← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

وهم يتجاذبون أطراف المحاورة ويتراجعونها بينهم؛ لرأيت العجب، فحذف الجواب. والمستضعفون: هم الأتباع، والمستكبرون: هم الرءوس والمقدّمون. (قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَامُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِالله وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)] ٣٢ - ٣٣ [ أولى الاسم -أعنى "نَحْنُ"- حرف الإنكار؛ لأنّ الغرض إنكار أن يكونوا هم الصادين لهم عن الإيمان، وإثبات أنهم هم الذين صدّوا بأنفسهم عنه، وأنهم أتوا من قبل اختيارهم، كأنهم قالوا: أنحن أجبرناكم وحلنا بينكم وبين كونكم ممكنين مختارين. (بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ) بعد أن صممتم على الدخول في الإيمان، وصحت نياتكم في اختياره؟ بل أنتم منعتم أنفسكم حظها، وآثرتم الضلال على الهدى، وأطعتم آمر الشهوة دون آمر النهى، فكنتم مجرمين كافرين؛ لاختياركم لا لقولنا وتسويلنا. فإن قلت: "إذ" و"إذا" من الظروف اللازمة للظرفية، فلم وقعت (إذ) مضافًا إليها؟ قلت: قد اتسع في الزمان ما لم يتسع في غيره، فأضيف إليها الزمان، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهم يتجاذبون أطراف المحاورة)، ينظر إلى قول الشاعر: ولما قضَيْنا من مِنًى كلَّ حاجةٍ … ومَسَّح بالأركان من هو ماسح أخَذْنا بأطرافِ الأحاديثِ بيننا … وسالت بأعناقِ المطيِّ الأباطح أراد بأطراف الأحاديث ما يتعاطاه المُحبون وذوو الصبابة من التعريض والتلويح دون البيان والتصريح. قوله: (قد اتُّسِعَ في الزمان ما لم يُتَّسَعْ في غيرهِ، فأضيف إليها الزمان)، قال صاحب

стр. 6757

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ((التقريب)): وإنما أضيف إلى ((إن)) لزومه الظرفية اتّساعًا بإضافة الظرف إليه، كما أضيف إلى الجُمَل نحو: حينَ جاءَ زيد. وقال صاحب ((الفرائد)): لزومُ ظرفِيَّتهما إذا كنتا مُسْتعملتَيْن لحقيقتهما، فإذا استعملتا بمعنى آخر كان لهما حكم لفظ ذلك المعنى، وهنا المراد بعد مجيء الهدى لأن المراد من وقت الهدى لا وقته، وما ذكر ليس بجواب السؤال الذي ذكر، لأن لزوم الظرفية يأبى جواز ما ذكر. وقلت: كفى بقوله: ((يُتَّسعُ فيها ما لم يُتَّسع في غيرِها)) جاوبًا، وتقدير السؤال: أنْ ((إذ)) و ((إذا)) من الظروف اللازمة الظرفية، فكيف وقعت ((إذ)) هاهنا مجرورة مضافًا إليها. وأجاب: أنّ الظروفَ لا سيما الزمانيةَ يُتَّسعُ فيها ما لم يُتَّسع في غيرها، ويمكن أن يكون مراده: أنه ((إذا)) جُرِّدَتْ ((إذ)) عن معنى الظرفية وانسلخَتْ عنه رأسًا وصُيِّرَت اسمًا صِرْفًا فأضيفَ إليها، ألا ترى كيف وقعت مجرورة في قولك: جئتك بعد إذ جاء زيد وحينئذ ويومئذ، فإذن معنى الآية: أنحنُ صدَدْناكم عن الهدى بعد مجيئه إياكم، فليس فيه رائحةُ الظرفية. وعن صاحب ((الضوء)): نصَّ سيبويه في ((الكتاب)) وأجاز: إذا يقومُ زيدٌ إذاً يقعُدُ عمرو، بمعنى: وقْتُ قيامِ زيدٍ وقتُ قعود عمرو، فارتفع إذا هاهنا مبتدأ وخبرًا، وأنشد: وبعد غد يا لهْفَ نفسيَ من غَد … إذا راح أصحابي ولست برائح قالوا: ((إذا)) هاهنا مجرور المحلِّ على البدَلية من ((غد))، ولذلك حكموا عليه بأنه منصوبُ المحلّ بوقوع عليه في أوائل القصص، وهو ((اذكر)) مُضمَرًا أو ظاهرًا، نَحو ﴿إذْ قَالَ رَبُّكَ﴾.

стр. 6758

كما أضيف إلى الجمل في قولك: جئتك بعد إذ جاء زيد، وحينئذ، ويومئذ، وكان ذلك أوان الحجاج أمير، وحين خرج زيد. لما أنكر المستكبرون بقولهم: (أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ) أن يكونوا هم السبب في كفر المستضعفين، وأثبتوا بقولهم: (بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ) أن ذلك بكسبهم واختيارهم، كرّ عليهم المستضعفون بقولهم: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهار)، فأبطلوا إضرابهم بإضرابهم، كأنهم قالوا: ما كان الإجرام من جهتنا، بل من جهة مكركم لنا دائبًا ليلًا ونهارًا، وحملكم إيانا على الشرك واتخاذ الأنداد. ومعنى مكر الليل والنهار: مكركم في الليل والنهار، فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به وإضافة المكر إليه. أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازى. وقرئ: (بل مكر الليل والنهار) بالتنوين ونصب الظرفين، و (بل مكرّ الليل والنهار) بالرفع والنصب، أى: تكرّون الإغواء مكرًّا دائبًا لا تفترون عنه؛ فإن قلت: ما وجه الرفع والنصب؟ قلت: هو مبتدأ أو خبر، على معنى: بل سبب ذلك مكركم أو مكرّكم، أو مكركم أو مكرّكم سبب ذلك. والنصب على: بل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ما وجه الرفع والنصب؟ )، أي: في القراءتين، يعني: قراءة من قرأ ((مَكْر)) من المكر، ومن قرأ: ((مكَرّ)) من الكرور. وأجاب: إنه يجوز أن تكون ((مكركم)) خبرَ مبتدأ محذوف، والتقدير: سبب ذلك مكرُكُم أو مكرُّكم، أو مبتدأ خبرَه محذُوف، أي: مكركُم أو مكرّكم سبب ذلك. قال ابن جني: ((بل مكرُّ الليل والنهار)) قراءة أَبِّي، و ((بل مكرٌ الليلَ والنهارَ)) قراءة قتادة، وقرأ راشد ((بل مكْرَ)) بالنصب، وأما المكَرّ والكُرور أي: اختلاف الأوقات، فمَنْ رَفَعه فإما فِعْلٍ مضمرٍ دلَّ عليه قوله: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى﴾ فإنه كالجواب له، أي: بل مكَرُ الليل والنهار في كرورهما، وإما على حذف الخبر، أي: مكر الليل والنهار صَدّنا، فمَنْ نصبه فعلى الظرف كقولك: زُرْتُكَ خفوقَ النجم، وهو متعلق بفعل محذوف، أي: صددتمونا في هذه الأوقات على هذه الأحوال.

стр. 6759

تكرّون الإغواء مكرّ الليل والنهار. فإن قلت: لم قيل: (قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) بغير عاطف؛ وقيل: (وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا)؟ قلت: لأن الذين استضعفوا مرّ أولا كلامهم، فجيء بالجواب محذوف العاطف على طريقة الاستئناف، ثم جيء بكلام آخر للمستضعفين، فعطف على كلامهم الأوّل. فإن قلت: من صاحب الضمير في (وَأَسَرُّوا)؟ قلت: الجنس المشتمل على النوعين من المستكبرين والمستضعفين، وهم الظالمون في قوله: (إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ)] سبأ: ٣١ [. يندم المستكبرون على ضلالهم وإضلالهم، والمستضعفون على ضلالهم واتباعهم المضلين. (فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا)، أى: في أعناقهم، فجاء بالصريح للتنويه بذمهم؛ وللدلالة على ما استحقوا به الأغلال. وعن قتادة: أسروا الكلام بذلك بينهم. وقيل: أسروا الندامة: أظهروها، وهو من الأضداد. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فعطف على كلامهم الأول)، أي: على قوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾، وفيه أن المستضعفين تكلموا بكلامَيْن، وأجابهم المستكبرون عن أحدهم دون الآخر لإفحامهم بقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى آخره، ثم كلا الفريقين مكَروا وأسرّوا الندامة حين لم ينفعهم الندم سرًّا. قوله: (يندم المستكبرون على ضلالهم)، يعني: الضمير في ((أسرُّوا)) راجع في قوله: ﴿إذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ وإنما فسروا ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ وهو ماض بقوله: ((يندمون)) وهو مضارع ليوافق قوله تعالى: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾، ولم يعكس لأنه حكاية للحال الآتية استحضارًا لصورة المجرمين وأنهم موقوفون عند ربهم راجعون بعضهم إلى بعض. قوله: (أسروا الندامة: أظهروها، [وهو] من الأضداد) عطف على قوله: ((يندم المستكبرون))، فعلى الأول أضمر الفريقان الندامة وأخفوها مخافة التعبير، والثاني الوجه، لأن التعبير واقع وقد علم من قوله: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ذلك وقيل: أسرَّ إذا ثبت له الخفاء، وأسَرّه أزال عنه الخفاء ونظيره. أشكيتُه، أي: أثبتَّ له الشكاية أو أَزْلتُها عنه، وأنشد المصنِّف لنفسه:

стр. 6760

[وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)] ٣٤ - ٣٥ [ هذه تسلية لرسول الله ﷺ مما منى به من قومه من التكذيب والكفر بما جاء به، والمنافسة بكثرة الأموال والأولاد، والمفاخرة وزخارفها، والتكبر بذلك على المؤمنين، والاستهانة بهم من أجله، وقولهم: (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا)] مريم: ٧٣ [، وأنه لم يرسل قط إلى أهل قرية من نذير إلا قالوا له مثل ما قال لرسول الله ﷺ أهل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ شكوتُ إلى الأيام سوءَ صنيعِها … ومِن عَجَبٍ باكٍ تَشكّى إلى المُبكي فما زادني الأيام إلا شكايةً … وما زالتِ الأيامُ تُشكَى ولاتُشْكي الراغب: الندم: والندامة: التحسُّرُ من تغيُّرِ رأيٍ في أمر فائت، قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١]، وأصله من منادمة الحزن له، والنديم والندمان والمنادم متقارب. وقال بعضهم: المنادمة والمداومة يتقاربان، وقال بعضُهم: الشّريبانِ سُمِّيا نديمَيْن لما يتعقب أحوالهما من الندامة على فعلهما. قوله: (مما مني به من قومه)، يقال: مَنْوتُه ومَنيتُه، أي: ابتَلَيتُه. قوله: (والاستهانةِ بهم من أجله)، أي: من أجل التكبر، قال القاضي: واستهانوا بمن لم يَحْظَ منها. ولذلك ضموا التهكم والمفاخرة إلى التكذيب ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ على مقابلة الجمع بالجمع، قوبل ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا ...... مِّن نَّذِيرٍ﴾ بقوله: ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾، ومن ثم طابقه قوله: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾. قوله: (وأنه لم يرسل)، عطف على قوله: ((تسلية)) على سبيل البيان.

стр. 6761

مكة، وكادوه بنحو ما كادوه به، وقاسوا أمر الآخرة الموهومة أو المفروضة عندهم على أمر الدنيا، واعتقدوا أنهم لو لم يكرموا على الله لما رزقهم، ولولا أنّ المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم؛ فعلى قياسهم ذلك قالوا: (وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ): أرادوا أنهم أكرم على الله من أن يعذبهم؛ نظرا إلى أحوالهم في الدنيا. [قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)] ٣٦ [ وقد أبطل الله تعالى حسبانهم بأنّ الرزق فضل من الله يقسمه كما يشاء على حسب ما يراه من المصالح، فربما وسع على العاصي وضيق على المطيع، وربما عكس، وربما وسع عليهما وضيق عليهما، فلا ينقاس عليه أمر الثواب الذي مبناه على الاستحقاق. وقدر الرزق: تضييقه. قال تعالى: (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ)] الطلاق: ٧ [وقرئ: "يقدّر" بالتشديد والتخفيف. (وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ)] ٣٧ - ٣٨ [ أراد: وما جماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم (بالتي تقربكم)، وذلك أنّ الجمع المكسر عقلاؤه وغير عقلائه سواء في حكم التأنيث، ويجوز أن يكون "التي" هي التقوى، وهي المقربة عند الله زلفى وحدها، أى: ليست أموالكم بتلك الموضوعةِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (((يَقدِرُ)) بالتشديد والتخفيف)، بالتخفيف: مشهورة، وبالتشديد: شاذة. قوله: (ويجوز أن يكون ((التي)) هي التقوى)، يعني: عبر عن التقوى بقوله: ﴿بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى﴾ كناية، كأنه قيل: وما أموالُكم ولا أولادُكم بالتقوى، لأن التقوى هي المقرِّبة عند الله زلفى وَحْدَها؛ يدل عليه قوله: ((ليسَت أموالكم بتلك الموضوعة للتقريب)) أي: وضعَ الشارعُ لفظة التقوى بإزاء معنى التقريب، كما أن صاحبَ اللغة وضعَ الألفاظَ

стр. 6762

للتقريب. وقرأ الحسن: (باللاتى تقرّبكم)؛ لأنها جماعات. وقرئ: (بالذي يقرّبكم)، أى: بالشيء الذي يقرّبكم. والزلفى والزلفة: كالقربى والقربة، ومحلها النصب، أى: تقرّبكم قربة، كقوله تعالى: (أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً)] نوح: ١٧ [. (إِلَّا مَنْ آمَنَ) استثناء من «كم» في (تُقَرِّبُكُمْ)، والمعنى: أنّ الأموال لا تقرب أحدًا إلا المؤمن الصالح الذي ينفقها في سبيل الله، والأولاد لا تقرب أحدًا إلا من علمهم الخير وفقههم في الدين، ورشحهم للصلاح والطاعة. (جزاء الضِّعْفِ): من إضافة المصدر إلى المفعول، أصله: فأولئك لهم أن يجازوا الضعف، ثم: جزاء الضعف، ثم (جزاء الضعف). ومعنى (جزاء الضعف): أن تضاعف لهم حسناتهم، الواحدة عشراً. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للمعاني، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، قال القاضي: أو أنها صفة موصوف محذوف، أي: ما أموالكم ولا أولادكم بالتقوى التي تقربكم عندنا زلفى. قوله: (﴿إِلاَّ مَنْ آمَنَ﴾ استثناء مِن ((كم))) قال الزجاج: موضعُ ﴿مَنْ﴾ نَصْبٌ بالاستثناء على البدل من الكاف والميم، أي: لا يُقَرِّبُ الأموالَ إلا مَنْ آمن وعمل بها في طاعة الله تعالى. وقال القاضي: ويجوز أن يكون مستثنى من ﴿أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ﴾ على حذف المضاف، أي: إلاّ مالَ من آمن وولد من آمن. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون في موضع رفع على الابتداء، أي: ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، وما بَعْدَه خَبر. قوله: (ورشّحهم)، أيْ: ربّاهم وهَيّأهم.

стр. 6763

وقرئ: (جزاء الضعف)، على: فأولئك لهم الضعف جزاء، و (جزاء الضعف) على: أن يجازوا الضعف. و (جزاء الضعف) مرفوعان، "الضعف" بدل من "جزاء". وقرئ: (فِي الْغُرُفاتِ) بضم الراء وفتحها وسكونها، و (في الغرفة). [قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)] ٣٩ [ (فَهُوَ يُخْلِفُهُ): فهو يعوّضه، لا معوّض سواه؛ إما عاجلًا بالمال، أو القناعة التي هي كنزلا ينفد؛ وإما آجلًا بالثواب الذي كل خلف دونه. وعن مجاهد: من كان عنده من هذا المال ما يقيمه فليقتصد، فإنّ الرزق مقسوم، ولعل ما قسم له قليل وهو ينفق نفقة الموسع عليه، فينفق جميع ما في يده، ثم يبقى طول عمره في فقر، ولا يتأولن: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و ((جزاءٌ الضعفُ)) مرفوعان)، قال الزجاج: ويجوزُ رفعُ ((الضِّعف)) من جهتين: على معنى: فأولئك لهم الضِّعفُ، على أن يكون ((الضعفُ)) بدلاً من ((جَزاء))، ويكونَ مرفوعًا على إضمارِ ((هو))، كأنه لما قيل: ﴿فَأُولَائِكَ لَهُمْ جَزَاءُ﴾، كأن قائلاً قال: ما هو؟ فقال: هو الضعفُ، ويجوزُ النصب في ((الضعف)) على مفعول ما لم يسم فاعلُه، على معنى: فأولئك لهم أن يجازوا الضعف، والقراءة المشهورة: خفض ((الضعف)) ورفع ((الجزاء)). قوله: (قُرئَ: ﴿فِي الْغُرُفَاتِ﴾)، كُلَّهم إلا حمزة، فإنه قرأ: ((في الغرفة)) بسكون الراء. قوله: (ولا يَتأول) ويروي: (ولا يتأوّلنَّ ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾) أي: لا يصرفُه عن ظاهره ويقول: وما أنفقتم من شيء فإن الله يعوضه في الدنيا لأن ((ما)) شرط، وقولَه: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ جزاء، والآية واردة على سبيل الوعد على الإنفاق وأن الله لا يضيع أجر المحسنين على الإنفاق.

стр. 6764

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي ((المعالم)): عن جابر بن عبد الله قال قال النبي ﷺ : ((كلُّ معروفٍ صَدَقة، وكلَّ ما أنفق الرجل على نفسِه وأهله كتبَ له صَدقَة، وما وَقى به الرجل عِرْضَه كُتب له به صدَقة، وما أنفقَ المؤمنُ من نفقةٍ فعلى الله خَلَفُها ضامنًا إلا ما كانَ من نفقتِه في بُنيان أو في معصية الله)). وفي الكواشي: ((ما)) شَرْطٌ نُصِبَ بقوله: ﴿أَنفَقْتُم﴾ و ﴿مِن شَيْءٍ﴾، بيانه، وجواب الشرط الفاء بعد، أو بمعنى الذي مبتدأ، وخبره ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ,﴾ أي: فالله يعوضه هنا بالمال أو بالقناعة التي هي كنز لا يفنى، ثم بالثواب في العقبى، وفي الحديث: ((من أيقنَ بالخلفِ جادَ بالعطية))، وفيه حكايةٌ عن الله تعالى: ((أنفق أنفق عليك)). وقلت: هذا هو الوجه، وعليه الوجه الأول، ولذلك أردفه بقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ تذييلاً للكلام، أي: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]. ويؤيدُه ما روَيْنا عن البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((ما من يومٍ يصبحُ العبادُ فيه إلا وملكانِ ينزِلان فيقول أحدُهما: اللهم أعطِ مُنافقًا خَلَفا، ويقولُ الآخر: اللهم أعطِ مُمسكًا تَلَفا)). وعن الإمام أحمد بن حنبل عن أبي أمامة: قال أبو ذَرّ: يا نبي الله أرأيتَ الصدقةَ ماذا هي؟ قال: أضعاف مضاعفة وعند الله المزيد)).

стр. 6765

فإن هذا في الآخرة. ومعنى الآية: وما كان من خلف فهو منه. (خَيْرُ الرَّازِقِينَ) وأعلاهم رب العزة، لأن كل ما رزق غيره؛ من سلطان يرزق جنده، أو سيد يرزق عبده، أو رجل يرزق عياله؛ فهو من رزق الله، أجراه على أيدى هؤلاء، وهو خالق الرزق، وخالق الأسباب التي بها ينتفع المرزوق بالرزق. وعن بعضهم: الحمد لله الذي أوجدنى وجعلني ممن يشتهى؛ فكم من مشته لا يجد، وواجد لا يشتهى. [(يوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ)] ٤٠ - ٤١ [ هذا الكلام خطاب للملائكة، وتقريع للكفار، وارد على المثل السائر: إيّاك أعني واسمعي يا جاره ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والنظمُ أيضًا يساعدُ عليه، لأن الآية حث على الصدقةِ والإنفاقِ في سبيلِ الله، ولأنّ هذه الآيةَ تقريرٌ لمعنى قوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَائِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ كما قال: ((إن الأموال لا تقرب أحدًا إلا المؤمنَ الصالحَ الذي يُنفقُها في سبيلِ الله)) فمعنى الآية: أن الله هو القابضُ الباسطُ، فلا تَخافوا النفقةَ في سبيلهِ، فإن الله خير الرازقين ولا يُضيعُ أجْرَ المحسنين. قوله: (الحمد لله الذي أوجدني). الجوهري: أوجده، أي: أغناه، يقال: الحمدُ لله الذي أوجَدني بعد فقر، وأوجدني بعد ضعف، أي: قَوّاني. قوله: (إياك أعني واسْمَعي يا جارَه) قال الميداني: أولُ من قال ذلك سَهْلُ بن مالك الفَزاري، وذلك أنه خرج يريد النعمان فمَرَّ ببعضِ أحياءِ طيّء، فسأل عن سَيّدِ الحيِّ فقيل: حارثة بن لأمٍ، فأمَّ فلم يُصبْهُ، فقالت له أُخته: انزِلْ في الرّحبِ والسَّعة، فنزل فأكرَمته وألطفَته، ثم خرجت من خِبائها. فرآها أجْمَلَ أهل دهرِها وألطَفهمَ وكانت عَقِيلَةَ قومِها وسيدة نسائها، فوقع في نفسه، فجلس يومًا بِفناء الخِباء يُنْشِدُ وهي تسمع: يا أختَ خَيْرِ البَدْوِ والحضارَهْ … كيفَ تَرَيْنَ في فتى فَزَارَهْ

стр. 6766

ونحوه قوله عز وعلا: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ الله)] المائدة: ١١٦ [، وقد علم سبحانه كون الملائكة وعيسى منزهين برآء مما وجه عليهم من السؤال الوارد على طريق التقرير، والغرض أن يقول ويقولوا، ويسأل ويجيبوا؛ فيكون تقريعهم أشدّ، وتعييرهم أبلغ، وخجلهم أعظم؛ وهو أنه ألزم، ويكون اقتصاص ذلك لطفًا لمن سمعه، وزاجرًا لمن اقتص عليه. والموالاة: خلاف المعاداة. ومنها: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. وهي مفاعلة من الولي، وهو القرب. كما ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أصْبَحَ يَهْوَى حُرَّةً مِعْطارَهْ … إيَّاكِ أعْنِي واسْمَعي يا جَارَهْ فقالت له مجيبة: إنِّي أقُولُ يا فَتَى فَزَارَهْ … لا أبْتَغي الزَّوْجَ ولا الدَّعارَهْ ولا فِراقَ أَهْلِ هذِي الجَارَهْ … فارْحَلْ إلى أهْلِكَ باسْتِخارَهْ فاسْتَحَى الفتى، وقال: ما أردتُ منكرًا. قالت: صدَقْتَ. فكأنها اسْتَحْيَتْ من تسرُّعِها إلى تُهمَته، فارتحل إلى النعمان، فلما رجع نزلَ على أخيها، فتطلَّعت إليه وكانَ جميلاً. فأرسلت إليه: أنِ اخْطُبني، فخَطبها وتزوّجها، وسارَ بها إلى قومه. يضرب لمن يتكلم بكلام ويريد به شيئًا آخر. قال أبو البقاء: ((هؤلاء)) مبتدأ، و ﴿كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ خبره، و ﴿إِيَّاكُمْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿يعبدون﴾ وفيه دلالة على جواز تقديم خبر ((كان)) عليها، لأن معمولَ الخبر بمنزلته. قوله: (اللهمّ والِ مَنْ والاه وعادِ من عاداه)، روينا في ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) عن البراءِ بنِ عازبٍ وزيد بن أرقَم أنّ رسول الله ﷺ لما نزَل بغَديرِ خُمٍّ أخَذ بيد عليٍّ ﵁ فقال: ((ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ )) قالوا: بلى، فقال: ((اللهم من كُنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللهمَّ والِ مَنْ والاه وعادِ مَنْ عاداه)) فلقيه عمر ﵁ فقال:

стр. 6767

أنّ المعاداة من العدواء، وهي البعد. والولي: يقع على الموالي والموالي جميعًا. والمعنى: أنت الذي نواليه من دونهم، إذ لا موالاة بيننا وبينهم. فبينوا بإثبات موالاة الله ومعاداة الكفار براءتهم من الرضا بعبادتهم لهم؛ لأنّ من كان على هذه الصفة كانت حاله منافية لذلك. (بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ): يريدون الشياطين؛ حيث أطاعوهم في عبادة غير الله. وقيل: صوّرت لهم الشياطين صور قوم من الجن، وقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها. وقيل: كانوا يدخلون في أجواف الأصنام إذا عبدت، فيعبدون بعبادتها. وقرئ: (نحشرهم) و (نقول) بالنون والياء. [(فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ)] ٤٢ [ الأمر في ذلك اليوم لله وحده، لا يملك فيه أحد منفعةً ولا مضرّة لأحد؛ لأنّ الدار دار ثواب وعقاب، والمثيب والمعاقب هو الله، فكانت حالها خلاف حال الدنيا التي هي دار تكليف، والناس فيها مخلى بينهم، يتضارّون ويتنافعون. والمراد: أنه لا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هنيئًا يا ابن أبي طالب، أصبَحْتَ مولى كلِّ مؤمن ومؤمنة. في ((المطلع)): الوَليُّ: فَعيلٌ من الولايةِ، بمعنى المَوْلى والموالي جميعًا، الولي القُرْبُ من باب فعل يفعِلُ بكَسرِ العين في الماضي والمستقبل معًا من الشواذِّ، وولي الوالي البلَد، وولي البيعَ وغيره ولاية، فهما من الباب أيضًا. قوله: (من العُدَواء)، والعُدواء: بُعْدُ الدار، ومنها قولُ ذي الرمة: منها على عُدواء الدار تَسْتَقمِ قوله: (وقرئ ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ و ﴿نَقُولُ﴾ بالنون والياء)، بالنون: حفص، والباقون: بالياء.

стр. 6768

ضارّ ولا نافع يومئذ إلا هو وحده، ثم ذكر معاقبته الظالمين بقوله: (وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) معطوفًا على (لا يَمْلِكُ). [(وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ)] ٤٣ [ الإشارة الأولى: إلى رسول الله ﷺ . والثانية: إلى القرآن. والثالثة: إلى الحق. والحق أمر النبوّة كله ودين الإسلام كما هو. وفي قوله: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا)، وفي أن لم يقل: وقالوا، وفي قوله: (لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ)، وما في اللامين، من الإشارة إلى القائلين والمقول فيه، وفي "لما" من المبادهة بالكفر -دليل على صدور الكلام عن إنكار عظيم، وغضب شديد، وتعجيب من أمرهم بليغ، كأنه قال: وقال أولئك الكفرة المتمرّدون بجراءتهم على الله ومكابرتهم لمثل ذلك الحق النير قبل أن يذوقوه: (إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) فبتوا القضاء على أنه سحر، ثم بتوه على أنه بين ظاهر، كل عاقل تأمّله سمَّاه سحرا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وما في اللامين من الإشارة)، عطف تفسيري نحو: أعجبني زيدٌ وكرمُه، على قوله: ((وفي قوله: وقال الذين كفروا)) إلى آخره، يعني: أن اللامين في ((الذين كفروا)) وفي ((الحقِّ)) للعهد ومدخولهما أقيما مقام المضمرين، أما أوّلاً فإن قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ يوجب الإضمار وأن يقال: قالوا، وأمّا ثانيًا: فإن قوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾ وقوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ﴾ يقتضيان أن يقال: لهما، وقد تقرر أن سلوك هذه الطريقة لا يكون إلا للإيذان بأن الأمرَ عظيم والخطبَ جَليل، وإليه الإشارة بقوله: ((أولئك الكفرةُ المتمرِّدون بجُرأتهم على الله ومكابرتِهم لمثلِ هذا الحق النيِّر قالوا: إنْ هذا إلا سِحرٌ مُبين))، أما قوله: ((قبل أن يذوقوه)) فإشارة إلى دلالة لما جاءهم على المبادهة وقوله: ((فبَتّوا القضاء)) إشارة إلى معنى ما يعطيه ((أن)) و ((إلا)) من معنى الحصر، وقوله: ((ثم بتوه على أنه بين ظاهر)) إشارة إلى معنى ﴿هَذَا﴾ ولفظة ﴿مُّبِينٌ﴾.

стр. 6769

[(وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ)] ٤٤ - ٤٥ [ وما آتيناهم كتبًا يدرسونها فيها برهان على صحة الشرك، ولا أرسلنا إليهم نذيرًا ينذرهم بالعقاب إن لم يشركوا، كما قال : (أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ)] الروم: ٣٥ [. أو وصفهم بأنهم قوم أمّيون أهل جاهلية، لا ملة لهم وليس لهم، عهد بإنزال كتاب ولا بعثة رسول، كما قال: (أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ)] الزخرف: ٢١ [فليس لتكذيبهم وجه متشبث، ولا شبهة متعلق، كما يقول أهل الكتاب وإن كانوا مبطلين: نحن أهل كتب وشرائع، ومستندون إلى رسل من رسل الله. ثم توعدهم على تكذيبهم بقوله: (وَكَذَّبَ الَّذِينَ) تقدّموهم من الأمم والقرون الخالية كما كذبوا، وما بلغ هؤلاء بعض ما آتينا أولئك من طول الأعمار، وقوّة الأجرام، وكثرة الأموال، فحين كذبوا رسلهم جاءهم إنكارى بالتدمير والاستئصال، ولم يغن عنهم استظهارهم بما هم به مستظهرون، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو وصَفَهم بأنهم قومٌ أمِّيُّون)، عطف على قوله: ((﴿وَمَا آتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ فيها برهان)) من حيث المعنى. اعلم أن وَصْفَ كُتبٍ بقوله: ﴿يَدْرُسُونَهَ﴾ يمكن أن يكون من قولك: ما عندي كتاب يقرأ، فهو نفي القراءة وحدها وأن عنده كتابًا إلا أنه لا يقرأ، أو نفيهما جميعًا وأن لا كتاب عنده ولا كونه مقروءًا، والوجهان اللذان قَرَّرهما من القبيل الثاني. قوله: (جاءَهم إنكاري بالتدمير)، يعني: قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ يقتضي هذا المقدر. صَرَّح القاضي به حيث قال: فحينَ كَذّبوا رُسلي جاءهم إنكاري بالتدمير فكيف كان نكيري فليحذر هؤلاء من مثله فتكونُ الفاء في ﴿فَكَيْفَ﴾ فصيحةً لأنها تقتضي هذا المقدَّر، والنكير والإنكارُ وتغييرُ المُنكر، ويجوز أن يُجعَل العذابُ من جنس الإنكار تنزيلا للفعل

стр. 6770

فما بال هؤلاء؟ وقرئ: (يدرّسونها) من التدريس، وهو تكرير الدرس. أو من درّس الكتاب، ودرّس الكتب: و (يدّرسونها)، بتشديد الدال: يفتعلون من الدرس. والمعشار كالمرباع، وهما: العشر والربع. فإن قلت: فما معنى: (فَكَذَّبُوا رُسُلِي) وهو مستغنى عنه بقوله: (وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)؟ قلت: لما كان معنى قوله: (وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ): وفعل الذين من قبلهم التكذيب وأقدموا عليه؛ جعل تكذيب الرسل مسببًا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ منزلة القولِ ادّعاءً نَحْوَ قولِه: تَحِيّةُ بينِهم ضَرْبٌ وجيع قوله: (وقرئ: ((يُدرِّسونها))، من التدريس) قال ابن جني: وهي قراءة أبي حَيْوَة، وهو أقوى معنًى من ﴿يَدْرُسُونَهَا﴾ لأن افتعل بزيادة التاء أقوى من فعل، كما أن قوله: ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢] أقوى من: قادر. قوله: (وأقدموا عليه)، يعني: هو من أسلوبِ قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]، فعلى هذا قوله: ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ جملة معترضة، لأن المراد منهم المشركون، فقُدم اهتمامًا وإيذانًا بأن إيرادَ هذا الكلام سبَبُه هؤلاء المكذّبون تهديدًا ووعيدًا، ويجوز أن لا تكون معترضةً، بل يكون قوله: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ توطئة وتمهيدًا لقوله: ﴿وَمَا بَلَغُوا﴾، وينعطف قوله: ﴿فَكَذَّبُوا﴾ على ﴿وَمَا بَلَغُوا﴾ أي: وما بلغ هؤلاء المكذبون مِعْشارَ ما آتينا أولئك المكذبين السابقين من طول الأعمار وقوة الأجرام وكثرة الأموال، فكيف أقدموا على كفر أعظم وتكذيب أبلغ من أولئك، فكذبوا سيد الرسل لدلالة جميع الرسل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] ويجوز أن يكون من قبيل قوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ [الفرقان: ٣٧] وإنما كذبوه وحده لأن الرسالة وصف جامع، فيلزم من تكذيبه تكذيبهم، وهذا الوجه أحسن من الاعتراض وأبلغ وللمقصود أدعى.

стр. 6771

عنه، ونظيره أن يقول القائل: أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد ﷺ . ويجوز أن ينعطف على قوله: (وما بلغوا)، كقولك: ما بلغ زيد معشار فضل عمرو فتفضل عليه. (فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ)، أى: للمكذبين الأوّلين، فليحذروا من مثله. [(قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ)] ٤٦ [ (بِواحِدَةٍ): بخصلة واحدة، وقد فسرها بقوله: (أَنْ تَقُومُوا)، على أنه عطف بيان لها، وأراد بقيامهم: إما القيام عن مجلس رسول الله ﷺ ، وتفرّقهم عن مجتمعهم عنده، وإما القيام الذي لا يراد به المثول على القدمين، ولكن الانتصاب في الأمر، والنهوض فيه بالهمة. والمعنى: (إنما أعظكم بواحدة) إن فعلتموها أصبتم الحق وتخلصتم، وهي: أن تقوموا لوجه الله خالصًا، متفرّقين اثنين اثنين، وواحدًا واحدًا، (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) في أمر محمد ﷺ وما جاء به. أمّا الاثنان فيتفكران ويعرض كلّ واحد منهما محصول فكره على صاحبه، وينظران فيه نظر متصادقين متناصفين، لا يميل بهما اتباع هوى، ولا ينبض لهما عرق عصبية، حتى يهجم بهما الفكر الصالح والنظر على جادة الحق وسننه. وكذلك الفرد: يفكر في نفسه بعدٍل ونصفة، من غير أن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على أنه عطف بيان لها)، قال أبو البقاء: محلّ ﴿أَن تَقُومُوا﴾ جر؛ بَدلاً من ﴿وَاحِدَةٍ﴾، أو رفع على تقدير: هي أن تقوموا، أو نصب على تقدير: أعني. قلت: هذا التقدير أوفق لاختيار المصنف، وأدعي لاقتضاء المقام، لأن طلب الواحدة مقصودٌ أوّليٌّ في كلام المصنف وأرخى للعِنان. قوله: (وتفرُّقهم عن مُجتمعهم عنده)، قيل: ((عنَده)) حال من ((مجتمعهم))، ولا يجوز أن يعمل فيه، لأنه اسم المكان لا يعمل.

стр. 6772

يكابرها، ويعرض فكره على عقله وذهنه، وما استقرّ عنده من عادات العقلاء، ومجارى أحوالهم. والذي أوجب تفرّقهم مثنى وفرادى أنّ الاجتماع مما يشوّش الخواطر، ويعمى البصائر، ويمنع من الروية، ويخلط القول؛ ومع ذلك يقل الإنصاف، ويكثر الاعتساف، ويثور عجاج التعصب، ولا يسمع إلا نصرة المذهب. وأراهم بقوله: (ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ) أن هذا الأمر العظيم الذي تحته ملك الدنيا والآخرة جميعًا، لا يتصدّى لا دعاء مثله إلا رجلان: إمّا مجنون لا يبالى باقتضاحه إذا طولب بالبرهان فعجز، بل لا يدرى ما الافتضاح وما رقبة العواقب. وإمّا عاقل راجح العقل، مرشح للنبوّة، مختار من أهل الدنيا، لا يدعيه إلا بعد صحته عنده بحجته وبرهانه، وإلا فما يجدى على العاقل دعوى شيء لا بينة له عليه، وقد علمتم أنّ محمدا ﷺ ما به من جنة، بل علمتموه أرجح قريش عقلًا، وأرزنهم حلمًا، وأثقبهم ذهنًا، وآصلهم رأيًا، وأصدقهم قولًا، وأنزههم نفسًا، وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال ويمدحون به؛ فكان مظنة لأن تظنوا به الخير، وترجحوا فيه جانب الصدق على الكذب، وإذا فعلتم ذلك كفاكم أن تطالبوه بأن يأتيكم بآية، فإذا أتى بها تبين أنه نذير مبين. فإن قلت: (ما بِصاحِبِكُمْ) ثم يتعلق؟ قلت: يجوز أن يكون كلامًا مستأنفًا؛ تنبيهًا من الله ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (رِقْبَة العواقِب) أي: خوفها، الأساس: رَقَبه وراقبَه: حاذره، لأن الخائف يرقب العقابَ ويَتوقَّعُه. قوله: (بل عَلِمْتمُوه أرجحَ قريشٍ عقلاً، وأرزنَهم حلمًا، وأثْقَبَهم ذهنًا، وآصلَهم رأيًا، وأصدَقَهم قولاً، وأنزهَهم نفسًا، وجمَعهم لما يُحمَدُ عليه الرجالُ ويُمْدَحون به)، هذه المعاني كلها تلوحُ من الأسلوب الاستدراجي والكلام المنصف وتخصيص ((صاحبكم)) واقترانِه بـ ﴿جِنَّةٍ﴾، لله دَرّه ما أحسنَ بيانَه وما أعذبَ ألفاظَه وما أدقَّ مسالكَه، اللهمَّ أحسِنْ جَزاءه فيما يتعاطاه من هذا القبيل، وتجاوز عن فرَطاتِه من قَبيل التعصّب. قوله: (وآصلهم رأيًا)، هو من قولهم: هو أصيل الرأي، وقد أصَلَ أصالةً. قوله: (كلامًا مستأنفًا)، أي يكون ﴿مِّن جِنَّةٍ﴾ مبتدأ، والخبرُ ﴿بِصَاحِبِكُم﴾، وزِيدَت

стр. 6773

على طريقة النظر في أمر رسول الله ﷺ . ويجوز أن يكون المعنى: ثم تتفكروا فتعلموا ما بصاحبكم من جنة، وقد جوّز بعضهم أن تكون ما استفهامية. (بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ) كقوله ﵊: «بعثت في نسم الساعة». [(قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الله وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)] ٤٧ [ (فَهُوَ لَكُمْ): جزاء الشرط الذي هو قوله: (ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ)، تقديره: أىّ شيء سألتكم من أجر فهو لكم، كقوله تعالى: (ما يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ)] فاطر: ٢ [. وفيه معنيان، أحدهما: نفى مسألة الأجر رأسًا، كما يقول الرجل لصاحبه: إن أعطيتني ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ((مِن)) الاستغراقية لنَفْيِ ما يقال له جِنَّة، كأنهم لما سمعوا ذلك الكلام الذي يقطر منه معنى الإنصاف والانتصاف بخطب اتجه لهم أن يسألوا: أي شيء هذه الإقامة وهذا الخلوص، وهذا النظر الدقيق واستعمال الفكر؟ فقيل لهم: ذلك لاستعلامِ حالِ صاحبِكم واستكشافِ أمرِه لأنه تصدّى للأمرِ العظيمِ الذي تحتَه مُلْكُ الدنيا والآخرة، وفي إطلاق ﴿يَتَفَكَّرُوا﴾ مبالغةٌ ليسَتْ في تقييِده. قوله: (بُعِثْتُ في نَسَمِ الساعة)، رَوينا عن الترمذي عن المستورد بِن شَدَّاد قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : ((بعثت في نَفَسِ الساعةِ فسَبقْتُها كما سبقَتْ هذه لهذه)) لأصبَعَيْه السبابةِ والوسطى. النهاية: قيل: هو جَمْعُ نَسَمة، أي: بُعثت في ذَوي أرواحٍ خلَقهم الله قبلَ اقترابِ الساعة، كأنه قال في آخرِ البَشَرِ من بني آدم. الجوهري: نَسَمُ الريحِ: أولُها حين يُقبلُ بلينٍ قبل أن يشتدَّ، ومنه الحديث: ((بُعِثتُ في نَسَم الساعة)) أي: حينَ ابتدأت وأقبلَتْ أوائلها. قوله: (نَفْيُ مسألة الأجر رأسًا)، قيل: ((رأسًا)) حال، أي: في حال كون الأمر منفيًا منفردًا

стр. 6774

شيئًا فخذه، وهو يعلم أنه لم يعطه شيئًا، ولكنه يريد به البت؛ لتعليقه الأخذ بما لم يكن. والثاني: أن يريد بالأجر ما أراد في قوله تعالى: (قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا)] الفرقان: ٥٧ [، وفي قوله: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)] الشورى: ٢٣ [؛ لأنّ اتخاذ السبيل إلى الله نصيبهم وما فيه نفعهم، وكذلك المودّة في القرابة؛ لأنّ القرابة قد انتظمته وإياهم. (عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ): حفيظ مهيمن، يعلم أنى لا أطلب الأجر على نصيحتكم ودعائكم إليه إلا منه، ولا أطمع منكم في شيء. [(قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ)] ٤٨ [ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بحيث لا يشذُّ منه شيء، فلذلك يقال: هو بمعنى مجموعًا، يقال: ما تركتُه أصلاً ورأسًا، أي: بالكُلّية، ويجوز أن يكونَ مصدرًا، أي: نَفْيًا كُلّيًا، كأنه قيل: تَنبَّهوا فاعلموا أني أي شيء أسألكم عليه من الأجر فذلك الشيء حقكم وملككم، وليس لي في ذلك من حق، وأنا مقرٌّ بذلك معترفٌ به فهو أبلغ من لو قيل: ما أسألكم عليه من أجر، وهو المراد من قوله: ((يريد به البتَّ والقَطع)). قوله: (لتعليقِه الأخْذَ بما لم يكُنْ)، يعني: عَلَّق الجزاءَ وهو الأخذُ بما لم يكُن وهو الإعطاءُ، وهو أبلغُ من مجردِ قولك: ما أعطيتَني شيئًا، لأنه تقريرٌ للخصمِ وإقرارٌ منه بأنّه ما أعطاك شيئًا، لأن له أن يقول: كيفَ آخُذُ ما لم أعْطِك، فَينبغي الإعطاء بانتفاءِ الأخذ على البت. قوله: (والثاني: أن يريد بالأجر ما أراد في قوله: ﴿قُل لَّا أَسْئَلُكُمْ﴾)، يعني: إن كان أجري هدايَتكم وسلوكَ طريقِ الحقِّ فأنا أطلبُ منكم ذلك، وقد علِمْتُم أنّ نَفْعَ ذلك لا يعود إلاّ إليكم، وكذلك معنى الآية: الذي أسألكم من أجر هو إيمانُكم وهدايتُكم وقد عرفتُم أن نفع ذلك ليس إليّ، يدل عليه قوله: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ فـ ((ما)) في قوله: ﴿مَا سَأَلْتُكُم﴾ على الأول: شرطية، وعلى هذا: موصولة. قوله: (لأن القرابةَ قد انتظمته وإياهم)، يعني: أجري أن تَصِلوا الرحِمَ، وهذا المعنى غير مختص به، لأنه وإياهم سواء في هذا الحكم، لأن أقاربه أقاربهم ويرجعُ نفع ذلك إليهم.

стр. 6775

القذف والرمي: تزجية السهم ونحوه بدفع واعتماد، ويستعاران من حقيقتهما لمعنى الإلقاء، ومنه قوله تعالى: (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ)] الأحزاب: ٢٦ [، (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ)] طه: ٣٩ [. ومعنى (يَقْذِفُ بِالْحَقِّ): يلقيه وينزله إلى أنبيائه. أو: يرمى به الباطل فيدمغه ويزهقه. (عَلَّامُ الْغُيُوبِ): رفع محمول على محل "إن" واسمها، أو على ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تزجيةُ السَّهم ونحوِه)، قيل: التزجيةُ: دَفْعُ الشيءِ برفقٍ وهي غير مناسب للمقام؛ لأن فيه دفعَ الشيء بعنف. وفي ((مجمل اللغة)): التزجية: دَفعُ الشيء كما تُزْجي البقرة ولدَها وتسوقه، والريحُ تُزجي السحابَ تسوقُه سَوْقًا رَفيقا. وكذا في ((الصِّحاح)) و ((الأساس))، ولعلّ المصنِّف جعل التزجيةَ عامًّا ثم قيده بدفعٍ واعتماد. قوله: (ويُستعارانِ من حقيقتِهما لمعنى الإلقاء)، ونحوُه في المجاز: استعمالُ المَرْسن -وهو موضوعٌ للأنفِ فيه رَسَن- في مُطلقِ الأنف. قوله: (أو يَرْمي به الباطل فيدمَغُه ويُزهِقُه)، فعلى هذا: هو من الاستعارة المصرِّحةِ التحقيقية كما قال صاحب ((المفتاح)): أصلُ استعمالِ القَذْف والدمغِ في الأجسامِ، ثم استعير القذفُ لإيرادِ الحقِّ على الباطل، والدامغُ لإذهابِ الباطلِ، فالمستعارُ منه حسيٌّ، والمستعارُ له عَقْلي، وقولُه: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ كما قَرّر تذييلٌ، لأنّ الآية الثانية مقررة للأولى، وعلى الأول تكميل، لأن الأولى إثباتٌ للحقِّ والثانية إزالةٌ للباطل، ويجوز أن يكون من باب الطرد والعكس. قولُه: (محمولٌ على محلٍّ ((إنَّ)) واسمِها)، قال مكي: مَنْ رفعَ جعلَه نعتًا لـ ((ربّ)) على الموضع، أو على البدل منه، أو على البدل من المضمر في ﴿يَقْذِفُ﴾، ونصَبه عيسى بن عُمر نعتًا لـ ((ربٍّ)) على اللفظ أو على البدلِ. ويجوزُ الرفعُ على أنه خبرٌ بعد خبرٍ أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ.

стр. 6776

المستكن في (يقذف)، أو هو خبر مبتدأ محذوف. وقرئ: بالنصب صفة لـ (ربي)، أو على المدح. وقرئ: (الغيوب) بالحركات الثلاث، فالغيوب كالبيوت. والغيوب كالصيود، وهو الأمر الذي غاب وخفى جدا. [(قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ)] ٤٩ [ والحىّ إمّا أن يبدئ فعلًا أو يعيده، فإذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة، فجعلوا قولهم: "لا يبدئ ولا يعيد" مثلًا في الهلاك. ومنه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعن بعضِهم: لا يقالُ: لا يجوزُ البدليةُ لأنه يُفسدُ التركيبَ إذا حُذِفَ المُبدَلُ منه، لأن البدليةَ لا تستلزمُ جوازَ حَذْفِ البدل مطلقًا كما ذكر في ((المفصّل)). قوله: (وقُرئ: ﴿اَلْغُيُوبِ﴾ بالحركات الثلاث)، أبو بكرٍ وحمزة: بكسر الغَيْن حيثُ وقعَ، والباقونَ: بضَمِّها. قال الزجاج: الأجودُ الضمُّ. قيل: ((الغِيوبُ)) بالكسر والضمِّ: جمع غَيْبٍ، كالبيوتِ جَمْعُ بَيْت، وبالفَتْح: مُفردٌ كالضُّروب للمبالغة. قوله: (كالصّيود)، الجوهري: كَلْبٌ صَيود، وكلابٌ صِيدٌ وصُيُدٌ أيضًا. قولُه: (((لا يبدئُ ولا يُعيد)) مثلاً في الهلاك)، قال بعضُهم: أي: هلَكَ، كما تقولُ: لا يأكلُ ولا يشربُ، أي: مات. وقال الواحدي: ما يُبدئ الباطلُ وما يُعيد، أي: ذهبَ الباطل ذهابًا لم يَبْقَ منه إقبالٌ ولا إدبار ولا إعادة. يريدُ أنّ هذا الكلامَ عن معنى الهلاكِ كنايةٌ عنه من غير نظرٍ إلى مفرداتِه، وإليه الإشارةُ بقوله: ((وجاءَ الحقّ وهَلك الباطل)).

стр. 6777

قول عبيد: أقفر من أهله عبيد … فاليوم لا يبدي ولا يعيد والمعنى: جاء الحق وهلك الباطل، كقوله تعالى: (جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ)] الإسراء: ٨١ [وعن ابن مسعود رضى الله عنه: دخل النبي ﷺ مكة وحول الكعبة ثلاث مئة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بعود نبعة ويقول: " (جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً)] الإسراء: ٨١ [، (جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ) ". والحق: القرآن، وقيل: الإسلام، وقيل: السيف. وقيل: الباطل: إبليس، أى: ما ينشأ خلقًا ولا يعيده، المنشئ والباعث: هو الله تعالى. وعن الحسن: لا يبدئ لأهله خيرًا ولا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قولُ عَبيد)، وهو عَبيدُ بن الأبرصِ. أقْفَر: أي: خَلا من أهله وهلَك. وذلك أنّ المنذرَ بنَ ماءِ السماء كان مَلِكًا. وكان له يومٌ في السنة يذبَحُ فيه أوّلُ مَنْ يلقي، فاتّفق اليومَ إشرافُ عَبيدٍ فأمَر بقَتْله، فقيل له: امدَحْه، فقال: حالَ الجريضُ دونَ القَريض، فقال الملِك: أنشِدْنا قولك: أقفَر مِن أهله مَلْحوبُ … فالقُطَّبيّاتُ فالذنوب فقال: أقفَرَ من أهله عَبيد … فاليومَ لا يُبدي ولا يُعيد الجريضُ: الغُصَّةُ من الجَرْضِ وهو الريقُ يُغَصَّ به على هَمٍّ وحُزن، والقريضُ: الشِّعرُ، ومَلْحوبٌ: موضع، وكذلك القُطَّبيّاتُ والذَّنوب. قوله: (وعن ابن مسعودٍ)، الحديث رواه البخاريُّ ومُسلمٌ والترمذي، وليس في آخره هذه الآية. قوله: (أي ما ينشئ خلقا ولا يعيده)، الفاعلُ إبليسُ وما نافيةٌ والكلامُ مُجرًى على

стр. 6778

يعيده، أي: لا ينفعهم في الدنيا والآخرة. وقال الزجاج: أىّ شيء ينشئ إبليس ويعيده، فجعله للاستفهام. وقيل للشيطان: الباطل؛ لأنه صاحب الباطل، أو لأنه هالك، كما قيل له: الشيطان، من شاط إذا هلك. [(قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ)] ٥٠ [ قرئ: (ضللت) (أضلّ) بفتح العين مع كسرها. و"ضللت" "أضلّ"، بكسرها مع فتحها، وهما لغتان، نحو: ظللت أظلّ، وظللت أظلّ. وقرئ: (اضلّ) بكسر الهمزة مع فتح العين. فإن قلت: أين التقابل بين قوله: (فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي) وقوله: (فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي)؟ وإنما كان يستقيم أن يقال: فإنما أضل على نفسي، وإن اهتديت فإنما ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التصريحِ لا الكناية كما في الوجهِ السابق وقال الزجاج: ((ما)) في موضعِ نصبٍ على معنى: وأيُّ شيء يُبدئُ الباطلُ وأيُّ شيءٍ يُعيد، والأجودُ أن يكونَ نَفْيًا على معنى: ما يُبدئُ الباطلُ وما يُعيد، والباطل إبليسُ؛ أي لا يبعَثُ الخَلْقَ ولا يخلُق، والله عزَّ الخالقُ الباعث. وقلت: الوجه هذا هو الأول لأنه تعالى لما قال: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ أي شأنه أن يرمي بالحق الباطلَ فيُزْهِقَه قال صلوات الله عليه: ((ثم ماذا أقول؟ )) قال: قل جاءَ الحقّ أي: الإسلامُ أو القرآن فزَهقَ الباطلُ والشيطان. قوله: (وقرئ: ﴿ضَلَلْتُ﴾ ﴿أَضِلُّ﴾ بفَتْح العين مع كسرها)، وهي المشهورة، و ((ضَلِلْتُ)) و ((أضَلُّ)) شاذّتان. في ((المطْلع)): ((ضَلَلْتُ)) بفَتحِ اللام ((أضِلُّ)) بكسرِ الضادِ، و ((ضَلِلْتُ)) بكَسرِ اللام ((أضل)) بفَتْحِ الضاد، من باب: ضرب، وعلى نحو: ظَلِلْتُ أظَلَّ، وظَلَلْتُ أظَلّ، وإضَلّ: بكَسْر الهمزة مع فتحِ الضادِ، على لغةِ من يقول: إعلم.

стр. 6779

أهتدى لها، كقوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها)] فصلت: ٤٦ [، (فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها)] الزمر: ٤١ [، أو يقال: فإنما أضل بنفسي؟ قلت: هما متقابلان من جهة المعنى؛ لأنّ النفس كل ما عليها فهو بها، أعنى: أن كل ما هو وبال عليها، وضار لها فهو بها وبسببها: لأن الأمّارة بالسوء، وما لها مما ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه، وهذا حكم عامّ لكل مكلف، وإنما أمر رسوله ﷺ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو يقال: فإنما أضل بنفسي)، يريد: أن التقابل الحقيقي هو أن يقابل ((على)) باللام كقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] أو يُطابقَ بين البابَيْن ليكونَ المعنى: إن ضلَلْتُ فإنّما أضلُّ بسَببِ نفسي، فإن اهتَديتُ فإنّما أهتَدي بتَسديدِ الله بسَببِ وَحْيٍ يُنَزِّلُه عليّ. وتلخيصُ الجوابِ: أن المقصودَ أن يكون الكلام جامعًا لهذين المعنيين مع سلوكِ طريق الاختصار. والمعنى: أن ما على النفس من الوبال هو بسببها، وأنَّ مالها من النفع هو بسبب الله، فدل لفظ ((على)) في القرينة الأولى على معنى اللام في الثانية، والباءُ في القرينة الثانية على معنى السببية في الأولى، فإذن التقدير: قل إن ضللت فإنما أضل بسبب نفسي، وإن اهتديت فإنما أهتدي لنفسي بعون الله وبتوفيقه، فقوله: ((لأنّ النفسَ كلُّ ما عليها فهو بها)) تعليل لصحة تقدير الباء في القرينة الأولى، وقوله: ((وما لها مما ينفعها فبهداية ربها)) تعليل لاستقامة تقدير ((لها)) في الثانية، انظر إلى هذا النظر الدقيق. قوله: (وهذا حكم عام لكل مكلف)، وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه لأنه إذا دخل تحته كان غيره أولى. وقال الإمام: فيه إشارةٌ إلى أنّ ضلالَ نفسي كضلالِكم لأنه صادرٌ من نفسي ووبالُه على نفسي، وأما اهتدائي فليس كاهتدائِكم بالنظرِ والاستدلالِ، وإنما هو بالوَحْيِ المنير. وقلت: هذا البيانُ يدلُّ على أنّ دَليل النقلِ أعلى وأفخَمُ من دليلِ العقل. وقال مُحيي

стр. 6780

أن يسنده إلى نفسه؛ لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة محله، وسداد طريقته كان غيره أولى به. (إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ) يدرك قول كل ضالّ ومهتد وفعله، لا يخفى عليه منهما شيء. [(وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ)] ٥١ [ (وَلَوْ تَرى): جوابه محذوف، يعنى: لرأيت أمرًا عظيمًا وحالًا هائلة. و «لو» و «إذ» والأفعال التي هي (فزعوا) و (أخذوا) و"حيل بينهم"؛ كلها للمضى. والمراد بها الاستقبال؛ لأن ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما قد كان ووجد لتحققه. ووقت الفزع: وقت البعث وقيام الساعة. وقيل: وقت الموت. وقيل: يوم بدر. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: نزلت في خسف البيداء، وذلك أنّ ثمانين ألفًا يغزون الكعبة ليخربوها، فإذا دخلوا البيداء خسف بهم. (فَلا فَوْتَ): فلا يفوتون الله ولا يسبقونه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السنة: إن كفارَ قريش كانوا يقولون: إنك قد ضَللْتَ حين تركْتَ دينَ آبائك، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ أي: إثْمُ ضَلالتي على نَفْسي، وإن اهتديت فبما يُوحى إلي من ربي من القرآن والحكمة. قوله: (نزلت في خَسْفِ البَيْداء)، روينا في ((مسند أحمد بن حنبل)) عن أم المؤمنين حفصة ﵂ قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: ((يأتي جيشٌ مِنْ قِبَلِ المشرقِ يريدونَ مكّة حتّى إذا كانوا بالبيداءِ خُسِفَ بهم)) فقلت: يا رسولَ الله، فكيف بمَنْ كان منهم مُسْتكرهًا؟ قال: ((يُصيبهم كلّهم ذلك ثم يَبْعَث الله كل امرئ على نيته)). قيل: كان ذلك في أيام ابن الزبير. والبيداءُ: بَيْداءُ أهل المدينةِ، ونحوًا منه رواه البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، وليس فيه ذكر أيام ابن الزبير.

стр. 6781

وقرئ: (فلا فوت). والأخذ من مكان قريب: من الموقف إلى النار إذا بعثوا، أو من ظهر الأرض إلى بطنها إذا ماتوا، أو من صحراء بدر إلى القليب، أو من تحت أقدامهم إذا خسف بهم. فإن قلت: علام عطف قوله: (وَأُخِذُوا)؟ قلت: فيه وجهان: العطف على (فزعوا)، أى: فزعوا وأخذوا فلا فوت لهم. أو على "لا فوت"، على معنى: إذا فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا. وقرئ: (وأخذ)، وهو معطوف على محل (لا فوت)، ومعناه: فلا فوت هناك، وهناك أخْذٌ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والأخذُ من كان قريب)، قيل: هذا مبتدأٌ، والخبرُ: ((من الموقفِ))، أي: الأخذُ من مكانٍ قريب هو الأخذُ من الموقف منتهيًا بهم إلى النار. قوله: (العطفُ على ﴿فَزِعُوا﴾)، أي: فَزعوا وأُخذوا فلا فَوْتَ لهم، أي: الفاءُ فيه معنى السببية، أي: حصَلَ فَزَعُهم وأخْذُنا إياهم فإذن فلا فَوْتَ لهم. لعلَّ هذا إشارةٌ إلى قول ابن جني أنه قال: ينبغي أن يكونَ ﴿وَأُخِذُوا﴾ في قراءةِ العامةِ معطوفًا على ما دلَّ عليه قوله: ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ أي: أُحيطَ بهم ووأُخِذوا، ولا يصحُّ أن يكونَ معطوفًا على ﴿فَزِعُوا﴾ لأنّه لا يُرادُ: ولو تَرى وَقْتَ فَزَعِهم وأخْذِهم، وإنما المرادُ: ولو تَرى إذ فَزعوا، فلم يفوتوا وأُخِذوا، فعَطفَ على ما فيه الفاءُ السببيةُ فيكونُ حُكْمُه حكْمَه. قوله: (وقُرئ: ((وأخْذٌ)) وهو معطوفٌ على محلِّ ((لا فوت)))، قال الزجاج: ويجوزُ: ((فلا فَوْتٌ))، ولا أعلم أحدًا قرأ بها، فإن لم تَثْبُتْ بها روايةٌ فلا تقرأَنَّ بها. قال ابن جني: ((وأخْذٌ)) قراءةُ طَلْحة بن مُصَرِّف، وفيه وَجْهان: أحدُهما: أنه مرفوعٌ بفعْلٍ مُضْمَرٍ يدلُّ عليه: ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ أي: وأحاطَ بهم أخْذٌ من مكان قريب، وذكَر القُرْبَ لأنه ألزمُ، وثانيهما: أنهُ مُبتدأٌ وخَبرُه محذُوف، أي: هُناك أخْذٌ وإحاطةٌ بهم.

стр. 6782

[(وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ)] ٥٢ - ٥٤ [ (آمَنَّا بِهِ) بمحمد ﷺ ؛ لمرور ذكره في قوله: (ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ)] سبأ: ٤٦ [. والتناوش والتناول أخوان؛ إلا أنّ التناوش تناول سهل لشيء قريب، يقال: ناشه ينوشه، وتناوشه القوم. ويقال: تناوشوا في الحرب، ناش بعضهم بعضا. وهذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون، وهو أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت، كما ينفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا. مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة، كما يتناوله الآخر من قيس ذراع تناولًا سهلًا لا تعب فيه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿آمَنَّا بِهِ,﴾ بمحمدٍ صلوات الله عليه، لمرورِ ذكْرِه في قولهِ: ﴿مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ﴾)، إشارةٌ إلى بيانِ النظم، وذلك أن كُلاًّ من الآياتِ المُصدَّرة بـ ((قل)) من قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم﴾ ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ﴾ ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ﴾ فيه تذكير بليغ ووعظٌ شافٍ كافٍ، فلما ختمت بقوله: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ - وفيه إيماءٌ إلى معنى المشاركةِ وأنَّ تلك النصيحةَ ما نفعَتْ فيهم- قيل له مسليًا والتفتَ إلى كُلِّ مَنْ يتأتّى منه النَّظَرُ مخاطبًا بقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ لعِظم الأمرِ وفخامةِ الشأن، أي: ولو ترى أيها الناظرُ وَقْتَ فَزَعِهم وأخْذِهم فلا فَوْتَ لهم، ووقْتَ قولهم: آمنّا بمحمد، ﷺ فلا ينفعهُم إيمانُهم حينئذٍ، لرأيْتَ خطبًا جليلاً وأمرًا هائلاً. قوله: (مِن غَلْوة)، وهي مِقدارُ رمية. المغرب: مِن مُستعارِ المجاز: الغَلْوةُ مقدارُ رمية. وعن الليثِ: الفَرْسَخُ التامٌّ: خمسٌ وعشرونَ غلْوةً، يقال: غَلا بسَهْمه غَلْوًا، أو غالي به غلاءً: إذا رمى به أبعدَ ما قَدَر عليه.

стр. 6783

وقرئ: (التناؤش): همزت الواو المضمومة كما همزت في أجؤه وأدؤر. وعن أبى عمرو: التناؤش بالهمز: التناول من بعد، من قولهم: نأشت: إذا أبطأت وتأخرت. ومنه البيت: تمنّى نئيشا أن يكون أطاعنى أى: أخيرا. (وَيَقْذِفُونَ) معطوف على "قد كفروا"، على حكاية الحال الماضية، يعنى: وكانوا يتكلمون (بِالْغَيْبِ) ويأتون به (مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ). وهو قولهم في رسول الله ﷺ : شاعر ساحر كذاب. وهذا تكلم بالغيب والأمر الخفي؛ لأنهم لم يشاهدوا منه سحرًا ولا شعرًا ولا كذبًا، وقد أتوا بهذا الغيب من جهة بعيدة من حاله؛ لأن أبعد شيء مما جاء به الشعر والسحر، وأبعد شيء من عادته التي عرفت بينهم وجربت الكذب والزور. وقرئ: (ويقذفون بالغيب)، على البناء للمفعول، أى: يأتيهم به شياطينهم ويلقنونهم إياه. وإن شئت فعلقه بقوله: (وَقالُوا آمَنَّا بِهِ) على أنه مثلهم في طلبهم تحصيل ما عطلوه من الإيمان في الدنيا بقولهم: آمنا في ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقُرئَ: ((التناؤش)))، الحَرَمِيان وابنُ عامرٍ وحَفْص: ﴿التَّنَاوُشُ﴾ بضَمِّ الواوِ، والباقونَ: بهَمْزِها. قوله: (تمني نئيشًا أن يكونَ أطاعني)، تمامُه في ((المُطلع)): وقد حدثَتْ بعد الأمورِ أمورُ يقول: إنَّ صاحبي تمنّي آخرَ الأمرِ أن يكونَ أطاعَني فيما نصحْتُه مِنْ قَبْلُ، والحالُ أنْ قد حدثَتْ أمورٌ بعد أمورٍ دلّتْ على رَشادي وصِدْقِ رأيي. قوله: (وإن شِئْتَ)، عَطْفٌ على قوله: ﴿وَيَقْذِفُونَ﴾ معطوفٌ على (قد كفروا))) أي: يكونُ حالاً من ضمير ((قالوا))، أي: قالوا: آمنًا به، والحالُ أنَّهم يُرْمون مِن مكانٍ بعيد،

стр. 6784

الآخرة، وذاك مطلب مستبعد بمن يقذف شيئًا من مكاٍن بعيٍد لا مجال للظن في لحوقه؛ حيث يريد أن يقع فيه لكونه غائبًا عنه شاحطًا. والغيب: الشيء الغائب. ويجوز أن يكون الضمير للعذاب الشديد في قوله: (بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ) وكانوا يقولون: (وما نحن بمعذبين)] سبأ: ٣٥ [، إن كان الامر كما تصفون من قيام الساعة والعقاب والثواب، ونحن أكرم على الله من أن يعذبنا، قائسين أمر الآخرة على أمر الدنيا؛ فهذا كان قذفهم بالغيب، وهو غيب ومقذوف به من جهة بعيدة؛ لأن دار الجزاء لا تنقاس على دار التكليف. (ما يَشْتَهُونَ) من نفع الإيمان يومئذ والنجاة به من النار والفوز بالجنة، أو من الردّ إلى الدنيا، كما حكى عنهم: (فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً)] السجدة: ١٢ [. (بِأَشْياعِهِمْ): بأشباههم من كفرة الأمم ومن كان مذهبه مذهبهم. (مُرِيبٍ): إما من أرابه، إذا أوقعه في الريبة والتهمة. أو من أراب الرجل، إذا صار ذا ريبةٍ ودخل فيها، وكلاهما مجاز؛ إلا أنّ بينهما فريقًا وهو أنّ المريب من الأول منقول ممن يصح أن يكون مريبًا من الأعيان إلى المعنى، والمريب من الثاني منقول من صاحب الشك إلى الشك، كما تقول: شعر شاعر. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويرومون ما حصولُه أبعد، وإليه الإشارة بقوله: ((مثَّلَهُم في طلبِهم)) إلى قوله: ((بمَن يقذِفُ شيئًا مِن مكان بعيدٍ)) وهو اتسعارةٌ تمثيلية. قوله: (ويجوزُ أن يكونَ الضمير)، عَطْفٌ على قوله: ((آمنّا بمحمد ﷺ )، يعني الضميرُ إما راجعٌ إلى عذابٍ شديدٍ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ أو إلى صاحبكم. قولهُ: (مُريبًا)، وذلك أنّ المُريبَ صِفةٌ للعاقلِ، لا يصحُّ وصْفُ الشكِّ به، فإمّا أن يُجْعلَ الشكّ كالإنسانِ على الاستعارةِ المكنية، ثم يُنْسَبَ إليه ما هو من خَواصِّ الإنسان

стр. 6785

عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة سبأ لم يبق رسول ولا نبىّ إلا كان له يوم القيامة رفيقاً ومصافحاً». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بلازمه وهو الرَّيْبُ على سبيلِ الاستعارةِ التخييليةِ، وإليه الإشارةُ بقَوله: ((إنّ المريبَ منقولٌ من الأعيانِ إلى المعنى)) أو أن يُسْتعارَ الإسنادُ من صاحبِ الشكِّ ليكونَ من الإسنادِ المجازيِّ. تمتِ السورةُ بحَمْدِ الله وغُفرانه.

стр. 6786

سورة الملائكة مكية، خمس وأربعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)] ١ [ (فاطِرِ السَّماواتِ): مبتدئها ومبتدعها. وعن مجاهد عن ابن عباس رضى الله عنهما: ما كنت أدرى ما (فاطر السماوات والأرض)، حتى اختصم إلىّ أعرابيان في ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة الملائكة مكية، خمس وأربعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قولُه: (عن ابن عباس: ما كنت أدري ما ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾)، ورواه الزجاج أيضًا، وقال الراغب: أصل الفَطْر: الشقُّ طولاً، يقال: فَطَر فلانٌ كذا فَطْرًا، وأفْطَرَ هو فطورًا، وانفطرَ انفطارًا، وقال تعالى: ﴿هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣]، أي: من اختلالٍ ووَهْيٍ فيه، وفَطَرْتُ الشاة: حلبتُها بأصبعين وفطرْتُ العجينَ: إذا عجَنْتَه فخَبزْتَه من وقتِه، ومنه الفِطرة، وفَطْرُ الله الخلْقَ، وهو إيجادُه وإبداعُه على هيئةٍ مترشِّحةٍ لفعلٍ من الأفعال،

стр. 6787

بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أى: ابتدأتها. وقرئ: (الذي فطر السماوات والأرض وجعل الملائكة). وقرئ: (جاعل الملائكة)، بالرفع على المدح ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقولُه: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، إشارة إلى ما أبدع وركزَ في الناسِ من معرفتِه، وهو المشارُ إليه بقوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، ويصحُّ أن يكونَ الانفطارُ في قوله: ﴿السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]، إشارةً إلى قَبولِ ما أبْدعَها وأفاضَهُ عليها منه، والفِطْرُ: تَرْكُ الصوم، يقال: فَطرْتُه وأفطَرْتُه، وأفطَر هو. وقال أبو البقاء: الإضافةُ مَحْضة، لأنه للماضي لا غَيْر، وأما ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ﴾ فكذلك في أجْوَدِ المذهبَيْن، وأجازَ بعضُهم أن تكونَ غيرَ محضَةٍ على حكايةِ الحال، و ﴿رُسُلاً﴾ مفعولٌ ثان، و ﴿أُوْلِي﴾ بدَلٌ منه أو نَعْتٌ له، ويجوز أن يكون ﴿جَاعِلِ﴾ بمعنى: خالق، و ﴿رُسُلاً﴾ حالٌ مقدرة. وقال غيرُه: ﴿فَاطِرِ الْسَّمَوَاتِ﴾ صفةٌ لله ومَعرفةٌ إذ لم يجر على الفعل، بل أريد به الاستمرار والثبات والدوام، كما يُقالُ: زيْدٌ مالكُ العبيدِ جاءَ، أي: زَيْد الذي مِنْ شأنِه أن يملكَ العبيد. قولُه: (وقُرِئَ: ((الذي فطر)))، قال ابن جِنِّي: هي قراءةُ الضحّاك. قولُه: (((جاعلُ الملائكة))، بالرفْعِ على المدح). قال ابن جنِّي: وهي قراءةُ الحسن، هذا على الثناءِ على الله وإبرازِه في الجملةِ بما فيها من الضميرِ أبلَغُ، وكلّما زادَ في الإسهاب كان أحرى، ألا ترى إلى قولِ خِرْنِق:

стр. 6788

(رُسُلًا) بضم السين وسكونها. (أُولِي أَجْنِحَةٍ) أصحاب أجنحة. وأولوا: اسم جمع لـ"ذو"، كما أن أولاء اسم جمع لـ"ذا"، ونظيرهما في المتمكنة: المخاض والخلفة. (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ): صفات لأجنحة، وإنما لم تنصرف؛ لتكرر العدل فيها؛ ذلك أنها عدلت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لا يَبعُدَنْ قَومي الذين هُمُ … سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ النازلينَ بكُلِّ مُعْترَكٍ … والطيبينَ معاقِدَ الأُزْرِ ويُروى: ((النازلونَ ....... والطيِّبون)) و ((النازلونَ ...... والطيِّبين)) وبالعكسِ، فكلما اختلفتِ الجُمَلُ كان الكلامُ أفانينَ وضروبًا فكانَ أبْلغَ منه إذا لزِمَ سرحًا واحدًا، فقولُك: أُثْني على الله الذي أعطانا فأغنى، أبلغُ، من قولك: أثْني على الله المُعْطينا والمُغْنينا، لأن معَك هُنا جملةً واحدةً وهناك ثلاثُ جُمَل، ويدلُّ على صحّةِ هذا المعنى قراءةُ خُلَيْد: ((جعل الملائكة)) قال أبو عبيدة: إذا طال الكلام خرجوا فيه من الرفع إلى النَّصْب، ومن النصْبِ إلى الرفع، يريدُ ما نحنُ عليه لتختلفَ ضُروبُه وتتباينَ تراكيبُه. قولُه: (﴿رُسُلاً﴾ بضَمِّ السِّين)، وهي المشهورةُ، وسكونُها شاذّة. قال القاضي: ﴿رُسُلاً﴾: وسائطَ بينَ الله وبينَ أوليائِه برسالاتهِ بالوحيِ والإلهامِ والرؤيا الصادقةِ أو بَيْنَه وبين خَلْقِه يُوصلونَ إليه آثار صنعه. قولُه: (المخاضُ والخَلِفة)، الجوهري: المخاضُ: الحواملُ من النوقِ، واحدتُها خَلِفة، ولا واحدَ لها من لفظِها، وأما ((أولو)) فجَمْعٌ لا واحدَ له من لفظه، وواحده: ذو. قولُه: (وإنما لم تَنْصَرِفْ لتكرُّرِ العَدْل فيها)، قال الزجاج: أحدُهما: أنه معدولٌ عن ثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، والثاني: أنّ عَدْلَه وقعَ في حال النكرة، قال:

стр. 6789

عن ألفاظ الأعداد عن صيغ إلى صيغ أخر، كما عدل "عمر" عن "عامر" و"حذام" عن "حاذمة"؛ وعن تكرير إلى غير تكرير؛ وأما الوصفية فلا يفترق الحال فيها بين ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولكنّما أهلي بوادٍ أنيسُه … ذئابٌ تَبغّى الناسَ مثنى وموحدا ورُويَ أن سيبويه زعم: أن عدمَ الصرفِ للعدلِ والصفةِ وغيرُه: أنّ عدمَ الصرفِ للعدولِ عن لفظةِ ثلاثة إلى مَثْلَث، وعن معنى ثلاثةٍ ثلاثةٍ إلى هذا، لأنك إذا قُلْت: جاءتِ الخيلُ مَثْلَثَ عنَيْتَ به ثلاثةً ثلاثة. وقال صاحبُ ((الكشف)): معنى قولِهم: ﴿مَّثْنَى﴾ معدولٌ عن اثنَيْن اثنَيْن: أنك إذا أردْتَ بـ ((مَثْنى)): ما أردْتَ باثنَيْن اثنَيْن، والأصلُ أن تُريدَ بالكلمةِ معناها دون معنى كلمةٍ أُخرى، فالعَدْلُ ضدُّ الاستواءِ، لأنَّ الاستواءَ هو الذي ذكَرْنا، والعدْلُ أن تلفظَ كلمةً وأنت تريدُ كلمةً أُخرى، فلما كان كذلك كان العَدْلُ ثابتًا فإذا اجتمعَ مع الصفةِ وجبَ أن يَمْنعا الصرف. قولُه: (و ((حَذامِ)) من ((حاذمة)))، عن بعضِهم: حاذمة في أسماءِ الأجناسِ القاطِعة، ثم نُقِلَ إلى العَلَمية، ثم نُقِلَ عن حاذمة إلى حذام. قولُه: (وأما الوصفيةُ فلا تفْترقُ الحالُ فيها فلا يُعَرَّجُ عليها)، أي: لو كانت الوصفيةُ مؤثرةً في المنْعِ من الصرفِ لقُلْتَ: مررْتُ بنسوةٍ أربَعَ مفتوحًا، فلما صَرفْتَه عُلِمَ أنها ليسَتْ بمُؤثّرة أي: أَنّ الوصفيةَ ليست بأصل، لأن الواضعَ لم يضَعْها وصفًا بل عرَضَتْ لها، وذلك نَحْو: مرَرْتُ بجُبّةٍ ذِراعٍ ورجُلٍ أسَد، فالذراع والأسد ليسا بصفتين للجُبّة والرجل حقيقة. قال صاحبُ ((الفرائد)): يفترقُ الحالُ فيها؛ فإنَّ مَثْنى وغيرَها يقعُ صفةً البتّة، والثلاثةُ

стр. 6790

المعدولة والمعدول عنها. ألا تراك تقول: مررت بنسوة أربع، وبرجال ثلاثة، فلا يعرج عليها. والمعنى: أن الملائكة خلقًا أجنحتهم اثنان اثنان، أى: لكل واحد منهم جناحان، وخلقا أجنحتهم ثلاثة ثلاثة، وخلقا أجنحتهم أربعة أربعة. (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ)، أى: يزيد في خلق الأجنحة، وفي غيره ما تقتضيه مشيئته وحكمته. والأصل الجناحان؛ لأنهما بمنزلة اليدين، ثم الثالث والرابع زيادة على الأصل، وذلك أقوى للطيران، وأعون عليه، فإن قلت: قياس الشفع من الأجنحة أن يكون في كل شق نصفه، فما صورة الثلاثة؟ قلت: لعل الثالث يكون في وسط الظهر بين الجناحين يمدّهما بقوة. أو لعله لغير الطيران؛ فقد مرّ في بعض الكتب أن صنفًا من الملائكة لهم ستة أجنحة؛ فجناحان يلفون بها أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله. وعن رسول الله ﷺ : «أنه رأى جبريل ﵇ ليلة المعراج وله ست مئة جناح. وروى: أنه سأل جبريل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وغيرُها وقوعُها صفةً بالتأويل، تقول: رجالٌ ثلاثة أي: مُقَدَّرةٌ بثلاثة، وكذا عن صاحبِ ((التقريب))، فإنه قال: لا يلزَمُ من عَدمِ اعتبارِ عدمِ الوصفيةِ في المعدولِ عنه لعروضِها فيه عَدَمُ اعتبارِها في المعدولِ مع أنه لم يقَعْ إلا وصفًا. ووجَدْتُ لبعضِ المَغاربةِ كلامًا يصلُحُ أن يكونَ جوابًا عنه وهو: أنّ ((ثُلاثَ ورُباع)) لا يخلو من أن يكون موضوعًا للصفةِ من غيرِ اعتبارِ الثلاثةِ أو لا يكون، فإن كانَ الأولَ لم يكُن فيه العدد، والمُقَدَّرُ خِلافُه، وإن كان الثاني كان الوصفُ عارضًا لثُلاثَ كما كان عارضًا لثلاثة فيُمكن أن يُقال: إنّ هذه الأعدادَ غيرُ مُنصرفةٍ للعدلِ المكرَّر كالجَمعِ وألغي التأنيث. قولُه: (فلا يُعَرَّجُ عليها) مسَبَّبٌ عن قولُه: ((فلا تفترقُ الحال فيها)). النهاية: وفي الحديث: فلم أعرِّجْ عليه، أي: لم أُقِمْ ولم أحتَبسْ، أي: لا يُلتفَتُ إليها ولا تُعْتَبر. قولُه: (أنه رأى جبريل ﵇ ليلة المعراج)، روينا عن البخاريِّ ومُسلمٍ والتِّرمذي

стр. 6791

صلوات الله عليه أن يتراءى له في صورته، فقال: إنك لن تطيق ذلك. قال: «إنى أحب أن تفعل"، فخرج رسول الله ﷺ في ليلة مقمرة، فأتاه جبريل في صورته فغشى على رسول الله، ثم أفاق وجبريل ﵇ مسنده، وإحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه، فقال: "سبحان الله ما كنت أرى أن شيئًا من الخلق هكذا"، فقال جبريل: فكيف لو رأيت إسرافيل، له اثنا عشر جناحا؛ جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله، وإنه ليتضاءل الأحايين لعظمة الله حتى يعود مثل الوصع، وهو العصفور الصغير. وروى: عن رسول الله ﷺ في قوله تعالى: (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]، قال: رأى جبريل ﵇ له ستُّ مئة جناح. وعن الترمذي قال مسروقٌ عن عائشةَ ﵂: أنّ رسولَ الله ﷺ لم يَرَ جبريلَ ﵇ في صورتهِ إلاّ مرّتَيْن: مَرّةً عندَ سِدرةِ المُنتهى، ومَرّةً في جِياد، له ستُّ مئة جناحٍ قد سَدَّ الأفق. قولُه: (ليتضاءَل)، النهاية: وفي حديث إسرافيل: ((وإنه ليتضاءَلُ مِن خَشْيةِ الله))، أي: يتصاغَرُ تواضعًا له. وتضاءَل الشيء: إذا انقبضَ فانضَمَّ إلى بعض. الضئيل: النَّحيفُ الرقيق. قولُه: (حتى يعودَ مثْلَ الوَصَع)، النهاية: ((إنّ العرْشَ على مَنْكِبِ إسرافيل، وإنّه ليتواضَعُ لله تعالى حتّى يَصيرَ مِثْلَ الوَصَعِ)) بفَتْح الصادِ المُهْمَلَةِ وسكونِها؛ طائرٌ أصغَرُ من العُصفور، والجَمْعُ: وُصْعان.

стр. 6792

ما يَشاءُ): «هو الوجه الحسن، والصوت الحسن، والشعر الحسن» وقيل: «الخط الحسن»؛ وعن قتادة: الملاحة في العينين؛ والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق؛ من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء، وقوة في البطش، وحصافة في العقل، وجزالة في الرأى، وجرأة في القلب، وسماحة في النفس، وذلاقة في اللسان، ولباقة في التكلم، وحسن تأت في مزاولة الأمور، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف. [(ما يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)] ٢ [ استعير الفتح للإطلاق والإرسال. ألا ترى إلى قوله: (فَلا مُرْسِلَ لَهُ) مكان: لا فاتح له، يعنى: أى شيء يطلق الله من رحمة، أى: من نعمة؛ رزق أو مطر أو صحة أو أمن أو غير ذلك من صنوف نعمائه التي لا يحاط بعددها، وتنكير الرحمة للإشاعة والإبهام، كأنه قال: من أية رحمة كانت سماوية أو أرضية، فلا أحد يقدر على إمساكها وحبسها. وأىّ شيء يمسك الله فلا أحد يقدر على إطلاقه. فإن قلت: لم أنث الضمير أوّلا، ثم ذكره، وهو راجع في الحالين إلى الاسم المتضمن معنى الشرط؟ قلت: هما لغتان: الحمل على المعنى وعلى اللفظ، والمتكلم على الخيرة فيهما، فأنث على معنى الرحمة، وذكر على أن لفظ المرجوع إليه لا تأنيث فيه؛ ولأنّ الأوّل فسر بالرحمة، فحسن اتباع الضمير التفسير، ولم يفسر الثاني فترك على أصل التذكير. وقرئ: (فلا مرسل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وحَصافةٍ في العقل)، النهاية: الحَصيف: المُحْكَمُ العقلِ، وإحصاف الأمر: إحكامُه. قولُه: (وذَلاقةٍ في اللسان)، النهاية: ذَلَقُ كُلِّ شيء: حَدُّهُ. يقال: لِسانٌ ذَلْقٌ طَلْقٌ، أي: فَصيحٌ بَليغ. قولُه: (ولَباقةٍ في التكلُّم)، الجوهري: اللَّبِقُ واللَّبيق: الرجلُ الحاذقُ الرفيقُ بما يعمَلُه، وقد لبِقَ -بالكسْرِ- لَباقة.

стр. 6793

لها). فإن قلت: لا بد للثاني من تفسير، فما تفسيره؟ قلت: يحتمل أن يكون تفسيره مثل تفسير الأوّل. ولكنه ترك لدلالته عليه، وأن يكون مطلقًا في كل ما يمسكه من غضبه ورحمته، وإنما فسر الأوّل دون الثاني؛ للدلالة على أن رحمته سبقت غضبه. فإن قلت: فما تقول فيمن فسر الرحمة بالتوبة، وعزاه إلى ابن عباس رضى الله عنهما؟ قلت: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (فما تَقولُ)، الفاءُ تدلّ على إنكارٍ على الكلامِ السابق، يعني: أنّك إنْ فَسَّرْتَ الرحمةَ بالنعمةِ من الرزقِ والصحةِ والأمنِ وما يتَّصلُ بها فهو صَحيح، لأنّ إمساكَها وإرسالَها مَبنيٌّ على مُراعاةِ الأصْلح، فما تقولُ فيمن فَسَّرها بالتوبة؛ لأنه يعودُ إلى خَلقِ الأفعال. وأنّ الله تعالى إذا فتحَ التوبةَ على أحدٍ فلا مُمْسِكَ لها، وما يُمْسِكُ منها فلا مُرْسِلَ لها، وهذا غيرُ صَحيحٍ لما يلزَم من ذلك انتفاصُ التكليفِ المَبْنيِّ على الاختيار. فأجابَ بما يُوافقُ مَذَهبَه من التأويل البعيد. والذي يَسْتدعيه النظمُ: العمومُ في كلِّ رحمةٍ مُختصَّةٍ بالإنسانِ، وذلك أنّه لما بيَّنَ كمالَ قُدرتهِ في خَلْقِ السماواتِ والأرضِ والملائكةِ وغيرِها أتْبعَه أنّه مُولي جميع النِّعمِ على الناسِ ظاهرةً وباطنة، دينيةً ودُنيوية، وكما فُصِّلَتْ تلكَ الآيةُ بقَوْله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ليدُلَّ على عمومِ المقدورِ وفُصِّلَتْ هذه بقولِه: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ليدلَّ على شمولِ المعسورِ والمَيْسور، على أنَّ تخصيصَ ذِكْري العزيز والحكيم يُشْعِرانِ بما ذهبَ إليه حَبْرُ الأمة لقولِه: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، لأنه لا يفتَحُ على مَنْ يفتَحُ عليه بالتوبةِ، ولا يُمْسِكُ على مَن يُمسِكُ عليهِ بالتوبةِ، إلا مَنْ ليسَ له فوْقَه أحدٌ يمنَعُه من ذلك، وإلاّ مَنْ عَلِمَ الحكمةَ فيما يفعلُه وإنْ خَفِيَتْ على غيرِه، فالأولُ دلَّ على أنّه الغالب الذي يفعَلُ ما يَشاء في مُلكِه فما يمنعه أحد، والثاني على أنه تعالى عالم بما خَفِيَ على كلِّ أحدٍ فلا يقفُ على أسرارِ حكْمتِه أحد. فإن قُلت: فما تقولُ في قولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٠]، لأنه خَصَّ فيه النعمةَ الظاهرةَ دون الباطنة؟

стр. 6794

إن أراد بالتوبة الهداية لها والتوفيق فيها، وهو الذي أراده ابن عباس رضى الله عنهما -إن قاله- فمقبول؛ وإن أراد أنه إن شاء أن يتوب العاصي تاب، وإن لم يشأ لم يتب؛ فمردود؛ لأنّ الله تعالى يشاء التوبة أبدًا، ولا يجوز عليه أن لا يشاءها. (مِنْ بَعْدِهِ): من بعد إمساكه، كقوله تعالى: (فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ الله)] الجاثية: ٢٣ [، (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله)] الجاثية: ٦ [، أى: من بعد هدايته، وبعد آياته. (وَهُوَ الْعَزِيزُ): الغالب القادر على الإرسال والإمساك، (الْحَكِيمُ) الذي يرسل ويمسك ما تقتضي الحكمة إرساله وإمساكه. [(يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)] ٣ [ ليس المراد بذكر النعمة ذكرها باللسان فقط، ولكن به وبالقلب، وحفظها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: ليسَ التعريفُ في الناسِ الثاني كما في الأول، لأنّه للجنس، والثاني للعَهد، وأنَّ المرادَ بالناسِ قَوْمٌ بأعيانِهم وهم قريشٌ، كما قال ابنُ عباس: هم قريشٌ، كما ابنُ عباس: هم أهلُ مكةَ أنعمَ الله عليهم بالنعمةِ الظاهرةِ لتكونَ وسيلةً إلى تحصيلِ الباطنة، فكفَروا بالمُنعمِ وغَمَطوا تلك النعمةَ، فوبَّخَهم عليها بهذه الآية؛ يدلُّ عليه الترتُّبُ في قولِه: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾، ثم تعقُّبه بقَوْلِه: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾، والله أعلم. قولُه: (لأنَّ الله يشاءُ التوبةَ أبدًا، ولا يجوزُ عليه أن لا يشاءَها)، مَردودٌ باطلٌ لِما أجمع سَلَفُ الأمةِ وخَلَفُها على كلمةٍ لا يجحَدُها أهلُ الإسلام، وهي: ((ما شاءَ الله كانَ ولما لم يَشا لم يكُن)) وقال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]. قولُه: (حِفْظُها)، عَطْفٌ على مُضْمَرٍ بعْدَ ((لكن))، أي: ولكن ذِكْرُها باللسانِ وبالقَلْبِ وحِفْظُها عن الكُفران. وقولُه: ((واعترافٍ بها))، عَطْفٌ على ((معرفةِ حَقِّها)) أي: وشُكْرُ

стр. 6795

من الكفران والغمط، وشكرها بمعرفة حقها والاعتراف بها وطاعة موليها. ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أيادىّ عندك، يريد حفظها وشكرها والعمل على موجبها. والخطاب عام للجميع؛ لأنّ جميعهم مغمورون في نعمة الله. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: يريد: يا أهل مكة اذكروا نعمة الله عليكم؛ حيث أسكنكم حرمه، ومنعكم من جميع العالم، والناس يتخطفون من حولكم. وعنه: نعمة الله العافية وقرئ: (غير الله)؛ بالحركات الثلاث؛ فالجرّ والرفع على الوصف لفظًا ومحلًا، والنصب على الاستثناء. فإن قلت: ما محل (يَرْزُقُكُمْ)؟ قلت: يحتمل أن يكون له محل إذا أوقعته صفة لـ (خالق)، وأن لا يكون له محل إذا رفعت محل (من خالق)، بإضمار (يرزقكم)، وأوقعت (يرزقكم) تفسيرًا له، أو جعلته كلامًا مبتدأ بعد قوله: (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ الله) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النعمةِ بالقَلْب، بمَعْرفةِ المنعِم وباللسانِ بالاعترافِ بأنّها منه، وبالجوارحِ بالطاعةِ لمولاها أخذَهُ من قَوْلِ القائل: أفادَتكم النعماءُ مني ثلاثة … يَدي ولِساني والضَّميرَ المُحَجَّبا قولُه: (وقُرِئَ: ﴿غَيْرُ اللهِ﴾)، بالحركاتِ الثلاث: حَمْزةُ والكِسائيُّ: بالجرِّ، والباقونَ: بالرفع. والنّصْبُ: شاذّ. وعن بَعْضِهم: الخبرُ وَصْفُ الخالقِ لفظًا والرفْعُ نعْتٌ له مَحَلاً، لأنّ ﴿خَالِقٍ﴾ مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ، و ((من)) زائدة، تقديره: هل مِن خالقٍ غيرِ الله الله أو للأشياء. وقيل: ﴿غَيْرُ اللهِ﴾ يجوزُ أن يكونَ مرفوعًا على فاعلِ ﴿خَالِقٍ﴾، أي: هل يخلقُ غيرُ الله شيئًا؟ قولُه: (أو جعَلْتَه كلامًا مبتدأً، بعد قولِه: ﴿مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾)، قيل: هذا الوجهُ ضَعيفٌ، لأنَّ مِثْلُ قولك: هل زيدٌ خرَج؟
следующие страницы →