← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

صلوات الله عليه أن يتراءى له في صورته، فقال: إنك لن تطيق ذلك. قال: «إنى أحب أن تفعل"، فخرج رسول الله ﷺ في ليلة مقمرة، فأتاه جبريل في صورته فغشى على رسول الله، ثم أفاق وجبريل ﵇ مسنده، وإحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه، فقال: "سبحان الله ما كنت أرى أن شيئًا من الخلق هكذا"، فقال جبريل: فكيف لو رأيت إسرافيل، له اثنا عشر جناحا؛ جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله، وإنه ليتضاءل الأحايين لعظمة الله حتى يعود مثل الوصع، وهو العصفور الصغير. وروى: عن رسول الله ﷺ في قوله تعالى: (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]، قال: رأى جبريل ﵇ له ستُّ مئة جناح. وعن الترمذي قال مسروقٌ عن عائشةَ ﵂: أنّ رسولَ الله ﷺ لم يَرَ جبريلَ ﵇ في صورتهِ إلاّ مرّتَيْن: مَرّةً عندَ سِدرةِ المُنتهى، ومَرّةً في جِياد، له ستُّ مئة جناحٍ قد سَدَّ الأفق. قولُه: (ليتضاءَل)، النهاية: وفي حديث إسرافيل: ((وإنه ليتضاءَلُ مِن خَشْيةِ الله))، أي: يتصاغَرُ تواضعًا له. وتضاءَل الشيء: إذا انقبضَ فانضَمَّ إلى بعض. الضئيل: النَّحيفُ الرقيق. قولُه: (حتى يعودَ مثْلَ الوَصَع)، النهاية: ((إنّ العرْشَ على مَنْكِبِ إسرافيل، وإنّه ليتواضَعُ لله تعالى حتّى يَصيرَ مِثْلَ الوَصَعِ)) بفَتْح الصادِ المُهْمَلَةِ وسكونِها؛ طائرٌ أصغَرُ من العُصفور، والجَمْعُ: وُصْعان.

стр. 6792

ما يَشاءُ): «هو الوجه الحسن، والصوت الحسن، والشعر الحسن» وقيل: «الخط الحسن»؛ وعن قتادة: الملاحة في العينين؛ والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق؛ من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء، وقوة في البطش، وحصافة في العقل، وجزالة في الرأى، وجرأة في القلب، وسماحة في النفس، وذلاقة في اللسان، ولباقة في التكلم، وحسن تأت في مزاولة الأمور، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف. [(ما يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)] ٢ [ استعير الفتح للإطلاق والإرسال. ألا ترى إلى قوله: (فَلا مُرْسِلَ لَهُ) مكان: لا فاتح له، يعنى: أى شيء يطلق الله من رحمة، أى: من نعمة؛ رزق أو مطر أو صحة أو أمن أو غير ذلك من صنوف نعمائه التي لا يحاط بعددها، وتنكير الرحمة للإشاعة والإبهام، كأنه قال: من أية رحمة كانت سماوية أو أرضية، فلا أحد يقدر على إمساكها وحبسها. وأىّ شيء يمسك الله فلا أحد يقدر على إطلاقه. فإن قلت: لم أنث الضمير أوّلا، ثم ذكره، وهو راجع في الحالين إلى الاسم المتضمن معنى الشرط؟ قلت: هما لغتان: الحمل على المعنى وعلى اللفظ، والمتكلم على الخيرة فيهما، فأنث على معنى الرحمة، وذكر على أن لفظ المرجوع إليه لا تأنيث فيه؛ ولأنّ الأوّل فسر بالرحمة، فحسن اتباع الضمير التفسير، ولم يفسر الثاني فترك على أصل التذكير. وقرئ: (فلا مرسل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وحَصافةٍ في العقل)، النهاية: الحَصيف: المُحْكَمُ العقلِ، وإحصاف الأمر: إحكامُه. قولُه: (وذَلاقةٍ في اللسان)، النهاية: ذَلَقُ كُلِّ شيء: حَدُّهُ. يقال: لِسانٌ ذَلْقٌ طَلْقٌ، أي: فَصيحٌ بَليغ. قولُه: (ولَباقةٍ في التكلُّم)، الجوهري: اللَّبِقُ واللَّبيق: الرجلُ الحاذقُ الرفيقُ بما يعمَلُه، وقد لبِقَ -بالكسْرِ- لَباقة.

стр. 6793

لها). فإن قلت: لا بد للثاني من تفسير، فما تفسيره؟ قلت: يحتمل أن يكون تفسيره مثل تفسير الأوّل. ولكنه ترك لدلالته عليه، وأن يكون مطلقًا في كل ما يمسكه من غضبه ورحمته، وإنما فسر الأوّل دون الثاني؛ للدلالة على أن رحمته سبقت غضبه. فإن قلت: فما تقول فيمن فسر الرحمة بالتوبة، وعزاه إلى ابن عباس رضى الله عنهما؟ قلت: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (فما تَقولُ)، الفاءُ تدلّ على إنكارٍ على الكلامِ السابق، يعني: أنّك إنْ فَسَّرْتَ الرحمةَ بالنعمةِ من الرزقِ والصحةِ والأمنِ وما يتَّصلُ بها فهو صَحيح، لأنّ إمساكَها وإرسالَها مَبنيٌّ على مُراعاةِ الأصْلح، فما تقولُ فيمن فَسَّرها بالتوبة؛ لأنه يعودُ إلى خَلقِ الأفعال. وأنّ الله تعالى إذا فتحَ التوبةَ على أحدٍ فلا مُمْسِكَ لها، وما يُمْسِكُ منها فلا مُرْسِلَ لها، وهذا غيرُ صَحيحٍ لما يلزَم من ذلك انتفاصُ التكليفِ المَبْنيِّ على الاختيار. فأجابَ بما يُوافقُ مَذَهبَه من التأويل البعيد. والذي يَسْتدعيه النظمُ: العمومُ في كلِّ رحمةٍ مُختصَّةٍ بالإنسانِ، وذلك أنّه لما بيَّنَ كمالَ قُدرتهِ في خَلْقِ السماواتِ والأرضِ والملائكةِ وغيرِها أتْبعَه أنّه مُولي جميع النِّعمِ على الناسِ ظاهرةً وباطنة، دينيةً ودُنيوية، وكما فُصِّلَتْ تلكَ الآيةُ بقَوْله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ليدُلَّ على عمومِ المقدورِ وفُصِّلَتْ هذه بقولِه: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ليدلَّ على شمولِ المعسورِ والمَيْسور، على أنَّ تخصيصَ ذِكْري العزيز والحكيم يُشْعِرانِ بما ذهبَ إليه حَبْرُ الأمة لقولِه: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، لأنه لا يفتَحُ على مَنْ يفتَحُ عليه بالتوبةِ، ولا يُمْسِكُ على مَن يُمسِكُ عليهِ بالتوبةِ، إلا مَنْ ليسَ له فوْقَه أحدٌ يمنَعُه من ذلك، وإلاّ مَنْ عَلِمَ الحكمةَ فيما يفعلُه وإنْ خَفِيَتْ على غيرِه، فالأولُ دلَّ على أنّه الغالب الذي يفعَلُ ما يَشاء في مُلكِه فما يمنعه أحد، والثاني على أنه تعالى عالم بما خَفِيَ على كلِّ أحدٍ فلا يقفُ على أسرارِ حكْمتِه أحد. فإن قُلت: فما تقولُ في قولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٠]، لأنه خَصَّ فيه النعمةَ الظاهرةَ دون الباطنة؟

стр. 6794

إن أراد بالتوبة الهداية لها والتوفيق فيها، وهو الذي أراده ابن عباس رضى الله عنهما -إن قاله- فمقبول؛ وإن أراد أنه إن شاء أن يتوب العاصي تاب، وإن لم يشأ لم يتب؛ فمردود؛ لأنّ الله تعالى يشاء التوبة أبدًا، ولا يجوز عليه أن لا يشاءها. (مِنْ بَعْدِهِ): من بعد إمساكه، كقوله تعالى: (فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ الله)] الجاثية: ٢٣ [، (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله)] الجاثية: ٦ [، أى: من بعد هدايته، وبعد آياته. (وَهُوَ الْعَزِيزُ): الغالب القادر على الإرسال والإمساك، (الْحَكِيمُ) الذي يرسل ويمسك ما تقتضي الحكمة إرساله وإمساكه. [(يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)] ٣ [ ليس المراد بذكر النعمة ذكرها باللسان فقط، ولكن به وبالقلب، وحفظها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: ليسَ التعريفُ في الناسِ الثاني كما في الأول، لأنّه للجنس، والثاني للعَهد، وأنَّ المرادَ بالناسِ قَوْمٌ بأعيانِهم وهم قريشٌ، كما قال ابنُ عباس: هم قريشٌ، كما ابنُ عباس: هم أهلُ مكةَ أنعمَ الله عليهم بالنعمةِ الظاهرةِ لتكونَ وسيلةً إلى تحصيلِ الباطنة، فكفَروا بالمُنعمِ وغَمَطوا تلك النعمةَ، فوبَّخَهم عليها بهذه الآية؛ يدلُّ عليه الترتُّبُ في قولِه: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾، ثم تعقُّبه بقَوْلِه: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾، والله أعلم. قولُه: (لأنَّ الله يشاءُ التوبةَ أبدًا، ولا يجوزُ عليه أن لا يشاءَها)، مَردودٌ باطلٌ لِما أجمع سَلَفُ الأمةِ وخَلَفُها على كلمةٍ لا يجحَدُها أهلُ الإسلام، وهي: ((ما شاءَ الله كانَ ولما لم يَشا لم يكُن)) وقال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]. قولُه: (حِفْظُها)، عَطْفٌ على مُضْمَرٍ بعْدَ ((لكن))، أي: ولكن ذِكْرُها باللسانِ وبالقَلْبِ وحِفْظُها عن الكُفران. وقولُه: ((واعترافٍ بها))، عَطْفٌ على ((معرفةِ حَقِّها)) أي: وشُكْرُ

стр. 6795

من الكفران والغمط، وشكرها بمعرفة حقها والاعتراف بها وطاعة موليها. ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أيادىّ عندك، يريد حفظها وشكرها والعمل على موجبها. والخطاب عام للجميع؛ لأنّ جميعهم مغمورون في نعمة الله. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: يريد: يا أهل مكة اذكروا نعمة الله عليكم؛ حيث أسكنكم حرمه، ومنعكم من جميع العالم، والناس يتخطفون من حولكم. وعنه: نعمة الله العافية وقرئ: (غير الله)؛ بالحركات الثلاث؛ فالجرّ والرفع على الوصف لفظًا ومحلًا، والنصب على الاستثناء. فإن قلت: ما محل (يَرْزُقُكُمْ)؟ قلت: يحتمل أن يكون له محل إذا أوقعته صفة لـ (خالق)، وأن لا يكون له محل إذا رفعت محل (من خالق)، بإضمار (يرزقكم)، وأوقعت (يرزقكم) تفسيرًا له، أو جعلته كلامًا مبتدأ بعد قوله: (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ الله) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النعمةِ بالقَلْب، بمَعْرفةِ المنعِم وباللسانِ بالاعترافِ بأنّها منه، وبالجوارحِ بالطاعةِ لمولاها أخذَهُ من قَوْلِ القائل: أفادَتكم النعماءُ مني ثلاثة … يَدي ولِساني والضَّميرَ المُحَجَّبا قولُه: (وقُرِئَ: ﴿غَيْرُ اللهِ﴾)، بالحركاتِ الثلاث: حَمْزةُ والكِسائيُّ: بالجرِّ، والباقونَ: بالرفع. والنّصْبُ: شاذّ. وعن بَعْضِهم: الخبرُ وَصْفُ الخالقِ لفظًا والرفْعُ نعْتٌ له مَحَلاً، لأنّ ﴿خَالِقٍ﴾ مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ، و ((من)) زائدة، تقديره: هل مِن خالقٍ غيرِ الله الله أو للأشياء. وقيل: ﴿غَيْرُ اللهِ﴾ يجوزُ أن يكونَ مرفوعًا على فاعلِ ﴿خَالِقٍ﴾، أي: هل يخلقُ غيرُ الله شيئًا؟ قولُه: (أو جعَلْتَه كلامًا مبتدأً، بعد قولِه: ﴿مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾)، قيل: هذا الوجهُ ضَعيفٌ، لأنَّ مِثْلُ قولك: هل زيدٌ خرَج؟

стр. 6796

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال ابنُ الحاجبِ في ((شرح المفصل)): هل زيدٌ خرَج؟ شاذّ، فهو على شُذوذِه مُقَدَّرٌ على ما ذكَره، وإنّما لم يحسُنْ عندَهم: هل زيدٌ خرج؟ وشِبْهُه إما لأنّ ((هل)) بمعنى ((قَدْ)) على ما يقولُه سِيبَويْه، فكانت بالفعل أولى، فإذا وقعَ بعدَها الاسمُ كان وقوعُه بعد ((قد)) ولا يسوغُ ذلك، فلا يسوغُ هذا، وإما لأنّ ((هل)) موضوعٌ للاستفهام مُقْتَضٍ للفعلِ في المعنى، فكان ذِكْرُ الفعلِ بعده لفظًا هو القياسَ، ولا يَرِدُ عليه: أزيدٌ خرَج؟ فإنَّ الهمزةَ تَصرفوا فيها ما لم يتَصرَّفوا فيها في ((هل)). وقلت: شهدَ هذا القائلُ على نفسهِ أنه خارجٌ من زُمرةِ البُلغاء، ولله درُّ صاحب ((المفتاح)) حيثُ تَفرَّس لمثْل هذا وقال: ولكَوْنِ ((هل)) أدعي للفعلِ من الهمزةِ لا يحسُن: هَل زيدٌ منطلقٌ، إلاّ من البليغ. ولما ثبتَ أنّ ((هل)) أدعي للفعلِ من الهمزةِ، فتَرْكُ الفعلِ معَه يكونُ أدْخَل في الإنباء لاستدعاء المقام عدم التجدد، يعني: في قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، ونَحْوُه: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. وقَوْلُ تأبّط شَرّاً: هل أنتَ باعثُ دينار لحاجتنا وأما قولُ سِيبَويْه: ((هل)) بمَعْنى: ((قد))، فمَعْناه: أنّ ((هل)) مَتضمِّنةٌ لمعنى ((الهمزة)) و ((قد))، فإذا جُرِّدَتْ منها خَلُصَتْ لمعنى ((قد))؛ ألا ترى إلى قولِ المصنِّف في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ﴾ [الإنسان: ١]: الأصل أهَل؟ والمعنى: ((أقَد أتى)) يدلُّ عليه أنك لا تُقدِّر الهمزةَ م. ع ((قَدْ)) في مثل ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾، كما تقدر في ﴿هَلْ أَتَى﴾، فإذَنْ يسوغُ في ((هل))

стр. 6797

فإن قلت: هل فيه دليل على أنّ الخالق لا يطلق على غير الله ؟ قلت: نعم، إن جعلت (يَرْزُقُكُمْ) كلامًا مبتدأ، وهو الوجه الثالث من الأوجه الثلاثة. وأمّا على الوجهين الآخرين: وهما الوصف والتفسير. فقد يقيد فيهما بالرزق من السماء والأرض، وخرج من الإطلاق، فكيف يستشهد به على اختصاصه، بالإطلاق؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ما لا يسوغُ في ((قد))، فيقال: هلْ زيدًا ضربْتَ؟ ولا يقال: قَد زيدًا ضربْتُ. ونصَّ بخلافهِ ابنُ الحاجب أيضًا في قِسْم الحروف. قولُه: (فكيفَ يُستشهَدُ به على اختصاصِه بالإطلاق)، أي: كيف يُستشهَدُ به على اختصاصِ الله بإطلاقِه عليه وقد تَقيّد بقَيْدِ ((يرزقُكم)) فإن المعنى على وجهَيْن: ليس خالقٌ سوى الله صفتُه أنّه يرزقُكم، فيُفْهمُ أن هناك خالقًا سوى الله ليسَ برازق. وأمّا على الابتداءِ فمعناه: ليسَ خالقٌ سوى الله موجودًا. فاتّجه لسائلٍ أن يقول: لِمَ لَمْ يكُنْ غيرُه خالقًا؟ فقيل: لأنّه يرزقُكم من السماءِ والأرض؛ لأن الخالقَ يَنْبغي أن يكونَ رازقًا، فإنَّ صفةَ الرزاقيّةِ كالتتميمِ للخالقية. هذا هو الوجهُ الفصيحُ القويُّ وعليه مذهبُ أهل الحقّ. الانتصاف: القَدريُّ يقول: نعم، [ثَمَّ] خالقٌ غَيْرُ لله. وكلُّ أحدٍ عندَهم يخلُقُ، ولهذا وَسَّعَ الدائرة وأتى بالأوجهِ النافرة، والذي يُحقِّقُ الوجْهَ الثالثَ المانعَ من إطلاقِ الخالقِ على غيرِ الله: أنَّ المُخاطبينَ مُشركون إذا سُئلوا: مَنْ خَلقَ السماواتِ والأرض؟ قالوا: الله، وإذا سُئلوا: من يرزُقُ منهما؟ قالوا: الله، فقُرِّروا بإقامةِ الحُجّةِ عليهِم بإقرارِهم، ولو كانَ كما قالَ الزَّمخشريُّ لكانَ مفهومُه إثباتَ خالقٍ غيرِ الله، لكن لا يرزق، وهؤلاءِ الكَفَرةُ قد تَبرّءوا منه فلا لتقريعهم بما لا يلائِمُ قوْلَهم، وأيضًا فإنّ ﴿يَرْزَقُكَم﴾ و ﴿لَا إلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ جَمْلتانِ سيقتا مَساقًا واحدًا والثانية مفصولةٌ اتفاقًا فكَذا الأُولى. وقلت: قد أحسنَ وأجادَ حيثُ نظرَ إلى النَّظْم.

стр. 6798

والرزق من السماء: المطر، ومن الأرض: النبات. (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) جملة مفصولة لا محل لها، مثل: (يرزقكم) في الوجه الثالث، ولو وصلتها كما وصلت (يرزقكم) لم يساعد عليه المعنى؛ لأنّ قولك: هل من خالق آخر سوى الله لا إله إلا ذلك الخالق، غير مستقيم؛ لأن قولك: هل من خالق سوى الله؟ إثبات لله. فلو ذهبت تقول ذلك كنت مناقضًا بالنفي بعد الإثبات. (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ): فمن أى وجه تصرفون عن التوحيد إلى الشرك؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (والرزقُ من السماءِ المطر)، قيل: إن جُعِلَ الرزقُ مصدرًا فالمضافُ من الخبرِ محذوفٌ أي: إنزالُ المطرِ وإنباتُ وإن جَعلْتَه اسمًا بمعنى المرزوقِ فلا حاجةَ إلى التقدير. قولُه: (فلو ذهَبْتَ تقولُ ذلك لكُنْتَ مناقِضًا)، وذلكَ أنّ الصفةَ هاهنُا مُميِّزة، والاستفهامُ مؤكِّدٌ للأنكار، وفيه معنى النفي، لأنّ الكلامَ مع المُعانِدين، ولذلك زيدَ ((مِنْ)) الاستغراقية، فإذا أنكَرْتَ أن يكونَ خالقًا غيْر الله، يلزَمُ منه إثباتُ ذاتهِ ، وهو المرادُ من قولهِ: ((هل مِنْ خالقٍ سوى الله؟ إثباتٌ الله)) ثمَّ إذا رجَعْتَ ومَيَّزْتَه مرّةً أُخرى بقولك: ((لا إله إلا ذلك الخالقُ)) لزِمَ نَفْيُ ما أثبتَّه أولاً، وهو المرادُ بقولِه: ((لكُنْتَ مناقِضًا بالنفيِ بعدَ الإثبات)). قال صاحبُ ((التقريب)): في لزومِ التناقضِ نَظَر، إذ التقدير: لا خالقَ مُنْفَرِدًا بالإلهية إلاّ الله على الاستثناء أو مغايرًا لله على الوصف، ولا تناقُضَ فيه. نعم، لو فصّلْتَ مع عَوْدِ الضميرِ إلى الخالق المغاير لزم، أما معَ الوصل فلا. قلت: ويُمكنُ أن يقال: إنَّ قولَك للمشرك: هل مِنْ خالقٍ سوى الله، إثباتٌ لله بِوَصْفِ المُغايَرة؛ لأنَّ المُغايَرةِ إثباتُ المُتغايرَيْن، فيلزَمُ منه إثباتُ الله، ثم إذا قُلْت: ((لا إله إلا ذلك الخالقُ)) يلزَمُ منه نَفْيُ الله، أما إذا الإثباتُ ناشئًا من الإنكارِ الواردِ على الموضوفِ والصفةِ معًا لزِمَ ما ذَكرَه صاحبُ ((التقريب)).

стр. 6799

[(وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الْأُمُورُ)] ٤ [ نعى به على قريش سوء تلقيهم لآيات الله، وتكذيبهم بها، وسلى رسوله ﷺ بأن له في الأنبياء قبله أسوةً، ثم جاء بما يشتمل على الوعد والوعيد؛ من رجوع الأمور إلى حكمه ومجازاة المكذب والمكذب بما يستحقانه. وقرئ: (ترجع) بضم التاء وفتحها. فإن قلت: ما وجه صحة جزاء الشرط ومن حق الجزاء أن يتعقب الشرط، وهذا سابق له؟ قلت: معناه: وإن يكذبوك فتأس بتكذيب الرسل من قبلك، فوضع: (فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) موضع: فتأس؛ استغناًء بالسبب عن المسبب، أعنى بالتكذيب عن التأسى. فإن قلت: ما معنى التنكير في (رسل)؟ قلت: معناه: فقد كذبت رسل، أى: رسل ذوو عدد كثير. وأولو آيات ونذر، وأهل أعمار طوال، وأصحاب صبر وعزم، وما أشبه ذلك، وهذا أسلى له، وأحث على المصابرة. (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِالله الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) [٥ - ٧] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والحقُّ أنّ المانعَ من ذلك التقديرِ النظْمُ المُعْجِز، وحاكمُه الذوقُ السليم، ولأنَّ السؤالَ بقولِه: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ سؤالُ تبكيتٍ واردٌ على قولِه: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، وقولُه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: تقريرٌ للتوحيدِ بعْدَ تقريرِ إقرارِهم بنَفيْ الغير، ولذلك رَتَّبَ عليه بالفاءِ قوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: إذا كنتم تُقرّون أن لا خالقَ سوى الله يرزقُكم فلا يكونُ سواه معبودًا، لأنّ المعبودَ ينبغي أن يكون خالقًا رازقًا فكيف تُصرفونَ عنه وتكفرون نِعمتَه وتعبدونَ غيره. قولُه: (ومن حقِّ الجزاءِ أن يتعقَّبَ الشرط)، والآيةُ مثل: إن أكرمْتَني الآن فقد أكرمتُك أمس. وخُلاصةُ الجواب: أنَّ الجزاءَ مبنيٌّ على الإخبارِ والتنبيهِ على التأسِّي والتسلِّي، كما أن المثالَ فيه تنبيهٌ على معنى الاعتقاد.

стр. 6800

وعد الله: الجراء بالثواب والعقاب. (فَلا تَغُرَّنَّكُمُ) فلا تخدعنكم (الدُّنْيا) ولا يذهلنكم التمتع بها والتلذذ بمنافعها عن العمل للآخرة وطلب ما عند الله. (وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِالله الْغَرُورُ): لا يقولن لكم: اعملوا ما شئتم فإن الله غفور يغفر كل كبيرة ويعفو عن كل خطيئة. والغرور: الشيطان؛ لأن ذلك ديدنه. وقرئ بالضم وهو مصدر غره، كاللزوم والنهوك أو جمع غارّ، كقاعد وقعود. أخبرنا : ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (لا يقولَنَّ لكم: اعمَلوا ما شئتم، فإنّ الله غَفورٌ يغفرُ كلَّ كبيرة، ويعفو عن كلِّ خطيئة)، الانتصاف: يُعرِّضُ باعتقادِ أهلِ السنّةِ، وهذا لا يناقضُ مُعتقَدهم، فإنَّ الله وعَدَ العفْوَ على الكبائرِ، وقرنَ الوعيدَ بالمشيئةِ في حقِّ الموحِّدين، في مثْلِ قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. قولُه: (والغَرور: الشيطانُ؛ لأنّ ذلك دَيْدَنُه)، الراغب: غررْتُ فُلانًا: أصَبْتُ غِرَّتَه ونِلْتُ منه ما أريده، فالغِرّةُ غَفْلَة في يَقظة، والغِرارُ مع غفوة. وأصلُ ذلك من الغُرِّ وهو الأثرُ الظاهرُ من الشيءِ، ومنه: غُرّةُ الفَرس، وغِرارُ السيفِ: حَدُّه، وغَرُّ الثوبِ: أثَرُ كَسْره، وقيل: اطْوِه على غَرِّه. وغَرَّه كذا غرورًا كأنّما طواهُ على غَرِّهِ، قال تعالى: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]، ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، فالغَرورُ: كلّ ما يَغُرُّ الإنسانَ من مالٍ وجاهٍ وشَهْوةٍ وشيطان، وقد فُسِّرَ بالشيطانِ إذْ هو أخبَثُ الغارِّين، والغَرر: الخَطَر من الغَرّ، وباعتبارِ غُرّةِ الفَرسِ وشُهرتِه قيل: فُلانٌ أغَرٌّ؛ إذا كان مشهورًا كريمًا، ويُقال: الغُرَرُ لثلاثِ ليالٍ من أوّلِ الشهرِ لكون ذلك منه كالغرة. قولُه: (وقُرِئَ بالضمِّ وهو مَصْدر)، وعن بعضِهم: الغُرور بالضمّ: الأباطيل، وفُعولٌ في الأفعالِ المتعدية قليل، منه: لزِمَه لُزومًا، ونَهَكَه المرضُ نُهوكًا.

стр. 6801

أن الشيطان لنا عدوّ مبين، واقتص علينا قصته وما فعل بأبينا آدم صلوات الله عليه، وكيف انتدب لعداوة جنسنا من قبل وجوده وبعده، ونحن على ذلك نتولاه ونطيعه فيما يريد منا مما فيه هلاكنا، فوعظنا بأنه كما علمتم عدوّكم الذي لا عدوّ أعرق في العداوة منه، وأنتم تعاملونه معاملة من لا علم له بحاله (فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) في عقائدكم وأفعالكم. ولا يوجدن منكم ما يدل إلا على معاداته ومناصبته في سركم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال المصنِّف: كلُّ مَغْرورٍ غُرورُه مصلحةٌ له في تَرْكِ غُروره، وأنتُم لفَرْطِ اغترارِكم غُرورُكم مفسدةٌ لكم داعيةٌ إلى الغرور، أو المرادُ أهلُ الغرورِ، أو ذو الغرور. قولُه: (وكيف انتدبَ لعداوةِ جنسِنا قبل وجوده)، أي: قبلَ وجودِ جنسِنا، وهي عداوتُه لآدمَ ﵇، وبعدَ وجودِ الجنسِ، وهو توريطُ بني آدمَ في كلِّ ضلالٍ وخِزْيٍ ونكال، فكما قال في ((مريم)): وهو عدوُّكَ وعدوُّ أبيكَ وأبناءِ جنسِك. الأساس: نُدِبَ لكذا وإلى كذا فانتدَبَ له، وتكلَّمَ فانتدَبَ له فُلانٌ إذا عارضَه، ورجُلٌ نَدْبٌ؛ إذا نُدِبَ لأمرٍ خَفَّ له، وأراكَ نَدْبًا في الحوائج، وندَبه لأمر كذا فانتدبَ له، أي: دعاهُ له فأجاب. قولُه: (وأنتم تعامِلونه) أي: نَزَّلَ العالِمَ منزلةَ الجاهلِ، وذلك بأنْ خاطبَ الناسَ بقولِه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ مع أنهم لا يشكُّون فيه، وأدخَل على الجملةِ حرْفَ التحقيقِ مع أنَّهم مُقِرُّون بذلك ولا يُنكرونه؛ لعَدمِ جَرْيِهم على مُوجِبِ العلم، وتَماديهم في اتباعِ خُطُواتِ الشيطان. قولُه: (ولا يوجَدَنَّ منكم ما يدلُّ إلا على مُعاداتِه)، إشارة إلى أن قولَه تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ﴾ نَهْيٌ للشيطانِ، وفي الحقيقةِ نَهْيٌ للإنسان بأنْ يكونَ على وَصْفٍ يتمكَّنُ الشيطانُ منه على الغُرور، نَحْو: لا أرينَّك هاهنا. قولُه: (ومناصبتِه)، يقال: نصَبَ لفلانٍ نَصَبًا: إذا عادَيْتَه، وناصَبْتَه الحرْبَ مُناصبة.

стр. 6802

وجهركم. ثم لخص سر أمره، وخطأ من اتبعه بأنّ غرضه الذي يؤمه في دعوة شيعته ومتبعي خطواته؛ هو أن يوردهم مورد الشقوة والهلاك، وأن يكونوا من أصحاب السعير. ثم كشف الغطاء، وقشر اللحاء؛ ليقطع الأطماع الفارغة، والأمانى الكاذبة، فبنى الأمر كله على الإيمان والعمل وتركهما. [(أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَناً فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ)] ٨ [ لما ذكر الفريقين الذين كفروا والذين آمنوا؛ قال لنبيه: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَناً)، يعنى: أفمن زين له سوء عمله من هذين الفريقين كمن لم يزين له، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وقشرَ اللِّحاءَ)، قال المَيْداني: ((قشَرْتُ له العَصا))؛ أظهَرْتُ له ما كان في نَفْسي ويقال: اقشِرْ له العَصا، أي: كاشِفْه وأظهِرْ له العداوة. قولُه: (لما ذكرَ الفريقَيْن كَفروا والذين آمنوا قال لنَبيِّه: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا﴾ يعني: أفَمَنْ زُيِّن له سوءُ عَمَلِه من هذَيْن الفريقَيْن كَمَنْ لم يُزيَّنْ له)، جعَلَ الاثنَيْن من بابِ اللفِّ والنَّشر. وقلت: الأحسَنُ أن تُجعلَ الآياتُ من الجمْعِ والتقسيمِ والتفريق، فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ جَمع الفريقَيْن معًا في حكمِ نِداءِ الناس وجمَعَ مالهما من الثوابِ والعقاب في حُكْمِ الوعدِ وحَذَّرهما معًا عن الغرورِ بالدنيا والشيطان، وأما التقسيمُ فهو قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ لأنه بَيَّنَ فيه أحوالَ الفريقَيْن ومالهُما وعليها من الثوابِ والعِقاب. وأما التفريقُ فقولُه: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ لأنه فَرَّق فيه، وبَيَّنَ التفاوتَ بين الفريقَيْن كما قال: ((﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ من هَذَيْن الفريقَيْن كمَنْ لم يُزَيَّنْ له))، فظهرَ مِن هذا البيان أنّ ((الفاء)) في ((أفمَنْ)) للتعقيبِ والهمزةُ الداخلةُ بين المعطوفِ والمعطوفِ

стр. 6803

فكأن رسول الله ﷺ قال: لا، فقال: (فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ). ومعنى تزيين العمل والإضلال واحد، وهو أن يكون العاصي على صفة لا تجدى عليه المصالح، حتى يستوجب بذلك خذلان الله تعالى ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عليه لإنكارِ المساواةِ وتقريرِ البَوْنِ العظيمِ بين الفريقَيْن، وأن المختارَ من الوجوهِ المذكورة في ((المفتاح)): تقديرُ ((كمن هَداهُ الله))، فحَذفَ لدلالة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾. قال مُحيي السُّنّة: في الآية حَذْفٌ مجازه: أفمن زين له سوء عمله فرأى الباطلَ حقًّا كمَنْ هَداه الله فرأى الحقَّ حقًّا والباطلَ باطلاً، فإنّ الله يُضِلُّ مَنْ يشاءُ ويَهْدي من يشاء. وقال أيضًا: معنى الآيةِ: فلا تغتَمَّ بكُفرهِم وهلاكِهم، وهو المرادُ من قولِ المصنِّف: وإذا خذلَ الله المُصمِّمين على الكفرِ وخَلاّهم وشأنَهم، فإنّ على الرسولِ أن لا يهتمَّ بأمرهم. وفيه التسلِّي والتخلِّي من الاهتمامِ بشأنِ المدعوِّ فلا يدخلُ فيه العاصي من أمةِ محمد ﷺ ، فلا وَجْه لقوله: ((وهو أن يكونَ العاصي على صفةٍ لا تجدي عليه المصالحُ)) إلى آخره، لأن معناه: يكون العاصي على وجهٍ لا ينتفعُ من رعايةِ المصالحِ التي أوجبَها الله على نفسِه بوجهٍ من الوجوه. فقولُه: ((لا تُجدي)) إلى آخرِه صفةٌ لصفةٍ، والعائدُ محذوفٌ، أي: معها. قولُه: (فكأنَّ رسولَ الله ﷺ قال: لا)، واعلَمْ أنّ الفاءَ في قولِه: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ﴾ رابطةٌ للجملةِ التاليةِ بالسابقة، وقد وُسِّطَتْ همزةُ الإنكارِ بينهما، و ((مَنْ)) موصولة، والفاء ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ جَزائية، ولا يستقيمُ أن تكونَ خبرًا لها، لأنّ الإنكارَ دافعه، فيجبُ أن تُقدَّرَ خبرًا لها، وشرطًا للجزاءِ. والمُنْكَرُ ما كان يرتكبُه صلواتُ الله عليه من الحرْصِ على الإيمانِ القومِ وتهالُكهِ في أن يسلكَ الضَّالين في زمرةِ المهتَدِين فقيلَ له على سبيلِ الإنكار: أفمَنْ زُيِّن له سوءُ عَملِه من هذَيْن الفريقَيْن كمَن لم يُزَيَّن له، فلا بُدَّ مِنْ أن يُقِرَّ بالنفيِ ويقول: لا، فحينئذٍ يقالُ له: فإذا كان كذلك ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، فقَدَّم وأخَّر، وما أوضَحَه مِن دليلٍ على مذهَبِ أهلِ السنة.

стр. 6804

وتخليته وشأنه، فعند ذلك يهيم في الضلال، ويطلق آمر النهى، ويعتنق طاعة الهوى، حتى يرى القبح حسنًا والحسن قبيحًا، كأنما غلب على عقله وسلب تمييزه، ويقعد تحت قول أبى نواس: اسقني حتّى تراني … حسنا عندي القبيح وإذا خذل الله المصممين على الكفر وخلاهم وشأنهم؛ فإنّ على الرسول أن لا يهتم بأمرهم ولا يلقى بالًا إلى ذكرهم، ولا يحزن ولا يتحسر عليهم؛ اقتداء بسنة الله تعالى في خذلانهم وتخليتهم. وذكر الزجاج: أنّ المعنى: أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرة، فحذف الجواب؛ لدلالة (فلا تذهب نفسك) عليه. أو: أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، فحذف لدلالة (فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) عليه. (حسرات): مفعول له، يعنى: فلا تهلك نفسك ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (سُلِبَ تَمْييزَه)، ((تمييزَه)) نَصْبٌ على أنه تَمْييز، وإن كانَ معرفةً، كقولِه تعالى: ﴿إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]. قولُه: (ويَقعدُ تحتَ قولِ أبي نُواس)، الأساس: إنّ حَسَبَكَ لَمُقعِدُك عن بُلوغِ الشرفِ، وما يُقْعِدُه وما اقتعَدَه إلا لُؤْمُ عَنْصُرِه، وقبله: غَرَّدَ الديكُ الصَّبوحُ … فاسقِني طابَ الصَّبوحُ قَهْوةً تُذْكِرُ نَوحًا … حين شادَ الفُلْكَ نوحُ نَحْنُ نُخْفيها فتأتي … طيبُ ريحٍ فتَفوحُ اسقِني حتى تَراني … حَسنًا عندي القَبيحُ قيل: ((حسنًا)) مفعولٌ ثانٍ لـ ((تَراني))، و ((القبيحُ)) فاعلُ ((حسنًا))، يقولُ للساقي: اسقِني حتى يكونَ القبيحُ عندي حَسَنًا.

стр. 6805

للحسرات. و (عليهم) صلة (تذهب)، كما تقول: هلك عليه حبًا، ومات عليه حزنًا. أو هو بيان للمتحسر عليه. ولا يجوز أن يتعلق بـ (حسرات)؛ لأنّ المصدر لا يتقدم عليه صلته، ويجوز أن يكون حالًا، كأن كلها صارت حسراٍت لفرط التحسر، كما قال جرير: مشق الهواجر لحمهنّ مع السرى … حتّي ذهبن كلاكلا وصدورا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وذكرَ الزجّاج)، والمذكورُ في ((كتابه)): الجوابُ هاهُنا على ضربَيْن: أحدُهما يدلُّ عليه: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، ويكونُ المعنى: أفمَنْ زُيِّنَ له سوءُ عملِه كمَنْ هداه الله، ويكونُ دليلُه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾. وقلت: فيه تنبيهٌ على أنّ كلَّ واحدٍ من الجُمَلِ المدخولِ عليها الفاء لا يصحُّ أن يكونَ جوابًا لمانِع معنى الإنكارِ في الهمزة. قولُه: (هلكَ عليه حُبًّا وماتَ عليه حُزنًا)، قال صاحب ((الفرائد)): التقدير: لا تذهَبْ نفسُك واقعةً عليهم حَسرات؛ لأن المُحِبَّ يَنْحني إلى المحبوب إذا أشرفَ على الهلاك وإذا بالغَ في الميل إليه وقعَ عليه. قولُه: (أو هو بيانٌ للمُتحسَّرِ عليه)، فإنّه لما قيلَ له صلواتُ الله عليه: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ فقال: على مَنْ؟ فقيل: عليهم، على أنّ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ يُفَسِّره هذا الظاهرُ بناءً على أنّ ((حَسَراتٍ)) لا يعمَلُ فيما قبلَه لكونِها مصدرًا، ويجوزُ أن يُضَمَّنَ ((تذهَب)) معنى: ((تحسَّر)) بوساطةِ ((على))، وأنّ الأصل: فلا تتحَسَّرْ عليهم ذهابًا بنفسك، أي: هالِكًا. وأما قولُه: كما تقولُ: هلكَ عليه حُبًّا، فمِن بابِ المجازِ لا التضمين. قولُه: (مَشَقَ الهواجرُ) البيت، المَشْقُ: السرعةُ في الطعنِ والضربِ والكاتبة. أي: بَرى لحومَهُنَّ السيرُ في الهواجرِ والسُّرى في الليالي حتى رجَعْنَ ولم يَبْقَ منهن إلا كلا كلُها وصدورُها.

стр. 6806

يريد: رجعن كلاكلًا وصدورًا، أى: لم يبق إلا كلاكلها وصدورها. ومنه قوله: فعلى إثرهم تساقط نفسي … حسرات وذكرهم لي سقام وقرئ: (فلا تذهب نفسك). (إِنَّ الله عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ): وعيد لهم بالعقاب على سوء صنيعهم. (وَالله الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ)] ٩ [ وقرئ: (أرسل الريح). فإن قلت: لم جاء (فَتُثِير) على المضارعة دون ما قبله وما بعده؟ قلت: لتحكى الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب، وتستحضر تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الربانية، وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (فعلى إثْرِهم) البيت، ((إثرِهم)): أي: عَقِبِهم، ((تَساقطُ))؛ أي: تتساقَطُ، و ((حَسَراتٍ)) حالٌ من ((نَفْسي)). يقول: إن الأحبةَ رحَلوا ونَفسي تتساقَطُ حَسَراتٍ في عَقِبِهمْ، وذكْرُهم سَقامٌ لي بعْدَهم. قولُه: (وقُرئ: ((أرسلَ الريحَ)))، حمزةُ والكِسائيُّ وابن كثير. قولُه: (وهكذا يفعلون)، يريد: أنَّ كلَّ فعلٍ ماضٍ إذا أريدَ به نوعُ خصوصية بحال -إمّا أن تكونَ مُستغربةً أو مهتمًّا بشأنِها أو غيرَ ذلك- يُعدلُ منه إلى المضارعِ ليؤذِنَ بأنّ هناك نُكتةً سَرِيّة؛ إما الاستغرابُ كما تنبئُ عنه هذه الآيةُ وقَوْلُ تأبَّط شرًّا لما استحضرَ منهما الحالةَ العجيبةَ الشأنِ في ذهنِ السامع وجُعِلتا مشاهدتَيْن لنظرِه، وإما الاهتمامُ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]، لاقتضاءِ ((لو)) معنى المُضيٍّ؛

стр. 6807

وخصوصية، بحال تستغرب، أوتهمّ المخاطب، أو غير ذلك، كما قال تأبط شرا: بأنىّ قد لقيت الغول تهوى … بسهب كالصّحيفة صحصحان فأضربها بلا دهش فخرّت … صريعا لليدين وللجران لأنه قصد أن يصوّر لقومه الحالة التي تشجع فيها بزعمه على ضرب الغول، كأنه يبصرهم إياها ويطلعهم على كنهها مشاهدةً؛ للتعجيب من جرأته على كل هول وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت، وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها، لما كانا من الدلائل على القدرة الباهرة، قيل: فسقنا، وأحيينا؛ معدولًا بهما عن لفظ الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدلّ عليه. والكاف في (كَذلِكَ) في محلّ الرفع، أى: مثل إحياء الموات نشور الأموات. روي: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أُنْزِلَ أمرُ القيامةِ منزلةَ الماضي المقطوعِ به؛ لاهتمامِ وقوعِه، وإما غيرُ ذلك كقوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧]، جُعِلَتْ طاعتُه طاعتُه صلواتُ الله عليه مستمرةَ الامتناعِ على سبيلِ التجدُّدِ ليفيدَ استمرارَ امتناعِ عَنَتِهم ساعةً فساعة. قولُه: (بأنِّي قد لقيتُ الغولَ)، البيتين، قبله: فمن يُنكرْ وجودَ الغولِ إني … أُخَبِّرُ عن يَقينٍ بل عِيانِ تهوي، أي: تهبطُ، بسَهْبٍ: بفَلاةٍ واسعة، والصَّحْصحان: المكانُ المستوي من الفلاة. والجِرانُ: مُقدَّمُ عُنُقِ البَعيرِ من مَذَبَحِه إلى مَنْحَرِه والجمع: الجرن، فكذلك من الفرس. ولليدَيْن أي: على اليدَيْن، إنّما عدلَ من ((على)) إلى اللام؛ ليفيدَ أنه جعلَ اليدَ والجِرانَ للصرع، واختصَّ بهما؛ لأنّ اللامَ للاختصاصِ، كما قال في قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧]: وجعل ذَقْنَه ووَجْهَة للخُرورِ واختَصَّه. قولُه: (مَشاهَدةً؛ للتَّعجيب)، ((مشاهدة)): صيغةُ مفعولٍ حالٌ من الحالة.

стр. 6808

أنه قيل لرسول الله ﷺ : كيف يحيى الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ فقال: «هل مررت بوادي أهلك محلًا ثم مررت به يهتزّ خضرًا». فقالوا: نعم. فقال: «فكذلك يحيى الله الموتى وتلك آيته في خلقه». وقيل: يحيى الله الخلق بماء يرسله من تحت العرش كمنى الرجال، تنبت منه أجساد الخلق. [(مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ)] ١٠ [ كان الكافرون يتعززون بالأصنام، كما قال : (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ الله آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)] مريم: ٨١ [، والذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة قلوبهم كانوا يتعززون بالمشركين، كما قال: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً)] النساء: ١٣٩ [، فبين أن لا عزة إلا لله ولأوليائه. وقال: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)] المنافقون: ٨ [، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (أنه قيلَ لرسول الله ﷺ : كيف يُحيي الله الموتى؟ )، الحديث مذكورٌ في ((جامع الأصول))، رواه رَزينٌ العَبْدريُّ عن أبي رَزينٍ العُقيليِّ صاحبِ رسول الله ﷺ مع تغييرٍ يسير. قولُه: (كمَنيِّ الرجال)، في حديث مسلمٍ عن عروةَ بن مسعودٍ عن النبيِّ ﷺ : ((يُنزلُ اللهُ مطرًا كأنه الطلُّ، فتنبتُ أجسادُ الناس)) الحديث. قولُه: (كان الكافرون يتعزَّزون بالأصنام)، إلى قوله: (والذينَ آمنوا بألسنتِهم كانوا يَتعزَّزون بالمشكرين)، وإلى قولِه: (فبَيَّن أن لا عزة إلا لله ولأوليائه)، وهلم جَرًّا إلى آخره. فيه

стр. 6809

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إشعار بأن الخطاب بقوله: ﴿كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ مع المخالفين، والتعريف في ((العزةِ)) الأولى: للجنسِ، وفي الثانية: للاستغراق، بشهادةِ قوله: ﴿جَمِيعًا﴾، وأنّ تقديمَ الخبرِ على المبتدأِ في قوله: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ لاختصاصِ العزّةِ بالله أصالةً ورسولِه تَبَعًا باقتضاءِ المقام، ولهذا قال: ((أن لا عِزّةَ إلا لله ولأوليائِه))، وأنَّ قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ كالبيانِ لطريقِ تَحصيلِ العزّةِ وسلوكِ السبيلِ إلى نَيْلِها. واعلَمْ أنَّ في انتظام قَوْلِه: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ بما قبله نظرًا دقيقًا يحتاجُ إلى فَضْلِ تأمُّل. نقلَ مُحيي السُّنة في ((تفسيره)) عن أبي العالية: أنها في الذين مكَروا برسولِ الله ﷺ في دارِ الندوةِ، كما قال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]. وروى عن مُجاهدٍ وشَهْرِ بن حَوْشَب: هم أصحابُ الرِّبا. ومختارُ المصنِّفِ القولُ الأولُ. فحينئذٍ قولُه: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية كالاستطراد والتقرير لمضمون الأولى على طريقِ الاستشهادِ والتمثيل، وفي إخراجِ الكلامِ مخرجَ الشرطِ نوعُ توبيخ وتنبيهٌ للمخاطَبين على خطأِ رأيِهم وفسادِ طريقتِهم وتَضْليلهم فيما هم فيه من طلبِ العزّةِ من غيرِ موضعِها ومكانِها، كأنه قيل: أيها الضالّون تنبَّهوا على خطئِكم وتيقَّنوا أنْ ليسَ الوصولُ إلى المطلوبِ ما أنتُم عليه من رَوْمِ العزّةِ من عندِ غيرِ الله، لأنّ العزةَ كلَّها ملكُ الله ومُختصّةٌ به وبأوليائِه، وطريقُ الوصولِ إليها الإيمانُ والعملُ الصالحُ، واعلَموا أنَّ مَنْ أعزَّهُ الله فلا مُذِلَّ له ومَنْ أذلَّه مُعزَّ له. ألا تروْنَ إلى قريشٍ حين بَذَلوا جُهَيْداهُم في إطفاءِ نورِ الله وإذلالِ مَنْ أعزَّه الله ورفَعَ مِنْ قَدْرِه، ومكَروا تلك المنكراتِ السيئاتِ من الإثباتِ والقتلِ والإخراجِ، وأبى الله إلا أن

стр. 6810

والمعنى فليطلبها عند الله، فوضع قوله: (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) موضعه؛ استغناء به عنه لدلالته عليه؛ لأن الشيء لا يطلب إلا عند صاحبه ومالكه. ونظيره قولك: من أراد النصيحة فهي عند الأبرار، تريد: فليطلبها عندهم، إلا أنك أقمت ما يدل عليه مقامه. ومعنى: (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً): أنّ العزة كلها مختصة بالله: عزة الدنيا وعزة الآخرة. ثم عرف أن ما تطلب به العزة هو الإيمان والعمل الصالح بقوله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)، والكلم الطيب: لا إله إلا الله. عن ابن عباس: يعنى أنّ هذه الكلم لا تقبل ولا تصعد إلى السماء فتكتب حيث تكتب الأعمال المقبولة، كما قال : (إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ)] المطففين: ١٨ [، إلا إذا اقترن بها العمل الصالح الذي يحققها ويصدقها فرفعها وأصعدها. وقيل: الرافع الكلم، والمرفوع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يُتمَّ نورَه، كيفَ قلبَ الأمرَ عليهم حيث أخرجَهم من مكّةَ وأبادَهم بالقتلِ في بدرٍ وأثبتَهم في قَليبِه ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. وعلى أن يُرادَ بهم أصحابُ الرِّبا فالجملةُ عطفٌ على جملةِ الشرطِ والجزاء، فيجبُ حينئذٍ مراعاةُ التطابُقِ بين القرينتَيْن والتقابلِ بين الفريقَيْن بحَسبِ الإمكانِ بأن يُقَدَّرَ في كلٍّ منهما ما يحصُلُ به التقابُل بدلالةِ المذكورِ في الأولى على المتروكِ في الأخرى وبالعكس، و ﴿يَمْكُرُونَ﴾ على القولَيْن يجري على غيرِ حقيقتِه، فعلى الأول: حكايةٌ للحالِ الماضيةِ لتصويرِها في مشاهدةِ السامع، وعلى الثاني: مرادٌ منه الاستمرار والدوام. قولُه: (والمعنى: فليطلبها عند الله)، فوضعَ قوله: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ موضعَه، يعني: وضعَ السببَ موضعَ المسبَّب؛ لأنَّ الطلبَ مُسبَّبٌ عن حصولها عند الله تعالى، وفي العدول -أي: ترْكِ السببِ- إلى المسبَّبِ إيذانٌ بأن المقصودَ الأَولى هو: العزّة، والطلبُ هو: الوسيلة، كما في قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٦٠]. قولُه: (العملُ الصالحُ الذي يُحقِّقها ويُصدِّقُها)، قال صاحبُ ((الكشف)): المختار أن يرفعَ العملُ الصالحُ الكَلِمَ، دون أن تكون الهاء المنصوبة تعود إلى العمل، لأنه لو كان عائدًا إليه لكانَ ((العملُ الصالحُ)) بالنصبِ على مقتضى قول سيبويه؛ لأنه قال: إذا قُلْتَ: قامَ زيدٌ

стр. 6811

العمل؛ لأنه لا يقبل عمل إلا من موحد. وقيل: الرافع الله، والمرفوع العمل. وقيل: الكلم الطيب: كل ذكر من تكبير وتسبيح وتهليل وقراءة قرآن ودعاء واستغفار وغير ذلك. وعن النبي ﷺ : «هو قول الرجل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن، فإذا لم يكن عمل صالح لم يقبل منه». وفي الحديث: «لا يقبل الله قولًا إلا بعمل، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعَمْرٌو يَضْرِبُه، كان الاختيارُ في ((عَمْرٍو)) النصب، لأنّ المصدرَ فِعلٌ وفاعل، وإنما أنَّثَ المصنِّف ضميرَ المتكلم، وفي التنزيل: مذكر؛ لوصفِه بالطيِّب؛ لأنه اعتبرَ الكَثْرة في الجنس. قال شارحُ ((الإيضاح)) لأبي عليّ: الكَلِمُ: جْمَع كَلمةٍ، وهو من أسماءِ الأجناس، وإنما يُطلقُ عليه اسمُ الجمعِ مجازًا، وهي: كتَمْرٍ وتَمرةٍ، وغيرِها من الصيغ التي بَيْن جَمْعِها وواحدِها ((الهاء)). ثم إنه لو كان جمعًا لم يخلُ إما أن يكون: جَمْعَ صحةٍ، وليس به، بكونِه بالواوِ والنون والألفِ والتاء، أو جَمْعَ تكسيرٍ، وليسَ به أيضًا، لأن مِن شأنِه أن ينكسرَ فيه الواحد، والكَلِمُ لم يتغير نَظْمُه عما عليه في واحدِه، وهو كلمة، فوضَحَ من ذلك أنه ليسَ بجَمْع، فإذا لم يكن جمعًا وهو يفيدُ الكَثْرة علِمْنا إنّ إفادة الكثرةِ من حيث إنه جنس. قولُه: (فحَيّا بها وجْهَ الرحمن)، استعارةٌ من استقبالِ المُحيّا وهو الوجْه، ومنه: التحياتُ لله. النهاية: وفي الحديث: ((إنَّ الملائكةَ قالت لآدمَ: حيّاك الله)) معناه: أبقاكَ من الحياةِ، وقيل: هو من استقبالِ المَحَيّا -وهو الوجْه- من التحية والسلام.

стр. 6812

ولا يقبل قولًا ولا عملًا إلا بنيةٍ، ولا يقبل قولًا وعملًا ونيةً إلا بإصابة السنة». وعن ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر. وقرئ: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) على البناء للمفعول. و (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) على تسمية الفاعل، من: أصعد. والمصعد: هو الرجل، أى: يصعد إلى الله الكلم الطيب، وإليه يصعد الكلام الطيب. وقرئ: (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)، بنصب العمل والرافع الكلم أو الله عز وعلا. فإن قلت: مكر: فعل غير متعدّ، لا يقال: مكر فلان عمله، فبم نصب (السَّيِّئاتِ)؟ قلت: هذه صفة للمصدر، أو لما في حكمه، كقوله: (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ)] فاطر: ٤٣ [، أصله والذين مكروا المكرات السيئات، أو أصناف المكر السيئات، وعنى بهن مكرات قريش حين اجتمعوا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (ولا يقبلُ قولاً وعملاً إلا بنية)، يُمكنُ أن يكونَ تعريضًا بأهلِ الرياء. قيلَ: إنّ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ فيهم. نقلَ الإمامُ في ((تفسيره)) عن الأستاذِ أبي عليٍّ الدّقاق ﵀ أنه قال: علامةُ أنّ الحقّ -عزَّ اسمُه- رفعَ عمَلَك: أن لا يبقى عندَك، فإن بقِيَ عملُك في نظرِك فهو مدفوع، وإن لم يبق معك فهو مرفوع. قولُه: (إلا بإصابة السنة)، وفيه مَسْحةٌ من معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، والإصابةُ هنا بمعنى المناولةِ ومتابعتها. النهاية: ((يُصيبون ما أصابَ الناسُ))، أي: ينالون ما ناولوا. ومنه الحديث: ((يُصيبُ من بعضِ نسائِه وَهو صائم)) أراد التقبيل. قولُه: (وقُرِئَ: ((إليه يُصعَد)))، كلّ هذه القراءات شواذّ، سوى ﴿يَصْعَدُ﴾ بفَتْحِ الياء.

стр. 6813

في دار الندوة وتداوروا الرأى في إحدى ثلاث مكرات يمكرونها برسول الله ﷺ ؛ إما إثباته، أو قتله، أو إخراجه كما حكى الله سبحانه عنهم (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ)] الأنفال: ٣٠ [. (وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ) يعنى: ومكر أولئك الذين مكروا تلك المكرات الثلاث هو خاصة يبور، أى: يكسد ويفسد، دون مكر الله بهم حين أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر، فجمع عليهم مكراتهم جميعًا، وحقق فيهم قوله: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله وَالله خَيْرُ الْماكِرِينَ)] الأنفال: ٣٠ [، وقوله: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله)] فاطر: ٤٣ [. [وَالله خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ)] ١١ [ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (في دار الندوة)، هي الدار التي بناها قُصَيٌّ بمكّةَ كانوا يجتمعون فيها للمُشاورة، يقال: ندَوْتُ القومَ، أي: جمعْتُم. قولُهك (إما إثباتُه)، المغرب: أثبتَ الجَريح: أوْهَنه حتى لا يقدِرَ على الحِراك، ومنه قولُ محمد: أثبته الأول وذفف عليه الثاني، وفي التنزيل: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، ليجرحوك جراحة لا تقوم معها. قولُه: (يبورُ، أي: يكسد)، الأساس: فلانٌ له نوره وعليك بروُه، أي: هلاكُه. ومن المجاز: بارَتِ البِياعاتُ؛ كسَدَت، وبارتِ الأرضُ؛ إذا لم تُزْرَعْ، وأرضٌ بَوار. وقال الراغب: البَوار: فَرْطُ الكَساد، ولمّا كان فرطُ الكسادِ يؤدِّي إلى الفسادِ، كما قيل: كَسدَ حتى فَسد، عَبَّر بالبوارِ عن الهَلاك، قال تعالى: ﴿تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾. وقلت: ﴿لَّن تَبُورَ﴾ على هذا ترشيحٌ لاستعارةِ التجارةِ بمزاولةِ الطاعة، وعلى ما في ((الأساس)) يقربُ أن يكونَ تجريدًا لها.

стр. 6814

(أَزْواجاً) أصنافًا، أو ذكرانًا وإناثًا، كقوله: (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً)] الشورى: ٥٠ [، وعن قتادة: زوج بعضهم بعضًا. (بِعِلْمِهِ) في موضع الحال، أى: إلا معلومة له. فإن قلت: ما معنى قوله: (وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ)؟ قلت: معناه: وما يعمر من أحد. وإنما سماه معمرًا بما هو صائر إليه. فإن قلت: الإنسان إما معمر، أى: طويل العمر، أو منقوص العمر، أى: قصيره. فأما أن يتعاقب عليه التعمير وخلافه فمحال، فكيف صح قوله: (وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ)؟ قلت: هذا من الكلام المتسامح فيه، ثقة في تأويله بأفهام السامعين، واتكالًا على تسديدهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (إلا معلومة)، أي: هو حالٌ من ﴿أُنثَى﴾ فاعل ﴿تَحْمِلُ﴾ و ﴿تَضَعُ﴾، و ((مِنْ)) زائدة، لأنّ ((ما)) نافية. فإن قلت: سياقُ الكلام يقتضي أن يكونَ حالاً من المحمولِ والموضوعِ لأنهما مفعولانِ مُقدَّرانِ، والكلام فيهما لا في الأنثى، لقوله: ﴿خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ و ﴿جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾. قلت: لا يخلو المُقدَّرُ أن يكونَ منويًا أوْ لا، فإن كان الثاني فلا يقَعُ عنه الحالُ، وإن كانَ الأول فإثباتُ العلْمِ على المحمولِ والموضوعِ بإثباتِ العلم بالحاملِ والواضعِ لأجْلِها أبلَغُ من إثباتِه لهما ابتداءً، كما سبق في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: ٢٨]، والذي يَقتضيه مقامُ الخطابِ بقولهِ: ﴿خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ وقوله: ﴿جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ هذا الثاني كما سَيجيء. قولُه: (هذا من الكَلام المُتسامَح فيه، ثقةً في تأويلهِ بأفهامِ السامعين) وعن بعضِهم: مثالُه قولُ القائل: له عليَّ درهمٌ ونِصْفُه، فإنّ الضميرَ يعودُ إلى درهمٍ آخر. وفي ((المطلع)): قال الفرّاء: يريد آخرَ غيرَ الأولِ فكَنى عنه كأنه الأولُ، لأنّ لفْظَ الثاني لو ظهر كان كالأول، وجازَ لأمنِ الإلباسٍ، كأنه قيل: لا يطولُ عُمُر أحدٍ ولا ينقُصُ من عُمرِ أحدٍ، وهذا كما يقال: ما تنعَّمُتُ بلدًا ولا اجتَويتُه، أي: اجتويْتُ بلدًا آخر.

стр. 6815

معناه بعقولهم، وأنه لا يلتبس عليهم إحالة الطول والقصر في عمر واحد، وعليه كلام الناس المستفيض؛ يقولون: لا يثيب الله عبدًا، ولا يعاقبه إلا بحق. وما تنعمت بلدًا ولا اجتويته إلا قل فيه ثوائى. وفيه تأويل آخر: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الجوهري: النَّعْمة بالفَتْح: التنعّم، يقال: نَعّمه الله فتنَعَّم، ويقال: أتيتُ أرضَ فلان فتنَعَّمَتْني: إذا وافَقته، واجتويتُ المقام: إذا كرِهْتَ المُقامَ فيه. قولُه: (لا يُثيب الله)، إلى آخره، فيه اعتزالٌ خَفِيٌّ وذلك أن مذهبَهم: أن استحقاقَ العقابِ بالكبيرةِ يحبطُ استحقاقَ الثوابِ بالطاعة، فعلى هذا لا يجتمعُ الثوابُ والعقابُ في شخص واحد، وأما عندَ أهلِ السّنةِ فلا يبعُدُ ذلك، لأن أهلَ النارِ من العاصِين لا يُخلَّدون فيها. وقال القاضي: المعنى: ما يُمَدُّ من عُمرٍ يُصَيِّرهُ إلى الكِبَرِ ولا يُنْقِصُ من عمرِ المنقوصِ عُمُرُه بجَعْلِه ناقصًا، والضميرُ له وإن لم يُذكر لدلالةِ مقابلِه عليه. وهذا قريبٌ من الوجهِ الأول في المعنى. قولهُ: (وفيه تأويلٌ آخَرُ)، إلى آخره. وقلت: القولُ الجامعُ فيه يظهَرُ من بيانِ النظمِ والعلمُ عند الله؛ وذلكَ أنه ذكرَ في هذهِ الآيةِ الكريمةِ سائرَ أحوالِ الإنسانِ وتَقلُّبَه في أطوارٍ مختلفةٍ مما هو أصولُها ويُعرفُ منه توابعُها ولواحقُها على مراتبَ ثلاثٍ كما هو عليه في الوجود، وسُلِكَ فيه فنٌّ غريبٌ وأسلوبٌ عجيب، حيثُ أُخْرِجَ في جُملٍ ثلاثٍ على طريقٍ يُنبئُ عن صفاتِ جَلالِه وحُسنِ تدبيرِه مِنَ القُدرةِ الكاملةِ والعلم الشاملِ وثبوتِ القضاءِ والقدرِ بحَسب تلك المراتب، فبدأَ أوّلاً بقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ إظهارًا لتصرُّفهِ فيه تلك الأطوار، وثَنّى بقولِه: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ بيانًا للطْفِ علْمِه ونفوذِه فيما هو مِن أدقِّ أحوالِ الإنسانِ من عُلْقَةِ النطفةِ حينَ المباشرةِ واستقرارها في مكانة الرحِم، ثم ما تكابدُ الأنثى من ثِقَلِ الحمْلِ ومُقاساةِ شِدَّتِه وما يَجري عليها عند الوضع من وجع المَخاض، وما تلَطَّفَ عليها من الخلاصِ من

стр. 6816

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تلك الورطةِ المُهلكة، وثَلَّث بقوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ﴾ على إرادةِ وما يُعَمَّرُ منكم أيُّها الإنسان مَنْ يُعَمَّرُ ﴿لَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ إثباتًا لقضائهِ وقَدَرِه وأنَّ ما هو من خويصّةِ الإنسانِ الذي هو أعظمُ مطالبِه ليس إليه بل إلى الله وإلى قضائه، وأنه مُثبتٌ عنده لا يزيدُ ولا ينقصُ عما هو عليه ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]. فعُلِمَ من قولِنا خُوَيْصّةِ الإنسانِ أنَّ ((مُعمَّرًا)) محمولٌ على الجنس، أي: ما مِنْ شأنِه أن يُعَمَّرَ وأن يُنْقَصَ من عُمرِه وإليه يُنظر قولُ أبي الطيب: ومَقانبٍ بمَقانبٍ غادَرْتها … أقواتُ وحشٍ كُنَّ من أقواتها فإنّ الوحشَ منها جنسٌ شائعٌ في مأكولِ اللحم وغيرِه شَرْعاً؛ ليصحَّ أن يكونَ قوتًا للإنسانِ، والإنسانُ له أحرى وإلا لَزِمَ أن يكونَ الأكلُ عَيْنَ المأكول، ولأنّ عوْدَ الضميرِ من ((كُنَّ)) إلى الوحشِ يوجبُ أن يكونَ جِنسًا. وإما بمعنى الزيادةِ في العمرِ بالصدقةِ وصلَةِ الرحِمِ على ما وردَ عليه الألفاظُ النبوية فَبيانٌ وإعلامٌ لما قُدِّرَ في الكتابِ من مَدِّ العَمرِ ونُقصانِه وما يتَّصلُ بهما من الأسبابِ المُثبتةِ فيه وينصرُه ما رَوَيْنا عن التِّرمذي عن أبي خِزامةَ قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أرأيتَ رُقي نَسْترقي بها، ودواءً نَتداوى بها، وتقاةً نتَّقيها هل تَردُّ مِن قَدَرِ الله شيئا؟ قال: ((هو مِنْ قَدَر الله)). وأما معنى قولِ كعب: فهو أنَّ عمرَ ﵁ لو دَعا الله ووافَقه القَدرُ لأُخِّرَ في أجَلِه لأنه كان رفيعَ القَدْرِ مُستجابَ الدعوة. ونَحْوُه ما رَوى البخاريُّ ومُسلم وأبو داودَ والنَّسائي عن أنس بن مالك: أنَّ الرُّبَيِّعَ عَمَّتَه كَسَرتْ ثَنِيّةَ جاريةٍ فطلبوا إليها العَفْوَ فأَبوْا، فعَرضوا الأَرْشَ، فأَتوْا رسولَ الله ﷺ وأبَوْا إلا القِصاص، فأمرَ رسولُ الله ﷺ بالقِصاص، فقال أنسُ ابنُ النَّضْر: يا رسولَ الله أتُكْسَرُ ثَنِيّةُ الرُّبَيِّعِ؟ ! لا والذي بعثَك بالحقِّ لا تُكْسَرُ

стр. 6817

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثَنِيُّتُها. فقال رسولُ الله ﷺ : ((يا أنسُ، أليسَ كتابَ الله القِصاصُ؟ فرضِيَ القوم فعفَوْا، فقال رسولُ الله ﷺ : ((إنَّ مِنْ عبادِ الله مَنْ لو أقسَمَ على الله لأبرَّه))، هذه روايةُ البخاريِّ، وروى مسلمٌ قريبًا منه. وأما قولُه: فقد قال: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ﴾ في جواب من قال: أليس قد قال الله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]، فتفسيرُه ما روى مُحيي السُّنة في ((المعالم)) بعد هذا المذكورِ في ((الكشاف)): فقيل له: إنّ الله يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فقال: هذا إذا حضرَ الأجلُ، فأمّا ما قبلَ ذلك فيجوزُ أن يُزادَ ويُنقَصَ، وقرأ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. وروى الشيخُ مُحيي الدِّين في ((شرح صحيح مسلم)) عن بعضِ العُلماءِ أنه قال: قد تقرَّرَ بالدلائلِ القاطعةِ أنّ الله تعالى عالمٌ بالآجالِ والأرزاقِ وغيرِها، وحقيقةُ العلم: معرفةُ المعلومِ على ما هو به، فإذا علِمَ الله تعالى أنَّ زيدًا يموتُ سنةَ خمس مئةٍ استحالَ أن يموتَ قبْلَها أَو بعْدَها، فاستحالَ أنّ الآجالَ التي عليها عِلْمُ الله أن تزيدَ أو تنقصُ، فتعيَّن تأويلُ الزيادةِ أنّها بالنسبةِ إلى ملَكِ الموتِ أو غيرِه ممّن وكِّلَ بقَبْضِ الأرواحِ وأمرَهُ بآجالٍ محدودة، فإنه تعالى بعد أن يأمُرَه بذلك أو يثبتَ في اللوح المحفوظ ينقصُ منه أو يزيدُ على ما سبقَ به علمُه في كلِّ شيء، وهو معنى قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، وعلى ما ذكرناه يُحملُ قولُه: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ﴾ [الأنعام: ٢]. وقال الراغب: القضاءُ من الله أخصُّ من القدر؛ لأنّه الفَصْلَ بين التقدير، والقدر هو التقدير، والقضاء هو التفصيلُ والقطع، وقد ذكر بعضُ العلماءِ أنَّ القَدَر بمَنزلة المُعَدِّ للكَيْل، والقضاء بمنزلة الكيل، ولهذا قال أبو عُبيدةَ لعُمر ﵄ لما أرادَ الفِرار من الطاعون بالشام: أتفِرُّ من القضاء؟ قال: أفِرُّ مِن قَضاءِ الله إلى قَدَرِ الله، تنبيهًا على أنّ القَدَر

стр. 6818

وهو أنه لا يطول عمر إنسان ولا يقصر إلا في كتاب، وصورته: أن يكتب في اللوح: إن حج فلان أو غزا فعمره أربعون سنة، وإن حج وغزا فعمره ستون سنة، فإذا جمع بينهما فبلغ الستين فقد عمر. وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز به الأربعون، فقد نقص من عمره الذي هو الغاية، وهو الستون. وإليه أشار رسول الله ﷺ في قوله: «إن الصدقة والصلة تعمران الديار، وتزيدان في الأعمار» وعن كعب: أنه قال حين طعن عمر رضى الله عنه: لو أن عمر دعا الله لأخر في أجله، فقيل لكعب: أليس قد قال الله: (إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَاخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)] يونس: ٤٩ [؟ قال: فقد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ما لم يكن قَضاءً فمرجُوٌّ أن يدفَعَه الله فإذا قُضِيَ فلا مَدْفَع له ويشهَدُ لذلك قوله : ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١، ] وقوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]، تنبيهًا على أنه صار بحيثُ لا يُمكنُ تَلافيه. وقلت: ذكر صاحبُ ((التاريخ الكامل)): أن عُمَر بن الخطاب ﵁ قَدِم الشامَ، فلما كان بسَرْغٍ لقيَه أُمراءُ الأجنادِ فيهم أبو عبيدة بن الجرّاح، فأخبروه بالوَباءِ وشِدّتِه، وكان معه المهاجرون والأنصار فاستشارهُم فاختلفوا عليه، فنادى عمرُ في الناس: إني مُصْبِحٌ على ظَهْرٍ، فقال أبو عُبيدة: أفرارًا من قدرِ الله تعالى؟ فقال عمر: لو غيرُك قالَها يا أبا عُبيدة! نَعم نفِرُّ من قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله، أرأيْتَ لو كان لك إبِلٌ فهَبَطْتَ واديًا له عُدْوتان: إحداهما: خِصْبة، والأُخرى: جَدْبة، أليسَ إن رعَيْتَها الخِصْبَة رعَيْتها بقَدرِ الله، وإن رعَيْتَ الجَدْبَة رعَيْتَها بقَدرِ الله تعالى، فسمِعَ بهم عبدُ الرحمن بن عوف فأخبرَه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: ((إذا سمِعْتُم بهذا الوباءِ ببلدٍ فلا تخرُجوا فرارًا منهُ)) فانصرفَ عُمر بالناسِ إلى المدينة. والروايةُ الأخيرةُ أخرجَها البخاريّ ومسلم في ((صحيحَيْهِما))، والأولى مختصرةٌ من ((صحيحِ البخاريِ)) عن ابن عباس.

стр. 6819

قال الله: (وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ). وقد استفاض على الألسنة: أطال الله بقاءك، وفسخ في مدتك، وما أشبهه. وعن سعيد بن جبير رضى الله عنه: يكتب في الصحيفة: عمره كذا وكذا سنة، ثم يكتب في أسفل ذلك: ذهب يوم، ذهب يومان، حتى يأتى على آخره. وعن قتادة: المعمر من بلغ ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة. والكتاب: اللوح. عن ابن عباس رضى الله عنهما: ويجوز أن يراد بكتاب الله علم الله، أو صحيفة الإنسان. وقرئ: (ولا ينقص) على تسمية الفاعل. (من عمره) بالتخفيف. [(وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَاكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)] ١٢ [ ضرب البحرين -العذب والملح- مثلين للمؤمن والكافر، ثم قال على سبيل الاستطراد في صفة البحرين وما علق بهما من نعمته وعطائه: (وَمِنْ كُلٍّ)، أى: ومن كل واحد منهما (تَاكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا): وهو السمك، (وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً): ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (العَذْبَ والمِلْح)، الراغب: المِلْح: الماءُ الذي تغيَّرَ طَعْمُه التغيُّرَ المَعْروف وتَجمَّدَ، ويُقالُ له: ملح إذا تغيَّرَ طعْمُه وإن لم يتجمّد، فيقال: ماءٌ مِلْحٌ، وقلّما تقولُ العربُ: ماءٌ مالحٌ، قال تعالى: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾، وملّحْتُ القدْرَ: ألقيْتُ فيها المِلْحَ، ثم استُعيرَ من لفظِ الملْحِ المَلاحة، فقيل: رجُلٌ مَليحٌ وذلك راجعٌ إلى حسنٍ يغمضُ إدراكه. قولُه: (على سبيلِ الاستطرادِ)، عن بعضِهم: وذلك لأنّه لما ضربَ البَحْرَ الملْحَ مثلاً للكافرِ وكان لا يناسبُ وَصْفَه بما يشعرُ بمَدْحِه؛ لأنه في معرضِ الذمِّ، استعذرَ بأنّه على سبيلِ الاستطرادِ، مثالُه: أن يذهبَ الرجلُ إلى موضعٍ مخصوصٍ صائدًا، فيعرضُ له صيدٌ آخر، فاشتغلَ به، فأعرضَ عن الصيدِ الأولِ، وفيه بحث.

стр. 6820

وهي اللؤلؤ والمرجان. (وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ): في كل (مَواخِرَ): شواق للماء بجريها، يقال: مخرت السفينة الماء. ويقال للسحاب: بنات مخر، لأنها تمخر الهواء. والسفن الذي اشتقت منه السفينة قريب من المخر؛ لأنها تسفن الماء كأنها تقشره كما تمخره. (مِنْ فَضْلِهِ): من فضل الله، ولم يجر له ذكر في الآية، ولكن فيما قبلها، ولو لم يجر لم يشكل؛ لدلالة المعنى عليه. وحرف الرجاء مستعار لمعنى الإرادة، ألا ترى كيف سلك به مسلك لام التعليل، كأنما قيل: لتبتغوا، ولتشكروا. والفرات: الذي يكسر العطش. والسائغ: المريء السهل الانحدار لعذوبته. وقرئ: (سيغ) بوزن سيد، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (بناتُ مَخْرٍ)، عن بعضِهم: بناتُ مَخْرٍ: سحائبُ رِقاقٌ بيضٌ ينشأن في أيامِ الربيع، ويقال: بناتُ بَحْرٍ، بالباءِ والحاءِ المهملة؛ لأن معناه السقّ، يقال: شَقّه، أي: قَشَره، والسَّفْن: الذي اشتُقَّت منه السفينة. الجوهري: السَّفن: ما يُنْحَتُ به الشيء، قال: وأنتَ في كَفِّك المِبْراةُ والسَّفَن أي: أنتَ نَجّار. وفي ((الأساس)): بَرى العودَ بالسَّفَن، وهو مِبراةُ السِّهام، ومنه السفينة؛ لأنها تسفِنُ الماءَ كما تَمْخُرُه. قولُه: (وحرفُ الرجاءِ مستعار لمعنى الإرادة)، أو هو تمثيلٌ، شَبَّه معاملتَه مع المكلَّفين فيما منحَهم من الاختبارِ الظاهرِ وابتلائِهم بالبلوى بصورةِ مَنْ يرجو ويأمُل، وإنما خولفَ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه، أي: ﴿لِنَبْتَغُوا﴾ و ﴿لَعَلَّكُمْ﴾، ليؤذِنَ بأنّ المرادَ بالشكر: العبادةُ والتقوى، كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وليس كذلك ابتغاءُ الفضلِ، فناسبَ أن يُجاءَ في كُلٍّ بما يُناسبه. قولُه: (والفُراتُ: الذي يكسِرُ العطش)، الراغب: الفراتُ: الماءُ العَذْب. يقالُ للواحدِ

стр. 6821

و (سيغ) بالتخفيف؛ و (ملح): على فعل. والأجاج: الذي يحرق بملوحته. ويحتمل غير طريقة الاستطراد: وهو أن يشبه الجنسين بالبحرين، ثم يفضل البحر الأجاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والجمعِ. والأُجاجُ: شديدُ الملوحة والحَرارةِ، مِن قولهم: أجيج النار وأَجَّتها، وقد أجَّت، وائتجّ النهار، ويأجوجُ ومأجوجُ منه شُبِّهوا بالنارِ المضطرمةِ والمياهِ المتوّجة؛ لكثرة اضطرابِهم، وأجّ الظَّليم: إذا عدا أجيجًا تشبيهًا بأجيجِ النار. قولُه: (ويحتملُ غيرَ طريقة الاستطراد)، وفي اتصال ﴿وَمِن كُلٍّ تَاكُلُونَ﴾ بما قَبْلَه وجوه: أحدُهما: أن يكونَ مُستطرَدًا وذلك إذا لم يُنظر إلى التمثيلِ أي: المُمثَّل والمُمثَّلِ به بل إلى نفس المُمثَّلِ به فلما قيل: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ أوردَ قوله: ﴿وَمِن كُلٍّ تَاكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ في الذكرِ من غيرِ قَصْد، ولما كان له نوعُ تعلَّقٍ بأصلِ الكلام أي: ما عُطِفَ عليه وهو الممثَّلُ به بالواو. وثانيها: أن يكونَ ترشيحًا للاستعارةِ، لأنه تفريعٌ على المستعار منه بعد الفراغِ من الاستعارة، ومُصَحِّحُه خَلْقُ النفع في المُشَبَّه دون المُشَبَّه به، وموقعُه موقعُ التتميم صيانةً لحقِّ البحرِ لأنّ في تشبيهِ الكافرِ بالبحْرِ المالح إيذانًا بهَضْمِ جانبهِ، وهو المُراد مِنْ قوله: أن يُشَبَّه الجنسَيْن بالبحرَيْن، ثم يفضِّلَ البَحْرَ الأجاجَ على الكافر. نظيرُه في الاستدراك صيانةُ قوله: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤]. وثالثها: أن يكونَ من تَتِمّةِ التمثيل: إمّا مُركَّبٌ وَهْمي، أو مُركَّبٌ عقلي، وعلى الأولِ كانَ مُفردًا عَقْليًّا. قال القاضي: وهو استطرادٌ أو هو تمامُ التمثيلِ. والمعنى: كما أنهما وإن اشتركا في بعض الفوائد لا يتساويان فيما هو المقصود بالذات؛ لأنه خالط أحد الماءين ما أفسده وغَيَّر مِن كمال فِطْرته، وكذا لا يساوي المؤمنُ الكافرَ وإن اتفقَ اشتراكُهما في بعض الصفاتِ

стр. 6822

على الكافر؛ بأنه قد شارك العذب في منافع من السمك واللؤلؤ، وجرى الفلك فيه، والكافر خلو من النفع، فهو في طريقة قوله تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)] البقرة: ٧٤ [، ثم قال: (وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله)] البقرة: ٧٤ [. [(يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ)] ١٣ [ (ذلِكُمُ) مبتدأ، و (الله رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ) أخبار مترادفة. أو (الله رَبُّكُمْ) خبران، و (له الملك) جملة مبتدأة واقعة في قران قوله: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ)، ويجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله صفة لاسم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كالشجاعةِ والسَّخاوةِ والعِفّةِ، لاختلافِهما فيما هو الخاصِّيةُ العُظمى وبقاءِ أحدِهما على الفطرةِ الأصليةِ دون الآخر. قولُه: (﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ جملةٌ مبتدأة واقعة في قِرانِ قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ﴾)، وعلى الأول داخلٌ في حَيِّزِ الحُكمِ المُعَلَّل، أي: ذلكم الموصوفُ بتلكَ الصفاتِ التي أُجرِيَت عليه مُستَحق؛ لِأنْ يُعبَد ويُتَّخَذَ مالكًا، ويُخَّصّ بالعبادةِ دونَ الغير، فقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ عطف على: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ وعلى الثاني قوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ يكون مستأنفا مُقَرِّرًا للجُملِ السابقة من قوله: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ﴾ وقوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ﴾، ويكون قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ حالاً من الضميرِ المستَقرِّ في الظرف.

стр. 6823

الإشارة، أو عطف بيان، و (ربكم) خبرا لولا أن المعنى يأباه. والقطمير: لفافة النواة؛ وهي القشرة الرقيقة الملتفة عليها. [(إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)] ١٤ [ إن تدعوا الأوثان (لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ)؛ لأنهم جماد (وَلَوْ سَمِعُوا) على سبيل الفرض والتمثيل لـ (مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ)؛ لأنهم لا يدعون ما تدعون لهم من الإلهية، ويتبرءون منها. وقيل: ما نفعوكم: (يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ). (وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ): ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل خبير عالم به. يريد: أن الخبير بالأمر وحده هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به. والمعنى: أنّ هذا الذي أخبرتكم به من حال ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (لولا أنّ المعنى يأباه)، عن بعضِهم: إنما يأباه؛ لأن ﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارةٌ إلى معلومٍ سبقَ ذكْرُه، وكونُه صِفةً أو عطفَ بيانٍ يقتضي أن يكونَ فيما سبقَ ضَرْبُ إبهام، وفيه نظر بحَسبِ كونِه صفة، وأما جَعْلُه عطفَ بيانٍ ففيه تخييلٌ للشركة، ألا ترى إذا قلت: ذلك الرجلُ سَيِّدُك، ففيه نوْعُ شركة؛ لأنّ ((ذا)) اسمٌ مُبهَمٌ ثم تُبيِّنُه. وقلتُ: ويُمكنُ أن يقال: إنّ المشارَ إليه الإشارةِ ما سبق، كما قررناه آنفًا، ولو جُعِلَ موصوفًا أو مُبيَّنًا لكان المشارُ إليه ما بعْدَه، فلا يبقى ذلك الترتيبُ المُعتبر، وهو أنّ ما قبله جَديرٌ بما بعدَه لأجل إجراءِ تلك الصفاتِ عليه، إذ المعنى: ذلك الموصوفُ بتلك الصفاتِ الممُيَّزةِ والنعوتِ الكاملةِ هو العبودُ المستحِقُّ للعبادةِ المالكُ المُتفرِّدُ بالإلهية، ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾، وفيه: أنْ ليسَ كلُّ ما يصحُّ إعرابًا كان وَجْهًا؛ لأنّ الإعرابَ تابعٌ للمعاني ولا ينعكس. قولُه: (وقيل: ما نفعوكم)، عَطْفٌ على قولِه: ﴿لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ لأنهم جَماد، أي: ما نَفعوكم لعدمِ قُدرتِهم على شيء، وذلك أنّ المرادَ بالدعاءِ طلبُ النفع. قولُه: (يريدُ أنّ الخبيرَ بالأمرِ وحده هو الذي يخبرُك بالحقيقة)، هذا الاختصاصُ يُفيده

стр. 6824

الأوثان هو الحق؛ لأنى خبير بما أخبرت به. وقرئ: (يدعون)، بالياء والتاء. [(يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله وَالله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ)] ١٥ - ١٧ [ فإن قلت: لم عرف الفقراء؟ قلت: قصد بذلك أن يريهم أنهم لشدة افتقارهم إليه هم جنس الفقراء، وإن كانت الخلائق كلهم مفتقرين إليه من الناس وغيرهم؛ لأن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لفظُ ﴿مِثْلُ﴾، ووَضْعُ ﴿خَبِيرٍ﴾ موضعَ المَضْمَر، قال مُحيي السُّنّة: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي: لا يُنبِّئُك أحدٌ مثلي خَبير. وقلتُ: نظيرُه ما إذا أخبرَكَ بالأمرِ مُخبرٌ صادقٌ مُتقِنٌ في الأمور، ثم قالَ بعْدَه: ما يُخبركَ به مِثْلُ خبير، أي: مثلي، يعني: أنا مُختصٌّ به فلا تسأَلْ عن غيري، فالمعنى: لا يُخْبِرُ بالأمرِ مُخبرٌ هو مثْلُ الخبيرِ العالمِ الذي لا تخفى عليه خافيةٌ في الأرضِ ولا في السماءِ، ولا يعزُبُ عن عِلْمِه مثقالُ ذرّة. قولُه: (وقُرِئَ: ﴿تَدْعُونَ﴾ بالتاء والياء)، بالتاءِ الفوقانية: العامة، والياءُ: شاذّة. قولُه: (أن يُرِيَهم أنَّهم لشدَّةِ افتقارِهم إليه هم جنسُ الفقراء)، يريد: أنه تعالى أوقعَ الفقراءَ خبرًا لـ ﴿أَنتُمُ﴾ وهو محلّى بلامِ الجنسِ وهو يفيدُ الاختصاص، وأنّ غيرَهم من المخلوقاتِ ليس كذلك، وليسَ كذلك؛ لأنّ الخلائقَ كلَّهم مُفْتَقرون إليه، لكنْ سلكَ فيه المبالغةَ وأن افتقارَ غيرِهم بالنِّسبةِ إلى افتقارِهم كَلا افتقار، وإليه الإشارةُ بقوله: ((وإن كانتِ الخلائقُ كلُّهم مُفْتقرين إليه)). قال صاحب ((الفرائد)): الوجه أن يُقالَ -والله أعلم-: المرادُ الناسُ وغيرُهم، وهو على طريقةِ تغليبِ الحاضرِ على الغائبِ وأُولى العلْمِ على غيرهم، كما في قولِه تعالى: ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا﴾ [الصافات: ١١]، يريدُ أولي العقل وغَيْرَهم، وهو كما أنَّ واحدًا من

стр. 6825

الفقر مما يتبع الضعف، وكلما كان الفقير أضعف كان أفقر، وقد شهد الله سبحانه على الإنسان بالضعف في قوله: (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً)] النساء: ٢٨ [، وقال: (الله الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ)] الروم: ٥٤ [؛ ولو نكر لكان المعنى: أنتم بعض الفقراء. فإن قلت: قد قوبل (الفقراء) بـ (الغنى)، فما فائدة (الحميد)؟ قلت: لما أثبت فقرهم إليه وغناه عنهم، وليس كل غنى نافعًا بغناه إلا إذا كان الغنىّ جوادًا منعمًا، فإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم، واستحق عليهم الحمد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ القومِ حاضرٌ وهو زيد، وبقيَّتُهم غيرُ حاضرين فقالَ له مَنْ هو حاكمٌ على القوم بعد أن عَدَّ عليه نِعَمَه في حقِّ القوم وأظهَرَ لأنهم لا يمتثِلون أمْرَهُ ولا يمتنعون عما نهاه: يا زَيْدُ أنتُم المحتاجونَ إليَّ في حصولِ فائدةِ ما أمرتُكم به وحصولِ فائدةِ ما نهيتُكم عنه، وفي غيرِهما من كل الوجوه، لا أنا محتاجٌ إليكم في حصولِ فائدتِهما أو في شيءٍ غيرِهما، لأني غَنِيٌّ على الإطلاق، حَميدٌ على الإطلاق، لا يرجعُ إليَّ نفْعٌ من أمثالِكم ولا مَذَمّةٌ من تقصيرِكم، وبعضُهم غيرُ مأمورٍ وغيرُ مَنْهيّ، إلا أنَّ الكلَّ مُفْتقرٌ إليه من جميعِ الوجوه، وهو غنيٌّ عن الكلِّ بجميعِ الوجوهِ، وهو الذي أرادَ مِن قوله: ﴿أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ والله الهادي. وقلت: الذي يقتضيهِ النظمُ -والله أعلم-: أن يُحملَ التعريفُ في ﴿الْنَّاسُ﴾ على العهد، وفي ﴿الْفُقَرَاءُ﴾ على الجنس؛ لأنّ المخاطبينَ هم الذين خوطبوا في قوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ أي: ذلكم المعبودُ وهو الذي وُصِفَ بصفاتِ الجلالِ لا الذين تدعون من دونِه، وأنتُم أشدُّ الخلائق احتياجًا إليه، وهو غنيٌّ عنكم وعن عبادتِكم؛ لأنه حَميدٌ يحمَدونه وإن لم تَحْمدوه أنتم، وهو المرادُ من قوله: ((الحميد على ألسنةِ مؤمنيهم))، ويؤيِّدُه قولُه: ﴿إِن يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وتَفْسيرُه بقولِه: وهذا غَضَبٌ عليهم لاتخاذِهم له أندادًا، ولأنّ القَصْدَ من الإيرادِ إظهارُ كمالِ استغنائِهم عما يَدْعونه من دونِ الله وكمالِ افتقارِهم إلى الله ، وغايةِ عَجْزِهم وعِظَمِ قُدرتِه.

стр. 6826

ذكر الحميد؛ ليدل به على أنه الغنى النافع بغناه خلقه الجواد المنعم عليهم، المستحق بإنعامه عليهم أن يحمدوه. (الحميد) على ألسنة مؤمنيهم. (بِعَزِيز): ٍ بممتنع، وهذا غضب عليهم؛ لاتخاذهم له أندادًا، وكفرهم بآياته ومعاصيهم، كما قال: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ)] محمد: ٣٨ [، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: يخلق بعدكم من يعبده لا يشرك به شيئًا. [(وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى الله الْمَصِيرُ)] ١٨ [ الوزر والوقر أخوان؛ ووزر الشيء: إذا حمله. والوازرة: صفة للنفس، والمعنى: أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي اقترفته، لا تؤخذ نفس بذنب نفس، كما تأخذ جبابرة الدنيا الولي بالولى، والجار بالجار. فإن قلت: هلا قيل: ولا تزر نفس وزر أخرى؟ ولم قيل (وازرة)؟ قلت: لأن المعنى: أن النفوس الوازرات لا ترى منهن واحدة إلا حاملة وزرها، لا وزر غيرها. فإن قلت: كيف توفق بين هذا وبين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (ذكرَ الحَميدَ؛ ليدلَّ به على أنَّه الغنيُّ النافع بغِناه خَلْقَه)، وهو من التكميلِ، كقولِ كَعْب الغَنَوي: حليمٌ إذا ما الحِلْمُ زَيَّنَ أهْلَه … مع الحِلْمِ في عَيْنِ العَدوِّ مَهيبُ فإنّه رأى أنَّ الوصفَ بمُجَرَّدِ الحِلْم غيرُ واف، فكَمَّل بقَوْله: ((في عَيْنِ العدوِّ مَهيب)). قولُه: (لا ترى منهنَّ واحدةً إلا حاملةً وزْرَها، لا وِزْرَ غيرِها)، هو مثلُ قَوْلك: ما زيدٌ إلا قائمٌ لا قاعد.

стр. 6827

قوله: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ)] العنكبوت: ١٣ [؟ قلت: تلك الآية في الضالين المضلين، وأنهم يحملون أثقال إضلال الناس مع أثقال ضلالهم، وذلك كله أوزارهم ما فيها شيء من وزر غيرهم، ألا ترى كيف كذبهم الله تعالى في قولهم: (اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ)] العنكبوت: ١٢ [بقوله: (وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ)] العنكبوت: ١٢ [؟ فإن قلت: ما الفرق بين معنى قوله: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) وبين معنى (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ)؟ قلت: الأول في الدلالة على عدل الله تعالى في حكمه، وأنه تعالى لا يؤاخذ نفسًا بغير ذنبها، والثاني: في أن لا غياث يومئذ لمن استغاث، حتى أن نفسًا قد أثقلها الأوزار وبهظتها، لو دعت إلى أن يخفف بعض وقرها لم تجب ولم تغث، وإن كان المدعو بعض قرابتها من أب أو ولد أو أخ. فإن قلت: ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (ما الفرْقُ بين معنى قولِه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾) إلى آخره، توجيهُ السؤالِ أن يُقال: إذا كان معنى الأول: أنّ النفوسَ الوازراتِ لا ترى منهنَّ واحدةً إلا حاملةً وِزْرَها لا وِزْرَ غيرِها، وكان معنى الثاني: أنَّ النفسَ المُثقلَة بذنوبِها إن تَدْعُ نَفْسًا أخرى وندبت إلى حْمْلِها لا تحمِلُ ثِقَلَها رجعا إلى معنى واحد، فما الفرق؟ وأجاب: أنّ المقصودَ في الإيراد مفهومُهما وإظهارُ وصفَيْن من أوصافِ بارئِهما، دلَّ الأول على ظهورِ عَدْلِ الله، والثاني على ظهورِ الهيبةِ والجلال على طريقِ الكناية، كقولِه تعالى: ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، والمقام يَقْتضيه، لأنه لما قيل: ﴿إِن يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إظهارًا لغضبِه على المشركين، وأنه لا أحدَ يمنَعُهم من إمضاءِ قَهْرِه عليهم، وأتبَعَه بذكَرِ أهوالِ يومِ القيامة، فدَلَّ قولُه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ على عَدْلِه وأنه إن أهلكَهم فبشُؤم عَملِهم: مِنْ كفرِهم بآياتِ الله واتخاذِهم له أندادًا، لأنّ مِنْ شأنِ عَدْلِه أن لا يؤاخِذَ نفسًا إلا بذَنْبِها لا بذَنْبِ غيرِها، ومِنْ شأنِ عِزَّتِه أن لا يمنَعَه أحد عند صَدماتِ جلاله عما أراد وشاء، وإليه الإشارةُ بقوله: ((﴿بِعَزِيزٍ﴾: بممتنع)).

стр. 6828

إلام أسند (كان) في (وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى)؟ قلت: إلى المدعو المفهوم من قوله: (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ). فإن قلت: فلم ترك ذكر المدعو؟ قلت: ليعمّ ويشمل كل مدعوّ. فإن قلت: كيف استقام إضمار العام؟ ولا يصح أن يكون العام ذا قربى للمثقلة. قلت: هو من العموم الكائن على طريق البدل. فإن قلت: ما تقول فيمن قرأ: (وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى) على "كان" التامّة، كقوله: (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ)] البقرة: ٢٩٠ [؟ قلت: نظم الكلام أحسن ملاءمة للناقصة؛ لأنّ المعنى على أن المثقلة إن دعت أحدًا إلى حملها لا يحمل منه، وإن كان مدعوّها ذا قربى، وهو معنى صحيح ملتئم، ولو قلت: ولو وجد ذو قربى؛ لتفكك وخرج من اتساقه والتئامه، على أنّ هاهنا ما ساغ أن يستتر له ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (إلامَ أسندَ) هذا السؤالُ والجوابُ مُستدركٌ لقوله آنفًا: ((وإن كانَ المدعوُّ بعْضَ قرابتِها)). قولُه: (فلِمَ تُركَ ذكْرُ المَدْعوِّ؟ )، أي: مفعول ﴿تَدْعُ﴾ في قوله: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾. قولُه: (ليعمَّ ويشمَلَ كلَّ مَدْعوٍّ) أي: ممن يصحُّ أن يُدعى نحو المعبودِ بالحق والجن والإنس، ومما لا يصحُّ أن يُدْعى مثل الأصنام وغيرِها، ولو قُدِّرَ شيءٌ من ذلك لاختصَّ به ولفاتَ العُمومُ المراد. قولُه: (ولا يصحُّ أن يكونَ العامُّ ذا قربى)، يريد: أنَّ خبرَ ﴿كَانَ﴾: ﴿ذَا قُرْبَى﴾، فإذا جُعِلَ اسمُه أعمَّ منه لا يصحُّ حَمْلُه عليه. وخلاصةُ الجواب: أنَّ العامَّ على نوعَيْن: عامٌّ على وَجْهِ الشمول، وعامٌّ على وَجْهِ البدَل، والمرادُ هنا الثاني، فيكونُ المعنى: وإن تَدْعُ النفسُ المُثقَلةُ الناس: إمّا هذا وإما ذلك، لا يُحمَلُ منه شيءٌ وإن كان ذلك المَدْعوُّ ذا قُرْبى. قولُه: (لتفكّكَ وخرج عن اتِّساقه)، لأنَّ الجملةَ الشرطيةَ كالتتميمِ والمبالغةِ في أنْ لا غِياثَ البتّةَ، ولو قُدِّرَ المَدْعوُّ ذا قربى. روى مُحيي السُّنة: عن ابن عباس: يلقي الأبُ والأمُّ ابنَه فيقول: يا بُنيَّ احمِلْ عني

стр. 6829

ضمير في الفعل بخلاف ما أوردته. (بِالْغَيْبِ) حال من الفاعل أو المفعول، أى: يخشون ربهم غائبين عن عذابه، أو يخشون عذابه غائبًا عنهم. وقيل: بالغيب في السر. وهذه صفة الذين كانوا مع رسول الله ﷺ من أصحابه، فكانت عادتهم المستمرّة أن يخشوا الله، وهم الذين أقاموا الصلاة وتركوها منارًا منصوبًا وعلمًا مرفوعًا، يعنى: إنما تقدرعلى إنذار هؤلاء وتحذيرهم من قومك، وعلى تحصيل منفعة الإنذار فيهم دون متمرّديهم وأهل عنادهم. (وَمَنْ تَزَكَّى): ومن تطهر بفعل الطاعات وترك ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بَعْضَ ذُنوبي، فيقول: لا أستطيعُ حَسْبي ما عليّ. إذ لو قلت: إنْ تدْعُ النفسُ المثقلةُ إلى تخفيفِ ما عليها لا تجد أحدًا يُساعده، ولو وُجدَ ذا قُرْبى لا يحسُنُ ذلك الحُسْن. قولُه: (بخلافِ ما أوْرَدْتُه)، يعني: في قولِه: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، و ((ما)) في ((ما ساغَ)) بمعنى: الذي. قيل: وفيه نَظَر، لأنه يجوزُ أن يُقال: وإن كان الغَريمُ ذا عُسْرةٍ لدلالةِ السياق. نعَمْ يصحُّ أن يُقال: الإضمارُ هاهنا أوْلى لدلالِة ((إن تَدْعُ)) على المدعوِّ، بخلافِه ثَمَةَ، لأنه ليسَ في اللفظِ ما يدلُّ على الغريمِ، ولذلك لم يُقْرا في المشهورةِ هنا بالرفعِ وهُناكَ بالنصب. وعن بعضِهم: المعنى أنَّ مُسوِّغَ الاستتارِ هاهنا بخلافِ المُسوِّغ في ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، لأنه هاهنا جُملةٌ اعتراضية فارتبطَتْ بما قبْلَها، وفي تلك مُنقطعةٌ عما قَبْلها، بدليلِ ذكْرِ جوابِه لفظًا وهو ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. قولُه: (إنّما تَقْدِرُ على إنذارِ هؤلاء [وتحذيرهم] مِن قومِك .... دون متمرِّديهم)، إشارةٌ إلى أنّ بيانَ مواقع استعمالِه، لأن ((إنّما)) يُستعملُ في حُكْمٍ لا يُعْوِزُ تَحْقيقُه، ولا يخفى على مَنْ به مُسْكة أنّ الإنذارَ إنما يكون إنذارًا ويكون له تأثير إذا كان مع من يؤمن بالله والبعثِ والقيامةِ وأهوالِها، لا مع غَيْرِه. وبيانُه: أنه تعالى لما أظهرَ غَضَبَه على من اتَّخَذ من دونِ الله أندادًا بقوله: ﴿إِن يَشَأ

стр. 6830

المعاصي. وقرئ: (ومن ازكى فإنما يزكى)، وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم وإقامتهم الصلاة؛ لأنهما من جملة التزكى. (وَإِلَى الله الْمَصِيرُ) وعد للمتزكين بالثواب. فإن قلت: كيف اتصل قوله: (إِنَّما تُنْذِرُ) بما قبله؟ قلت: لما غضب عليهم في قوله: (إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ) أتبعه الإنذار بيوم القيامة وذكر أهوالها، ثم قال: (إِنَّما تُنْذِر) كأن رسول الله ﷺ أسمعهم ذلك، فلم ينفع؛ فنزل (إِنَّما تُنْذِرُ)، أو أخبره الله تعالى بعلمه فيهم. [(وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ الله يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ)] ١٩ - ٢٣ [ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يُذْهِبْكُمْ﴾ وأتبعَه الإنذارَ بيومِ القيامة وأهوالِها التفتَ إلى حبيبِه صلواتُ الله عليه ناعيًا له تمرُّدَهم وعِنادَهم وأنَّ الوعْظَ لا يُنْجِعُ فيهم، لأنَّهم لا يخافونَ عقابَه لأنهم جُهّالٌ لا يتفكَّرون في العاقبة، وإنما يُنْجِعُ فيمن يُوقنُ أنَّه لا بدَّ من المصيرِ إلى الله فيَخْشى عِقابَه وإليه ينظر قولُه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. قولُه: (مِن قومك) أي: مِن جَملةِ قومِك ومن بينهم، قيل: ((مِنْ)) للتبعيضِ، وهو حالٌ إمّا من قولِه: ((هؤلاء)): أو مِن ((هُم)) في ((تحذيرِهم))، والوجْهُ أن يكونَ المشارُ إليه بقولِه: ((هؤلاءِ)): ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم﴾، و ((مِن قومِك)) بيانٌ لاسمِ الإشارة حالٌ منه. وقلت: وإذا جُعِلَ ((مِنْ)) تبعيضًا، فالظاهرُ أنَّ ((مِنْ قومِك)) بدَلٌ مِنْ ((هؤلاء))، أي: إنّما تَقْدِرُ على إنذارِ بعضِ قومِك دونَ مُتمرِّديهم. قولُه: (وقُرِئَ: ((ومَن ازّكَّى)))، أصلُه: تزّكى، أدغمَ التاءَ في الزاي، ثم أتى بهَمْزةِ الوصلِ، ثم أُسْقِطَتْ في الدَّرْج.
следующие страницы →