعَذِّبَ﴾ لامُ التعليل على طريق المجاز)، يعني: عَلَّل بقَوْلِه: ﴿لِّيُعَذِّبَ﴾ قَولَه: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾ من حَيثُ إنه نتيجةُ الخيانةِ وإليه مآلُ الحَمْل، كقَولِه تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، ولما كانَ كَرامةُ العدوِّ غَيْظَ العدوِّ وموجبَ شَماتتهِ وكانت التوبةُ على المؤمنين إرغامًا للكافرين، عَطَفَ ﴿وَيَتُوبَ﴾ على ﴿لِّيُعَذِّبَ﴾ ليجمَعَ لهم بينَ العذابَيْن، وإليه الإشارةُ بقوله: ((إذا تِيبَ على الوافي كان نوعًا من عذاب الغادر)).

стр. 6687

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا التكلُّفُ إنّما لزِمَه لأنه فسّرَ الإنسانَ بالكافر، وجعَل التعليلَ للحَمْلِ بدليلِ قوله: ((ليُعذِّب الله حاملَ الأمانة، ويتوبَ على غيرِه مِمّن لم يحمِلها)) حيثُ أوقعَ حاملَ الأمانةِ موقعَ ((على المؤمنين))، ولو حُمِلَ التعليلُ على عَرْضِ الأمانة- كما روى مُحيي السنَّةِ عن ابنِ قُتيبة: عرَضْنا الأمانةَ ليَظْهرَ نِفاقُ المُنافقِ وشِرْكُ المُشْرك فيُعذِّبَهم الله، ويظهَرَ إيمانُ المؤمنِ فيتوبَ الله عليه، أي: يعودُ عليه بالرحمةِ والمغفرةِ إنْ حصلَ منهم تقصيرٌ في بعضِ الطاعات -وحِمُلَ الإنسانُ على الجِنْس كما نَقْلنا عن الزجاج: أنّ الله ائتمنَ آدمَ وأولادَه على ما افترضَه عليهم من طاعتِه إلى آخره، كانَ له مَنْدوحةٌ عن ذلك، وجَرتْ الكلماتُ الأربعُ أعني: اللامَ والحَمْلَ والإنسانَ والتوبةَ على ظواهِرِها. ولعلّه احترزَ أن يُعلِّلَ بإرادةِ العذاب. أو نقولُ -وبالله التوفيق-: إنّ الله تعالى خلَقَ الخلْقَ ليكونَ مَظاهِرَ أسمائِه الحُسْنى وصفاتهِ العُليا؛ فحاملُ معنى الكبرياءِ والعَظَمةِ: السماواتُ والأرضُ والجبالُ من حيثُ كوْنُها عاجزةً عن حَمْلِ سائرِ الأماناتِ لعدمِ استعدادِها وقَبولِها، ولذلك أبَيْنَ أن يحمِلْنَها وأشفَقْنَ مِنها ولعظَمِها عن أقدارِها، وحملَها الإنسانُ لقُوَّةِ استعداده واقتدارِه لكونِه ظلومًا جَهولاً، فاختُصَّ لذلك من بينِ سائرِ المخلوقاتِ بقَبولِ تَجلِّي القهّارية والتّوابيةِ والمغفرة، وشاركَها بقَبولِ تَجلِّي الرحمة، وله النصيبُ الأوفرُ منها لقوةِ استعدادِه واقتداره. قال السجاوَنْدي: إن الله في الأنبياءِ والأصفياءِ ترائكَ وبدائعَ من خصائصِ الإنسانيةِ تحصُل بالسَّهْو وتذهبُ بالعِبَر. ذكَره في ((سورة الرعد)). وينصُره ما رَويْنا في ((مسندِ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبل)) عن أبي هريرة: قُلنا: يا رسولَ الله، إنا إذا رأيْناكَ قلوبُنا وكنّا من أهلِ الآخرة، وإذا فارقْناك أعجَبَتْنا الدنيا وشَمِمْنا النساءَ والأولادَ قال: ((لو أنّكم تكونونَ على حالٍ على الحالِ التي أنتم عليها عندي لصافحتكُم الملائكةُ بأكفِّهم ولزارتكم في بيوتِكم،

стр. 6688

لأنّ التعذيب نتيجة حمل الأمانة، كما أن التأديب في: "ضربته للتأديب" نتيجة الضرب. وقرأ الأعمش: (ويتوب)؛ ليجعل العلة قاصرة على فعل الحامل، ويبتدئ: (ويتوب الله). ومعنى قراءة العامة: ليعذب الله حامل الأمانة ويتوب على غيره ممن لم يحملها؛ لأنه إذا تيب على الوافي كان ذلك نوعًا من عذاب الغادر. والله أعلم. قال رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة الأحزاب وعلمها أهله وما ملكت يمينه، أعطى الأمان من عذاب القبر". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولو لم تُذْنِبوا لجاءَ الله بقومٍ يُذْنبون كي يغفِرَ لهم)). ورُويَ الفصلُ الأخير عن أبي أيوب الأنصاري. وقال الإمام: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ أي: كان مِن شأنِه الظلمُ والجهْلُ، فلما أودعَ الله الأمانةَ فيهم تركَ بعضُهم الظُّلمَ والجهلَ وفاءً بما التزمَه، وبقيَ لعضُهم على ما كان فيهِ فخاس فيه. والله تعالى أعلم.

стр. 6689

سورة سبأ مكية أربع وخمسون آيةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ)] ١ - ٢ [ ما في السماوات والأرض كله نعمة من الله، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة سبأ مكية، وهي أربع وخمسون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (ما في السماواتِ والأرضِ كلُّه نِعمةٌ من الله تعالى)، وذلك لأنه مَسارحُ أنظارِ المُتفكِّرين، ومهابطُ أنوارِ ربِّ العالمين، ومنها مَقاماتُ عروجِ العارِفين، فحُقَّ لذلك أن يُحمَدَ ويُثنى عليه. وحينَ ذكَرَ الله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وصَفَ ذاتَه بأنه مالك هذه النِّعمةِ الجسيمة وأنها مِنه، عَلمْنا أنه المحمودُ على نِعَم الدنيا، ولمّا قرَنَ به ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾

стр. 6690

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهو مَطلق لم يُعْلَمْ أنّ الحمْدَ لأيِّ شيءٍ هو لِما فيه من نعوتِ الكَمال أو لِما أنّ منه النعمةَ والإفضالَ، فقَيَّد بالنعمةِ لدلالةِ القرينةِ الأولى عليها، وآل المعنى إلى أنه المحمودُ على النعمةِ الدنيوية والمحمودُ على النعمةِ الأخروية. قال القاضي: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ خَلْقًا ونِعمةً، فله الحمْدُ في الدنيا لكمالِ قُدرتِه وعلى تمامِ نِعْمته، ولو الحمْدُ في الآخرةِ لأنَّ ما في الآخرةِ أيضًا كذلك، وليس هذا من عَطْفِ المُقيَّدِ على المُطلقِ، فإنّ الوصفَ بما يدلُّ على أنه المُنعِم بالنِّعمِ الدُّنيويةِ قَيَّد الحمْدَ بها، وتقديمُ الصلةِ للاختصاص، فإنّ النَّعمَ الدُّنيويَة قد تكونُ بوَساطةِ مَنْ يستحقُّ الحمْدَ لأجلِها ولا كذلك نِعَمُ الآخرة. وقلت: لعلّه أرادَ بالمُقيَّدِ الحَمدَ الثاني لأنه مُقَيَّدٌ بقَوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾، والأولُ مُطلقٌ حيثُ لم يُذكَرْ معه ((في الدنيا))، لكنَّ المصنِّفَ قَيَّدهُ بحَسبِ المُقابلة والعَطْفِ على نحوِ قول الشاعر: عَجِبْتُ لهم إذ يَقْتلونَ نفوسَهم … ومقتلُهم عند الوغى كان أعذَرا أي: يقْتلونَ نفوسُهم في السِّلْمِ بقرينةِ الوغى، بل قَيَّده بأنّه في الدنيا لأنَّ قولَه: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يدلُّ على ذلك لقولِه: ((ثُمَّ وصفَ ذاتَه بالإنعامِ بجميعِ النِّعَمِ الدُّنيوية))، وهذا عَيْنُ ما ذكَره القاضي، ولعله عَرَّضَ بغيرِ المُصنِّفِ. ويُمكنُ أن يُقال: إن كُلاًّ من الحَمْدَيْن مُقَيَّدٌ ومُطلقٌ بحَسبِ التقابُلِ، فالأولُ مُقيَّدٌ ومُطلقٌ بحَسبِ التقابُلِ، فالأولُ مُقيَّدٌ بما يُنبُئ عن التعليلِ وتَرتُّبِ الحُكمِ على الوصفِ. والثاني مُطْلقٌ منه، والثاني مُقَيَّدٌ بكَوْنهِ ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾، والأولُ مُطلَقٌ منه. وأما إطلاقُ الأولِ فلقِلَّةِ مبالاةٍ بالدنيا وتحقيرِ شأنِها، وإطلاقُ الثاني للإيذانِ بفَخامةِ شأنِه وأنّه مما لا يدخُلُ تحْتَ الوصفِ من الإفضالِ والإكرامِ وغيرِ ذلك.
следующие страницы →