Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.
стр. 6721
قحة وقحة. وقرئ: (أكلت منسأته). (تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ) من: تبين الشيء؛ إذا ظهر وتجلى. و (أَنْ) مع صلتها بدل من (الجن) بدل الاشتمال، كقولك: تبين زيد جهله. والظهور له في المعنى، أى: ظهر أنّ الجن (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ)؛ أو: علم الجن كلهم علمًا بينًا بعد التباس الأمر على عامّتهم وضعفتهم، وتوهمهم أنّ كبارهم يصدّقون في ادعائهم علم الغيب؛ أو: علم المدّعون علم الغيب منهم عجزهم، وأنهم لا يعلمون الغيب، وإن كانوا عالمين قبل ذلك بحالهم، وإنما أريد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قِحَة وقَحَة)، الجوهري: وَقُحَ الرجلُ: إذا صار قليلَ الحياءِ، فهو وَقِحٌ ووَقاحٌ بيِّنُ القِحَة؛ بفَتْحِ القافِ وكسرها، والهاء عِوَضٌ من الواو وكذلك سِيَةُ القوسِ، وهي ما عُطِفَ من طرفَيْها، والجمعُ سِياتٌ، والهاءُ عِوَضٌ من الواو.
قوله: (﴿أَن﴾ مع صلتها بدل من ﴿الْجِنُّ﴾)، وقيل: بدَلٌ من مُقدَّر وهو أمر؛ أي: تبيّن أمرُ الجنِّ، وعلى التقديرَيْن محلّه رَفْع.
قوله: (والظهور له)، أي: للجهل في المعنى؛ يعني أسندَ تبيَّن الذي بمعنى ظَهر إلى زيدٍ، وفي المعنى الظهور للجهل لا لزيد، فجيء بزيد توطئة، وعليه قولُه: ((ظَهر أنَّ الجنَّ لو كانوا يعلمون)) أي: ظَهر جَهْلُ الجنِّ للناس.
قوله: (أو عَلِمَ الجنُّ)، عطْفٌ على ((﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ من: تبيَّن الشيء))، يعني: ﴿تَبَيَّنَتِ﴾ يجوز أن يكون لازمًا وأن يكون متعدّيًا.
الجوهري: تبيَّنَ الشيء، أي: ظَهر، وتبينتُه أنا، يتعدّى ولا يتعدّى. وإلى معنى اللازم أشار بقوله: ((ظهرَ أنّ الجنَّ لو كانوا يعلمونَ الغيْبَ))، وعلى أن يكونَ متعديًا إذا جُعلَ التعريفُ في ((الجن)) للجنس كان المعنى كما قال: ((أو علم الجنُّ كلُّهم علمًا بينًا)) إلى آخره، وإذا جعل للعهد والمرادُ جِنّ سليمانَ فيكونَ من بابِ وَضْعِ المُظْهَر موضعَ المُضْمَرِ فيفيدُ بحَسبِ المَقام معنى التهكّم، وأن يقال: لو عَلِمَ المُدَّعون علْمَ الغيبِ عَجْزَهم كما تقول لمن يدَّعي معرفةَ الشيءِ وهو يعلَمُ جَهْلَه ثم يعجَزُ عنه: قد عَلِمَ المدعي أنه لا يقدِرُ على شيءٍ من هذه المسائل، والحالُ أنه لم يزل عالمًا به.
قولُه: (عَجْزَهم وأنّهم لا يعلمونَ الغيب)، قيل تنازعَ فيه قولُه: ((أو عَلِمَ الجنُّ كلُّهم))
стр. 6722
التهكم بهم كما تتهكم بمدّعى الباطل إذا دحضت حجته، وظهر إبطاله بقولك: هل تبينت أنك مبطل. وأنت تعلم أنه لم يزل لذلك متبينًا. وقرئ: (تبينت الجن) على البناء للمفعول، على أن المتبين في المعنى هو: (أَنْ) مع ما في صلتها؛ لأنه بدل. وفي قراءة أبىّ: (تبينت الإنس). وعن الضحاك: (تباينت الإنس)، بمعنى: تعارفت وتعالمت. والضمير في (كانُوا) للجن في قوله: (وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ)] سبأ: ١٢ [، أى: علمت الإنس أن لو كان الجن يصدقون فيما يوهمونهم من علمهم الغيب؛ ما لبثوا. وفي قراءة ابن مسعود رضى الله عنه: (تبينت الإنس أنّ الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب). روى: أنه كان من عادة سليمان ﵇ أن يعتكف في مسجد بيت المقدس المدد الطوال، فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله، فيسألها: لأى شيء أنت؟ فتقول: لكذا، حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة فسألها، فقالت: نبت لخراب هذا المسجد، فقال: ما كان الله ليخربه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: ((وعلم المُدَّعون)) أو يقول: هو معمولُ الثاني وحُذِفَ مفعولُ الأولِ لدلالةِ هذا عليه، ويؤيِّدُ الوجْهَ الأخيرَ قولُه: ((وإن كانوا عالمينَ قبل ذلك بحالهم)) إلى آخره.
قوله: (على أن المتبيَّنَ في المعنى)، يعني ﴿تَبَيَّنَتِ﴾ قرئ مجهولاً بناءً على أنّ المسندَ إليه ((أن)) مع ما في صلتِها، وذِكْرُ الجنِّ كالتوطئِة، ومَرْجِعُه إلى الوجْهِ الأول.
قوله: (تَبيَّنتِ الإنس)، قال ابن جني: هي قراءةُ ابنِ عباسٍ والضّحاك وعليِّ بن الحسين ﵃، أي: تبينتِ الإنسُ أنّ الجنَّ لو عَلِموا بذلك ما لبِثوا في العذاب المُهين، ويدلُّ عليه ما رواه مَعبدٌ عن قَتادة قال: في مُصْحَفِ عبد الله: ((تبيَّنتِ الإنسُ أنّ الجنَّ لو كانوا يعلمون ما لبثوا)).
قوله: (الخرّوبة)، النهاية: في حديثِ سليمانَ ﵇: كان يَنْبُت كلَّ يوم في مُصَلاه شجرةٌ فيسألها: ما أنت؟ فتقول: أنا شجرةُ كذا، أنبُت في أرضِ كذا، أنبُت في أرضِ كذا، أنا دَواءٌ من داء كذا،
стр. 6723
وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكى وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائٍط له وقال: اللهم عم عن الجن موتى، حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب. لأنهم كانوا يسترقون السمع ويموّهون على الإنس أنهم يعلمون العيب. وقال لملك الموت: إذا أمرت بى فأعلمنى، فقال: أمرت بك وقد بقيت من عمرك ساعة، فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب، فقام يصلى متكئًا على عصاه، فقبض روحه وهو متكئ عليها؛ وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه أينما صلى، فلم يكن شيطان ينظر إليه في صلاته إلا احترق، فمر به شيطان فلم يسمع صوته، ثم رجع فلم يسمع، فنظر، فإذا سليمان قد خر ميتًا، ففتحوا عنه فإذا العصا قد أكلتها الأرضة، فأرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها في يوٍم وليلةٍ مقدارًا، فحسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة، وكانوا يعملون بين يديه ويحسبونه حيًا، فأيقن الناس أنهم لو علموا الغيب لما لبثوا في العذاب سنةً. وروى: أنّ داود ﵇ أسس بناء بيت المقدس في موضع فسطاط موسى ﵇،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيأمرُ بها فتُقْطَع، ثم تُصَرُّ ويُكْتَبُ على الصُّرة اسمُها ودَواؤها، فلما كان في آخر ذلك نَبَتتِ الينبوتةُ، فقال: وما أنتِ؟ فقالت: أنا الخرُّوبة وسكتَت، فقال: الآن أعْلَم أنّ الله قد أذِن في خَرابِ هذا المسجد وذَهاب هذا المُلِكِ، فلم يَلْبَث أن مات. وقريب منه في ((معالم التنزيل)).
قوله: (في موضعِ فُسطاطِ موسى ﵇، الجوهري: الفُسطاطُ بيْتٌ من شَعَر، وفسطاطُ: مدينةُ مصر. والظاهرُ غيرُ ذلك. أما الثاني فظاهر، وأما الأول فلأنّ المشهورَ أنّ موسى ﵇ ما وصلَ إلى بيتِ المقدس ولا رآه. ويؤيِّدُه ما رواه المصنِّفُ في المائدة في
стр. 6724
فمات قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان، فأمر الشياطين بإتمامه، فلما بقي من عمره سنة سأل أن يعمى عليهم موته حتى يفرغوا منه؛ وليبطل دعواهم علم الغيب. روى: أن أفريدون جاء ليصعد كرسيه، فلما دنا ضرب الأسدان ساقه فكسراها، فلم يجسر أحد بعد أن يدنو منه، وكان عمر سليمان ثلاثًا وخمسين سنةً؛ ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فبقى في ملكه أربعين سنة، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه.
[لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ)] ١٥ - ١٧ [
قرئ: (لِسَبَإٍ) بالصرف ومنعه، وقلب الهمزة ألفاً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قصتِه قال: رُوِيَ أنّ هارونَ ماتَ في التيه، ومات موسى بَعْدَه فيه بسَنة، ودخل يوشَعُ أريحا بعد موتِه بثلاثة أشهر.
وروَيْنا في حديثِ قَبْضِ روحِه عن البخاريِّ ومُسلم والنَّسائي عن النبيِّ ﷺ : ((فسألَ الله أن يُدْنِيَه من الأرضِ المُقَدَّسةِ رَمْيَة حجر)) قال رسولُ الله ﷺ : ((فلو كُنْتُ ثَمَّ لأرينُكُم قَبْرَه إلى جانبِ الطريقِ عند الكثيب الأحمر)).
قوله: (قُرئ: ﴿لِسَبَإٍ﴾ بالصرفِ ومَنْعِه)، البَزِّيُّ وأبو عَمْروٍ: بفَتْح الهمزةِ من غيرِ تنوين، وقُنْبُلٌ: بإسكانِها على نيّةِ الوقفِ، والباقونَ: بالخفْضِ مع التنوين. قال الزجّاج: مَنْ فَتحَ وتركَ الصرفَ فلجَعْلِه اسما للقبيلةِ ومَنْ صَرَفَه جعَله اسمًا لرجلٍ أو للحيِّ.
стр. 6725
و (مسكنهم): بفتح الكاف وكسرها، وهو موضع سكناهم، وهو بلدهم وأرضهم التي كانوا مقيمين فيها، أو مسكن كل واحد منهم. وقرئ: (مساكنهم). و (جَنَّتانِ): بدل من (آية). أو خبر مبتدإ محذوف، تقديره: الآية جنتان. وفي الرفع معنى المدح، تدل عليه قراءة من قرأ: (جنتين) بالنصب على المدح. فإن قلت: ما معنى كونهما آية؟ قلت: لم يجعل الجنتين في أنفسهما آيةً، وإنما جعل قصتهما وأنّ أهلهما أعرضوا عن شكر الله تعالى عليهما فخربهما، وأبدلهم عنهما لخمط والأثل؛ آية وعبرة لهم ليعتبروا ويتعظوا فلا يعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفر وغمط النعم. ويجوز أن تجعلهما آية،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (و ﴿مَسْكَنِهِمْ﴾ بفَتْح الكاف وكَسْرِها)، حفْصٌ وحمزةُ: بإسكانِ السين وفَتْحِ الكافِ، والكسائيٌّ كذلك غير أنه يكسِرُ الكافَ، والباقونَ: بفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِ الكافِ وألفٍ بينهما.
قال مَكِّي: مَنْ قرأَ بالتوحيدِ وفَتْحِ الكافِ جَعله مَصْدرًا ولم يجمَعْه وأتى به على القياس، لأن ((فَعَلَ يَفْعَل)) قياس مطرد بالفتح نَحْو المَقْعَدِ والمَدْخَلِ، وقيل: هو اسمٌ مُفردٌ للمكانِ يؤدِّي عن الجمعِ، ومَنْ كسَر الكافَ جعلَه اسمًا للمكانِ كالمسجدِ، وقيل: هو مَصْدرٌ خرَج عن الأصلِ كالمَطْلَع.
قوله: (ويجوز أن تَجْعلَهما آية)، أي: علامةً دالّةً على الله وعلى قدرتهِ، فعلى الأولِ المضافُ محذوفٌ، وعلى الثاني هو مِثْلُ قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] قال: حالُهما بمَجْموعهما آيةٌ واحدة وهي ولادتُها إيّاهُ مِن غيرِ فَحْل.
اعلَم أنّ في مثل هذه الآية يجوزُ أن ينتفعَ بها المكلَّفُ من حيثُ الاعتبارُ، فيَنْزجرُ ويَرْتدِعُ عن كُفرانِ نعم الله لئلا يُصيبَه بمثْلِ ما أصابهم أو من حيث القدرة الكاملة والإحسان إليه حيث ما ابتلاه بمثْلِ ما ابتلاهم، فيشكر الله عليه وهذا معنى قولهم: تجبُ سجدةُ الشكرِ عند
стр. 6726
أي: علامة دالة على الله، وعلى قدرته وإحسانه ووجوب شكره. فإن قلت: كيف عظم الله جنتي أهل سبأ وجعلهما آية، ورب قريةٍ من قريات العراق يحتف بها من الجنان ما شئت؟ قلت: لم يرد بستانين اثنين فحسب، وإنما أراد جماعتين من البساتين: جماعة عن يمين بلدهم، وأخرى عن شمالها، وكل واحد من الجماعتين في تقاربها وتضامهما، كأنها جنة واحدة، كما تكون بلاد الريف العامرة وبساتينها، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله، كما قال: (جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب)] الكهف: ٣٢ [. (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ): إما حكاية لما قال لهم أنبياء الله المبعوثون إليهم، أو لما قال لهم لسان الحال، أو هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك، ولما قال: (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ) أتبعه قوله: (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) يعنى: هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة، وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور لمن شكره. وعن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اندفاعِ نِقمةٍ أو هُجومِ نعمةٍ، وإلى الأولِ الإشارةُ بقوله: ((فلا يعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفرِ)) وإلى الثاني بقوله: ((وإحسانهِ ووجوبِ شكره)).
قوله: (لم يُرِدْ بَستانَيْن اثنَيْن فحَسْب)، أي: ﴿جَنَّتَانِ﴾ إما بَدلٌ من ﴿آيَةٌ﴾ أو خبرُ مبتدأٍ محذوف والجملةُ بَيان، وقولُه: ﴿لِسَبَإ﴾ اسمُ قبيلةٍ أو حيٍّ محمولٌ على ﴿آيَةٌ﴾ لأنها اسمُ ﴿كَانَ﴾ وينبغي أن يُحملَ ﴿جَنَّتَانِ﴾ على الكلِّ: إما باعتبارِ الجنس وما يُقال له: جَنّتان، وإليه الإشارةُ بقوله: ((وإنّما أراد جماعتَيْن)) إلى آخرِه، أو باعتبارِ أفرادِ الجنسِ وهو المرادُ مِن قَوْلِه: ((أو أرادَ بُسْتانَيْ كُلِّ رجلٍ منهم وليسَ كذلك بساتينُ سائرِ البلادِ لسائرِ الناس))، فأدّى مآلُ المعنى إلى أنَّ أهلَ تلك البلادِ مُتْرَفين قاطبةً أصحابَ بساتين.
قولُه: (أتْبَعَه)، فيه إشعارٌ بأنّ في التنزيل لفًّا ونَشْرًا، وأنّ وصْفَ البلدةِ بالطيِّبة ناظرٌ إلى قوله: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٨٥]، وإليه أشارَ بقوله: ((هذه البَلدةُ
стр. 6727
ابن عباس ﵄: كانت أخصب البلاد وأطيبها؛ تخرج المرأة وعلى رأسها المكتل، فتعمل بيديها وتسير بين تلك الشجر، فيمتلئ المكتل بما يتساقط فيه من الثمر. (طَيِّبَةٌ): لم تكن سبخة. وقيل: لم يكن فيها بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية. وقرئ: (بلدة طيبة وربا غفورا) بالنصب على المدح. وعن ثعلب: معناه: اسكن، واعبد. (الْعَرِمِ): الجرذ الذي نقب عليهم السكر؛ ضربت لهم بلقيس الملكة بسدّ ما بين الجبلين بالصخر والقار، فحقنت به ماء العيون والأمطار، وتركت فيه خروقًا على مقدار ما يحتاجون إليه في سقيهم، فلما طغوا قيل: بعث الله إليهم ثلاثة عشر نبيًا يدعونهم إلى الله ويذكرونهم نعمته عليهم، فكذبوهم، وقالوا ما نعرف لله نعمة -سلط الله على سدّهم الخلد فنقبه من أسفله فغرقهم. وقيل: العرم: جمع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التي فيها رِزْقُكم بلدةٌ طيِّبة))، إلى قوله: ((غفورٌ لمن شكر))، وإيذانٌ بأنّ شُكرَهم لم يكن وافيًا بتلك النعمة، وأنّه تعالى يرضى عنهم بقليلِ الشكرِ من كثيرِ النعمة.
قوله: (اسْكُن واعبد)، أي: اسكُن بلدةً طَيبةً واعبُدْ ربًّا غَفورًا.
قوله: (الجرْذ)، الجوهري: الجُرْذُ ضرْبٌ من الفأرِ والجمْعُ جُرْذان. والخُلْدُ أيضًا ضَرْبٌ من الجُرذانِ. قيل: سُمِّيَ خُلدًا لإقامتِه عند جُحره لعماه.
الراغب: قيلَ: العَرِمُ الجُرْذُ الذَّكَر نُسِبَ إليه الفعل لأنه هو الذي نقبَ المَسْناةَ.
وقال: العَرامة: شَراسةٌ وصُعوبةٌ في الخُلُقِ ويظهر بالفعل يقال: عَرِمَ فهو عارِم، وعَرِمَ تَخلَّقَ بذلك، ومنه: عُرام الجيش، وقولهُ تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦] وقيل: العَرِمُ: المَسْناةُ.
قوله: (والقار)، الجوهري: القارُ القِيرُ والقَارةُ: الأكَمَة، وجمعها: قار.
قوله: (فحقنت)، الأساس: حَقَنَ اللبنَ في السِّقاء: جَمَعَه، وسَقاه الحَقينَ أي: اللبنَ المَحْقون.
стр. 6728
عرمة، وهي الحجارة المركومة. ويقال للكدس من الطعام: عرمة، والمراد: المسناة التي عقدوها سكرًا. وقيل: العرم اسم الوادي. وقيل: العرم المطر الشديد. وقرئ: (العرم) بسكون الراء. وعن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد ﵉. وقرئ: (أكل) بالضم والسكون، وبالتنوين والإضافة. والأكل: الثمر. والخمط: شجر الأراك. وعن أبى عبيدة: كل شجر ذى شوك. وقال الزجاج: كل نبت أخذ طعمًا من مرارة، حتى لا يمكن أكله. والأثل: شجر يشبه الطرفاء أعظم منه وأجود عودًا. ووجه من نون: أن أصله: ذواتي أكل أكل خمط؛ فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (للكُدْسِ)، الأساس: كُدْسٌ من الطعام وأكداسٌ. ومنَ المجازِ: مررْتُ بأكداسٍ من الطعام، وتكَدَّستِ الخيلُ: اجتمعَتْ وركِبَ بعضُها بَعْضًا في سَيْرِها.
قوله: (المُسَنّاة)، قيل: ما يُبنى للسيل ليَرُدَّ الماءَ.
قوله: (عَقَدوها سِكْرًا)، الجوهري: السَّكَرُ: مصْدرُ أسكَرْتُ النّهرَ أسكُرُه سَكَرًا: إذا سدَدْتَه، والسِّكْرُ بالكَسْرِ: العَرِم.
و((السِّكْرُ)) في الكتابِ حالٌ مُقدَّرة نَحْوَ قولِه: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [الشعراء: ١٤٩].
قوله: (وقُرئ أُكْلٍ، بالضمِّ والسكونِ والتنوينِ والإضافة)، قرأ أبو عَمْروٍ: بضَمِّ الكافِ مع الإضافة، وابنُ كثيرٍ: بالسكونِ مُنوّنًا، والباقون: بالضمِّ من غيرِ إضافة. وعَن بَعْضِهم: التقديرُ: أُكلِ ذي خَمْطٍ، وقيل: هو بدَلٌ منه، وجُعِلَ خَمْطًا أُكلاً لمُجاورتِه إيّاه وكَوْنِه سَببًا له.
قوله: (ووجهُ مَن نوّن)، يعني: التنوينُ في ﴿أُكُلٍ﴾ مُشكل، إما أن يُجعلَ ﴿خَمْطٍ﴾ بدلاً منه على حذفِ مضافٍ، أو يذهب على تأويل الخمط الذي هو اسم الشجر بمعنى
стр. 6729
أو وصف الأكل بالخمط، كأنه قيل: ذواتي أكل بشع. ومن أضاف، وهو أبو عمرو وحده؛ فلأن أكل الخمط في معنى البرير، كأنه قيل: ذواتي برير. والأثل والسدر معطوفان على (أكل)، لا على (خمط)؛ لأن الأثل لا أكل له. وقرئ: (وأثلا وشيئا)، بالنصب عطفًا على (جنتين). وتسمية البدل جنتين؛ لأجل المشاكلة، وفيه ضرب من التهكم. وعن الحسن ﵀: قال السدر؛ لأنه أكرم ما بدلوا. وقرئ: (وهل يجازى)، (وهل نجازى) بالنون، (وهل يجازى) والفاعل الله وحده، (وهل يجزى) والمعنى: أن مثل هذا الجزاء لا يستحقه إلا الكافر،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البَشِعِ ليصحّ الوصفُ به، قال الزجاج: كل نَبْتٍ أخذ طعمًا من مرارةٍ حتى لا يُمكِنُ أكلُه فهو بَشع.
قوله: (في معنى البَرير)، النهاية: البَرير: ثَمرُ الأراك إذا اسوَدَّ وبلغَ، وقيل: هو اسمٌ له في كل حال.
البرير: بالباءِ الموحَّدة والراءِ والياءِ المنقطعةِ من تحتُ نُقطتان والراء.
قوله: (كأنه قيل: ذواتي بَريرٍ)، والإضافةُ للبيان، نحو: بابِ ساجٍ، والمضاف إليه بمعنى برير، ومِن ثَمَّ قال: ((والأَثْلُ والسدرُ معطوفان على ﴿أُكُلٍ﴾ لا على ﴿خَمْطٍ﴾)) إذ لو عطف على ﴿خَمْطٍ﴾ لزمَ أن يكون لهما ثَمر ولا ثمرَ لهما. قال صاحبُ ((الفرائد)): الأكُل الثمرُ، والخَمْطُ الأراك، والبرير ثَمَرُ الأراك فقولُه: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ يساوي: ذواتَيْ بَرير، فأي فائدة في هذا التقدير، أي: تقدير تفسير الخمط بالأراك دونَ كل شجرٍ ذي شوك، فيقال: الفائدة مَزيدُ بيانٍ وتقدير وإظهار كمال بشاعة، والمَقامُ يَقْتضيه.
قوله: (﴿وَهَلْ نُجَازِي﴾)، حَفْصٌ وحمزةُ والكسائي: بالنونِ وكَسْرِ الزاي، ﴿إلاَّ الْكَفُورَ﴾ بالنصبِ، والباقونَ: بالياء وفَتْحِ الزاي، وبالرفع.
قولُه: (والمعنى أنّ مثلَ هذا الجزاءِ لا يستحقُّه إلا الكافر)، ومعنى المثل مستفادٌ من
стр. 6730
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إيقاع قولِه: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ تذييلاً لقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا﴾، وذلك في مثل هذه الموانع يُفيدُ المعنى الكلِّيَّ وهو العِلّيّةُ، وذلك أنه ورد عَقيبَ أوصافِ أُجْرِيَتْ على موصوفٍ، فآذن بأنَّ المذكورَ قبله مُستحَقٌّ بما بعده، أي: ذلك الجزاء لأجلِ اتصافه بتلك الصفات كما مر.
قال صاحب ((الفرائد)): قولُه: ((إن مثل هذا الجزاء لا يستحقُّه إلا الكافر)) صحيح، ولكن قوله: ((وهو العقابُ العاجلُ)) منظور فيه لأن المؤمن يبتلي بالعقاب العاجل أيضا فكيف وقد جاء في الحديث: ((جَعل عذاب هذه الأمة في الدنيا))، وقال تعالى: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] وقوله: ((وليس لقائلٍ أن يقولَ)) إلى آخرهِ منظورٌ فيه يعرف بالتأمل، والوجه أن يقال: وهل نجازي بمِثْلِ هذا الجزاء وهو السلب والتبديل إلا الذي بالغ في الامتناعِ من الشكرِ وكان في ضِمْنِ قوله: ﴿اَلْكَفُورَ﴾ دون ((الكافر)) أنه يعفو عن كَثيرٍ، ولا يُعاقبُ بمثْلِ هذا إلا الذي بلغَ هذا الحدَّ من الكُفر، فيلزَمُ أن يكونُ الكفورُ كافرًا، لأنّ المؤمنَ لا يكون امتناعُه من الشكرِ بهذه المَثابة.
وقلت: ويمكنُ أن يُستنبطَ هذا المعنى من قولِه: ((وقيل: المؤمن تُكَفَّرُ سيئاتُه بحسناتِه)) إلى آخره، يعني: مِثلُ هذا الجزاء أي: العقابُ الذي يكونُ مجازاةً بجميعِ ما يَفعلُه من السوءِ لا يستحقُّه المؤمن، لأن المؤمنَ تُكفَّرُ سيئاتُه بحسناتِه، والكافرُ هو الذي يستحقّه لأن حسناته محبطة فيُجازي بجميعِ ما يفعلُه بجميعِ ما يفعلُه من السوء، فإذَن التعريفُ في قوله: ((العقاب العاجل)) للعهدِ، وهذا من قول الزجاج قال: هذا مما يسأل عنه ويقال: إنّ الله يُجازي الكفورَ وغير الكفور. وجوابُه: أن المؤمنَ يكفَّر عنه السيئات لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] والكافر يحبط عمله فيجازي بكل سوء يعمله لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨].
стр. 6731
وهو العقاب العاجل. وقيل: المؤمن تكفر سيئاته بحسناته، والكافر يحبط عمله فيجازى بجميع ما عمله من السوء، ووجه آخر: وهو أن الجزاء عام لكل مكافأة، يستعمل تارة في معنى المعاقبة، وأخرى في معنى الإثابة، فلما استعمل في معنى المعاقبة في قوله: (جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا) بمعنى: عاقبناهم بكفرهم؛ قيل: (وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ) بمعنى: وهل يعاقب؟ وهو الوجه الصحيح. وليس لقائل أن يقول: لم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن الجزاء عام لكلٍّ مكافأةٍ)، أي: مشتركٌ في معنَييْن متضادَّيْن فاحتيجَ إلى تعيينِ المرادِ بالقرينةِ المُخصِّصة لَمّا قُرِنَ هاهنا بقولِه: ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾ تَعَيَّنَ المرادُ، ثم قيل: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ لكونِه تذييلاً، فيكون معناهُ معناه، وهو المراد من قوله بعد هذا: ((لم يُرِدِ الجزاءَ العامّ وإنما أرادَ الخاصّ))، ومن قولِه: ((ولا يجوزُ أن يرادَ العمومُ وليس موضعَه، ألا ترى أنّك لو قلتَ: جزَيْناهُم بما كفروا وهل نُجازي إلا الكافرَ والمؤمنَ لا يصحُّ))، فعلى هذا قوله: ((وليسَ لقائلٍ أن يقول)): لا افتقارَ إليه، ولعلَّ مُرادَ صاحبِ ((الفرائد)) من قولِه: ((ولقائل أن يقول: منظور فيه)) هذا. ويمكن أن يكونَ أصلُ الكلام: فهل يُجازي إلا العاملُ، فَعَدلَ إلى ((الكفورِ)) ليشاكِلَ قولَه: ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾.
قوله: (وهو الوجه الصحيح)، مشعر بأن في الآية وجوهًا، لكنّ الصَحيح هذا، وفيه أن الوجْهَ الأولَ ليس بقويّ لاختصاصِ الجزاءِ والمجازاة فيه بالشرِّ دون الخير ابتداء.
قال ابنُ جِنِّي: ذكر شيخُنا أبو علي: أنه كان أبو إسحاق يقولُ: جزيتُ الرجلَ في الخيرِ وجازيْتهُ في الشرِّ، واستدلَّ عليه بقراءةِ العامة: ﴿وهل يجازي إلا الكفور﴾، وقرأتُ على أبي عليٍّ عن أبي زيدٍ:
لعمري لقد بَرًّ الضِّبابَ بنوه … وبعضُ البنين حُمَّة وسُعال
جزَوْني بما ربَّيتُهم وحملتُهم … كذلك ما إنّ الخطوبَ دَوال
وينبغي أن يكونَ أبو إسحاقَ يقول: يريدُ أنّك إذا أرسلتَهُما ولم تُعَدِّهما إلى المفعول الثاني كان كذلك، فإذا ذكرْتَه إشتركا، ألا ترى إلى قولِه:
стр. 6732
قيل: وهل يجازى إلا الكفور، على اختصاص الكفور بالجزاء، والجزاء عام للكافر والمؤمن؟ لأنه لم يرد الجزاء العام، وإنما أراد الخاص وهو العقاب، بل لا يجوز أن يراد العموم، وليس بموضعه. ألا ترى أنك لو قلت: جزيناهم بما كفروا، وهل يجازى إلا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جزاني الزُّهْدَ مانِ جَزاءِ سوء … وكُنْتُ المرءَ أُجْزي بالكَرامهْ
وأما قراءةُ ابنِ جُنْدَبٍ: ((وهل يُجْزي إلا الكفور)) فوجْهُها: إذا كان الجزاءُ عن الحسنةِ عَشْرًا، فلذلك تَفضُّلٌ وليس جزاءً، وإنما الجزاءُ في تعادُلِ العملِ والحسابِ والثوابِ عنه، ولله دَرُّ جريرٍ حيث يقول:
يا أم عمرو جزاك الله صالحة … رُدِّي عليّ فُؤادي كالذي كانا
وروي مُحي السنّةِ عن مجاهدٍ: ((يُجازي)) أي: يعاقب، ويقال في العقوبة: نُجازي، وفي المثوبة: نَجْزي. وقال الفراء: المؤمنُ يُجزي ولا يُجازي، أي يُجزي الثوابَ بعَمَله ولا يُكافأُ بسيئاته.
وروى الإمامُ عن بعضِهم: أنّ المُجازَاةَ في النقمةِ والجزاءَ في النعمة. ثم قال: قولُه: ﴿جَزَيْنَاهُم﴾ يدلُّ على أن ((يَجْزي)) يُستَعْمَلُ في النعمةِ أيضًا، ولعلّهم ذَهبوا إلى أنّ المجازاة مفاعلة، وهي في أكثرِ الأمرِ تُستعملُ بين اثنين بأخْذِ كلِّ واحدٍ جزاءَ حَقِّه من الآخَر، ولا يكون ذلك في النعمةِ، لا سيَّما من الله تعالى، لأن الله تعالى مبتدئُ النعم.
وقلتُ: القولُ المُختارُ ما قال المصنِّف.
стр. 6733
الكافر والمؤمن؛ لم يصح ولم يسد كلاما، فتبين أن ما يتخيل من السؤال مضمحل، وأن الصحيح الذي لا يجوز غيره ما جاء عليه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
[وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ (١٨) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)] ١٨ - ١٩ [
(الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها): هي قرى الشام. (قُرىً ظاهِرَةً) متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها، فهي ظاهرة لأعين الناظرين؛ أو راكبة متن الطريق، ظاهرة للسابلة، لم تبعد عن مسالكهم حتى تخفى عليهم. (وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ) قيل: كان الغادي منهم يقيل في قرية، والرائح يبيت في قرية إلى أن يبلغ الشام لا يخاف جوعًا ولا عطشًا ولا عدوًا، ولا يحتاج إلى حمل زاٍد ولا ماء. (سِيرُوا فِيها): وقلنا لهم: سيروا، ولا قول ثم، ولكنهم لما مكنوا من السير، وسويت لهم أسبابه؛ كأنهم أمروا بذلك وأذن لهم فيه. فإن قلت: ما معنى قوله: (لَيالِيَ وَأَيَّاماً)؟ قلت: معناه: سيروا فيها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ظاهرةٌ لأعيُنِ الناظرين)، النهاية: كتب عمر إلى أبي عبيدة ﵄: ((فاظهَرْ بمَنْ معَك من المسلمين إليها)) يعني: إلى الأرض، يعني: اخرُجْ بهم إلى ظاهرِ الأرضِ.
عن بعضِهم: قولُه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ الآية عَطْفٌ على قوله ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾.
قوله: (ما معنى قوله: ﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا﴾)، أي: السيرُ لا يكون إلا في هذَيْن الزمانَيْن، فما فائدة تَخْصيصهِما بالذكر؟
وأجاب بوجوهٍ ثلاثة:
أحدُها: المراد بتخصيصِ الوقتَيْن عدمُ تفاوتِ الأمنِ باختلافِ الأوقات لأنّ بالليلِ والنهار يتبيَّنُ الاختلافُ. وعلى هذا الظاهرُ أن يكونَ الواو بمعنى ((أو)) قال في قولِه تعالى:
стр. 6734
إن شئتم بالليل، وإن شئتم بالنهار، فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات. أو: سيروا فيها آمنين لا تخافون، وإن تطاولت مدة سفركم فيها، وامتدت أيامًا وليالي. أو: سيروا فيها لياليكم وأيامكم مدة أعماركم، فإنكم في كل حيٍن وزمان، لا تلقون فيها إلا الأمن. قرئ: (ربنا باعد بين أسفارنا) و (بعد) و (يا ربنا)، على الدعاء. بطروا النعمة، وبشموا من طيب العيش، وملوا العافية، فطلبوا الكد والتعب، كما طلب بنو إسرائيل البصل والثوم مكان المنّ والسلوى، وقالوا: لو كان جنى جناننا أبعد كان أجدر أن نشتهيه، وتمنوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها، ويتزودوا الأزواد، فجعل الله لهم الإجابة. وقرئ: (ربنا بعد بين أسفارنا)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] الواو قد يجيء للإباحة نحو قولِك: جالسِ الحسنَ وابنَ سيرين، ومِن ثَمَّ أتى بالجملة الشرطية في التفسير.
وثانيهما: أن يُعَبَّر بذكرِهما عن طولِ الزمان وامتدادِ المدة من غير اعتبار شيء آخر.
وثالثها: أن يراد امتداد الزمان لكن مقيد بأيام المخاطبين ولياليهم، فإنك إذا قلت لزيدٍ: صُمْ نهارًا وصَلِّ ليلاً، لم تُرِدْ إلا أيامَه ولياليه ما عاش، وفيه تعَسُّف.
قوله: (قُرئَ: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ﴾)، ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرو هِشام: ((بعِّد))، والباقون: ﴿بَاعِدْ﴾.
قوله: (بَطِروا النعمة)، يقال: بَطِرْتَ عَيْشَكَ كما يقال: رَشَدْت أمرَك. وبَشِموا: البَشَمُ: التُّخمَة. الجوهري: بَشِمَ الفصيلُ سن كثرةِ شُرْبِ اللبن.
قوله: (لو كانَ جَني جِنَانِنا)، أي: المُجْتني من الثمارِ التي جُنِيَتْ.
قوله: (ربَّنا بَعُدَ بينُ أسفارنا)، قال ابن جني: قرأ ابنُ عباس ومحمدُ بن الحنفية وغيرُهما: ((رَبُّنا بَعَّدَ بين أسفارِنا)) بضَمّ الباء من ((رَبّنا)) على الخبرِ وفَتْحِ الباءِ والعينِ من ((بَعَّدَ)) ونَصْبِ ((بَيْنَ)). وقرأَ ((بَعُدَ)) بفَتْحِ الباءِ وضَمِّ العين ورَفْعِ ((بَيْنُ)): محمَّد بن السَّمَيْفَع وابنُ يَعْمَر
стр. 6735
و (بُعِّد بين أسفارنا) على النداء وإسناد الفعل إلى "بين" ورفعه به، كما تقول: سير فرسخان. و (بوعد بين أسفارنا). وقرئ: (ربنا باعد بين أسفارنا) و (بين سفرنا)، و (بعد) برفع "ربنا" على الابتداء، والمعنى خلاف الأوّل، وهو استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوّها؛ لفرط تنعمهم وترفههم، كأنهم كانوا يتشاجون على ربهم ويتحازنون عليه. (أَحادِيثَ) يتحدّث الناس بهم ويتعجبون من أحوالهم، وفرقناهم تفريقًا اتخذه الناس مثلًا مضروبًا، يقولون: ذهبوا أيدى سبا، وتفرقوا أيادى سبا. قال كثير:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وغيرُهما. وقَرأ: ((رَبُّنا باعَدَ بين أسفارِنا)): ابن عباسِ والحسَنُ وغيرهما. أما ((بَعِّدْ)) و ((باعِدْ)) فإنَّ ((بَيْنَ)) منصوبٌ على المفعولِ به، لا على الظرف، لأنه يريدُ: بَعِّد وباعِدْ مسافَةَ أسفارِنا، ولا يريدُ: بَعِّدْ أو باعِدْ فيما بين أسفارِنا، بذلك عليه قِراءةُ مَنْ قَرأ ((بَعُدَ بينُ أسفارنا)) أي: بَعُدَ مدى أسفارنا، فرَفْعُه دليلُ كونِه اسمًا، ولأنّ ((بعَّد)) و ((باعَد)) فِعلانِ مُتعدِّيان، فمفعولُهما معهما.
وكان شيخُنا أبو علي يذهبُ إلى أنّ أصلَ ((بَيْن)) مصدَر: بانَ يَبينُ بَيْنًا، ثم استُعْمِل ظرفًا اتّساعًا وتجوُّزًا، كمَقْدَمِ الحاجِّ، ثم استُعْملت واصلةً بين الشيئين وإن كانت في الأصلِ فاصلة، وذلك لأن جِهتَيْها وصلتا ما يُجاورهما: بهما، فصارت واصلةٌ بين الشيئين، وعليه قراءةُ من قرأ: ((لقد تَقَطَّعَ بَينُكم)) [الأنعام: ٩٤] بالرفعِ أي]: وَصْلُكم.
قوله: (يتشاجَوْنَ على ربِّهم)، الأساس: شَجاه الهمُّ شَجْوًا، وأمرٌ شاجٍ: مَحْزن، وتشاجَتْ فُلانةُ على زوجها: تحازنَتْ عليه، يعني: يُدِلُّون.
قوله: (يقولون: ذَهبوا أيدي سَبا)، وعن بَعْضِهم: المعنى: مِثْل أيدي سبا فتضمَّن المَثَلُ أنّ ((أيدي سبا)) وقع حالاً عن فاعلِ ((ذَهبوا)) وهو مَعرفة، لأنَّ إضافتَه حَقيقيّة. ومن حَقِّ الحالِ أن يكون نكرةً. والتقديرُ مُتَفرِّقين. وسَبا: مهموزٌ في الأصلِ غير أنه التُزِمَ التخفيفُ في
стр. 6736
أيادي سبا يا عزّ ما كنت بعدكم … فلم يحل بالعينين بعدك منظر
لحق غسان بالشآم، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان. (صَبَّارٍ) عن المعاصي (شَكُورٍ) للنعم.
[وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ)] ٢٠ - ٢١ [
قرئ: (صدّق) بالتشديد والتخفيف، ورفع إبليس ونصب الظن، فمن شدّد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا المثل، والأيادي: عبارةٌ عن التفرقةِ، أي: تَفرَّقوا في البلادِ، مِنْ قولِهم: أخذَ يَدَ البَحْرِ، أي: طلب طريقه.
وقيل: أيادي سَبأ: أولادُ سبأ، لأنّ الأولادَ أعضادُهُ لتقوِّيه بهم. مضى قصَّتُهم في النملِ مُستوفيً.
قوله: (أيادي سَبا يا عَزُّ)، البيت. تقديرُه: يا عَزَّةُ كنتُ بعْدَكم أياديَ سَبا، و ((ما)) مزيدةٌ أو للدوامِ. ويقال: حَلى الشيءُ في فَمي يحلو، وحَلِيَ بعَيْني وقَلْبي يَحْلي.
قوله: (قُرئ: ﴿صَدَّقَ﴾ بالتشديد)، عاصمٌ وحمزةُ والكِسائي، وبالباقون: بالتخفيف.
قال الزجّاج: صِدْقُه في ظَنِّه: أنّه ظَنَّ بهم أنه إذا أغْواهُم اتّبعوه، فوجَدَهم كذلك، فمَنْ شَدَّدَ نصَبَ ((الظنَّ)) لأنه مفعولٌ به، ومَنْ خَفَّف نَصَبه على معنى: صَدَقَ عليهِم في ظَنِّه.
روى مُحيي السنّةِ عن ابنِ قُتيبة: أنّ إبليسَ لما سألَ النَّظِرةَ فأنْظَره الله تعالى قال: لأغوِينَّهم
стр. 6737
فعلى: حقق عليهم ظنه، أو وجده صادقا؛ ومن خفف فعلى: صدق في ظنه، أو صدّق يظن ظنًا، نحو: فعلته جهدك؛ وبنصب "إبليس" ورفع "الظن"، فمن شدّد فعلى: وجده ظنه صادقًا، ومن خفف فعلى: قال له ظنه الصدق حين خيله إغواءهم، يقولون: صدقك ظنك. وبالتخفيف ورفعهما على: صدق عليهم ظن إبليس، ولو قرئ بالتشديد مع رفعهما لكان على المبالغة في صدق، كقوله:
صدقت فيهم ظنوني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولأُضِلَّنَّهم، ولم يكُنْ مستيقنًا وقْتَ هذه المقالةِ، إنما قالَه ظَنًّا، فلمّا اتَّبعوه وأَطاعوه صَدَّق عليهم ما ظَنَّه فيهم.
قال ابنُ جني: ((على)) مُتعلِّقةٌ بـ ﴿صَدَّقَ﴾، كقولك: صَدَّقْتُ عليك فيما ظنتهُ بك، ولا يتعلَّقُ بالظن.
قوله: (وبنَصْبِ ((إبليس)) ورَفْع ((الظنِّ)))، قال ابنُ جني: المُخفَّفةُ قرأَها الزهري.
والمعنى: أن إبليسَ كان سَوّلَ له ظنُّه شيئًا فيهم فصَدَّقه ظنُّه فيما كان عقدَ عليه معَهم من ذلك الشيء.
قوله: (ورَفْعِهما)، قال أبو البقاء: ويُقرأُ برَفْعِهما بجَعْلِ الثاني بدَل اشتمال.
قال الزجاج: هو كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ويجوز: ((ولقد صَدَّق عليهم إبليسُ ظنُّه))، وقد قُرئ بهما على معنى: صَدَقَ ظنُّ إبليسَ اتباعُهم إياه.
قوله: (صدّقَتْ فيهم ظنوني)، تمامه:
стр. 6738
ومعناه: أنه حين وجد آدم ضعيف العزم قد أصغى إلى وسوسته قال: إنّ ذرّيته أضعف عزمًا منه، فظنّ بهم اتباعه، وقال: (لأضلنهم)] النساء: ١١٩ [، (لأغوينهم)] ص: ٨٢ [. وقيل: ظنّ ذلك عند إخبار الله تعالى الملائكة: أنه يجعل (فيها من يفسد فيها)] البقرة: ٣٠ [، والضمير في (عَلَيْهِمْ) وَ"اتَّبَعُوهُ" إمّا لأهل سبأ؛ أو لبنى آدم. وقلل المؤمنين بقوله: (إِلَّا فَرِيقاً)؛ لأنهم قليل بالإضافة إلى الكفار، كما قال: (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا)] الإسراء: ٦٢ [، (وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ)] الأعراف: ١٧ [. (وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ) من تسليٍط واستيلاٍء بالوسوسة والاستغواء إلا لغرض صحيح وحكمة بينة؛ وذلك أن يتميز المؤمن بالآخرة من الشاك فيها. وعلل التسليط بالعلم، والمراد ما تعلق به العلم. وقرئ: (ليعلم) على البناء للمفعول. (حَفِيظٌ): محافظ عليه، وفعيل ومفاعل متآخيان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فدَتْ نفسي وما مَلَكْت يَميني … فوارسَ صَدَّقَتْ فيهم ظنوني
((فَدَتْ)) خبرٌ في معنى الدعاء، وتَضْعيفُ العينِ في ((صَدَّقَتْ)) للتكثيرِ، وفوارسُ- في جَمعِ فارسٍ-: شاذٌ، لأنّ فواعلَ إنما يكونُ جَمْعَ فاعلةٍ في صفاتِ ما يَعْقِلُ، دون فاعل.
قولُه: (والضميرُ في ﴿عَلَيْهِم﴾ و ((اتبعوه)) إما لأهلِ سبأ أو لبني آدم)، فإن كان الأول فالكلامُ تَتِمَّةٌ للأول إما حالاً أو عَطْفًا، وإن كان الثاني فهو كالتذييلِ تأكيدًا له.
قوله: (وقُلَّل المؤمنينَ بقولِه: ﴿إِلاَّ فَريقًا﴾ لأنهم قليلٌ بالإضافةِ إلى الكفار)، في ((المطْلع)): هذا إذا جَعَلْتَ ((مِنْ)) للتبين، وإن جعَلْتَها للتبعيضِ فالمرادُ بالفريقِ: الخُلَّصُ من المؤمنين الذين لم يتبعوه فيما دعاهم إليه من المعاصي.
قولُه: (وعُلِّلَ التسليطُ بالعلم، والمرادُ ما تَعلَّق به العلم)، المطْلع: وهو الإيمانُ والكفر، والمعنى: إلا لنعلمَ إيمانَ المؤمنِ بالآخرةِ ظاهرًا موجودًا، وكذلك كُفْرَ الكافرِ الذي هو في شكِّ منها، لأنَّ العلمَ بهما موجودَيْن هو الذي يتعلَّقُ به الجَزاء.
قال القاضي: ﴿إلاَّ لِنَعْلَمَ﴾ إلاّ ليتعلَّقَ علْمُنا بذلك تعلُّقًا يترتَّبُ عليه الجزاءُ، أو ليتميَّزَ
стр. 6739
[قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ)] ٢٢ [
(قُلِ) لمشركي قومك: (ادْعُوا الَّذِينَ) عبدتموهم من دون الله من الأصنام والملائكة وسميتموهم باسمه كما تدعون الله، والتجئوا إليهم فيما يعروكم كما تلتجئون إليه. وانتظروا استجابتهم لدعائكم ورحمتهم كما تنتظرون أن يستجيب لكم ويرحمكم. ثم أجاب عنهم بقوله: (لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) من خير أو شر، أو نفع أو ضر فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ وَما لَهُمْ في هذين الجنسين من شركة في الخلق ولا في الملك، كقوله تعالى: (ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)] الكهف: ٥١ [، وماله منهم من عوين يعينه على تدبير خلقه؛ يريد: إنهم على هذه الصفة من العجز والبعد عن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المؤمنُ من الشاكِّ، أو ليُؤمِنْ مَنْ قُدِّرَ إيمانُه ويَشُكَّ مَنْ قُدِّرَ ضلاله، والمرادُ من حصولِ العِلْمِ حصولُ مُتَعلَّقِه مُبالغة. وفي نَظْمِ الصِّلَتيْن نُكتةٌ لا تَخْفى.
وقلتُ: لعلّ النكتةَ إيقاعُ الشكِّ في الصلة الثانية في مقابل الإيمان المذكور في الصلة الأولى، وأن لم يقُلْ: من هو مؤمنٌ بالآخرة ممن هو كافر بها، أو: من يوقن بالآخرة ممن هو في شكٍّ منها، ليؤذن بأن أدنى شك في الآخرة كفر، وأنَّ الكافرين لا يوقنون بالردِّ بل هم مُستقرُّون في الشك لا يتجاوزونَ إلى اليقين.
قوله: (فيما يَعْروكم)، الجوهري: عراني هذا الأمر واعْتَراني: إذا غَشِيَك، وعروْتُ الرجلَ أعروهُ عروًا: إذا ألمَمْتُ به وأتيته طالبًا، وهو مَعْرُوٌّ.
قوله: (ثُم أجابَ)، عَطْفٌ على قوله: ((قل لمُشْركي مكة)) أي: قال الله تعالى لنبيه ﷺ : قل لمشركي مكة، ثم أجاب.
قوله: (في هذَيْنِ الجنسَيْن)، أي: السماواتِ والأرض، يعني: عدلَ عن ضميرِ الجمع نحو: ((فيهنَّ)) و ((فيها)) إلى التثنية لإرادة الجنسَيْن.
стр. 6740
أحوال الربوبية، فكيف يصح أن يدعوا كما يدعى، ويرجوا كما يرجى؟ فإن قلت: أين مفعولا زعم؟ فإن قلت: أحدهما: الضمير المحذوف الراجع منه إلى الموصول. وأمّا الثاني: فلا يخلو إمّا أن يكون (مِنْ دُونِ الله)، أو (لا يَمْلِكُونَ)، أو محذوفًا. فلا يصح الأول؛ لأنّ قولك: هم من دون الله، لا يلتئم كلامًا، ولا الثاني؛ لأنهم ما كانوا يزعمون ذلك، فكيف يتكلمون بما هو حجة عليهم، وبما لو قالوه قالوا ما هو حق وتوحيد؟ فبقى أن يكون محذوفًا تقديره: زعمتموهم آلهةً من دون الله، فحذف الراجع إلى الموصول كما حذف في قوله: (أَهذَا الَّذِي بَعَثَ الله)] الفرقان: ٤١ [استخفافا، لطول الموصول لصلته، وحذف "آلهة"؛ لأنه موصوف صفته: (مِنْ دُونِ الله)، والموصوف يجوز حذفه، وإقامة الصفة مقامه إذا كان مفهوما، فإذن مفعولا "زعم" محذوفان جميعًا بسببين مختلفين.
[وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير)] ُ ٢٣ [
تقول: الشفاعة لزيد، على معنى أنه الشافع، كما تقول: الكرم لزيد، وعلى معنى أنه المشفوع له، كما تقول: القيام لزيد، فاحتمل قوله: (وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) أن يكون على أحد هذين الوجهين، أى: لا تنفع الشفاعة إلا كائنة لمن أذن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بسَبَبَيْنِ مختلفين)، أي: بسَببِ الاستحقاقِ وبسَبب إقامةِ الصفةِ مُقامَ الموصوف.
قوله: (على أحدِ هذين الوجهين)، أي: اللام في ﴿أَذِنَ لَهُ,﴾ صلة للفعل، فيجوز أن يكون مثل اللام في قولك: الشفاعةُ لزيدٍ، على أنه الشافع فقولهُ: ((من الشافعين)) بيانٌ لقوله: ﴿مَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، وأن يكونَ مِثْلَ اللام من قولك: القيامُ لزيد، أي: قامَ أحدٌ كرامةً لزيدٍ على أنه المشفوعُ له، وقولُه: ((أي: بشفيعه))، تفسيرٌ لقوله: ﴿لَهُ,﴾ في قولِه: ﴿مَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي: لا تَنْفَع الشفاعة إلا لشخص أذن لشفيعه أن يشفع له.
стр. 6741
له من الشافعين ومطلقة له. أو لا تنفع الشفاعة إلا كائنة لمن أذن له، أى: لشفيعه؛ أو هي اللام الثانية في قولك: أذن لزيد لعمرو، أى لأجله، وكأنه قيل: إلا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله، وهذا وجه لطيف وهو الوجه، وهذا تكذيب لقولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)] يونس: ١٨ [. فإن قلت: بما اتصل قوله: (حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ)، ولأى شيء وقعت (حتى) غاية؟ قلت: بما فهم من هذا الكلام من أنّ ثم انتظارًا للإذن وتوقعًا وتمهلًا وفزعًا من الراجين للشفاعة والشفعاء؛ هل يؤذن لهم أو لا يؤذن؟ وأنه لا يطلق الإذن إلا بعد ملي من الزمان، وطول من التربص، ومثل هذه الحال دلّ عليه قوله : (رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً. يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً)] النبأ: ٣٧ - ٣٨ [. كأنه قيل: يتربصون ويتوقفون مليًا فزعين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويجوز أن تكون هذه اللامُ بمعنى: لأجل، ولامُ الصلةِ مع متعلِّقِه محذوفًا، نَحْوَ قولك: أذن لزيد لعمرو، وإليه الإشارة بقوله: ((وقع الإذنُ للشفيعِ لأجلِه)). هذا هو الذي يقتضيهِ النظمُ، لأنَّ الذي هو سَوْقُ الكلامِ أن شركاءهم لا تنفَعُهم في الدنيا ولا يملكون مثقالَ ذَرةٍ من خيرٍ أو شَرٍّ أو نَفْعٍ أو ضُرٍّ فيها، ولا لهم تصرُّف ما، فعَبّرَ بقوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ عن العالم، أي في الدنيا، كما سبق في آل عمران، ولا ينفعهم في الآخرة، لأنه إن قُدِّرَ لهم نَفْعٌ فلا يكون إلا في الشفاعة، فجيء بقوله: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ تعريضًا بأنَّ أصنامَهم لا يَشْفعون لأنهم ليسوا في صَدَدِ أن يُؤذَنَ لهم. هذا هو المرادُ من قولِه: ((وهو الوجْهُ- لأن فيه العلمَ بالشفيعِ والمشفوعِ له كليهما- وهذا تكذيبٌ لقولِهم ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾)). قال أبو البقاء: واللام في ﴿لِمَنْ أَذِنَ لَهُ,﴾ يجوز أن يتعلّق بالشفاعة، لأنك تقول: شفَعْتُ له، وأن يتعلق بـ ﴿تَنفَعُ﴾.
قوله: (هل يؤذن)، مُتعلِّقٌ من حيثُ المعنى بقولِه ((راجين)).
قوله: (وتوقّفون مَلِيًّا)، وذلك أنَّ المقامَ مقامُ الهيبةِ والجلالِ لا سيَّما المشفوع له خائفٌ
стр. 6742
وهلين. (حتى إذا فزع عن قلوبهم)، أى: كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن، تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضا: (ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا): قال (الْحَقَّ)، أى: القول الحق، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى. وعن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبي ﷺ : «فإذا أذن لمن أذن أن يشفع فزعته الشفاعة». وقرئ: (أذن له)، أى: أذن له الله، و (أذن له) على البناء للمفعول. وقرأ الحسن: (فزع) مخففًا، بمعنى فزع. وقرئ: (فزع) على البناء للفاعل،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والشافعُ راجٍ هل يُؤذَنُ له في الشفاعة أم لا؟ وضم مع ذلك ((حتى)) المعطيةَ لمعنى التدرُّج والغايةِ، وقوله: ﴿إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ يؤذَنُ بالإمهالِ وطولِ الانتظارِ وكما نُشاهدُ من أحوال الجبابرةِ وملوكِ الزمان إذا ضُرِبَ لقضاءِ الشؤونِ، ولذلك استشهَد بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٢٩].
قوله: (وَهِلِين)، الجوهري: الوَهلةُ: الفزعةُ، والوَهَلُ بالتحريك: الفزَعُ، وقد وَهِلَ يَوْهَلُ فهو وَهِلٌ ومُسْتَوْهِل.
قوله: (فَزَّعَتْهُ الشفاعةُ)، التفزيعُ: إزالةُ الفَزعِ، كالتمريضْ والتَّفريدِ، أي: أزالَ الفَزَعَ وكَشفَ عنه الفَزعَ.
الراغب: الفزعُ: انقباضٌ ونِفارٌ يعتري الإنسانَ من الشيءِ المُخيف، وهو من جنسِ الفزع، ولا يقال: فَزِعْتُ من الله، كما يقال: خفتُ منه. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣] أي: أزيلَ، يقال: فزِعَ إليه: إذا استغاثَ به عند الفَزع، وفَزِع له: أغاثه.
قوله: (((فَزَّعَ)) على البناءِ للفاعلِ)، ابنُ عامرٍ، والباقون: على بناءِ المفعول. ومعنى ﴿فُزِّعَ﴾: كُشِفَ الفَزَعُ عن قلوبهم، و ((فَزَّعَ)): كشَفَ الله الفَزَع. وقراءةُ ((فُرِّغ)) بالراءِ والغينِ
стр. 6743
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المعجمة ترجعُ إلى هذا المعنى لأنها فُرِّغَتْ من الفَزَع. قال الزجّاج: وتفسيرُ هذا: أنّ جبريلَ ﵇ لما نزل إلى النبي ﷺ بالوحِي ظَنَّتِ الملائكةُ أنه أنزل بشيء من أمرِ الساعة، ففَزِعت لذلك، فلما انكشَفَ عنها الفَزعُ قالوا: ماذا قال ربكم؟ سألَتْ: لأيِّ شيءٍ نزلَ جبريل؟ قالوا: الحقَّ. تَمَّ كلامه، وعليه كلامٌ أكثر المفسرين.
ويعضُدُه ما روَيْناه عن البخاريِّ والترمذيِّ وابنِ ماجه عن أبي هريرة: أنّ رسولَ الله ﷺ قال: ((إذا قضى الله الأمرَ في السماءِ ضربَت الملائكةُ أجنحتَها خُضعانًا لقولِه، كأنه سِلسلةٌ على صَفوانٍ، فإذا فُزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربّكم؟ قال الذي قال: الحق وهو العليُّ الكبير)).
وعن أبي داودَ عن ابن مسعود قال: إذا تكلَّم الله بالوَحْيِ سَمِعَ أهلُ السماء صَلْصلةً كجَرِّ السلسلةِ على الصَّفا، فيُصْعَقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيَهم جبريلُ، فإذا جاء جبريلُ فُزِّعَ عن قلوبهم، فيقولونَ: يا جبريلُ ماذا قال ربُّكم؟ فيقول: الحق، فيقولون: الحقَّ الحقّ.
فإن قلتَ: قد ظهرَ من هذه الرواياتِ أنّ الموصوفينَ بهذه الصفاتِ هم الملائكةُ، والذي ذهب إليه المصنِّف هم الشفعاءُ مُطلقًا، وأن هذه الحالةَ واقعةٌ يوْمَ القيامة لقولِه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨]، فإذَنْ ما معنى الغايةِ في ((حتى))، وما وَجْهُ انطباقِه على الأحاديث الصحيحة؟
قلت -والله أعلم-: يُستخرَجُ معنى المُغَيَّا من المفهوم؛ وذلك أن المشركينَ لما ادّعَوا شفاعةَ الآلهةِ والملائِكة وأجيبوا بقَوْله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾ ﴿لاَّ يَمْلِكُونَ الْشَّفَاعَةَ﴾، ومعناه ما قال المصنف: قل لمَشركي مكّة: ادعوا الذين عبَدْتُم من دونِ الله
стр. 6744
وهو الله وحده، و (فرّع)، أى: نفى الوجل عنها وأفنى، من قولهم: فرغ الزاد، إذا لم يبق منه شيء. ثم ترك ذكر الوجل وأسند إلى الجار والمجرور، كما تقول: دفع إلىّ زيد، إذا علم ما المدفوع وقد يخفف، وأصله: فرغ الوجل عنها، أى: انتفى عنها وفنى. ثم حذف الفاعل وأسند إلى الجار والمجرور. وقرئ: (افرنقع عن قلوبهم)، بمعنى: انكشف عنها. وعن أبى علقمة: أنه هاج به المرار، فالتف عليه الناس، فلما أفاق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من الأصنامِ والملائكة وسَمَّيتموهُم باسمِه، والتجئوا إليهم، فإنهم لا يملكون مثقالَ ذرَّةٍ في السماوات ولا في الأرض، ولا تنفع الشافعة من هؤلاء إلا الملائكة لكن مع الإذن والفزع العظيم وهم لا يشفعون إلا للمُرتضَيْن، فعبَّر عن الملائكة بقوله: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ الآية كناية، كأنه قيل: لا تنفعُ الشفاعةُ إلاّ ممّن هذا شأنُه ودأبُه، وأنه لا يثبت عند صَدْمةٍ من صدماتِ هذا الكتاب المُبين وعند سماعِ كلامِ الحقِّ، يعني: الذين إذا نُزّلَ عليهم الوحيُ يفزعون ويُصْعقون، حتى إذا أتاهم جبريلُ فُزِّعَ عن قلوبهم يقولون: ماذا قال ربّكم؟ فيقول: الحقَّ، فيقولون: الحقَّ الحقَّ.
ونحوه في الأسلوبِ قوله تعالى ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ *الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [الزخرف: ٩ - ١٠]. قال المصنِّف: ((معنى ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ إلى آخره: ليَنسُبُنَّ خَلْقَها إلى الذي وُصِفَ بهذه الأوصاف وقيل في حَقّه تلك النعوت)).
قولُه: (فَزَّعتُه الشفاعةُ)، أي أزالت الشفاعة عنه الفزع؛ أي إذْنُ الشفاعةِ، يدلُّ عليه قولُه: كَشِفَ الفَزَعُ بكلمةٍ يتكلَّم بها ربُّ العِزَّةِ في إطلاقِ الإذن.
قوله: (وقُرئ: ((افرُنقِعَ)))، قال ابن جنِّي: قال أبو عَمْرو الدّوري عن عيسى بن عُمر: أنه كان يقرأ ((افرُنقِعَ عن قلوبهم)).
стр. 6745
قال: ما لكم تكأكأتم علىّ تكأكؤكم على ذى جنة؟ ! افرنقعوا عنى. والكلمة مركبة من حروف المفارقة مع زيادة العين، كما ركب «اقمطر» من حروف القمط، مع زيادة الراء. وقرئ: (الحق) بالرفع، أى: مقوله الحق. (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ): ذو العلو والكبرياء، ليس لملك ولا نبىّ أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه، وأن يشفع إلا لمن ارتضى.
[قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ الله وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)] ٢٤ [
أمره بأن يقررهم بقوله: (مَنْ يَرْزُقُكُمْ)، ثم أمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم بقوله: يرزقكم الله؛ وذلك بالإشعار بأنهم مقرّون به بقلوبهم، إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به؛ لأن الذي تمكن في صدورهم من العناد وحب الشرك قد ألجم أفواههم عن النطق بالحق مع علمهم بصحته؛ ولأنهم إن تفوهوا بأن الله رازقهم لزمهم أن يقال لهم: فما لكم لا تعبدون من يرزقكم، وتؤثرن عليه من لا يقدر على الرزق، ألا ترى إلى قوله: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ) حتى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجوهري: التكأكؤ: التجمُّع، وقال في بابِ العينِ وفَصْل الفاء: افرَنْقِعوا عني، أي: انكشفوا عني. واقمطَرَّ يومنا، أي: اشتد.
أبو عُبَيْد: المُقْمَطِرُّ: المُجْتمِع. قَمَطَ الطائرُ أُنثاه يَقْمِطُها أي: يَسْفِدُها. والقُماطُ: حَبْلٌ يُشَدُّ به قوائم الشاة عند الذبحِ وكذلك ما يُشَدُّ به الصبيُّ في المهدِ. والمِرَّةُ: إحدى الطبائعِ الأربعِ. وهذه القصة رواها الجوهريّ عن عيسى بن عمر، وروى ابنُ جِنّي في ((المُحْتسب)) أيضًا عن أبي عَلْقمةَ النحوي كما رَواهُ المصنِّف، وفي آخرِها: قال بعضُ الحاضرين: إنّ شيطانَه يتكلَّمُ بالهندية.
قوله: (ولأنهم إنْ تَفَوَّهوا)، عَطْفٌ على قوله: ((لأن الذي تمكَّنَ في صدورهم)).
стр. 6746
قال: (فَسَيَقُولُونَ الله)] يونس: ٣١ [ثم قال: (فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ)] يونس: ٣٢ [فكأنهم كانوا يقرّون بألسنتهم مرّة، ومرّة كانوا يتلعثمون عنادًا وضرارًا وحذارًا من إلزام الحجة، ونحوه قوله عزّ وعلا: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ الله قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا)] الرعد: ١٦ [. وأمره أن يقول لهم بعد الإلزام والإلجام الذي إن لم يزد على إقرارهم بألسنتهم لم يتقاصر عنه: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فماذا بعدَ الحقِّ إلا الضلال)، يعني: أنهم لو تفوهوا بأن الله رازقهم لزِمَ أن يقال لهم: فما لكم تعبدون من يرزقكم؟ كما قيل لهم في تلك الآية التي مضمونها مضمون هذه: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾.
قوله: (يتلعثمون عنادًا)، أي: يتمكثون ويتكلَّمون. عن الجوهري.
قوله: (وأمَرَه أن يقول لهم بعد الإلزام والإلجام)، قال صاحب ((الانتصاف)): يعني: ألزَمهم الحجة من قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ﴾ إلى هذه الآية. وهذا الإلزامُ وإن لم يَزِدْ على إقرارِهم بألسنتهم لم يتقاصَرْ عنه؛ أمره أن يقول: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ وهذا من الكلام الذي يبادر كل سامع من موافقٍ أو مخالف أن يقول: قد أنصَفك خَصْمُك، وهذا أوْصَلُ إلى الغرض وأقطَعُ للشَّغَبِ وهو تفسيرٌ مُهَذَّبٌ وافتنان مستعذب، فلا يُنكَرُ على الفقهاء قولُهم في المجادَلاتِ: أحدُ الأمرَيْن لازمٌ، فهو غيرُ بعيدٍ من هذا الوادي.
وقلتُ: إنه تعالى لما أمر حبيبَه ﷺ أولا بأن يُكافِحَهم ويُجيبَهم لقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾، ثم يسألهم بقوله: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ويتولى الإجابة والإقرارَ عنهم بنفسِه في قوله: ﴿قُلِ اللهُ﴾ ليؤذنَ أن الذي تمكّنَ في صدورِهم من العنادِ قد ألجم أفواههم عن النطق بالحق، أمَره بأن يُرخيَ العِنانَ معهم ويقول: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ ليناديَ على تماديهم في الضلال، وأنّهم مع علمهم بصحة ما جاء به بعد إقرارِهم به، مُنْغمسون في ضلالٍ ظاهرٍ مكشوفٍ، فالكلام من أوله
стр. 6747
هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)، ومعناه: وإنّ أحد الفريقين من الذين يتوحدون الرازق من السماوات والأرض بالعبادة، ومن الذين يشركون به الجماد الذي لا يوصف بالقدرة، لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال. وهذا من الكلام المنصف الذي كل من سمعه من مواٍل أو مناٍف قال لمن خوطب به: قد أنصفك صاحبك، وفي درجه بعد تقدمة ما قدم من التقرير البليغ دلالة غير خفية على من هو من الفريقين على الهدى، ومن هو في الضلال المبين، ولكن التعريض والتورية أوصل بالمجادل إلى الغرض، وأهجم به على الغلبة، مع قلة شغب الخصم، وفلّ شوكته بالهوينا، ونحوه قول الرجل لصاحبه: علم الله الصادق منى ومنك، وإن أحدنا لكاذب. ومنه بيت حسان:
أتهجوه ولست له بكفء … فشر كما لخير كما الفداء
فإن قلت: كيف خولف بين حرفى الجرّ الداخلين على الحق والضلال؟ قلت: لأن صاحب الحق كأنه مستعل على فرس جواد يركضه حيث شاء، والضال كأنه منغمس في ظلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واردٌ على ترتيبٍ أنيقٍ ونظمٍ رَصين مشتملٍ على فوائدَ وإشاراتٍ، وهو من باب الترقِّي.
قوله: (يتوحَّدون)، ويُروى: ((يُوحِّدون))، يقال: توحَّد بكذا: اعترفَ به، وفلان توحَّدَ بكذا: إذا اعتزلَ وتفرَّد من الناس به، ومنه الأوْحَديُّ، أي: من الذين ينفرِدون بعبادةِ مَنْ يرزقُهم من السماء بإنزال الأمطار ومن الأرض بإنبات البركات.
قوله: (بالهُوَينا)، النهاية: الهُوَينا: تصغيرُ الهونا؛ تأنيثُ الأهون، والهُونُ: الرِّفق واللين.
قوله: (أتهجوه) البيت، قيل: لما أنشدَ حَسّانُ البيتَ مَنْ حضر: هذا أنصَفُ بيتٍ قالته العرب.
стр. 6748
مرتبك فيه لا يدرى أين يتوجه. وفي قراءة أبىّ: (وإنا أو إياكم إما على هدى أو في ضلال مبين).
[قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ)] ٢٥ - ٢٦ [
هذا أدخل في الإنصاف، وأبلغ فيه من الأوّل؛ حيث أسند الإجرام إلى المخاطبين والعمل إلى المخاطبين، وإن أراد بالإجرام الصغائر والزلات التي لا يخلو منها مؤمن،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مرتبك)، الجوهري: ارتبكَ الرجلُ في الأمر، أي: تشبَّثَ فيه ولم يكَدْ يتخَلَّصُ منه.
قوله: (وفي قراءةِ أبِّي: ((وإنا أو في إياكم إما على هدى أو في ضلالٍ مبين)))، قال أبو البقاء: ﴿أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ معطوفٌ على اسمِ ((إنّ))، والخبرُ مُكَرَّر كقولِهم: إنّ زيدًا وعَمْرًا قائم. واختلفوا في الخبر، قال سيبويه: المذكورُ للثاني والأولُ محذوفٌ وهو أولى من عَكْسِه، فعلى هذا يكونُ ﴿لَعَلَى هُدًى﴾ خبرَ الأولِ و ﴿أَوْ فِي ضَلَالٍ﴾ معطوفًا عليه وخَبَرُ المعطوفِ محذوفٌ لدلالةِ المذكورِ عليه. والكلام على المعنى غيرِ الإعراب لأنَّ المعنى: إنا على هدى من غيرِ شكّ، وأنتم على ضلالةٍ على يقين، لكن خَلَطَه على افتنانِهم، كقولهم: أخزى الله الكاذبَ مِنّي ومنك.
قوله: (هذا أدخَلُ في الإنصافِ، وأبلغُ فيه)، الانتصافُ: وذكرَ الإجرامَ المضافَ إلى النفسِ بصيغةِ الماضي التي تُعطي معنى التحقيق، وذكرَ العملَ المنسوبَ إلى الخصمِ بما لا يُعطي ذلك.
قوله: (وإنْ أرادَ بالإجرام)، هذا شَرْطٌ لا يُذْكَرُ جَوابُه للمبالغةِ والجملةُ للحالِ أي: هذا أبلغُ من الأول، وإن أريدَ في الحقيقةِ بالإجرامِ الصغائرُ وبالعملِ الكفرُ لأنَّ في الظاهرِ أسندَ مُطلقَ الإجرام إلى المتكلِّم ومُطلقَ العملِ إلى المخاطَب.
стр. 6749
وبالعمل الكفر والمعاصي العظام. وفتح الله بينهم وهو حكمه وفصله: أنه يدخل هؤلاء الجنة وأولئك النار.
[قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ الله الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)] ٢٧ [
فإن قلت: ما معنى قوله: (أَرُونِيَ) وكان يراهم ويعرفهم؟ قلت: أراد بذلك أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله، وأن يقايس على أعينهم بينه وبين أصنامهم؛ ليطلعهم على إحالة القياس إليه والإشراك به. و (كَلَّا): ردع لهم عن مذهبهم بعد ما كسره بإبطال المقايسة، كما قال إبراهيم ﵊: (أُفٍّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أراد بذلك أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله تعالى)، هذا كما يقول القائل لغيره إذا أفسد شيئًا: أرِني هذا الذي أفسَدْتَه لأُريك فسادَه.
قوله: (وأن يُقايسَ على أعينهم)، فإن قُلْتَ: عَدّى ((يُقايِسُ)) بـ ((على)) فيما ليسَ بمَقيسٍ عليه، ثم عَدّاهُ في قولِه: ((القياس إليه)) بـ ((إلى)) وهو يُعَدّى بـ ((على)).
قلت: هما حالانِ والمتعلِّقٌ محذوف، أما الأول فمعناه أن يُقاسَ الأصنامُ على الله تعالى ظاهرًا على أعينهم مكشوفًا كما في قوله تعالى: ﴿فَاتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ الأنبياء: ٦١] أي: مُعايَنًا مُسْتعليًا على الأعينِ استعلاءَ الراكبِ على المركوب، ومعنى الثاني ليُطلعَهم على إحالةِ القياس منتهيًا إليه، أي: مُحالٌ أن ينتهي قياسُ شيءٍ إلى الله تعالى وإلى صفاتِه، تعالى الله عن ذلك عُلوًّا كبيرًا.
قوله: (و ﴿كَلاَّ﴾ رَدْعٌ لهم عن مذهبهم بعد ما كَسره)، قال القاضي: ﴿قُلْ أَرُونِيَ﴾ استفسارٌ عن شُبهتِهم بعد إلزامِ الحجّةِ عليهم زيادة في تبكيتهم.
وقلت: هذه قاعدةٌ شريفةٌ وأدبٌ جَميلٌ في آدابِ المجادلة وقَمْعِ شُبهةِ الخصم الألدِّ الأبِّي، فإنه ينبغي أنْ يُرْخى عِنانُ الكلامِ معه أولاً، ويُجاري معه على سَنَنٍ يَبعثُه على التفكرِ والنظرِ في أحوالِ نفسهِ ليعثُرَ حيثُ يراد تَبْكيتُه عند إيرادِ الحجةِ البالغة وعليه قولُ إبراهيم
стр. 6750
لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله)] الأنبياء: ٦٧ [بعد ما حجهم، وقد نبه على تفاحش
غلطهم وإن لم يقدروا الله حق قدره بقوله: (هُوَ الله الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، كأنه قال: أين الذين ألحقتم به شركاء من هذه الصفات، وهو راجع إلى الله وحده، أوهو ضمير الشأن، كما في قوله تعالى: (قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ)] الإخلاص: ١ [.
[وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)] ٢٨ [
(إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ) إلا إرسالة عامةً لهم محيطة بهم؛ لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم. وقال الزجاج: المعنى: أرسلناك جامعًا للناس في الإنذار والإبلاغ، فجعله حالًا من الكاف، وحق التاء على هذا أن تكون للمبالغة كتاء الراوية والعلامة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
﵇: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ *إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٧٩] بعد قوله: ﴿هَذَا رَبّي﴾ [الأنعام: ٧٨].
قوله: (وهو راجعٌ إلى الله)، أي: الضميرُ منهم راجعٌ إلى الله في الذهنِ، وجازَ لأنّ ما بعده يفسره، كما قال في قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [المؤمنون: ٣٧] في ((المؤمنين)): ((هذا ضميرٌ لا يُعلمُ ما يعني به إلا بما يَتلوه، وأصلُه: إنِ الحيَاةُ إلا حياتنا الدنيا، ثم وضَع ((هيَ)) موضِعَ ((الحياةِ))، لأنّ الخبرَ يدلُّ عليها، ومنه: هيَ العربُ تقولُ ما شاءَتْ)). والفرقُ بين هذا الضميرِ وضميرِ الشأن أن الجملةَ بعد ضميرِ الشأن مُبَيِّنةٌ له وخبرُه هذا الضمير وَحْدَه مُفَسِّرٌ له، ولذلك قال: ((هو راجعٌ إلى الله وَحْدَه))، ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] في وجهٍ، وقولك: رُبَّه رجُلاً، ونحو هذا الضميرُ اسم في قولك: هذا أخوك، قال المصنِّف: ((لا يكونُ ((هذا)) إشارةً إلى غيرِ الأخ)).
قوله: (وقال الزجاج المعنى: أرسلناكَ جامعًا للناس في الإنذار والإبلاغ، فقد جعله
стр. 6751
ومن جعله حالًا من المجرور متقدّمًا عليه فقد أخطأ؛ لأنّ تقدم حال المجرور عليه في الإحالة بمنزلة تقدم المجرور على الجار،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حالاً من الكاف). وأما حكايةُ كلامِه فإنه قال: معنى ﴿كَآفَّةً﴾: الإحاطةُ في اللغةِ، والمعنى: أرسلناكَ جامعًا للناسِ في الإنذارِ والإبلاغِ، وأُرسلَ ﷺ إلى العربِ والعجَم.
وقال أبو البقاء: كأنه حالٌ من الكافِ، والهاءُ زائدةٌ للمبالغةِ، و ﴿للناسِ﴾ مُتعلِّقٌ به، أي: وما أرسلناك إلا كافّةً للناسِ عن الكفر والمعاصي.
وقال المالكي في ((شرح التسهيل)): قولُ الزجاج باطلٌ لأنّه جعَل ﴿كَآفَّةً﴾ حالاً من مفرد، ولا يُعرَفُ ذلك في غيرِ محلِّ النزاع، وجَعَلَه مِن مُذَكَّرٍ مع كَوْنِه مُؤنّثًا، ولا يتأتى ذلك إلا بجَعْلِ تائِه للمبالغةِ، وبابُه مقصورٌ على السماعِ، ولا يتأتى غالبًا ما هي فيه إلا على أحدِ أمثلةِ المبالغةِ، كنَسّابةٍ وفَروقةٍ ومِهْدارة، وكافّة بخلافِ ذلك، فبَطل أن يكونَ منها لكونِها على فاعلة. فإن حُمِلت على رواية حملت على شاذّ الشاذّ، لأنّ إلحاقَ تاءِ المبالغةِ لأحدِ الأمثلةِ شاذّ، وإلحاقُه لما لا مُبالَغة فيه أشذّ.
وأما الزمخشريّ فقد جعلَ ﴿كَآفَّةً﴾ صفةً، ولم يستعمله العربُ إلاّ حالاً، وليتَه إذْ أخرجَ ((كافة)) عن استعمالِ العرب سلكَ به سبيلَ القياسِ بل جعلَه لموصوفٍ محذوفٍ لم تستعمله العرب مفردًا ولا مقرونًا بصِفة؛ أعني: إرسالَه، وحَقّ الموصوفِ المُسْتغني بصفتِه أن يُعتادَ ذكْرُه مع صفتِه قبل الحذفِ ولا تصلح الصفة لغيره.
قوله: (ومَنْ جعلَه حالاً من المجرور مُتقدِّما عليه فقد أخطأ، لأنّ تقدُّمَ حالِ المجرورِ عليه في الإحالةِ بمنزلةِ تقدُّمِ المجرورِ على الجار)، وقال ابن الحاجب: تقديمُ الحال على المجرور- إذا كان صاحبُ الحالِ هو المجرورَ- مختلفٌ فيه؛ فأكثرُ البصريِّين على منعِه، وكثيرٌ من النحويين على تجويزِه، ووجه الجواز: أنه حال عن معمولِ فعلٍ لفظيِّ فجاز التصرُّف فيه بالتقديمِ والتأخيرِ كسائرِ أحوالِ الأفعال.
стр. 6752
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ووجه المنع: أنه كَثُرَ الحالُ من المجرورِ في كلامِهم ولم يُسمَعْ من الفصحاءِ تقديمُه، ولأنّ حالَ المجرورِ صفةٌ لصاحبِها، وهي معمولة في المعنى بحَرْف الجر، إلا أنهم نصبوها لغرضِ الفصلِ بين الصفة والحال، وكما أن معمولَ الجارِّ لا يتقدَّم عليه ففَرْعُ مَعمولِ الجارِّ بأن لا يتقدَّم على الجارِّ أجدر.
وقلت: ويمكن أن يُنزَّلَ قولُ المالكي منزلةَ الجواب عن هذين الاحتجاجَيْن، أعني قولَه: ومن أمثلةِ تقديمِ الحال على صاحبها إذا كان مجرورًا ما ذَكره أبو علي في ((التذكرة)): زيدٌ خَيْرٌ منك خَيْرَ ما يكون، فجعل ((خَيْرَ ما يكون)) حالاً من الكافِ المجرورِ، ومن الأمثلة قول الشاعر:
إِذَا المرءُ أعيَتهُ المروءةُ ناشئًا … فمطلبُها كَهْلاً عليه شديد
أراد: فمَطْلَبُها عليه كهلاً شديدٌ، ومِن ذلك قولُ الآخر:
تسلَّيْتُ طُرًّا عنكُمُ بعْدَ بَينِكم … بذِكراكُم حتّى كأنّكم عندي
أراد: تسلَّيتُ عنكم طُرًّا. وربَّما قُدِّم الحالُ على صاحبِه المجرورِ وعلى ما يتعلَّقُ به الجارُّ، كقوله:
غافلَا تعرِضُ المنيةُ للمر … ءِ فيُدْعي ولاتَ حينَ إباءِ
أراد: تعرِضُ المنيةُ للمرءِ غافلاً.
وإذا قد ثَبتَت دلائل السماعِ مستوفاة، فَلأُبَيِّن ضَعْفَ شُبَهِ المَنْعِ، فمِن ذلك: ادّعاءُ أنّ حقَّ الحال إذا عدي العامل لصاحبه بواسطة أن يعدي إليه بتلك الواسطة، فيقال للمدعي
стр. 6753
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذلك: لا نسلم هذا الحق حتى يترتب عليه التزام التأخر تعريضًا، بل حقُّ الحالِ المُشَبَّهةِ بالظرفِ أن يستغني عن واسطة، على أن الحال أشدُّ استغناء عن الواسطة، ولذلك يعمل فيها ما لا يعدي بحرف الجر كاسم الإشارة وحرف التنبيه والتشبيه والتمني.
ومن الشُّبهِ لالتزامِ التأخير: إجراءُ الحالِ المجرورِ بالحرفِ مُجرى الحالِ المجرورِ بالإضافةِ، فيقال لصاحب هذه الشبهة: المجرورُ بالحرفِ كالأصلِ للمجرور بالإضافةِ، فلا يصلُحُ أن يحمل حال المجرور بحرف عليه لئلا يكون الفرع متبوعًا والأصل تابعًا، وأيضًا فالمضافُ بمنزلةِ موصولٍ والمضافُ إليه بمنزلة صلتِه، والحالُ منه بمنزلةِ جُزءِ صلَتهِ، فوجبَ تأخيره كما يجب تأخيرُ أجزاءِ الصِّلة، وحالُ المجرورِ بحَرْفٍ لا يُشْبِهُ جزء صلة، فأجيز تقديمُه إذ لا محذورَ في ذلك.
ومن الشُّبَهِ: تَشْبيهُ بابِ: مررْتُ بهند جالسةً، ببابِ: زيدٌ في الدار متكئًا، فيقال: بين البابَيْن بَوْنٌ، فإنَّ ((جالسةً)) منصوبٌ بـ ((مَرَرْتُ))، وهو فعل مُتصرِّفٌ لا يفتقر في نصبِ الحال إلى واسطة، كما لا يفتقرُ إليها في نصب ظرفٍ أو مفعولٍ له وحَرْفُ الجر الذي عدّاه لا عمل له إلا الجر، ولا جيءَ به إلا لتعديةِ: مررت، والمجرور به بمنزلة المنصوب فيتقدم حاله كما يتقدم حال المنصوب، وأما ((متكئًا)) في المسألة الثانية فمنصوبٌ بـ ((في)) لتضمّنِها معنى الاستقرار وهي أيضًا رافعةٌ ضميرًا عائدًا على زيد، وهو صاحبُ الحالِ، فلم يَجُزْ لنا أن نقدِّمَ ((مثكئًا)) على ((في)) لأن العمل لها، وهي عاملٌ ضعيفٌ متضمِّنٌ معنى الفعلِ دون حروفِه، فمانعُ التقديم في نحوِ: زيدٌ في الدار متكئًا، غيرُ موجودٍ في نحو: مررْتُ بهندٍ جالسة، وإذا بطل قول الزجاج والزمخشري تَعيَّن القول بصحة أن يكونَ الأصل: وما أرسلناك إلا للناس كافة، فقَدَّم الحالَ على صاحبِها مع كونه مجرورًا، وهو مذهبُ أبي علي وابن كَيْسان، حكاه ابن بَرْهان، ويجوزُ غيرُه، وقال غيره: جَوَّزَ ابنُ كَيْسان وأبو علي الفارسي كون ﴿كَآفَّةً﴾ حالاً من المجرور باللامِ وهو ﴿لِلنَّاسِ﴾ من حيث إنّ العاملَ في الحالِ هو
стр. 6754
وكم ترى ممن يرتكب هذا بالخطأ، ثم لا يقنع به حتى بضم إليه أن يجعل اللام بمعنى إلى؛ لأنه لا يستوي له الخطأ الأوّل إلا بالخطإ الثاني، فلا بد له من ارتكاب الخطأين.
[وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَاخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ)] ٢٩ - ٣٠ [
قرئ: (ميعاد يوم)، و (ميعاد يوم). و (ميعاد يوما). والميعاد: ظرف الوعد من مكان أو زمان، وهو هاهنا الزمان. والدليل عليه قراءة من قرأ: (ميعاد يوم) فأبدل منه اليوم. فإن قلت: فما تأويل من أضافه إلى (يوم)، أو نصب (يوما)؟ قلت: أما الإضافة فإضافة تبيين، كما تقول: سحق ثوب، وبعير سانية. وأما نصب "اليوم" فعلى التعظيم بإضمار فعل تقديره: لكم ميعاد أعنى يومًا، أو أريد يومًا؛ من صفته كيت وكيت. ويجوز أن يكون الرفع على هذا، أعنى التعظيم. فإن قلت: كيف انطبق هذا جوابًا على سؤالهم؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفعلُ، ولا يفتقرُ الفعلُ في عملهِ في الحال إلى الجارِّ، وإنما يفتقر إليه في عمله في المفعولِ به، فإذا جاز أن يعمل في الحال ما لا يعملُ في صاحبِ الحال كان أوْلى بالجواز.
وقولُ القائل: المجرورُ لا يتقدَّمُ الجارَّ، فإنّما يلزَمُ هذا أنْ لو كان الجارُّ عاملاً في الحالِ، كقولك: قائمًا في الدار زيد، لا يجوز لكون الجار عاملاً في الحال، وقد ذكر بأن العامل هو الفعل فلذلك جاز.
واعلم أن المالكي يُجوِّز تَعَدُّدَ العامل في الحال وصاحبها، وقد أسلفنا القول فيه في سورة الأنبياء عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] مستوفي.
قوله: (وبعير سانية)، الجوهري: السانية: الناضجة، وهي الناقة التي يستقي عليها.
قوله: (كيف انطبق هذا جوابا على سؤالهم؟ )، يعني: أنهم سألوا عن وقت إرساء الساعة وأجيبوا عن أحوالِهم فيها، وتلخيصُ الجواب: أنه من الأسلوبِ الحكيم يعني: دَعوا السؤالَ عن وقت إرسائها، فإن كينونته لا بدَّ منه؛ بل سَلوا عن أحوالِ أنفسكم وكيف
стр. 6755
قلت: ما سألوا عن ذلك وهم منكرون له إلا تعنتًا لا استرشادًا، فجاء الجواب على طريق التهديد مطابقًا لمجيء السؤال على سبيل الإنكار والتعنت، وأنهم مرصدون ليوم يفاجئهم، فلا يستطيعون تأخرًا عنه ولا تقدّمًا عليه.
[وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ)] ٣١ [
الذي بين يديه: ما نزل قبل القرآن من كتب الله. يروى: أن كفار مكة سألوا أهل الكتاب فأخبروهم أنهم يجدون صفة رسول الله ﷺ في كتبهم، فأغضبهم ذلك وقرنوا إلى القرآن جميع ما تقدّمه من كتب الله في الكفر، فكفروا بها جميعا. وقيل: الذي بين يديه: يوم القيامة. والمعنى: أنهم جحدوا أن يكون القرآن من الله تعالى، أوأن يكون لما دلّ عليه من الإعادة للجزاء حقيقة، ثم أخبر عن عاقبة أمرهم ومآلهم في الآخرة فقال لرسوله ﵊ أو للمخاطب: (وَلَوْ تَرى) في الآخرة موقفهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تكونون مبهوتين متحيرين فيها من هول ما تشاهدون، هذا ألَيقُ بحالِكم من أن تسألوا عنه.
هذا المعنى وإن لم يعلم ظاهرًا من جواب المصنف لكن مآلُه إليه.
قوله: (ما سألوا عن ذلك وهم منكرون له إلا تعنتًا لا استرشادًا)، قولُه: ((إلا تعنُّتًا)) استثناءٌ مفرّغٌ والمستثنى منه أعمُّ الأحوال، وهذا التركيبُ مثلُ قولك: ما زيدٌ إلا قائم لا قاعدٌ، وقد أباه صاحبُ ((المفتاح))، مضى بيانُه غير مرة.
قوله: (أو أن يكون لما دل عليه)، يجوز أن تكونَ ((كانَ)) ناقصةً، واسمُه ضميرَ الشأن، و ((حقيقةُ)) بالرفعِ مبتدأ، والخبر: ((لما دلّ عليه))، والجملةُ مبينةٌ ضميرُ الشأن وخبر له، وأن تكون ناقصةً، وفاعلُها ((حقيقة))، و ((لما دل)) متعلَّق بـ ((حقيقة)).
стр. 6756
وهم يتجاذبون أطراف المحاورة ويتراجعونها بينهم؛ لرأيت العجب، فحذف الجواب. والمستضعفون: هم الأتباع، والمستكبرون: هم الرءوس والمقدّمون.
(قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَامُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِالله وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)] ٣٢ - ٣٣ [
أولى الاسم -أعنى "نَحْنُ"- حرف الإنكار؛ لأنّ الغرض إنكار أن يكونوا هم الصادين لهم عن الإيمان، وإثبات أنهم هم الذين صدّوا بأنفسهم عنه، وأنهم أتوا من قبل اختيارهم، كأنهم قالوا: أنحن أجبرناكم وحلنا بينكم وبين كونكم ممكنين مختارين. (بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ) بعد أن صممتم على الدخول في الإيمان، وصحت نياتكم في اختياره؟ بل أنتم منعتم أنفسكم حظها، وآثرتم الضلال على الهدى، وأطعتم آمر الشهوة دون آمر النهى، فكنتم مجرمين كافرين؛ لاختياركم لا لقولنا وتسويلنا. فإن قلت: "إذ" و"إذا" من الظروف اللازمة للظرفية، فلم وقعت (إذ) مضافًا إليها؟ قلت: قد اتسع في الزمان ما لم يتسع في غيره، فأضيف إليها الزمان،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهم يتجاذبون أطراف المحاورة)، ينظر إلى قول الشاعر:
ولما قضَيْنا من مِنًى كلَّ حاجةٍ … ومَسَّح بالأركان من هو ماسح
أخَذْنا بأطرافِ الأحاديثِ بيننا … وسالت بأعناقِ المطيِّ الأباطح
أراد بأطراف الأحاديث ما يتعاطاه المُحبون وذوو الصبابة من التعريض والتلويح دون البيان والتصريح.
قوله: (قد اتُّسِعَ في الزمان ما لم يُتَّسَعْ في غيرهِ، فأضيف إليها الزمان)، قال صاحب
стр. 6757
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
((التقريب)): وإنما أضيف إلى ((إن)) لزومه الظرفية اتّساعًا بإضافة الظرف إليه، كما أضيف إلى الجُمَل نحو: حينَ جاءَ زيد.
وقال صاحب ((الفرائد)): لزومُ ظرفِيَّتهما إذا كنتا مُسْتعملتَيْن لحقيقتهما، فإذا استعملتا بمعنى آخر كان لهما حكم لفظ ذلك المعنى، وهنا المراد بعد مجيء الهدى لأن المراد من وقت الهدى لا وقته، وما ذكر ليس بجواب السؤال الذي ذكر، لأن لزوم الظرفية يأبى جواز ما ذكر.
وقلت: كفى بقوله: ((يُتَّسعُ فيها ما لم يُتَّسع في غيرِها)) جاوبًا، وتقدير السؤال: أنْ ((إذ)) و ((إذا)) من الظروف اللازمة الظرفية، فكيف وقعت ((إذ)) هاهنا مجرورة مضافًا إليها.
وأجاب: أنّ الظروفَ لا سيما الزمانيةَ يُتَّسعُ فيها ما لم يُتَّسع في غيرها، ويمكن أن يكون مراده: أنه ((إذا)) جُرِّدَتْ ((إذ)) عن معنى الظرفية وانسلخَتْ عنه رأسًا وصُيِّرَت اسمًا صِرْفًا فأضيفَ إليها، ألا ترى كيف وقعت مجرورة في قولك: جئتك بعد إذ جاء زيد وحينئذ ويومئذ، فإذن معنى الآية: أنحنُ صدَدْناكم عن الهدى بعد مجيئه إياكم، فليس فيه رائحةُ الظرفية.
وعن صاحب ((الضوء)): نصَّ سيبويه في ((الكتاب)) وأجاز: إذا يقومُ زيدٌ إذاً يقعُدُ عمرو، بمعنى: وقْتُ قيامِ زيدٍ وقتُ قعود عمرو، فارتفع إذا هاهنا مبتدأ وخبرًا، وأنشد:
وبعد غد يا لهْفَ نفسيَ من غَد … إذا راح أصحابي ولست برائح
قالوا: ((إذا)) هاهنا مجرور المحلِّ على البدَلية من ((غد))، ولذلك حكموا عليه بأنه منصوبُ المحلّ بوقوع عليه في أوائل القصص، وهو ((اذكر)) مُضمَرًا أو ظاهرًا، نَحو ﴿إذْ قَالَ رَبُّكَ﴾.
стр. 6758
كما أضيف إلى الجمل في قولك: جئتك بعد إذ جاء زيد، وحينئذ، ويومئذ، وكان ذلك أوان الحجاج أمير، وحين خرج زيد. لما أنكر المستكبرون بقولهم: (أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ) أن يكونوا هم السبب في كفر المستضعفين، وأثبتوا بقولهم: (بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ) أن ذلك بكسبهم واختيارهم، كرّ عليهم المستضعفون بقولهم: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهار)، فأبطلوا إضرابهم بإضرابهم، كأنهم قالوا: ما كان الإجرام من جهتنا، بل من جهة مكركم لنا دائبًا ليلًا ونهارًا، وحملكم إيانا على الشرك واتخاذ الأنداد. ومعنى مكر الليل والنهار: مكركم في الليل والنهار، فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به وإضافة المكر إليه. أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازى. وقرئ: (بل مكر الليل والنهار) بالتنوين ونصب الظرفين، و (بل مكرّ الليل والنهار) بالرفع والنصب، أى: تكرّون الإغواء مكرًّا دائبًا لا تفترون عنه؛ فإن قلت: ما وجه الرفع والنصب؟ قلت: هو مبتدأ أو خبر، على معنى: بل سبب ذلك مكركم أو مكرّكم، أو مكركم أو مكرّكم سبب ذلك. والنصب على: بل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما وجه الرفع والنصب؟ )، أي: في القراءتين، يعني: قراءة من قرأ ((مَكْر)) من المكر، ومن قرأ: ((مكَرّ)) من الكرور. وأجاب: إنه يجوز أن تكون ((مكركم)) خبرَ مبتدأ محذوف، والتقدير: سبب ذلك مكرُكُم أو مكرُّكم، أو مبتدأ خبرَه محذُوف، أي: مكركُم أو مكرّكم سبب ذلك. قال ابن جني: ((بل مكرُّ الليل والنهار)) قراءة أَبِّي، و ((بل مكرٌ الليلَ والنهارَ)) قراءة قتادة، وقرأ راشد ((بل مكْرَ)) بالنصب، وأما المكَرّ والكُرور أي: اختلاف الأوقات، فمَنْ رَفَعه فإما فِعْلٍ مضمرٍ دلَّ عليه قوله: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى﴾ فإنه كالجواب له، أي: بل مكَرُ الليل والنهار في كرورهما، وإما على حذف الخبر، أي: مكر الليل والنهار صَدّنا، فمَنْ نصبه فعلى الظرف كقولك: زُرْتُكَ خفوقَ النجم، وهو متعلق بفعل محذوف، أي: صددتمونا في هذه الأوقات على هذه الأحوال.
стр. 6759
تكرّون الإغواء مكرّ الليل والنهار. فإن قلت: لم قيل: (قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) بغير عاطف؛ وقيل: (وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا)؟ قلت: لأن الذين استضعفوا مرّ أولا كلامهم، فجيء بالجواب محذوف العاطف على طريقة الاستئناف، ثم جيء بكلام آخر للمستضعفين، فعطف على كلامهم الأوّل. فإن قلت: من صاحب الضمير في (وَأَسَرُّوا)؟ قلت: الجنس المشتمل على النوعين من المستكبرين والمستضعفين، وهم الظالمون في قوله: (إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ)] سبأ: ٣١ [. يندم المستكبرون على ضلالهم وإضلالهم، والمستضعفون على ضلالهم واتباعهم المضلين. (فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا)، أى: في أعناقهم، فجاء بالصريح للتنويه بذمهم؛ وللدلالة على ما استحقوا به الأغلال. وعن قتادة: أسروا الكلام بذلك بينهم. وقيل: أسروا الندامة: أظهروها، وهو من الأضداد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فعطف على كلامهم الأول)، أي: على قوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾، وفيه أن المستضعفين تكلموا بكلامَيْن، وأجابهم المستكبرون عن أحدهم دون الآخر لإفحامهم بقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى آخره، ثم كلا الفريقين مكَروا وأسرّوا الندامة حين لم ينفعهم الندم سرًّا.
قوله: (يندم المستكبرون على ضلالهم)، يعني: الضمير في ((أسرُّوا)) راجع في قوله: ﴿إذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ وإنما فسروا ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ وهو ماض بقوله: ((يندمون)) وهو مضارع ليوافق قوله تعالى: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾، ولم يعكس لأنه حكاية للحال الآتية استحضارًا لصورة المجرمين وأنهم موقوفون عند ربهم راجعون بعضهم إلى بعض.
قوله: (أسروا الندامة: أظهروها، [وهو] من الأضداد) عطف على قوله: ((يندم المستكبرون))، فعلى الأول أضمر الفريقان الندامة وأخفوها مخافة التعبير، والثاني الوجه، لأن التعبير واقع وقد علم من قوله: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ذلك وقيل: أسرَّ إذا ثبت له الخفاء، وأسَرّه أزال عنه الخفاء ونظيره. أشكيتُه، أي: أثبتَّ له الشكاية أو أَزْلتُها عنه، وأنشد المصنِّف لنفسه:
стр. 6760
[وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)] ٣٤ - ٣٥ [
هذه تسلية لرسول الله ﷺ مما منى به من قومه من التكذيب والكفر بما جاء به، والمنافسة بكثرة الأموال والأولاد، والمفاخرة وزخارفها، والتكبر بذلك على المؤمنين، والاستهانة بهم من أجله، وقولهم: (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا)] مريم: ٧٣ [، وأنه لم يرسل قط إلى أهل قرية من نذير إلا قالوا له مثل ما قال لرسول الله ﷺ أهل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شكوتُ إلى الأيام سوءَ صنيعِها … ومِن عَجَبٍ باكٍ تَشكّى إلى المُبكي
فما زادني الأيام إلا شكايةً … وما زالتِ الأيامُ تُشكَى ولاتُشْكي
الراغب: الندم: والندامة: التحسُّرُ من تغيُّرِ رأيٍ في أمر فائت، قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١]، وأصله من منادمة الحزن له، والنديم والندمان والمنادم متقارب.
وقال بعضهم: المنادمة والمداومة يتقاربان، وقال بعضُهم: الشّريبانِ سُمِّيا نديمَيْن لما يتعقب أحوالهما من الندامة على فعلهما.
قوله: (مما مني به من قومه)، يقال: مَنْوتُه ومَنيتُه، أي: ابتَلَيتُه.
قوله: (والاستهانةِ بهم من أجله)، أي: من أجل التكبر، قال القاضي: واستهانوا بمن لم يَحْظَ منها. ولذلك ضموا التهكم والمفاخرة إلى التكذيب ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ على مقابلة الجمع بالجمع، قوبل ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا ...... مِّن نَّذِيرٍ﴾ بقوله: ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾، ومن ثم طابقه قوله: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾.
قوله: (وأنه لم يرسل)، عطف على قوله: ((تسلية)) على سبيل البيان.
следующие страницы →