← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

ذكر الحميد؛ ليدل به على أنه الغنى النافع بغناه خلقه الجواد المنعم عليهم، المستحق بإنعامه عليهم أن يحمدوه. (الحميد) على ألسنة مؤمنيهم. (بِعَزِيز): ٍ بممتنع، وهذا غضب عليهم؛ لاتخاذهم له أندادًا، وكفرهم بآياته ومعاصيهم، كما قال: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ)] محمد: ٣٨ [، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: يخلق بعدكم من يعبده لا يشرك به شيئًا. [(وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى الله الْمَصِيرُ)] ١٨ [ الوزر والوقر أخوان؛ ووزر الشيء: إذا حمله. والوازرة: صفة للنفس، والمعنى: أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي اقترفته، لا تؤخذ نفس بذنب نفس، كما تأخذ جبابرة الدنيا الولي بالولى، والجار بالجار. فإن قلت: هلا قيل: ولا تزر نفس وزر أخرى؟ ولم قيل (وازرة)؟ قلت: لأن المعنى: أن النفوس الوازرات لا ترى منهن واحدة إلا حاملة وزرها، لا وزر غيرها. فإن قلت: كيف توفق بين هذا وبين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (ذكرَ الحَميدَ؛ ليدلَّ به على أنَّه الغنيُّ النافع بغِناه خَلْقَه)، وهو من التكميلِ، كقولِ كَعْب الغَنَوي: حليمٌ إذا ما الحِلْمُ زَيَّنَ أهْلَه … مع الحِلْمِ في عَيْنِ العَدوِّ مَهيبُ فإنّه رأى أنَّ الوصفَ بمُجَرَّدِ الحِلْم غيرُ واف، فكَمَّل بقَوْله: ((في عَيْنِ العدوِّ مَهيب)). قولُه: (لا ترى منهنَّ واحدةً إلا حاملةً وزْرَها، لا وِزْرَ غيرِها)، هو مثلُ قَوْلك: ما زيدٌ إلا قائمٌ لا قاعد.

стр. 6827

قوله: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ)] العنكبوت: ١٣ [؟ قلت: تلك الآية في الضالين المضلين، وأنهم يحملون أثقال إضلال الناس مع أثقال ضلالهم، وذلك كله أوزارهم ما فيها شيء من وزر غيرهم، ألا ترى كيف كذبهم الله تعالى في قولهم: (اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ)] العنكبوت: ١٢ [بقوله: (وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ)] العنكبوت: ١٢ [؟ فإن قلت: ما الفرق بين معنى قوله: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) وبين معنى (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ)؟ قلت: الأول في الدلالة على عدل الله تعالى في حكمه، وأنه تعالى لا يؤاخذ نفسًا بغير ذنبها، والثاني: في أن لا غياث يومئذ لمن استغاث، حتى أن نفسًا قد أثقلها الأوزار وبهظتها، لو دعت إلى أن يخفف بعض وقرها لم تجب ولم تغث، وإن كان المدعو بعض قرابتها من أب أو ولد أو أخ. فإن قلت: ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (ما الفرْقُ بين معنى قولِه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾) إلى آخره، توجيهُ السؤالِ أن يُقال: إذا كان معنى الأول: أنّ النفوسَ الوازراتِ لا ترى منهنَّ واحدةً إلا حاملةً وِزْرَها لا وِزْرَ غيرِها، وكان معنى الثاني: أنَّ النفسَ المُثقلَة بذنوبِها إن تَدْعُ نَفْسًا أخرى وندبت إلى حْمْلِها لا تحمِلُ ثِقَلَها رجعا إلى معنى واحد، فما الفرق؟ وأجاب: أنّ المقصودَ في الإيراد مفهومُهما وإظهارُ وصفَيْن من أوصافِ بارئِهما، دلَّ الأول على ظهورِ عَدْلِ الله، والثاني على ظهورِ الهيبةِ والجلال على طريقِ الكناية، كقولِه تعالى: ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، والمقام يَقْتضيه، لأنه لما قيل: ﴿إِن يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إظهارًا لغضبِه على المشركين، وأنه لا أحدَ يمنَعُهم من إمضاءِ قَهْرِه عليهم، وأتبَعَه بذكَرِ أهوالِ يومِ القيامة، فدَلَّ قولُه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ على عَدْلِه وأنه إن أهلكَهم فبشُؤم عَملِهم: مِنْ كفرِهم بآياتِ الله واتخاذِهم له أندادًا، لأنّ مِنْ شأنِ عَدْلِه أن لا يؤاخِذَ نفسًا إلا بذَنْبِها لا بذَنْبِ غيرِها، ومِنْ شأنِ عِزَّتِه أن لا يمنَعَه أحد عند صَدماتِ جلاله عما أراد وشاء، وإليه الإشارةُ بقوله: ((﴿بِعَزِيزٍ﴾: بممتنع)).

стр. 6828

إلام أسند (كان) في (وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى)؟ قلت: إلى المدعو المفهوم من قوله: (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ). فإن قلت: فلم ترك ذكر المدعو؟ قلت: ليعمّ ويشمل كل مدعوّ. فإن قلت: كيف استقام إضمار العام؟ ولا يصح أن يكون العام ذا قربى للمثقلة. قلت: هو من العموم الكائن على طريق البدل. فإن قلت: ما تقول فيمن قرأ: (وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى) على "كان" التامّة، كقوله: (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ)] البقرة: ٢٩٠ [؟ قلت: نظم الكلام أحسن ملاءمة للناقصة؛ لأنّ المعنى على أن المثقلة إن دعت أحدًا إلى حملها لا يحمل منه، وإن كان مدعوّها ذا قربى، وهو معنى صحيح ملتئم، ولو قلت: ولو وجد ذو قربى؛ لتفكك وخرج من اتساقه والتئامه، على أنّ هاهنا ما ساغ أن يستتر له ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (إلامَ أسندَ) هذا السؤالُ والجوابُ مُستدركٌ لقوله آنفًا: ((وإن كانَ المدعوُّ بعْضَ قرابتِها)). قولُه: (فلِمَ تُركَ ذكْرُ المَدْعوِّ؟ )، أي: مفعول ﴿تَدْعُ﴾ في قوله: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾. قولُه: (ليعمَّ ويشمَلَ كلَّ مَدْعوٍّ) أي: ممن يصحُّ أن يُدعى نحو المعبودِ بالحق والجن والإنس، ومما لا يصحُّ أن يُدْعى مثل الأصنام وغيرِها، ولو قُدِّرَ شيءٌ من ذلك لاختصَّ به ولفاتَ العُمومُ المراد. قولُه: (ولا يصحُّ أن يكونَ العامُّ ذا قربى)، يريد: أنَّ خبرَ ﴿كَانَ﴾: ﴿ذَا قُرْبَى﴾، فإذا جُعِلَ اسمُه أعمَّ منه لا يصحُّ حَمْلُه عليه. وخلاصةُ الجواب: أنَّ العامَّ على نوعَيْن: عامٌّ على وَجْهِ الشمول، وعامٌّ على وَجْهِ البدَل، والمرادُ هنا الثاني، فيكونُ المعنى: وإن تَدْعُ النفسُ المُثقَلةُ الناس: إمّا هذا وإما ذلك، لا يُحمَلُ منه شيءٌ وإن كان ذلك المَدْعوُّ ذا قُرْبى. قولُه: (لتفكّكَ وخرج عن اتِّساقه)، لأنَّ الجملةَ الشرطيةَ كالتتميمِ والمبالغةِ في أنْ لا غِياثَ البتّةَ، ولو قُدِّرَ المَدْعوُّ ذا قربى. روى مُحيي السُّنة: عن ابن عباس: يلقي الأبُ والأمُّ ابنَه فيقول: يا بُنيَّ احمِلْ عني

стр. 6829

ضمير في الفعل بخلاف ما أوردته. (بِالْغَيْبِ) حال من الفاعل أو المفعول، أى: يخشون ربهم غائبين عن عذابه، أو يخشون عذابه غائبًا عنهم. وقيل: بالغيب في السر. وهذه صفة الذين كانوا مع رسول الله ﷺ من أصحابه، فكانت عادتهم المستمرّة أن يخشوا الله، وهم الذين أقاموا الصلاة وتركوها منارًا منصوبًا وعلمًا مرفوعًا، يعنى: إنما تقدرعلى إنذار هؤلاء وتحذيرهم من قومك، وعلى تحصيل منفعة الإنذار فيهم دون متمرّديهم وأهل عنادهم. (وَمَنْ تَزَكَّى): ومن تطهر بفعل الطاعات وترك ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بَعْضَ ذُنوبي، فيقول: لا أستطيعُ حَسْبي ما عليّ. إذ لو قلت: إنْ تدْعُ النفسُ المثقلةُ إلى تخفيفِ ما عليها لا تجد أحدًا يُساعده، ولو وُجدَ ذا قُرْبى لا يحسُنُ ذلك الحُسْن. قولُه: (بخلافِ ما أوْرَدْتُه)، يعني: في قولِه: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، و ((ما)) في ((ما ساغَ)) بمعنى: الذي. قيل: وفيه نَظَر، لأنه يجوزُ أن يُقال: وإن كان الغَريمُ ذا عُسْرةٍ لدلالةِ السياق. نعَمْ يصحُّ أن يُقال: الإضمارُ هاهنا أوْلى لدلالِة ((إن تَدْعُ)) على المدعوِّ، بخلافِه ثَمَةَ، لأنه ليسَ في اللفظِ ما يدلُّ على الغريمِ، ولذلك لم يُقْرا في المشهورةِ هنا بالرفعِ وهُناكَ بالنصب. وعن بعضِهم: المعنى أنَّ مُسوِّغَ الاستتارِ هاهنا بخلافِ المُسوِّغ في ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، لأنه هاهنا جُملةٌ اعتراضية فارتبطَتْ بما قبْلَها، وفي تلك مُنقطعةٌ عما قَبْلها، بدليلِ ذكْرِ جوابِه لفظًا وهو ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. قولُه: (إنّما تَقْدِرُ على إنذارِ هؤلاء [وتحذيرهم] مِن قومِك .... دون متمرِّديهم)، إشارةٌ إلى أنّ بيانَ مواقع استعمالِه، لأن ((إنّما)) يُستعملُ في حُكْمٍ لا يُعْوِزُ تَحْقيقُه، ولا يخفى على مَنْ به مُسْكة أنّ الإنذارَ إنما يكون إنذارًا ويكون له تأثير إذا كان مع من يؤمن بالله والبعثِ والقيامةِ وأهوالِها، لا مع غَيْرِه. وبيانُه: أنه تعالى لما أظهرَ غَضَبَه على من اتَّخَذ من دونِ الله أندادًا بقوله: ﴿إِن يَشَأ

стр. 6830

المعاصي. وقرئ: (ومن ازكى فإنما يزكى)، وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم وإقامتهم الصلاة؛ لأنهما من جملة التزكى. (وَإِلَى الله الْمَصِيرُ) وعد للمتزكين بالثواب. فإن قلت: كيف اتصل قوله: (إِنَّما تُنْذِرُ) بما قبله؟ قلت: لما غضب عليهم في قوله: (إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ) أتبعه الإنذار بيوم القيامة وذكر أهوالها، ثم قال: (إِنَّما تُنْذِر) كأن رسول الله ﷺ أسمعهم ذلك، فلم ينفع؛ فنزل (إِنَّما تُنْذِرُ)، أو أخبره الله تعالى بعلمه فيهم. [(وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ الله يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ)] ١٩ - ٢٣ [ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يُذْهِبْكُمْ﴾ وأتبعَه الإنذارَ بيومِ القيامة وأهوالِها التفتَ إلى حبيبِه صلواتُ الله عليه ناعيًا له تمرُّدَهم وعِنادَهم وأنَّ الوعْظَ لا يُنْجِعُ فيهم، لأنَّهم لا يخافونَ عقابَه لأنهم جُهّالٌ لا يتفكَّرون في العاقبة، وإنما يُنْجِعُ فيمن يُوقنُ أنَّه لا بدَّ من المصيرِ إلى الله فيَخْشى عِقابَه وإليه ينظر قولُه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. قولُه: (مِن قومك) أي: مِن جَملةِ قومِك ومن بينهم، قيل: ((مِنْ)) للتبعيضِ، وهو حالٌ إمّا من قولِه: ((هؤلاء)): أو مِن ((هُم)) في ((تحذيرِهم))، والوجْهُ أن يكونَ المشارُ إليه بقولِه: ((هؤلاءِ)): ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم﴾، و ((مِن قومِك)) بيانٌ لاسمِ الإشارة حالٌ منه. وقلت: وإذا جُعِلَ ((مِنْ)) تبعيضًا، فالظاهرُ أنَّ ((مِنْ قومِك)) بدَلٌ مِنْ ((هؤلاء))، أي: إنّما تَقْدِرُ على إنذارِ بعضِ قومِك دونَ مُتمرِّديهم. قولُه: (وقُرِئَ: ((ومَن ازّكَّى)))، أصلُه: تزّكى، أدغمَ التاءَ في الزاي، ثم أتى بهَمْزةِ الوصلِ، ثم أُسْقِطَتْ في الدَّرْج.

стр. 6831

الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ مثل للكافر والمؤمن -كما ضرب البحرين مثلًا لهما- أو للصنم والله عزّ وعلا، ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (الأعمى والبصيرُ مَثَلٌ للكافرِ والمؤمنِ .... أو للصَّنَمِ والله ، أي: يجوزُ أن يكونَ المُشبَّهُ بالأعمى الكافر وأن يكونَ الصنم، وأن يكونَ المُشبَّهُ بالبصيرِ المؤمنَ، وأن يكون الله تعالى، فعلى الأول: التمثيلُ مردودٌ على التمثيلِ الأوّلِ، أي: قولِه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾، وإليه الإشارة بقولِه: ((كما ضربَ البحرَيْن مَثَلاً لهما))، وعلى الثاني: مَلْزوزٌ في قَرَنِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾، والأولُ أجرى على تأليفِ النظم، فإنّه شَبَّه أوّلاً منْ آمنَ بالبحرِ العَذْبِ والكافرَ بالمِلحِ الأُجاجِ وبَيَّن فيه عَدَمَ الاستواء، ثم نَبَّه أنّ الكافرَ أدْوَنُ حالاً من البحرِ المِلْحِ بقوله: ﴿وَمِن كُلٍّ تَاكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ الآية، لأن فيه منافعَ جَمّةً والكافِرُ خلْوٌ من النفع، ثم أتى بتمثيلٍ آخرَ، فشَبَّههما بالأعمى والبصيرِ في الضلالِ والاهتداءِ وشَبَّه ما يَرْدِفُهما من متابعةِ الحقِّ التي تورِثُ المؤمنَ الثوابَ ومن الذهاب إلى الباطلِ الذي يؤدِّي الكافرَ إلى العقاب ببالظلماتِ والنورِ والظلِّ والحَرور، ثم جَعل كُلاًّ من التمثيلَيْن تمهيدًا وتوطئةً لقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾؛ لأن المراد بالأحياء: المؤمنون الذي دخَلوا في دارِ السلام، وانتفعوا بدَعْوةِ نبيِّ الرحمةِ صلواتُ الله عليه، وبالأموات: الذين يُقُوا خارجينَ عن دارِ أمانِ الدعوة، ولم يرفعوا لها رأسًا وأصرُّوا واستكبروا، وإليه الإشارةُ بقوله: ((والأحياءُ والأموات مثَلٌ للذينَ دَخلوا في الإسلامِ والذينَ لم يدخلوا فيه وأصَرُّوا على الكفر)). وفُهِمَ من هذا التقرير: أنّ التعريفَ في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ وفي قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ للجنسِ، وفي ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ للعهد، وأن المقصودَ الأوْلى في الإيرادِ هذا التمثيلُ الثالث، ولهذا كرَّرَ ﴿وَمَا يَسْتَوِي﴾، وأكَّدَ النفيَ بتكريرِ ((لا))، وعلَّلَه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ مُسَلِّيًا لرسولِ الله ﷺ وإقناطًا له من إيمانِ المُصرِّين وإيذانًا بأنَّ الهادي والمُضِلَّ هو الله . يعني: أنّ

стр. 6832

والظلمات والنور والظنّ والحرور: مثلان للحق والباطل، وما يؤدّيان إليه من الثواب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الذي تعلّقَتْ مشيئةُ الله وإرادتُه بإسلامِه كالأحياءِ فانتفَع بدعوتِك وانتجَعَ فيه وعظُك، ومَنْ تعلّقتْ مشيئتُه بضلالتِه كالموتى فلا ينتفعُ بوَعْظِك، فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له، فلا تتهالكْ أنت في إسلامِ مَنْ يُريدُ الله إضلالَه فما أنْتَ بمُسمِعٍ للموتى. هذا تقريرٌ واردٌ على مذهبِ أهلِ السنّة، وهو ظاهرٌ مطابقٌ للآية. وأما المصنِّفُ فأرادَ بقَوْله: ((فَيهْدي الذي قد عَلِم أنّ الهدايةَ تنفَع فيه، ويخذلُ مَنْ علِمَ أنها لا تنفعُ فيه)) تقريرَ مَذْهبِه، وهو كما ترى مُتَعَسَّفٌ من حيثُ النظمُ، على أنه يؤدِّي إلى أن تكونَ مشيئةُ الله تابعةً لفعْلِ العبد. وقال القاضي: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ تمثيلٌ آخرُ للمؤمنين والكافرين، أبلَغُ من الأول، ولذلك كَرَّر الفعْلَ. وقولُه: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ ترشيحٌ لتمثيلِ المُصرّين على الكفرِ بالأمواتِ ومبالغةٌ في إقناطِه عنهم. وقلت: في التمثيلاتِ الثلاثِ تَرَقٍّ من الأهونِ إلى الأغلظِ وفي كلِّ مِنهما تفريعٌ على الأصل: بَنى على البحرين اللحمَ الطريَّ وجَرَيانَ الفُلْك وعلى الأعمى والبصير: الظلماتِ والنور وعلى الأحياءِ والأموات: استماعَ الحقِّ وعدَمَه. قولُه: (والظلماتُ والنورُ والظلُّ والحَرورُ: مَثَلان)، اعلَمْ أنّ ((لا)) في: ﴿وَلَا النُّورُ﴾ ﴿وَلَا الْحَرُورُ﴾ مَزيدة، لأن المعنى: الظلماتُ لا تُساوي النور، وليس المرادُ أن النورَ في نفسِه لا يَسْتوي، وكذلك في: ﴿وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾، قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: ٣٤]: إن الحسنةَ والسيئةَ مُتفاوتتانِ في أنفُسِهما، فخَذْ بالحسنةِ التي هي أحسَنُ من أختها، وقيل: ((لا)) مَزيدة، والمعنى: ولا تَسْتوي الحسنةُ والسيئة، وهنا ليسَ المعنى: على

стр. 6833

والعقاب. والأحياء والأموات: مثل للذين دخلوا في الإسلام والذين لم يدخلوا فيه، وأصروا على الكفر. والحرور: السموم؛ إلا أنّ السموم تكون بالنهار، والحرور بالليل والنهار. وقيل: بالليل خاصة. فإن قلت: "لا" المقرونة بواو العطف ما هي؟ قلت: إذا وقعت الواو في النفي قرنت بها؛ لتأكيد معنى النفي. فإن قلت: هل من فرق بين هذه الواوات؟ قلت: بعضها ضمت شفعًا إلى شفع، وبعضها وترًا إلى وتر. (إِنَّ الله يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ): يعنى أنه قد علم من يدخل في الإسلام ممن لا يدخل فيه، فيهدى الذي قد علم أنّ الهداية تنفع فيه، ويخذل من علم أنها لا تنفع فيه. وأمّا أنت فخفى عليك أمرهم؛ فلذلك تحرص وتتهالك على إسلام قوم من المخذولين، ومثلك في ذلك مثل من لا يريد أن يسمع المقبورين وينذر، وذلك ما لا سبيل إليه، ثم قال: (إِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أنّ الأحياءَ والأمواتَ مثلاً متفاوتان فَمِنْ مَيِّتٍ أدْوَنُ حالاً من مَيِّت، وحيٍّ أرفَعُ منزلةً من حَيّ، فتُحمَلُ على مُجرَّدِ التأكيد. فإن قُلْتَ: فلم أُخْلِيَتِ القرينةُ الأولى وهي الأعمى والبصيرُ من التوكيد؟ قلتُ: هي كالتوطئةِ لذكْرِ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾، ولذلك أُعيد ﴿وَمَا يَسْتَوِي﴾، وعُلِّل بقوله: ﴿إنَّ اللهَ يُسْمِعُ﴾ الآية، وأما القرينتانِ المُتوسِّطتان فهما مَقْصودان أيضًا، لأنهما مَثَلانِ للحقِّ والباطل وما يُؤدِّيان إليه من الثوابِ والعقاب. قولُه: (ضَمَّت شَفْعًا إلى شَفْعٍ)، أما التي ضَمَّتِ الشَّفْعَ فهي الواوات في: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ﴾، وأما التي ضَمَّتِ الوِتْرَ فهي التي توسَّطَتْ بين الضِّدَّيْن. قولُه: (فيَهْدي الذي قد عَلِمَ أنَّ الهدايةَ تنفَعُ فيه، ويَخْذِلُ من عَلِمَ أنها لا تنفَعُ فيه)، هذا التقريرُ يهدِمُ قاعدةَ الاعتزال، لأنَّ خِلافَ علْمِ الله محالٌ وقوعُه، فلا يصدُرُ عنه إلا ما عَلِمَ الله تعالى صدورَه عنه، فإذن لا اختيارَ له فيه.

стр. 6834

أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ) أى: ما عليك إلا أن تبلغ وتنذر، فإن كان المنذر ممن يسمع الإنذار نفع، وإن كان من المصرين فلا عليك. ويحتمل أنّ الله يسمع من يشاء وأنه قادر على أن يهدى المطبوع على قلوبهم على وجه القسر والإلجاء، وغيرهم على وجه الهداية والتوفيق، وأما أنت فلا حيلة لك في المطبوع على قلوبهم الذين هم بمنزلة الموتى. [(إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ)] ٢٤ [ (بِالْحَقِّ) حال من أحد الضميرين، يعنى: محقًا أو محقين، أو صفة للمصدر، أى: إرسالًا مصحوبًا بالحق، أو صلة لبشير ونذير على: بشيرًا بالوعد الحق، ونذيرًا بالوعيد الحق. والأمّة: الجماعة الكثيرة. قال الله تعالى: (وجد عليه أمّة من الناس)] القصص: ٢٣ [، ويقال لأهل كل عصر: أمّة، وفي حدود المتكلمين: الأمّة: هم المصدقون بالرسول دون المبعوث إليهم، وهم الذين يعتبر إجماعهم، والمراد هاهنا: أهل العصر. فإن قلت: كم من أمّة في الفترة بين عيسى ومحمد ﵉ ولم يخل فيها نذير؟ قلت: إذا كانت آثار النذارة باقيةً لم تخل من نذير إلى أن تندرس، وحين اندرست آثار نذارة عيسى بعث الله محمدًا ﷺ . فإن قلت: كيف اكتفى بذكر النذير عن البشير في ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (ويُقال لأهلِ كُلِّ عَصْر أمّة)، قال التُّورِبِشْتيُّ- في شَرْحِ قولِه ﷺ : ((والذي نَفْسُ محمَّدٍ بيدِه، لا يسمَعُ بي أحدٌ من هذه الأمة؛ يَهوديٌّ ولا نَصْرانيٌّ ثم يَموتُ، ولم يؤمِنْ بالذي أُرْسِلْتُ به، إلا كانَ من أصحابِ النار)). رواه مسلم عن أبي هريرة-: الأمّة: كلُّ جماعةٍ يجمَعُهم أمر؛ إمّا دينٌ واحدٌ أو دَعوةٌ واحدة أو طريقةٌ واحدة أو زَمانٌ واحدٌ أو مكانٌ واحد. وأرادَ به هاهنا الجماعةَ التي يجمَعُها زمانُ الدعوةِ إلى الشريعةِ الحنيفية؛ لأنه أدخَلَ في جُملتِهم اليهودَ والنصارى. وعلى هذا يدخُلُ فيها كلُّ ما تنتهي إليه الدعوةُ من أهلِ الملَلِ الزائغةِ والأديانِ الباطلة، وخُصَّت اليهودُ والنصارى لخُصوصيةٍ فيهم.

стр. 6835

آخر الآية بعد ذكرهما؟ قلت: لما كانت النذارة مشفوعةً بالبشارة لا محالة، دلّ ذكرها على ذكرها، لا سيما وقد اشتملت الآية على ذكرهما. [(وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ)] ٢٥ - ٢٦ [ (بِالْبَيِّناتِ): بالشواهد على صحة النبوّة، وهي المعجزات (وَبِالزُّبُر): ِ وبالصحف، (وَبِالْكِتابِ الْمُنِير) نحو التوراة والإنجيل والزبور. لما كانت هذه الأشياء في جنسهم أسند المجيء بها إليهم إسنادًا مطلقًا، وإن كان بعضها في جميعهم؛ وهي البينات، وبعضها في بعضهم؛ وهي الزبر والكتاب. وفيه مسلاة لرسول الله ﷺ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (لما كانَت هذه الأشياءُ في جنْسِهم أَسندَ المجيءُ بها إليهم إسنادًا مطلقًا)، يريدُ أنّ قولَه: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ﴾ مِن قَبيل: بنو فُلانٍ قَتلوا فلانًا، وإنما القاتلُ رجلٌ منهم. قولُه: (وفيه مَسْلاةٌ)، أي: في قولِه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ إلى آخره قولِه: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ بعد قوله: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ المعنى: أعرِضْ عن هؤلاء المصرِّين المُعانِدين ولا تحرِصْ ولا تتهالَكْ على هداهُم، إن أنتَ إلا نَذيرٌ وما عليك إلا أن تُبلِّغَ وتُنْذِر، فإن أصرُّوا فلا عليك، وكذلك دأبُ الأممِ السالفةِ مع أنبيائِهم الماضية ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، فجيءَ بقولِه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ توطئةً لقولِه: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ وأقحَمَ بشيرًا مزيدًا للتسلية وتتميمًا وصيانةً عن توهُّمِ أنه مقصورٌ على النِّذارةِ كقَوْلِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ في قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وحينئذ لا يُفْتقَرُ إلى ذكْرِ البشيرِ مشفوعًا مع النذير في قولِه: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ وأيضًا فيه: أنّ الناسَ لتَماديهم في الضلالِ والغفلةِ وتهالُكِهم

стр. 6836

[(أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى الله مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ)] ٢٧ - ٢٨ [ (أَلْوانُها): أجناسها؛ من الرّمان، والتفاح، والتين، والعنب، وغيرها مما لا يحصر، أو هيئاتها؛ من الحمرة، والصفرة، والخضرة، ونحوها. والجدد: الخطط والطرائق. قال لبيد: أو مذهب جدد على ألواحه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في حُبِّ الشهواتِ واللّذاتِ وتقليدِ الباطلِ أشدُّ احتياجًا إلى المُنْذِرِ من المُبشِّر، وكثيرًا ما ترى في التنزيلِ النذيرَ غَير مشفوعٍ بالبشيرِ ولا ترى البشيرَ بدونِهن والله أعلم. الراغب: الإنذار: إخبارٌ فيه تَخْويف، كما أنَّ البشيرَ إخبارٌ فيه سرور. والنَّذيرك المُنذرُ ويقَعُ على كلِّ شيءٍ إنذارَ إنسانٍ كانَ أو غُيْرَه، والنُّذُرُ، والنُّذُرُ جَمْعُه. قولُه: (أو مُذَهَبٌ جُدَدٌ على ألواحِه)، تمامه: والناطقُ المَبْروزُ والمَختومُ وقبله: فكأنَّ معروفَ الديارِ بقادِمٍ … فبُراقِ غَوْلٍ فالرِّجامِ وُشومُ شَبَّه ما عرفَ من الديارِ كالطَّلَل بالوشوم وهي ما بقيَ من آثارِ الوَشْم، أو بلَوْحٍ مُذْهَبٍ على ظواهرِه جُدَدٌ وطرائقُ، والناطقُ الكتاب.

стр. 6837

ويقال: جدة الحمار: للخطة السوداء على ظهره، وقد يكون للظبي جدتان مسكيتان تفصلان بين لوني ظهره وبطنه. (وَغَرابِيبُ) معطوف على (بيض)، أو على (جدد)، كأنه قيل: ومن الجبال مخطط ذو جدد، ومنها ما هو على لون واحد غرابيب. وعن عكرمة: هي الجبال الطوال السود. فإن قلت: الغربيب تأكيد للأسود، يقال: أسود غربيب، وأسود حلكوك؛ وهو الذي أبعد في السواد وأغرب فيه، ومنه: الغراب، ومن حق التأكيد أن يتبع المؤكد، كقولك: أصفر فاقع، وأبيض يقق، وما أشبه ذلك! قلت: وجهه: أن يضمر المؤكد قبله، ويكون الذي بعده تفسيرًا لما أضمر، كقول النابغة: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وذكر في ((الصحاح)): أنّ الروايةَ: ((ألناطق)) بقَطْعِ الألفِ وإن كان وَصْلاً، وذلك جائز في ابتداءِ الأنْصاف؛ لأنّ التقديرَ الوقفُ على النِّصْفِ من الصَّدْر. وقال: كتابٌ مَبْروز، أي: مَنْشور، وقال: لعلَّه المَزْبُور وهو المَكْتوب. وقال لبيدٌ في كلمةٍ أخرى: كما لاحَ عنوانُ مَبْروزةٍ … يلوحُ مَع الكَفِّ عنوانُها هذا يدل على أنه لُغَتُه، والرواةُ كلُّهم على هذا، فلا معنى لإنكارِ من أنكره. والمختوم: المكتومُ، وهو الدارس. الراغب: جُدَدٌ بيض: جَمْعُ جُدّةٍ، أيك طريقةٍ ظاهرة مِن قولهم: طريقٌ مَجْدود، أي: مَسْلوك مقطوع، ومنه جادّةُ الطريق. وقيل: الخُطّة: الطريقةُ، وهي اسمُ المَخْطوط، فُعْلَةٌ بمعنى: المفعولِ، كالغُرْفَةِ والقُنْصَةِ، من الخطِّ، كالنُّقْطة.

стр. 6838

والمؤمن العائذات الطّير وإنما يفعل ذلك لزيادة التوكيد، حيث يدل على المعنى الواحد من طريقى الإظهار والإضمار جميعًا، ولا بد من تقدير حذف المضاف في قوله: (وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ) بمعنى: ومن الجبال ذو جدٍد بيض وحمر وسود، حتى يؤول إلى قولك: ومن الجبال مختلف ألوانه، كما قال: (ثمرات مختلفا ألوانها). (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُه)، يعنى: ومنهم بعض مختلف ألوانه. وقرئ: (ألوانها)، وقرأ الزهري: (جدد)، بالضم: جمع جديدة؛ وهي الجدّة، يقال: جديدة وجدد وجدائد، كسفينة وسفن وسفائن. وقد فسر بها قول أبى ذؤيب يصف حمار وحش: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (والمؤمِنِ العائذاتِ الطير)، تمامُه: … يمسَحُها … رُكبانُ مكّةَ بين الغَيْل والسَّنَد ما إن نَدِيتُ بشَيءٍ أنتَ تكرهُه … إذاً رفعَتْ سَوْطي إليَّ يدي المؤمن: اسمُ الفاعِل وهو الله تعالى، مِن: آمن. والعائذات: الحمائمُ، بماّ عاذَتْ بمكّة والتجأت إليها حَرُمَ قتْلُها وصَيْدُها وأن تُهاج. والغَيْلُ والسَّنَد: موضِعان، و ((المؤمن)) مجرورٌ بالقَسَم، و ((العائذاتِ)) منصوبٌ باسمِ الفاعلِ وهو المُؤمن، و ((الطيرَ)) منصوب: إما بَدلٌ أو عَطْفُ بَيانٍ أو بإضمارِ: أعني، وفيه نَظَر، لأنَّ الاستشهادَ بأنّ هذا الطيرَ المذكورَ دالٌّ على المحذوفِ وهو مفعولٌ لاسم الفاعل، والعائذاتُ صِفَتُه، أي: المُؤمن الطيرَ العائذاتِ الطّير، وقولُه: ((ما إن نَدِيت)) جوابُ القَسَم، يقول: والله المؤمنِ الطيرَ العائذاتِ ما نطقْتُ ولا بَلَلْتُ به لِساني، وما أتَيْتُ بشيءٍ تكرهُه وإلا فَشُلَّتْ يَدي. قولُه: (ولابُدَّ مِن تقديرِ حَذْفِ المضاف)، يعني: حصلَتْ هاهنا قرائنُ ثلاث، والقرينتانِ هاهنا اتَّفقتا على معنى، فوجبَ تنزيل الفَذّةِ منها على معنى أختَيْها، وإلاّ لَزِمَ الاختلاف

стр. 6839

جون السّراة له جدائد اربع وروى عنه: (جدد)، بفتحتين؛ وهو الطريق الواضح المسفر، وضعه موضع ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بين أشياءَ انخرطَتْ في سِلْكٍ واحِدٍ، وإليه الإشارةُ بقَوْلِه: ((حتى يؤولَ إلى قولِك: ومن الجبالِ مختلفٌ ألوانه)) إلى آخره، وتحريرُه: أن التنكيرَ في قوله: ﴿ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ للنوع، والمعنى: فأخرَجْنا بالماءِ نوعًا من الثمراتِ مختلفًا ألوانُه، وكذلك قولُه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾، فإنّ المعنى: منهم بَعْضٌ مختلفٌ ألوانُه، كما نَصَّ عليه، وهو قول الفرّاء قال: ﴿أَلْوَانُهُ﴾ على تأويلِ: خَلْقٍ مُختَلفٍ ألوانه. وقال مُحيي السُّنة: ذكرَ الكِنايةَ لأنها رَدٌّ إلى ما في الإضمارِ، ومَجازُه: ومنَ الناسِ والدوابِّ والأنعامِ ما هو مختلفٌ ألوانه. قولُه: (جَوْنُ السَّراةِ له جَدائدُ أربع)، أولُه: والدَّهْرُ لا يَبْقَى على حَدَثانِه الجَوْن: الأسود، والسَّراة: الظَّهْر، والجدائد: الأُتنُ اللاتي قد جَفّتْ ألبانهُنَّ؛ مِن جَدِّ اللَّبَن أي: قَطْع، أي: أهْلكَ الدهر بَنِيّ، وتوترَتْ عليَّ المصائب، ثمّ عزّى نَفْسَه بأنَّ الدهرَ لا يَبْقى على حَدَثانِه شيءٌ، حتى الحمارِ مع الأُتْنِ التي ترعى في القِفار. قالَ ابن جِنِّي: ((جَدَدٌ)) بفَتْح الجيمِ والدالِ في روايةِ سهلٍ عن الوقّاصيِّ عن الزُّهري. قال قُطْرب: قراءةُ الزُّهري: ((جُدُد)) بضَمِّهما، أما ((جُدُدٌ)) فجَمْعُ جَديدٍ، أي: آثارٌ جُدُدٌ غيرُ مُخْلقةٍ فهو أوضَحُ للونِها، وأما ((جَدَدٌ)): فهو الطريقُ الواضحُ المُسْفِرُ فالمعنى نَحْوُ الأول.

стр. 6840

الطرائق والخطوط الواضحة المنفصل بعضها من بعض. وقرئ: (والدواب) مخففًا، ونظير هذا التخفيف قراءة من قرأ: (ولا الضألين)؛ لأنّ كل واحد منهما فرار من التقاء الساكنين؛ فحرك ذاك أوّلهما، وحذف هذا آخرهما. وقوله: (كَذلِكَ) أى: كاختلاف الثمرات والجبال. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كاختلافِ الثمراتِ والجبال)، يعني: الكافُ نَصْبٌ على المَصدَر، والأظهرُ أنه رفعٌ على الخبر، والإشارةُ بـ ((ذلك)) إلى المذكورِ من الدلائل في هذه الآيةِ وحدَها، ويكونُ قولُه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ مَقطَعًا لهذه الآية، ونظيرُ ((ما)) قولُه تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. فإن قلت: لِمَ خُولِفَ بينَ المَقطَعَين؟ قلت: ما نحنُ فيه أبسَطُ وأجمَعُ من تلك الآية، لأنّ فيها ذِكرَ الثمارِ والجبالِ والناسِ والدَّوابِّ والأنعام واختلافِها، وهي مختصّةٌ بالثمرات، وصُدِّرَت هذه الآيةُ بهمزة الاستفهام وحرفِ النفي لإفادةِ مَزيدِ التقرير، وبالخطابِ العامِّ لئلاّ تختصَّ الرؤيةُ براءٍ دونَ لفَخامةِ الأمر، ثم قُرِّرَ هذا المعنى في أثنائهما بقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾، أي: الأمرُ كما ذكرت، كأنه تعالى يقول: هذه الأشياءُ كلُّها مُتساويةٌ في الجِسْميّة، واختِلافُ أنواعِها ثم اختِلافُ كُلٍّ منها بما خُصَّ به من الأصنافِ لا بُدَّ لهُ من قادرٍ مُختارٍ قاهرٍ يَتَصرَّفُ في مُلكِهِ كيفَ يشاء. وهذا ظاهرٌ جليٌّ عندَ كُلِّ ذي مُسْكة، فمَن أنكرَ ذلك وقالَ بالإيجاب فهو مُعانِدٌ جاهلٌ لم يخشَ الله، وإن جمعَ أسفارَ الحِكَم، ومَن أنصفَ وسلكَ السَّبيلَ المُستقيمَ وخشيَ الله فهو عالِمٌ جِدُّ عالم، فحينَئذٍ من أينَ اختصَّ ﴿الْعُلَمَاءُ﴾ بالعُلماءِ العَدْليّة؟ ! عفا اللهُ عنه. فإن قلت: لِمَ لا تجعلُ ﴿كَذَلِكَ﴾ نَصْبًا على المَصدَر، كما ذهبَ إليه المُصنِّف؟ قلت: لقِلّةِ جَدْواه، وعلى ما ذهبنا إليه تصيرُ جُملةً مُقرِّرةً لِمَا في شأنِهِ الاهتمامُ على ما مَرّ، ويكونُ موقعًا للسُّؤالِ على الاستئِناف، يعني: إذا كان الأمرُ ظاهِرًا لكُلِّ أحدٍ كما ذكرت، فلِمَ

стр. 6841

والمراد: العلماء به الذين علموه بصفاته وعدله وتوحيده، وما يجوز عليه وما لا يجوز، فعظموه وقدروه حق قدره، وخشوه حق خشيته، ومن ازداد به علمًا ازداد منه خوفًا، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اختَصَّ العُلماءُ بالذِّكرِ دونَ غيرهم؟ أُجيب: لخشيةِ هؤلاء وإنصافِهم، ولعِنادِ أولئك وعَدَم خشيتهم. وتلخيصُه: أنّ المذكورَ إنْ لم يَدُلَّ على ذلك بالتصريح، يَدُلُّ عليه بالتعريض. قولُه: (العلماءُ الذين عَلِموا بصفاتِه وعَدْلِه وتوحيدِه وما يجوزُ عليه وما لا يَجوز)، اعلم أنه تعالى كما جعلَ مقطعَ التمثيلِ الأولِ قوْلَه: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾، جعلَ مقطعَ هذَيْن التمثيلَيْن بقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ والمُشارُ إليه بقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ جميعُ ما سبقَ من البياناتِ والإنذاراتِ الكافيةِ، أي: الأمرُ كما ذُكِرَ لكن إنما ينجَعُ فيمن خَشِيَ الرحمنَ بالغيب، كقوله: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥]، فوضَعَ موضعَه ((العلماءَ)) تعريضًا بجَهْلِ الكَفَرة، وجَهْلِ مَنْ يَدَّعي العِلْمَ ولم يَخْشَ الله تعالى، وتَنْويهًا برِفْعةِ منزلةِ العلماءِ العاملينَ المحقِّقين، وإليه أشارَ بقوله: ((مِثْلُك ومَنْ على صِفَتِك)). ثم الآيةُ كالتخلُّصِ من ذكْرِ أعداءِ الدينِ إلى ذكْرِ الأولياءِ من المؤمنين التالينَ كتابَه آناءَ الليلِ وأطرافَ النهار، المقيمينَ الصلاة والمُنْفقينَ أموالَهم سِرًّا وعلانيةً، ومع ذلك يَرْجون رحمةَ الله، ويأمَلون أن يُوَفِّيَهم أجورَهم ويزيدَهم مِنْ فَضْلِه، ولا يُوجبونَ على الله شيئًا بأعمالِهم، ولا يَقطعون بشيءٍ من ذلك، وكذلك لا يحكمُمون على الظالم لنفسِه والمُقْتَصدِ بالوعيدِ وكونِهما من أصحابِ النار، ولهذا فُصِلَتْ الآيةُ بقَولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ لأنه كالتعليلِ للكلامِ السابق، أي: أنه تعالى عزيزٌ غالبٌ يفعَلُ ما يَشاءُ في مُلْكِه لا أحدَ فوْقَه يوجبُ عليه شيئًا، فالعمالُ يَعْملونَ ويأملونَ أن يُوَفّيهم أجورَهم، والظالمُ لنفسِه يرجو الغُفْران ولا يقطَعُ بالدمار، لأنه تعالى بليغُ الغُفْرانِ والرحمة.

стр. 6842

ومن كان علمه به أقل كان آمن. وفي الحديث: «أعلمكم بالله أشدّكم له خشية»، وعن مسروق: كفى بالمرء علمًا أن يخشى، وكفى بالمرء جهلًا أن يعجب بعلمه. وقال رجل للشعبى: أفتنى أيها العالم، فقال: العالم من خشي الله. وقيل: نزلت في أبى بكر الصديق رضى الله عنه وقد ظهرت عليه الخشية حتى عرفت فيه. فإن قلت: هل يختلف المعنى إذا قدّم المفعول في هذا الكلام أو أخر؟ قلت: لا بدّ من ذلك؛ فإنك إذا قدمت اسم الله وأخرت (العلماء) كان المعنى: أنّ الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم، وإذا عملت على العكس انقلب المعنى إلى أنهم لا يخشون ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (وفي الحديثِ: ((أعلمُكُم بالله أشدُّكُم [له] خَشْيةً)))، ورَوَينا عن الدراميِّ عن عطاءٍ قال: قالَ موسى ﵇: يا رَبِّ أيُّ عبادِكَ أحكَم؟ قال: الذي يحكُمُ للناسِ كما يحكُمُ لنفسِه. قال: يارَبّ، أيُّ عبادِكَ أغنى؟ قال: أرْضاهُم بما قَسمْتُ له. قال: يارَبّ، أيُّ عبادِكَ أغنى؟ قال: أرْضاهُم بما قَسمْتُ له. قال: يارَبّ، أيُّ عبادِكَ أخْشى؟ قال: أعلَمُهم بي. قولُه: (وإذا عملتَ على العكس انقلب المعنى)، وذلك أن ((إنّما)) فرْع ((ما)) و ((إلاّ))، وفي الأصلِ: الحَصْرُ أبدًا في ((ما)) يلي ((إلا))، وفي الفرعِ الحَصْرُ في الجُزْءِ الأخيرِ، فقولهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ فَرْعُ ((ما يَخْشى اللهَ من عبادِه إلا العلماء))، وهو يَقْتضي انحصارَ خَشْيةِ الله على العلماءِ دونَ غيرِهم، وقولُك: إنّما يخشى العلماءُ من عبادِه اللهَ، فَرْعُ قولِك: ما يخشى العلماءُ من عبادِه إلا الله، فيلزَمُ انحصارُ خَشْيةِ الله دونَ غيرِه. قال الشيخ عبدُ القاهر ﵀: لما كان الغرضُ من الآيةِ بيانَ الخاشينَ والإخبارَ بأنَّهم العلماءُ خاصّة دون غيرِهم قَدّم اسمَ ((الله)) على ((العلماء))، ولو أُخِّرَ منه لصارَ المعنى على ضِدِّ ما عليه وهو: أنَّ الغرضَ بيانُ المَخْشيِّ والإخبارُ بأنه تعالى دونَ غيره، وهذا المعنى الأخيرُ وإن كان قد جاءَ في التنزيل قال تعالى: ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩]، لكن ليس

стр. 6843

إلا الله، كقوله تعالى: (وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا الله)] الأحزاب: ٣٩ [، وهما معنيان مختلفان. فإن قلت: ما وجه اتصال هذا الكلام بما قبله؟ قلت: لما قال: (أَلَمْ تَرَ) بمعنى ألم تعلم (أن الله أنزل من السماء ماء)، وعدد آيات الله وأعلام قدرته وآثار صنعته وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس، وما يستدل به عليه وعلى صفاته، أتبع ذلك (إِنَّما يَخْشَى الله مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ)، كأنه قال: إنما يخشاه مثلك ومن على صفتك ممن عرفه حق معرفته وعلمه كنه علمه. وعن النبي ﷺ : «أنا أرجو أن أكون أتقاكم لله وأعلمكم به» ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا الغرضَ هاهنا، ولا اللفظُ يحتمِلُ له التبّةَ، ومَنْ أجاز حَمْلَها عليه كأنه قد أبطَل فائدةَ التقديمِ وسَوّى بين الكلامَيْن، فإذَنْ يلزَمُ أن يُسوِّيَ بين قولنا: ما ضربَ عَمْرو وإلا زيدًا وما ضرَبَ زيدًا إلا عَمْرٌو وذلك مما لا شُبْهَةَ في امتناعه. وقلتُ: قولُه: ((لكن ليسَ هو الغرضَ هاهنا))، معناه: أنَّ اقتضاءَ المقامِ يوجبُ بيانَ الخاشين والإخبارَ بأنهم العلماءُ خاصّةً دونَ غيرِهم ليكون تعريضًا بالمُنذَرين المصرِّين على العنادِ والكفر وأنَّهم جهلاءُ بالله وبصفاته، ولذلك لا يخشَوْن الله ولا يخافون عقابَه، ولو قلتَ: ما يخشى العلماءُ من عبادهِ إلا الله لم يكن من التعريضِ في شيء والمقامُ يَقْتضيه، أما قولُه تعالى: ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩]، فكلام في تبليغِ الرسالة وتعريضٌ به صلواتُ الله عليه بعد التصريحِ بقوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ فبَيْنَ المقامَيْن بَوْن. قولُه: (أنا أرجو أن أكون أتقاكم لله وأعلمَكم به)، روينا عن البخاريِّ ومُسلم عن عائشة ﵂: صنعَ رسولُ الله ﷺ شيئا فترخَّصَ فيه فَتنزَّه عنه قوم، فبلغَ ذلك النبي ﷺ ، فخَطب فحَمِدَ الله تعالى ثم قال: ((ما بالُ أقوامٍ يَتنزَّهون عن شيء أصنَعُه، فوالله إني لأعلمُكم بالله وأشدُّكم له خشية)).

стр. 6844

فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ: (إِنَّما يَخْشَى الله مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) وهو عمر بن عبد العزيز، ويحكى عن أبى حنيفة؟ قلت: الخشية في هذه القراءة استعارة، والمعنى: إنما يجلهم ويعظمهم، كما يجل المهيب المخشى من الرجال بين الناس ومن بين جميع عباده. (إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ) تعليل لوجوب الخشية؛ لدلالته على عقوبة العصاة وقهرهم، وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم، والمعاقب المثيب حقه أن يخشى. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (فما وَجْهُ قراءة)، الفاءُ تدلُّ على إنكارِ قولِه: ((لا بدَّ من ذلك))، أي: من تقديمِ المفعولِ، أي: إذا كان الواجب ذلك لصحّةِ المعنى، فما وَجْهُ هذه القراءة؟ قولُه: (كما يُجَلُّ المَهيب)، ((ما)) مصدرية، أي: إنما يُجلُّهم إجلالاً مِثلَ إجلالِ المَهيبِ المخشيِّ من الرجال. هذا بيانُ وَجْهِ الاستِعارة، وذلكَ أنّ الاستِعارةَ مسبوقةٌ بالتشبيه، شبّه حالةَ مُعامَلةِ الله تعالى معَ العُلماءِ في تعظيمِه إياهُم وإجلالِهِ لهم كمُعامَلةِ مَنْ يُجِلُّ ويُعظِّمُ السُّلطان ومَن هو بصَدَدِه خشيةَ سَطوتِهِ وهَيْبته، فأُدخِلَ المُشبَّهُ في جِنسِ المُشبَّهِ به، واستُعمِلَ فيما يُستَعمَلُ في المُشبَّهِ به دَالاًّ عليه، بقرينةِ ما هو مُنزَّةٌ من ذلك ومُتعالٍ عنه من الخشية، وهي الاستعارةُ التَّبَعيةُ الواقعةُ على طريق التمثيل. قولُه: (المعاقِبُ المثيبُ حقُّه أن يُخْشى)، فإن قُلتَ: المثيبُ كيفَ يخشى، والوصفُ بالغُفْرانِ موجبٌ للرجاءِ لا للخوف؟ قلتُ: جوابُه ما ذكرَ في ((الفرقان)) في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦]: ((دل بهذا على القدرةِ التامةِ؛ لأنه لا يوصفُ بالمغفرةِ والرحمةِ إلا القادرُ على العقوبة)). ويمكنُ أن يقال: إنّ حالتَي سَطَواتِ القهرِ إما أن تكون بَغْتةً أو إمهالاً، فدلّ العزيزُ على الأولِ والغفورُ على الثاني، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الكهف: ٥٨]، فالعالِمُ يخافُ الحالتَيْن خصوصًا الثانية؛ لأنها قد تكونُ استدراجًا، بخلافِ الجاهلِ لأنه لا يأمَنُ فيها كلَّ الأمن.

стр. 6845

[(إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ الله وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ)] ٢٩ - ٣٠ [ (يَتْلُونَ كِتابَ الله) يداومون على تلاوته، وهي شأنهم وديدنهم. وعن مطرف ﵀: هي آية القرّاء. وعن الكلبي: يأخذون بما فيه. وقيل: يعلمون ما فيه ويعملون به. وعن السدى: هم أصحاب رسول الله ﷺ ورضى عنهم. وعن عطاء: هم المؤمنون. (يَرْجُونَ) خبر (إن). والتجارة: طلب الثواب بالطاعة. و (لِيُوَفِّيَهُمْ) متعلق بـ (لن تبور)، أى: تجارة ينتفي عنها الكساد وتنفق عند الله ليوفيهم بنفاقها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (﴿يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ يداومون [على] تلاوته) يعني: دلَّ عطفُ الماضي -أي: قولُه: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا﴾ - على المضارعِ على أن المرادَ به الاستمرارُ والمداومةُ والتحقُّقُ فيه، ويساعدُه مقامُ المدحِ نحو: فلانٌ يَقْري الضيفَ ويَحْمي الحريم. قولُه: (عن مُطَرِّفٍ)، قال صاحبُ ((الجامع)): وهو أبو عبد الله مُطَرِّفٌ بن عبد الله ابن الشخِّير العامري البصري، روى عن أبي ذرٍّ وعُثمان بن أبي العاص ماتَ سنةَ سبعٍ وثمانين. قولُه: (يعملون ما فيه ويعملون به)، يريد: أوجبَ عطفُ قولِه: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا﴾ على ﴿يَتْلُونَ﴾ أن تُفَسَّرَ التلاوةُ بالعمل بما فيه، لأنّ التلاوةَ لم تكن مُعتبرةً إذا لم يُعْلَمْ معنى المَتْلوِّ، ولم يُعتَدَّ بالعلم إذا لم يَقْترنْ معه العمل. قولُه: (﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ متعلِّق بـ ﴿لَّن تَبُورَ﴾، أي: تجارةً ينتفي عنها الكَساد)، وقوله: ((ينتفي عنها الكَساد)) تفسيرٌ لقولِه: ﴿لَّن تَبُورَ﴾ لا بالمطابقةِ؛ لأن أصلَ البوار الهلاك. قال في ((الأساس)): ومن المجاز: بارَتِ البِياعاتُ كسَدَتْ. وقولُه: ((وتَنْفُقُ عند الله)) تفسيرٌ

стр. 6846

عنده (أُجُورَهُمْ)؛ وهي ما استحقوه من الثواب، (وَيَزِيدَهُمْ) من التفضل على المستحق. وإن شئت جعلت (يَرْجُونَ) في موضع الحال على: وأنفقوا راجين ليوفيهم، أى: فعلوا جميع ذلك؛ من التلاوة وإقامة الصلاة والإنفاق في سبيل الله لهذا الغرض. وخبر (إن) قوله: (إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) على معنى: غفور لهم شكور لأعمالهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للتفسيرِ فيكونُ كنايَة، لأن ﴿لَّن تَبُورَ﴾ لازمُ انتفاءِ الكساد وهو لازمُ كونِها نافقة، كأنه قيل: يرجونَ تجارةً نافقةً عند الله مُرْبحةً ليُوفِّيَهم الله أجورَهم، ثم هذه الكناية ترشيحٌ للإستعارة. قولُه: (وإن شئتَ جَعلْتَ ﴿يَرْجُونَ﴾ في موضعِ الحال)، فعلى هذا ((ليوفِّيهم الله أجورَهم)) يتعلَّقُ بالتلاوةِ وأقاموا الصلاةَ والإنفاق، ولهذا قال: ((فعلوا جميعَ ذلك .... لهذا الغرض))، وهو التوفيه، وإنما عَلَّق المصنِّفُ ﴿يَرْجُونَ﴾ بقولِه: ﴿وَأَنفَقُوا﴾ دون ﴿يَتْلُونَ﴾ و ﴿وَأَقَامُوْ﴾، لئلا تجتمعَ على معمولٍ واحد عواملُ، ولأنَّ ما يتعقَّبُ الجُمَلَ من القيدِ يختَصُّ بالأخيرِ على مذهبِ أبي حنيفةَ ﵁. ويمكنُ أن يُعلَّقَ بمحذوفٍ على معنى: فَعلوا جميعَ ذلك راجينَ لهذا الغرض، وهو الظاهر. قال أبو البقاء: ﴿يَرْجُونَ﴾ خبرُ ﴿إِنَّ﴾، ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ يتعلَّق بـ ﴿يَرْجُونَ﴾، وهي لامُ الصيرورة. وقلت: تأويلُه: أنّ غرضَهم فيما فعلوا لم يكن سوى تجارةٍ غيرِ كاسدة، لأنّ صلةَ الموصولِ هنا علّةٌ وإيذانٌ بتحقيقِ الخبر، ولمّا أدّى ذلك إلى أن وفّاهم الله أجورَهم أتى باللام، وإنما لم يذهَبْ إليه المصنِّف؛ لأن هذه اللام لا توجَدُ إلا في يترتَّبُ الثاني على الأول، ولا يكونُ مطلوبًا به كقولِه تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨].

стр. 6847

والشكر مجاز عن الإثابة. [(وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ الله بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ)] ٣١ [ (الْكِتابِ) القرآن، ومن (للتبيين)، أو الجنس و (من) للتبعيض (مُصَدِّقاً) حال مؤكدة؛ لأنّ الحق لا ينفك عن هذا التصديق. (لِما بَيْنَ يَدَيْهِ): لما تقدّمه من الكتب. (لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ) يعنى أنه خبرك وأبصر أحوالك، فرآك أهلًا لأن يوحى إليك مثل هذا الكتاب المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب. (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ الله ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ)] ٣٢ - ٣٥ [ فإن قلت: ما معنى قوله: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ)؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (والشكرُ مَجازٌ عن الإثابة)، النهاية: في أسماءِ الله: الشَّكور، وهو الذي يَزْكو عنده القليلُ من أعمالِ العبادِ فيضاعِفُ لهم الجزاءَ، فشُكْرُه لعبادِه مغفرتُه لهم، والشَّكورُ من أبنية المبالغة. قولُه: (عيارٌ على سائر الكتب)، أي: مِعيارٌ لسائرِ الكتبِ، وبه يُقاسُ صِحّة غيرِه. المغرب: عايَرْتُ المكاييلَ والموازين: إذا قايسْتُها، والمعيارُ: الذي يُقاسُ به غيرُه ويُسوّى. قولُه: (ما معنى قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾؟ )، يعني: الظاهرُ أنّ قولَه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا﴾ عَطْفٌ

стр. 6848

إنا أوحينا إليك القرآن ثم أورثنا من بعدك، أى: حكمنا بتوريثه. أو قال: أورثناه، وهو يريد: نورثه؛ لما عليه أخبار الله. (الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا)؛ وهم أمّته من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على ﴿أَوْحَيْنَا﴾، و ((ثُمَّ)) يقتضي الترَّخيَ في الزمانِ، وأن يقال: ثم نورثُه بعدَك المُصْطَفيْن، فما معنى مجيءَ ﴿أَوْرَثْنَا﴾ ماضيًا؟ وأجاب بوجهَيْن: أحدُهما: أنّ المرادَ: ثمَّ حكَمْنا بَعْدَك بتوريثه، أو وضَعَ الماضي موضِعَ المُستقبل، تنزيلاً لما هو الكائنُ بمنزلةِ الكائن. وثانيهما: أنّ هذه الآيةَ مُتَّصلةٌ بما سبقَ من قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ وهو المرادُ من قوله: إنه قَدَّم إرسالَه في كلِّ أمة رسولاً، أي: قَدَّم اللهُ على إرسالهِ صلوات الله عليه إرسالَ الرسلِ في كلِّ أمةٍ، وعَقَّبه بما يُنبئُ أن تلك الأُممَ تفرَّقت حزبَيْن: حِزْبٌ كَذَّبوا الرسلَ وما أُنْزِلَ معهم، وإليه الإشارةُ بقولِه: ﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾، وحِزْبٌ صَدَّقوهم وآمنوا وتلَوْا كتابَ وعَمِلوا بمُقتضاه وإليه الإشارةُ بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا﴾، وعلى هذا الوجه يكون ﴿أَوْرَثْنَا﴾ ماضيًا يَجْري على ظاهره، والذي يدلّ على هذا التقسيمِ قولُ المصنِّف: ((فأنثى على التالينَ لكُتبه، العاملينَ بشرائعِه، من بين المُكذِّبين بها من سائرِ الأمم)). ولما فرغَ من ذلك جاءَ بما يختصُّ برسولِ الله ﷺ من قوله: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية مستطرَدًا معترضًا، ثم أخبر بعد ذلك إيراثَه هذا الكتاب الكريم، بهذه الآية بعد إعطاء تلك الأمم الزُّبُرَ والكتابَ المنير؛ فيكونُ ثمَّ للتراخي في الإخبار، وإليه الإشارةُ بقوله: ((ثم قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ أي: مِنْ بَعدِ أولئك المذكورين))، ويمكنُ أن يُحْمَل ((ثمَّ)) على التراخي في المرتبةِ أيضًا إيذانًا بفَضْلِ هذا الكتاب على سائرِ الكتبِ، وفضل هذه الأمة على سائر الأمم.

стр. 6849

الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة؛ لأن الله اصطفاهم على سائر الأمم، وجعلهم أمة وسطًا؛ ليكونوا شهداء على الناس، واختصهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسل الله، وحمل الكتاب الذي هو أفضل كتب الله، ثم قسمهم إلى ظالم لنفسه مجرم: وهو المرجأ لأمر الله؛ ومقتصٍد: وهو الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا؛ وسابق من السابقين. والوجه الثاني: أنه قدم إرساله في كل أمّة رسولًا، وأنهم كذبوا برسلهم وقد جاءوهم بالبينات والزبر والكتاب المنير، ثم قال: (إنّ الذين يتلون كتاب الله)] فاطر: ٢٩ [، فأثنى على التالين لكتبه العاملين بشرائعه من بين المكذبين بها من سائر الأمم، واعترض بقوله: (وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ) ثم قال: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا) أى: من بعد أولئك المذكورين، يريد بالمصطفين من عباده: أهل الملة الحنيفية. فإن قلت: فكيف جعلت (جَنَّاتُ عَدْنٍ) بدلًا من (الفضل الكبير)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (ظالم لنفسِه مُجْرِم)، الراغب: ظلمُ النفسِ في الحقيقة هو التقصيرُ في تهذيبِها وسياستِها المذكورة في قوله ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]، وذلك أنّ كلَّ إنسانٍ سائسُ نَفْسِه، فمَتى لم يُوفِّ حَقَّ السياسةِ فقد ظلمَها ظُلْمَ الوالي رَعيّتَه، وخوطبَ مَنْ أُعْطِيَ القوّةَ ومُكِّنَ من البلوغِ إلى الدرجاتِ الرفيعةِ فرضيَ لنفسِه بأدنى منزلة. قولُه: (المُرجَأ لأمرِ الله)، النهاية: الإرجاء: التأخيرُ، مَهْموز. وفي حديثِ توبةِ كَعب بنِ مالك: ((وأرجَأ رسولُ الله ﷺ أمْرَنا)): أخَّرَنا. قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦]، أي: مؤخَّرون حتى يُنْزِلَ الله فيهم ما يُريد. قوله: (فكيف جعلت ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدلاً من ﴿الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾)، يعني: لما كانت

стр. 6850

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدلاً من ﴿الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾، وهو عبارةٌ عن السبق بالخيرات، فيلزَمُ أن يكونَ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدلاً من السبقِ بالخيرات، وليس بينهما مناسبةٌ ظاهراً ليُبْدَل منه. وتلخيصُ الجواب: أنّ السبقَ بالخيراتِ لما كان سببًا لنيلِ الثوابِ حُمِلَ على نَفْسِ الثوابِ إقامةً للسببِ مُقامَ المُسبَّب، ثم أُبْدِلَ منه، ولعَمْري هذا بعيدٌ عن الذوق، متعسِّفٌ جدًّا، وما دعاهُ إليه إلا تصحيحُ مَذْهَبه، ونحن معاشرَ أهل السنَّة نجعلُ المشارَ إليه بقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ ما سبق من معنى الإيراث، كما في ((الوسيط))، ونجعلُ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ جملةً مستأنفة. قال مُحيي السُّنة: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ يعني: إيراثَهم الكتابَ، ثم أخبرَ بثَوابهم فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ يعني: الأصناف الثلاثة. وقال أبو البقاء: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ خبرُ مُبتدأٍ محذوف أو مبتدأ، والخبر ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾. ويؤَيِّدُه ما رواهُ المصنِّفُ أنّه قُرِئَ: ((جَنّاتِ عَدْنٍ)) بالنصبِ على إضمارِ فعْلٍ يُفَسُرِّه الظاهرُ، أي: يدخلونَ جَنّاتِ عَدْنٍ يدخلونها، فنَتخَلَّصَ بهذا التأويلِ من هذا المضيقِ ويَسْلَمَ النظمُ السَّريُّ من الانفكاك، وهذا أولى مما ذهبَ إليه بوجوه: أحدُها: أن سُنّة الله جاريةٌ في هذا الكتابِ المجيد أن يُقابلَ ذكْرَ المؤمنينَ بذكْرِ مُخالفيهم، ويقارِنَ ذكر الجنة بذكر النار. ولما ذكر أوصافَ المؤمنينَ وما إليه مصيرُهم في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ وهلُمَّ جرًّا إلى قوله: ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ قابلَه بذكْرِ الكافرين وما

стр. 6851

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إليه مصيرُهم في قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾، فلو جعلَ بعضَ أولئك من أهل النارِ لبطلَ التقابُل ولناقضَ تفسيرَ رسول الله ﷺ على ما رواه الترمذيُّ عن أبي سعيدٍ أن النبيَّ ﷺ قال في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ قال: ((هؤلاءِ كلّهم بمنزلة واحدةٍ وكلُّهم في الجنة)). وثانيها: أنَّ قولَهم: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ لا يلتئمُ بما قبْلَه إذا جُعِلَ الشكورُ مقولاً للسابقِ بالخيراتِ والغفورٌ للظالمِ والمُقْتصِد، والعجَبُ أنه كيفَ بادرَ إلى لفظِ الشكورِ وقال: دلَّ الشكورُ على أنّ القومَ كثيروا الحسناتِ وتقاعَدَ عن لفظِ الغَفور في أنه دلَّ على أنّ القومَ كثيرو السيئات، وعن قولِ ابن عباس: ((غفَرَ العظائمَ من ذنوبِهم، وشكرَ اليسيرَ من محاسنِ أعمالِهم))! وما روى الإمام أحمد عن أبي الدرداءِ عن رسولِ الله ﷺ بعد ما ذكرَ تفسيرَ الفريقَيْن قال: ((وأما الذينَ ظلموا أنفُسَهم فأولئك الذي يُحْبَسون في طولِ المَحْشَر، ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته، فهم الذين يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾، وفي ((المعالم)): نحوه. وثالثها: وهل يليقُ ويَستقيمُ أن يمدحَ الله قومًا في أولِ كلامِه بقوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ - وقد قال المصنِّف: ((وهم أمَّةٌ من الصحابةِ والتابعينَ ومَنْ بعدَهم إلى يومِ القيامة، لأنّ الله تعالى اصطفاهُم على سائرِ الأُمم وجعلَهم أمةً وسطًا شُهداءَ على الناسِ واختَصَّهم بكرامةِ الانتماءِ إلى أفضَلِ رُسِل الله وحَمْلِ الكتابِ الذي هو أفضَلُ كُتبِ الله، ثم قَسَّمهم إلى ظالمٍ لنفسه)) إلى آخرِ ما قال فيهم- ثم يرجعُ إلى آخرِ كلامِه ويجعلُ أكثَرهم من الذين يُخَلَّدون في النار؟ ! قال صاحبُ ((الانتصاف)): قد صُدِّرَتِ القصّةُ

стр. 6852

الذي هو السبق بالخيرات المشار إليه بـ (ذلك)؟ قلت: لما كان السبب في نيل الثواب، نزل منزلة المسبب، كأنه هو الثواب؛ فأبدلت عنه (جنات عدن). وفي اختصاص السابقين بعد التقسيم بذكر ثوابهم والسكوت عن الآخرين ما فيه من وجوب الحذر، فليحذر المقتصد، وليهلك الظالم لنفسه حذرًا، وعليهما بالتوبة النصوح المخلصة من عذاب الله، ولا يغترا بما رواه عمر رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ : «سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له»؛ فإنّ شرط ذلك صحة التوبة؛ لقوله ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بذكْرِ المصطفَيْن من عبادِ الله، ثم قَسَّمهم إلى الظالمِ والمقتصدِ والسابقِ فيلزَمُ اندراجُ الظالمِ الموَحِّدِ في المصطَفْين وإنّه لمنهم، وأيُّ نِعمةٍ أعظمُ من اصطفائه للتوحيد والعقائد السالمة من البدَع، فما بالُ الزمخشريّ يُطنبُ في التسوية بين الموحِّدِ المُصْطفى وبين الكافرِ المَخْزِيِّ. وقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ عائدٌ إلى المصطفَيْن عُمومًا، وإعرابُها مبتدأٌ، و ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ خَبرهُ، وقولهُ: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ خَبَرٌ بعدَ خَبَر. قولُه: (حَذَرًا) أي: فليَحذَرْ حَذَرًا أيَّ حَذَر، وليهلكَ من جِهةِ الحِذار، أو لأجلِه، أو حالَ كونِه حَذِرًا. قولُه: (وعليهما بالتوبة النصوح)، عن بعضِهم: هو من قولِهم: نصحت الإبل الشُّرْبَ تنصَحُ نُصوحًا، أي: صدقتُها، وأنصَحْتُها أنا أروَيْتُها، ومنه التوبةُ النصوحُ، وهي الصادقة. قولُه: (سابقُنا سابق)، الحديث رواه البيهقيُّ في ((البعث والنشور))، ومعنى: ((سابقنا سابق)) أي: مَن زادت حسناته على سيئاته فهو الذي يدخلُ الجنة بغير حساب، و ((مقتصدنا ناجٍ)): أن من استوت حسناتُه وسيئاتُه فهو يحاسبُ حسابًا يسيرًا، ثم يدخل الجنة، و ((ظالمنا مغفورٌ له)): أن من أوْثقَ نَفْسَه بالذنوب، فهو إمّا أن تُدركه الشفاعةُ، أو يغفر الله تعالى له بفَضْله، أو يُعذّبه بقَدرِ ذَنْبِه ثم يخرجه ويدخله الجنة. روى البيهقيُّ عن جابرٍ بنِ عبدِ الله ﵁ حديثًا موقوفًا عليه هذا معناه.

стр. 6853

تعالى: (عَسَى الله أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)] التوبة: ١٠٢ [، وقوله: (إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ)] التوبة: ١٠٦ [، ولقد نطق القرآن بذلك في مواضع من استقرأها اطلع على حقيقة الأمر، ولم يعلل نفسه بالخدع. وقرئ: (سباق). ومعنى: (بِإِذْنِ الله): بتيسيره وتوفيقه. فإن قلت: لم قدم الظالم ثم المقتصد ثم السابق؟ قلت: للإيذان بكثرة الفاسقين وغلبتهم، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم، والسابقون أقل من القليل. وقرئ: (جنة عدن) على الإفراد، كأنها جنة مختصة بالسابقين، و: (جنات عدن): بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر؛ أى يدخلون جنات عدن يدخلونها، و (يدخلونها) على البناء للمفعول، و (يحلون) من: حليت المرأة، فهي حال. (وَلُؤْلُؤاً) معطوفًا على محل (من أساور)، و (من) داخلة للتبعيض، أى: يحلون بعض أساور من ذهب، كأنه بعض سابق لسائر الأبعاض، كما سبق المسوّرون به غيرهم. وقيل: إنّ ذلك الذهب في صفاء اللؤلؤ. و (لولؤا) بتخفيف الهمزة الاولى. وقرى: (الحزن) والمراد: حزن المتقين، وهو ما أهمهم من خوف سوء العاقبة، كقوله تعالى: (إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ فمنّ الله علينا ووقانا عذاب السموم)] الطور: ٢٦ - ٢٧ [. وعن ابن عباس ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (كأنه بعضٌ سابقٌ لسائرِ الأبعاض)، أي: في ذكْرِ البعضِ الدلالةُ على فَضَلِها وتفوقها على سائر الأبعاضِ كما سبقَ المُسَوَّرون به غيرَهم بهذا البعضِ من الأساورِ، ونحوهُ قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢]، وأريد به محمَّدٌ صلواتُ الله عليه، واللامُ في ((لسائرِ)) كاللام في: ((أنا ضاربٌ لزيد)). قولُه: (((ولولؤًا)) بتخفيفِ الهمزةِ الأولى)، في ((التيسير)): ترك أبو بكر وأبو عَمْروٍ -إذا خفف- الهمزة الأولى من ((لؤلؤًا))، وحَمزَة إذا وقفَ: سَهَّل الهمزتَيْن على أصلِه، وهشامٌ: يسهِّلُ الثانيةَ فيه في غيرِ النصبِ على أصلِه، والباقونَ يُحقِّقُونهما.

стр. 6854

رضي الله عنهما: حزن الاعراض والآفات. وعنه: حزن الموت. وعن الضحاك: حزن إبليس ووسوسته. وقيل: همّ المعاش. وقيل: حزن زوال النعم، وقد أكثروا حتى قال بعضهم: كراء الدار، ومعناه: أنه يعم كل حزن من أحزان الدين والدنيا، حتى هذا. وعن رسول الله ﷺ : «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في محشرهم ولا في مسيرهم؛ وكأنى بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن وجوههم ويقولون: (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن) ". وذكر الشكور دليل على أن القوم كثير والحسنات. (المقامة): بمعنى الإقامة، يقال: أقمت إقامة ومقامًا ومقامة. (مِنْ فَضْلِهِ): من عطائه وإفضاله؛ من قولهم: لفلاٍن فضول على قومه وفواضل، وليس من الفضل الذي هو التفضل؛ لأن الثواب بمنزلة الأجر المستحق، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (يخرجونَ من قبورِهم وهم ينفضون الترابَ عن وجوهِهم ويقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾)، الحديث ما وجدته في الأصول، غير أنه غيرُ موافقٍ لظاهر الآية؛ لأنَّ السابقَ جنات عدن يدخلونها، واللاحق الذي أحلنا دار المقامة صريح في أن مثل هذا القول صادر عنهم في الجنة. قولُه: (﴿الْمُقَامَةِ﴾ بمعنى الإقامة)، عن بعضِهم: دار المُقامةِ مفعولٌ ثانٍ لـ ﴿أَحَلَّنَا﴾، وليسَت بظَرْفٍ لأنها محدودة، ﴿وَلَا يَمَسُّنَا﴾ حالٌ من المفعولِ الأول. قولُه: (﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: من عطائِه وإفْضاله)، الإفضالُ: الإحسانُ. أفضَلَ عليه وتفَضَّل: بمَعنى، وأفضَلَ منه فَضْلةً. قولُه: (وليسَ من الفضلِ الذي هو التفضُّل)، وعند أهلِ السنّة مِنْ تَفضُّلهِ وكَرمه. قال الزجاج والواحدي: ذلك بتفضّلهِ لا بأعمالِنا، وفي ((المطْلع)): لا باستحقاقِنا. لأن العملَ

стр. 6855

والتفضل كالتبرع. وقرئ: (لغوب) بالفتح؛ وهو اسم ما يلغب منه، أى: لا نتكلف عملًا يلغبنا، أو مصدر كالقبول والولوغ، أو صفة للمصدر، كأنه لغوب لغوب، كقولك: موت مائت. فإن قلت: ما الفرق بين النصب واللغوب؟ قلت: النصب: التعب والمشقة التي تصيب المنتصب للأمر المزاول له، وأما اللغوب: فما يلحقه من الفتور بسبب النصب، فالنصب: نفس المشقة والكلفة، واللغوب: نتيجته وما يحدث منه من الكلال والفترة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ معناه زائلٌ، ثوابُ الجنةِ دائم لا يزولُ، ولعلّ المصنِّفَ لما خَصَّ قوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ إلى آخره بالسابقِ دونَ الظالمِ والمُقتصِدِ ذهبَ إلى هذا المعنى. قولهُ: (وقُرِئَ: ((لَغوب)) بالفتح)، قالَ ابنُ جنِّي: وهي قراءةُ عليٍّ ﵁ والسُّلَميِّ، وفيه وجهان: إن شئْتَ حَمَلْتَه على ما جاء من المصادر على الفَعولِ، نَحْو: الوَضوء والوَلوع والوَقود، وإن شئْتَ جعلتَه صفةً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: لا يَمسُّنا فيها لُغوبُ لَغوبٍ، على قولِهم: شِعْرُ شاعرٍ ومَوْتُ مائتٍ، كأنه وصَفَ اللُّغوبَ بأنه قد لَغِبَ، أي: أعيي وتَعِب. وعليه قولُهم: جُنَّ جنونُه، وخرَجَتْ خَوارجُه، وعلى هذا حملَ أبو بكرٍ قولَهم: توضأت وَضوءًا، أي: وُضوءًا وَضوءًا. وحكى أو زيد: رجلٌ ساكوتٌ بيِّن الساكوتة، فلما قرأتُ هذا على أبي عليٍّ حمله على قياس قول أبي بكر، فقال: تقديرُه بَيِّن السكتةِ الساكوتةِ، فجَعل الساكوتةَ صفةَ مصدرٍ محذوف، وحَسَّنَ ذلك عندي أنه من لفظِه. قولُه: (واللُّغوب: نتيجتُه)، أجابَ عن الفَرْقِ ولم يُبيِّنِ الأسلوبَ بأنه مِن أيِّ قَبيلٍ هو، ولأيِّ فائدةٍ تكرارُ ((المسّ))؟ أما الأسلوبُ فمن باب قولِه: لا ترى الضَّبَّ بها يَنجَحِر

стр. 6856

[(وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ)] ٣٦ - ٣٧ [ (فَيَمُوتُوا) جواب النفي، ونصبه بإضمار "أن". وقرئ: (فيموتون) عطفًا على (يقضى)، وإدخالًا له في حكم النفي، أى: لا يقضى عليهم الموت فلا يموتون، كقوله: (وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ)] المرسلات: ٣٦ [. (كَذلِكَ) مثل ذلك الجزاء (يجزى)، وقرئ: (يجازى)، و (نجزى كُلَّ كَفُورٍ) بالنون. (يَصْطَرِخُونَ): يتصارخون: يفتعلون ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقولِه: على لاحِبٍ لا يُهتَدى بمَنارِهِ أي: لا ضَبَّ ولا انجِحار، ولا مَنارَ ولا اهتِداء، ولا نَصَبَ ولا لُغوب. والمُرادُ نفيُ النَّصَب، وإنما ضمَّ إليه نتيجتَه ليُؤذِنَ بأنّ انتِفاءَ السَّبَبِ أمرٌ مُحقَّقٌ لا نِزاعَ فيه، وبلغَ في تحقُّقِه إلى أنْ صارَ كالشاهدِ على نفي المُسبَّب، وهو اللُّغوب. وتكريرُ ((المسّ)) للترديدِ وتعليقِ كُلِّ مرّةٍ ما لم تُعلَّقْ به أولاً، كقولِ الشاعر: لو مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ قولُه: (﴿فَيَمُوتُوا﴾ جوابُ النفي)، ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم﴾ في محلِّ فاعل ﴿يُخَفَّفُ﴾، و ﴿مِّنْ عَذَابِهَا﴾ في موضع نصب، ويجوز العكس. قولُه: (وقُرِئَ ((يُجازي)) و ((يُجْزي)) و ﴿نَجْزِي﴾)، بالنون: كلّهم إلا أبا عمروٍ، فإنه قرأ بالياءِ مَضمومةً وفتَحَ الزاي)).

стр. 6857

من الصراخ؛ وهو الصياح بجهد وشدّة. قال: كصرخة حبلى أسلمتها قبيلها واستعمل في الاستغاثة لجهد المستغيث صوته. فإن قلت: هلا اكتفى بـ (صالحا) كما اكتفى به في قوله تعالى: (فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً)] السجدة: ١٢ [؟ وما فائدة زيادة (غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) على أنه يوهم أنهم يعملون صالحًا آخر غير الصالح الذي عملوه؟ قلت: فائدة زيادتها التحسر على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به. وأما الوهم فزائل لظهور حالهم في الكفر وركوب المعاصي؛ ولأنهم كانوا يحسبون أنهم على سيرةٍ صالحة، كما قال الله تعالى: (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)] الكهف: ١٠٤ [، فقالوا: أخرجنا نعمل صالحًا غير ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (كصَرْخَة حُبْلى)، أوَّلُه: قصدْتُ إلى عَنْسي لأجدَحَ رَحْلَها … وقد حانَ من تلك الدِّيارِ رَحيلُها فأنَّتْ كما أنَّ الأسيرُ وصَرَّخَتْ … كصَرْخةِ حُبْلى أسلمَتْها قَبيلها أسلمَتْها: خذَلَتْها، مِن قولهم: أسلَمَه، أي: خذَلَه. والقبيلُ: القابلة، وقيل: كلُّ جيلٍ من إنسٍ وجنٍّ قَبيل. قولُه: (ولأنهم كانوا يَحسَبون)، تسليمٌ للاعتراضِ بعد الاعتذارِ منه، أي: يجوزُ اعتبارُ أنَّهم يعملون صالحًا آخرَ بناءً على زَعْمِهم؛ لأنهم كانوا يُحْسِنون صُنعًا، فعلى الأول: الصفةُ مؤكِّدة، وعلى الثاني: مميِّزة. قال أبو البقاء: ﴿صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي﴾ يجوز أن يكونَ صفتَيْن لمصدرٍ محذوفٍ أو مفعولٍ محذوف، ويجوزُ أن يكونَ ﴿صَالِحًا﴾ نعتًا للمصدرِ و ﴿غَيْرَ الَّذِي﴾ مفعولاً.

стр. 6858

الذي كنا نحسبه صالحًا فنعمله. (أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ) توبيخ من الله، يعنى: فنقول لهم. وقرئ: (ما يذكر فيه من أذكر) على الإدغام، وهو متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه وإن قصر؛ إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم. وعن النبي ﷺ : «العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة". وعن مجاهد: ما بين العشرين إلى الستين. وقيل: ثماني عشرة وسبع عشرة. و (النَّذِيرُ): الرسول. وقيل: الشيب. وقرئ: (وجاءتكم النذر). فإن قلت: علام عطف (وجاءكم النذير)؟ قلت: على معنى: (أو لم نعمركم)؛ لأن لفظه لفظ استخبار. ومعناه معنى إخبار، كأنه قيل: قد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم﴾ توبيخٌ من الله)، يعني: فنقولُ لهم، أي: يقولُ الله لهم ذلك موبِّخًا. قالَ الزجاج: معناه: أو لم نُعَمِّرْكم العُمرَ الذي يتذكَّر فيه مَنْ تذكَّر. وقال ابن الحاجب: ﴿مَّا﴾ لا يستقيمُ أن تكونَ نافيةً من حيثُ اللفظ ومن حيث المعنى. وأما اللفظُ فلأنها يجبُ قَطْعُها عن ﴿نُعَمِّرْكُم﴾، لأنه لا يجوزُ أن يكونَ النفيُ من معمولهِ، وأيضًا فإنَّ الضمير في ﴿فِيهِ﴾ يرجع إلى غير مذكور. وأما المعنى: فلأن قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم﴾ إنما سيق لإثباتِ التعميرِ وتوبيخِهم على تركِهم التذكيرَ فيه، فإذا جُعِلَ نفيًا كان فيه إخبارٌ عن نفيِ تذكُّرِ متذكِّر فيه فظاهرُه على ذلك نَفْيُ التعمير؛ لأنه إذا كان زمانًا لا يتذكَّرُ فيه متذكِّرٌ لزِمَ أن لا يكون تعميرًا وهو خلافُ قولِه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم﴾. قولُه: (العُمْرُ الذي أعذرَ الله فيه) الحديثُ من رواية البخاري عن أبي هريرة قال: قالَ رسول الله ﷺ : ((أعذَرَ الله إلى امرئٍ أخّر أجلَه حتى بلغ ستين سنة)). النهاية: أي: لم يُبْقِ فيه موضعًا للعتذارِ حيث أمهَلَه طولَ هذه المدةِ ولم يَعْتَذر. يقال: أعذَرَ الرجلُ؛ إذا بلغ أقصى الغايةِ في العُذْر.

стр. 6859

عمرناكم وجاءكم النذير. (إِنَّ الله عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ)] ٣٨ [ (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) كالتعليل؛ لأنه إذا علم ما في الصدور وهو أخفى ما يكون؛ فقد علم كل غيٍب في العالم. وذات الصدور: مضمراتها، وهي تأنيث "ذو" في نحو قول أبى بكر رضى الله عنه: ذو بطن] بنت [خارجة جارية. وقوله: لتغنى عنّى ذا إنائك أجمعا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (ذو بَطْنِ [بنت] خارجة)، قيل: خارجة: جاريةُ امرأةٍ من بَجيلةَ ولدَتْ كثيرًا من قبائلِ العرب. أي: جَنينُها جارية. المغرب: ذو بَطْنِ بنتِ خارجة جارية؛ أي: جَنينُها، وألقت الدجاجة ذا بَطْنِها. قولُه: (لتُغْنيَ عني ذا إنائك أجْمعا)، أوله: إذا قالَ قَدْني قُلْتُ بالله حِلْفة قدْني وقَطْني؛ أي: حَسْبي. حِلْفةً: نصْبٌ مَصْدَرٌ للفعلِ المحذوف الذي يتعلَّق به الباءُ في ((بالله))، واللامُ في ((لتُغْنيَ)) للقسَم وأصله: ((لتُغْنينْ)) بالنون الخفيفة المؤكّدة، فلما حُذفَت بَقِيت الياءُ مفتوحةً على ما كانت عليه قبل الحذفِ لثبوتِ النونِ الخفيفة في النية. ((لِتُغْني عني)) أي: بَعِّدْ عني وتَنَحَّ جميعَ ما في إنائك، ولا تُعِدْهُ إليَّ بل اشرَبْ، والعرب تقول: اغنِ عَنّي وَجْهَك، أي: بَعِّدْه، وإنما أضافَ الإناءَ إلى المخاطَبِ وليس الإناء له وإنما هو للمتكلِّم؛ لِما بينَ المخاطَبِ وبينَ الإناءِ مُلابَسة، تقول لما نزل الضيفُ بالمُضيف: أكرم مثواه، وبالغ في سَقْيه، فقال الضيفُ للمضيفِ وهو يسقيه ما في الإناء: حَسْبي ما شربتُه، فقال له الساقي: أُقْسِمُ بالله لتشربَنَّ جميعَ ما في إنائِك من اللبن. قال المصنِّف: فَرْقٌ

стр. 6860

المعنى: ما في بطنها من الحبل، وما في إنائك من الشراب؛ لأن الحبل والشراب يصحبان البطن والإناء. ألا ترى إلى قولهم: معها حبل؟ وكذلك المضمرات تصحب الصدور، وهي: معها، وذو: موضوع لمعنى الصحبة. [(هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَساراً)] ٣٩ [ يقال للمستخلف: خليفة وخليف؛ فالخليفة يجمع: خلائف، والخليف: خلفاء، والمعنى: أنه جعلكم خلفاءه في أرضه قد ملككم مقاليد التصرف فيها وسلطكم على ما فيها، وأباح لكم منافعها؛ لتشكروه بالتوحيد والطاعة، (فَمَنْ كَفَر) منكم وغمط مثل هذه النعمة السنية، فوبال كفره راجع عليه؛ وهو مقت الله الذي ليس وراءه خزى وصغار، وخسار الآخرة الذي ما بعده خسار. والمقت: أشدّ البغض، ومنه قيل لمن ينكح امرأة أبيه: مقتى؛ لكونه ممقوتًا في كل قلب. وهو خطاب للناس، وقيل: خطاب لمن بعث إليهم رسول الله ﷺ ؛ أي: جعلكم أمّة خلفت من قبلها، ورأت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بين قولك: رجلٌ ذو إناءٍ وقولِك: اشرَبْ ذا إنائك، وذلك أنك وصفْتَ الرجلَ بأنه صاحبُ إناءٍ ومالكُه وليس كالآخر لا إناءَ له، وأردْتَ بالثاني: أنه في الإناءِ فإضافتُه كإضافةِ اشرَبْ شرابَ إنائك. أي: اشرَبْ جميعَ ما في الإناء. قولُه: (خلفاءَه في أرضِه)، الراغب: خلفَ فلانٌ فلانًا: قامَ بالأمرِ إما بَعْدَه وإما معَه، والخلافة: النيابةُ عن الغيرِ إمّا لغيبةِ المنوبِ عنه، وإما لموتِه، وإما لعَجْزه، وإما لتشريفِ المُسْتخلَف، وعلى الوجهِ الأخيرِ استخلف الله تعالى عباده في الأرض قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾. وقلت: وإلى هذا المعنى نظرَ المصنِّفُ حيث قال: ((وغَمَطَ مثْلَ هذه النعمةِ السَّنية)).

стр. 6861

وشاهدت فيمن سلف ما ينبغي أن تعتبر به، فمن كفر منكم فعليه جزاء كفره من مقت الله وخسار الآخرة، كما أنّ ذلك حكم من قبلكم. [(قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً)] ٤٠ [ (أَرُونِي) بدل من (أرأيتم)؛ لأنّ معنى (أرأيتم): أخبرونى، كأنه قال: أخبرونى عن هؤلاء الشركاء وعما استحقوا به الإلهية والشركة، أرونى أى جزء من أجزاء الأرض استبدوا بخلقه دون الله، أم لهم مع الله شركة في خلق السماوات؟ أم معهم كتاب من عند الله ينطق بأنهم شركاؤه فهم على حجة وبرهان من ذلك الكتاب؟ أو يكون الضمير في (آتَيْناهُمْ) للمشركين، كقوله: (أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً)] الروم: ٣٥ [. (أم آتيناهم كتابا) من قبله. (بل إن يعد) بعضهم؛ وهم الرؤساء (بَعْضاً)؛ وهم الأتباع (إِلَّا غُرُوراً)؛ وهو قولهم: (هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ الله)] يونس: ١٨ [. وقرئ: (بينات). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (أيَّ جزءٍ من أجزاءِ الأرضِ استبدُّوا بخَلْقِه دون الله)، إنما فَسَّر ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ بهذا، وجعل ((ما)) استفهامية ليتنزّل إلى قولِه: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ثم إلى قوله: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا﴾، لأنّ ((أم)) مُنقطعةٌ متضمِّنةٌ للهمزة، و ((بل)) تقتضي التدرُّج، كأنه قيل: أخبروني الذين تَدْعونَ من دون الله هل استبدّوا بخلقِ شيءٍ حتى يكونوا مَعْبودينَ مثْلَ الله، ثم نزلَ منه إلى: ألَهُمْ شَرِكةٌ في الخَلْق؟ ثم نزلَ منه إلى: أم معَهم بَيِّنةٌ وحُجّةٌ مكتوبةٌ بالشرِكة؟ وإذا جُعلَ الضميرُ في ﴿آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا﴾ للمشركين لا للأصنام، فيكونُ التدرجُ من دليلِ العقل إلى دليل النقل. قولُه: (وقُرِئَ: ((بَيَّناتٍ)))، نافعٌ وابنُ عامرٍ وأبو بكرٍ والكِسائيّ: بالجمع، والباقون: بغيرِ ألفٍ على التوحيد.

стр. 6862

[(إِنَّ الله يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً)] ٤١ [ (أَنْ تَزُولا): كراهة أن تزولا، أو: يمنعهما من أن تزولا؛ لأن الإمساك منع. (إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً) غير معاجل بالعقوبة، حيث يمسكهما، وكانتا جديرتين بأن يهدّا هدّا؛ لعظم كلمة الشرك، كما قال: (تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ)] مريم: ٩٠ [. وقرئ: (ولو زالتا). وإن أمسكهما: جواب القسم في (وَلَئِنْ زالَتا) سدّ مسدّ الجوابين، و (من) الأولى مزيدة لتأكيد النفي، والثانية: للابتداء. و (من بعده): من بعد إمساكه. وعن ابن عباس رضى الله عنه: أنه قال لرجٍل مقبٍل من الشام: من لقيت به؟ قال: كعبًا. قال: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: إنّ السماوات على منكب ملك. قال: كذب كعب! أما ترك يهوديته بعد؟ ! ثم قرأ هذه الآية. [(وَأَقْسَمُوا بِالله جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (٤٢) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَحْوِيلاً (٤٣) أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ الله لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً)] ٤٢ - ٤٤ [ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (غَيْرَ مُعاجلٍ بالعُقوبةِ حيثُ يُمْسِكُهما)، قالَ الزجاج: سأل بعضُهم: لم كانَ في هذا الموضع ذِكْرُ الحلم والمغفرة والمقام يدل على القدرة؟ والجوابُ: أنه تعالى لما أمسكَ السماواتِ والأرضَ عند قولهم: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٨]، حَلُمَ فلم يُعَجِّل لهم بالعقوبة، وكان مِن حَقِّ السماوات والأرضِ أن تَزولا مِن عَظيمِ فِرْيَتِهم.

стр. 6863

بلغ قريشًا قبل مبعث رسول الله ﷺ أنّ أهل الكتاب كذبوا رسلهم، فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم، فو الله لئن أتانا رسوٌل لنكونن أهدى من إحدى الأمم، فلما بعث رسول الله ﷺ كذبوه. وفي (إِحْدَى الْأُمَمِ) وجهان؛ أحدهما: من بعض الأمم، ومن واحدةٍ من الأمم من اليهود والنصارى وغيرهم. والثاني: من الأمّة التي يقال لها إحدى الأمم؛ تفضيلًا لها على غيرها في الهدى والاستقامة. (ما زادَهُمْ) إسناد مجازى؛ لأنه هو السبب في أن زادوا أنفسهم نفورًا عن الحق وابتعادًا عنه، كقوله: (فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ)] التوبة: ١٢٥ [. (اسْتِكْباراً) بدل من (نفورا)، أو مفعول له، على معنى: فما زادهم إلا أن نفروا استكبارًا وعلوًّا فِي الْأَرْضِ، أو حال بمعنى: مستكبرين وماكرين برسول الله ﷺ والمؤمنين. ويجوز أن يكون (وَمَكْرَ السَّيِّئِ) معطوفًا على نفورًا فإن قلت: فما وجه قوله: (وَمَكْرَ السَّيِّئِ)؟ قلت: أصله: وأن مكروا السيئ، أى المكر السيئ، ثم ومكرا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولُه: (من الأمةِ التي يقال لها إحدى الأمم)، هذا كما يقال: واحدُ القومِ وأوحَدُ العصر، أي: أفضَلُهم. الأساس: وهو واحدُ قومِه وأوحَدُهُم، وهو واحدُ أُمّه، وفلانٌ وَحدٌ وَوحيدٌ، واستوحَدَ: انفرد، وأوحَدَ الله فلانًا: جَعَله بلا نَظير، وعن بعضِهم: تقولُ العربُ للداهيةِ العظيمة: هي إحدى الإحَد، وإحدى من سبع، أي: إحدى ليالي عادٍ في الشدَّة. قولُه: (أصلُه: وأن مكَروا السيّء، أي: المَكْرَ السيء)، قالَ مَكّي: هو من إضافةِ الموصوفِ إلى الصفةِ تقديرُه: ومكَروا المكْرَ السيءَ، ودليلُه قولُه بعد ذلك: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ فـ ((مَكْرَ السَّيِّئ)) انتصبَ على المصدرِ ثم أُضيفَ إلى نَعْتِه اتساعًا، كصلاةِ الأولى ومسجد الجامع. وفي ((التيسير)): نحوهُ إضافة الحق إلى اليقين، ووصفه بالسيء؛ لأنه كانَ

стр. 6864

السيئ، ثم ومكر السيئ. والدليل عليه: قوله: (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ). ومعنى (يحيق): يحيط وينزل. وقرئ: (ولا يحيق المكر السيئ) أى: لا يحيق الله، ولقد حاق بهم يوم بدر. وعن النبي ﷺ : "لا تمكروا ولا تعينوا ماكراً؛ فإنّ الله تعالى يقول: (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ)، ولا تبغوا ولا تعينوا باغيًا، يقول الله تعالى: (إنما بغيكم على أنفسكم)] يونس: ٢٣ [». وعن كعب: أنه قال لابن عباس رضى الله عنهما: قرأت في التوراة: من حفر مغواةً وقع فيها. قال: أنا وجدت ذلك في كتاب الله، وقرأ الآية. وفي أمثال العرب: من حفر لأخيه جبًا، وقع فيه منكبًا. وقرأ حمزة: (ومكر السيئ) بإسكان الهمزة؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للصدِّ عن الحق، وقد يكون المكرُ حَسنًا إذا كان احتيالاً للدعاء، ومنه قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]. قولُه: (مُغَوّاة)، الجوهري: المُغوَّياتُ بفَتْح الواو مُشَدَّدة جَمْعُ المُغَوّاة، وهي: حُفْرة كالزُّبْيةِ بالزاي المضمومةِ، يقال: مَنْ حَفر مُغَوّاةً وقع فيها. وفي ((المستقصى)): يُضرَبُ لمن أرادَ بصاحبهِ مكرًا فحاقَ به. قولُه: (وقرأَ حَمْزة: ((ومَكْرَ السِّيْئ))، بإسكانِ الهمزةِ)، في ((التيسير)): قرأها حمزةُ في الوصلِ لتوالي الحركات تخفيفًا، كما سكَّن أبو عمروٍ والهمزةَ في ﴿بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] لذلك، وإذا وقَف أبدَلها ياءً ساكنة، والباقون: بخَفْضِها في الوصلِ، ويجوزُ روْمُها وإسكانُها في الوقف. وفي ((المطْلع)): قال أبو جعفر النحاس: وقفَ عليه حمزةُ، وهو وَقْفٌ تامّ، فظنّ الراوي أنه وَصْلٌ لخفة الوقفة.

стр. 6865

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال الزجاج: وقرأ حمزة: ((ومَكْرَ السّيِّئ)) موقوفًا، وهذا عند النحويين لَحْن، وإنما يجوز في اضطرارِ الشعر، وأنشدوا: إذا اعوجَجْنَ قلتُ: صاحِ قَوِّمِ أي: يا صاحب، والأصلُ: يا صاحبُ قَوِّم، لكنه حذفَ مَضطرًّا، وكان الضم بعد الكَسر، والكسر بعْدَ الكسر مستثقلاً، وأنشَدوا: فاليومَ أشرَبْ غيرَ مُسْتحقِبٍ … إثْمًا من الله ولا واغِلِ وهذان البيتان قد أنشدَهما جميعُ النحويينَ الحذّاق، وزعموا كلهم أن هذا من الاضطرار لا يجوز مثله في كتاب الله تعالى، وأنشدَهما محمدُ بن يزيد: إذا اعوجَجْن قُلْتُ: صاحِ قَوِّمِ وهذا جيد بالغ، وأنشدنا: فاليومَ فاشْرَبْ غيرَ مستحقِب وأما ما يُروى عن أبي عمروٍ بن العلاء: ((إلى بارِئْكم)) [البقرة: ٥٤]، فإنّما هو أن يختلسَ الكَسْر اختلاسًا ولا يَجْزِم، وراويه غيرُ ضابطٍ ضَبْطَ سيبَويْهِ والخليل. ورواهُ سيبويهِ باختلاسِ الكَسْر، كأنه يقلل صوتَه عند الكسر.
следующие страницы →