← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

وفيه تنبيه عظيم على وجوب كظم الغيظ، والحلم عن أهل الجهل، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي، والتشمر في تخليصه، والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه، ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام؟ ويجوز أن يتمنى ذلك ليعلموا أنهم كانوا على خطأ عظيم في أمره، وأنه كان على صواب ونصيحة وشفقة، وأن عداوتهم لم تكسبه إلا فوزًا، ولم تعقبه إلا سعادة؛ لأن في ذلك زيادة غبطة له وتضاعف لذة وسرور. والأول أوجه. وقرئ: (المكرمين). فإن قلت: "ما" في قوله تعالى: ﴿بِمَا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تعالى أن يعلم قومه بأنه تعالى غفر له وجعله من المكرمين لا يبعد أن الله تعالى أعطى مناه وحقق متمناه وأعلمهم ذلك إما بإلهام أو برؤية صادقة، وكان علمهم بذلك سبب لاكتساب مثلها لأنفسهم إلى آخر ما أشار إليه المصنف. هذا معنى نصح الميت. قوله: (في غمار) يقال: دخلت في غمار الناس وغمار الناس؛ بفتح وبضم، أي: كثرتهم وزحمتهم. قوله: (والأول أوجه) وهو أن يكون قوله: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ تمنى علم قومه بحاله ليكون علمهم بذلك سببًا لاكتساب مثلها، لا تمنى أن ينتهوا عن خطئهم وصوابه، لما ينبئ ذلك على أنه نصح قومه حيًا وميتًا؛ ولما اشتمل على تلك الفوائد المتكاثرة على سبيل الإدماج بخلافه في الثاني، فإن فيه شائبة حظ النفس من الشماتة بهم والاغتياظ بها قال، فلا يطابق قوله: ﴿اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وهُم مُّهْتَدُونَ﴾ كما سبق أن غرضهم في الدعوة لم يكن سوى محض النصح. قوله: (وقرئ: "المكرمين")، وهي شاذة.

стр. 6897

غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ أي الماآت هي؟ قلت: المصدرية أو الموصولة؛ أي: بالذي غفره لي من الذنوب. ويحتمل أن تكون استفهامية؛ يعني: بأي شيء غفر لي ربي؟ يريد به ما كان منه معهم من المصابرة لإعزاز الدين حتى قتل، إلا أن قولك: بم غفر لي، بطرح الألف أجود وإن كان إثباتها جائزًا؛ يقال: قد علمت بها صنعت هذا، [أي: بأي شيء صنعت]، و: بم صنعت. [﴿ومَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ ومَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إن كَانَتْ إلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ ٢٨ - ٢٩] المعنى: أن الله كفى أمرهم بصيحة ملك، ولم يتنزل لإهلاكهم جندًا من جنود السماء، كما فعل يوم بدر والخندق، فإن قلت: وما معنى قوله: ﴿ومَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾؟ قلت: معناه: وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جندًا من السماء؛ وذلك لأن الله أجرى هلاك كل قوم على بعض الوجوه دون البعض، وما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: الإكرام والتكريم: أن يوصل إلى الإنسان نفع لا تلحقه فيه غضاضة، أو جعل ما يوصل إليه شيئًا شريفًا، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤]، أي: جعلهم كرامًا، وقال: ﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾، وقوله: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] منطو على المعنيين. قوله: (بطرح الألف أجود وإن كان إثباتها جائزًا)، أنشد في "المطلع": إنا قتلنا بقتلانا سراتكم .... أهل اللواء ففيما يكثر القتل قال: "ففيما" بالألف.

стр. 6898

ذلك إلا بناء على ما اقتضته الحكمة وأوجبته المصلحة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٠]؟ فإن قلت: فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر والخندق؛ قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، ﴿بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، ﴿بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]؟ قلت: إنما كان يكفي ملك واحد، فقد أهلكت مدائن لوط بريشة من جناح جبريل، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحته، ولكن الله فضل محمدًا ﷺ بكل شيء على كبار الأنبياء وأولي العزم من الرسل، فضلًا على حبيب النجار، وأولاه من أسباب الكرامة والإعزاز ما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فضلًا عن حبيب النجار) وفي بعض النسخ: "على حبيب النجار"، وهو مفعول مطلق، يعني: فضل الله تعالى محمدًا صلوات الله عليه على كبار الأنبياء فضله على حبيب النجار، يعني: له أسوة بسائر الأنبياء في أن لم ينزل الله تعالى في إهلاك قومهم جندًا من السماء، لأن ذلك من خصائص سيدهم صلوات الله عليه وعليهم. فإن قلت: أي فرق بين الاستعمالين؟ قلت: على الأول ينعكس المعنى وذلك أنه تعالى لما قال: ﴿ومَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ ومَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ على معنى: ما كان يصح في حكمة الله أن ينزل في إهلاك قوم حبيب جندًا من السماء، لأن ذلك من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها حبيب النجار، ولو أريد ذلك المعنى لقيل: ولكن الله تعالى فضل محمدًا صلوات الله عليه على كبار الأنبياء حيث خصه بهذه الفضيلة ولم يعطها أحدًا منهم فضلًا عن حبيب النجار، فيلزم منه تنقيص الحبيب، لأن "فضلًا" إذا عدي بـ"عن" ضمن معنى التجاوز، واستعمل في

стр. 6899

لم يوله أحدًا؛ فمن ذلك أنه أنزل له جنودًا من السماء، وكأنه أشار بقوله: ﴿ومَا أَنزَلْنَا﴾، ﴿ومَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك، وما كنا نفعله بغيرك. ﴿إن كَانَتْ إلاَّ صَيْحَةً﴾: إن كانت الأخذة أو العقوبة إلا صيحة. وقرأ أبو جعفر المدني بالرفع على "كان" التامة، أي: ما وقعت إلا صيحة، والقياس والاستعمال على تذكير الفعل؛ لأن المعنى: ما وقع شيء إلا صيحة، ولكنه نظر إلى ظاهر اللفظ، وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل، ومثلها قراءة الحسن: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وبيت ذي الرمة: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ موضع يستعبد فيه الأدنى ويراد به استحالة ما فوقه، وما كان طريقًا إلى بيان فضله كان أولى بالسلوك مما فيه بيان نقصه. قوله: (وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل) قال الزجاج: من قرأ بالنصب فالمعنى: ما كانت عقوبتهم إلا صيحة واحدة، ومن قرأ بالرفع فالمعنى: ما وقعت عليهم عقوبة إلا صيحة واحدة. وقال ابن جني: في الرفع ضعف لتأنيث الفعل، ولا يقوى أن تقول: ما قدمت إلا هند، لأن الكلام محمول على: ما قام أحد إلا هند، وأما محصول الآية فقد كان هناك صيحة واحدة فجيء بالتأنيث، ومثله قراءة الحسن: "فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم" [الأحقاف: ٢٥]، وقول ذي الرمة: طوى النحز والأجراز ما في غروضها .... وما بقيت إلا الصدور الجراشع أي: ما بقي شيء منها إلا الضلوع، وفي رواية: برى لحمها سير الفيافي وحرها طوى، أي: أضمر. والنحز: الضرب بالأعقاب في الاستحثاث.

стр. 6900

وما بقيت إلا الضلوع الجراشع وقرأ ابن مسعود (إلا زقية واحدة)، من زقا الطائر يزقو ويزقي؛ إذا صاح، ومنه المثل: أثقل من الزواقي. ﴿خَامِدُونَ﴾ خمدوا كما تخمد النار، فتعود رمادًا، كما قال لبيد: وما المرء إلا كالشهاب وضوئه .... يحور رمادًا بعد إذ هو ساطع [﴿يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ مَا يَاتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ ٣٠] ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ﴾ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والأجراز: الأمحال والأرضون التي لا نبت بها، جمع جرز. والغروض: جمع غرض، وهي الغرضة بضم الغين المعجمة. والتصدير: وهو للرحل بمنزلة الحزام للسرج. والجراشع: جمع الجرشع، وهو المنتفخ الجنب يملأ الحزام. يقول: هزل النياق الاستحثاث والارتحال وما بقيت إلا الضروع المنتفخة. قوله: (وقرأ ابن مسعود: إلا زقية واحدة). قال ابن جني: يقال: زقي الطائر يزقو ويزقي زقوًا وزقيًا: إذا صاح، وهي الزقوة والزقية، وإنما استعمل هنا صياح الطائر تنبيهًا على ان البعث من عظيم القدرة، وإعادة ما استرم من إحكام الصنعة، وإنشار الموتى من القبور: سهل كزقية الطائر، ومثله قوله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]. قوله: (أثقل من الزواقي) قال الميداني: قال محمد بن قدامة: سألت الفراء عنها فلم يعرفها، فقالجليس له: غن العرب كانت تسمر بالليل، فإذا زقت الديكة استثقلتها لأنها تؤذن بالصبح، فاستحسن الفراء قوله.

стр. 6901

نداء للحسرة عليهم، كأنما قيل لها: تعالي يا حسرة فهذه من أحوالك التي حقك أن تحضري فيها، وهي حال استهزائهم بالرسل. والمعنى: أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نداء للحسرة عليهم) قال الزجاج: هذا [من] أصعب مسألة في القرآن، لأن الحسرة مما لا يجيب، فالفائدة في مناداتها كما أنك تقول لمن هو مقبل عليك: يا زيد، ما أحسن ما صنعت! فإنه أوكد وأبلغ من إذا قلت: ما أحسن ما صنعت! لتنبيهه بالنداء على المطلوب، فكذا إذا قلت: وأنا أعجب مما فعلت، فقد أفدته أنك متعجب، ولو قلت: واعجباه مما فعلت! كان أبلغ في الفائدة، والمعنى: يا عجب أقبل فإنه من أوقاتك، وإنما نداء العجب تنبيه لأن يتمكن علم المخاطب بالتعجب من فعله. والحسرة: هي أن يركب الإنسان من شدة الندم ما لا نهاية بعده حتى يبقى حسيرًا. قوله: (وهي حال استهزائهم) بيان لاسم الإشارة في "فهذه"، أي: حال استهزائهم بالرسل حال من أحوالك يا حسرة، فاحضري فيها. وفيه: أن قوله تعالى: ﴿مَا يَاتِيهِم مِّن رَّسُولٍ﴾ بيان للكلام السابق، كأنه لما قيل: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ﴾، قيل: لأي شيء؟ فأجيب بأنه ﴿مَا يَاتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ فالمتحسر إما عام يعني بلغ الأمر فخامته وشدته إلى حيث كل من يأتي منه التلهف إذا نظر إلى حالة استهزائهم الرسل تحسر عليهم، وقال: فيا لها من خسار وخيبة على هؤلاء المجازفين حيث بدلوا الإيمان بالكفر، والسعادة بالشقاوة، وإما كل من يعتد منه التحسر كما في قوله لهم: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وهو المراد من قوله: من جهة الملائكة والمؤمنين، وأما التحسر من الله فمجاز. وذلك أن التحسر هو تلهف ورقة تعتري الإنسان لا يلحق بصاحبه من مشقة وشدة، وغايته أن يستعظم ذلك الأمر، وينكر على مرتكبه، ويتعجب منه كيف تورط فيه، وفي حق الله تعالى محمول على غايته لا على بدايته، وإليه أشار بقوله: في تعظيم ما جنوه على أنفسهم إلى آخره.

стр. 6902

المتحسرون، ويتلهف على حالهم المتلهفون. أو: هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين. ويجوز أن يكون من الله عز وعلا على سبيل الاستعارة في معنى تعظيم ما جنوه على أنفسهم ومحنوها به، وفرط إنكاره له وتعجيبه منه، وقراءة من قرأ: (يا حسرتا) تعضد هذا الوجه، لأن المعنى: يا حسرتي. وقرئ: (يا حسرة العباد)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على سبيل الاستعارة) إلى قوله: (وتعجيبه منه)، قال في قوله تعالى "بل عجبت ويسخرون" [الصافات: ١٢] بضم التاء: معنى التعجب من الله تعالى: إما مجرد الاستعظام، أو يتخيل العجب ويفرض. وسيجيء بيانه إن شاء الله تعالى في "الصافات". قوله: (وقرئ: "يا حسرة العباد") قال ابن جني: هي قراءة ابن عباس والضحاك وأبي بن كعب. وقرأ الأعرج ومسلم بن جندب: "يا حسره" ساكنة الهاء، ففيه نظر، لأن قوله: ﴿عَلَى الْعِبَادِ﴾ متعلق بها، أو صفة لها، فلا يحسن الوقف عليها دونه إلا أن يقال: إن العرب إذا أخبرت عن الشيء غير معتد به، ولا معتزمة عليه، أسرعت فيه، ولم تتأن على اللفظ المعبر عنه، قال: قلنا لها: قفي لنا، قالت: قاف أي: وقفت. فاقتصرت من جملة الكلمة على حرف منها تهاونًا بالحال، وتثاقلا عن الإجابة، أو ﴿عَلَى العِبَادِ﴾ غير متعلقة بـ ﴿يَا حَسْرَةً﴾ بل بمضمر يدل عليه ﴿حَسْرَةً﴾، كأنه قيل: أتحسر على العباد. وأما الإضافة فعلى وجهين: أحدهما: أن العباد فاعلون في المعنى كقولك: يا قيام زيد،

стр. 6903

على الإضافة إليهم؛ لاختصاصها بهم؛ من حيث إنها موجهة إليهم. و (يا حسره على العباد) على إجراء الوصل مجرى الوقف. [﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ القُرُونِ أَنَّهُمْ إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ * وإن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ ٣١ - ٣٢]. ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾: ألم يعلموا، وهو معلق عن العمل في ﴿كًمْ﴾؛ لأن "كم" لا يعمل فيها عامل قبلها، كانت للاستفهام أو للخبر، لأن أصلها الاستفهام، إلا أن معناه نافذ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويا جلوس عمرو، وكأن العباد إذا شاهدوا ذلك تحسروا. وثانيهما: أن العباد مفعولون في المعنى، وشاهده القراءة الظاهرة، أي: يتحسر عليهم من يعنيه أمرهم، ويهمه ما يهمهم. ويقوي الوجه الأول قول صاحب المطلع: ﴿مَا يَاتِيهِم مِّن رَّسُولٍ﴾ كالبيان لسبب حسرتهم، كأنه قيل: ما سبب تحسرهم؟ فقيل: استهزاؤهم بالرسل. والقراءة بالإضافة تدل على هذا المعنى. قال صاحب "الكشف": ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ﴾ نداء مطول مشابه للمضاف لتعلق الجار بالمصدر، فهو كقولهم: با خيرًا من زيد. وفي "المنتقي": وقفوا بالهاء الساكنة على ﴿حَسْرَةً﴾ وقفًا طويلًا تعظيمًا للأمر ثم قال: ﴿عَلَى العِبَادِ﴾. وفي "اللوامح": وقفوا على الهاء مبالغة في التحسر لما في الهاء من التأهه كالتأوه، ثم وصلوه على تلك الحال. قوله: (لأن "كم" لا يعمل فيها عامل قبلها)، قال الزجاج: موضع "كم" نصب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾، لأن "كم" لا يعمل فيها ما قبلها خبرًا كانت أو استخبارًا، تقول في الخبر: كم فرسخ سرت؟ تريد: سرت فراسخ كثيرة. ولا يجوز: سرت كم فرسخ، وذلك أن "كم" في بابها بمنزلة "رب" وإن كان أصلها الاستفهام والإبهام، فكما أنه لا يجوز في الاستفهام: سرت كم فرسخًا، كذا في الخبر، لأن الإبهام قائم.

стр. 6904

في الجملة، كما نفذ في قولك: ألم يروا إن زيدًا لمنطلق، وإن لم يعمل في لفظه. و ﴿أَنَّهُمْ إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بدل من ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ على المعنى، لا على اللفظ، تقديره: ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم. وعن الحسن: كسر: "إن" على الاستئناف. وفي قراءة ابن مسعود: (ألم يروا من أهلكنا)، والبدل على هذه القراءة بدل اشتمال، وهذا مما يرد قول أهل الرجعة. ويحكى عن ابن عباس ﵄: أنه قيل له: إن قومًا يزعمون أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، فقال: بئس القوم نحن إذن؛ نكحنا نساءه وقسمنا ميراثه. قرئ: (لما) بالتخفيف، على أن "ما" صلة للتأكيد، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و ﴿أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بدل من ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ على المعنى لا على اللفظ)، قال صاحب "الكشف": ﴿أَنَّهُمْ إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بدل من موضع ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾، وليس بدلًا من "كم" وحده، لأن العامل في "كم" هو ﴿أَهْلَكْنَا﴾ ولا يعمل ﴿أَهْلَكْنَا﴾ في "أن"، إذ ليس المعنى: أهلكنا أنهم لا يرجعون، والتقدير: ألم يروا أنهم إليهم لا يرجعون، تقديره: ألم يروا كثرة إهلاكنا، أي: ألم يعتبر كفار مكة بكثرة من أهلكنا من قبلهم واستئصالنا وتدميرنا إياهم حتى لم يبق منهم أثر فيقلعوا عما هم فيه! قوله: (والبدل على هذه القراءة بدل اشتمال) لأن "من أهلكنا" ذات، وعلى ألأول: كان بدل الكل، فإنهم كونهم غير راجعين عبارة عن إهلاكهم، لأنه لازم له وهو المراد من قوله: "بدل على المعنى لا على اللفظ". قوله: (مما يرد قول أهل الرجعة) أي: التناسخية، يقال: فلان يؤمن بالرجعة، أي: بالرجوع إلى الدنيا بعد الموت. قوله: (وقرئ: "لما" بالتخفيف) عاصم وابن عامر وحمزة: بتشديد الميم، والباقون: بتخفيفها، وسبق تفسيره في سورة "هود".

стр. 6905

و"إن": مخففة من الثقيلة، وهي متلقاة باللام لا محالة؛ و ﴿لَّمَّا﴾ بالتشديد، بمعنى: إلا، كالتي في مسألة "الكتاب": نشدتك بالله لما فعلت، و ﴿إِنْ﴾ نافية، والتنوين في ﴿كُلٌّ﴾ هو الذي يقع عوضًا من المضاف إليه، كقولك: مررت بكل قائمًا. والمعنى: أن كلهم محشورون مجموعون محضرون للحساب يوم القيامة. وقيل: محضرون: معذبون. فإن قلت: كيف أخبر عن "كل" بـ"جميع" ومعناها واحد؟ قلت: ليس بواحد؛ لأن "كلا" يفيد معنى الإحاطة، وان لا ينفلت منهم أحد، والجميع: معناه: الاجتماع، وأن المحشر يجمعهم. والجميع: فعيل بمعنى مفعول، يقال: حي جميع، وجاؤوا جميعًا. [﴿وآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ المَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًا فَمِنْهُ يَاكُلُونَ * وجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وأَعْنَابٍ وفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ العُيُونِ * لِيَاكُلُوا مِن ثَمَرِهِ ومَا عَمِلَتْهُ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ليس بواحد؛ لأن "كلا" يفيد معنى الإحاطة) والجميع: معناه: الاجتماع. الانتصاف: ومن ثم أوقع "أجمع" في التوكيد تابعًا لـ"كل". قوله: (يقال: حي جميع)، الأساس: وهو جميع الرأي، وجميع الأمر، وحي جميع. الجوهري: والجميع: الحي المجتمع، قال لبيد: عريت وكان بها الجميع فأبكروا .... منها وغودر نؤيها وثمامها واعلم أن ألفاظ التوكيد كأجمع وأكتع وأبصع، لا تكون إلا تأكيدًا وتابعًا لما قبله، لا يبتدأ بها، ولا يخبر عنها، ولا تكون فاعلًا ولا مفعولًا، ولفظ "جميع" من التوكيد الذي يقع تارةً اسمًا وأخرى تأكيدًا، مثل: نفسه وعينه وكله. ويكون صفة كقولهم: حي جميع، ولهذا قال: والجميع فعيل بمعنى مفعول.

стр. 6906

أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥) سبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ ومِنْ أَنفُسِهِمْ ومِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣٣ - ٣٦] القراءة بـ ﴿المَيْتَةُ﴾ على الخفة أشيع؛ لسلسها على اللسان. و ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ استئناف، بيان لكون الأرض الميتة آية، وكذلك ﴿نَسْلَخُ﴾ [يس: ٣٧]، ويجوز أن توصف الأرض والليل بالفعل؛ لأنه أريد بهما الجنسان مطلقين لا أرض وليل بأعيانهما؛ فعوملا معاملة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بيان لكون الأرض الميتة آية) كأن قائلًا قال: كيف تكون الأرض الميتة آية؟ فقال: ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾. قال أبو البقاء: ﴿آيَةٌ﴾ مبتدأ و ﴿لَّهُمْ﴾ الخبر، و ﴿الْأَرْضُ﴾ مبتدأ و ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ الخبر، والجملة تفسير الآية. وقيل: ﴿الْأَرْضُ﴾ مبتدأ و"آية" خبر مقدم و ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ تفسير الآية، و ﴿لَّهُمْ﴾ صفة الآية. قوله: (ويجوز أن توصف الأرض والليل بالفعل) أي: بـ ﴿أَحْيَيْنَا﴾ و ﴿نَسْلَخُ﴾، لأنه أريد بهما الجنسان، والتقدير: وآية لهم أرض ميتة من الأراضي الميتة أحييناها، وليل من الليالي سلخنا منه النهار. الانتصاف: غير الزمخشري يمنع من وقوع الجملة وصفًا للمعرفة وإن كانت جنسًا، ويراعي المطابقة اللفظية. قلت: قد ذكرنا عن ابن جني أنه قال: إن نكرة الجنس تفيد مفاد معرفته؛ ألا ترى أنك تقول: خرجت فإذا أسد بالباب، فتجد معناه معنى قولك: خرجت فإذا الأسد بالباب، لا فرق بينهما، وذلك أنك في الموضعين لا تريد أسدًا واحدًا معينًا، وإنما تريد: خرجت فإذا بالباب واحد من هذا الجنس. وقال ابن الحاجب: المحققون قالوا في مثل قوله:

стр. 6907

النكرات في وصفهما بالأفعال، ونحوه: ولقد أمر على اللئيم يسبني وقوله: ﴿فَمِنْهُ يَاكُلُونَ﴾ بتقديم الظرف؛ للدلالة على أن الحب هو الشيء الذي يتعلق به معظم العيش ويقوم بالارتزاق منه صلاح الإنس، وإذا قل جاء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولقد أمر على اللئيم يسبني إن قوله: "يسبني" صفة، لكونه لم يقصد لئيمًا معهودًا، فجرى في ذلك مجرى المنكر لما كان باعتبا الموجود مثله. قوله: (ولقد أمر على اللئيم يسبني)، تمامه: فمضيت ثمت قلت لا يعنيني فإن قلت: لم تمنع أن يكون "لا يعنيني" حالًا لا صفة ويراد: لئيم معهود؟ قلت: كان الشاعر يصف نفسه بالتؤدة، وأنه حليم ذو أناة، ولا يستتب له ذلك بمروره مرة على لئيم ولا مرتين حتى يصير ذلك ملكة راسخة. قوله: (بتقديم الظرف) للدلالة على أن الحب هو الشيء الذي يتعلق به معظم العيش يعني: عقيب إخراج الحب الأكل مع تقديم صفة الأكل المفيد للاختصاص. وقد علم أن المأكول غير مختص به، لكن قدم ليدل على أنه الأصل في الارتزاق والمأكولات تابعة له، ألا ترى أنه إذا قل نزل القحط وإذا حصر جاء الهلاك، فالدوران معه، فإرادة التخصيص على المبالغة والادعاء نحو إطلاق اسم الجنس على فرد من أفراده كحاتم الجواد. ويجوز أن يقدم رعاية للفواصل.

стр. 6908

القحط ووقع الضر، وإذا فقد حضر الهلاك ونزل البلاء. قرئ: ﴿وَفَجَّرْنَا﴾ بالتثقيل والتخفيف، والفجر والتفجير، كالفتح والتفتيح لفظًا ومعنى. وقرئ: ﴿ثَمَرِهِ﴾ بفتحتين، وضمتين، وضمة وسكون، والضمير لله تعالى، والمعنى: ليأكلوا مما خلقه الله من الثمر ﴿وَ﴾ من ﴿مَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ من الغرس والسقي والإبار، وغير ذلك من الأعمال إلى أن بلغ الثمر منتهاه وإبان أكله، يعني أن الثمر في نفسه فعل الله وخلقه، وفيه آثار ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: ﴿وَفّجَّرْنَا﴾ بالتثقيل) هي المشهورة. قوله: (وقرئ: ﴿ثَمَرِهِ﴾ بفتحتين وضمتين) بالضمتين: حمزة والكسائي. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْعُيُونِ﴾ "من" على قول الأخفش زائدة، وعلى قول غيره: المفعول محذوف، أي: من العيون ما تنتفعون به. قوله: (والمعنى: ليأكلوا مما خلقه الله من الثمر ﴿وَ﴾ من ﴿مَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾) فـ"ما" على هذا موصولة وهومع صلته، عطف على ما بينه قوله: ﴿مِن ثَمَرِهِ﴾ وهو ما خلقه الله. وتلخيصه ما قال: إن الثمر في نفسه فعل الله، وفيه آثار من كد بني آدم. وعن بعضهم: في "ما عملته" ثلاثة أوجه: أحدهما: أن تكون "ما" موصولة، والثاني: أن تكون نكرة موصوفة. وعلى الوجهين هو في موضع جر عطفًا على ﴿ثَمَرِهِ﴾، ويجوز نصبه على موضع ﴿مِن ثَمَرِهِ﴾. والثالث: أن تكون نافية، أي: ليأكلوا من ثمره ولم تعلمه أيديهم، ويقرأ بغير هاء. وتحتمل الأوجه الثلاثة إلا أن كونها نافية ضعيف، لأن "عملت" لم يذكر له مفعول، وهو من قول أبي البقاء. قوله: (والإبار)، الجوهري: تأبير النخل: تلقيحه. يقال: نخل مؤبرة، والاسم منه الإبار، على وزن الإزار. قوله: (وإبان أكله) إبان الشيء بالكسر والتشديد: وقته، يقال: كل الفواكه في إبانها، أي: في وقتها.

стр. 6909

من كد بني آدم، وأصله من ثمرنا كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا﴾ [المائدة: ١٣٠]، ﴿وَفَجَّرْنَا﴾ [الكهف: ٢٣]، فنقل الكلام من التكلم إلى الغيبة على طريقة الالتفات. ويجوز أن يرجع إلى النخيل، وتترك الأعناب غير مرجوع إليها؛ لأنه علم أنها في حكم النخيل فيما علق به من أكل ثمره. ويجوز أن يراد: من ثمر المذكور؛ وهو الجنات، كما قال رؤبة: فيها خطوط من بياض وبلق .... كأنه في الجلد توليع البهق فقيل له، أردت: كأن ذاك. ولك أن تجعل "ما" نافية، على أن الثمر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على طريقة الالتفات) ليس هذا من مظان الالتفات، لأن القصد في جعل الجنات وتفجير العيون إخرج الثمر المأكول، فكان التمكن على الأكل أولى بالتفخم لأنه أدل على الامتنان، وأنت تعلم الفرق بين ضمير الإفراد والجمع للواحد المطاع، بل الضمير راجع إلى المذكورات ليكون على وزان قوله: ﴿وأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًا فَمِنْهُ يَاكُلُونَ﴾ ويظهر التفاوت بين ذلك المأكول وبين هذا من تقديم المعمول وتأخيره عن العامل، ثم جعل "ما" نافية أحرى مما تجعل موصولة لإيراد قوله: ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ على التقريع والتوبيخ، وأيضًا يلزم من الموصولة أن يكونوا مستقلين في ذلك العمل، وليس فيه لله تعالى أثر، كقوله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] لأن التركيب من باب قولهم: أخذته بيدي ورأيته بعيني، وذلك ينافي أن يكون قوله: ﴿أَحْيَيْنَاهَا وأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًا فَمِنْهُ يَاكُلُونَ﴾ إلى آخر الآيتين، بيانًا لقوله: ﴿وآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ المَيْتَةُ﴾، والله أعلم. قوله: (ويجوز أن يرجع إلى النخيل) عطف على قوله: "والضمير لله". الجوهري: النخل والنخيل بمعنى، والواحدة نخلة. قوله: (فيها خطوط) البيت، التوليع: ظهور النقط البيض على الشيء، والمولع كالملمع إلا أن التوليع استطالة البلق. قال أبو عبيدة: قلت لرؤبة: إن أردت الخطوط فقل: كأنها، وإن أردت البياض والبلق فقل: كأنهما، فقال: كأن ذلك ويلك.

стр. 6910

خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه. وقرئ على الوجه الأول: (وما عملت) من غير راجع، وهي في مصاحف أهل الكوفة كذلك، وفي مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام مع الضمير. ﴿الْأَزْوَاجَ﴾: الأجناس والأصناف. ﴿ومِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾: ومن أزواج لم يطلعهم الله عليها ولا توصلوا إلى معرفتها بطريق من طرق العلم، ولا يبعد أن يخلق الله تعالى من الخلائق الحيوان والجماد ما لم يجعل للبشر طريقًا إلى العلم به؛ لأنه لا حاجة بهم في دينهم ودنياهم إلى ذلك العلم، ولو كانت بهم إليه حاجة لأعلمهم بما لا يعلمون، كما أعلمهم بوجود ما لا يعلمون. وعن ابن عباس ﵁: لم يسهم. وفي الحديث: "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، بله ما أطلعتهم عليه" فأعلمنا بوجوده وإعداده، ولم يعلمنا به ما هو، ونحوه: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وفي الإعلام بكثرة ما خلق مما علموه ومما جهلوه ما دل على عظم قدرته واتساع ملكه. [﴿وآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾ ٣٧] سلخ جلد الشاة: إذا كشطه عنها وأزاله. ومنه: سلخ الحية: لخرشائها، فاستعير لإزالة الضوء وكشفه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ على الوجه الأول) أي: على أن تكون "ما" موصولة. قال القاضي: ويؤيده قراءة الكوفيين عن حفص بلا هاء، فإن حذفه من الصلة أحسن من غيرها. قوله: (وفي الحديث: "ما لا عين رأت") الحديث، أخرجناه في سورة السجدة. قوله: (وإعداده) أي: قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. قوله: (فاستعير لإزالة الضوء وكشفه) يعني: استعار لإزالة الضوء السلخ، وهي

стр. 6911

عن مكان الليل وملقى ظله. ﴿مُظْلِمُونَ﴾: داخلون في الظلام، يقال: أظلمنا، كما يقال: أعتمنا وأدجينا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ استعارة تبعية مصرحة، والجامع ما يعقل من ترتب أحدهما على الآخر. وقوله: (عن مكان الليل وملقى ظله): ظاهره مشعر بأن النهار طار على الليل. قال المرزوقي: الآية دلت على أن الليل قبل النهار، لأن المسلوخ منه يكون قبل المسلوخ، كما أن المغطى قبل الغطاء. وقال الفراء: الأصل هي الظلمة، والنهار داخل عليها إذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل، أي: كشط وأزيل فتظهر الظلمة. قال محيي السنة: معناه: نذهب بالنهار ونجيء بالليل، وذلك أن الأصل هي الظلمة، والنهار داخل عليها. ويؤيده ما روى الإمام أحمد بن حنبل والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليه من نوره، فمن أصابه من نوره اهتدى، ومن أخطاه ضل"، لكن قوله في سورة الرعد في قوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الرعد: ٣] أي: يلبسه مكانه، فيصير أسود مظلمًا بعد ما كان أبيض منيرًا، مؤذن بأن بين الليل والنهار توالجًا وتداخلًا، قال الله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥] قال: إن الليل والنهار خلفة؛ يذهب هذا ويغشى مكانه هذا، وإذا غشي مكانه، فكأنما ألبسه ولف عليه كما يلف اللباس على اللابس.

стр. 6912

[﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ * والْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما قول صاحب "المفتاح": المستعار له ظهور النهار والمستعار منه ظهور المسلوخ من جلدته، فمأخوذ من تفسير الزجاج قال: ﴿وآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ معنى نسلخ: نخرج منه النهار إخراجًا لا يبقى معه شيء من ضوء النهار، وذلك من العلامات الدالة على توحيد الله وقدرته، فصح قوله: ﴿فَإذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾ أي: داخلون في الظلام. وفي "النهاية": كتب عمر إلى [أبي] عبيدة ﵄: "فاظهر بمن معك من المسلمين إليها"، أي: إلى الأرض، يعني: اخرج بهم إلى ظاهرها. وفي حديث عائشة ﵂: "كان يصلي العصر ولم يظهر الفيء بعد من حجرتها"، أي: لم يرتفع ولم يخرج إلى ظهرها. وفي "المغرب": أصل الظهور خلاف الخفاء، وقد يعبر به عن الخروج والبروز، لأنه يردف ذلك؛ أي: هو كناية عنه. هذا التفسير موافق لما ذهب إليه المصنف؛ لأن الظهور بمعنى الزوال، وقد قال: "إذا كشطه عنها وأزاله". حكى الجوهري يقال: وهذا أمر ظاهر عنك عاره، أي: زائل. وفي "النهاية": لما قيل لابن الزبير: با ابن ذات النطاقين، تمثل بقول أبي ذؤيب. وتلك شكاة ظاهر عنك عارها يقال: ظهر عني هذا العيب: إذا ارتفع عنك.

стр. 6913

حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٣٨ - ٤٠] ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾: لحد لها مؤقت مقدر تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة، شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره، أو لمنتهى لها من المشارق والمغارب؛ لأنها تتقصاها مشرقًا مشرقًا ومغربًا مغربًا حتى تبلغ أقصاها، ثم ترجع، فذلك حدها ومستقرها؛ لأنها لا تعدوه، أو لحد لها من مسيرها كل يوم في مرأى عيوننا؛ وهو المغرب. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لحد لها مؤقت مقدر) بيان لقوله: "مؤقت"، فاللام في ﴿لِمُسْتَقَرٍّ﴾ للاختصاص، لأن جريها مختص به كما تقول: أتيته لعشر خلون من الشهر. قال المصنف في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٤٣]: "لوقتنا الذي وقتنا له وحددناه، ومعنى اللام الاختصاص". ولو قيل: إلى مستقر لها، كان للغاية والانتهاء، ومعنى الاختصاص يعود للانتهاء، لأن جريها لما يختص بها ينتهي إليه، ولهذا قال: ينتهي إليه. قوله: (أو لمنتهى لها من المشارق والمغارب) يريد أن الشمس كل يوم لها مشرق ومغرب إلى ستة أشهر إلى أن تنتهي إلى غاية ارتفاعها في زمان الصيف، فذلك حدها في الارتفاع لا تعدوه، ثم ترجع على تلك المقنطرات ستة أشهر أخرى إلى أن تنتهي إلى غاية انخفاضها في زمان الشتاء، فذلك حدها في الانخفاض لا تعدوه، واختلاف المشارق والمغارب بحسب ارتفاعها وانخفاضها وحركاتها المخصوصة شيئًا فشيئًا بحسب التدرج أو التدلي، وهو المراد من قوله: لأنها تتقصاها مشرقًا مشرقًا ومغربًا مغربًا. الأساس: تقصيت المكان: صرت في أقصاه، وهو مني بالقصا، أي: بالبعد.

стр. 6914

وقيل: مستقرها: أجلها الذي أقر الله عليه أمرها في جريها، فاستقرت عليه؛ وهو آخر السنة، وقيل: الوقت الذي تستقر فيه وينقطع جريها، وهو يوم القيامة. وقرئ: (تجري إلى مستقر لها)، وقرأ ابن مسعود: (لا مستقر لها) أي: لا تزال ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: مستقرها: أجلها)، فعلى هذا: المستقر اسم الزمان، وعلى الأول: اسم المكان. قوله: (وقيل: الوقت الذي تستقر فيه وينقطع جريها وهو يوم القيامة)، فالمستقر أيضًا: أجلها الذي أقر الله عليه أمرها في جريها. الأساس: يقال: قررت عنده الخبر فتقرر، ويؤيد هذا التأويل ما روينا عن أبي ذر قال: كنت مع رسول الله ﷺ في المسجد عند غروب الشمس فقال: "يا أبا ذر، أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "تذهب لتسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، وذلك قوله تعالى: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ". متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي. قوله: (وقرأ ابن مسعود: "لا مستقر لها") قال ابن جني: قرأ بها ابن عباس وعكرمة وعطاء وظاهرها العموم، ومعناه الخصوص؛ لأن "لا" النافية للجنس لا تدخل إلا نفيًا عامًا؛ فقولك: لا رجل عندي، جواب عن سؤال عام، أي: هل عندك قليل أو كثير من هذا الجنس الذي يقال لواحده: رجل؟ فقوله تعالى: "لا مستقر لها" نفي أن تستقر أبدًا، ونحن نعلم أن السماوات إذا زلن بطل سير الشمس أصلًا، فاستقرت مما كانت عليه من السير. ونعوذ بالله أن تقول: إن حركتها دائمة كما تذهب إليه الملحدة. ونحوه قول الشاعر: أبكي لفقدك ما ناحت مطوقة .... وما سما فنن يومًا على ساق

стр. 6915

تجري لا تستقر. وقرئ: (لا مستقر لها) على أن "لا" بمعنى "ليس". ﴿ذَلِكَ﴾ الجري على ذلك التقدير والحساب الدقيق الذي تكل الفطن عن استخراجه، وتتحير الأفهام في استنباطه، ما هو إلا ﴿تَقْدِيرُ﴾ الغالب بقدرته على كل مقدور، المحيط علمًا بكل معلوم. قرئ: (والقمر) رفعًا على الابتداء، أو عطفًا على ﴿اللَّيْلُ﴾ [يس: ٣٧]، يريد: ومن آياته القمر، ونصبًا بفعل يفسره ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾، ولابد في ﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ من تقدير مضاف؛ لأنه لا معنى لتقدير نفس القمر منازل، والمعنى: قدرنا مسيره منازل، وهي ثمانية وعشرون منزلًا، ينزل القمر كل ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: ما عشت أبدًا بكيتك، كذلك "لا مستقر لها" ما دامت السماوات على ما هي عليه. قوله: (على أن "لا" بمعنى "ليس") المعنى: ذلك الجري على ذلك التقدير: ليس بمستقر للشمس، ذلك تقدير الغالب بقدرته على كل مقدور. قوله: (قرئ: "القمر"، رفعًا على الابتداء) قرأها الكوفيون وابن عامر: بالنصب، والباقون: بالرفع. قال أبو البقاء: "والقمر" بالرفع مبتدأ، و ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾ الخبر، وبالنصب على فعل مضمر، أي: وقدرنا القمر، لأنه معطوف على اسم قد عمل فيه الفعل، فحمل على ذلك، ومن رفع قال: هو محمول على ﴿وآيَةٌ لَّهُمْ﴾ في الموضعين أو على ﴿والشَّمْسُ﴾ وهي أسماء لم يعمل فيها فعل، و"منازل"؛ أي: ذا منازل، فهو حال أو مفعول ثان لأن "قدرنا" بمعنى: صيرنا، وقيل: التقدير: قدرنا له منازل.

стр. 6916

على تقدير مستو لا يتفاوت، يسير فيها من ليلة المستهل إلى الثمانية والعشرين، ثم ليلتين أو ليلة إذا نقص الشهر، وهذه المنازل هي مواقع النجوم التي نسبت إليها العرب الأنواء المستمطرة، وهي: الشرطان، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الأنواء المستمطرة)، المغرب: الأنواء: جمع نوء وهي منازل القمر. وكانت العرب تعتقد أن الأمطار والخير كله يجيء منها. الجوهري: النوء: سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع رقيبه من المشرق، ويقابله من ساعته في كل ليلة إلى ثلاثة عشر يومًا، وهكذا كل نجم منها إلى انقضاء السنة ما خلا الجبهة، فإن لها أربعة عشر يومًا. قال أبو عبيد: ولم نسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع، والعرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها. وقال الأصمعي: إلى الطالع منها في سلطانه فتقول: مطرنا بنوء كذا، والجمع أنواء ونوآن أيضًا مثل عبد وعبدان وبطن وبطنان. قوله: (الشرطين)، قال المرزوقي في كتاب "الأزمنة والأمكنة": الشرطان سمي بذلك لأنهما كالعلامتين، أي: سقوطهما علامة ابتداء المطر، والشرط: العلامة، ولهذا قيل لأصحاب السلطان: الشرط لأنهم يلبسون السواد كأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها، ويقال: أيهما قرنا الحمل، وهما أول نجوم فصل الربيع ونوؤه ثلاثة أيام. والبطين: وسمي بذلك لأنه بطن الحمل، ونوؤه ثلاث ليال.

стр. 6917

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والثريا: ويسمى النجم والنظم، وهو تصغير ثروى من الكثرة ونوؤه خمس ليال. والدبران: وسمي بذلك لأنه دبر الثريا، أي: صار خلفها ويسمى المجدح، ونوؤه ثلاث ليال. فإن قيل: أتقول لكل ما دبر كركبًا الدبران؟ قلت: لا، لأنه قد يختص الشيء من جنسه بالاسم حتى يصير علمًا له، وإن كان المعنى يعم الجميع، وعلى ذلك قولهم: النابغة، في الجعدي [والذبياني]، وابن عباس في عبد الله، وأنشد: وردن اعتسافًا والثريا كأنها .... على قمة الرأس ابن ماء محلق تبدت على آثارها دبرانها .... فلا هو مسبوق ولا هو يلحق والهقعة: تشبيها سميت بذلك تشبيهًا بهقعة الدابة تكون عند رجل الفارس في جنب الدابة، يقال: فرس مهقوع، وهي ثلاثة كواكب تسمى رأس الجوزاء ونوؤه ست ليال، ولا يذكرون نوءها إلا بنوء الجوزاء، وتسمى الأثافي لأنها ثلاثة صغار منقاة. والهنعة: وهي منكب الجوزاء الأيسر، وسميت بذلك من قولهم: هنعت الشيء: عطفته وثنيت بعضه على بعض، وكأن كل واحد منها منعطف على صاحبه، ونوؤها لا يذكر، وهو ثلاث ليال، وإنما يكون في نوء الجوزاء. والذراع: ذراع الأسد وله ذراعان: مقبوضة ومبسوطة، ونوؤها خمس ليال، وقيل: ثلاث ليال وأحد كوكبي الذراع الغميصاء وهي تقابل العبور والمجرة. ويقال لكوكبها الآخر: الشمال المرزم، ويروى ومرزم الجوزاء، ولا نوء له.

стр. 6918

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والنثرة: وهي ثلاثة كواكب، وسميت نثرة لأنها مخطة مخطها الأسد كأنها قطعة سحاب. ويجوز أن تسمى بذلك لأنها كأنها من سحاب قد نثر، والنثرة الأنف، ونوؤها سبع ليال. والطرف: سميت بذلك لأنها عينا الأسد، يقال: طرف فلان، أي: رفع طرفه، ونوؤه ثلاث ليال. والجبهة: جبهة الأسد، ونوؤه سبع ليال. والزبرة: زبرة الأسد، أي: كاهله، وقيل: زبرته شعره الذي يزبر عند الغضب في قفاه، ونوؤها أربع ليال. والصرفة: سميت بذلك لأن البرد ينصرف بسقوطها، وقيل: أرادوا صرف الأسد رأسه من قبل ظهره، وأيام العجوز في نوئها وهو ثلاث ليال. والعواء: يمد ويقصر، والقصر أجود وأكثر، وهي خمسة كواكب كأنها ألف معطوفة الذنب، وسميت العواء للانعطاف والالتواء الذي فيها، تقول العرب: عويت الشيء: عطفته. ويجوز أن يكون من "عوى": إذا صاح، كأنه يعوي في آثر البرد. ولهذا سميت طاردة البرد، ونوؤها ليلة. والسماك: سمي السماك الأعزل لأن السماك الآخر يسمى رامحًا لكوكب تقدمه كأنه رمحه، ونوؤه أربع ليال، وسمي سماكًا لأنه سمك، أي: ارتفع. والغفرة: وهي ثلاثة كواكب. قيل: هو من الغفرة، وهو الشعر الذي في طرف ذنب

стр. 6919

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأسد، وقيل: سميت الغفرة لأنها ينقص ضوؤها، ويقال: غفرت الشيء: إذا غطيته، فعلى هذا هو في معنى مفعول. ونوؤها ثلاث ليال، وقيل: بل ليلة. والزباني: وسمي بزبانى العقرب، وهما قرناها. كوكبان [وهو] مأخوذ من الزبن: الدفع. وكل واحد منهما مندفع عن صاحبه غير مقارن له، ونوؤها ثلاث ليال. والإكليل: وهي ثلاثة كواكب مصطفة على رأس العقرب، ولذلك سميت به، كأنه من التكلل وهو الإحاطة. ونوؤها أربع ليال، وهو من العقرب. والقلب: وهي كوكب أحمر نير. سمي بالقلب لأنه في قلب العقرب، ونوؤها ليلة. والقلوب أربعة: قلب العقرب، وقلب الأسد، وقلب الثور، وهو الدبران، وقلب الحوت. والشولة: سميت بذلك لأنها ذنب العقرب، وذنبها شائل أبدًا. والحجازيون يسمونها الإبرة، ونوؤها ثلاث ليال، وهما كوكبان مضيئان. والنعائم: وهي ثمانية كواكب: أربعة منها في المجرة وتسمى الواردة، لأنها شرعت في المجرة كأنها تشرب، وأربعة خارجة تسمى الصادرة، وإنما سميت نعائم تشبيهًا بالخشيات التي تكون على البئر، ونوؤها ليلة. والبلدة: وهي فرجة بين النعائم وبين سعد الذابح، وهو موضع خال ليس فيه كوكب،

стр. 6920

البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة، الصرفة، العوا، السماك، الغفر، الزبانى، الإكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الأخبية، فرغ الدلو المقدم، فرغ الدلو المؤخر، الرشاء. فإذا كان في آخر منازله دق واستقوس، و ﴿عَادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾؛ وهو عود العذق، ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة. وقال الزجاج: هو فعلون، من الانعراج؛ وهو الانعطاف. وقرئ: (العرجون) بوزن الفرجون؛ وهما لغتان، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وإنما سميت بذلك تشبيهًا بالفرجة التي تكون بين الحاجتين غير مقرونين. يقال: رجل أبلد؛ إذا اقترن حاجباه. ونوؤها ثلاث ليال، وقيل: ليلة. والذابح: سمي بذلك لكوكب بين يديه يقال: هو شاته التي تذبح. ونوؤه ليلة. والبلع: سمي بذلك لأن الذابح معه كوكب بمنزلة شاته، وهذا لا كوكب معه، فكأنه قد بلع شاته. وقيل: سمي به لأن صورته صورة فم فتح ليبلع، ونوؤه ليلة. وسعد السعود: سمي بذلك لأن في وقت طلوعه ابتداء ما به يعيشون وتعيش مواشيهم، ونوؤها ليلة. وسعد الأخبية: وسمي بذلك لكوكب في كواكبها على صورة الخباء. وقيل: لأنه يطلع قبل الدفء فيخرج من الهوام ما كان مختبئًا. ونوؤه ليلة. وفرغ الدلو المقدم: ويقال الأعلى. وقال: إنما سمي به لأن في وقته تأتي الأمطار كثيرًا، فكأنه فرغ دلو، وهو مصب الماء، ونوؤه ثلاث ليال. وفرغ الدلو المؤخر: ونوؤه أربع ليال. والرشا: وهو السمكة، ويقال: بطن السمكة وقلب الحوت. تم كلام المرزوقي، والله أعلم. قوله: (العرجون) وهو المحش، أي: مشط تدلك به الدابة من الحديد.

стр. 6921

كالبزيون والبزيون؛ والقديم المحول، وإذا قدم دق وانحنى واصفر، فشبه به من ثلاثة أوجه. وقيل: أقل مدة الموصوف بالقدم الحول، فلو أن رجلًا قال: كل مملوك لي قديم فهو حر، أو كتب ذلك في وصيته: عتق منهم من مضى له حول وأكثر. وقرئ: (سابق النهار) على الأصل، والمعنى: أن الله تعالى قسم لكل واحد من الليل والنهار ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (البزيون والبزيون)، الجوهري: بالضم: السندس. قوله: (والقديم المحول)، الجوهري: أحال عليه الحول، أي: حال وأحالت الدار وأحولت، أي: أتى عليه حول، فهو محيل. قال الكميت: وما أنت والطلل المحول؟ قوله: (فشبه به من ثلاثة أوجه) أي: هو من تشبيه الهيئة الحاصلة من مجموع أمور بمثلها، نحو تشبيه النجم بعنقود الكرم في الهيئة الحاصلة من تقارن الصور البيض المستديرة الصغار المقادير في المرئي على كيفية مخصوصة إلى مقدار مخصوص، وفي معنى التدرج والعود الذي يغطيانه "حتى" و"عاد" الإشعار بأن الابتداء إنما هو من الشبه بالعرجون حتى يتدرج إلى أن يصير بدرًا ثم ينزل إلى العود إلى ما بدئ منه. قوله: (وقرئ: "سابق النهار" على الأصل)، قال أبو البقاء: وقرأ بعضهم: "سابق النهار" بالنصب بلا تنوين، وهو ضعيف، وجوازه على أن يكون حذف التنوين لالتقاء الساكنين.

стр. 6922

وآيتيهما قسمًا من الزمان، وضرب له حدًا معلومًا، ودبر أمرهما على التعاقب، فلا ينبغي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وآيتيهما قسمًا من الزمان) عطف تفسيري على قوله: "الليل والنهار" نحنو: أعجبني زيد وكرمه، وهما النيران من قوله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] وإنما فسر به لينطبق على قوله تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ كأنه قيل: ولا القمر سابق الشمس لينطبق عليه قوله: ﴿وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال القاضي: وإيلاء حرف النفي الشمس للدلالة على أنها مسخرة لا يتيسر لها إلا ما أريد بها. واعلم أن هذه الآية من المعضلات، وقد زاد في إشكالها عبارة المصنف؛ فقوله تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ معناه: لا يتسهل لها أن تتصرف في سلطان القمر، وفي الليل لوقوع التدبير في المعاقبة بين الليل والنهار، وذلك أن سلطان القمر في الليل فلا تطلع الشمس فيه، فتزيل سلطانه وتصرفه عن مطارح ضيائه وصبغه الفواكه وغير ذلك، وقوله: ﴿ولا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ معناه: لا يتسهل للقمر أن يكون ذا سلطان في النهار بل تراه جرمًا لا نورانية له، ولا بهاء فيه، فضلًا أن يزيل سلطان الشمس. تلخيصه: أن كلا منهما مدبر بأمر معلوم ومقام مختص به، وتسخير معين في السير، نحوه قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] وينصره النظم. أما السباق فقوله: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا .... والْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ والسياق ﴿وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وإليه الإشارة بقوله: ولا يزال الأمر على هذا الترتيب إلى أن يبطل الله ما دبر من ذلك، كأنه قيل: لا الشمس ينبغي لها أن تتصرف في الليل

стр. 6923

للشمس - أي: لا يتسهل لها، ولا يصح، ولا يستقيم؛ لوقوع التدبير على المعاقبة، وإن جعل لكل واحد من النيرين سلطان على حياله - ﴿أَن تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ فتجتمع معه في وقت واحد، وتداخله في سلطانه فتطمس نوره، ولا يسبق الليل النهار، يعني: آية الليل آية النهار، وهما النيران، ولا يزال الأمر على هذا الترتيب إلى أن يبطل الله ما دبر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولا القمر أن يتصرف في النهار. ويرد على هذا التأويل إشكال وهو أن يقال: إن كان المراد من ذلك عدم تسهل تصرف كل واحد في سلطان الآخر، فلم خولف بين العبارتين بالسبق والإدراك؟ وهو المراد من قوله: لم جعلت الشمس غير مدركة والقمر غير سابق؟ وخلاصة الجواب: أنه روعي المناسبة بين العبارتين لا غير، لأن إثبات صفة الإدراك وسلبها مناسب للشمس، كما أن إثبات صفة السبق ونفيها مناسب للقمر لسرعة سير القمر وبطء سير الشمس. ويؤيد هذا التأويل ما روى محيي السنة عن بعضهم: لا يدخل أحدهما في سلطان الآخر؛ لا تطلع الشمس بالليل، ولا يطلع القمر بالنهار وله ضوء، فإذا اجتمعا، وأدرك كل واحد منهما صاحبه، فلقد قامت القيامة. وقيل: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ أي: لا يجتمع معه في فلك واحد تم كلامه. فإن قلت: لم عدل عن الظاهر، وأن يقال: ولا القمر سابق الشمس كما صرح به المصنف، ولا يسبق الليل النهار، أي: أية الليل آية النهار؟ قلت: ليؤذن بالتعاقب بين الليل والنهار، ومنصوصية التدبير على المعاقبة، فإنه مستفاد من الحركة اليومية التي مدار تصرف كل واحد منهما عليها، والله أعلم.

стр. 6924

من ذلك، وينقض ما ألف فيجمع بين الشمس والقمر، ويطلع الشمس من مغربها. فإن قلت: لم جعلت الشمس غير مدركة، والقمر غير سابق؟ قلت: لأن الشمس لا تقطع فلكها إلا في سنة، والقمر يقطع فلكه في شهر، فكانت الشمس جديرة بأن توصف بالإدراك؛ لتباطؤ سيرها عن سير القمر، والقمر خليقًا بأن يوصف بالسبق؛ لسرعة سيره. ﴿وَكُلٌّ﴾ التنوين فيه عوض من المضاف إليه، والمعنى: كلهم، والضمير للشموس والأقمار على ما سبق ذكره. [﴿وآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ * وخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ * وإن نَّشَا نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ ولا هُمْ يُنقَذُونَ * إلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا ومَتَاعًا إلَى حِينٍ﴾ ٤١ - ٤٤] ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾: أولادهم ومن يهمهم حمله. وقيل: اسم الذرية يقع على النساء؛ لأنهن مزارعها، وفي الحديث: أنه نهى عن قتل الذراري، يعني النساء. ﴿مِّن مِّثْلِهِ﴾: من مثل الفلك ﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾ من الإبل، وهي سفائن البر. وقيل: ﴿الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: سفينة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والضمير للشموس والأقمار على ما سبق ذكره) أي: في "سورة الأنبياء"، قال فيها: "والضمير للشمس والقمر والمراد بهما جنس الطوالع كل يوم وليلة، جعلوها متكاثرة لتكاثر مطالعها" وقد شرحناه. وإنما جمعها بالواو والنون لما وصفا بما يختص بذوي العقول وهو السبح. قال الزجاج: ومعنى "يسبحون" يسيرون فيه بانبساط، وكل من انبسط في شيء فقد سبح فيه، ومن ذلك السباحة في الماء. قوله: (وقيل: اسم الذرية يقع على النساء لأنهن مزارعها)، قال في " الفائق": قال حنظلة الكاتب: كنا في غزاة مع رسول الله ﷺ . فرأى امرأة مقتولة فقال: "هاه! ما كانت

стр. 6925

نوح، ومعنى حمل الله ذرياتهم فيها: أنه حمل فيها آباءهم الأقدمين، وفي أصلابهم هم وذرياتهم، وإنما ذكر ذرياتهم دونهم؛ لأنه أبلغ في الامتنان عليهم، وأدخل في التعجيب من قدرته، في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح. و ﴿مِّن مِّثْلِهِ﴾: من مثل ذلك الفلك ما يركبون من السفن والزوارق. ﴿فَلا صَرِيخَ﴾: لا مغيث. أو: لا إغاثة. يقال: أتاهم الصريخ. ﴿ولا هُمْ يُنقَذُونَ﴾: ولا ينجون من الموت بالغرق ﴿إلاَّ رَحْمَةً﴾: إلا لرحمة منا ولتمتيع بالحياة، ﴿إلَى حِينٍ﴾: إلى أجل يموتون فيه لابد لهم منه بعد النجاة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذه تقاتل، الحق خالدًا وقل: لا تقتلن ذرية ولا عسيفًا". وهي نسل الرجل، وقد أوقعت على النساء كقولهم للمطر سماء. وقال الراغب: الذرية: أصلها الصغار من الأولاد، وإن كان يقع على الصغار والكبار معًا في التعارف، ويستعمل في الواحد والجمع، وأصلها الجمع، قال الله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤] وفيه ثلاثة أقوال: قيل هو من ذرأ الله الخلق فترك همزه كـ" روية"، و"برية" وقيل: أصله ذروية، وقيل: هو فعلية من الذر نحو قمرية. قوله: (لا مغيث أو لا إغاثة) وفي "اللباب": الصريخ والصارخ: المغيث، والصريخ والصارخ: المستغيث. قوله: (لا ينجون من الموت بالغرق ﴿إلاَّ رَحْمَةً﴾ إلا لرحمة منا) مشعر بأن الاستثناء متصل والمستثنى منه أعم عام المفعول له.

стр. 6926

من موت الغرق. ولقد أحسن من قال: ولم أسلم لكي أبقى، ولكن .... سلمت من الحمام إلى الحمام وقرأ الحسن ﵁: (نغرقهم). [﴿وإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ومَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * ومَا تَاتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ ٤٥ - ٤٦] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال أبو البقاء: هو مفعول له أو مصدر، وقيل: استثناء منقطع. وقد اختار المصنف في "الأنعام" هذا وتقديره: ولا هم ينجون من الغرق البتة ولكن رحمة ربي هي التي تنجيهم. قوله: (ولم أسلم) البيت. يقول: إن أسلم من مرض لم أبق خالدًا، ولكن سلمت من الموت بهذا المرض إلى الموت بمرض أو سبب آخر. الانتصاف: القائل أبو الطيب، أخذ المعنى من هذه الآية، أخبر الله تعالى أنهم إن يسلموا من موت الغرق فذلك سلامة إلى أجل يموتون فيه لابد لهم منه. قوله: (﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ومَا خَلْفَكُمْ﴾ كقوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [سبأ: ٩] وجه المشابهة: إحاطة العذاب بهم من كل أدب، وأنهم أينما ساروا فإنه أمامهم وخلفهم محيط بهم لا يقدرون الخروج عما هم فيه يدل عليه قوله: ﴿إِنْ نَشَا نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩] وهذا هو الوجه لقوله ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ ولا هُمْ يُنقَذُونَ * إلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا﴾ ولذلك قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.

стр. 6927

﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ومَا خَلْفَكُمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٩]، وعن مجاهد: ما تقدم من ذنوبكم وما تأخر. وعن قتادة: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ من الوقائع التي خلت، يعني: من مثل الوقائع التي ابتليت بها الأمم المكذبة بأنبيائها، ﴿ومَا خَلْفَكُمْ﴾: من أمر الساعة، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: لتكونوا على رجاء رحمة الله. وجواب ﴿إِذَا﴾ محذوف مدلول عليه بقوله: ﴿إلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾، كأنه قال: وإذا قيل لهم: اتقوا: أعرضوا. ثم قال: ودأبهم الإعراض عند كل آية وموعظة. [﴿وإذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إنْ أَنتُمْ إلاَّ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ ٤٧] كانت الزنادقة منهم يسمعون المؤمنين يعلقون أفعال الله تعالى بمشيئته فيقولون: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ودأبهم الإعراض عند كل آية) إشارة إلى أن قوله: ﴿ومَا تَاتِيهِم مِّنْ آيَةٍ﴾ كالتذييل للكلام السابق. قوله: (كانت الزنادقة). في "المغرب": قال الليث: الزنديق معروف. وزندقته: أنه لا يؤمن بالآخرة ووحدانية الخالق. وعن ثعلب: ليس "زنديق" من كلام العرب، ومعناه ما تقول العامة: ملحد ودهري. وقال الإمام: الزنادقة هم المانوية، وكان المزدكية يسمون بذلك، ومزدك هو الذي ظهر في أيام قباذ، وزعم أن الأموال والحرم مشتركة، وأظهر كتابًا سماه "زندا"، وهو كتاب المجوس الذي جاء به زردشت الذي زعموا أنه نبي فنسب أصحاب مزدك إلى زند، وعربت الكلمة فقيل: زنديق.

стр. 6928

لو شاء الله لأغنى فلانًا، ولو شاء لأعزه، ولو شاء لكان كذا؛ فأخرجوا هذا الجواب مخرج الاستهزاء بالمؤمنين وبما كانوا يقولونه من تعليق الأمور بمشيئة الله. ومعناه: أنطعم المقول فيه هذا بينكم؟ وذلك أنهم كانوا دافعين أن يكون الغنى والفقر من الله؛ لأنهم معطلة لا يؤمنون بالصانع. وعن ابن عباس ﵄: كان بمكة زنادقة، فإذا أمروا بالصدقة على المساكين قالوا: لا والله، أيفقره الله ونطعمه نحن؟ ! وقيل: كانوا يوهمون أن الله تعالى لما كان قادرًا على إطعامه ولا يشاء إطعامه فنحن أحق بذلك. نزلت في مشركي قريش حين قال فقراء أصحاب رسول الله ﷺ : أعطونا مما زعمتم من أموالكم أنها لله، يعنون قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦]، فحرموهم وقالوا: لو شاء الله لأطعمكم. ﴿إنْ أَنتُمْ إلاَّ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ قول الله لهم. أو حكاية قول المؤمنين لهم. أو هو من جملة جوابهم للمؤمنين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أنطعم المقول فيه هذا القول)، فـ ﴿مَنْ﴾ موصولة، وصلته الجملة الشرطية، ولذلك أوله بالمقول فيه، وجعل المجموع في تأويل المفعول به لقوله ﴿أَنُطْعِمُ﴾، والظاهر أن الصلة مفتقرة إلى التأويل، كما قال في قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً﴾ [النساء: ٩]: ما معنى وقوع "لو تركوا" وجوابه صلة لـ ﴿الَّذِينَ﴾؟ وأجاب: معناه: ليخش الذين صفتهم وحالهم أتهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافًا. ويمكن أن يقال: إن الصلة والموصول كشيء واحد، فلذلك جاز تأويله بالموصولة تارة والصلة أخرى بذاك. قوله: (ولا يشاء إطعامه فنحن أحق بذلك) قال القاضي: هذا من فرط جهالتهم، فإن الله يطعم بأسباب منها حث الأغنياء على إطعام الفقراء وتوفيقهم له.

стр. 6929

[﴿ويَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ * مَا يَنظُرُونَ إلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَاخُذُهُمْ وهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٤٨ - ٥٠] قرئ: (وهم يخصمون) بإدغام التاء في الصاد مع فتح الخاء وكسرها، وإتباع الياء الخاء في الكسر، و: (يختصمون) على الأصل، و (يخصمون) من: خصمه. والمعنى: أنها تبعتهم وهم في أمنهم وغفلتهم عنها، لا يخطرونها ببالهم مشغلين بخصوماتهم في متاجرهم ومعاملاتهم وسائر ما يتخاصمون فيه ويتشاجرون. ومعنى يخصمون: يخصم بعضهم بغضًا. وقيل: تأخذهم وهم عند أنفسهم يخصمون في الحجة في أنهم لا يبعثون، لا يستطيعون أن يوصوا في شيء من أمورهم ﴿تَوْصِيَةً﴾، ولا يقدرون على ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهم يخصمون) قرأ ابن كثير وورش وهشام: بفتح الخاء وتشديد الصاد، وقالون وأبو عمرو: باختلاس فتحة الخاء وتشديد الصاد، والنص عن قالوا: بالإسكان، وحمزة: بإسكان الخاء وتخفيف الصاد، والباقون _وهم: عاصم وابن ذكوان والكسائي_: بكسر الخاء وتشديد الصاد. قال مكي: من قرأ بفتح الياء وكسر الخاء مشددًا فأصله يختصمون ثم إذا ألقى حركة التاء على الخاء وأدغمها في الصاد. ومن قرأ بفتح الياء وكسر الخاء مشددًا، فإنه لم يلق حركة التاء على الخاء إذا أدغمها، ولكن حذف الفتحة لما أدغم فاجتمع ساكنان: الخاء والمشدد، فكسر الخاء لالتقاء الساكنين. وكذلك التقدير في قراءة من اختلس فتحة الخاء، اختلسها لأنها ليست بأصل في الخاء ولم يمكنه إسكان الخاء لئلًا يجمع بين ساكنين، فيلزمه الحذف والتحريك. قوله: (وقيل: تأخذهم) عطف على قوله: يخصم إلى آخره. قيل: قوله: "يخصم بعضهم بعضًا" قريب من معنى"يختصمون" و"يخصمون" بالتشديد. وقوله: "وهم عند أنفسهم يخصمون في الحجة" من قولهم: خصمته أي: غلبته بالحجة، أي: أنهم عند أنفسهم

стр. 6930

الرجوع إلى منازلهم وأهاليهم، بل يموتون بحيث تفجؤهم الصحية. [﴿ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَإذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ إلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا ويْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ ٥١ - ٥٢] قرئ: ﴿الصُّورِ﴾ بسكون الواو؛ وهو القرن، أو جمع صورة، وحركها بعضهم، و ﴿الأَجْدَاثِ﴾: القبور. وقرئ بالفاء. (ينسلون) يعدون، بكسر السين وضمها، وهي النفخة الثانية. قرئ: (يا ويلتنا). وعن ابن مسعود ﵁: (من أهبنا)، من هب من نومه؛ إذا انتبه، وأهبه غيره. وقرئ: (من هبنا) بمعنى أهبنا، وعن بعضهم: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لا يغلبون بالحجة في عدم البعث وفي الواقع مغلوبون محجوجون. الجوهري: خاصمته مخاصمة وخصامًا، والاسم الخصومة. وخاصمته فخصمته أخصمه بالكسر ولا يقال بالضم إلا في الشذوذ. ومنه قراءة حمزة"وهم يخصمون". قوله: (قرئ: ﴿الصُّورِ﴾ بسكون الواو) وهي قراءة العامة، وحركها بعضهم كما تقول: درر ودرور، وكذا ﴿يَنسِلُونَ﴾ بكسر السين. قوله: (وقرئ: "من هبنا") قال ابن جني: هي قراءة أبي بن كعب. و"من أهبنا" بالهمز عن ابن مسعود، وهي أقيس. ويقال: هب من نومه أي: انتبه، وأهببته أنا: أي: أنبهته. قال: ألا أيها النوام ويحكم هبوا .... أسائلكم هل يقتل الرجل الحب؟ وأما أهبني أي: أيقظني فلم أرلها أصلا، ولا مربنا في اللغة مهيوب بمعنى موقظ، اللهم إلا أن يكون حرف الجر محذوفًا أي: هب بنا، أي: أيقظنا ثم حذف وأوصل الفعل وليس

стр. 6931

أراد هب بنا، فحذف الجار وأوصل الفعل. وقرئ: (من بعثنا)، و (من هبنا)، على "من" الجارة والمصدر، و ﴿هَذَا﴾ مبتدأ، و ﴿مَا وَعَدَ﴾ خبره، و ﴿مَا﴾ مصدرية أو موصولة. ويجوز أن يكون ﴿هَذَا﴾ صفة للمرقد، و ﴿مَا وَعَدَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا وعد الرحمن، أي: مبتدأ محذوف الخبر، أي: ﴿مَا وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ حق عليكم. وعن مجاهد: للكفار هجعة يجدون فيها طعم النوم، فإذا صيح بأهل القبور، قالوا: من بعثنا؟ وأما ﴿هَذَا مَا وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ فكلام الملائكة. عن ابن عباس، وعن الحسن: كلام المتقين. وقيل: كلام الكافرين يتذكرون ما سمعوه من الرسل فيجيبون به أنفسهم، أو بعضهم بعضًا. فإن قلت: إذا جعلت ﴿مَا﴾ مصدرية؛ كان المعنى: هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين، على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالوعد والصدق، فما وجه قوله: ﴿وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ إذا جعلتها موصولة؟ قلت: تقديره: هذا الذي وعده الرحمن، والذي صدقة المرسلون، بمعنى: والذي صدق فيه المرسلون، من قولهم: صدقوهم الحديث والقتال، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المعنى على: من هب فهببنا معه، وإنما معناه: من أيقظنا كما أن قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] ليس معناه أنه تعالى ذهب وذهب بنورهم معه، بل أذهب نورهم، فذهب به كأذهبه، أي: أزاله فاعرف ذلك. قوله: (وقرئ: "من بعثنا") قال ابن جني: قرأها علي ﵁. فمن الأولى متعلقة بالويل، أو حال منه متعلقة بمحذوف، أي: كائنا من بعثنا، وجاز أن يكون حالًا منه كما يجوز أن يكون خبرًا منه، كقول الأعشى: ويلي عليك وويلي منك يا رجل ومن في ﴿مِن مَّرْقَدِنَا﴾ متعلقة بنفس البعث.

стр. 6932

ومنه: صدقني سن بكره. فإن قلت: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾؟ سؤال عن الباعث، فكيف طابقه ذلك جوابًا؟ قلت: معناه: بعثكم الرحمن الذي وعدكم البعث وأنباكم به الرسل؛ إلا أنه جيء به على طريقة: سيئت بها قلوبهم، ونعيت إليهم أحوالهم، وذكروا كفرهم وتكذيبهم، وأخبروا بوقوع ما أنذروا به، وكأنه قيل لهم: ليس بالبعث الذي عرفتموه، وهو بعث النائم من مرقده، حتى يهمكم السؤال عن الباعث، إن هذا هو البعث الأكبر ذو الأهوال والأفزاع، وهو الذي وعده في كتبه المنزلة على السنة رسله الصادقين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومنه: صدقني سن بكره) أي: في سن بكره. مضى شرحه في "الأحزاب" عند قوله تعال: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. قوله: (فكيف طابقه ذلك جوابًا) يعني: سألوا عن الفاعل وعن الباعث بقولهم: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾؟ وكان من الظاهر أن يجابوا بأنه الرحمن أو الله، فكيف قيل: ﴿هَذَا مَا وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾؟ وأجاب: أن ذلك القدر ليس بكاف في الجواب ظاهرًا، لأن قولهم: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ حكاية عن قولهم هذا عند البعث بعد ما سبق من قولهم: ﴿ويَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ فلا بد في الجواب من قول يتضمن معنيين فإذا مقتضى الظاهر أن يقال: بعثكم الرحمن الذي وعدكم البعث، وأنبأكم به الرسل كما صرح به المصنف. لكن عدل إلى ما يشعر بتكذيبهم وتصوير حال كفرهم ليكون أهول وفي التفريع أدخل. والجواب وارد على الأسلوب الحكيم يعني: لا تسألوا عن الباعث فإن هذا البعث ليس كبعث النائم، وإن ذلك ليس مما يهمكم الآن، وإنما الذي يهمكم أن تسألوا: ما هذا البعث ذو الأهوال والأفزاع إلى آخر ما ذكره المصنف.

стр. 6933

[﴿إن كَانَتْ إلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ولا تُجْزَوْنَ إلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ ولَهُم مَّا يَدَّعُونَ * سَلامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ ٥٣ - ٥٨] ﴿إلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ قرئت منصوبة ومرفوعة. ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾، ﴿إنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ حكاية ما يقال في ذلك اليوم. وفي مثل هذه الحكاية زيادة تصوير للموعود، وتمكين له في النفوس، وترغيب في الحرص عليه وعلى ما يثمره. ﴿فِي شُغُلٍ﴾: في أي شغل وفي شغل لا يوصف، وما ظنك بشغل من سعد بدخول الجنة التي هي دار المتقين، ووصل إلى نيل تلك الغبطة وذلك الملك الكبير والنعيم المقيم، ووقع في تلك الملاذ التي أعدها الله للمرتضين من عباده، ثوابًا لهم على أعمالهم مع كرامة وتعظيم، وذلك بعد الوله والصبابة، والتفصي من مشاق التكليف ومضايق ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في أي شغل) إلى آخره، بيان لإطلاق ﴿شُغُلٍ﴾، وتقرير لمعنى التنكير فيه. الراغب: الشغل والشغل: العارض الذي يذهل الإنسان، وقد شغل فهو مشغول، ولا يقال: أشغل. وشغل شاغل. قوله: (بعد الوله): الوله: التحير من شدة الوجد، و" الصبابة": رقة الشوق وحرارته. وذلك إشارة إلى قوله: "شغل من سعد" إلى آخره، أي: فما ظنك بشغل من سعد بالمذكور بعد الوجد والتشوق إلى نيل المباغي، ثم إلى قوله: "الخشية" متعلق بالأمور الدنيوية، ومن قوله: " وتخطي الأهوال" إلى آخره، متعلق بما عند الموت والبرزخ إلى آخر أخطار القيامة. وفي معناه قول القائل: الوصول إلى المطلوب بعد النصب أعز من المنساق بلا تعب.

стр. 6934

التقوى والخشية، وتخطي الأهوال، وتجاوز الأخطار، وجواز الصراط، ومعاينة ما لقي العصاة من العذاب؟ ! وعن ابن عباس: في افتضاض الأبكار. وعنه: في ضرب الأوتار. وعن ابن كيسان: في التزاور. وقيل: في ضيافة الله. وعن الحسن: شغلهم عما فيه أهل النار: التنعم بما هم فيه. وعن الكلبي: هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار، لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم؛ لئلًا يدخل عليهم تنغيص في نعيمهم. قرئ: ﴿في شُغُلٍ﴾ بضمتين، وضمة وسكون، وفتحتين، وفتحة وسكون. والفاكه والفكه: المتنعم والمتلذذ، ومنه: الفاكهة؛ لأنه مما يتلذذ به، وكذلك: الفكاهة؛ وهي المزاحة. وقرئ: ﴿فَاكِهُونَ﴾، و (فكهون)، بكسر الكاف وضمها، كقولهم: رجل حدث وحدث، ونطس ونطس. وقرئ: (فاكهين)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعن ابن عباس: في افتضاض الأبكار) شروع في تقييد ﴿شُغُلٍ﴾ بعد تفسيره بما ينبئ عن العموم أو الإطلاق وما لا يدخل تحت الحصر، فتارة قيده ب"في" وأخرى ب"عن" في قوله: "شغلهم عما فيه أهل النار". قوله: (﴿في شُغُلٍ﴾ بضمتين) الحرميان وأبو عمرو: بإسكان الغين، والباقون: بضمها. قوله: (وكذلك الفكاهة؛ وهي المزاحة) الراغب: الفكاهة: حديث ذوي الأنس. قال تعالى: ﴿فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾. قوله: (رجل حدث وحدث)، الجوهري: رجل حدث_ بضم الدال وكسرها_ أي: حسن الحديث. قوله: (ونطس ونطس)، الجوهري: التنطس: المبالغة في التطهر وكل من أدق النظر في الأمور واستقصى علمها فهو متنطس ومنه: رجل نطس بضم الطاء وكسرها.

стр. 6935

و (فكهين) على أنه حال، والظرف مستقر. ﴿هُمْ﴾ يحتمل أن يكون مبتدأ، وأن يكون تأكيدًا للضمير في ﴿شُغُلٍ﴾، وفي ﴿فَاكِهُونَ﴾ على أن أزواجهم يشاركنهم في ذلك الشغل والتفكه والاتكاء على الأرائك تحت الظلال. وقرئ: (في ظلل)، والأريكة: السرير في الحجلة. وقيل: الفراش فيها. وقرأ ابن مسعود: (متكئين). ﴿يَدَّعُونَ﴾ يفتعلون، من الدعاء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ("فكهين" على أنه حال)، قال أبو البقاء: ويقرأ ﴿فَاكِهينَ﴾ على الحال من الضمير في الجار، وعلى المشهورة: ﴿فَاكِهُونَ﴾ خبر ثان، والأول ﴿فِي شُغُلٍ﴾، أو هو الخبر، و ﴿فِي شُغُلٍ﴾ يتعلق به. قوله: (وقرئ: "في ظلل") حمزة والكسائي: بضم الظاء من غير ألف، والباقون: بكسرها وبالألف. وقال أبو البقاء: ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ يجوز أن يكون خبر ﴿هُمْ﴾، و ﴿عَلَى الْأَرِائِكِ﴾ استئناف، ويجوز أن يكون الخبر ﴿مُتَّكِئُونَ﴾، و ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ حال و ﴿عَلَى الْأَرِائِكِ﴾ منصوب بمتكئون. وظلال: جمع ظل، كذئب وذئاب، أو جمع ظلة، كقبة وقباب، والظلل: جمع ظلة لا غير. قوله: (في الحجلة) وهي واحدة حجال العروس وهي بيت يزين بالثبات. قوله: (يفتعلون من الدعاء) قال مكي: أصل ﴿يَدَّعُونَ﴾: يدتعيون، على وزن: يفتعلون، من: دعا يدعو، فأسكنت الياء بعد أن ألقيت حركتها على ما قبلها وحذفت لسكونها وسكون الواو بعدها، وقيل: بل ضمت العين لأجل واو الجمع بعدها، ولم تلق
следующие страницы →