Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.
стр. 6861
وشاهدت فيمن سلف ما ينبغي أن تعتبر به، فمن كفر منكم فعليه جزاء كفره من مقت الله وخسار الآخرة، كما أنّ ذلك حكم من قبلكم.
[(قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً)] ٤٠ [
(أَرُونِي) بدل من (أرأيتم)؛ لأنّ معنى (أرأيتم): أخبرونى، كأنه قال: أخبرونى عن هؤلاء الشركاء وعما استحقوا به الإلهية والشركة، أرونى أى جزء من أجزاء الأرض استبدوا بخلقه دون الله، أم لهم مع الله شركة في خلق السماوات؟ أم معهم كتاب من عند الله ينطق بأنهم شركاؤه فهم على حجة وبرهان من ذلك الكتاب؟ أو يكون الضمير في (آتَيْناهُمْ) للمشركين، كقوله: (أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً)] الروم: ٣٥ [. (أم آتيناهم كتابا) من قبله. (بل إن يعد) بعضهم؛ وهم الرؤساء (بَعْضاً)؛ وهم الأتباع (إِلَّا غُرُوراً)؛ وهو قولهم: (هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ الله)] يونس: ١٨ [. وقرئ: (بينات).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (أيَّ جزءٍ من أجزاءِ الأرضِ استبدُّوا بخَلْقِه دون الله)، إنما فَسَّر ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ بهذا، وجعل ((ما)) استفهامية ليتنزّل إلى قولِه: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ثم إلى قوله: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا﴾، لأنّ ((أم)) مُنقطعةٌ متضمِّنةٌ للهمزة، و ((بل)) تقتضي التدرُّج، كأنه قيل: أخبروني الذين تَدْعونَ من دون الله هل استبدّوا بخلقِ شيءٍ حتى يكونوا مَعْبودينَ مثْلَ الله، ثم نزلَ منه إلى: ألَهُمْ شَرِكةٌ في الخَلْق؟ ثم نزلَ منه إلى: أم معَهم بَيِّنةٌ وحُجّةٌ مكتوبةٌ بالشرِكة؟ وإذا جُعلَ الضميرُ في ﴿آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا﴾ للمشركين لا للأصنام، فيكونُ التدرجُ من دليلِ العقل إلى دليل النقل.
قولُه: (وقُرِئَ: ((بَيَّناتٍ)))، نافعٌ وابنُ عامرٍ وأبو بكرٍ والكِسائيّ: بالجمع، والباقون: بغيرِ ألفٍ على التوحيد.
стр. 6862
[(إِنَّ الله يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً)] ٤١ [
(أَنْ تَزُولا): كراهة أن تزولا، أو: يمنعهما من أن تزولا؛ لأن الإمساك منع. (إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً) غير معاجل بالعقوبة، حيث يمسكهما، وكانتا جديرتين بأن يهدّا هدّا؛ لعظم كلمة الشرك، كما قال: (تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ)] مريم: ٩٠ [. وقرئ: (ولو زالتا). وإن أمسكهما: جواب القسم في (وَلَئِنْ زالَتا) سدّ مسدّ الجوابين، و (من) الأولى مزيدة لتأكيد النفي، والثانية: للابتداء. و (من بعده): من بعد إمساكه. وعن ابن عباس رضى الله عنه: أنه قال لرجٍل مقبٍل من الشام: من لقيت به؟ قال: كعبًا. قال: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: إنّ السماوات على منكب ملك. قال: كذب كعب! أما ترك يهوديته بعد؟ ! ثم قرأ هذه الآية.
[(وَأَقْسَمُوا بِالله جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (٤٢) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَحْوِيلاً (٤٣) أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ الله لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً)] ٤٢ - ٤٤ [
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (غَيْرَ مُعاجلٍ بالعُقوبةِ حيثُ يُمْسِكُهما)، قالَ الزجاج: سأل بعضُهم: لم كانَ في هذا الموضع ذِكْرُ الحلم والمغفرة والمقام يدل على القدرة؟ والجوابُ: أنه تعالى لما أمسكَ السماواتِ والأرضَ عند قولهم: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٨]، حَلُمَ فلم يُعَجِّل لهم بالعقوبة، وكان مِن حَقِّ السماوات والأرضِ أن تَزولا مِن عَظيمِ فِرْيَتِهم.
стр. 6863
بلغ قريشًا قبل مبعث رسول الله ﷺ أنّ أهل الكتاب كذبوا رسلهم، فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم، فو الله لئن أتانا رسوٌل لنكونن أهدى من إحدى الأمم، فلما بعث رسول الله ﷺ كذبوه. وفي (إِحْدَى الْأُمَمِ) وجهان؛ أحدهما: من بعض الأمم، ومن واحدةٍ من الأمم من اليهود والنصارى وغيرهم. والثاني: من الأمّة التي يقال لها إحدى الأمم؛ تفضيلًا لها على غيرها في الهدى والاستقامة. (ما زادَهُمْ) إسناد مجازى؛ لأنه هو السبب في أن زادوا أنفسهم نفورًا عن الحق وابتعادًا عنه، كقوله: (فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ)] التوبة: ١٢٥ [. (اسْتِكْباراً) بدل من (نفورا)، أو مفعول له، على معنى: فما زادهم إلا أن نفروا استكبارًا وعلوًّا فِي الْأَرْضِ، أو حال بمعنى: مستكبرين وماكرين برسول الله ﷺ والمؤمنين. ويجوز أن يكون (وَمَكْرَ السَّيِّئِ) معطوفًا على نفورًا فإن قلت: فما وجه قوله: (وَمَكْرَ السَّيِّئِ)؟ قلت: أصله: وأن مكروا السيئ، أى المكر السيئ، ثم ومكرا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (من الأمةِ التي يقال لها إحدى الأمم)، هذا كما يقال: واحدُ القومِ وأوحَدُ العصر، أي: أفضَلُهم.
الأساس: وهو واحدُ قومِه وأوحَدُهُم، وهو واحدُ أُمّه، وفلانٌ وَحدٌ وَوحيدٌ، واستوحَدَ: انفرد، وأوحَدَ الله فلانًا: جَعَله بلا نَظير، وعن بعضِهم: تقولُ العربُ للداهيةِ العظيمة: هي إحدى الإحَد، وإحدى من سبع، أي: إحدى ليالي عادٍ في الشدَّة.
قولُه: (أصلُه: وأن مكَروا السيّء، أي: المَكْرَ السيء)، قالَ مَكّي: هو من إضافةِ الموصوفِ إلى الصفةِ تقديرُه: ومكَروا المكْرَ السيءَ، ودليلُه قولُه بعد ذلك: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ فـ ((مَكْرَ السَّيِّئ)) انتصبَ على المصدرِ ثم أُضيفَ إلى نَعْتِه اتساعًا، كصلاةِ الأولى ومسجد الجامع. وفي ((التيسير)): نحوهُ إضافة الحق إلى اليقين، ووصفه بالسيء؛ لأنه كانَ
стр. 6864
السيئ، ثم ومكر السيئ. والدليل عليه: قوله: (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ). ومعنى (يحيق): يحيط وينزل. وقرئ: (ولا يحيق المكر السيئ) أى: لا يحيق الله، ولقد حاق بهم يوم بدر. وعن النبي ﷺ : "لا تمكروا ولا تعينوا ماكراً؛ فإنّ الله تعالى يقول: (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ)، ولا تبغوا ولا تعينوا باغيًا، يقول الله تعالى: (إنما بغيكم على أنفسكم)] يونس: ٢٣ [». وعن كعب: أنه قال لابن عباس رضى الله عنهما: قرأت في التوراة: من حفر مغواةً وقع فيها. قال: أنا وجدت ذلك في كتاب الله، وقرأ الآية. وفي أمثال العرب: من حفر لأخيه جبًا، وقع فيه منكبًا. وقرأ حمزة: (ومكر السيئ) بإسكان الهمزة؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للصدِّ عن الحق، وقد يكون المكرُ حَسنًا إذا كان احتيالاً للدعاء، ومنه قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤].
قولُه: (مُغَوّاة)، الجوهري: المُغوَّياتُ بفَتْح الواو مُشَدَّدة جَمْعُ المُغَوّاة، وهي: حُفْرة كالزُّبْيةِ بالزاي المضمومةِ، يقال: مَنْ حَفر مُغَوّاةً وقع فيها. وفي ((المستقصى)): يُضرَبُ لمن أرادَ بصاحبهِ مكرًا فحاقَ به.
قولُه: (وقرأَ حَمْزة: ((ومَكْرَ السِّيْئ))، بإسكانِ الهمزةِ)، في ((التيسير)): قرأها حمزةُ في الوصلِ لتوالي الحركات تخفيفًا، كما سكَّن أبو عمروٍ والهمزةَ في ﴿بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] لذلك، وإذا وقَف أبدَلها ياءً ساكنة، والباقون: بخَفْضِها في الوصلِ، ويجوزُ روْمُها وإسكانُها في الوقف.
وفي ((المطْلع)): قال أبو جعفر النحاس: وقفَ عليه حمزةُ، وهو وَقْفٌ تامّ، فظنّ الراوي أنه وَصْلٌ لخفة الوقفة.
стр. 6865
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الزجاج: وقرأ حمزة: ((ومَكْرَ السّيِّئ)) موقوفًا، وهذا عند النحويين لَحْن، وإنما يجوز في اضطرارِ الشعر، وأنشدوا:
إذا اعوجَجْنَ قلتُ: صاحِ قَوِّمِ
أي: يا صاحب، والأصلُ: يا صاحبُ قَوِّم، لكنه حذفَ مَضطرًّا، وكان الضم بعد الكَسر، والكسر بعْدَ الكسر مستثقلاً، وأنشَدوا:
فاليومَ أشرَبْ غيرَ مُسْتحقِبٍ … إثْمًا من الله ولا واغِلِ
وهذان البيتان قد أنشدَهما جميعُ النحويينَ الحذّاق، وزعموا كلهم أن هذا من الاضطرار لا يجوز مثله في كتاب الله تعالى، وأنشدَهما محمدُ بن يزيد:
إذا اعوجَجْن قُلْتُ: صاحِ قَوِّمِ
وهذا جيد بالغ، وأنشدنا:
فاليومَ فاشْرَبْ غيرَ مستحقِب
وأما ما يُروى عن أبي عمروٍ بن العلاء: ((إلى بارِئْكم)) [البقرة: ٥٤]، فإنّما هو أن يختلسَ الكَسْر اختلاسًا ولا يَجْزِم، وراويه غيرُ ضابطٍ ضَبْطَ سيبَويْهِ والخليل. ورواهُ سيبويهِ باختلاسِ الكَسْر، كأنه يقلل صوتَه عند الكسر.
стр. 6866
وذلك لاستثقاله الحركات مع الياء والهمزة، ولعله اختلس فظنّ سكونًا، أو وقف وقفةً خفيفة، ثم ابتدأ (وَلا يَحِيقُ). وقرأ ابن مسعود: (ومكرا سيئا). (سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ): إنزال العذاب على الذين كذبوا برسلهم من الأمم قبلهم، وجعل استقبالهم لذلك انتظارًا له منهم، وبين أنّ عادته التي هي الانتقام من مكذبي الرسل عادة لا يبدلها ولا يحولها، أى: لا يغيرها؛ وأنّ ذلك مفعول له لا محالة، واستشهد عليهم بما كانوا يشاهدونه في مسائرهم ومتاجرهم في رحلهم إلى الشام والعراق واليمن من آثار الماضين وعلامات هلاكهم ودمارهم. (لِيُعْجِزَهُ): ليسبقه ويفوته.
[(وَلَوْ يُؤاخِذُ الله النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ الله كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً)] ٤٥ [
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقالَ أبو عليّ: هو على إجراءِ الوصلِ مُجرى الوقفِ كما حكى سيبويه من قولهِ: ثَلَثْهُم.
وقيل: يحتملُ أنه خَفَّف آخرَ الاسمِ لاجتماعِ الكسرتين والياءَيْن، كما خفَّفوا الباءَ من ((إبل))؛ لتوالي الكسرتين، ونُزِّلَ حركةُ الإعرابِ بمنزلةِ غيرِ حركةِ الإعراب.
قولُه: (ومكرًا سَيِّئًا)، قالَ ابنُ جنِّي: يشهد لتنكيره تنكير ما قبله وهو ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾، وقراءةُ العامّة أقوى معنى لتعريفِه، كأنه قال: المكرَ السَّيئ مُستنكَرٌ في النفوس، مفعولٌ له لا محالة، أي: لله تعالى أن يفعَله.
قولُه: (وجعل استقبالَهم لذلك انتظارًا له منهم)، اللام متعلِّقٌ بـ ((انتظارِ)) أي: أُريدَ أن يقال: فهل يَسْتقبلونَ إلا ما فَعلنا بما مضى من الأمم الماضيةِ من الدمارِ، وقيل: فهل ينتظرونَ، حُلولَ ميعادِه؟
قولهُ: (أي: لا يُغيِّرها)، معنى التبديلِ والتحويل. وقولُه: ((وأنَّ ذلك مفعولٌ له)) أي: لله تعالى، عَطْفٌ تفسيريٌّ، فَسَّر معنى ((لن)) وتكريرَه وما يَتَّصِلُ بهما.
стр. 6867
(بِما كَسَبُوا): بما اقترفوا من معاصيهم. (عَلى ظَهْرِها): على ظهر الأرض (مِنْ دَابَّةٍ): من نسمة تدب عليها، يريد بنى آدم. وقيل: ما ترك بنى آدم وغيرهم من سائر الدواب بشؤم ذنوبهم. وعن ابن مسعود ﵁: كاد الجعل يعذب في جحره بذنب ابن آدم، ثم تلا هذه الآية. وعن أنس:
إن الضب ليموت هزلًا في جحره بذنب ابن آدم. وقيل: يحبس المطر فيهلك كل شيء. (إِلى أَجَلٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (﴿عَلَى ظَهْرِهَا﴾ على ظهر الأرض)، قد جرى ذكْرُ الأرض فيما قبل هذه الآية، يَليها قولُه: ﴿لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ فلذلك جاءَ ﴿عَلَى ظَهْرِهَا﴾. قالَ مَكِّي في قولِه: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾: العاملُ في ((إذا)) هو ﴿جَاءَ﴾ لأن ((إذا)) فيها معنى الجزاء، والأسماءُ التي يُجازي بها يعملُ فيها ما بعْدَها، تقول: مَنْ أُكْرِمْ يُكْرِمْني، فأُكْرِم هو العاملُ في ((مَنْ)) بلا خلاف فأشبهَتْ إذن حروفَ الشرطِ لما فيها من معناه فعمِلَ فيها ما بعدها، وكان حقُّها أن لا يعملَ فيها، لأنها مُضافةٌ إلى ما بعْدَها من الجملِ والمضافُ إليه لا يعملُ في المضافِ لأنه مِن تَمامِه وفيه خلاف. والحقُّ أن الموضعَ الذي يُجازي بها يمكنُ أن يعمَلَ فيها الفعلُ الذي يليها، والموضعُ الذي لا يُجازي بها لا يحسُنُ أن يعمَل بها.
قولُه: (إنّ الضّبَّ ليموتُ هَزْلاً في جُحْرِه بذَنْب ابنِ آدم)، النهاية: أي: يحتبسُ عنه المطرُ بشُؤم ذنوبهم، وإنما خَصَّ الضبّ، لأنه أطولُ الحيوانِ نَفْسًا، وأصبَرُها على الجوع.
ورُوِيَ: ((الحُبارى)) بدَلَ ((الضبِّ)) لأنها أبعَدُ الطير نُجْعةً.
стр. 6868
مُسَمًّى): إلى يوم القيامة. (كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً) وعيد بالجزاء.
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة الملائكة دعته ثمانية أبواب الجنة: أن أدخل من أى باب شئت».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هَزُلَتِ الدّابةُ هُزالاً، وأهْزَلْتُها أنا هَزْلاً، وأهزَلَ القوم: إذا أصابَت مواشيَهم السنة، فَهَزُلَتْ، أي: ضعُفَتْ، والهَزْلُ ضدّ السِّمَن.
تَمَّتِ السورةُ بحَمْدِ الله
стр. 6869
فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب
وهو حاشية الطيبي على الكشاف
للإمام شرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي
المتوفى سنة ٧٤٣ هـ رحمه الله تعالى
الجزء الثالث عشر
تفسير السور من يس إلى نهاية فصلت
стр. 6870
سورة يس
مكية، وهي ثلاث وثمانون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[﴿يس * والْقُرْآنِ الحَكِيمِ * إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * تَنزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١ - ٧]
قرئ: (ياسين) بالفتح، كـ"أين" و"كيف"، أو بالنصب على: اتلُ ياسين؛ وبالكسر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة يس
مكية وهي ثلاث وثمانون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: ("ياسين" بالفتح كـ"أين")، والمشهورة "ياسين" مبني على السكون، أبو بكر وحمزة والكسائي: بإمالة فتحة الياء، والباقون: بإخلاص فتحها.
وقال ابن جني: فتح النون قراءة ابن أبي إسحاق [بخلاف] والثقفي، وبكسر النون أبو السمال، وبالرفع هارون. أما الفتح والكسر فكلاهما لالتقاء الساكنين وذلك
стр. 6871
على الأصل، كـ"جير"، وبالرفع على: هذه ياسين، أو بالضم كـ"حيث". وفخمت الألف وأميلت. وعن ابن عباس ﵄: معناه: يا إنسان في لغة طيء. والله أعلم بصحته. وإن صح فوجهه أن يكون أصله: يا أنيسين، فكثر النداء به على ألسنتهم حتى اقتصروا على شطره، كما قالوا في القسم: مُ الله، في: ايمن الله. ﴿الحَكِيمِ﴾: ذي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنه بنى الكلام على الإدراج، لا على وقف حروف المعجم؛ فحرك لذلك، ومن فتح هرب إلى خفة الفتحة لأجل ثقل الياء قبلها والكسرة، ومن كسر جاء به على أصل حركة التقاء الساكنين. وهو نظير جير وهيت لك وإيه وسيبويه وعمرويه وبابهما. ومن ضم احتمل أمرين: أحدهما لالتقاء الساكنين كـ"جير" و"هيت لك"، وفي الآخر: ما عندي فيه وهو: يا إنسان؛ لكنه اكتفى منه بالسين وحذف الفاء والعين وجعل السين اسمًا قائمًا بذاته، فـ"يا" فيه حرف نداء، ونظيره ما جاء في الحديث: "كفى بالسيف شا" أي: شاهدًا، فحذف العين واللام. ويؤيده ما ذهب ابن عباس ﵄ إليه في "حمعسق" ونحوه أنها حروف من جملة أسماء الله تعالى، وهي: رحيم وعليم وسميع وقدير ونحو ذلك.
قوله: (كـ"جير")، الجوهري: جير، بكسر الراء: يمين العرب، ومعناه: حقا، وقال: وايمن الله: اسم وضع للقسم هكذا بضم الميم والنون وألفه ألف وصل، وربما حذفوا منه النون فقالوا: أيم الله، وربما حذفوا الياء وقالوا: أم الله، وربما أبقوا الميم وحدها مضمومة وقالوا: م الله.
стр. 6872
الحكمة، أو لأنه دليل ناطق بالحكمة كالحي، أو لأنه كلام حكيم، فوصف بصفة المتكلم به. ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ خبر بعد خبر، أو صلة لـ ﴿المُرْسَلِينَ﴾. فإن قلت: أي حاجة إليه خبرًا كان أو صلةً، وقد علم أن المرسلين لا يكونون إلا على صراط مستقيم؟ قلت: ليس الغرض بذكره ما ذهبت إليه من تمييز من أرسل على صراط مستقيم عن غيره ممن ليس على صفته، وإنما الغرض وصفه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو لأنه دليل ناطق بالحكمة كالحي) أي: نسب الحكيم إلى ضمير القرآن، وجعل القرآن على سبيل الاستعارة المكنية كالشخص الناطق بالحكمة، والقرينة نسبة الحكيم إليه، أو أسند الحكمة إليه إسنادًا مجازيا؛ لأنه صدر من الحكيم، وإليه الإشارة بقوله: "فوصف بصفة المتكلم به".
قوله: (﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ خبر بعد خبر أو صلة لـ ﴿المُرْسَلِينَ﴾)، روى صاحب "المرشد" عن الزجاج أنه قال: الأحسن في العربية أن يكون ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ خبرًا ثانيًا، والمعنى: إنك لمن المرسلين، إنك على صراط مستقيم، ويجوز أن يكون ﴿عَلَى صِرَاطٍ﴾ من صلة ﴿المُرْسَلِينَ﴾، أي: المرسلين الذين أرسلوا على طريقة مستقيمة، وقال القاضي: يجوز أن يكون حالًا من المستكن في الجار والمجرور، وفائدته وصف الشرع بالاستقامة صريحًا وإن دل عليه: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ التزامًا.
قوله: (ليس الغرض بذكره ما ذهبت إليه من تمييز من أرسل على صراط مستقيم عن غيره) إلى قوله: (وإنما الغرض وصفه) إلى آخره، وقال صاحب "الفرائد": لم يحصل مما ذكر جواب السؤال من الأول، وأما الثاني فهو قوله: فإن التنكير فيه دل على أنه أرسل من بين الصرط المستقيمة على صراط مستقيم لا يكتنه كنهه، فمنظور فيه، لأن الصراط
стр. 6873
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المستقيم واحد؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧].
والجواب أن يقال: هذه الآية لرد قول الكفار، لأنهم كانوا يقولون: لست مرسلًا، وإنك تركت الطريق المستقيم، ألا ترى إلى قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، فلا بد في الجواب من ذكرهما، وما ذكر أنه على صراط مستقيم لا يكتنه وصفه، مسلم إلا أنه واحد ولا يلزم منه أن يكون الصراط المستقيم متعددًا.
وقلت: من لم يقف على الأساليب كلها، ولم يستوعب معرفة أفانينهم بأسرها لا بد أن يحصل على شيء في أمثال هذين الجوابين: أما الجواب الأول، فنحوه قول صاحب "المفتاح": وإما لأن كونه، أي: المسند إليه متصفًا بالخبر [يكون] هو المطلوب لا نفس الخبر، كما إذا قيل لك: كيف الزاهد؟ قلت: الزاهد يشرب ويطرب. وأورد صاحب "الإيضاح" أن قوله: "لا نفس الخبر" يشعر بتجويز أن يكون المطلوب بالجملة الخبرية نفس الخبر وهو باطل، لأن نفس الخبر تصور لا تصديق، والمطلوب بها إنما أن يكون تصديقًا وإن أراد بذلك وقوع الخبر مطلقًا فغير صحيح أيضًا.
وأجيب: بأن مضامين الجمل مشتملة على أمرين: الإخبار عن الوقوع، وعن اتصال المسند إليه بالمسند وقد يقصد أحدهما قصدًا أوليًا، ويكون الآخر تبعًا له. قال الإمام في "النهاية": وقد يتصور في الفعل أن يكون المراد به وقوعه من الفاعل، وأن يكون مجرد اتصافه به. تم كلامه. وههنا ليس الغرض في إيقاع "عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" خبرًا أو صلةً
стр. 6874
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجرد الإخبار، وإنما الغرض أنه صلوات الله عليه وسلامه مستقر فيه ثابت عليه، وأنه جادته بل هو عادته.
وقال المصنف في قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]: "وإذا كان الكلام منصبًا إلى غرض من الأغراض جعل سياقه له وتوجهه إليه كأن ما سواه مرفوض مطرح".
وأما الجواب عن الثاني فعلى التجريد. قال ابن جني - في قراءة الحسن: "اهدنا صراطًا مستقيمًا"-: أراد -والله أعلم- التذلل لله تعالى وإظهار الطاعة له، أي: قد رضينا منك يا ربنا بما يقال له: "صراطٌ مستقيم"، ولسنا نريد المبالغة في قول من قال: "اهدنا الصراطَ المستقيم" أي: الصراط الذي قد شاعت استقامته وتعولمت في ذلك طريقته، فإن قليل هدايتك لنا زاكٍ؛ وزاد في حسن التنكير ما دخله من المعنى، وهو أدم هدايتك لنا فإنك إذا فعلت ذلك بنا فقد هديتنا إلى صراط مستقيم، فجرى حينئذ مجرى قولك: لئن لقيت رسول الله ﷺ لتلقين منه رجلًا متناهيًا في الخير، ورسولًا جامعًا لسبل الخير، فقد آل إلى معنى التجريد، وأنشد أبو علي:
أفاءت بنو مروان ظلمًا دماءنا … وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل
والله تعالى أعرف المعارف، وقد سماه الشاعر حكمًا عدلًا، فأخرج اللفظ مخرج التنكير، فقد ترى كيف آل الكلام من لفظ التنكير إلى معنى التعريف، وعليه قوله عز اسمه: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٨]. وإليه ينظر قول "المصنف": "على أنه أرسل من بين الصرط المستقيمة على صراط مستقيم لا يكتنه وصفه" كأنه جعل الصراط المستقيم الصرط كلها، ثم جرد منها صراط مستقيم وهو هي، والله أعلم.
стр. 6875
ووصف ما جاء به من الشريعة، فجمع بين الوصفين في نظام واحد، كأنه قال: إنك لمن المرسلين الثابتين على طريق ثابت، وأيضًا فإن التنكير فيه دل على أنه أرسل من بين الصرط المستقيمة على صراط مستقيم لا يكتنه وصفه. وقرئ: (تنزيلُ العزيز الرحيم) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وبالنصب على: أعني، وبالجر على البدل من ﴿الْقُرْآنِ﴾. ﴿قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾: قومًا غير منذر آباؤهم على الوصف، ونحوه قوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا الَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤]، وقد فسر ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ على إثبات الإنذار. ووجه ذلك: أن تجعل ﴿مَا﴾ مصدرية: لتنذر قومًا إنذار آبائهم، أو موصولةً منصوبةً على المفعول الثاني: لتنذر قومًا ما أنذره آباؤهم من العذاب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: ٤٠]. فإن قلت: أي فرق بين تعلقي قوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ على التفسيرين؟ قلت: هو على الأول متعلق بالنفي، أي: لم ينذروا فهم غافلون، على أن عدم إنذارهم هو سبب غفلتهم، وعلى الثاني: بقوله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ لتنذر، كما تقول: أرسلتك إلى فلان لتنذره، فإنه غافل، أو: فهو غافل. فإن قلت: كيف يكونون منذرين غير منذرين لمناقضة هذا ما في الآي الأخر؟ قلت: لا مناقضة؛ لأن الآي في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "تنزيل") قرأ حفص وابن عامر وحمزة والكسائي: بالنصب، والباقون: بالرفع. قال أبو البقاء: "تنزيل العزيز" أي: هو تنزيل، والمصدر بمعنى المفعول، أي: منزل العزيز، ويقرأ بالنصب على أنه مصدر، أي: نزل تنزيلًا، وبالجر أيضًا صفة للقرآن، وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ يجوز أن يتعلق بـ ﴿تَنْزِيلَ﴾، وأن يتعلق بمعنى قوله: ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: مرسل لتنذر.
قوله: (أو موصولة منصوبة على المفعول الثاني) وعلى النافية كان صفة لـ"قوم"، وعلى المصدرية مفعولًا مطلقًا.
قوله: (كيف يكونون منذرين غير منذرين؟ ) هذا السؤال وارد على ترتيب من ذهب
стр. 6876
نفي إنذارهم لا في نفي إنذار آبائهم، وآباؤهم القدماء من ولد إسماعيل، وكانت النذارة فيهم. فإن قلت: ففي أحد التفسيرين أن آباءهم لم ينذروا، وهو الظاهر، فما تصنع به؟ قلت: أريد آباؤهم الأدنون دون الأباعد. ﴿الْقَوْلُ﴾: قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنِّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، يعني: تعلق بهم هذا القول وثبت عليهم ووجب؛ لأنهم ممن علم أنهم يموتون على الكفر.
[﴿إنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ * وجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًا ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدًا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ ٨ - ٩]
ثم مثل تصميمهم على الكفر، وأنه لا سبيل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى إثبات الإنذار، وأن "ما" مصدرية أو موصولة. يعني: دل على إثبات الإنذار كما قلت: لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم، أو ما أنذره آباؤهم، ودل قوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤] ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر: ٤٢] على أن الإنذار لم يوجد رأسًا. وأجاب: أن الآيات لم تدل إلا على نفي إنذارهم، أما على نفي إنذار آبائهم فلا يشك في أن التفسيرين متنافيان لدلالة أحدهما أن آباءهم ما أنذروا، والثاني على أن آباءهم أنذروا. فأجاب: أن المراد ما أنذر آباؤهم الأقربون دون القدماء.
قوله: (ثم مثل تصميمهم على الكفر)، الانتصاف: يكون تصميمهم على الكفر مشبهًا بذي الأغلال، واستكبارهم مشبهًا بالإقماح، لأن المقمح لا يطاطئ رأسه.
وقوله: ﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ تتمة للزوم الإقماح، وعدم النظر في القرون الخالية مشبهًا بالسد من خلفهم، وعدم النظر في العواقب المستقبلة مشبهًا بسد من قدامهم.
ونقل صاحب "الفرائد" عن صاحب "التيسير": الأغلال مع الأيدي مجموعة إلى الأذقان: عبارة عن منع التوفيق حين كانوا متكبرين مستثقلين للحق، لأن المتكبر يوصف
стр. 6877
إلى ارعوائهم بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين؛ في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه، ولا يطأطئون رؤوسهم له، وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم، في أن لا تأمل لهم ولا تبصر، وأنهم متعامون عن النظر في آيات الله. فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾؟ قلت: معناه: فالأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزة إليها؛ وذلك أن طوق الغل الذي في عنق المغلول، تكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود، نادرًا من الحلقة إلى الذقن، فلا يخليه يطأطئ رأسه ويوطئ قذاله، فلا يزال مقمحًا. والمقمح: الذي يرفع رأسه ويغض بصره. قمح البعير فهو قامح: إذا روي فرفع رأسه، ومنه: شهرا قماح؛ لأن الإبل ترفع رؤوسها عن الماء؛ لبرده فيهما، وهما الكانونان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بانتصاب العنق، والمتواضع يوصف بضده، قال تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦].
قوله: (إلى ارعوائهم)، أي: امتناعهم وإمساكهم، يقال: ارعوى عن القبيح: إذا كف عنه.
قوله: (نادرًا من الحلقة إلى الذقن)، الأساس: ندر: نادر من الجبل: إذا خرج ونتأ، وندر من بيته: خرج.
قوله: (والمقمح: الذي يرفع رأسه)، الراغب: القمح: رفع الرأس لسَفِّ الشيء، ويسمى السويق من القمح -أي البر-: قميحه، ثم يقال لرفع الرأس كيف ما كان قمح، وقمح البعير رأسه وأقمحت البعير: شددت رأسه إلى خلف، وقوله تعالى: ﴿فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾ تشبيه بذلك، ومثل لهم، وقصد إلى وصفهم بالتأبي عن الانقياد للحق والتأبي عن الإنفاق في سبيل الله، وقيل: إشارة إلى حالهم يوم القيامة إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل.
стр. 6878
ومنه: اقتمحت السويق. فإن قلت: فما قولك فيمن جعل الضمير للأيدي، وزعم أن الغل لما كان جامعًا لليد والعنق -وبذلك يسمى جامعة- كان ذكر الأعناق دالًا على ذكر الأيدي؟ قلت: الوجه ما ذكرت لك، والدليل عليه: قوله: ﴿فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾، ألا ترى كيف جعل الإقماح نتيجة قوله: ﴿فَهِيَ إِلِى الْأَذْقَانِ﴾؟ ولو كان الضمير للأيدي لم يكن معنى التسبب في الإقماح ظاهرًا، على أن هذا الإضمار فيه ضرب من التعسف،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (اقتحمت السويق). عن بعضهم: أقمحت الدواء: إذا ألقتيه في فمك، ويقال: اقتمحته؛ أي: أشفقته، وذلك إنما يكون عند رفع الرأس.
قوله: (فما قولك فيمن جعل الضمير للأيدي؟ ) قال محيي السنة: فهي كناية عن الأيدي وإن لم يجر لها ذكر، لأن الغل يجمع اليد إلى العنق. وقال الزجاج بعد ما ذكر نحوًا من هذا: ولم تذكر الأيدي إيجازًا واختصارًا، لأن الغل يتضمن اليد والعنق، ومثله قول الشاعر:
وما أدري إذا يممت أرضًا .... أريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنا أبتغيه .... أم الشر الذي هو يبتغيني؟
فذكر الخير وحده، وقد علم أن الخير والشر معرضان للإنسان، ونحوه قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١].
قوله: (ولو كان الضمير للأيدي لم يكن معنى التسبب في الإقماح ظاهرًا)، الانتصاف: ويحتمل أن تكون الفاء للتعقيب كقوله: ﴿فَهِيَ إلَى الأَذْقَانِ﴾، أو للتسبب، فإن ضغط اليد مع العنق يوجب الإقماح، لأن اليد تبقى ممسكة بالغل تحت الذقن رافعة لها، ولأن اليد إذا كانت مطلقة كانت راحة للمغلول، فربما تحيل بها على فكاك الغل فيكون منبهًا على انسداد باب الحيلة.
стр. 6879
وترك الظاهر الذي يدعو المعنى إلى نفسه إلى الباطن الذي يجفو عنه ترك للحق الأبلج إلى الباطل اللجلج. فإن قلت: فقد قرأ ابن عباس ﵄: (في أيديهم)، وابن مسعود: (في أيمانهم)، فهل تجوز على هاتين القراءتين أن يجعل الضمير للأيدي أو للأيمان؟ قلت: يأبى ذلك وإن ذهب الإضمار المتعسف ظهور كون الضمير للأغلال، وسداد المعنى عليه كلما ذكرت. وقرئ: ﴿سَدًّا﴾ بالفتح والضم، وقيل: ما كان من عمل الناس فبالفتح، وما كان من خلق الله فبالضم. ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾: فأغشينا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ظهور كون الضمير للأغلال) فاعل "يأبى"، و"سداد المعنى" عطف على "ظهور".
قال الزجاج: من قرأ "في أيمانهم" أو "في أيديهم" المعنى واحد، وذلك أن الغل لا يكون في العنق دون اليد ولا في اليد دون العنق، فالمعنى: إنا جعلنا في أعناقهم وفي أيمانهم أغلالًا، ﴿فَهِيَ إلَى الأَذْقَانِ﴾ كناية عن الأيدي لا عن الأذقان لأن الغل يجعل اليد إلى الذقن، والعنق هو مقارب للذقن لا يجعل الغل العنق إلى الذقن.
قوله: (وقرئ: ﴿سَدًّا﴾ بالفتح والضم) بالفتح: حمزة والكسائي وحفص، والباقون: بالضم.
الراغب: أصل السد مصدر: سددته. وشبه به الموانع، والسدة كالظلة على الباب، وقد يعبر به عن الباب كما قيل: الفقير الذي لا يفتح له سدد السلطان، والسَّداد والسِّدَد: الاستقامة، والسِّداد: ما يسد به الثلمة والثغر، واستعير لما يسد به الفقر.
стр. 6880
أبصارهم، أي: غطيناها وجعلنا عليها غشاوةً من أن تطمح إلى مرئي. وعن مجاهد: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾: فألبسنا أبصارهم غشاوة. وقرئ بالعين؛ من العشى. #وقيل: نزلت في بني مخزوم؛ وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدًا يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه، فلما رفع يده أثبتت إلى عنقه ولزق الحجر بيده، حتى فكوه عنها بجهد، فرجع إلى قومه فأخبرهم، فقال مخزومي آخر: أنا أقتله بهذا الحجر فذهب، فأعمى الله بصره.
[﴿وسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ ١٠ - ١١]
فإن قلت: قد ذكر ما دل على انتفاء إيمانهم مع ثبوت الإنذار، ثم قفاه بقوله: ﴿إنَّمَا﴾، وإنما كانت تصح هذه التقفية لو كان الإنذار منفيًا. قلت: هو كما قلت،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ بالعين؛ من العشى). قال ابن جني: هي قراءة ابن عباس وعكرمة وغيرهما من: عشى يعشى؛ إذا ضعف بصره، فعشي وأعشيته، كعمي وأعميته. وأما قراءة العامة فهي على حذف المضاف، أي: فأغشينا أبصارهم. وينبغي أن يعلم أن (ع ش ي) يلتقي معناها مع (غ ش ي)، فإن العشاوة على العين كالغشي على القلب، كل منهما يركب صاحبه ويتجلله، غير أنهم خصوا ما على العين بالواو وما على القلب بالياء من حيث كانت الواو أقوى من الياء، وما يبدو للناظر من العشاوة على العين أبدى إلى الحس مما يخامر القلب، ولهذا في هذه اللغة نظائر ما لو أودع كتابًا لكبر حجمه.
قوله: (وإنما كانت تصح هذه التقفية لو كان الإنذار منفيًا)، الانتصاف: في سؤاله سوء أدب، وكان ينبغي أن يقال: ما وجه ذكر الإنذار الثاني؟
стр. 6881
ولكن لما كان ذلك نفيًا للإيمان مع وجود الإنذار، وكان معناه: أن البغية المرومة بالإنذار غير حاصلة، وهي الإيمان؛ قفي بقوله: ﴿إنَّمَا تُنذِرُ﴾ على معنى: إنما تحصل البغية بإنذارك من غير هؤلاء المنذرين، وهم المتبعون للذكر -وهو القرآن، أو الوعظ- الخاشون ربهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: توجيه السؤال أن قوله: ﴿إنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ يستدعي سبق عدم الإنذار، أي: إنك لا تنذر من لم يتبع الذكر، وإنما تنذر من اتبعه، فكيف أثبت الإنذار بقوله: ﴿وسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ ثم عقبه بقوله: ﴿إنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾؟ وحاصل الجواب: أنه نزل وجود الإنذار الذي لم يفض إلى المقصود منزلة العدم، كأنه قيل: ما أنذرت أولئك لأنهم لم يؤمنوا، إنما تنذر هؤلاء الذين انتفعوا به.
قال صاحب "المفتاح" - في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥]-: لا يخفى على أحد ممن به مسكة أن الإنذار إنما يكون إنذارًا ويكون له تأثير إذا كان مع من يؤمن بالله والبعث والقيامة وأهوالها.
والنظم يساعد عليه، لأن أصل الكلام وارد على تقسيم المنذرين، وذلك أن قوله: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ مطلق شامل في المنذرين الذين لا ينفع فيهم الإنذار وفيمن ينفع فيهم ذلك، ثم قسم المنذرين في قوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ على قسمين، وحكم على أكثرهم أنهم لا يؤمنون، وأكد ذلك بالجملة القسمية، وسجله بسبق التقدير كما تعلق بهم هذا القول، أي: قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وثبت عليهم ووجب، ثم علل ذلك بخلق الكفر فيهم وجعلهم مصممين عليه، وآذن حبيبه صلوات الله عليه بالإياس عنهم بقوله: ﴿وسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾، وجعله كالتخلص إلى ذكر الفريق الأقلين وهم المتبعون للذكر الخاشون ربهم، ولهذا التقرير البليغ والتقدير المقتضي ينبغي أن يستسلم العاقل ولا يكابر النص القاطع.
стр. 6882
[﴿إنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى ونَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وآثَارَهُمْ وكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إمَامٍ مُّبِينٍ﴾]
نحيي الموتى: نبعثهم بعد مماتهم. وعن الحسن: إحياؤهم: أن يخرجهم من الشرك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعن الحسن: إحياؤهم: أن يخرجهم) يعني: يجوز أن يحمل ﴿يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ على الحقيقة كما سبق، وعلى المجاز كما ذهب إليه الحسن.
اعلم أن التعريف في ﴿المَوْتَى﴾ يحتمل أن يجري على الجنس وعلى العهد. وعلى الثاني: إما أن يراد بهم المصممون على الكفر المعني بقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾، أو المنتفعون بالإنذار في قوله: ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾، أو الفريقان جميعًا، وقول الحسن منزل على الثالث. وتقديره: أنه تعالى لما أمره صلوات الله عليه وسلامه بإنذار هؤلاء وبشارتهم بالمغفرة والأجر الكريم اتجه لسائل أن يسأل: لم خص هؤلاء بهذين الأمرين؟ فأجيب لأنا نخرجهم من الشرك إلى الإيمان ونكتب ما قدموا وآثارهم من الخير والشر فنغفر سيئاتهم ونثيبهم على حسناتهم.
وتقرير الوجه الثاني هو: أن الله تعالى لما ذكر ما دل على انتفاء إيمان أولئك المصممين، وقفاه بما دل على انتفاع الإنذار في حق هؤلاء، ورتب على الثاني البشارة بالمغفرة والأجر، قيل: إذا كان حكم هؤلاء هذا فما حكم أولئك المصممين؟ فقيل: ﴿إنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى﴾ الآية. وتحرير المعنى: اشتغل بمن ينتفع بإنذارك وبشرهم بالفوز بالبغيتين ودع أولئك الموتى إلينا، فإنا نبعثهم ثم ننبئهم بما عملوا كما قال: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦]، قال المصنف: هؤلاء الموتى - يعني الكفرة - يبعثهم الله ثم إليه يرجعون، فحينئذ يسمعون، وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى إسماعهم.
وأما تقرير الجمع أو الجنس فمحمول على الفريقين وعلى أعم منهم، فيقدر الاستئناف على ما يقتضيه المقام، والله أعلم.
стр. 6883
إلى الإيمان. ﴿وَنَكْتُبُ مَا﴾ أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها، وما هلكوا عنه من أثر حسن، كعلم علموه، أو كتاب صنفوه، أو حبيس أحبسوه، أو بناء بنوه: من مسجد، أو رباط، أو قنطرة، أو نحو ذلك؛ أو سيئ؛ كوظيفة وظفها بعض الظلام على المسلمين، وسكة أحدثها فيها تخسيرهم، وشيء أحدث فيه صد عن ذكر الله؛ من ألحان وملاه، وكذلك كل سنة حسنة أو سيئة يستن بها، ونحوه قوله : ﴿يُنَبَّأُ الإنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] أي: قدم من أعماله، وأخر من آثاره.
وقيل: هي آثار المشائين إلى المساجد. وعن جابر: أردنا النقلة إلى المسجد والبقاع حوله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وما هلكوا عنه) أي: ماتوا وتركوا، وهو عطف على "ما أسلفوا"، وقوله: "أثر حسن" نشر لقوله: "ما أسلفوا"، وقوله: " أو سيئ كوظيفة" نشر لقوله: "وما هلكوا".
قوله: (أو حبيس) أي: وقف. النهاية: يقال: حبست أحبس حبسًا، وأحبست أحبس إحباسًا، أي: وقفت. والاسم الحبس بالضم.
قوله: (أو سكة أحدثها فيها تخسيرهم) أي: فيها ذهاب مال المسلمين. الأساس: ومن المجاز: خذ في هذه السكة أي: في هذه الطريقة وأنت عامل على سكة واضحة. وعن بعضهم: السكة: الحديدة التي يحرث بها. وسكة الدراهم، وطريقة النخل، وواحد السكك سكة إذا أثبته.
قوله: (وعن جابر) الحديث من رواية الترمذي عن أبي سعيد قال: كانت بنو سلمة في ناحية المدينة فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت: ﴿إنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى ونَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]، فقال رسول الله ﷺ : "إن آثاركم تكتب" فلم ينتقلوا.
стр. 6884
خالية، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فأتانا في ديارنا، وقال: "يا بني سلمة، بلغني أنكم تريدون النقلة إلى المسجد"، فقلنا: نعم، بعد علينا المسجد، والبقاع حوله خالية، فقال: "عليكم دياركم، فإنما يكتب آثاركم". قال: فما وددنا حضرة المسجد لما قال رسول الله ﷺ . وعن عمر بن عبد العزيز: لو كان الله مغفلًا شيئًا لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح. والإمام: اللوح. وقرئ: (ويكتب ما قدموا وآثارهم) على البناء للمفعول، (وكل شيء) بالرفع.
[﴿واضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ القَرْيَةِ إذْ جَاءَهَا المُرْسَلُونَ * إذْ أَرْسَلْنَا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إنَّا إلَيْكُم مُّرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنتُمْ إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا ومَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إنْ أَنتُمْ إلاَّ تَكْذِبُونَ﴾ ١٣ - ١٥]
﴿واضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا﴾: ومثل لهم مثلًا، من قولهم: عندي من هذا الضرب كذا، أي: من هذا المثال، وهذه الأشياء على ضرب واحد، أي: على مثال واحد. والمعنى: واضرب لهم مثلًا مثل أصحاب القرية، أي: اذكر لهم قصة عجيبة قصة أصحاب القرية. والمثل الثاني بيان للأول. وانتصاب ﴿إَذْ﴾ بأنه بدل من ﴿أَصْحَابَ القَرْيَةِ﴾.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهذه الأشياء على ضرب واحد) أي: مثال واحد.
ذكر في "الأساس" في قسم المجاز: هم ضربائي، وقولهم: هو ضربه وضريبه، أي: مثله.
قوله: (والمثل الثاني بيان للأول). قال أبو البقاء: قيل: التقدير: واذكر مثلًا أصحاب القرية، والثاني بدل من الأول، والظاهر أن "اضرب" بمعنى: اجعل، فـ ﴿أَصْحَابَ﴾: مفعول أول، ﴿مَثَلًا﴾ مفعول ثان، واختار مكي هذا. وقال: أصح ما يعطي القياس فيه هذا.
стр. 6885
والقرية: أنطاكية. و ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾: رسل عيسى صلوات الله عليه إلى أهلها، بعثهم دعاة إلى الحق، وكانوا عبدة أوثان، أرسل إليهم اثنين، فلما قربا من المدينة رأيا شيخًا يرعى غنيمات له، وهو حبيب النجار صاحب ياسين، فسألهما فأخبراه، فقال: أمعكما آية؟ فقالا: نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص، وكان له ولد مريض سنتين، فمسحاه، فقام، فآمن حبيب، وفشا الخبر، فشفي على أيديهما خلق كثير، ورقي حديثهما إلى الملك، وقال لهما: ألنا إله سوى آلهتنا؟ قالا: نعم، من أوجدك وآلهتك، فقال: حتى أنظر في أمركما، فتبعهما الناس وضربوهما. وقيل: حبسا. ثم بعث عيسى ﵇ شمعون؛ فدخل متنكرًا، وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به، ورفعوا خبره إلى الملك، فأنس به، فقال له ذات يوم: بلغني أنك حبست رجلين، فهل سمعت ما يقولانه؟ فقال: لا، حال الغضب بيني وبين ذلك، فدعاهما، فقال شمعون: من أرسلكما؟ قالا: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك، فقال: صفاه وأوجزا. قالا: يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال: وما آيتكما؟ قالا: ما يتمنى الملك، فدعا بغلام مطموس العينين، فدعوا الله حتى انشق له بصر، وأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فكانتا مقلتين ينظر بهما، فقال له شمعون: أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا فيكون لك وله الشرف. قال: ليس لي عنك سرًا، إن إلهنا لا يبصر ولا يسمع ولا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقد ذكرنا تعليله في قوله تعالى ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل: ١١٢] وهو اختيار المصنف هناك.
قوله: (صاحي ياسين) روى صاحب "الجامع" عن رسول الله ﷺ أنه قال حين قتل ثقيف عروة بن مسعود: "مثل عروة مثل صاحب يس، دعا قومه إلى الله تعالى فقتلوه"، ولعل معنى النسبة مجيء ذكره في هذه السورة، وقريب منه تسمية السورة بالبقرة ونحوها لذكرها فيها.
стр. 6886
يضر ولا ينفع، وكان شمعون يدخل معهم على الصنم فيصلي ويتضرع ويحسبون أنه منهم، ثم قال: إن قدر إلهكما على إحياء ميت آمنا به، فدعوا بغلام مات من سبعة أيام، فقام وقال: إني أدخلت في سبعة أودية من النار، وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا، وقال: فتحت أبواب السماء فرأيت شابًا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة، قال الملك: ومن هم؟ قال: شمعون وهذان، فتعجب الملك. فلما رأى شمعون أن قوله قد أثر فيه نصحه، فآمن، وآمن قوم، ومن لم يؤمن صاح عليهم جبريل ﵇ فهلكوا. ﴿فَعَزَّزْنَا﴾: فقوينا. يقال: المطر يعزز الأرض: إذا لبدها وشدها، وتعزز لحم الناقة. وقرئ بالتخفيف من عزه يعزه: إذا غلبه، أي: فغلبنا وقهرنا، ﴿بِثَالِثٍ﴾ وهو شمعون. فإن قلت: لم ترك ذكر المفعول به؟ قلت: لأن الغرض ذكر المعزز به وهو شمعون، وما لطف فيه من التدبير حتى عز الحق وذل الباطل، وإذا كان الكلام منصبًا إلى غرض من الأغراض جعل سياقه له وتوجهه إليه، كأن ما سواه مرفوض مطرح، ونظيره قولك: حكم السلطان اليوم بالحق، الغرض المسوق إليه: قولك: بالحق؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿فَعَزَّزْنَا﴾: فقوينا)، الراغب: العزة: حالة مانعة للإنسان من أن يغلب، من قولهم: أرض عزاز. أي: صلبة، وتعزز اللحم: اشتد وعز، كأنه حصل في عزاز يصعب الوصول إليه، كقولهم: تظلف، أي: حصل في ظلف من الأرض، والعزيز: الذي يقهر ولا يقهر، وعز المطر الأرض: غلبها، وعز الشيء: قل، اعتبارًا بما قيل: كل موجود مملول، وكل مفقود مطلوب.
قوله: (وقرئ بالتخفيف) أبو بكر: بتخفيف الزاي، والباقون: بتشديدها، وهما لغتان كشده وشدده، أي: قويناهما.
قوله: (لم ترك [ذكر] المفعول به) أي: لم يقل: فعززناهما بثالث.
стр. 6887
فلذلك رفضت ذكر المحكوم له والمحكوم عليه. إنما رفع ﴿بَشَرٌ﴾ هنا ونصب في قوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١]؛ لأن "إلا" تنقض النفي، فلا يبقى لـ"ما" المشبهة بـ"ليس" شبه، فلا يبقى له عمل. فإن قلت: لم قيل: ﴿إنَّا إلَيْكُم مُّرْسَلُونَ﴾ أولًا، و: ﴿إنَّا إلَيْكُم لَمُرْسَلُونَ﴾ آخرًا؟ قلت: لأن الأول ابتداء إخبار، والثاني جواب عن إنكار.
[﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إنَّا إلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * ومَا عَلَيْنَا إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ﴾ ١٦ - ١٧]
وقوله: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾ جار مجرى القسم في التوكيد، وكذلك قولهم: شهد الله، وعلم الله. وإنما حسن منهم هذا الجواب الوارد على طريق التوكيد والتحقيق مع قولهم: ﴿ومَا عَلَيْنَا إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ﴾ أي: الظاهر المكشوف بالآيات الشاهدة لصحته؛ وإلا فلو قال المدعي: والله إني لصادق فيما أدعي، ولم يحضر البينة؛ كان قبيحًا.
[﴿قَالُوا إنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ ولَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ ١٨ - ١٩]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن الأول ابتداء إخبار) فيه نظر، لأن قوله تعالى: ﴿إذْ أَرْسَلْنَا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إنَّا إلَيْكُم مُّرْسَلُونَ﴾ يدل على إنكار سابق، ولا سيما وقد سبق ﴿أَرْسَلْنَا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾، فلابد من كلام كذبا فيه، والجملة الابتدائية هي التي يتلقى بها خالي الذهن، وتكون خلوا من المؤكدات.
قوله: (مع قولهم: ﴿ومَا عَلَيْنَا إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ﴾) متعلق بقوله: "وإنما حسن"، يريد: لولا قولهم: ﴿ومَا عَلَيْنَا إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ﴾ لم يحسن قولهم: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إنَّا إلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾؛ لأن هذا قول العاجز من الدليل الذي لم يبق له متشبث يتشبث به سوى هذه الكلمة، قال في قوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِّنْ دُونِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٣]: أي: لا تستشهدوا بالله، ولا تقولوا: الله يشهد أن ما ندعيه حق كما يقوله العاجز عن إقامة البينة على صحة دعواه. وحين كان معترفًا به وهو أمارة على إقامة البينة فجاز وحسن، لأن البلاغ إنما يكون مبينًا إذا كان مؤكدًا بالمعجزات الظاهرة والآيات المشاهدة.
стр. 6888
﴿تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾: تشاءمنا بكم؛ وذلك أنهم كرهوا دينهم ونفرت منهم نفوسهم، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه واشتهوه وآثروه وقبلته طباعهم، ويتشأموا بما نفروا عنه وكرهوه، فإن أصابهم نعمة أو بلاء قالوا: ببركة هذا، و: بشؤم هذا، كما حكى الله عن القبط: ﴿وإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى ومَن مَّعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وعن مشركي مكة: ﴿وإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ﴾ [النساء: ٧٨]. وقيل حبس عنهم القطر فقالوا ذلك. وعن قتادة: إن أصابنا شيء كان من أجلكم. ﴿طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾، وقرئ: (طيركم)، أي: سبب شؤمكم معكم؛ وهو كفرهم، أو أسباب شؤمكم معكم؛ وهي كفرهم ومعاصيهم. وقرأ الحسن: (اطيركم) أي تطيركم. وقرئ: ﴿أَئِن ذُكِّرْتُم﴾ بهمزة الاستفهام وحرف الشرط، و: (آإن ذكرتم) بألف بينهما، بمعنى: أتتطيرون إن ذكرتم؟ وقرئ: (أأن ذكرتم)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ تشاءمنا بكم)، الراغب: الطائر: كل ذي جناح يسبح في الهواء، وتطير فلان واطير، وأصله التفاؤل بالطير، ثم يستعمل في كل ما يتفاءل به ويتشاءم وقوله: (إنما طائرهم عند الله) أي: شؤمهم: ما قد أعد الله لهم بسوء أعمالهم.
قوله: (وقرئ: "طيركم") قال الزجاج: طائر وطير بمعنى واحد، ولا أعلم أحدًا قرأ "طيركم" بغير ألف.
قوله: (وقرئ: ﴿أَئِن ذُكِّرْتُم﴾ بهمزة الاستفهام وحرف الشرط) وهي المشهورة، وقرأ أبو عمرو وقالون وهشام: "آئن" بألف بينهما، وهو استفهام وشرط محذوف الجواب، تقديره: آئن ذكرتم، أي: وعظتم وزجرتم عن الشرك تطيرتم؟
стр. 6889
بهمزة الاستفهام و"أن" الناصبة، بمعنى: أتطيرتم لأن ذكرتم؟ وقرئ: (أن)، و: (إن) بغير استفهام بمعنى الإخبار، أي: تطيرتم لأن ذكرتم، أو: إن ذكرتم تطيرتم. وقرئ: (أين ذكرتم) على التخفيف، أي: شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم، وإذا شئم المكان بذكرهم كان بحلولهم فيه أشأم. ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ في العصيان،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "أأن") إلى آخرها شواذ، قال ابن جني: قرأ الماجشون: "أن ذكرتم" بهمزة واحدة مفتوحة مقصورة ولا ياء بعدها، والأعمش وأبو جعفر: "أين" بهمزة بعدها ياء ساكنة والنون مفتوحة. "ذكرتم" مضمومة الذال خفيفة الكاف. أما "أن ذكرتم" فمنصوبة الموضع بقوله: ﴿طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾، فإنهم لما قالوا: ﴿إنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ أجيبوا: بل طائركم معكم أن ذكرتم، أي: هو معكم لأن ما ذكرتم، فلم تذكروا ولم تنتهوا، فاكتفى بالسبب الذي هو التذكير من المسبب الذي هو الانتهاء، كما وضعوا الطائر موضع مسببه وهو التشاؤم لما كانوا يألفونه من تكارههم نعيق الغراب أو بروحه. وأما "أين ذكرتم" أي: حللتم وكنتم ووجدتم فذكرتم، فاكتفى بالمسبب الذي هو الذكر من السبب الذي هو الوجود، و"أأين" هاهنا شرط وجوابها محذوف لدلالة ﴿طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾ عليه، أي: أين وجدتم وجد شؤمكم معكم. ولا يجوز الوقف على هاتين القراءتين على ﴿مَّعَكُمْ﴾، لاتصال "أن" "وأين" بها، لكن جاز على الاستفهام لأن الاستفهام يقطع ما قبله عما بعده.
قوله: (وإذا شئم المكان بذكرهم). أي: هو من باب الكناية، وذلك أن أجري ذكرهم في مكان دليل على أن المكان حامل على ذكرهم لأمارة أو أثر شؤم منهم فيه، ويقرب منه قوله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦].
قوله: (﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ في العصيان) هذا مبني على أن الإضراب من قوله:
стр. 6890
ومن ثم أتاكم الشؤم، لا من قبل رسل الله وتذكيرهم، أو: بل أنتم قوم مسرفون في ضلالكم متمادون في غيكم، حيث تتشاءمون بمن يجب التبرك به من رسل الله.
[﴿وجَاءَ مِنْ أَقْصَا المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وهُم مُّهْتَدُونَ * ومَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
﴿قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾، وحده. فيكون قوله: ﴿أَئِن ذُكِّرْتُم﴾ شرطًا جزاؤه محذوف لدلالة ﴿تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾، والشرط والجزاء معترضة، وإليه أشار بقوله: "أتطيرون إن ذكرتم؟ " أثبت أولًا ﴿طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾ بمعنى: أسباب شؤمكم معكم، وهو كفرهم ومعاصيهم، وهو التقدير الثاني، وأكده بالجملة الشرطية، ثم أضرب عنه بقوله: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ أي: مسرفون في عصيانكم، فمن ثم أتاكم الشؤم لا من قبل رسل الله. "أو: بل أنت قوم مسرفون في ضلالكم متمادون" هذا مبني على أن الإضراب من المجموع بمعنى: أتطيرتم لأن ذكرتم؟ وإلى التعليل أشار بقوله: "حيث تتشاءمون" بمعنى: سبب شؤمكم - وهو كفرهم - لأجل أن ذكرتم فلم تذكروا ولم تنتهوا، وهو التقدير الأول، ثم أضرب عنه بقوله: " ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ أي: مسرفون في ضلالكم، متمادون في غيكم حيث تتشاءمون بمن يجب التبرك به".
قال القاضي: ﴿أَئِن ذُكِّرْتُم﴾ شرط جوابه محذوف، أي: وعظتم تطيرتم أو توعدتم بالرجم والتعذيب؛ بل أنتم قوم عادتكم الإسراف في العصيان. فمن ثم جاء الشؤم والإسراف في الضلال، ومن ثم توعدتم وتشاءمتم بمن يجب أن يتبرك به.
وأما ما قدره أبو البقاء: إن ذكرتم ثم كفرتم، فليس بشيء لأن الكلام مع الكفار، والكفر موجود فلا يجوز تعلق الشرط به والله أعلم.
стр. 6891
مِن دُونِهِ آلِهَةً إن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا ولا يُنقِذُونِ * إنِّي إذًا لَّفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ ٢٠ - ٢٥]
﴿رَجُلٌ يَسْعَى﴾: هو حبيب بن إسرائيل النجار، وكان ينحت الأصنام، وهو ممن آمن برسول الله ﷺ ، وبينهما ست مئة سنة كما آمن به تبع الأكبر وورقة بن نوفل وغيرهما، ولم يؤمن بنبي أحد إلا بعد ظهوره. وقيل: كان في غار يعبد الله، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقاول الكفرة، فقالوا: أو أنت تخالف ديننا؟ فوثبوا عليه فقتلوه. وقيل: توطؤوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره. وقيل: رجموه وهو يقول: اللهم اهد قومي؛ وقبره في سوق أنطاكية، فلما قتل غضب الله عليهم فأهلكوا بصيحة جبريل ﵇. وعن رسول الله ﷺ : "سباق الأمم ثلاثة، لم يكفروا بالله طرفة عين: على بن أبي طالب، وصاحب ياسين، ومؤمن آل فرعون". ﴿مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وهُم مُّهْتَدُونَ﴾ كلمة جامعة في الترغيب فيهم، أي: لا تخسرون معهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (خرج قصبه) القصب: الأمعاء وبه سمي القصاب، لأنه يزاول الأمعاء.
قوله: (اللهم اهد قومي) روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه، وهو يقول: "اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون".
قوله: (كلمة جامعة في الترغيب فيهم) وذلك أن القائل أومأ بقوله: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ إلى أن المرسلين واجبو الاتباع، وأن من أرسله الله تعالى ليرشد الخلق ويخرجهم من الظلمات إلى النور كان صلاحهم في الدارين متابعته، وتعقيبه ذلك بقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ تتميم؛ معناه: وأن من سعى في أمر لابد أن يطمع ويتوقع أجره، وهؤلاء السادة بخلاف ذلك، وبقوله ﴿وهُم مُّهْتَدُونَ﴾ إشارة إلى أن غرضهم في ذلك ليس إلا محض النصح لا متابعة أمر الشهوة والرياء، وأن يكونوا موطئي العقب،
стр. 6892
شيئًا من دنياكم وتربحون صحة دينكم فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة، ثم ابرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه وهو يريد مناصحتهم؛ ليتلطف لهم ويداريهم؛ ولأنه أدخل في إمحاض النصح؛ حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لروحه، ولقد وضع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهو إيغال في نهاية من الكمال. روى ابن الأفلح الكاتب في المقدمة: أن النابغة الذبياني كان يضرب له قبة آدم بسوق عكاظ، وتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها فأتاه حسان فأنشده، وأتاه الأعشى فأنشده، ثم أتته الخنساء فأنشدته القصيدة الرائية فلما بلغت:
وإت صخر آلتأتم الهداة به .... كأنه علم في رأسه نار
فقال لها: أما كفاك أن جعلته علما حتى صيرت في رأسه نارًا، والله لولا أن أبا بصير أنشدني آنفًا لقلت: إنك أشعر أهل زمانك من الجن والإنس.
стр. 6893
قوله: ﴿ومَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ مكان قوله: ومالكم لا تعبدون الذي فطركم، ألا ترى إلى قوله: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾؟ ولولا أنه قصد ذلك لقال: الذي فطرني وإليه أرجع، وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال: ﴿إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ يريد:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولولا أنه قصد ذلك لقال: الذي فطرني وإليه أرجع)، قال صاحب "المفتاح": ولولا التعريض لكان المناسب: وإليه أرجع، وكذا ﴿أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا ولا يُنقِذُونِ * إنِّي إذًا لَّفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ المراد: أتتخذون من دونه آلهة إن يردكم الرحمان بضر لا تغن عنكم شفاعتهم شيئًا ولا ينقذوكم إنكم إذًا لفي ضلال مبين، ولذلك قيل: ﴿إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وأتبعه ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ ولا تعرف حسن موقع هذا التعريض إلا إذا نظرت إلى مقامه وهو يطلب إسماع الحق على وجه لا يورث طالبي دم المسمع مزيد غضب، وهو ترك المواجهة بالتضليل والتصريح بارتكاب الباطل.
قلت: قد ذهبا إلى أن قرينة التعريض هو قوله: ترجعون، ولو لاه لم يكن تعريضًا كأن هذا تعريض منهما بالواحدي حيث قال: فلما قال هذا، أي: الرجل: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ إلى آخره/ فرفعوه إلى الملك فقال له الملك: أفأنت تتبعهم؟ فقال: ﴿ومَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أي: أي شيء لي إذا لم أعبد خالقي وإليه ترجعون، تردون عند البعث فيجزيكم بكفركم؟ تم كلامه.
وذلك أنه إذا رجع الإنكار إليه لا إلى القوم لم يكن لخطاب القوم بقوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ معنى، وكان الظاهر إليه أرجع.
стр. 6894
فاسمعوا قولي وأطيعوني، فقد نبهتكم على الصحيح الذي لا معدل عنه: أن العبادة لا تصح إلا لمن منه مبتؤكم وإليه مرجعكم، وما أدفع العقول وأنكرها لأن تستحبوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويمكن أن يقال: إن الرجل كان في غيظ شديد من تكذيبهم الرسل، وقولهم: ﴿مَا أَنتُمْ إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ إلى قوله: ﴿ولَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وانتهز الفرصة للانتقام، فلما تمكن من تهديدهم أوقع قوله: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في البين؛ أي: مالي لا أعبد الذي من علي بنعمة الإيجاد ونعمة الانتقام منكم والتشفي من غيظكم إذ ترجعون إليه، فيجزيكم بكفركم وتكذيبكم الرسل وعنادكم، لكن النظم يساعد على الأول، فإن التقدير: اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون في عبادة الملك العلام الضار النافع، وترك عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، وما لكم أيها القوم لا تتبعونهم، ولا تعبدون الذي فطركم وإليه ترجعون فيجزيكم على أعمالكم؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ثم نبه على ضلالتهم، وأنهم على خلاف ما عليه الرسل من الاهتداء بقوله: ﴿إنِّي إذًا لَّفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ ورشح التنبيه بقوله: ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ أي: اسمعوا ما قلت لكم من حال الرسل وحالكم ثم حالي، لتفرقوا بين الحق والباطل، فتتبعوا الرسل.
وقد يقال: إن الأسلوب من الالتفات المعنوي حيث التفت من حكاية النفس في ﴿ومَا لِيَ﴾ إلى الخطاب في ﴿تُرْجَعُونَ﴾، ولا بأس باختلاف المفهومين، لأن المراد ما لكم كما سبق، وقريب من الأسلوب قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤] قال المصنف: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ عبارة عن البخل، و ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ دعاء عليهم بغل الأيدي حقيقة، والطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز كما يقول: سبني سب الله دابره، أي: قطعه، لأن السب أصله القطع.
قوله: (وما أدفع العقول وأكرها لأن تستحبوا) معناه: ما أدفع العقول وأنكرها
стр. 6895
على عبادته عبادة أشياء إن أرادكم هو بضر وشفع لكم هؤلاء لم تنفع شفاعتهم ولم يمكنوا من أن يكونوا شفعاء عنده، ولم يقدروا على إنقاذكم منه بوجه من الوجوه، إنكم في هذا الاستحباب لواقعون في ضلال ظاهر بين لا يخفى على ذي عقل وتمييز. وقيل: لما نصح قومه أخذوا يرجمونه فأسرع نحو الرسل قبل أن يقتل، فقال لهم: ﴿إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ أي: اسمعوا إيماني تشهدوا لي به. وقرئ: (إن يردني الرحمن بضر) بمعنى: إن يوردني ضرًا، أي: يجعلني موردًا للضر.
[﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ ٢٦ - ٢٧]
أي: لما قتل ﴿قِيلَ﴾ له: ﴿ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾. وعن قتادة: أدخله الله الجنة وهو فيها حي يرزق. أراد قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وقيل: معناه البشرى بدخول الجنة وأنه من أهلها. فإن قلت: كيف مخرج هذا القول في علم البيان؟ قلت: مخرجه مخرج الاستئناف؛ لأن هذا من مظان المسألة عن حاله عند لقاء ربه، كأن قائلًا قال: كيف كان لقاء ربه بعد ذلك التصلب في نصرة دينه والتسخي لوجهه بروحه؟ فقيل: قيل: ادخل الجنة، ولم يقل: قيل له؛ لانصباب الغرض إلى المقول وعظمه، لا إلى القول له مع كونه معلومًا، وكذلك ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ مرتب على تقدير سؤال سائل عما وجد من قوله عند ذلك الفوز العظيم. وإنما تمنى علم قومه بحاله؛ ليكون علمهم بها سببًا لاكتساب مثلها لأنفسهم، بالتوبة عن الكفر، والدخول في الإيمان، والعمل الصالح المفضيين بأهلها إلى الجنة. وفي حديث مرفوع: "نصح قومه حيًا وميتًا".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لاستحبابكم عبادة أشياعكم على عبادة الله؛ إن أراد الله أن يضركم فهؤلاء لم يتمكنوا من الشفاعة.
قوله: (نصح قومه حيًا وميتًا) أما نصحه حيًا فظاهر، وأما في الممات فإنه لا تمنى من الله
стр. 6896
وفيه تنبيه عظيم على وجوب كظم الغيظ، والحلم عن أهل الجهل، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي، والتشمر في تخليصه، والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه، ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام؟ ويجوز أن يتمنى ذلك ليعلموا أنهم كانوا على خطأ عظيم في أمره، وأنه كان على صواب ونصيحة وشفقة، وأن عداوتهم لم تكسبه إلا فوزًا، ولم تعقبه إلا سعادة؛ لأن في ذلك زيادة غبطة له وتضاعف لذة وسرور. والأول أوجه. وقرئ: (المكرمين). فإن قلت: "ما" في قوله تعالى: ﴿بِمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعالى أن يعلم قومه بأنه تعالى غفر له وجعله من المكرمين لا يبعد أن الله تعالى أعطى مناه وحقق متمناه وأعلمهم ذلك إما بإلهام أو برؤية صادقة، وكان علمهم بذلك سبب لاكتساب مثلها لأنفسهم إلى آخر ما أشار إليه المصنف. هذا معنى نصح الميت.
قوله: (في غمار) يقال: دخلت في غمار الناس وغمار الناس؛ بفتح وبضم، أي: كثرتهم وزحمتهم.
قوله: (والأول أوجه) وهو أن يكون قوله: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ تمنى علم قومه بحاله ليكون علمهم بذلك سببًا لاكتساب مثلها، لا تمنى أن ينتهوا عن خطئهم وصوابه، لما ينبئ ذلك على أنه نصح قومه حيًا وميتًا؛ ولما اشتمل على تلك الفوائد المتكاثرة على سبيل الإدماج بخلافه في الثاني، فإن فيه شائبة حظ النفس من الشماتة بهم والاغتياظ بها قال، فلا يطابق قوله: ﴿اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وهُم مُّهْتَدُونَ﴾ كما سبق أن غرضهم في الدعوة لم يكن سوى محض النصح.
قوله: (وقرئ: "المكرمين")، وهي شاذة.
стр. 6897
غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ أي الماآت هي؟ قلت: المصدرية أو الموصولة؛ أي: بالذي غفره لي من الذنوب. ويحتمل أن تكون استفهامية؛ يعني: بأي شيء غفر لي ربي؟ يريد به ما كان منه معهم من المصابرة لإعزاز الدين حتى قتل، إلا أن قولك: بم غفر لي، بطرح الألف أجود وإن كان إثباتها جائزًا؛ يقال: قد علمت بها صنعت هذا، [أي: بأي شيء صنعت]، و: بم صنعت.
[﴿ومَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ ومَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إن كَانَتْ إلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ ٢٨ - ٢٩]
المعنى: أن الله كفى أمرهم بصيحة ملك، ولم يتنزل لإهلاكهم جندًا من جنود السماء، كما فعل يوم بدر والخندق، فإن قلت: وما معنى قوله: ﴿ومَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾؟ قلت: معناه: وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جندًا من السماء؛ وذلك لأن الله أجرى هلاك كل قوم على بعض الوجوه دون البعض، وما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراغب: الإكرام والتكريم: أن يوصل إلى الإنسان نفع لا تلحقه فيه غضاضة، أو جعل ما يوصل إليه شيئًا شريفًا، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤]، أي: جعلهم كرامًا، وقال: ﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾، وقوله: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] منطو على المعنيين.
قوله: (بطرح الألف أجود وإن كان إثباتها جائزًا)، أنشد في "المطلع":
إنا قتلنا بقتلانا سراتكم .... أهل اللواء ففيما يكثر القتل
قال: "ففيما" بالألف.
стр. 6898
ذلك إلا بناء على ما اقتضته الحكمة وأوجبته المصلحة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٠]؟ فإن قلت: فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر والخندق؛ قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، ﴿بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، ﴿بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]؟ قلت: إنما كان يكفي ملك واحد، فقد أهلكت مدائن لوط بريشة من جناح جبريل، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحته، ولكن الله فضل محمدًا ﷺ بكل شيء على كبار الأنبياء وأولي العزم من الرسل، فضلًا على حبيب النجار، وأولاه من أسباب الكرامة والإعزاز ما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فضلًا عن حبيب النجار) وفي بعض النسخ: "على حبيب النجار"، وهو مفعول مطلق، يعني: فضل الله تعالى محمدًا صلوات الله عليه على كبار الأنبياء فضله على حبيب النجار، يعني: له أسوة بسائر الأنبياء في أن لم ينزل الله تعالى في إهلاك قومهم جندًا من السماء، لأن ذلك من خصائص سيدهم صلوات الله عليه وعليهم.
فإن قلت: أي فرق بين الاستعمالين؟
قلت: على الأول ينعكس المعنى وذلك أنه تعالى لما قال: ﴿ومَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ ومَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ على معنى: ما كان يصح في حكمة الله أن ينزل في إهلاك قوم حبيب جندًا من السماء، لأن ذلك من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها حبيب النجار، ولو أريد ذلك المعنى لقيل: ولكن الله تعالى فضل محمدًا صلوات الله عليه على كبار الأنبياء حيث خصه بهذه الفضيلة ولم يعطها أحدًا منهم فضلًا عن حبيب النجار، فيلزم منه تنقيص الحبيب، لأن "فضلًا" إذا عدي بـ"عن" ضمن معنى التجاوز، واستعمل في
стр. 6899
لم يوله أحدًا؛ فمن ذلك أنه أنزل له جنودًا من السماء، وكأنه أشار بقوله: ﴿ومَا أَنزَلْنَا﴾، ﴿ومَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك، وما كنا نفعله بغيرك. ﴿إن كَانَتْ إلاَّ صَيْحَةً﴾: إن كانت الأخذة أو العقوبة إلا صيحة. وقرأ أبو جعفر المدني بالرفع على "كان" التامة، أي: ما وقعت إلا صيحة، والقياس والاستعمال على تذكير الفعل؛ لأن المعنى: ما وقع شيء إلا صيحة، ولكنه نظر إلى ظاهر اللفظ، وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل، ومثلها قراءة الحسن: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وبيت ذي الرمة:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
موضع يستعبد فيه الأدنى ويراد به استحالة ما فوقه، وما كان طريقًا إلى بيان فضله كان أولى بالسلوك مما فيه بيان نقصه.
قوله: (وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل) قال الزجاج: من قرأ بالنصب فالمعنى: ما كانت عقوبتهم إلا صيحة واحدة، ومن قرأ بالرفع فالمعنى: ما وقعت عليهم عقوبة إلا صيحة واحدة.
وقال ابن جني: في الرفع ضعف لتأنيث الفعل، ولا يقوى أن تقول: ما قدمت إلا هند، لأن الكلام محمول على: ما قام أحد إلا هند، وأما محصول الآية فقد كان هناك صيحة واحدة فجيء بالتأنيث، ومثله قراءة الحسن: "فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم" [الأحقاف: ٢٥]، وقول ذي الرمة:
طوى النحز والأجراز ما في غروضها .... وما بقيت إلا الصدور الجراشع
أي: ما بقي شيء منها إلا الضلوع، وفي رواية:
برى لحمها سير الفيافي وحرها
طوى، أي: أضمر. والنحز: الضرب بالأعقاب في الاستحثاث.
стр. 6900
وما بقيت إلا الضلوع الجراشع
وقرأ ابن مسعود (إلا زقية واحدة)، من زقا الطائر يزقو ويزقي؛ إذا صاح، ومنه المثل: أثقل من الزواقي. ﴿خَامِدُونَ﴾ خمدوا كما تخمد النار، فتعود رمادًا، كما قال لبيد:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه .... يحور رمادًا بعد إذ هو ساطع
[﴿يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ مَا يَاتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ ٣٠]
﴿يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ﴾
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والأجراز: الأمحال والأرضون التي لا نبت بها، جمع جرز. والغروض: جمع غرض، وهي الغرضة بضم الغين المعجمة. والتصدير: وهو للرحل بمنزلة الحزام للسرج. والجراشع: جمع الجرشع، وهو المنتفخ الجنب يملأ الحزام. يقول: هزل النياق الاستحثاث والارتحال وما بقيت إلا الضروع المنتفخة.
قوله: (وقرأ ابن مسعود: إلا زقية واحدة). قال ابن جني: يقال: زقي الطائر يزقو ويزقي زقوًا وزقيًا: إذا صاح، وهي الزقوة والزقية، وإنما استعمل هنا صياح الطائر تنبيهًا على ان البعث من عظيم القدرة، وإعادة ما استرم من إحكام الصنعة، وإنشار الموتى من القبور: سهل كزقية الطائر، ومثله قوله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨].
قوله: (أثقل من الزواقي) قال الميداني: قال محمد بن قدامة: سألت الفراء عنها فلم يعرفها، فقالجليس له: غن العرب كانت تسمر بالليل، فإذا زقت الديكة استثقلتها لأنها تؤذن بالصبح، فاستحسن الفراء قوله.
следующие страницы →