← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

مقاولة الشحم محال، ولكن الغرض أنّ السمن في الحيوان مما يحسن قبيحه، كما أن العجف مما يقبح حسنه، فصوّر أثر السمن فيه تصويرًا هو أوقع في نفس السامع؛ وهي به آنس، وله أقبل، وعلى حقيقته أوقف. وكذلك تصوير عظم الأمانة وصعوبة أمرها وثقل محملها والوفاء بها. فإن قلت: قد علم وجه التمثيل في قولهم للذي لا يثبت على رأى واحد: أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى؛ لأنه مثلت حاله في تميله وترجحه بين الرأيين، وتركه المضي على أحدهما بحال من يتردد في ذهابه فلا يجمع رجليه للمضى في وجهه، وكل واحٍد من الممثل والممثل به شيء مستقيم داخل تحت الصحة والمعرفة، وليس كذلك ما في هذه الآية؛ فإن عرض الأمانة على الجماد وإباءه وإشفاقه محال في نفسه، غير مستقيم، فكيف صح بناء التمثيل على المحال؟ وما مثال هذا إلا أن تشبه شيئًا والمشبه به غير معقول. قلت: الممثل به في الآية، وفي قولهم: لو قيل للشحم: أين تذهب؟ وفي نظائره: مفروض، والمفروضات تتخيل في الذهن كما المحققات؛ مثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحاله المفروضة لو عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها. واللام في (لِيُعَذِّبَ) لام التعليل على طريق المجاز؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وترجُّحه بين الرأيَيْن)، الأساس: ترجَّحَ في القول: تَرجَّحَ في القول: تَميَّلَ فيه، وترجَّحَتِ الأرجوحةُ، ورجَحَ أحدُ قولَيْه على الآخر. قولُه: (واللامُ في ﴿لِّيُعَذِّبَ﴾ لامُ التعليل على طريق المجاز)، يعني: عَلَّل بقَوْلِه: ﴿لِّيُعَذِّبَ﴾ قَولَه: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾ من حَيثُ إنه نتيجةُ الخيانةِ وإليه مآلُ الحَمْل، كقَولِه تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، ولما كانَ كَرامةُ العدوِّ غَيْظَ العدوِّ وموجبَ شَماتتهِ وكانت التوبةُ على المؤمنين إرغامًا للكافرين، عَطَفَ ﴿وَيَتُوبَ﴾ على ﴿لِّيُعَذِّبَ﴾ ليجمَعَ لهم بينَ العذابَيْن، وإليه الإشارةُ بقوله: ((إذا تِيبَ على الوافي كان نوعًا من عذاب الغادر)).

стр. 6687

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا التكلُّفُ إنّما لزِمَه لأنه فسّرَ الإنسانَ بالكافر، وجعَل التعليلَ للحَمْلِ بدليلِ قوله: ((ليُعذِّب الله حاملَ الأمانة، ويتوبَ على غيرِه مِمّن لم يحمِلها)) حيثُ أوقعَ حاملَ الأمانةِ موقعَ ((على المؤمنين))، ولو حُمِلَ التعليلُ على عَرْضِ الأمانة- كما روى مُحيي السنَّةِ عن ابنِ قُتيبة: عرَضْنا الأمانةَ ليَظْهرَ نِفاقُ المُنافقِ وشِرْكُ المُشْرك فيُعذِّبَهم الله، ويظهَرَ إيمانُ المؤمنِ فيتوبَ الله عليه، أي: يعودُ عليه بالرحمةِ والمغفرةِ إنْ حصلَ منهم تقصيرٌ في بعضِ الطاعات -وحِمُلَ الإنسانُ على الجِنْس كما نَقْلنا عن الزجاج: أنّ الله ائتمنَ آدمَ وأولادَه على ما افترضَه عليهم من طاعتِه إلى آخره، كانَ له مَنْدوحةٌ عن ذلك، وجَرتْ الكلماتُ الأربعُ أعني: اللامَ والحَمْلَ والإنسانَ والتوبةَ على ظواهِرِها. ولعلّه احترزَ أن يُعلِّلَ بإرادةِ العذاب. أو نقولُ -وبالله التوفيق-: إنّ الله تعالى خلَقَ الخلْقَ ليكونَ مَظاهِرَ أسمائِه الحُسْنى وصفاتهِ العُليا؛ فحاملُ معنى الكبرياءِ والعَظَمةِ: السماواتُ والأرضُ والجبالُ من حيثُ كوْنُها عاجزةً عن حَمْلِ سائرِ الأماناتِ لعدمِ استعدادِها وقَبولِها، ولذلك أبَيْنَ أن يحمِلْنَها وأشفَقْنَ مِنها ولعظَمِها عن أقدارِها، وحملَها الإنسانُ لقُوَّةِ استعداده واقتدارِه لكونِه ظلومًا جَهولاً، فاختُصَّ لذلك من بينِ سائرِ المخلوقاتِ بقَبولِ تَجلِّي القهّارية والتّوابيةِ والمغفرة، وشاركَها بقَبولِ تَجلِّي الرحمة، وله النصيبُ الأوفرُ منها لقوةِ استعدادِه واقتداره. قال السجاوَنْدي: إن الله في الأنبياءِ والأصفياءِ ترائكَ وبدائعَ من خصائصِ الإنسانيةِ تحصُل بالسَّهْو وتذهبُ بالعِبَر. ذكَره في ((سورة الرعد)). وينصُره ما رَويْنا في ((مسندِ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبل)) عن أبي هريرة: قُلنا: يا رسولَ الله، إنا إذا رأيْناكَ قلوبُنا وكنّا من أهلِ الآخرة، وإذا فارقْناك أعجَبَتْنا الدنيا وشَمِمْنا النساءَ والأولادَ قال: ((لو أنّكم تكونونَ على حالٍ على الحالِ التي أنتم عليها عندي لصافحتكُم الملائكةُ بأكفِّهم ولزارتكم في بيوتِكم،

стр. 6688

لأنّ التعذيب نتيجة حمل الأمانة، كما أن التأديب في: "ضربته للتأديب" نتيجة الضرب. وقرأ الأعمش: (ويتوب)؛ ليجعل العلة قاصرة على فعل الحامل، ويبتدئ: (ويتوب الله). ومعنى قراءة العامة: ليعذب الله حامل الأمانة ويتوب على غيره ممن لم يحملها؛ لأنه إذا تيب على الوافي كان ذلك نوعًا من عذاب الغادر. والله أعلم. قال رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة الأحزاب وعلمها أهله وما ملكت يمينه، أعطى الأمان من عذاب القبر". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولو لم تُذْنِبوا لجاءَ الله بقومٍ يُذْنبون كي يغفِرَ لهم)). ورُويَ الفصلُ الأخير عن أبي أيوب الأنصاري. وقال الإمام: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ أي: كان مِن شأنِه الظلمُ والجهْلُ، فلما أودعَ الله الأمانةَ فيهم تركَ بعضُهم الظُّلمَ والجهلَ وفاءً بما التزمَه، وبقيَ لعضُهم على ما كان فيهِ فخاس فيه. والله تعالى أعلم.

стр. 6689

سورة سبأ مكية أربع وخمسون آيةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ)] ١ - ٢ [ ما في السماوات والأرض كله نعمة من الله، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة سبأ مكية، وهي أربع وخمسون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (ما في السماواتِ والأرضِ كلُّه نِعمةٌ من الله تعالى)، وذلك لأنه مَسارحُ أنظارِ المُتفكِّرين، ومهابطُ أنوارِ ربِّ العالمين، ومنها مَقاماتُ عروجِ العارِفين، فحُقَّ لذلك أن يُحمَدَ ويُثنى عليه. وحينَ ذكَرَ الله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وصَفَ ذاتَه بأنه مالك هذه النِّعمةِ الجسيمة وأنها مِنه، عَلمْنا أنه المحمودُ على نِعَم الدنيا، ولمّا قرَنَ به ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾

стр. 6690

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهو مَطلق لم يُعْلَمْ أنّ الحمْدَ لأيِّ شيءٍ هو لِما فيه من نعوتِ الكَمال أو لِما أنّ منه النعمةَ والإفضالَ، فقَيَّد بالنعمةِ لدلالةِ القرينةِ الأولى عليها، وآل المعنى إلى أنه المحمودُ على النعمةِ الدنيوية والمحمودُ على النعمةِ الأخروية. قال القاضي: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ خَلْقًا ونِعمةً، فله الحمْدُ في الدنيا لكمالِ قُدرتِه وعلى تمامِ نِعْمته، ولو الحمْدُ في الآخرةِ لأنَّ ما في الآخرةِ أيضًا كذلك، وليس هذا من عَطْفِ المُقيَّدِ على المُطلقِ، فإنّ الوصفَ بما يدلُّ على أنه المُنعِم بالنِّعمِ الدُّنيويةِ قَيَّد الحمْدَ بها، وتقديمُ الصلةِ للاختصاص، فإنّ النَّعمَ الدُّنيويَة قد تكونُ بوَساطةِ مَنْ يستحقُّ الحمْدَ لأجلِها ولا كذلك نِعَمُ الآخرة. وقلت: لعلّه أرادَ بالمُقيَّدِ الحَمدَ الثاني لأنه مُقَيَّدٌ بقَوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾، والأولُ مُطلقٌ حيثُ لم يُذكَرْ معه ((في الدنيا))، لكنَّ المصنِّفَ قَيَّدهُ بحَسبِ المُقابلة والعَطْفِ على نحوِ قول الشاعر: عَجِبْتُ لهم إذ يَقْتلونَ نفوسَهم … ومقتلُهم عند الوغى كان أعذَرا أي: يقْتلونَ نفوسُهم في السِّلْمِ بقرينةِ الوغى، بل قَيَّده بأنّه في الدنيا لأنَّ قولَه: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يدلُّ على ذلك لقولِه: ((ثُمَّ وصفَ ذاتَه بالإنعامِ بجميعِ النِّعَمِ الدُّنيوية))، وهذا عَيْنُ ما ذكَره القاضي، ولعله عَرَّضَ بغيرِ المُصنِّفِ. ويُمكنُ أن يُقال: إن كُلاًّ من الحَمْدَيْن مُقَيَّدٌ ومُطلقٌ بحَسبِ التقابُلِ، فالأولُ مُقيَّدٌ ومُطلقٌ بحَسبِ التقابُلِ، فالأولُ مُقيَّدٌ بما يُنبُئ عن التعليلِ وتَرتُّبِ الحُكمِ على الوصفِ. والثاني مُطْلقٌ منه، والثاني مُقَيَّدٌ بكَوْنهِ ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾، والأولُ مُطلَقٌ منه. وأما إطلاقُ الأولِ فلقِلَّةِ مبالاةٍ بالدنيا وتحقيرِ شأنِها، وإطلاقُ الثاني للإيذانِ بفَخامةِ شأنِه وأنّه مما لا يدخُلُ تحْتَ الوصفِ من الإفضالِ والإكرامِ وغيرِ ذلك.

стр. 6691

وهو الحقيق بأن يحمد ويثنى عليه من أجله، ولما قال: "الْحَمْدُ لِلَّهِ" ثم وصف ذاته بالإنعام بجميع النعم الدنيوية، كان معناه: أنه المحمود على نعم الدنيا، كما تقول: أحمد أخاك الذي كساك وحملك، تريد: احمده على كسوته وحملانه. ولما قال: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ) علم أنه المحمود على نعم الآخرة وهو الثواب. فإن قلت: ما الفرق بين الحمدين؟ قلت: أمّا الحمد في الدنيا فواجب؛ لأنه على نعمة متفضٍل بها، وهو الطريق إلى تحصيل نعمة الآخرة وهي الثواب. وأمّا الحمد في الآخرة فليس بواجب؛ لأنه على نعمة واجبة الإيصال إلى مستحقها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بجميع النِّعم الدنيوية)، تأويلٌ لقولِه: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ لأنه عبارةٌ عنِ العالَم، كما قالَ المصنِّفُ في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥]: ((لا يخفى عليه شيءٌ في العالَمِ فعَبَّر عنه بالسماءِ والأرض)). قولُه: (وأما الحمْدُ في الآخرةِ فليسَ بواجبٍ، لأنه على نعمةٍ واجبةِ الإيصالِ إلى مُستَحِقِّها)، محْضُ التَّقليد. ويردُّه ما روَيْناه عن البُخاريِّ ومُسلمٍ عن أبي هُريرةَ وجابرٍ قالا: قال رسولُ الله ﷺ : ((قارِبوا وسَدِّدوا واعلَموا أنّه لن يَنْجُوَ أحَدٌ مِنكم بعَمَلِه)) قالوا: ولا أنْتَ يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا إلاّ أن يتَغمَّدني الله برَحْمتِه))، وفي روايةٍ أخرى لأبي هُريرَة: ((لن يُدْخِلَ أحدًا مِنكم عَمَلُه الجنّة)). الانتصاف: الحقُّ في الفَرْقِ بين الحمدَيْن: أنّ الأوّلَ عبادةٌ تُكَلَّفُ بها، والثاني لا تكليفَ إنّما هو في الآخرةِ كالأمورِ الجِبِلِّيةِ في الدنيا، كما جاءَ: ((يُلِهَمون التسبيحَ كما يُلْهَمون النفس))، وإلا فكلا النّعمتَينْ فَضْل.

стр. 6692

وإنما هو تتمة سرور المؤمنين، وتكملة اغتباطهم: يلتذون به كما يلتذ من به العطاش بالماء البارد. (وَهُوَ الْحَكِيمُ) الذي أحكم أمور الدارين ودبرها بحكمته، (الْخَبِيرُ) بكل كائٍن يكون. ثم ذكر مما يحيط به علمًا (ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ) من الغيث كقوله: (فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ)] الزمر: ٢١ [، ومن الكنوز والدفائن والأموات، وجميع ما هي له كفات، (وَما يَخْرُجُ مِنْها) من الشجر والنبات، وماء العيون، والفلز والدواب، وغير ذلك. (وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ) من الأمطار والثلوج والبرد والصواعق والأرزاق ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقيل: إنّ قولَه: ((لأنه نعمةٌ واجبةُ الإيصال)) ليس على إطلاقِه عندهم أيضًا، لأنّ ما يُعطي الله العبادَ في الآخرةِ ليس مقصورًا على الجزاءِ عنْدَهم بل بَعْضُ ذلك تَفَضُّلٌ وبعضُه أجْر. قوله: (تَتِمّةُ سُرور)، أي: يحمَدونه سُرورًا به لا تعبُّدًا فهو تتميمٌ للسرورِ، لأنّ مَنْ حصَلَ في نعيمٍ بعد مُقاساةِ الشدّةِ والتَّعبِ لا يخلو حالُه مِن تذكُّرِ تلك المقاساةِ، وإذا أخْطَرَهُ ببالِه ورأى ما عليه من الكرامةِ والنعيم يزيدُ سرورُه وابتهاجُه، فقولُهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] إشارةٌ إلى هذا المقام. ثمَّ إذا ذكر أنّ ذلك النعيمَ وتلكَ الكرامةَ دائمةٌ على وجهِ التعظيمِ وليسَ كنعيمِ الدنيا في أنّه في وَشْكِ الزَّوالِ وسُرعةِ الانفصالِ بل جُلُّها بالاستدراجِ يَزيدُ ذلك السرورُ والاغتباط، وقوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] ناظرٌ إلى هذا المطلوب. قولُه: (العُطاشُ بالماءِ البارد)، الجوهري: العُطاشُ: داءٌ يُصيبُ الإنسان يشربُ الماءَ لا يَروي. قوله: (ما هي له كِفات)، الجوهري: كَفَتُّ الشيءَ أكفُتُه كَفْتًا: إذا ضمَمْتَه إلى نفسِك والكُفاتُ: الموضعُ الذي يُكْفَتُ فيه شيءٌ أي: يُضَمُّ.

стр. 6693

والملائكة، وأنواع البركات والمقادير، كما قال تعالى: (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ)] الذاريات: ٢٢ [. (وَما يَعْرُجُ فِيها) من الملائكة وأعمال العباد. (وَهُوَ) مع كثرة نعمه، وسبوغ فضله (الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) للمفرطين في أداء مواجب شكرها. وقرأ على بن أبى طالب رضى الله عنه: (ننزّل)، بالنون والتشديد. [(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَاتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَاتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿وَهُوَ﴾ مَع كَثرةِ نِعَمِه)، يعني قوله ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ تَتْميمٌ لمعنى ما يَسْتلزمُه قولُه: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى آخرهِ من الامتنانِ بمُوجبِ الحمْدِ من فَضائِله المُتكاثرةِ ومن التفريطِ فيما أوجبَ عليهم من الشُّكرِ على تلك النعمةِ الجَسيمة. أي: نَبَّه بهذا الإعلامِ على هَاذَيْن المعنَييْن، ثمَّ عقَّبه بهاذَيْن الوصفَيْن تتميمًا للمقصودِ، يعني: أنّ الله مع ما أولاهُم تلك النعمَ وشَهِدَ منهم ذلك التقصيرَ يزيدُ في تلكَ النِّعَمِ ويَغْفرُ لهم ذلك التفريط. فإن قُلْتَ: أليسَ من الظاهرِ أن يَفْصِلَ الآيةَ الأولى بقوله ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ لمّا اشتملَتْ على إيجابِ الحمْدِ على نِعمةِ الدارَيْن ليرحمَهم ويَغْفِرَ لهم ما أن عسى أن فرّطوا فيه. والآية الثانيةَ بقولهِ ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ لمُناسبةِ العلْمِ الحكمةَ والخِبْرة؟ قلتُ: بَلى ولكن خُولفَ ليتكاثرَ المعنى ويحصُلَ التتميمُ والتكميل، فدَلَّ انضمامُ الأولى بفاصلتِها الدالةِ على نوعٍ من العلمِ على معنى التكميل، وأنّ الله تعالى كما أنّه مُنْعِمٌ في الدارَيْن كذا يُحكِمُ أُمورَهما على وجْهٍ قويٍّ رَصين ويعلمُ ما يصدرُ عن العبادِ من تفاصيلِ الحمدَيْن ليَجْزِيَهُم بها على وجهِ الكمالِ والتمامِ، وانضمامُ الثانيةِ بفاصِلتِها آذَنَ بالتتميمِ الذي أشَرْنا إليه ولو أُجْرِيا على الظاهرِ لفاتَ أكثرُ تلك الفوائد. والله أعلمُ بأسرارِ كلامه.

стр. 6694

كِتابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)] ٣ - ٤ [ قولهم: (لا تَاتِينَا السَّاعَةُ): نفى للبعث وإنكار لمجيء الساعة. أو استبطاء لما قد وعدوه من قيامها على سبيل الهزء والسخرية، كقولهم: (مَتى هذَا الْوَعْدُ)] يونس: ٤٨ [. أوجب ما بعد النفي بـ (بلى) على معنى: أن ليس الأمر إلا إتيانها، ثم أعيد إيجابه مؤكدًا بما هو الغاية في التوكيد والتشديد، وهو التوكيد باليمين بالله ، ثم أمد التوكيد القسمي إمدادا بما أنبع المقسم به من الوصف بما وصف به، إلى قوله: (لِيَجْزِيَ)؛ لأنّ عظمة حال المقسم به تؤذن بقوة حال المقسم عليه، وشدّة ثباته واستقامته؛ لأنه بمنزلة الاستشهاد على الأمر، وكلما كان المستشهد به أعلى كعبًا، وأبين فضلًا، وأرفع منزلةً، كانت الشهادة أقوى وآكد، والمستشهد عليه أثبت وأرسخ. فإن قلت: هل للوصف الذي وصف به المقسم به وجه اختصاص بهذا المعنى؟ قلت: نعم وذلك أن قيام الساعة من مشاهير الغيوب، وأدخلها في الخفية، وأوّلها مسارعةً إلى ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ثم أُعيدَ إيجابُه مؤكَّدًا بما هو الغايةُ في التوكيدِ والتشديدِ وهو التوكيدُ باليمين)، قال صاحب ((الفرائد)): اقتضى المقامُ اليمينَ. لأنّ مَنْ أنكَر ما قيلَ له، فالذي وجبَ أن يُقالَ بعدَ ذلك إذا أُريدَ مُقتَرِنًا باليمين، وإلا كان خَطأً بالنظرِ إلى علم المعاني وإنْ كان صحيحًا بالنظرِ إلى العربيةِ والنحوِ، وما ذكَر مِنْ أنّ عَظمةَ المُقْسَم به تُؤْذِنُ بعَظمةِ الحالِ المُقْسَمِ عليه مُستقيم. فلو وُصِفَ بغَيرِ هذا الوصفِ مما يقتضي العظمةَ كان كذلك، وأما الوصفُ المذكورُ، فلأنَّ إنكارَهم البَعْثَ باعتبارِ أنّ الأجزاءَ المُتفرقةَ المُنْتشرةَ يمتنعُ اجتماعُها كما كانَ يدلّ عليه قولُه تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق: ٤] فالوصْفُ بهذه الأوصافِ رَدٌّ لزَعْمِهم واستحالتِهم؛ وهو أنَّ مَنْ كان عِلْمُه بهذه المَثابَةِ كيفَ يَمْنتعُ ذلك منه؟ تَمَّ كلامُه وقد أحسَنَ وأجادَ ﵀. قولُه: (نَعمْ وذلك أنّ قيامَ الساعةِ مِن مشاهيرِ الغُيوب)، إلى آخره، قال صاحبُ ((الفرائد)): لا شكَّ أنه لزِمَ منه أن يكونَ عالمًا بوَقْتِ قيامِ الساعةِ لأنّ مَنْ لا يَعْزُبُ عن

стр. 6695

القلب إذا قيل: (عالم الغيب)، فحين أقسم باسمه على إثبات قيام الساعة، وأنه كائن لا محالة، ثم وصف بما يرجع إلى علم الغيب، وأنه لا يفوت علمه شيء من الخفيات، واندرج تحته إحاطته بوقت قيام الساعة -فجاء ما تطلبه من وجه الاختصاص مجيئًا واضحًا. فإن قلت: الناس قد أنكروا إتيان الساعة وجحدوه، فهب أنه حلف لهم بأغلظ الأيمان، وأقسم عليهم جهد القسم، فيمين من هو في معتقدهم مفتر على الله كذبًا، كيف تكون مصححة لما أنكروه؟ قلت: هذا لو اقتصر على اليمين ولم يتبعها الحجة القاطعة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عِلْمِه شيءٌ لا يَعزبُ عن عِلْمهِ وقْتُ قيامِ الساعة. وأما الاختصاصُ الذي ذكرَ فلزومُه عن ذلك ممنوع. وقلت: دلّ على الاختصاص قولُهم: ﴿لَا تَاتِينَا السَّاعَةُ﴾ فإنه إنكارٌ لما هو العُمْدَةُ في الإتيانِ بها من العِلمِ بِالكلِّياتِ والجُزئيات والقدرة على المقدوراتِ، فلما أُجيبَ ب ﴿بَلَى﴾ ضُمِّنَ إثباتُ ما نَفوْهما، فخُصَّ بإحدى العُمْدتَيْن لاختصاصِهما بالتهديدِ والوعيدِ للمُكذِّب. وعَمَّ ليدخُلَ فيه ما أُريدَ إثباتُه أوّلَ شيءٍ. والله أعلم. قولُه: (هذا لو اقتصَر على اليمين ولم يُتبِعْها الحجَّةَ القاطعة)، قال صاحبُ ((الفرائد)): كلامُه مُشْعِرٌ بأنّ اليَمينَ لم تكُنْ مُصَحِّحة، فَوجودها وعَدَمُها سَواء في التصحيح، والتصحيحُ إنّما يكونُ بالحُجّةِ القاطعةِ بَعْدَها، فلزِمَ أن لا فائدةَ في اليمينِ هاهنا، وهذا ممّا لا سبيلَ إليه، وقد مرَّ إعادةَ ما قبلَ الإنكارِ لابُدّ مِنْ أن يكونَ مقترنًا بالقَسَمِ وإلاّ كانَ خطأٌ بحسب علْمِ المعاني، فلما أوجبت الحكمةُ الإعادةَ وجبَ اقترانُها بالقَسَمِ سواءٌ كان القَسَمُ مُصَحِّحًا لِما أنكروهُ أو غَيْرَ مُصَحِّح. وقلتُ: والعجَبُ مِنْ هاذَيْن الفاضْلَيْن كيف ذَهَلا عن جَدْوي هذه اليمينِ وجَليلِ عائِدتها في هذا المقام! فإنَّهم جَرَّبوه ﷺ ولم يُشاهدوا منه إلا الحقَّ ولم يَسْمعوا منه غَيرَ الصِّدْق، ولهذا سَمَّوْه بالأمين، وما كانَ تكذيبُهم إلاّ عن عِنادٍ ومُكابَرة وحَسَد. يدلُّ عليه

стр. 6696

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ما أورَد في ((الأنعام)) عند قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] عن أبي جَهْل: والله إنّ محمدًا لصادق وما كذَب قَطّ ولكن إذا ذهبَ بنو قُصَيٍّ باللواءِ، إلى آخره، وفي ((حم)) عند قوله: ﴿أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] عن عُتبةَ بنِ رَبيعة: وقد عَلِمْتُم أنّ محمّدًا إذا قالَ شيئًا لم يكذِبْ قط، إلى غير ذلك، فأتى أوّلاً بالنصِّ القاطعِ المؤيَّدِ بالقَسَمِ المُقترنِ بالوصفِ المُناسبِ، وعَقَّبه بالبُرهانِ الساطعِ ليكونَ تقريرًا بعْدَ تقرير. وإنك أمعَنْتَ النظرَ وجَدْتَ جُلَّ الإقسامِ التنزيلي غيْرَ مُقْترنٍ بشَيءٍ من الحجَّةِ فكانَ ذِكْرُ الحُجَّةِ هاهنا كالتتميمِ للنصِّ والمتفرعِ عليه لا الأصل، وإنما اقتضى هذا التوكيدَ- وهو إتيانُ ﴿بَلَى﴾ وإعادةُ قَوْلِه ﴿لَتَاتِيَنَّكُمْ﴾ ثم الإقسامُ عليه، ثم إتباعُه بالوَصْفِ المُناسبِ ثم انضمامِ البُرهان مع ذلك- أنه تعالى هذه السورةَ الكريمةَ بذِكْرِ الحَمْدَيْنِ الجامْعَيْن لأمرِ الدارَيْن، فأوجبَ التكليفَ لعِلّةِ كَوْنِه مالكًا لِما في السماواتِ وما في الأرض، ورَتَّبَ عليه الحمْدَ في الآخرةِ على نِعْمةِ الثواب، فآذَنَ بأنَّ القَصْدَ في خَلْقِ السماواتِ والأرضِ ليس إلا المعرفةُ والعبادة، ثم جَزاءُ المحسن العارف العابد وعقابُ المُسيء المعاندِ كقولهِ تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، ولهذا استُبْعدَ استبعادَ مَنْ يكفُرُ بذلك حيث عطف ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَاتِينَا السَّاعَةُ﴾ على ما قَبْلَه، كقولِه تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، فاقتضى المقامُ لذلك أن يُؤكّدَ الكلامُ بكُلِّ ما أمكَنَ من المُؤكِّدات، فجيءَ أولاً ب ﴿بَلَى﴾ تقريرًا، ثمَّ أعيدَ ما أنكروه تمهيدًا ثم أقسمَ عليه باسْمهِ ووُصِفَ بما يُناسبُ الجوابَ تنصيصا، ثم ختَم كلَّ ذلك بالبُرهانِ تتميمًا وإيذانًا بقُصورِ فَهْمِهم عن إدراكِ النصِّ القاطع، وينصُرُه قولُ الإمام: وعندي أن الدليلَ المذكورَ في قولِه: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ أظهرَ، وذلك

стр. 6697

البينة الساطعة، وهي قوله: (لِيَجْزِيَ)، فقد وضع الله في العقول، وركب في الغرائز وجوب الجزاء، وأن المحسن لا بدّ له من ثواب، والمسيء لا بد له من عقاب. وقوله: (لِيَجْزِيَ) متصل بقوله: (لَتَاتِيَنَّكُمْ تعليلًا له. قرئ: (لتأتينكم) بالتاء والياء. ووجه من قرأ بالياء: أن يكون ضميره للساعة بمعنى اليوم. أو يسند إلى (عالم الغيب)، أى: ليأتينكم أمره، كما قال تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَاتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَاتِيَ رَبُّكَ)] الأنعام: ١٥٨ [وقال: (أوْ يَاتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ)] النحل: ٣٣ [. وقرئ: (عالم الغيب)، و (علام الغيب): بالجر، صفة لـ"ربي". و (عالم الغيب)، و (عالم الغيوب): ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أنّه إذا كان عالمًا بجميع الأشياء يعلم أجزاء الأجسامِ ويقدرُ على جمعها فالساعة ممكنة القيام، والصادق قد أخبر عنه فتكون واقعة، والله أعلم. قولُه: (﴿لَتَاتِيَنَّكُمْ﴾ بالتاءِ والياء)، بالتاءِ الفوقانية: العامة، وبالياء: شاذّة. قال ابن جنّي: روى هارونُ عن طُلَيْق قال: سمعتُ أشياخَنا يقرؤون: ((ليأتينكم)) بالياء. وجازَ التذكيرُ بعد قوله: ﴿لَا تَاتِينَا السَّاعَةُ﴾ لأنّ المخوفَ منها إنما هو عقابُها والمأمولُ ثوابُها، فغُلِّبَ التذكيرُ الذي هو مَرْجُوٌّ ومَخوفٌ فذَكَّر، فإذا جازَ تأنيثُ المُذكَّرِ بالتأويلِ كانَ تذكيرُ المؤنَّثِ لغَلَبةِ التذكيرِ أحرى. قال تعالى: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠] لأن بعضَها سَيَّارة أيضًا، وقالوا: ذهبَتْ أصابِعه لأنّ بعْضَها أُصْبَعٌ في المعنى. قوله: (وقُرئَ: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾)، حمزةُ والكِسائيُّ: ((عَلاَّمِ الغيبِ)) بالألفِ بعد اللامِ، وخَفْضِ الميمِ على وَزِنِ فَعّال. والباقونَ: ((عالم)) بالألفِ بعد العَيْنِ على وزنِ ((فاعلٍ))، ورَفَعَ الميمَ نافع وابن عامر، وخَفَضَها الباقون.

стр. 6698

بالرفع، على المدح. و (لا يعزب): بالضم والكسر في الزاى، من العزوب وهو البعد. يقال: روض عزيب: بعيد من الناس. (مِثْقالُ ذَرَّةٍ) مقدار أصغر نملة. (ذلِكَ): إشارة إلى (مثقال ذرّة). وقرئ: (ولا أصغر من ذلك ولا أكبر): بالرفع على أصل الابتداء، وبالفتح على نفى الجنس، كقولك: لا حول ولا قوّة إلا بالله، بالرفع والنصب، وهو كلام منقطع عما قبله. فإن قلت: هل يصح عطف المرفوع على (مثقال ذرّة)، كأنه قيل: لا يعزب عنه مثقال ذرة وأصغر وأكبر، زيادة لا لتأكيد النفي، وعطف المفتوح على (ذرّة) بأنه فتح في موضع الجر لامتناع الصرف، كأنه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (﴿لَا يَعْزُبُ﴾ بالضّمِّ والكَسْر)، الكِسائيّ هنا وفي ((يونَس)): بالكَسْر، والباقونَ: بالضمِّ. قولُه: (وقُرئَ ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ﴾)، وهي مَشْهورة، والفَتْحُ شاذّة. قوله: (وبالفَتْح على نَفْي الجِنْس)، وفيه إشكالٌ، لأنّ قولَه تعالى: ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ﴾ مُضارعٌ للمضافِ، نَحْوَ: لا خَيرًا منه. فلو كَان ((لا)) لنَفْيِ الجنْس لوجبَ فيه النصبُ كما نصَّ عليهِ في ((المفصَّل)): لا خيرًا منه قائمٌ هنا، ويُمكنُ أنّه وضعَ الفَتْحَ موضِعَ النَّصْبِ على الكوفيِّ، كما وضعَ النصْبَ موضعَ الفتحِ في قولِه: ((لا حَوْلَ ولا قُوَّة إلا بالله بالرفعِ والنَّصب. قوله: (وهو كلامٌ مُنقطعٌ عما قبله)، قال القاضي: هو جُملةٌ مؤكدة لنفي العزوب، ورَفْعُه بالابتداءِ، ويُؤيِّده القراءةُ بالفتحِ على نَفْيِ الجنْس. قولُه: (هل يصحُّ عَطْفُ المرفوعِ على ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾)، إلى قوله: (عَطْف المفتوحِ على

стр. 6699

قيل: لا يعزب عنه مثقال ذرّة ولا مثقال أصغر من ذلك ولا أكبر؟ قلت: يأبى ذلك حرف الاستثناء، إلا إذا جعلت الضمير في (عَنْهُ) للغيب، وجعلت (الْغَيْبِ) اسمًا للخفيات قبل أن تكتب في اللوح؛ لأنّ إثباتها في اللوح نوع من البروز عن الحجاب، على معنى: أنه لا ينفصل عن الغيب شيء، ولا يزل عنه إلا مسطورًا في اللوح. [وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ)] ٥ [ وقرئ: (معجزين). و (أليم): بالرفع والجر. وعن قتادة: الرجز: سوء العذاب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ﴿ذَرَّةٍ﴾؟ ) وقد قال بِهما أبو البقاء. قولُه: (يأبى ذلك حَرْفُ الاستثناء)، لأنّ الاستثناءَ حينئذٍ مُنقطع، فيكونُ التقديرُ: لا يعزُبُ عن عالمِ الغيبِ مثقالُ ذَرّةٍ ولا أصغَرُ من مثقالِ ذَرّة ولا أكبرُ منه، لكن ما في كتابٍ مُبينٍ يعزُبُ عنه. وإذا جعَلْتَ الضميرَ للغيبِ يصيرُ المعنى: ولا يعزُب، أي: لا ينفصلُ عن الغيب، أي: الخَفِيّات، مثقالُ ذَرّةٍ، ولا أصغرُ منه ولا أكبر، لكن في كتابٍ مُبينٍ يَعْزُبُ عنه، لأنّ ما في اللوحِ خارجٌ من الغَيبِ لِمَا يَطَّلِعُ فيه الملائكةُ المُقرَّبون. والمعنى على هذا: أنّ ما أظهَرهُ من علومهِ الت يتنفد الأبحرُ دونَ نفادِها بالنسبةِ إلى ما أخفاهُ كالقَطْرةِ بالنسبةِ إلى الأبحُرِ السبعة. قولُه: (وقُرئَ: ((مُعَجِّزين)))، بالتشديد: ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْروٍ، والباقونَ: ﴿مَعَاجِزِينَ﴾ بالألفِ. و ((أليمٌ)) بالرفعِ: ابنُ كثير وحَفْصٌ، والباقونَ بالجرِّ. قال الزجاج: ((معاجزين)) بمَعْنى: مسابقين، ومُعَجِّزين: أنّهم يُعَجِّزونَ مَنْ آمنَ بها ويكون بمعنى: مُثَبِّطين.

стр. 6700

[وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)] ٦ [ (ويرى): في موضع الرفع، أى: ويعلم أولو العلم، يعنى أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن يطأ أعقابهم من أمّته. أو علماء أهل الكتاب الذين أسلموا، مثل كعب الأحبار، وعبد الله ابن سلام رضى الله عنهما. (الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ … الْحَقَّ): هما مفعولان لـ"يرى"، و (هو) فصل. ومن قرأ بالرفع جعل "هو" مبتدأ و"الْحَقَّ" خبرًا، والجملة في موضع المفعول الثاني. وقيل "يَرَى": في موضع النصب، معطوف على (لِيَجْزِيَ) أى: وليعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علمًا لا يزاد عليه في الإيقان، ويحتجوا به على الذين كذبوا وتولوا. ويجوز أن يريد: وليعلم من لم يؤمن من الأحبار أنه الحق فيزدادوا حسرة وغما. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (﴿وَيَرَى﴾ في موضعِ الرفعِ)، أي: ابتداءُ كَلام. قولُه: (ومَنْ بطأُ أعقابَهم)، النهاية: في حديث عَمّارٍ: ((أنّ رجلاً وشى به إلى عَمَرَ ﵁ فقال: اللهمَّ إن كان كذبَ فاجْعَله مُوطّأَ العَقِب)) أي: كثيرَ الأتباع، دَعا عليه أن يكونَ سلطانًا أو ذا مالٍ فيَتْبعُه الناسُ ويَمْشون وراءَه فيَقعُ في التَّبِعة. قولُه: (ويجوزُ أن يُريدَ: وليعلمَ مَنْ لم يؤمِنْ)، عَطْفٌ على قَوْلِه: ((وليعلم أولو العلم عند مجيء الساعة))، هذانِ الوجهانِ مَبْنيّانِ على أنّ ﴿يَرَى﴾ في موضعِ النصبِ، كما بنى على القولِ الأولِ الوجهَيْن، وهو أن يكونَ ﴿الْحَقَّ﴾ مفعولاً ثانيًا، على قراءةِ النَّصْب، والضميرُ المرفوعُ للفصلِ، وعلى قراءةِ الرفعِ الجملةُ سادَّةٌ مسَدَّ المفعولِ الثاني، قال أبو البقاء: فاعلُ ((يهدي)) ضَمير، ويجوزُ أن يكونَ ضميرَ اسمِ الله، ويجوزُ أن يُعْطَفَ على موضعِ الحقِّ فتكون ((أن)) محذوفةً، فيكونَ مفعولاً ثانيًا، ويجوزُ أن يكونَ في موضعِ اسمِ الفاعل، أي: ويَروْن المُنَزَّلَ حَقًّا وهاديا.

стр. 6701

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإن قُلتَ: كيفَ خَصَّ أحدَ التفسيرَيْن بقوله: ((عِلمًا لا يُزادُ عليه في الإيقانِ))، والآخَر بقوله: ((فيزدادوا حَسرْة وغمًّا))؟ قلتُ: لأنّ المرادَ بـ ((يرى)) ومفعولَيْه: حصولُ العلمِ بعد عَدَمِه، فإذا أًريدَ بأولي العِلمِ الأحبارُ الذين لم يُؤمنوا؛ كان المعنى: ويعلمُ الأحبارُ أنّ المُنزَّلَ حقٌّ حينَ لا ينفَعُهم سوى الحَسْرةِ والندامةِ، كقولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي: يأتي تأويلُ الكتابِ وعاقبةُ أمرِه مِن تَبَيُّنِ صِدْقِه وظهورِ ما نَطقَ به من الوعدِ والوعيد، فإذا فَسَّرَ أُولي العلمِ بالمُؤمنين، يَنبغي أن يُقالَ: انقلبَ عِلْمُ اليقينِ إلى حَقِّ اليقين لحصُلَ فائدةُ مزيدِ العلم كما قال: ((عِلمًا لا يُزادُ عليه في الإيقان)). فإن قُلتَ: هل لاختصاصِ تفسيرِ أُولي العلمِ بالأحبارِ الذين لم يُؤمنوا على وجهِ إرادةِ النصبِ دونَ الرفعِ مِن فائدة؟ قلتُ: نعم، لأنّ هذا العطْفَ من قَبيلِ قولِه تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] في الاشتراكِ أو الابتداءِ، فإذا انتصبَ ((يَرى)) دخلَ في حَيِّزِ التعليلِ، وإذا ارتفعَ كانَت جُملةً مُستقلةً معطوفةً على جملةِ قولِه ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَاتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى﴾ إلى آخرِ الآياتِ الثلاث، وحصولُ العِلْمِ حينئذٍ في الدنيا في الآخرةِ كما في وَجْهِ النَّصْب، فلا يحسُنُ التقابلُ بينَ المعطوفَيْن إلاّ على إرادةِ المؤمنينَ من أولي العلم، كأنه قيل: وقال الجَهَلةُ من الذين كفروا بآياتِ الله: لا تأتينا الساعةُ: وعَلِمَ الذين أوتوا العِلْمَ أنّ المُنزَّلَ حَقٌّ وما نطَقَ به من الوعدِ والوعيدِ صِدْقٌ، وإليه يَنْظُر قولُه ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. ومما يعضُدُ هذا التأويلَ عَطْفُ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ الآية على قولِه:

стр. 6702

[وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرى عَلَى الله كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ)] ٧ - ٨ [ (الَّذِينَ كَفَرُوا): قريش. قال بعضهم لبعض: (هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ) يعنون محمدا ﷺ ؛ يحدثكم بأعجوبة من الأعاجيب: أنكم تبعثون وتنشئون خلقًا جديدًا بعد أن تكونوا رفاتًا وترابًا، ويمزق أجسادكم البلى (كل ممزق)، أى: يفرقكم ويبدد أجزاءكم كل تبديد. أهو مفتٍر على الله كذبًا فيما ينسب إليه من ذلك؟ أم به جنون ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ﴿لِّيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية، على منوالِ قولهِ: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وكقوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ إلى قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾ [يونس: ٤]، وقد وضع ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ موضعَ ضميرِ الذينَ كَفروا، لأنّ المعنى: ليأتينَّكم عالِمُ الغيْبِ ليُثيبَ المُؤمنين ويُعاقبَكم أيها الساعونَ في إبطالِ آياتِنا سَعيًا بليغًا، وفيه إشعارٌ بأنَّ منكرَ الحشرِ مكذِّبٌ لله وآياتِه المنزلةِ، ولذلك وردَ: ((كَذّبني ابنُ آدمَ ولم يكُنْ له ذلك))، وأنه مستحقٌّ بأن يُنكَّلَ بما لا بَعْدَه من العذابِ والرِّجْزِ الأليم، أعاذنا الله من ذلك. قولُه: (يُحدّثكم بأعجوبةٍ من الأعاجيب)، دلّ على هذا المعنى تَسْميتُه صلواتُ الله عليه بـ ((رجلٍ)) وتنكيرُه؛ جعلوا القولَ بالإعادةِ من قَبيلِ شيءٍ غريبٍ وأمرٍ عجيب، ونَزّلوا قائلَه مَنْزِلةَ مَنْ لا يُعْرَف. قال صاحبُ ((المفتاح)): كأنّهم لم يكونوا يعرِفونَ منه إلاّ أنّه رجُلٌ ما، وهو أشْهَرُ عندهم من الشمسِ، وهو من باب التجاهل. قولُه: (أهو مُفْتَرٍ) إلى قوله: (أم به جنون)، ((أم)) هذه يحتملُ أن تكونَ متّصلةً وأن تكونَ منقطعة. وعلى الأولِ ظاهرُ كلامِ الجاحظِ على ما رويَ أنّه احتجَّ بهذه الآيةِ على أنّ من الخبرِ

стр. 6703

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ما ليسَ بصادقٍ ولا كاذب، لأنهّم حصروا دعوى النبيِّ الرسالةَ في الافتراءِ وفي الإخبارِ حالَ الجنون، وليسَ إخبارُه حال الجنونِ كذِبًا لجَعْلِهم الافتراءَ مقابلاً له، ولا صِدْقًا لأنّهم لم يعتقدوا صِدْقَه، فثبتَ أنّ من الخبرِ ما ليس بصادقٍ ولا كاذب. وأجيب: أنّ الافتراءَ هو الكَذِبُ عن عَمْدٍ، فهو نوعٌ من الكذب، فلا يمتَنعُ أن يكونَ الإخبارُ حالَ الجنونِ نوعًا منه، وهو الكذِبُ لا عَنْ عَمْدٍ، فيكون التقسيمُ للخبرِ الكاذبِ لا للخبرِ مُطْلقًا. وقلتُ: هذا جوابٌ حسَنٌ لطيف لكنّ الأصلَ مَدْخولٌ فيه من وجهَيْن: أحدُهما: أنّ ورودَ الآيةِ في البعثِ والحشرِ لا في دعوى الرسالة بدليلِ السابقِ أي: قولهم ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ٧] واللاحق أي: قولُه ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [سبأ: ٨]، ولذلك كان قولُ المصنّف: ((من ذلك)) بيانًا لقولِه: ((ما يُنْسَبُ إليه))، والمشارُ إليه ما دلَّ عليه قولُه: ((إنّكم تُبْعثونَ وتُنْشئونَ خَلْقًا جديدًا)) إلى آخرهِ. وثانيهما: ظهورُ ((أم)) في كونِها مُنقطعةً لفظًا لاختلافِ مدخولَي الهمزة و ((أم)) لأنّ المعانِدين لمّا أخرجوا قولهم: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ﴾ مُخْرَجَ الطَّنْزِ والسخرية متجاهلين برسولِ الله ﷺ وبكلامِه من إثباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وعَقّبوهُ بقوله ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أضربوا عنه إلى ما هو أبْلغُ منه تَرقِّيًا من الأهون إلى الأغلظِ مِن نسبةِ الجنونِ إليه

стр. 6704

يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه؟ ثم قال سبحانه ليس محمٌد من الافتراء والجنون في شيء، وهو مبرأ منهما، بل هؤلاء القائلون الكافرون بالبعث واقعون في عذاب النار وفيما يؤديهم إليه من الضلال عن الحق وهم غافلون عن ذلك، وذلك أجنّ الجنون وأشدّه إطباقًا على عقولهم. جعل وقوعهم في العذاب رسيلًا لوقوعهم في الضلال، كأنهما كائنان في وقت واحد؛ لأنّ الضلال لما كان العذاب من لوازمه وموجباته؛ جعلا كأنهما في الحقيقة مقترنان. وقرأ زيد بن علىّ رضى الله عنه: (نبيكم).فإن قلت: فقد جعلت الممزق مصدرا، كبيت الكتاب: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: دعوا حديثَ الافتراءِ فإنّ هاهنا ما هو أطمُّ منه، لأنّ العاقلَ كيف يُحدِّثُ بإنشاءِ خَلْقٍ جديدٍ بعد الرُّفات والتراب، فإنَّ جُنونَه يُوهمُه ذلك ويُلقيه على لسانه. ولمّا كان التعويلُ على ما بعدَ الإضرابِ مِن إثباتِ الجنون أوْقعَ الإضرابَ الثاني ردًّا عليهم قولَهم، ونَفْيًا عنه صلواتُ الله عليه ما أثبتوا فيه من الجنون وإثباتًا له فيهم كما قال المصنِّف: ((بل هؤلاءِ القائلون الكافرون بالبعثِ)) إلى قوله: ((أجنُّ الجنونِ وأشدُّه إطباقًا على عقولِهم)) كأنّه قيل: لمّا قالوا: أهو مُفْتَرٍ على الله بل به جِنّة، أضْربَ عنه وقيل: بل القائلون بهم أشدُّ الجنون. فوَضعَ ((القائلون)) قولَه: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ على سبيلِ العُمومِ ليدخلوا فيه دخولاً أوّليًّا، وليُسَجِّلَ عليهم الجنونَ بالطريقِ البُرهاني، ووضع موضعَ: ((بهم الجنون)) قولَه: ﴿فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ وضعًا للسببِ موضعَ المُسَبَّب ليؤذِنَ بأنّ الإضلالَ أبْعدُ مِن ضَلالِ مُنكرِ البَعْثِ لأنّه مُبْطِلُ حِكْمةِ الله في خَلْقِ العالَم، ومكَذِّبُ الله تعالى في وَعْدِه ووعيدِه كما قال: ((كذبني ابنُ آدمَ ولم يكُنْ له ذلك)) الحديث، وجاهلٌ مُفرِطٌ في جَهْلِه حيث تعرَّضَ لسَخَطِ الله وإيقاعِ نَفْسِه في العذابِ السَّرْمَدِ. والله أعلم. قولُه: (رَسيلاً لوقوعِهم في الضلال)، الأساس: يقال: هو رَسيلُك في الغناء، أي: يُباريك في إرسالِك، ومن المجاز تقول: القَبيحُ سوءُ الذِّكْرِ رَسيلُه، وسوءُ العاقبةِ زَميلُه.

стр. 6705

ألم تعلم مسرحي القوافي … فلاعيّا بهنّ ولا اجتلابا فهل يجوز أن يكون مكانا؟ قلت: نعم. معناه ما حصل من الأموات في بطون الطير والسباع، وما مرّت به السيول فذهبت به كل مذهب، وما سفته الرياح فطرحته كل مطرح. فإن قلت: ما العامل في "إذا"؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (ألم تَعْلَمْ مُسَرَّحيَ)، البيت: ((مُسَرَّحي)): سرَّح القومُ الإبلَ: إذا أرسلوها في في المرعى. مُسَرَّحي، أي: تسريحي، فلا أعيا بهِنَّ إعياءً، ولا أجتَلِبُهُنَّ اجتلابًا، أي: انتحالاً. قولُه: (ما العاملُ في ((إذا))؟ )، قال الزجاج: في هذه الآيةِ نظرٌ لطيف، وهو أنَّ ((إذا)) في موضعِ نَصْبٍ بـ ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ ولا يَعملُ فيها ﴿جَدِيدٍ﴾ لأنّ ما بعْدَ ((أنّ)) لأنّ ما بعْدَ ((أنّ)) لا يَعملُ فيما قَبْلَها. المعنى: هل ندلُّكم على رجلٍ يقولُ لكم: إنكم إذا مُزِّقتُم تُبعثون، ويجوزُ أن يكونَ العاملُ مُضمرًا يدلّ عليه ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. المعنى: هل ندلّكم على رجلٍ يقولُ لكم: إذا مُزِّقْتم بُعِثْتُم، إنكم في خَلْقٍ جديد كقوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢]. وقال أبو البقاء: لا يجوزُ أن يعملَ فيها ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ لأنّ ((إذا)) مُضافةٌ إليه. وقال الزجاج: ((إذا)) حينئذٍ بمنزلة ((إنْ)) الجزاء يعملُ فيها الذي يليها. قال قيس بن الخَطيم: إذا قَصُرَتْ أسيلفُنا كان وَصْلُها … خُطانا إلى أعدائنا فنُضارِبِ

стр. 6706

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المعنى: يكُنْ وصلُها. والدليلُ على ذلك جَزْمُ ((فنُضارب)). والكنايةُ في ((وَصْلُها)) للأسياف. المعنى: إذا يكونوا بحيث لا تَصِلُ أسيافُنا إليهم نحنُ نتقَدَّمْ إليهم ونُضاربْهم بها. قال السَّجاوَنْدي: عاملُ ((إذا)) محذوف، أي: ((بُعِثْتُم)) دلّ عليه ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، إذْ ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ إنّما يَعْملُ في ((إذا)) إذا كان كان مجزومًا بها، نحو: مَنْ تَضِربْ يَضْربْني، فإنّه إذا لم يُجْزَمْ بها كانت مُضافةً إلى الفعل، والمضافُ إليه لا يعملُ في المضاف، فالجزْمُ بـ ((إذا)) وإنْ جاءَ في الشِّعرِ ضرورةً لا يُحْمَلُ عليه القرآن. وروايةُ الجزمِ في الشعر: إذا قَصُرَتْ أسيافُنا كان طولُها … خُطانا إلى أعدائنا فنُضاربِ وخَطّأه المَغْربيُّ لأنَّ القصيدةَ مرفوعةُ القوافي، وفيها: وقد عشتُ دهرًا والغواةُ صحابتي … أولئك خُلْصَانِي الذين أصاحبُ وفيها: وللمالِ عندي اليومَ راعٍ وكاتبُ ولا يجوزُ أن يَعْملَ في ((إذا)): ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾، لأنّ التنبئةَ قبلَ التمزُّق.

стр. 6707

قلت: ما دلّ عليه: (إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)، وقد سبق نظيره. فإن قلت: الجديد: فعيل، بمعنى فاعل أم مفعول؟ قلت: هو عند البصريين بمعنى فاعل، تقول: جد فهو جديد، كحد فهو حديد، وقلّ فهو قليل. وعند الكوفيين بمعنى: مفعول، من جده إذا قطعه. وقالوا: هو الذي جده الناسج الساعة في الثوب، ثم شاع. ويقولون: ولهذا قالوا: "ملحفة جديد"، وهي عند البصريين كقوله تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ)] الأعراف: ٥٦ [ونحو ذلك. فإن قلت: لم أسقطت الهمزة في قوله: (أَفْتَرى) دون قوله: (السحر)، وكلتاهما همزة وصل؟ قلت: القياس الطرح، ولكن أمرا اضطرّهم إلى ترك إسقاطها في نحو: (السحر) وهو خوف التباس الاستفهام بالخبر؛ لكون همزة الوصل مفتوحة كهمزة الاستفهام. فإن قلت: ما معنى وصف الضلال بالبعد؟ قلت: هو من الإسناد المجازى؛ لأنّ البعيد صفة الضال إذا بعد عن الجادّة، وكلما ازداد عنها بعدًا كان أضل. فإن قلت: كان رسول الله ﷺ مشهورًا علمًا في قريش، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (في الثوب)، مُتعلّقٌ بـ ((قالوا)). أي: قالوا في الثوب: جديد، لأنه هو الذي جَدَّه، أي: قَطَعهُ الناسجُ الساعةَ، ثم شاعَ هذا اللفظُ في كلِّ شيءٍ. ويقولون: كتابٌ جديد، وبيتٌ جديد، وغلامٌ جديد. قولهُ: (وهي -أي: المِلْحَفة جديدٌ- عند البصريين) في تأويلِ شيءٍ جديد، أي: ثوبٍ جديد، أو على تَشْبيهِه بفَعيلٍ الذي بمعنى مفعولٍ نحو: قتيلٍ وأسيرٍ كما شُبِّه ذلك به. فقيل: قُتَلاءُ وأسَراء، فإنّ فَعيلاً يُجْمَعُ على فُعَلاءَ، نَحْو: كريمٍ وكُرَماء، ورحيمٍ ورُحَماء. قولُه: (دونَ قوله ﴿السِّحْرُ﴾)، أي: في قولِه تعالى: ﴿مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ﴾ [يونس: ٨١] على الاستفهامِ في سورةِ يونس ﵇.

стр. 6708

وكان إنباؤه بالبعث شائعًا عندهم، فما معنى قوله: (هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ) فنكروه لهم، وعرضوا عليهم الدلالة عليه، كما يدل على مجهوٍل في أمٍر مجهول؟ قلت: كانوا يقصدون بذلك الطنز والسخرية، فأخرجوه مخرج التحلي ببعض الأحاجى التي يتحاجى بها للضحك والتلهي، متجاهلين به وبأمره. [أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَا نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ)] ٩ [ أعموا فلم ينظروا إلى السماء والأرض، وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم، لا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما، وأن يخرجوا عما هم فيه من ملكوت الله ، ولم يخافوا أن يخسف الله بهم، أو يسقط عليهم كسفًا، لتكذيبهم الآيات، وكفرهم بالرسول ﷺ وبما جاء به، كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة. (إِنَّ فِي ذلِكَ) النظر إلى السماء والأرض والفكر فيهما، وما يدلان عليه من قدرة الله (لَآيَةً)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قَولُه: (ببعضِ الأحاجي)، الجوهري: حاجَيْتُه فحَجوْتُه: إذا داعَيْتَه فَغَلبْتَه. والاسمُ: الأحْجِيَّةُ، وهي لُعبةٌ وأُغلوطة يتعاطاها الناسُ بينهم. قولُه: (أعَمُوا فلم ينظروا)، يريدُ أنّ همزةَ الإنكارِ الداخلةَ على قوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من حيث التقدير داخلٌ على فعلٍ هو السَّبَبُ في الفعلِ المذكورِ، ((وأمامَهم وخَلْفَهم)) خبرانِ و ((مُحيطتان بهم)): عَطْفُ بيانٍ له أو بَدَل. قوله: (من ملكوتِ الله)، أي: السماواتِ والأرض، لأن ((من)) بيان ((ما)) في ((عمّا هم فيه)). قولُه: (وما يدلاّن)، عطفٌ على الضميرِ المجرور، أي: والفكرِ فيما يدلاّن عليه، أو على ((السماءِ والأرضِ))، وهو الأصوبُ.

стр. 6709

ودلالة (لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ): وهو الراجع إلى ربه، المطيع له؛ لأنّ المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله، على أنه قادر على كل شيٍء من البعث ومن عقاب من يكفر به. قرئ: "يشأ" و"يخسف" و"يسقط" بالياء؛ لقوله تعالى: (أَفْتَرى عَلَى الله كَذِباً)] سبأ: ٨ [. وبالنون لقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنا). و (كسفا): بفتح السين وسكونه. وقرأ الكسائي: (يخسف بهم) بالإدغام، وليست بقوية. [وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (على أنّه قادرٌ على كلِّ شيءٍ من البعثِ ومن عقابِ مَنْ يكفُرُ به)، مَتَعلِّقٌ بقوله: ((ودلالة))، يريدُ أنّ قولَه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ تذييلٌ لقوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم﴾ وتعريضٌ بقلّةِ النظرِ في مُنكري البعثِ والحشرِ في آياتِ الله، وإليه الإشارةُ بقوله: ((لأنّ المنيبَ لا يخْلو من النظرِ في آياتِ الله)). وفيه الإشارةُ إلى بيانِ نظْمِ هذه الآية بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ﴾ وبقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً﴾ لأنه كالتخلُّصِ منه إليه، لأنه منَ المُنيبين المتفكِّرين في آياتِ الله، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧]. قال القاضي: قوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ تذكيرٌ بما يُعاينوه مما يدلُّ على كمالِ قدرةِ الله تعالى وما فيه إزاحةُ استحالتِهم الإحياءَ حتى جَعلوه افتراءً وهُزوًا، وتهديدٌ عليهم. قولُه: (((يَشَا)) و ((يَخْسِفْ)) و ((يُسْقِط))، بالياءِ): حَمزةُ والكِسائي: ثلاثتُها بالياء. وأدغَم الكِسائيّ الفاءَ في الباء، والباقون: بالنونِ فيهنّ، وقرأ حَفْصٌ: ﴿كِسَفًا﴾ بفَتْح السينِ، والباقونَ بإسكانها. قولُه: (((يخْسِفْ بهم)) بالإدغام، وليست بقوِيّة)، المُطْلع: لزيادةِ صوتِ الفاءِ على صوتِ الباءِ كما لا يجوزُ إدغامُ الراءِ في اللام.

стр. 6710

شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ)] ١٠ - ١٣ [ (يا جِبالُ) إمّا أن يكون بدلا من: (فَضْلًا)، وإمّا من: (آتَيْنا)، بتقدير: قولنا: يا جبال. أو: قلنا: يا جبال. وقرئ: (أوّبى) و (أوبى) من التأويب والأوب، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بتقديرِ: قولنا: يا جبالُ، أو قُلنا: يا جبالُ)، رُوِيَ ((قَوْلنا)) بالنَّصْبِ والجرِّ. الأوّلُ على تقديرِ أن يكونَ بدَلاً مِن ﴿فَضْلاً﴾ أي: ولقد آتينا دوادَ مِنّا قَوْلَنا: ﴿يَا جِبَالُ﴾، والثاني على أن يكونَ بَدَلاً مِن ﴿آتَيْنَا﴾ أي: ولقد قُلنا: يا جبالُ أوِّبي مع داود. قوله: (وقُرئَ: ﴿أَوِّبْي﴾ و ((أُوبي)))، الأولى هي المشهورةُ، والثانية شاذة. الراغب: الأَوْبُ: ضَرْبٌ من الرجوعِ، لأنّ الأَوْبَ لا يُقال إلاّ في الحيوانِ الذي له إرادةٌ، والرجوعُ عام يُقالُ: آبَ أوْبًا وإيابًا ومآبًا. والأوّاب كالتوابِ وهو الراجعُ إلى الله تعالى من المعاصي وفعل الطاعات قال تعالى: ﴿أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ [ق: ٣٢]، ومنه قيلَ للتوبةِ أوْبَة. قولُه: (من التأويب والأوب)، قال صاحبُ ((التقريب)): أي: رَجِّعي معه التسبيحَ أو: ارجِعي معه في التسبيح بترجيعِه. قلتُ: في كلامِ المصنّفِ إشعارٌ بأنّ مَرْجعَ معنى القراءتَيْن- وهو الرجوعُ معه في التسبيحِ- إلى واحد، وتعليلُه مُنْبِئٌ عنه؛ لأنّ الترجيعَ مستلزمٌ للرجوع. ذكَر في سورةِ ((ص)): وضَعَ الأوّابَ موضِعَ المُسَبِّحِ لأنّها كانت تُرجِّعُ التسبيح والمُرَجِّعُ رَجَّاعٌ لأنّه يَرْجِعُ إلى فِعْلِه رجوعًا بعد رجوع، ولأنّه إذا رَجَّعَ الصوتَ أي: رَدَّده فقد رَجَعَ فيه أي: رجَعَ إلى ما

стр. 6711

أي: رجعي معه التسبيح. أو: ارجعي معه في التسبيح كلما رجع فيه؛ لأنه إذا رجعه فقد رجع فيه، ومعنى تسبيح الجبال: أنّ الله يخلق فيها تسبيحًا، كما خلق الكلام في الشجرة، فيسمع منها ما يسمع من المسبح؛ معجزة لداود. وقيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين، وكانت الجبال تسعده على نوحه بأصدائها، والطير بأصواتها. وقرئ: (والطير) رفعًا ونصبًا عطفًا على لفظ الجبال ومحلها. وجوّزوا أن ينتصب مفعولاً معه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بدأَ منه. ويعضُدُه ما رَويْنا عن البخاريِّ ومُسلمٍ وأبي داودَ عن عَبدِ الله بنِ مُغَفَّل قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يومَ فَتْح مكّةَ على ناقتِه يقرأُ سورةَ الفتحِ، فرجَّع فيها، قال: ثُمَّ قرأَ مُعاويةُ يَحْكي قراءةَ ابنِ مُغفَّل فَقال: لولا أن يجتمِعَ الناسُ عليكُم لرجَّعْتُ كما رَجَّعَ ابنُ مُغفَّلٍ يحكي النبي ﷺ فقلتُ لمعاوية: كيف كان ترجيعه؟ قال: اآ اآ اآ ثلاث مرات)). النهاية: الترجيعُ: ترديدُ القراءةِ. وقيل: هي تقاربُ حروفِ الحركاتِ في الصوتِ. وقد حكى ابنُ مُغَفَّل تَرْجيعَه بمَدِّ الصوت في القراءة. وهذا إنّما حصلَ منه- والله أعلمُ- يوْمَ الفتحِ؛ لأنّه كان راكبًا فجَعلتِ الناقةُ تحرِّكه. قال مُحيي السنَّة: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ سَبِّحي معه إذا سَبَّح، فقيل: هو تفعيلٌ من الإيابِ، وهو الرجوعُ، أي: رَجِّعي معه. قال القُتَيْبي: أصله من التأويبِ في السَّير، وهو أن يَسيرَ النهارَ كلَّه بالتسبيحِ معه. قوله: (﴿وَالْطَّيْرَ﴾ رفعًا ونَصْبًا)، والنَّصْبُ هي المشهورة والرّفعُ شاذّ. قوله: (وجَوّزوا أن ينتصِبَ مفعولاً معه) قال الزجّاج: ويجوزُ أن يكونَ ((الطير)) منصوبًا على معنى: مع، كما تقول: قَمْتُ وزيدًا أي: قَمْتُ مع زيدٍ، فالمعني: أوِّبي معَه ومعَ الطير.

стр. 6712

وأن يعطف على (فضلا)، بمعنى: وسخرنا له الطير. فإن قلت: أى فرق بين هذا النظم وبين أن يقال: (وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا)؛ تأويب الجبال معه والطير؟ قلت: كم بينهما! ألا ترى إلى ما فيه من الفخامة التي لا تخفى؛ من الدلالة على عزّة الربوبية، وكبرياء الإلهية؛ حيث جعلت الجبال منزّلةً منزلة العقلاء الذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا؛ إشعارًا بأنه ما من حيواٍن وجماٍد وناطٍق وصامت، إلا وهو منقاد لمشيئته، غير ممتنع على إرادته. (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) وجعلناه له لينًا كالطين والعجين والشمع، يصرفه بيده كيف يشاء من غير ناٍر ولا ضرٍب بمطرقة. وقيل: لان الحديد في يده لما أوتى من شدّة القوّة. وقرئ: (صابغات) وهي الدروع الواسعة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وأن يُعْطَفَ على ﴿فَضْلاً﴾، قال الزجاج: حكاهُ أبو عُبَيْدَة عن أبي عَمْرو بن العلاء، وهو كقولِه: علفتُها تِبْنًا وماءً باردا وإليه الإشارةُ بقوله: ((وسَخَّرْنا له الطيرَ))، وعن بَعْضِهم: يجوزُ أن يكونَ منادًى كأنه قال: أدعو الجبالَ والطير. قوله: (كَمْ بينهما)، أي: مِنْ فَرْق. ونَحْوُه تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣] بدَل: أماتَهم الله، وقولُه: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] بدل: مَسخَهم قِردةً. وهو أمرٌ على سبيلِ التسخير، وفائدتُه غايةُ التأديب. قوله: (وناطقٍ وصامت)، تفسيرٌ لقولِه: ((حيوانٍ وجماد)). الراغب: النطقُ في التعارفِ: الأصواتُ المُقَطَّعةُ التي يُظهِرُها اللسانُ وتَعيها الآذانُ، ولا يُكادُ يقال إلاّ للإنسانِ، ولا يقال لغيرِه إلاّ على سبيلِ التَّبعِ، نَحْو: الناطقِ والصامتِ، فيُرادُ بالناطقِ: مالَه صَوْتٌ، وبالصامتِ: ما لاصَوْتَ له.

стр. 6713

الضافية، وهو أوّل من اتخذها، وكانت قبل صفائح. وقيل: كان يبيع الدرع بأربعة آلاف، فينفق منها على نفسه وعياله، ويتصدّق على الفقراء. وقيل: كان يخرج حين ملك بنى إسرائيل متنكرا، فيسأل الناس عن نفسه، ويقول لهم: ما تقولون في داود؟ فيثنون عليه، فقيض الله له ملكًا في صورة آدمى فسأله على عادته، فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه، فريع داود، فسأله، فقال: لولا أنه يطعم عياله من بيت المال، فسأل عند ذلك ربه أن يسبب له ما يستغنى به عن بيت المال، فعلمه صنعة الدروع. (وَقَدِّرْ): لا تجعل المسامير دقاقًا فتقلق، ولا غلاظًا فتفصم الحلق. والسرد: نسج الدروع. (وَاعْمَلُوا) الضمير لداود وأهله. (وَ) سخرنا (لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ) فيمن نصب. ولسليمان الريح مسخرة، فيمن رفع. وكذلك فيمن قرأ: (الرياح)، بالرفع. (غُدُوُّها شَهْرٌ): ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (الضافية)، الجوهري: الضُّفُوُّ: السبوغُ وثَوْبٌ ضافٍ أي: سابغ. قال الزّجاج: معنى السابغ: الذي يُغَطِّي كلّ ما تحْتَه حتى يفضُلَ عليه. عن بعضِهم: قولُه تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ ((أنْ)) مُفَسِّرة كأنه قيل: وأَلَنّا له الحديد، أي: اعمَلْ سابغات، وبمعنى: قُلْنا له: أن اعمَلْ سابغاتٍ، أو يكون في معنى: لأن يعمَلَ سابغاتِ، ويَصِل ((أن)) بلفظةِ الأمر، ونَظيرُه: أرْسِلْ إليه أنْ قُمْ إلى فُلان، أي: قال له: قُمْ أو يكون بمعنى: أرسِلْ إليه بأن يقومَ إلى فُلان. قولُه: (والسَّرْدُ: نَسْجُ الدُّروع)، قال الزجّاج: السردُ في اللغة: تَقْدِمَةُ شيءٍ إلى شيءِ تأتي به مُتّسِقًا بعْضُه في إثْرِ بعضٍ مُتتابعًا، ومنه قولُهم: سَرَد فلانٌ الحديث. قوله: (﴿و﴾ سَخَّرنا ﴿لِسُلَيْمانَ الرِيّحَ﴾ فيمَنْ نَصَب)، أبو بكرٍ: ((الريحُ)) بالرفعِ، والباقون: بالنصب. قال الزجاج: ومعنى الرفعِ: ثَبَتَ لسليمانَ الريحُ، وهو يؤولُ إلى

стр. 6714

جريها بالغداة مسيرة شهر، وجريها بالعشي كذلك. وقرئ: (غدوتها) و (روحتها). وعن الحسن رضى الله عنه: كان يغدو فيقيل بإصطخر، ثم يروح فيكون رواحه بكابل. ويحكى أنّ بعضهم رأى مكتوبًا في منزل بناحية دجلة كتبه بعض أصحاب سليمان: نحن نزلناه وما بنيناه ومبنيا وجدناه، غدونا من إصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه فبائتون بالشام إن شاء الله. القطر: النحاس المذاب من القطران. فإن قلت: ماذا أراد بـ (عين القطر)؟ قلت: أراد بها معدن النحاس، ولكنه أساله كما ألان الحديد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ معنى: سَخَّرْنا الريحَ، كما إذا قُلْتَ: لله الحمدُ، فتأويلُه: استَقرّ لله الحمدُ، وهو يرجِعُ إلى معنى: أحمَدُ الله الحَمْد. قوله: (جَرْيُها بالغداةِ مَسيرةُ شَهْرٍ، وجَرْيُها بالعَشيٍّ كذلك)، قال مَكّي: مَسيرةُ غُدوِّها مَسيرةُ شهرٍ، وكذلك ﴿وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾. وإنّما احتيجَ إلى ذلك لأنَّ الغُدوَّ والرواحَ ليسا بالشهرِ وإنما يكونان فيه. وقال ابن الحاجبِ في ((الأمالي)): الفائدةُ في إعادةِ لَفْظِ الشهرِ الإعلامُ بمقْدارِ زمنِ الغُدوِّ والرواحِ، والألفاظُ التي مُبيِّنةً للمقاديرِ لا يحسُنُ فيها الإضمارُ، ألا ترى أنك تقول: زِنَةُ هذا مِثقالٌ، فلا يحسُنُ الإضمارُ كما لا يحسُنُ في التمييزِ، وأيضًا فإنه لو أُضْمِرَ فالضميرُ إنما يكونُ لِما تقدَّم باعتبار خُصوصيتهِ، فإذا لم يكُنْ له وجبَ العدولُ عن المُضْمَرِ إلى الظاهر، ألا ترى أنّك إذا أكرَمْتَ رجلاً وكسَوْتَه لكانَتِ العبارةُ: أكرَمْتُ رجلاً وكَسَوْتُه. ولو أكرمتَ رجلاً وكسوْتَ غيره، لكانت العبارة: أكرَمْتُ رجلاً وكسَوْتُ رجلاً. فتبيَّن أنه ليسَ من جَعْلِ الظاهرِ موضِعَ المُضْمَر. قوله: (النحاسُ المُذاب من القَطَران)، وعن بَعْضِهم: صحَّ بفَتْحِ الطاءِ، وهو مصدر، وبالكسر مُشتَقٌّ منه.

стр. 6715

لداود، فنبع كما ينبع الماء من العين؛ فلذلك سماه عين القطر باسم ما آل إليه، كما قال: (إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً)] يوسف: ٣٦ [. وقيل: كان يسيل في الشهر ثلاثة أيام (بِإِذْنِ رَبِّه): بأمره. (وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ): ومن يعدل (عَنْ أَمْرِنا) الذي أمرناه به من طاعة سليمان. وقرئ: (يزغ) من أزاغه. و (عذاب السعير): عذاب الآخرة. عن ابن عباس رضى الله عنهما وعن السدى: كان معه ملك بيده سوط من نار، كلما استعصى عليه ضربه من حيث لا يراه الجنى. لمحاريب: المساكن والمجالس الشريفة المصونة عن الابتذال، سميت محاريب؛ لأنه يحامى عليها ويذب عنها. وقيل: هي المساجد. والتماثيل: صور الملائكة والنبيين والصالحين، كانت تعمل في المساجد من نحاس ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: القُطْرُ: الجانبُ. وقَطَرْتُه ألقَيْتُه على قُطْرِه. وتَقَطَّر وقَع على قُطْرِه، وتَقَطَّر وقَع على قُطْرِه، وتَقاطر القومُ: جاءوا أرسالاً كالقَطْرِ، ومنه قِطارُ الإبلِ، والقَطِران بكَسْرِ الطاءِ ما يتقطَّر من الهِناء. قوله: (باسمِ ما آل إليه)، يعني: أصلُه: أسَلْنا له معدنَ القطرِ بأن جعَلْناه مِثْلَ الماء ينبع كما يَنْبع، ولما كان المآلُ إلى هذا قيلَ ابتداءً: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ تسميةً للشيءِ باسم ما يؤول إليه. قوله: (وقيل: كان يسيل)، أي: القطر. روى مُحيي السنة عن المفسرين: أُجْرِيَتْ له عين النحاس ثلاثة أيام بلياليهن بأرض اليمن. قوله: (سُمِّيت مَحاريبَ لأنه يُحامي عليها ويُذَبّ عنها)، رُوِيَ عن المصنف أنه قال: يُقال: رجلٌ مِحْرَبٌ ومِحرابٌ، للكثيرِ الحروب كما يُقال: مكانٌ مِحْلالٌ لكَثْرة مَنْ يحل فيه. أنْشَدني الشيخ الأثيرُ لبعْضِ أهلِ الشام: قرنَ الشجاعةَ بالخضوعِ لربِّه … ما أحسَنَ المحرابَ في مِحْرابهِ

стр. 6716

وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم. فإن قلت: كيف استجاز سليمان ﵇ عمل التصاوير؟ قلت: هذا مما يجوز أن تختلف فيه الشرائع؛ لأنه ليس من مقبحات العقل كالظلم والكذب. وعن أبى العالية: لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرّما. ويجوز أن يكون غير صور الحيوان، كصور الأشجار وغيرها؛ لأنّ التمثال كل ما صوّر على مثل صورة غيره من حيواٍن وغير حيوان. أو تصوّر محذوفة الرؤوس. وروى: أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما. والجوابى: الحياض الكبار، قال: تروح على آل المحلّق جفنة … كجابية السّيح العراقىّ تفهق لأنّ الماء يجبى فيها، أى: يجمع. جعل الفعل لها مجازًا، وهي من الصفات الغالبة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سُمِّي المحرابُ مِحرابًا لكَثْرة ما يُحامي عليه وَصْفًا للمكان بصفةِ صاحبه. قوله: (تروحُ على آل المُحلَّقِ)، البيت. مضى خبرُ المُحَلَّقِ وسَببُ قولِ الأعشى فيه في سورة ((طه)). تفهَقُ: تَمْتَلئ حتى تطفح. يقال: فَهِق الإناء بالكسر يَفْهَقُ فهقًا؛ إذا امتلأ حتى تصبب، وإنما الشَيْخَ لضَعْفِه، وأنه لا يجد الماء في كل وقت فإذا وجده افترصَ وملأ حوْضَه، قيل: أراد بالشيخ العِراقي كسرى. وفي ((ديوان الأعشى)) بالسين والحاءِ المهملتين، أي: الماءِ الجاري على وجه الأرض، وقيل: أراد به الفرات. وأما قول المصنف: ((جعل الفعل لها)) أي: ((تروحُ)) أُسْنِدَ إلى الجفنة، والظاهر أن الجابية اسمُ فاعل. الأصل مَجْبُوٌّ فيها فأسنده إلى الجابية مجازًا، كما قيل في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي﴾ [النور: ٢] سماها زانيةً وإنما هي المزنيُّ بها.

стр. 6717

كالدابة. وقيل: كان يقعد على الجفنة ألف رجل. وقرئ: بحذف الياء اكتفاء بالكسرة. كقوله تعالى: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ)] القمر: ٦ [. (راسِياتٍ): ثابتات على الأثافى لا تنزل عنها لعظمها. (اعْمَلُوا آلَ داوُدَ): حكاية ما قيل لآل داود. وانتصب (شُكْراً) على أنه مفعول له، أى: اعملوا لله واعبدوه على وجه الشكر لنعمائه. وفيه دليل على أن العبادة يجب أن تؤدّى على طريق الشكر. أو على الحال، أى: شاكرين. أو على تقدير: اشكروا شكرا؛ لأن (اعملوا) فيه معنى اشكروا، من حيث أنّ العمل للمنعم شكر له. ويجوز أن ينتصب بـ (اعملوا) مفعولا به. ومعناه: إنا سخرنا لكم الجنّ يعملون لكم ما شئتم، فاعملوا أنتم شكرا، على طريق المشاكلة. و (الشَّكُورُ): المتوفر على ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ بحذف الياء اكتفاء بالكسرة)، كلُّهم إلا ابنَ كثيرٍ وأبا عَمْرو ووَرْشًا. وقال الزجاج: كان الأصلُ الوقفَ بالياءِ إلا أن الكسرة تنوب عنها، وكانت بغير ألفٍ ولامٍ والوقفُ عليها بغير ياء، تقول: هذه جَوابٍ، فأدخلت الألف واللام، وترك الكلام على ما كان عليه قبل دخولهما. قوله: (ويجوزُ أن ينتصبَ بـ ﴿اعْمَلُوا﴾ مفعولاً به)، إلى قولِه: (طريقِ المشاكلة) يعني: كانَ أصلُ الكلام: اشكروا الله آلَ داود شكرًا، فأقيمَ مُقامَ ((اشكروا)): ﴿اعْمَلُوا﴾؛ ليشاكل قوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ﴾. قال ابنُ الحاجب: يجوزُ أن يكونَ مفعولاً به، كأنَّ العملَ له تعلُّقٌ بالشكر، كما تقول: عملتُ كذا، فأَجْراه لذلك مُجرى المفعول به، ويجوز أن ينتصبَ على المصدرِ لأنه نوعٌ من العمل نَحْو: قعَدْتُ القُرْفُصاءَ، وإما عَمِلوا فقد تضمَّن ذلك شُكرًا لا يحتمل العملُ غيره، فيكون من باب ﴿كِتَابَ اللهِ﴾ [النساء: ٢٤]. هذا الذي عَناه المصنّفُ بقوله:

стр. 6718

أداء الشكر، الباذل وسعه فيه، قد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه؛ اعتقادًا واعترافًا وكدحًا، وأكثر أوقاته. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: من يشكر على أحواله كلها. وعن السدى: من يشكر على الشكر. وقيل: من يرى عجزه عن الشكر. وعن داود: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ((إن العملَ للمُنْعمِ شُكْرٌ له)). قوله: (قد شَغَل به قلْبَه ولِسانَه وجَوارحَه)، لفٌّ. وقولُه: ((اعتقادًا واعترافًا وكَدْحًا)) نَشْرٌ، وهو ينظرُ إلى قولِه في الفاتحة: ((وأما الشكرُ فعلى النعمةِ خاصّةً وهو بالقلبِ واللسانِ والجوارح)). الراغب: الشكرُ: تصوُّر النعمةِ وإظهارُها، وقيل: هو مقلوبٌ الكَشْر، أي: الكشف، ويُضادُّه الكفر، وهو نسيان النعمة وسترها، ودابّةٌ شَكور: مظهر بسِمَنِه إسداءَ صاحِبه. وقيل: أصلُه عَيْنٌ شَكْرى، أي: ممتلئة، فالشكرُ على هذا الامتلاءُ من ذِكْرِ المنعم. والشكرُ ثلاثةُ أضربُ: شُكرٌ بالقلبِ وهو تصوُّرُ النعمةِ، وشُكرٌ باللسانِ وهو الثناءُ على المُنْعِم، وشُكرٌ بسائرِ الجوارح وهو مكافأةُ النعمةِ بقَدْرِ استحقاقِه، وقولُه تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] قيل: انتصابُه على التمييزِ، أي: اعملوا ما تعملونَه شكرًا لله، وقيل: مفعول لقوله: ﴿اعْمَلُوا﴾، وذكَر ﴿اعْمَلُوا﴾ ولم يقُلْ: ((اشكروا)) ليُنبِّه على التزامِ الأنواع الثلاثة. قوله: (مَنْ يشكُرُ على الشكر)، وعليه قال: إذا كان شُكْري نعمةَ الله نعمةً … عليَّ له في مِثْلِها يجبُ الشكرُ فكيف بلوغُ الشكرِ إلا بفَضْلهِ … وإن طالتِ الأيامُ واتّسَع العُمْرُ إذا مسَّ بالنعاءِ عَمَّ سرورُها … وإن مَسَّ بالضراءِ أعْقَبهَا الأجْرُ

стр. 6719

أنه جزأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم تكن تأتى ساعةٌ من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائٌم يصلى. وعن عمر رضى الله عنه: أنه سمع رجلًا يقول: اللهم اجعلنى من القليل، فقال عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: إنى سمعت الله يقول: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ)، فأنا أدعوه أن يجعلني من ذلك القليل، فقال عمر: كل الناس أعلم من عمر. [فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَاكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ)] ١٤ [ قرئ: (فلما قضى عليه الموت). ودابة الأرض: الأرضة، وهي الدويبة التي يقال لها: السرفة، والأرض فعلها، فأضيفت إليه. يقال: أرضت الخشبة أرضًا. إذا أكلتها الأرضة. وقرئ بفتح الراء، من أرضت الخشبة أرضًا، وهو من باب فعلته ففعل، كقولك: أكلت القوادح الأسنان أكلًا. وأكلت أكلًا. والمنسأة: العصا؛ لأنه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهو أيضًا معنى قوله: ((وقيل: مَنْ يرى عَجْزَه عن الشُّكرِ)). قوله: (السُّرْفَة)، النهاية: دُويبّةٌ صَغيرةٌ تثقُبُ الشجرةَ وتتخذ بَيْتًا، يُضْرَبُ بها المثل، يقال: أصْنَعُ من سُرْفَة. الراغب: سُمِّيت بذلك لتصوُّرِ معنى الإسرافِ منها، يقال: سُرِفَتِ الشجرةُ فهيَ مَسْروفة. قولُه: (والأَرْضُ فِعْلُها)، أي: أكْلُها الخَشَبَ، يُشيرُ إلى أنَّ ((الأَرْضَ)) مصدر. قولُه: (بفتحِ الراء)، أي: في ((دابةِ الأرَض)) أي: من الباب الذي يكونُ مضمومَ العينِ متعدّيًا، ومكسورَ العين لازمًا، ولذلك قال: مِن: أرِضتِ الخشبةُ بالكَسْرِ. قوله: (أكلتِ القوادحُ الأسنانَ)، الجوهري: قَدحَ الدودُ في الأسنانِ والشجرِ قَدْحًا، وهو تآكلٌ يقع فيه، والقادحةُ الدّود.

стр. 6720

ينسأ بها، أى: يطرد ويؤخر. وقرئ بفتح الميم وبتخفيف الهمزة قلبًا وحذفًا، وكلاهما ليس بقياس، ولكن إخراج الهمزة بين بين هو التخفيف القياسي. و (منسأته) على مفعالة. كما يقال في الميضأة: ميضاءة. و (من سأته)، أى: من طرف عصاه، سميت بسأة القوس على الاستعارة. وفيها لغتان، كقولهم: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وقُرئ بفَتْحِ الميمِ وبتَخْفيفِ الهمزة قَلْبًا وحَذْفًا)، وفي ((التيسيرِ)): نافعٌ وأبو عَمْرو: ((منساته)) بألفٍ ساكنةٍ بدلاً من الهمزةِ والبَدلُ مَسموع، وابنُ ذَكْوانَ: بهَمْزةٍ ساكنةٍ، ومثلُه قد يجيءُ في الشعرِ لإقامةِ الوزنِ، وأنشَد الأخفشُ الدمشقي: صريعُ خمرِ قامَ مِن وُكاتِه … كقومهِ الشيخِ إلى مِنْساتِه والباقونَ: بهَمْزةٍ مفتوحةٍ. وحَمْزةُ إذا وقفَ جَعَلها بَيْنَ بَيْنَ على أصله. قال ابنُ جِنِّي: المشهورُ ﴿مِنسَأَتَهُ,﴾ و ((مِنْساتَه)) بالهَمْزِ وبالبَدَلِ من الهمزِ، وهي العَصا، مِفْعَلَةٌ؛ من: نَسْأتُ الناقةَ والبعيرَ إذا زجَرْتَه. قال الفراء: هي من سِيَةِ القوس، وهي مَهْموزةٌ، ويجوزُ عند الفرّاءِ سِئة وسأة، وشَبَّههما بالقِحَةِ والقَحَةِ والضِّعَة والضَّعة، والتفسيرُ إنما هو على العصا لا سِيَةِ القوسِ، وهي من (ن سء) أو إن كانت السِّيَةُ والسأةُ من: نسَأتُ، فهي عَلَة، والفاءُ محذوفةٌ نحو العِدَةِ والزِّنةِ والضِّعة والقِحَة، وذلك مما فاؤه ((واو)) لا نون، ولم يَمْرُرْ بنا ما حَذِفَتْ نونُه وهي فاء، وسِيَةُ القوسِ: فِعَة، واللام محذوفة. وسُئل أبو عَمْروٍ عن تركِ همزة ((مِنْساته)) قال: وجدتُ لها في كتابِ الله تعالى أمثالاً ﴿خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البيّنة: ٧] و ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦]، وكان أبو عَمْرو ويهمِزُ ثم تركَها. ويريدُ أنّ البريةَ من: برأَ الخلْقَ، فتركَ همْزَها تخفيفًا، و ((الترُونَّ)) أصلُه: تراءى. قولُه: (على الاستعارة)، أي: اللفظيةِ لا المعنوية، كما سيجيءُ في قوله: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ومنه تسميةُ مطلَقِ الأنفِ للرسن.

стр. 6721

قحة وقحة. وقرئ: (أكلت منسأته). (تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ) من: تبين الشيء؛ إذا ظهر وتجلى. و (أَنْ) مع صلتها بدل من (الجن) بدل الاشتمال، كقولك: تبين زيد جهله. والظهور له في المعنى، أى: ظهر أنّ الجن (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ)؛ أو: علم الجن كلهم علمًا بينًا بعد التباس الأمر على عامّتهم وضعفتهم، وتوهمهم أنّ كبارهم يصدّقون في ادعائهم علم الغيب؛ أو: علم المدّعون علم الغيب منهم عجزهم، وأنهم لا يعلمون الغيب، وإن كانوا عالمين قبل ذلك بحالهم، وإنما أريد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قِحَة وقَحَة)، الجوهري: وَقُحَ الرجلُ: إذا صار قليلَ الحياءِ، فهو وَقِحٌ ووَقاحٌ بيِّنُ القِحَة؛ بفَتْحِ القافِ وكسرها، والهاء عِوَضٌ من الواو وكذلك سِيَةُ القوسِ، وهي ما عُطِفَ من طرفَيْها، والجمعُ سِياتٌ، والهاءُ عِوَضٌ من الواو. قوله: (﴿أَن﴾ مع صلتها بدل من ﴿الْجِنُّ﴾)، وقيل: بدَلٌ من مُقدَّر وهو أمر؛ أي: تبيّن أمرُ الجنِّ، وعلى التقديرَيْن محلّه رَفْع. قوله: (والظهور له)، أي: للجهل في المعنى؛ يعني أسندَ تبيَّن الذي بمعنى ظَهر إلى زيدٍ، وفي المعنى الظهور للجهل لا لزيد، فجيء بزيد توطئة، وعليه قولُه: ((ظَهر أنَّ الجنَّ لو كانوا يعلمون)) أي: ظَهر جَهْلُ الجنِّ للناس. قوله: (أو عَلِمَ الجنُّ)، عطْفٌ على ((﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ من: تبيَّن الشيء))، يعني: ﴿تَبَيَّنَتِ﴾ يجوز أن يكون لازمًا وأن يكون متعدّيًا. الجوهري: تبيَّنَ الشيء، أي: ظَهر، وتبينتُه أنا، يتعدّى ولا يتعدّى. وإلى معنى اللازم أشار بقوله: ((ظهرَ أنّ الجنَّ لو كانوا يعلمونَ الغيْبَ))، وعلى أن يكونَ متعديًا إذا جُعلَ التعريفُ في ((الجن)) للجنس كان المعنى كما قال: ((أو علم الجنُّ كلُّهم علمًا بينًا)) إلى آخره، وإذا جعل للعهد والمرادُ جِنّ سليمانَ فيكونَ من بابِ وَضْعِ المُظْهَر موضعَ المُضْمَرِ فيفيدُ بحَسبِ المَقام معنى التهكّم، وأن يقال: لو عَلِمَ المُدَّعون علْمَ الغيبِ عَجْزَهم كما تقول لمن يدَّعي معرفةَ الشيءِ وهو يعلَمُ جَهْلَه ثم يعجَزُ عنه: قد عَلِمَ المدعي أنه لا يقدِرُ على شيءٍ من هذه المسائل، والحالُ أنه لم يزل عالمًا به. قولُه: (عَجْزَهم وأنّهم لا يعلمونَ الغيب)، قيل تنازعَ فيه قولُه: ((أو عَلِمَ الجنُّ كلُّهم))

стр. 6722

التهكم بهم كما تتهكم بمدّعى الباطل إذا دحضت حجته، وظهر إبطاله بقولك: هل تبينت أنك مبطل. وأنت تعلم أنه لم يزل لذلك متبينًا. وقرئ: (تبينت الجن) على البناء للمفعول، على أن المتبين في المعنى هو: (أَنْ) مع ما في صلتها؛ لأنه بدل. وفي قراءة أبىّ: (تبينت الإنس). وعن الضحاك: (تباينت الإنس)، بمعنى: تعارفت وتعالمت. والضمير في (كانُوا) للجن في قوله: (وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ)] سبأ: ١٢ [، أى: علمت الإنس أن لو كان الجن يصدقون فيما يوهمونهم من علمهم الغيب؛ ما لبثوا. وفي قراءة ابن مسعود رضى الله عنه: (تبينت الإنس أنّ الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب). روى: أنه كان من عادة سليمان ﵇ أن يعتكف في مسجد بيت المقدس المدد الطوال، فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله، فيسألها: لأى شيء أنت؟ فتقول: لكذا، حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة فسألها، فقالت: نبت لخراب هذا المسجد، فقال: ما كان الله ليخربه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقوله: ((وعلم المُدَّعون)) أو يقول: هو معمولُ الثاني وحُذِفَ مفعولُ الأولِ لدلالةِ هذا عليه، ويؤيِّدُ الوجْهَ الأخيرَ قولُه: ((وإن كانوا عالمينَ قبل ذلك بحالهم)) إلى آخره. قوله: (على أن المتبيَّنَ في المعنى)، يعني ﴿تَبَيَّنَتِ﴾ قرئ مجهولاً بناءً على أنّ المسندَ إليه ((أن)) مع ما في صلتِها، وذِكْرُ الجنِّ كالتوطئِة، ومَرْجِعُه إلى الوجْهِ الأول. قوله: (تَبيَّنتِ الإنس)، قال ابن جني: هي قراءةُ ابنِ عباسٍ والضّحاك وعليِّ بن الحسين ﵃، أي: تبينتِ الإنسُ أنّ الجنَّ لو عَلِموا بذلك ما لبِثوا في العذاب المُهين، ويدلُّ عليه ما رواه مَعبدٌ عن قَتادة قال: في مُصْحَفِ عبد الله: ((تبيَّنتِ الإنسُ أنّ الجنَّ لو كانوا يعلمون ما لبثوا)). قوله: (الخرّوبة)، النهاية: في حديثِ سليمانَ ﵇: كان يَنْبُت كلَّ يوم في مُصَلاه شجرةٌ فيسألها: ما أنت؟ فتقول: أنا شجرةُ كذا، أنبُت في أرضِ كذا، أنبُت في أرضِ كذا، أنا دَواءٌ من داء كذا،

стр. 6723

وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكى وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائٍط له وقال: اللهم عم عن الجن موتى، حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب. لأنهم كانوا يسترقون السمع ويموّهون على الإنس أنهم يعلمون العيب. وقال لملك الموت: إذا أمرت بى فأعلمنى، فقال: أمرت بك وقد بقيت من عمرك ساعة، فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب، فقام يصلى متكئًا على عصاه، فقبض روحه وهو متكئ عليها؛ وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه أينما صلى، فلم يكن شيطان ينظر إليه في صلاته إلا احترق، فمر به شيطان فلم يسمع صوته، ثم رجع فلم يسمع، فنظر، فإذا سليمان قد خر ميتًا، ففتحوا عنه فإذا العصا قد أكلتها الأرضة، فأرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها في يوٍم وليلةٍ مقدارًا، فحسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة، وكانوا يعملون بين يديه ويحسبونه حيًا، فأيقن الناس أنهم لو علموا الغيب لما لبثوا في العذاب سنةً. وروى: أنّ داود ﵇ أسس بناء بيت المقدس في موضع فسطاط موسى ﵇، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فيأمرُ بها فتُقْطَع، ثم تُصَرُّ ويُكْتَبُ على الصُّرة اسمُها ودَواؤها، فلما كان في آخر ذلك نَبَتتِ الينبوتةُ، فقال: وما أنتِ؟ فقالت: أنا الخرُّوبة وسكتَت، فقال: الآن أعْلَم أنّ الله قد أذِن في خَرابِ هذا المسجد وذَهاب هذا المُلِكِ، فلم يَلْبَث أن مات. وقريب منه في ((معالم التنزيل)). قوله: (في موضعِ فُسطاطِ موسى ﵇، الجوهري: الفُسطاطُ بيْتٌ من شَعَر، وفسطاطُ: مدينةُ مصر. والظاهرُ غيرُ ذلك. أما الثاني فظاهر، وأما الأول فلأنّ المشهورَ أنّ موسى ﵇ ما وصلَ إلى بيتِ المقدس ولا رآه. ويؤيِّدُه ما رواه المصنِّفُ في المائدة في

стр. 6724

فمات قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان، فأمر الشياطين بإتمامه، فلما بقي من عمره سنة سأل أن يعمى عليهم موته حتى يفرغوا منه؛ وليبطل دعواهم علم الغيب. روى: أن أفريدون جاء ليصعد كرسيه، فلما دنا ضرب الأسدان ساقه فكسراها، فلم يجسر أحد بعد أن يدنو منه، وكان عمر سليمان ثلاثًا وخمسين سنةً؛ ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فبقى في ملكه أربعين سنة، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه. [لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ)] ١٥ - ١٧ [ قرئ: (لِسَبَإٍ) بالصرف ومنعه، وقلب الهمزة ألفاً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قصتِه قال: رُوِيَ أنّ هارونَ ماتَ في التيه، ومات موسى بَعْدَه فيه بسَنة، ودخل يوشَعُ أريحا بعد موتِه بثلاثة أشهر. وروَيْنا في حديثِ قَبْضِ روحِه عن البخاريِّ ومُسلم والنَّسائي عن النبيِّ ﷺ : ((فسألَ الله أن يُدْنِيَه من الأرضِ المُقَدَّسةِ رَمْيَة حجر)) قال رسولُ الله ﷺ : ((فلو كُنْتُ ثَمَّ لأرينُكُم قَبْرَه إلى جانبِ الطريقِ عند الكثيب الأحمر)). قوله: (قُرئ: ﴿لِسَبَإٍ﴾ بالصرفِ ومَنْعِه)، البَزِّيُّ وأبو عَمْروٍ: بفَتْح الهمزةِ من غيرِ تنوين، وقُنْبُلٌ: بإسكانِها على نيّةِ الوقفِ، والباقونَ: بالخفْضِ مع التنوين. قال الزجّاج: مَنْ فَتحَ وتركَ الصرفَ فلجَعْلِه اسما للقبيلةِ ومَنْ صَرَفَه جعَله اسمًا لرجلٍ أو للحيِّ.

стр. 6725

و (مسكنهم): بفتح الكاف وكسرها، وهو موضع سكناهم، وهو بلدهم وأرضهم التي كانوا مقيمين فيها، أو مسكن كل واحد منهم. وقرئ: (مساكنهم). و (جَنَّتانِ): بدل من (آية). أو خبر مبتدإ محذوف، تقديره: الآية جنتان. وفي الرفع معنى المدح، تدل عليه قراءة من قرأ: (جنتين) بالنصب على المدح. فإن قلت: ما معنى كونهما آية؟ قلت: لم يجعل الجنتين في أنفسهما آيةً، وإنما جعل قصتهما وأنّ أهلهما أعرضوا عن شكر الله تعالى عليهما فخربهما، وأبدلهم عنهما لخمط والأثل؛ آية وعبرة لهم ليعتبروا ويتعظوا فلا يعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفر وغمط النعم. ويجوز أن تجعلهما آية، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (و ﴿مَسْكَنِهِمْ﴾ بفَتْح الكاف وكَسْرِها)، حفْصٌ وحمزةُ: بإسكانِ السين وفَتْحِ الكافِ، والكسائيٌّ كذلك غير أنه يكسِرُ الكافَ، والباقونَ: بفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِ الكافِ وألفٍ بينهما. قال مَكِّي: مَنْ قرأَ بالتوحيدِ وفَتْحِ الكافِ جَعله مَصْدرًا ولم يجمَعْه وأتى به على القياس، لأن ((فَعَلَ يَفْعَل)) قياس مطرد بالفتح نَحْو المَقْعَدِ والمَدْخَلِ، وقيل: هو اسمٌ مُفردٌ للمكانِ يؤدِّي عن الجمعِ، ومَنْ كسَر الكافَ جعلَه اسمًا للمكانِ كالمسجدِ، وقيل: هو مَصْدرٌ خرَج عن الأصلِ كالمَطْلَع. قوله: (ويجوز أن تَجْعلَهما آية)، أي: علامةً دالّةً على الله وعلى قدرتهِ، فعلى الأولِ المضافُ محذوفٌ، وعلى الثاني هو مِثْلُ قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] قال: حالُهما بمَجْموعهما آيةٌ واحدة وهي ولادتُها إيّاهُ مِن غيرِ فَحْل. اعلَم أنّ في مثل هذه الآية يجوزُ أن ينتفعَ بها المكلَّفُ من حيثُ الاعتبارُ، فيَنْزجرُ ويَرْتدِعُ عن كُفرانِ نعم الله لئلا يُصيبَه بمثْلِ ما أصابهم أو من حيث القدرة الكاملة والإحسان إليه حيث ما ابتلاه بمثْلِ ما ابتلاهم، فيشكر الله عليه وهذا معنى قولهم: تجبُ سجدةُ الشكرِ عند
следующие страницы →