Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.
стр. 6931
أراد هب بنا، فحذف الجار وأوصل الفعل. وقرئ: (من بعثنا)، و (من هبنا)، على "من" الجارة والمصدر، و ﴿هَذَا﴾ مبتدأ، و ﴿مَا وَعَدَ﴾ خبره، و ﴿مَا﴾ مصدرية أو موصولة. ويجوز أن يكون ﴿هَذَا﴾ صفة للمرقد، و ﴿مَا وَعَدَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا وعد الرحمن، أي: مبتدأ محذوف الخبر، أي: ﴿مَا وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ حق عليكم. وعن مجاهد: للكفار هجعة يجدون فيها طعم النوم، فإذا صيح بأهل القبور، قالوا: من بعثنا؟ وأما ﴿هَذَا مَا وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ فكلام الملائكة. عن ابن عباس، وعن الحسن: كلام المتقين. وقيل: كلام الكافرين يتذكرون ما سمعوه من الرسل فيجيبون به أنفسهم، أو بعضهم بعضًا. فإن قلت: إذا جعلت ﴿مَا﴾ مصدرية؛ كان المعنى: هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين، على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالوعد والصدق، فما وجه قوله: ﴿وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ إذا جعلتها موصولة؟ قلت: تقديره: هذا الذي وعده الرحمن، والذي صدقة المرسلون، بمعنى: والذي صدق فيه المرسلون، من قولهم: صدقوهم الحديث والقتال،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المعنى على: من هب فهببنا معه، وإنما معناه: من أيقظنا كما أن قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] ليس معناه أنه تعالى ذهب وذهب بنورهم معه، بل أذهب نورهم، فذهب به كأذهبه، أي: أزاله فاعرف ذلك.
قوله: (وقرئ: "من بعثنا") قال ابن جني: قرأها علي ﵁. فمن الأولى متعلقة بالويل، أو حال منه متعلقة بمحذوف، أي: كائنا من بعثنا، وجاز أن يكون حالًا منه كما يجوز أن يكون خبرًا منه، كقول الأعشى:
ويلي عليك وويلي منك يا رجل
ومن في ﴿مِن مَّرْقَدِنَا﴾ متعلقة بنفس البعث.
стр. 6932
ومنه: صدقني سن بكره. فإن قلت: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾؟ سؤال عن الباعث، فكيف طابقه ذلك جوابًا؟ قلت: معناه: بعثكم الرحمن الذي وعدكم البعث وأنباكم به الرسل؛ إلا أنه جيء به على طريقة: سيئت بها قلوبهم، ونعيت إليهم أحوالهم، وذكروا كفرهم وتكذيبهم، وأخبروا بوقوع ما أنذروا به، وكأنه قيل لهم: ليس بالبعث الذي عرفتموه، وهو بعث النائم من مرقده، حتى يهمكم السؤال عن الباعث، إن هذا هو البعث الأكبر ذو الأهوال والأفزاع، وهو الذي وعده في كتبه المنزلة على السنة رسله الصادقين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومنه: صدقني سن بكره) أي: في سن بكره. مضى شرحه في "الأحزاب" عند قوله تعال: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣].
قوله: (فكيف طابقه ذلك جوابًا) يعني: سألوا عن الفاعل وعن الباعث بقولهم: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾؟ وكان من الظاهر أن يجابوا بأنه الرحمن أو الله، فكيف قيل: ﴿هَذَا مَا وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾؟
وأجاب: أن ذلك القدر ليس بكاف في الجواب ظاهرًا، لأن قولهم: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ حكاية عن قولهم هذا عند البعث بعد ما سبق من قولهم: ﴿ويَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ فلا بد في الجواب من قول يتضمن معنيين فإذا مقتضى الظاهر أن يقال: بعثكم الرحمن الذي وعدكم البعث، وأنبأكم به الرسل كما صرح به المصنف. لكن عدل إلى ما يشعر بتكذيبهم وتصوير حال كفرهم ليكون أهول وفي التفريع أدخل.
والجواب وارد على الأسلوب الحكيم يعني: لا تسألوا عن الباعث فإن هذا البعث ليس كبعث النائم، وإن ذلك ليس مما يهمكم الآن، وإنما الذي يهمكم أن تسألوا: ما هذا البعث ذو الأهوال والأفزاع إلى آخر ما ذكره المصنف.
стр. 6933
[﴿إن كَانَتْ إلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ولا تُجْزَوْنَ إلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ ولَهُم مَّا يَدَّعُونَ * سَلامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ ٥٣ - ٥٨]
﴿إلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ قرئت منصوبة ومرفوعة. ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾، ﴿إنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ حكاية ما يقال في ذلك اليوم. وفي مثل هذه الحكاية زيادة تصوير للموعود، وتمكين له في النفوس، وترغيب في الحرص عليه وعلى ما يثمره. ﴿فِي شُغُلٍ﴾: في أي شغل وفي شغل لا يوصف، وما ظنك بشغل من سعد بدخول الجنة التي هي دار المتقين، ووصل إلى نيل تلك الغبطة وذلك الملك الكبير والنعيم المقيم، ووقع في تلك الملاذ التي أعدها الله للمرتضين من عباده، ثوابًا لهم على أعمالهم مع كرامة وتعظيم، وذلك بعد الوله والصبابة، والتفصي من مشاق التكليف ومضايق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في أي شغل) إلى آخره، بيان لإطلاق ﴿شُغُلٍ﴾، وتقرير لمعنى التنكير فيه.
الراغب: الشغل والشغل: العارض الذي يذهل الإنسان، وقد شغل فهو مشغول، ولا يقال: أشغل. وشغل شاغل.
قوله: (بعد الوله): الوله: التحير من شدة الوجد، و" الصبابة": رقة الشوق وحرارته.
وذلك إشارة إلى قوله: "شغل من سعد" إلى آخره، أي: فما ظنك بشغل من سعد بالمذكور بعد الوجد والتشوق إلى نيل المباغي، ثم إلى قوله: "الخشية" متعلق بالأمور الدنيوية، ومن قوله: " وتخطي الأهوال" إلى آخره، متعلق بما عند الموت والبرزخ إلى آخر أخطار القيامة.
وفي معناه قول القائل: الوصول إلى المطلوب بعد النصب أعز من المنساق بلا تعب.
стр. 6934
التقوى والخشية، وتخطي الأهوال، وتجاوز الأخطار، وجواز الصراط، ومعاينة ما لقي العصاة من العذاب؟ ! وعن ابن عباس: في افتضاض الأبكار. وعنه: في ضرب الأوتار. وعن ابن كيسان: في التزاور. وقيل: في ضيافة الله. وعن الحسن: شغلهم عما فيه أهل النار: التنعم بما هم فيه. وعن الكلبي: هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار، لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم؛ لئلًا يدخل عليهم تنغيص في نعيمهم. قرئ: ﴿في شُغُلٍ﴾ بضمتين، وضمة وسكون، وفتحتين، وفتحة وسكون. والفاكه والفكه: المتنعم والمتلذذ، ومنه: الفاكهة؛ لأنه مما يتلذذ به، وكذلك: الفكاهة؛ وهي المزاحة. وقرئ: ﴿فَاكِهُونَ﴾، و (فكهون)، بكسر الكاف وضمها، كقولهم: رجل حدث وحدث، ونطس ونطس. وقرئ: (فاكهين)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعن ابن عباس: في افتضاض الأبكار) شروع في تقييد ﴿شُغُلٍ﴾ بعد تفسيره بما ينبئ عن العموم أو الإطلاق وما لا يدخل تحت الحصر، فتارة قيده ب"في" وأخرى ب"عن" في قوله: "شغلهم عما فيه أهل النار".
قوله: (﴿في شُغُلٍ﴾ بضمتين) الحرميان وأبو عمرو: بإسكان الغين، والباقون: بضمها.
قوله: (وكذلك الفكاهة؛ وهي المزاحة) الراغب: الفكاهة: حديث ذوي الأنس. قال تعالى: ﴿فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾.
قوله: (رجل حدث وحدث)، الجوهري: رجل حدث_ بضم الدال وكسرها_ أي: حسن الحديث.
قوله: (ونطس ونطس)، الجوهري: التنطس: المبالغة في التطهر وكل من أدق النظر في الأمور واستقصى علمها فهو متنطس ومنه: رجل نطس بضم الطاء وكسرها.
стр. 6935
و (فكهين) على أنه حال، والظرف مستقر. ﴿هُمْ﴾ يحتمل أن يكون مبتدأ، وأن يكون تأكيدًا للضمير في ﴿شُغُلٍ﴾، وفي ﴿فَاكِهُونَ﴾ على أن أزواجهم يشاركنهم في ذلك الشغل والتفكه والاتكاء على الأرائك تحت الظلال. وقرئ: (في ظلل)، والأريكة: السرير في الحجلة. وقيل: الفراش فيها. وقرأ ابن مسعود: (متكئين). ﴿يَدَّعُونَ﴾ يفتعلون، من الدعاء،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ("فكهين" على أنه حال)، قال أبو البقاء: ويقرأ ﴿فَاكِهينَ﴾ على الحال من الضمير في الجار، وعلى المشهورة: ﴿فَاكِهُونَ﴾ خبر ثان، والأول ﴿فِي شُغُلٍ﴾، أو هو الخبر، و ﴿فِي شُغُلٍ﴾ يتعلق به.
قوله: (وقرئ: "في ظلل") حمزة والكسائي: بضم الظاء من غير ألف، والباقون: بكسرها وبالألف. وقال أبو البقاء: ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ يجوز أن يكون خبر ﴿هُمْ﴾، و ﴿عَلَى الْأَرِائِكِ﴾ استئناف، ويجوز أن يكون الخبر ﴿مُتَّكِئُونَ﴾، و ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ حال و ﴿عَلَى الْأَرِائِكِ﴾ منصوب بمتكئون. وظلال: جمع ظل، كذئب وذئاب، أو جمع ظلة، كقبة وقباب، والظلل: جمع ظلة لا غير.
قوله: (في الحجلة) وهي واحدة حجال العروس وهي بيت يزين بالثبات.
قوله: (يفتعلون من الدعاء) قال مكي: أصل ﴿يَدَّعُونَ﴾: يدتعيون، على وزن: يفتعلون، من: دعا يدعو، فأسكنت الياء بعد أن ألقيت حركتها على ما قبلها وحذفت لسكونها وسكون الواو بعدها، وقيل: بل ضمت العين لأجل واو الجمع بعدها، ولم تلق
стр. 6936
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عليها حركة الياء، لأن العين كانت متحركة فصارت يدتعون، فأدغمت التاء في الدال وكان ذلك أولى من إدغام الدال في التاء، لأن الدال حرف مجهور، والتاء حرف مهموس والمجهور أقوى، فكان رد الأضعف إلى الأقوى أولى، فأبدلوا من التاء دالًا فأدغمت فصارت: يدعون.
و"ما" ابتداء بمعنى: الذي، أو مصدر، أو نكرة وما بعدها صفة لها و"لهم" الخبر.
وقال أبو البقاء: وقيل: الخبر ﴿سَلَامٌ﴾، وقيل: ﴿سَلَامٌ﴾ صفة ثانية ل"ما" أو من الهاء المحذوفة، أي: ذا سلامة أو مسلمًا، و ﴿قَوْلًا﴾: مصدر، أي: يقول الله أو الملائكة قولًا، و"من" صفة لـ ﴿قَوْلًا﴾.
قوله: (هو بدل من "ما") هذا إذا كانت "ما" نكرة موصوفة فظاهر، وأما إذا كانت معرفة موصولة فجائز عند بعضهم وقال: من ذهب إلى اشتراط النعت في البدل فقوله فاسد والدليل على ذلك قوله:
إنا وجدنا بني سلمى بمنزلة .... كساعد الضب لا طول ولا قصر
ف" لا طول" و"لا قصر" نكرتان، وهما بدلان من "ساعد الضب" ولم ينعتا، ولا يجوز أن يكون نعتين، لأن ساعد الضب معرفة.
قال الإمام: ليس معناه: أنهم يدعون لأنفسهم دعاء فيستجاب بعد الطلب، بل معناه: لهم ما يدعون لأنفسهم أي: لهم ذلك فلا حاجة إلى الدعاء كما أن الملك إذا طلب مملوكه منه شيئا يقول: لك ذلك ففهم منه تارة أنك مجاب إلى مطلوبك وأخرى الرد، أي: إن ذلك حاصل لك فلم تطلبه؟ أي: لهم ما يدعون ويطلبون فلا طلب لهم، أو لهم الطلب والإجابة،
стр. 6937
أي: يدعون به لأنفسهم، كقولك: اشتوى واجتمل؛ إذا شوى وجمل لنفسه. قال لبيد:
فاشتوى ليلة ريح واجتمل
ويجوز أن يكون بمعنى يتداعونه، كقولك: ارتموه، وتراموه. وقيل: يتمنون، من قولهم: ادع علي ما شئت، بمعنى: تمنه علي، و: فلان في خير ما ادعى، أي: في خير ما تمنى. قال الزجاج: وهو من الدعاء، أي: ما يدعوا به أهل الجنة يأتيهم. و ﴿سَلَامٌ﴾
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإن الطلب أيضًا لذة وكذلك العطاء، فإن من يتمكن من أن يخاطب الملك في حوائجه فله منصب عظيم.
قوله: قال لبيد أوله:
وغلام أرسلته أمه .... بألوك فبذلنا ما سأل
أرستله فأتاه رزقه .... فاشتوى ليلة ريح واجتمل
الألوك: الرسالة، والجميل: الإهالة المذابة، أي: أذاب وشوى لنفسه.
قوله: (يتداعونه) قال الإمام: فهو افتعال بمعنى التفاعل كالاقتتال بمعنى التقاتل، ومعناه ما ذكرنا: أن كل ما يصح أن يدعوا أحد صاحبه إليه أو يطلبه أحد من صاحبه فهو حاصل.
قوله: (قال الزجاج)، والمذكور في تفسيره: ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ معناه: ما يتمنون، يقال: فلان في خير ما ادعى، أي: ما تمنى، وهو مأخوذ من الدعاء، أي: كل ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم.
стр. 6938
بدل من ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾، كأنه قال لهم: سلام يقال لهم ﴿قَوْلًا مِن﴾ جهة ﴿رَبٍّ رَحِيمٍ﴾. والمعنى: أن الله يسلم عليهم بواسطة الملائكة، أو بغير واسطة، مبالغة في تعظيمهم، وذلك متمناهم، ولهم ذلك لا يمنعونه. قال ابن عباس: فالملائكة يدخلون عليهم بالتحية من رب العالمين. وقيل: ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿سَلَامٌ﴾، بمعنى: ولهم ما يدعون سالم خالص لا شوب فيه. و ﴿قَوْلًا﴾ مصدر مؤكد لقوله تعالى: ﴿ولَهُم مَّا يَدَّعُونَ * سَلامٌ﴾ أي: عدة من رب رحيم. والأوجه: أن ينتصب على الاختصاص،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
﴿سَلَامٌ﴾: بدل من "ما"، المعنى: لهم ما يتمنونه سلام، أي: هذا منى أهل الجنة أن يسلم الله عليهم.
قوله: (أو بغير واسطة مبالغة في تعظيمهم، وذلك متمناهم) فيقال له: ليس أبلغ في التعظيم وألذ الملاذ أن ينظروا مع ذلك إلى وجهه الكريم، على ما روينا عن ابن ماجه، عن جابر عن النبي ﷺ : "بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، قال: وذلك قوله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] قال: فنظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره"، وماذا على المصنف لو آمن به وترك التعصب.
قوله: "يحتجب عنهم": الاحتجاب: جعل الخلق في حجاب من رؤيته، ويجوز أن يقال: الله تعالى محتجب وليس بمحجوب، لأن الاحتجاب اقتدار وقهر، والمحجوب مقهور، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
قوله: (والأوجه أن ينتصب على الاختصاص) أي: ﴿قًوْلًا﴾ إذا جعل منصوبًا على
стр. 6939
وهو من مجازه. وقرئ: (سلم) وهو بمعنى السلام في المعنيين. وعن ابن مسعود: (سلامًا) نصب على الحال، أي: لهم مرادهم خالصًا.
[﴿وامْتَازُوا اليَوْمَ أَيُّهَا المُجْرِمُونَ﴾ ٥٩]
﴿وامْتَازُوا﴾ وانفردوا عن المؤمنين، وكونوا على حدة، وذلك حين يحشر المؤمنون ويسار بهم إلى الجنة. ونحوه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الروم: ١٤ - ١٦]. يقال: مازه فانماز وامتاز. وعن قتادة: اعتزلوا عن كل خير. وعن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المدح كان أوجه من أن ينتصب على المصدر بفعل محذوف، أو على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة، لأن المقام من مجاز المدح، لأن هذا القول صادر عن رب رحيم في مقام التعظيم، وكان جديرًا بأن يفخم أمره ويعظم قدره، ويكون جملة مستقلة مفصولة عما سبق.
وأما جواز أن يكون النصب على المدح نكرة، فقد سبق في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨].
قوله: (وذلك حين يحشر المؤمنون ويسار بهم إلى الجنة)، أي: يقال للمجرمين: وامتازوا عن المؤمنين ليسار بهم إلى النار كما يسار بالمؤمنين إلى الجنة، ويخاطبون بما يقابله، أي: وامتازوا اليوم أيها المؤمنين؛ على تضمين ﴿إنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ﴾ هذا المعنى.
وبيانه: أن قوله ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ﴾ خطاب مجمل يعم أهل المحشر وفيهم الفريقان، وتفصيله قوله: ﴿إنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ﴾ وقوله: ﴿وامْتَازُوا﴾، فلا بد من ذلك التقدير ليصح عطف الطلبي على مثله، وإنما لم يقدر خلافه بأن يقال: إن أصحاب النار كذا، لأن المجمل وهو ﴿الْيَوْمَ﴾ ﴿تُجْزَوْنَ﴾ خطاب، والمناسب أن يكون التفصيل أيضًا خطابًا ليطابق المجمل، وإلى الإجمال والتفصيل الإشارة باستشهاد بقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] إلى آخر الآيات.
قوله: (فانماز وامتاز)، الجوهري: مزت الشيء أميز ميزًا: عزلته، وكذلك: ميزنه تمييزًا، فانماز وامتاز وتميز واستماز: كله بمعنى، يقال: امتاز القوم: إذا تميز بعضهم من بعض.
стр. 6940
الضحاك: لكل كافر بيت من النار يكون فيه، لا يرى ولا يرى. ومعناه: أن بعضهم يمتاز من بعض.
[﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ٦٠ - ٦٠]
العهد: الوصية، وعهد إليه: إذا وصاه. وعهد الله إليهم: ما ركز فيهم من أدلة العقل، وأنزل عليهم من دلائل السمع.
وعبادة الشيطان: طاعته فيما يوسوس به إليهم ويزينه لهم. وقرئ: (إعهد) بكسر الهمزة، وباب "فعل" كله يجوز في حروف مضارعته الكسر، إلا في الياء؛ و (أعهد) بكسر الهاء. وقد جوز الزجاج أن يكون من باب: نعم بنعم وضرب يضرب؛ و (أحهد) بالحاء، و (أحد) وهي لغة تميم، ومنه قولهم: دحامحًا. ﴿هَذَا﴾: إشارة إلى ما عهد إليهم من معصية الشيطان وطاعة الرحمن؛ إذ لا صراط أقوم منه، ونحو التنكير فيه ما في قول كثير:
لئن كان يهدى برد أنيابها العلا .... لأفقر مني إنني لفقير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقد جوز الزجاج)، وذكر في "تفسيره": ويقرأ "أعهد" بالكسر، والأكثر الفتح، على قولك: عهد يعهد، والكسر على ضربين: على: عهد يعهد، مثل: حسب يحسب.
قوله: (قولهم: دحامحًا)، قال في "المطلع": وقرئ بالحاء مكان العين، وبحاء مشددة على الإدغام والقلب بالحرفين، وهي لغة تميم، ومنه قولهم: "دحامحا" في: دعها معها، أي: دع هذه القربة مع هذه المرأة.
قوله: ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى لفظ ﴿هَذَا﴾ في قوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾.
قوله: (لئن كان يهدى) البيت، قال المرزوقي: أفقر لا يصح أن يكون من افتقر
стр. 6941
أراد: إنني لفقير بليغ الفقر، حقيق بأن أوصف به لكمال شرائطه في، وإلا لم يستقم معنى البيت، وكذلك قوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لأن شرط بناء التفضيل أن يكون من الثلاثي ولكن من "فقر" المرفوض استعماله. أو بني منه على حذف الزوائد نحو: ريح لاقح، أي: ملقح، ويهدى: من الإهداء: الإتحاف، أو من الهداء: الزفاف.
أنيابها العلى؛ أي: الشريفة العالية أو الأعالي، فإنها مواضع القبل.
وقوله: "إنني لفقير"؛ فعيل: بناء مبالغة، ولا سيما أطلق إطلاقًا، فلا يقال: فقير إلى كذا وكذا، فيخصص، أي: لا غاية لفقري.
قوله: (وإلا لم يستقم معنى البيت) أي: لو لم يخمل "لفقير" على: بليغ الفقير؛ لم يستقم معنى البيت، لأن أفعل التفصيل يستدعي أن يكون المهدى إليه كذلك كأنه قيل: لم تجد أحدًا أفقر مني لأني بلغت غايته، كما قال المرزوقي. كذلك لو لم يحمل ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ على المبالغة لم يتم معنى قوله: ﴿لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ … وأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ لأن النهي عن عبادة الشيطان نهي عن متابعة سبيله، وهو جميع طرق الضلالات والأهواء والبدع، والأمر بعبادة الرحمن أمر باختصاص متابعة سبيل الحق، كأنه قيل: لا تعبدوا الشيطان وخصصوني بالعبادة، لأن صراطي بليغ في استقامته، وأيضًا إن قوله ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ جملة مستأنفة على بيان الموجب فلو لم يحمل على ما شرحه لم يتم ذلك.
ونحوه ما روينا عن النسائي والدارمي عن ابن مسعود: خط لنا رسول الله ﷺ خطأ، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله وقال: "هذه سبل على كل سبيل منها شيطان
стр. 6942
يريد: صراط بليغ في بابه، بليغ في استقامته، جامع لكل شرط يجب أن يكون عليه.
ويجوز أن يراد: هذا بعض الصرط المستقيمة؛ توبيخًا لهم على العدول عنه، والتفادي عن سلوكيه، كما يتفادى الناس عن الطريق المعوج الذي يؤدي إلى الضلالة والتهلكة، كأنه قيل: أقل أحوال الطريق الذي هو أقوم الطرق: أن يعتمد فيه كما يعتمد في الطريق الذي لا يضل السالك، كما يقول الرجل لولده وقد نصحه النصح البالغ الذي ليس بعده: هذا فيما أظن قول نافع غير ضار؛ توبيخًا له على الإعراض عن نصائحه.
[﴿ولَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * اصْلَوْهَا اليَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ٦٢ - ٦٤]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يدعوا إليه" ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
قوله: (يريد: صراط بليغ في بابه، بليغ في استقامته)، قال صاحب الفرائد: الذي حمله على هذا البيان أن حق المقام في الظاهر التعريف إدارة الحصر بأن يقال: هذا الصراط المستقيم، أو هذا هو الصراط المستقيم ليكون إثباتًا له ونفيًا لغيره؛ لأن الصراط المستقيم لم يمكن أن يكون غير هذا، لكن لهذا المعنى الدقيق اللطيف عدل إلى التنكير.
قوله: (ويجوز أن يراد: هذا بعض الصرط المستقيمة توبيخًا لهم عن العدول عنه)، أي: أن قوله: ﴿هَذّا﴾ بعض الطرق المستقيمة، مع أن الواقع أنه كل الطرق، بل ليس الطريق إلا هو، للإيذان بأن المخاطب قد تفادى وتحامى وانزوى عن سلوكه، يعني: هب أن هذا الطرق ليس من الطرق التي بلغت في الكمال غايته، أليس أنه بعض منها؟ وأقل ما عليك أن تعتقد أنه طريق لا يضل السالك فيه، فهضم من حقه ليكون توبيخًا للمخاطب على عدم التفاته إليه، وأهجم به على الغلبة وأبعث على التفكير لأنه من الكلام المنصف.
стр. 6943
قرئ: (جبلًا) بضمتين، وضمة وسكون، وضمتين وتشديدة، وكسرتين، وكسرة وسكون، وكسرتين وتشديدة، وهذه لغات في معنى الخلق. وقرئ: (جبلاُ) جمع جبلة، كفطر وخلق، وفي قراءة علي ﵁: (جيلًا) واحد الأجيال.
[﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٦٥]
يروى: أنهم يجحدون ويخاصمون؛ فيشهد عليهم جيرانهم وأهاليهم وعشائرهم، فيحلفون ما كانوا مشركين، فحينئذ يختم على أفواههم وتكلم أيديهم وأرجلهم. وفي الحديث: "يقول العبد يوم القيامة: إني لا أجيز علي شاهدًا إلا من نفسي، فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدًا لكن وسحقًا، فعنكن كنت أناضل"، وقرئ: (يختم على أفواههم)، و (تتكلم أيديهم)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قرئ: جبلًا): قرأ نافع وعاصم: بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وأبو عمر وابن عامر: بضم الجيم وإسكان الباء وتخفيف اللام، والباقون: كذلك غير أنهم ضموا الباء.
قوله: (وهذه لغات في معنى الخلق). قال الإمام: الجيم والباء واللام لا تخلو من معنى الاجتماع.
قوله: (أناضل) أي: أدافع. الجوهري: فلان يناضل عن فلان: إذا تكلم عنه بعذره ودفع.
стр. 6944
وقرئ: (ولتكلمنا أيديهم وتشهد) بلام "كي" والنصب، على معنى: ولذلك نختم على أفواههم. وقرئ: (ولتكلمنا أيديهم ولتشهد) بلام الأمر والجزم، على أن الله يأمر الأعضاء بالكلام والشهادة.
[﴿ولَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) ولَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًا ولا يَرْجِعُونَ﴾ ٦٦ - ٦٧]
الطمس: تعفية شق العين حتى تعود ممسوحة. ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ لا يخلو من أن يكون على حذف الجار وإيصال الفعل. والأصل: فاستبقوا إلى الصراط، أو يضمن معنى: ابتدروا، أو يجعل الصراط مسبوقًا لا مسبوقًا إليه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "ولتكلمنا أيديهم") قال ابن جني: قرأها طلحة، وفيه حذف أي: لتكلمنا أيديهم ولتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ما نختم من أفواههم، كقولك: أحسنت إليك ولشرك ما أحسنت إليك، وأنلتك سؤلك.
قوله: (أو يضمن معنى: ابتدروا) قال في "الأساس" في قسم الحقيقة: واستبقوا الصراط: ابتدروه. وقال أيضًا: تبادروا الباع وابتدروها.
قوله: (أو يجعل الصراط مسبوقًا لا مسبوقًا إليه) يعني: على الاتساع، كقوله:
ويوم شهدناه
стр. 6945
أو ينتصب على الظرف. والمعنى: أنه لو شاء لمسح أعينهم، فلو راموا أن يستبقوا إلى الطريق المهيع الذي اعتادوا سلوكه إلى مساكنهم وإلى مقاصدهم المألوفة التي ترددوا إليها كثيرًا كما كانوا يستبقون إليه ساعتين في متصرفاتهم موضعين في أمور دنياهم؛ لم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجوهري: واستبقنا في العدو، أي: تسابقنا.
قوله: (أو ينتصب على الظروف)، على نحو قوله:
كما عسل الطريق الثعلب
على تقدير: في، وفيه إشكال، لأن حكم مؤقت المكان كحكم غير الظرف.
قوله: (والمعنى أنه لو شاء)، اعلم أنه ذكر في ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ وجهًا على اللف، ومن هنا شرع في النشر، فقوله أولًا: "فلو راموا أن يستبقوا إلى الطريق" مبني على حذف "إلى" وإيصال الفعل، أو على تضمين معنى"ابتدروا".
وقوله ثانيًا: "فلو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف" مبني على أن ينتصب ﴿الصِّرَاطَ﴾ على الظرف، فأبرز لذلك لفظة "في".
وقوله: "فلو طلبوا أن يخلقوا الصراط" مبني على أن ﴿الصِّرَاطَ﴾ مفعول به، وإليه أشار بقوله: " أو يجعل الصراط مسبوقًا". وعن بعضهم: استبق الصراط: جاوزها. و ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ أي: لا يبصرون، لأن معنى ﴿فَأَنَّى﴾ في هذا المقام معنى "كيف" على الإنكار.
قوله: (إلى الطريق المهيع)، وفي حاشية" الصحاح": طريق مهيع، أي: مسلوك. وأبو عبيد: المهيع: الطريق الواسع الواضح.
قوله: (موضعين)، الجوهري: وضع البعير وغيره، أي: أسرع في سيره.
стр. 6946
يقدروا، وتعايا عليهم أن يبصروا ويعلموا جهة السلوك فضلًا عن غيره. أو: لو شاء لأعماهم، فلوا أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف كما كان ذلك هجيراهم لم يستطيعوا. أو: لو شاء لأعماهم، فلو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوا المشي فيه لعجزوا ولم يعرفوا طريقًا، يعني: أنهم لا يقدرون إلًا على سلوك الطريق المعتاد دون ما وراءه من سائر الطريق والمسالك، كما ترى العميان يهتدون فيها ألفوا وضروا به من المقاصد دون غيرها. ﴿عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾، وقرئ: (على مكاناتهم)، والمكانة والمكان واحد، كالمقامة والمقام. أي: لمسخناهم مسخًا يجمدهم مكانهم لا يقدرون أن يبرحوه بإقبال ولا إدبار ولا مضي ولا رجوع. واختلف في المسخ؛ فعن ابن عباس: لمسخناهم قردة وخنازير. وقيل: حجارة. وعن قتادة: لأقعدناهم على أرجلهم وأزمناهم. وقرئ: ﴿مُضِيًا﴾ بالحركات الثلاث، فالمضي والمضي كالعتي والعتي، والمضي كالصبي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وتعايا عليهم)، الأساس: عي بالأمر وتعيى به وتعايا، وأعياه الأمر: إذا لم يضبطه.
قوله: (وضروا به) أي: تعودوا. الجوهري: وقد ضري الكلب بالصيد ضراوة: تعود.
قوله: (وقرئ: "على مكاناتهم") قرأ أبو بكر: بالجمع، والباقون: على التوحيد.
قوله: (وقرئ: ﴿مُضِيًا﴾ بالحركات الثلاث)، بالضم: هي المشهورة، وبالفتح والكسر: شاذ.
стр. 6947
[﴿ومَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ ٦٨]
(ننكسه في الخلق): نقلبه فيه فنخلقه على عكس ما خلقناه قبلًا؛ وذلك أنا خلقناه على ضعف في جسد، وخلو من عقل وعلم، ثم جعلناه يتزايد وينتقل من حال إلى حال، ويرتقي من درجة إلى درجة، إلى أن يبلغ أشده، ويستكمل قوته، ويعقل ويعلم ما له وما عليه، فإذا انتهى نكسناه في الخلق فجعلناه يتناقص، حتى يرجع في حال شبيهة بحال الصبي في ضعف جسده وقلة عقله وخلوه من العلم، كما ينكس السهم فيجعل أعلاه أسفله. قال : ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]، ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥]، وهذه دلالة على أن من ينقلهم من الشباب إلى الهرم، ومن القوة إلى الضعف، ومن رجاحة العقل إلى الخرف وقلة التمييز، ومن العلم إلى الجهل بعدما نقلهم خلاف هذا النقل وعكسه قادر على أن يطمس على أعينهم ويمسخهم على مكانتهم ويفعل بهم ما شاء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهذه دلالة على أن من ينقلهم من الشباب إلى الهرم) إلى قوله: (قادر على أن يطمس [على] أعينهم ويمسخهم) يريد أن قوله ﴿ومَن نُّعَمِّرْهُ﴾ الجملة معطوفة على متعلق علة محذوفة، المعنى: لو نشاء لفعلنا الطمس، ولو نشاء لفعلنا المسخ، لأنا قادرون على كل شيء وعلى قلب الحقائق، ألا ترى كيف نقلب الإنسان في الخلق فتخلقه على عكس ما خلفناه قبلًا، وهذا ليس بأعرب من ذلك، وقوله: ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ تنبيه على التفكير وتوبيخ لما لو عسى أن ينكر منكر أنه تعالى كيف يختم على الأفواه يوم القيامة لتتكلم الأيدي وتشهد الأرجل، ومثله ما روينا عن البخاري ومسلم عن أنس: أن رجلًا قال: يا رسول الله، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٤] أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول الله ﷺ : "أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا
стр. 6948
وأراد. وقرئ بكسر الكاف، و ﴿نُنَكِّسْهُ﴾، و (نَنْكُسْهُ) من التنكيس والإنكاس. ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ بالتاء والياء.
[﴿ومَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ ومَا يَنْبَغِي لَهُ إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُّبِينٌ * لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلَى الكَافِرِينَ﴾ ٦٩ - ٧٠]
كانوا يقولون لرسول الله ﷺ : شاعر، وروي: أن القائل: عقبة بن أبي معيط، فقيل: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ أي: وما علمناه بتعليم القرآن الشعر، على معنى: أن القرآن ليس بشعر،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة". قال قتادة حين بلغه: بلى وعزة ربنا.
قوله: (وقرئ بكسر الكاف و ﴿نُنَكِّسْهُ﴾): عاصم وحمزة: ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ بضم النون الأولى، وفتح الثانية، وكسر الكاف وتشديدها. والباقون: بالفتح للنون الأولى وإسكان الثانية وضم الكاف مخففة.
قوله: (أي: وما علمناه بتعليم القرآن الشعر، على معنى: أن القرآن ليس بشعر) يعني: قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ كناية تلويحية عن كون القرآن ليس بشعر، وأن رسول الله ﷺ ليس بشاعر، لأن الآية رد لقولهم: هو شاعر، وذلك أنهم ما سمعوا من رسول الله ﷺ منذ نشأ بين ظهرانيهم ما ينبئ عن الشعر ولا نسبوه إلى الشاعرية أصلًا، فلما سمعوا منه هذا القرآن المجيد نسبوه إليها إيذانًا بأن القرآن شعر فقيل لهم: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ ودل به على أن القرآن ليس بشعر، أي: وما جعلنا تعليمنا القرآن له ذريعة إلى تعلم الشعر حتى يكون شاعرًا، فإذا لم يكن تعليم القرآن ذريعة إليه، فلا يكون القرآن شعرًا، ولا يكون هو شاعرًا،
стр. 6949
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فالباء في قول المصنف: " وما علمناه بتعليم القرآن الشعر" للاستعانة، وذلك أن من يمارس الدواوين والأشعار ربما يستعين به على قرض الشعر. وإذا لم يكن القرآن من الشعر في شيء فكيف يستعان به عليه؟ وإليه الإشارة بقوله: فأين الوزن وأين التقفية، وأين المعاني وأين النظم وأين الأساليب؟
والغرض في ارتكاب هذه الكناية تطبيق هذا الرد على قولهم لرسول ﷺ : إنه شاعر، وتلفيق قوله ﴿إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ فقوله: " وما ينبغي له" اعتراض لتقرير أنه ليس بشاعر، وقوله: ﴿إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ تقرير للمقدر.
وأورد أن هذا ليس من قبيل الكناية فضلًا عن أن يكون تلويحية لأنه انتقال من ملزوم واحد إلى اللازم، فيقال: لا ارتياب أن دلالة ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ على أن القرآن ليس بشعر، ودلالة ذلك على نقي الشاعر ليس من قبيل المفهوم الحقيقي، وهو نفي تعليم الشعر منه. ولا من قبيل المجاز عند مقتني صناعة البيان؛ لا من أنواع المفرد منه ولا المركب، أي: الاستعارة التمثلية أو الإسناد المجازي، فوجب المصير إلى الكناية باستعانة اقتضاء المقام كما سبق لما يلزم من نفي الشاعرية حينئذ نفي كون القرآن شعرًا ومن نفيه نفي تعليم الشعر بواسطة القرآن، فآذن الانتقال من قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ أي: أن القرآن ليس بشعر، ومن ذلك إلى أنه صلوات الله عليه ليس بشاعر انتقال من اللازم إلى الملزوم بمرتبتين، ولا يعني بالتلويح الأبعد والانتقال؛ ألا ترى إلى ما أنشده صاحب"المفتاح" من قوله ابن هرمه:
لا أمتع العوذ بالفصال ولا .... أبتاع إلا قريبة الأجل
فإنه استعان بوساطة مقام المدح وتسلسل اللوازم على أنه مضياف، والله أعلم وأما البيان النظم فإن قوله ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ الآية خاتمة لبيان
стр. 6950
وما هو من الشعر في شيء، وأين هو عن الشعر، والشعر إنما هو كلام موزون مقفى،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحوال المعاد، وكالتخلص إلى ذكر أحوال المكذبين من قوم الرسول الله ﷺ ، وتقريعهم وتوبيخهم، وهو قوله: ﴿ولَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ ﴿ولَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ أي: لا تتعجبوا بما نختم على أفواههم في القيامة، ولو شئنا الآن لطمسنا على أعينهم، فلو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف لم يستطيعوا، ولو نشاء لمسخناهم مسخًا يجمدهم مكانهم لفعلنا، ومن تكاذبهم قولهم في القرآن وفي من أنزل عليه: إنه شاعر وهو شعر حتى رد عليهم بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ إلى قوله: ﴿لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلَى الكَافِرِينَ﴾، وهذا المعنى يملح إلى ما أفتتح به السورة من قوله: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾.
قوله: (والشعر إنما هو كلام موزون مقفى)، الراغب: الشعر معروف، والجمع أشعار، قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا﴾ [النحل: ٨٠] وشعرت: أصبت الشعر، ومنه استعير، شعرت: كذا، أي: علمت علمًا في الدقة كإصابة الشعر. قيل: وسمي الشاعر شاعرًا لفطنته ودقة معرفته. فالشعر في الأصل: اسم للعلم الدقيق في قولهم: ليت شعري، وصار في التعارف اسمًا للموزون المقفى من الكلام والشاعر المختص بصناعته. وقوله تعالى حكاية عن الكفار: ﴿بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥] كثير من المفسرين حملوه على أنهم رموه بكونه أتى بشعر منظوم مقفى حتى تأولوا عليه ما جاء في القرآن من كل لفظة تشبه الموزون من نحو قوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣].
وقال بعض المحصلين: لم يقصدوا هذا المقصد فيما رموه به، لأنه ظاهر من هذا الكلام أنه ليس على أساليب الشعر، ولا يخفى ذلك على الأغتام من العجم فضلًا عن بلغاء العرب، وإنما رموه بالكذب، فإن الشعر يعبر به عن الكذب، والشاعر: الكاذب، حتى سمى قوم الأدلة الكاذبة الشعرية، ولهذا قال في وصف عامة الشعراء: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ
стр. 6951
يدل على معنى، فأين الوزن؟ وأين التقفية؟ وأين المعاني التي ينتحيها الشعراء عن معانيه؟ وأين نظم كلامهم عن نظمه وأساليبه؟ فإذا لا مناسبة بينه وبين الشعر إذا حققت، اللهم إلا أن هذا لفظه عربي، كما أن ذاك كذلك. ﴿ومَا يَنْبَغِي لَهُ﴾: وما يصح له ولا يتطلب لو طلبه، أي: جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ولم يتسهل،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] ولكون الشعر مقر الكذب، قيل: أحسن الشعر أكذبه، وقال بعضهم: لم ير متدين صادق اللهجة مفلقًا في شعره. والشعار: الثوب الذي يلي البدن لمماسته الشعر. والشعار: ما يشعر به الإنسان نفسه في الحرب أي: يعلم، والشعراء ذباب الكلب لملازمته شعره.
قوله: (﴿ومَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ وما يصح له ولا يتطلب)، روي عن المصنف أنه قال: في" كتاب" سيبويه حرف واحد: كل فعل فيه علاج يأتي مطاوعه على الانفعال، كضرب وطلب وعلم، وما ليس فيه علاج كعدم وفقد لا يتأتى في مطاوعه الانفعال البتة.
وقال ابن الحاجب: ﴿مَا يَنْبَغِي﴾ بمعنى: لا يستقيم عقلا كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢]؛ لأنه لو كان ممن يقول الشعر لتطرقت التهمة عند كثير من الناس في أن ما جاء به من قبل نفسه. ولذلك عقبه بقوله: ﴿ويَحِقَّ القَوْلُ عَلَى الكَافِرِينَ﴾؛ لأنه إذا انتفت الريبة لم يبق إلا المعاندة، فيحق القول عليهم. أشار إلى اتصال هذا الآية بما قبلها وما بعدها كما قررناه آنفًا.
قال الإمام: وفيه وجه أحسن من ذلك، وهو أن الشعر لا يليق بمثله، ولا يصلح له، لأن الشعر يدعوا إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ والوزن، ولأن أحسنه المبالغة والمجازفة والإغراق في الوصف، وكلها تستدعي الكذب، وجل جناب الشارع عنه، فما هو إلا كتاب
стр. 6952
كما جعلناه أميًا لا يتهدى للخط ولا يحسنه؛ لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض.
وعن الخليل: كان الشعر أحب إلى رسول الله ﷺ من كثير من الكلام، ولكن كان لا يتأتى له. فإن قلت: فقوله:
أنا النبي لا كذب .... أنا ابن عبد المطلب
وقوله:
هل أنت إلا أصبع دميت .... وفي سبيل الله ما لقيت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سماوي يقرأ في المحاريب ويتلى في المتعبدات، وينال بتلاوته الفوز في الدارين، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين؟
روينا عن البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرًا.
وفي "مسند أحمد بن حنبل" عن عائشة قالت: كان أبغض الحديث إليه الشعر.
وفي "المسند" أيضًا عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ما أبالي ما ركبت إذا أنا شربت ترياقًا أو علقت تميمة، أو قلت شعرًا من قبل نفسي".
قوله: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، قاله صلوات الله عليه يوم حنين حين نزل ودعا واستنصر في حديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن البراء.
стр. 6953
قلت: ما هو إلا كلام من جنس كلامه الذي كان يرمي به على السليقة، من غير صنعة فيه ولا تكلف، إلا أنه اتفق ذلك من غير قصد إلى ذلك كما ينفق في كثير من إنشاءات الناس في خطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم أشياء موزونة لا يسميها أحد شعرًا، ولا يخطر ببال المتكلم ولا السامع أنها شعر، وإذا فتشت في كلام عن نحو ذلك وجدت الواقع في أوزن البحور غير عزيز، على أن الخليل ما كان يعد المشطور من الرجز شعرًا، ولما نفى أن يكون القرآن من جنس الشعر قال: ﴿إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ يعني: ما هوا إلا ذكر من الله تعالى يوعظ به الإنس والجن، كما قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٧]، وما هو إلا قرأن كتاب سماوي، يقرأ في المحاريب، ويتلى في المتعبدات، وينال بتلاوته والعمل بما فيه فوز الدارين، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين؟ ﴿لِيُنذِرَ﴾ القرآن، أو الرسول،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعن البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ إذ أصابه حجر فدميت أصبعه، فقال:
هل أنت إلا أصبع دميت .... وفي سبيل الله ما لقيت
قوله: (على السليقة)، الجوهري: هي الطبيعة يقال: فلان يتكلم بالسليقة، أي: بطبعه، لا عن تعلم وهي منسوبة.
قوله: (المشطور من الرجز)، عن بعضهم: المشطور: الذي أخذ شطره، وهو الذي ليس بمصرع، كقوله:
يا ليتني فيها جذع .... أخب فيها وأضع
стр. 6954
وقرئ: (لتنذر) بالتاء، و (لينذر): من: نذر به؛ إذا علمه. ﴿مَن كَانَ حَيًا﴾ أي: عاقلًا متأملًا؛ لأن الغافل كالميت؛ أو معلومًا منه أنه يؤمن فيحيا بالإيمان، ﴿ويَحِقَّ القَوْلُ﴾:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "لتنذر") بالتاء: نافع وابن عامر، والباقون: بالياء التحتانية.
قوله: (من: نذر به: إذا علمه)، الجوهري: ونذر القوم بالعدو بكسر الذال المعجمة؛ إذا علموا.
قوله: (أو معلومًا منه أنه يؤمن)، عطف على " عاقلًا متأملًا"، وعلى الأول ﴿حَيًّا﴾ استعارة مصرحة بحقيقته استعبر الحياة للعقل لجامع التكميل والتزيين. وعلى الثاني استعارة للإيمان كذلك، ثم مجاز باعتبار ما يؤول. كقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] قال: سماهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين لمشارفتهم ذلك، كأنه قيل: لينذر من كان مآل أمره إلى الإيمان به لأنه الذي ينتفع بالإيمان، ولذلك رتب "فيجيء بالإيمان" على قوله: "معلومًا منه أنه يؤمن".
وقال بعض المشاهير: أطلق كان والمراد يكون مجازًا باعتبار ما يؤول، فيقال: " كان" في هذه الآية نحوها في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧]؛ ولذلك قال: "معلومات منه أنه يؤمن". وهذا الوصف على هذا التقدير ثابت للموصوف، وكذا على الوجه الأول.
قال الراغب: "كان" يستعمل منه في جنس الشيء متعلقًا بوصف لينبه على أن ذلك الوصف لازم له قليل الانفكاك كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]، ومن ثم قوبل به قوله: ﴿ويَحِقَّ القَوْلُ عَلَى الكَافِرِينَ﴾ لأنه معبر به عن العلم الأزلي، واختير قوله ﴿عَلَى الكَافِرِينَ﴾ على "من يكفر"؛ أي: وجب وثبت في علم الله واستمراره على الكفر كما ثبت في
стр. 6955
وتجب كلمة العذاب ﴿عَلَى الكَافِرِينَ﴾ الذين لا يتأملون ولا يتوقع منهم الإيمان.
[﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ ومِنْهَا يَاكُلُونَ * ولَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ ومَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ ٧١ - ٧٣]
﴿مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾: مما تولينا نحن إحداثه ولم يقدر على توليه غيرنا، وإنما قال ذلك لبدائع الفطرة والحكمة فيها، والتي لا يصح أن يقدر عليها إلا هو. وعمل الأيدي: استعارة من عمل من يعملون بالأيدي، ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ أي: خلقناها لأجلهم فملكناها إياهم، فهم متصرفون فيها تصرف الملاك، مختصون بالانتفاع بها لا يزاحمون. أو فهم لها ضابطون قاهرون، من قوله:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
علم الله دخول ذلك في الإيمان، فظهر من هذا التقابل: أن الكافر كالميت والمؤمن كالحي.
وقوله: " (﴿عَلَى الكَافِرِينَ﴾ الذين لا يتأملون) مقابل لقوله: أي عاقلًا متأملا. وقوله: "ولا يتوقع منهم الإيمان" مقابل لقوله: "أو معلومًا منه الإيمان" والله أعلم.
قوله: (وإنما قال ذلك لبدائع الفطرة) يعني: إنما قرن إنا خلقنا لهم بقوله: ﴿مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ وآثر صيغة التعظيم والأيدي مجموعة ليدل على إبداع خلق عجيب وإبداع صنع غريب فيه، لأن اليد إذا استعيرت للقدرة دلت على دقة في المقدور.
قوله: (وعمل الأيدي استعارة من عمل من بعمل) يعني: استعير عمل الأيدي من مكان يستعمل فيه هذا اللفظ حقيقة، وهو الإنسان، لمن لا يستعمل فيه عمل الأيدي إلا مجازًا، وهو الله ، ونحوه استعمال الطلع في قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] فيما لا طلع له من الشجر، واستعمال المرسن في أنف لا رسن له.
قوله: (أو: فهم لها ضابطون) فالمالك بمعنى القاهر والقادر من ملكت العجين: إذا أجدت عجنه فقويته، ومنه أخذ الملك لأنه القدرة على المملوك، والفاء على الأول للتسيب وهي فصيحة لتقدير فملكناهم وهذا أوجه، لأن قوله: ﴿وذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ وتقسيمه بالركوب
стр. 6956
أصبحت لا أحمل السلاح ولا .... أملك رأس البعير إن نفرا
أي: لا أضبطه، وهو من جملة النعم الظاهرة، وإلا فمن كان يقدر عليها لولا تذليله وتسخيره لها؟ كما قال القائل:
يصرفه الصبي بكل وجه .... ويحبسه على الخسف الجرير
وتضربه الوليدة بالهراوى .... فلا غير لديه ولا نكير
ولهذا ألزم الله سبحانه الراكب أن يشكر هذه النعمة ويسبح بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣]. وقرئ: ﴿رَكُوبُهُمْ﴾ و (ركوبتهم)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والأكل يدل على الضبط والقهر فدل "مالكون" على أن أحدًا لا يمنعهم من التصرف فيها ودل ﴿وذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ على أنها في أنفسها لا تمتنع من التصرف فيها بما أراد صاحبها، وعلى الوجه الثاني: وذلللناهم لهم عطف تفسيري على قوله: ﴿مَالِكُونَ﴾ وليس بقوي.
قوله: (أصبحت) البيت، وبعده:
والذئب أخشاه إن مررت به .... وحدي وأخشى الرياح والمطرا
سئل عن أبي هرمة: كيف أصبحت؟ فأنشد البيتين.
قوله: (يصرفه الصبي) البيتين، الجرير: حبل يجعل للبعير بمنزلة العذار للدابة غير الزمام، والخسف: الذل. والهراوى: جمع الهراوة وهي العصا الضخمة، والغير: اسم من قولهم: غيرت الشيء فتغير، أو جمع غيره.
قوله: (وقرئ: ﴿رَكُوبُهُمْ﴾)، وهي قراءة العامة. قال ابن جني: قرأ الحسن والأعمش بضم الراء. وقرأت عائشة ﵂ ركوبتهم، وأما الضم فمصدر، والكلام محمول
стр. 6957
وهما ما يركب، كالحلوب والحلوبة. وقيل: الركوبة: جمع. وقرئ: (ركوبهم) أي: ذو ركوبهم، أو: فمن منافعها ركوبهم. ﴿مَنَافِعُ﴾: من الجلود والأوبار والأصواف وغير ذلك. ﴿ومَشَارِبُ﴾: من اللبن، ذكرها مجملة، وقد فصلها في قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ الآية [النحل: ٨٠]. والمشارب: جمع مشرب؛ وهو موضع الشرب، أو الشرب.
[﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ * لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ * فَلا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ ومَا يُعْلِنُونَ﴾ ٧٤ - ٧٦].
اتخذوا الآلهة طمعًا في أن يتقووا بهم ويعضدوا بمكانهم، والأمر على عكس ما قدروا؛ حيث هم جند لآلهتهم معدون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على حذف المضاف، أي: ذو ركوبهم، وهو المركوب ومرجعها إلى قراءة من قرأ بفتح الراء وإن شئت قدرت: فمن منافعها أو من أعراضها ركوبهم، وأما ركوبتهم فهي المركوبة كالجزورة والحلوبة، أي: ما يجز ويحلب.
وقال مكي: ركوبتهم: الأصل عند الكوفيين؛ ليفرق بين ما هو فاعل وبين ما هو مفعول، يقولون: امرأة صبور وشكور فهذا فاعل، ويقولون: ناقة حلوبة وركوبة فهذا مفعول.
قوله: (هو موضع الشرب، أو الشرب)، في" المطلع": مشارب: جمع مشرب، بمعنى موضع الشرب، أو هي مصدر بمعنى المشروب، وهو لبنها ومخيضها والزبد والسمن والأقط والجبن والرائب وغيرها.
стр. 6958
﴿مُحْضَرُونَ﴾ يخدمونهم ويذبون عنهم، ويغضبون لهم، والآلهة لا استطاعة بهم ولا قدرة على النصر، أو: اتخذوهم لينصروهم عند الله ويشفعوا لهم، والأمر على خلاف ما توهموا؛ حيث هم يوم القيامة جند معدون لهم محضرون لعذابهم؛ لأنهم يجعلون وقودًا للنار.
قرئ: ﴿فَلا يَحْزُنكَ﴾ بفتح الياء وضمهما، من حزنه وأحزنه. والمعنى: فلا يهمنك تكذيبهم وأذاهم وجفاؤهم، فإنا عالمون بـ ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ من عداوتهم ﴿ومَا يُعْلِنُونَ﴾،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿مُحْضَرُونَ﴾ يخدمونهم) أي: يحضرونها لخدمتها وعبادتها، لقوله: "محضرون لعذابهم" حيث صرح باللام.
وأما اتصال هذه الآية بما قبلها فأن تجعل حالًا مقررة لجهة الإشكال؛ أي: إنا خلقناهم وفعلنا كذا وكذا وهم اتخذوا من دون الله ما لا يستطيعون نصرهم، ومع ذلك إنهم يذبون عنها ويغضبون لها، وإليه الإشارة بقوله: والأمر على عكس ما قدروا.
قوله: (قرئ: ﴿فَلا يَحْزُنكَ﴾ بفتح الياء وضمها): نافع: بالضم، والباقون: بالفتح.
قوله: (والمعنى: فلا يهمنك تكذيبهم وأذاهم وجفاؤهم) إلى آخره، لابد لهذا الفاء من كلام تتصل به، والذي يصلح لذلك قوله: ﴿ومَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾، لأنه في جواب من قال: إنه صلوات الله عليه شاعر والقرآن شعر.
وأما بيان النظم، فإنه تعالى بعد ما رد عليهم قولهم: إنه شاعر، أتى بقوله: ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم﴾ الآيات، مسليًا حبيبه صلوات الله عليه، يعني: لك التأسي بربك، فإنه تعالى أراهم تلك الآيات الباهرة، وأولاهم تلك النعم المتظاهرة، وعلموا أنه المتفرد بها، ومع ذلك كابروا وعاندوا واتخذوا من دونه آلهة أشركوها به في العبادة، فإذا كان كذلك فلا يحزنك قولهم، لأنا مجازوهم على تكذيبهم إياك إشراكهم بي.
стр. 6959
وإنا مجازوهم عليه، فحق مثلك أن يتسلى بهذا الوعيد ويستحضر في نفسه صورة حاله وحالهم في الآخرة؛ حتى ينقشع عنه الهم ولا يرهقه الحزن. فإن قلت: ما تقول فيمن يقول: إن قرأ قارئ: (أنا نعلم) بالفتح: انتقضت صلاته، وإن اعتقد بما يعطيه من المعنى: كفر؟ قلت: فيه وجهان؛ أحدهما: أن يكون على حذف لام التعليل، وهو كثير في القرآن والشعر، وفي كل كلام وقياس مطرد، وهذا معناه ومعنى الكسر سواء، وعليه تلبية رسول الله ﷺ : "إن الحمد والنعمة لك"، كسر أبو حنيفة وفتح الشافعي، وكلاهما تعليل. والثاني: أن يكون بدلًا من ﴿قَوْلُهُمْ﴾، كأنه قيل: فلا يحزنك، إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون. وهذا المعنى قائم مع المكسورة إذا جعلتها مفعولة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ينقشع عنه الهم ولا يرهقه الحزن)، الجملتان مقررتان على النفي والإثبات طردًا وعكسًا.
قوله: (وعليه تلبية رسول الله ﷺ ، عن البخاري ومسلم ومالك وغيرهم، عن ابن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يهل ملبدًا يقول: " [لبيك] اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" لا يزيد على هذه الكلمات.
النهاية: التلبيد: هو أن يسرح الشعر ويجعل فيه شيء من صمغ ليلتزق ولا يتشعث في الإحرام.
قوله: (مع المكسورة) يعني: هذا المحذور أيضًا قائم مع المكسورة على تقدير المقول، فعليك أن لا تقدر البدل فاتحًا، ولا تقدر مقول القول كاسرًا لأنه على التقديرين نهى رسول الله ﷺ عن الحزن على كون الله عالمًا بسرهم وعلانيتهم، بل يقدر على الفتح، والكسر للتعليل، وهو المراد بقوله: وإنما يدوران على تقديرك: فينفصل إلى آخره على أن ذلك جائز على سبيل التعريض كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يونس: ١٠٥].
стр. 6960
للقول، فقد تبين أن تعلق الحزن بكون الله عالمًا وعدم تعلقه لا يدوران على كسر "إن" وفتحها، وإنما يدوران على تقديرك، تتفضل إن فتحت بأن تقدر معنى التعليل ولا تقدر البدل، كما أنك تتفضل بتقدير معنى التعليل إذا كسرت ولا تقدر معنى المفعولية، ثم إن قدرته كاسرًا أو فاتحًا على ما عظم فيه الخطب ذلك القائل، فما فيه إلا نهي رسول الله ﷺ عن الحزن على كون الله عالمًا بسرهم وعلانيتهم، وليس النهي عن ذلك ما يوجب شيئًا، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: ٦٨]، ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص: ٨٧]، ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ [الشعراء: ٢١٣].
[﴿أَوَ لَمْ يَرَ الإنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وضَرَبَ لَنَا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي العِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وهُوَ الخَلاَّقُ العَلِيمُ * إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٧٧ - ٨٣]
قبح الله إنكارهم البعث تقبيحًا لا ترى أعجب منه وأبلغ، ودل على تمادي كفر الإنسان وإفراطه في جحود النعم وعقوق الأيادي، وتوغله في الخسة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قبح الله إنكارهم البعث تقبيحًا)، قال القاضي: هذه تسلية ثانية بتهوين ما يقولونه بالنسبة إلى إنكارهم الحشر. يريد أن قوله: ﴿أَوَ لَمْ يَرَ الإنسَانُ﴾ معطوف على قوله: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم﴾ وأسلوبها أسلوبها في التعكيس، يعني: أنا كما تولينا إحداث النعم ليكون ذريعة إلى أن يشكروها فجعلوها وسيلة إلى الكفران، كذلك خلقناهم من أخس الأشياء وأمهنها، ليخضعوا ويتذللوا، فإذا هو خصيم مبين.
стр. 6961
وتغلغله في القحة؛ حيث قرره بأن عنصره الذي خلقه منه هو أخس شيء وأمهنه؛ وهو النطفة المذرة الخارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة، ثم عجب من حاله بأن يتصدى مثله على مهانة أصله ودناءة أوله لمخاصمة الجبار، ويبرز صفحته لمجادلته، ويركب متن الباطل ويلج، ويمحك ويقول: من يقدر على إحياء الميت بعدما ومت عظامه؟ ! ثم يكون خصامه في ألزام وصف له وألصقه به؛ وهو كونه منشأ من موات، وهو ينكر إنشاءه من موات، وهي الكابرة التي لا مطمح وراءها، وروي: أن جماعة من كفار قريش منهم أبي بن خلف الجمحي وأبو جهل والعاص بن وائل والوليد بن المغيرة تكلموا في ذلك، فقال لهم أبي: ألا ترون إلى ما يقول محمد: إن الله يبعث الأموات، ثم قال: واللات والعزى لأصيرن إليه ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في القحة)، الجوهري: وقح الرجل إذا صار قليل الحياء، وهو وقح ووقاح بين القحة والوقاحة، والهاء عوض من الواو.
قوله: (ويمحك)، الجوهري: المحك: اللجاج، وقد محك يمحك فهو رجل محك ومماحك.
قوله: (ثم يكون خصامه في ألزم وصف) ثم هذه يجوز أن تكون للاستعباد؛ يعني ينكر الحشر، ويخاصم مع مهانته الجبار مع مهابته في شيء في غاية من الظهور والجلاء! ما أبعد ذلك من العاقل!
قوله: (والعاص بن وائل)، عن بعضهم: العاص، صح بالرفع، لأنه من الأعياص، من العوص لا من العصيان، والأعياص من قريش وهم أولاد أمية بن عبد شمس الأكبر، وهم أربعة: العاص وأبو العاص، والعيص وأبو العيص، والعيص الأصل.
стр. 6962
ولأخصمنه، وأخذ عظمًا باليًا فجعل يفته بيده وهو يقول: يا محمد، أترى الله يحيي هذا بعدما قد رم؟ ! قال ﷺ : "نعم، ويبعثك ويدخلك جهنم". وقيل: معنى قوله: ﴿فَإِذَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولأخصمنه)، وخاصمت فلانا فخصمته أخصمه بالكسر، ولا يقال بالضم، وهو شاذ. ومنه قراءة حمزة: " وهم يخصمون".
قوله: (نعم، ويبعثك ويدخلك جهنم)، من الأسلوب الحكيم، أي: إحياؤه مما لا كلام فيه، فسل عن حالك كيف تصير إلى جهنم؟ قيل: ليس هذا من الأسلوب الحكيم في شيء، بل أجاب وزاد في الجواب بالبعث والعقاب.
فيقال: الأسلوب الحكيم: هو تلقي المخاطب بغير ما يترقب والسائل بغير ما يتطلب، فقوله صلوات الله عليه: " ويبعثك ويدخلك جهنم" هو الجواب المفحم، وقوله: "نعم" توطئة للجواب، واللعين لم يترقب ذلك، على أن سؤاله ذاك لم يكن سؤال مسترشد طالب للحق بل سؤال متعنت متهكم لم يقنع بلا ونعم. فكيف لا وقد أسلف: ألا ترون ما يقول محمد: إن الله يبعث الأموات إلى آخر ما ذكره، نظيره قوله تعالى: ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨] جوابًا عن قولهم: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصافات: ١٦] على أن الزائد على الجواب لا يتبينه إلا الحكيم الحاذق.
قال الراغب: السؤال ضربان: سؤال جدل وحقه أن يطابقه جوابه لا زائدًا عليه ولا ناقصًا عنه، وسؤال تعلم وحق المعلم أن يصير فيه كطبيب رفيق يتحرى شفاء سقيم فيطلب ما يشفيه طلبه المريض أو لم يطلبه.
стр. 6963
هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾: فإذا هو بعدما كان ماء مهينا رجل مميز منطيق قادر على الخصام، ﴿مُّبِينٌ﴾: معرب عما في نفسه فصيح، كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]. فإن قلت: لم سمى قوله: ﴿مَن يُحْيِي العِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ﴾ مثلًا؟ قلت: لما دل عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل؛ وهي إنكار قدرة الله تعالى على إحياء الموتى. أو لما فيه من التشبيه؛ لأن ما أنكر من قبيل ما يوصف الله تعالى بالقدرة عليه، بدليل النشأة الأولى، فإذا قيل: من يحيي العظام؟ على طريق الإنكار لأن يكون ذلك ممًا يوصف الله تعالى بكونه قادرًا عليه؛ كان تعجيزًا لله وتشبيهًا له بخلقه في أنهم غير موصوفين بالقدرة عليه. والرميم: اسم لما بلي من العظام غير صفة، كالرمة والرفات، فلا يقال: لم لم يؤنث وقد وقع خبرًا لمؤنث؟ ولا هو فعيل بمعنى فاعل أو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: مثاله من غلب عليه مرة السوداء إذا طلب من الطبيب تناول الجبن فيقول: عليك بمائه كما أجيب عن قولهم ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ بقوله: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] وإذا طلب من قهره الصفراء العسل فيقول له: مع الخل، وعليه ما نحن بصدده، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢١٥].
قوله: (من التشبيه؛ لأن ما أنكر) إلى آخره، تلخيصه: أن إحياء الأموات من قبيل الصفات التي يوصف بها الباري ليمتاز عن الخلق كما قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وقال تعالى: ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [الدخان: ٨]، فإذا أنكر ذلك لزم منه العجز وهو ما يرصف به المخلوق، فلذلك قيل: ﴿وضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ أي شبهنا بالمخلوقين.
قال الإمام: ﴿وضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ جعل قدرتنا كقدرتهم ونسي خلقه العجيب وبدأه الغريب.
قوله: (ولا هو فعيل بمعنى فاعل) قيل: هو معطوف على قوله "غير صفة". وفي
стр. 6964
مفعول. ولقد استشهد بهذه الآية من يثبت الحياة في العظام، ويقول: إن عظام الميتة نجسة؛ لأن الموت يؤثر فيها من قبل أن الحياة تحلها. وأما أصحاب أبي حنيفة فهي عندهم ظاهرة، وكذلك الشعر والعصب، ويزعمون أن الحياة لا تحلها؛ فلا يؤثر فيها الموت، ويقولون: المراد بإحياء العظام في الآية ردها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حي حساس. ﴿وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ يعلم كيف يخلق، لا يتعاظمه شيء من خلق المنشآت والمعادات من أجناسها وأنواعها وجلائلها ودقائقها. ثم ذكر من بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر، مع مضادة النار الماء وانطفائها به وهي الزناد التي توري بها الأعراب وأكثرها من المرخ والعفار، وفي أمثالهم: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار، ويقطع الرجل منهما غصنين من مثل السواكين وهما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"المطلع": الرميم اسم غير صفة كالرمة والرفات لا فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، ولأجل أنه اسم لا صفة لا يقال: لم لم يؤنث وقد وقع خبر لمؤنث؟ قال القاضي: والرميم: ما بلي من العظام، ولعله فعيل بمعنى فاعل؛ من: رم الشيء، فصار اسمًا بالغلبة، ولذلك لم يؤنث، أو بمعنى مفعول؛ من: رممته، وفيه دليل على أن العظم ذو حياة فيؤثر فيه الموت كسائر الأعضاء.
وقال محيي السنة: لم يقل رميمة لأنه معدول عن فاعلة، وكل ما كان معدولًا عن وجهه ووزنه كان مصروفًا عن أخواته لقوله: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] أسقط الهاء؛ لأنها كانت مصروفة عن: باغية.
قوله: (في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار)، استمجد: يستعمل في تفضيل الفاضل على الفضلاء، قال الميداني: يقال مجدت الإبل تمجد مجودًا إذا نالت من الخلى قريبًا من الشبع، واستمجد المرخ والعفار، أي: استكثر وأخذا من النار ما هو حسبهما؛ شُبِّها
стр. 6965
خضراوان، يقطر منهما الماء فيسحق المرخ، وهو ذكر، على العفار، وهي أنثى، فتنقدح النار بإذن الله. وعن ابن عباس ﵄: ليس من شجرة إلا وفيها النار إلا العناب. قالوا: ولذلك تتخذ منه كذينقات القصارين. قرئ: ﴿الْأَخْضَرِ﴾ على اللفظ، وقرئ: (الخضراء) على المعنى، ونحوه قوله تعالى: ﴿مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٢ - ٥٤]. من قدر على خلق السماوات والأرض مع عظم شأنهما فهو على خلق الأناسي أقدر، وفي معناه قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]. وقرئ: (يقدر). وقوله: ﴿أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ يحتمل معنيين: أن يخلق مثلهم في الصغر والقماءة بالإضافة إلى السماوات والأرض، أ: أن يعيدهم؛ لأن المعاد مثل للمبتدأ وليس به،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمن يكثر العطاء طلبًا للمجد، لأنهما يسرعان الوري. يضرب في تفضيل بعض الشيء على بعض، وليس في الشجر أورى زنادًا من المرخ. والزند الأعلى يكون من العفار، والأسفل من المرخ
قال:
إذا المرخ لم يور تحت العفار
قوله: (والقماءة)، الجوهري: قمؤ الرجل قماء وقماءة، قميئًا، وهو الصغير الذليل، وأقمأنه: صغرته وذللته فهو قميء؛ على: فعيل.
قوله: (لأن المعاد مثل للمبتدأ وليس به) أي: أم المعاد مثل المبتدأ وليس بعينه، كما فسره صاحبا"المطلع" و"التقريب". وقال صاحب "التقريب": وفيه نظر لأنه خلاف المذهب وقد أحسن وأجاد بعض فضلاء العصر حيث قال: ما ذكره المصنف مناف لما صرح به قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لأن الضمير في ﴿يُحْيِيهَا﴾ و ﴿أَنشَأَهَا﴾ راجع إلى أمر واحد. فيكون المحيي هو المنشئ أول مرة فالمعاد عين المبتدأ، ولأن قولهم: ﴿مَن يُحْيِي
стр. 6966
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العِظَامَ﴾ إنكار لخلق تلك العظام الرميمة البالية بعينها إحياء، فلو لم يكن المراد من قوله: ﴿يُحْيِيهَا﴾ أن الله يجعلها أحياء بعينها لم يطابق السؤال الجواب.
وقال الإمام ﵀: إعادة المعدوم عندنا جائز خلافًا لجهور الفلاسفة خذلهم الله، الكرامية وطائفة من المعتزلة. وقال أيضًا: والدليل على أن حشر الأجساد حق أن عود البدن في نفسه ممكن والله قادر على كل الممكنات. وعالم بكل المعلومات فكان القول بالحشر ممكنًا والأنبياء قد أخبروا عن وقوعه، والصادق إذا أخبر عن وقوع شيء ممكن وجب القطع بصحته، وإنما احتجنا إلى إثبات القدرة والعلم، لأنه تعالى إذا علم بجميع المعلومات علم بأجزاء تلك العظام النخرة والجلود المتمزقة المتلاشية في أقطار الآفاق، وإذا قدر على جميع المقدورات كان قادرًا على تمييز الأجزاء وجمعها وإعادتها كما كانت أول مرة فسبحان الخلاق العليم. هذا تلخيص كلام الإمام.
وقال: قد جمع الله هذه المقدمات بأسرها صريحًا في جوابه عن قولهم ﴿مَن يُحْيِي العِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ﴾، أما ما يدل إثبات القدرة على الممكن فهو قوله: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا﴾ إلى آخره، وأما ما يدل على إثبات العلم بالجزئيات فهو قوله: ﴿وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾، وأما ما يدل على الإخبار عن الصادق فهو قوله: ﴿قُلْ﴾، أي: قل أيها الصادق المصدوق المشهور عندهم بالأمين، الثابت نبوته بالدلائل والبرهان، فظهر أن الوجه الأول من الوجهين اللذين ذكرهما المصنف هو الوجه تصحيحًا وذوقًا.
أما التصحيح فكما مر، وأما الذوق فإن لفظة"مثل" ههنا كناية عن المخاطبين نحو قولك: مثلك يجود، وهو المراد من قوله: "أن يخلق مثلهم" في الصغر والقماءة ثم الالتفات
стр. 6967
﴿وهُوَ الخَلاَّقُ﴾: الكثير المحذوفات ﴿العَلِيمُ﴾: الكثير المعلومات. وقرئ: (الخالق). ﴿إنَّمَا أَمْرُهُ﴾: إنما شأنه ﴿إذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾: إذا دعاه داعي حكمة إلى تكوينه ولا صارف ﴿أَن يَقُولَ لَهُ كُن﴾: أن يكونه من غير توقف ﴿فَيَكُونُ﴾ فيحدث، أي: فهو كائن موجود لا محالة. فإن قلت: ما حقيقة قوله: ﴿أَن يَقُولَ لَهُ كُن﴾؟ قلت: هو مجاز من الكلام وتمثيل؛ لأنه لا يمتنع عليه شيء من المكونات، وأنه بمنزلة المأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع. فإن قلت: فما وجه القراءتين في ﴿فَيَكُونُ﴾؟ قلت: أما الرفع؛ فلأنها جملة من مبتدأ وخبر؛ لأن تقديرها: فهو يكون، معطوفة على مثلها؛ وهي: أمره أن يقول له: كن. وأما النصب؛ فللعطف على ﴿يَقُولُ﴾،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم﴾ إلى قوله: ﴿مِثْلَهُم﴾ لمزيد الاحتقار والازدراء أي: مثل أولئك البعداء، ولأن وزان هذه الآية وزان قوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] ولو جعل المثل بمعنى مثل المبتدأ لفات أكثر هذه الفوائد.
قوله: (وتمثيل لأنه لا يمتنع) أي: تمثيل لعدم الامتناع، فاللام صلة وليس بتعليل. والضمير فيه للبيان، وقوله: "وأنه بمنزلة المأمور" عطف تفسيري عليه، والضمير للشيء؛ فالممثل الشيء المكون والممثل به المأمور المطيع، والتمثيل "كن فيكون" لأنه اللفظ المستعار لذلك المعنى، ولو أريد التعليل لقيل تمثيل، لأنه ليس ثم قول ولا أمر ولا مأمور حقيقة.
قوله: (فما وجه القراءتين في ﴿فَيَكُونُ﴾؟ ) يعني الرفع والنصب. النصب ابن عامر والكسائي، والباقون بالرفع.
قوله: (وأما النصب فللعطف على ﴿يَقُولُ﴾)، قال أبو علي في "الإغفال": لا يجوز أن يكون جوابًا لقوله: "كن" لأن الجواب بالفاء إنما يكون لغير الموجب نحو: النفي والأمر والنهي والتمني والعرض.
стр. 6968
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قلت: فقد تقدم ﴿كُنْ﴾ وهو أمر فهلًا جاز انتصابه به نحو: أتيتني فأعطيك؟
قلت: كن وإن كان على لفظ فليس بأمر، لأن الأمر يقتضي مأمورًا موجودًا أو معدومًا، فإن كان موجودًا فلا وجه للأمر، وإن كان معدومًا، فلا يجوز أن يؤمر المعدوم بالكون والحدوث لما يلزم أن يكون المأمور المعدوم فاعلًا لنفسه كما يكون المتلقي لما يؤمر به وذلك فاسد. وإذا لم يكن أمرًا كان خبرًا، وإذا كان خبرًا لم يجز انتصاب الفعل بعدها على حد ما تنتصب الأفعال، ويكون المعنى- والله أعلم-: فإنما يكونه فيكون، ففاعل الفعل اسم الله تعالى، وأما ما في "النحل" فالرفع على "فهو يكون"؛ لأن المعنى ليس على جواب الأمر كقولك: قم فأعطيك، فالأول أمر والثاني ضمان، فقوله: كن "للأمر فيكون" ما يقع من المأمور.
وعن أبي العباس: فإنما يقول له كن فيكون "رفع ولا يجوز إلا الرفع لأنه ليس مثل قوله تعالى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ﴾ [طه: ٦١] لأن الأول منهم والثاني من غيرهم، ووجه النصب على الجواب. فأما إذا كان ألأول والثاني من واحد، فلم يكن إلا العطف، فقوله: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ ليس منه القول ومن المخلوق شيء، وليس هو أكثر من التكوين والإيجاد.
وقال أيضًا: ليس كن مثل قم فأعطيك، لأن أحد الفعلين مع المخاطب والآخر منك، ومن نصب نصب فهو على ما ذكر، وليس على الجواب. ذكره في البقرة عند قوله: ﴿فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ [البقرة: ١٠٢].
ويمكن أن يقال: إنك إذا قلت لزيد: اضرب عمرًا فضرب، فهم أن ضربه مسبب عن قولك، لا عن اضرب.
стр. 6969
والمعنى: أنه لا يجوز عليه شيء مما يجوز على الأجسام إذا فعلت شيئًا مما تقدر عليه؛ من المباشرة بمحال القدر، واستعمال الآلات، وما يتبع ذلك من المشقة والتعب واللغوب، إنما أمره- وهو القادر العالم لذاته- أن يخلص داعيه إلى الفعل، فيتكون، فمثله كيف يعجز عن مقدور حتى يعجز عن الإعادة؟ ﴿فَسُبْحَانَ﴾: تنزيه له ممًا وصفه به المشركون، وتعجيب من أن يقولوا فيه ما قالوا. ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: هو مالك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والمعنى: أنه لا يجوز عليه شيء مما يجوز على الأجسام)، يعني: إنما عقب بقوله: ﴿إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ما سبق من إثبات القدرة على خلق السماوات والأرض وخلق مثلهم، لئلا يقيس الجاهل المنكر الغائب بالشاهد، والقادر على الإطلاق بالعاجز المحتاج؛ لأن الباري عز شأنه إذا تعلقت إرادته بإيجاد شيء يحدث بلا توقف لا محالة. على أن هذا تفهيم وتقريب.
قوله: (العالم لذاته)، مذهبه.
قوله: (وتعجيب من أن يقولوا فيه ما قالوا)، أي: الجماعة من كفار قريش، منهم: أبي بن خلف، وأبو جهل والعاص والوليد كما سبق؛ تكلموا في البعث وأنكروه كل الإنكار حتى أخذ أبي عظمًا باليًا، فجعل يفته بيده ويقول: يا محمد، أترى يحيى هذا بعدما رم؟ ولما أجاب الله تعالى عن ذلك بقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وعقبه بقوله: ﴿إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ رتب عليه بالفاء قوله ﴿فَسُبْحَانَ﴾ تأكيدًا وتقريرًا أي: إذا تقرر هذا ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فكان من حق الظاهر أن يقال: بيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع الأمر كله، فخص رجوع المشركين بالذكر دلالةً على غضب شديد وتهديد عظيم، لقولهم: من يحيي العظام وهي رميم؟ ولهذا السر أيضًا أجاب نبي الله ﷺ أبيًا عن هذا القول بقوله: "نعم. ويبعثك ويدخلك جهنم" كما سبق.
стр. 6970
كل شيء والمتصرف فيه بمواجب مشيئته وقضايا حكمته. وقرئ: (ملكة كل شيء)، و (مملكة كل شيء)، و (ملك كل شيء)، والمعنى واحد. ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بضم التاء وفتحها. وعن ابن عباس ﵁: كنت لا أعلم ما روي في فضائل يس وقراءتها كيف خصت بذلك، فإذا إنه لهذه الآية.
قال رسول الله ﷺ : "إن لكل شيء قلبًا، وإن قلب القرآن ﴿يس﴾،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "ملكة كل شيء")، قال ابن جني: قرأها طلحة وإبراهيم والأعمش، أي: عصمة كل شيء، وهو من: ملكت العجين: إذا أجدت عجنه، فقويته بذلك. ومنه: الملك؛ لأنه القدرة على المملوك، ومنه الملك لأن به قوام الأمور. والملكوت: فعلوت منه للمبالغة، ولهذا لا يطلق إلا على الأمر العظيم، ونظيره: الجبروت والرغبوت والرهبوت.
قوله: (﴿تُرْجَعُونَ﴾ بضم التاء): العامة، وفتحها: شاذ.
قوله: (إن لكل شيء قلبًا وإن قلب القرآن ﴿يس﴾) الحديث من رواية الترمذي عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: "لكل شيء قلب، وقلب القرآن ﴿يس﴾، ومن قرأها كتب الله له قراءة القرآن عشر مرات".
وروى الإمام عن حجة الإسلام أنه قال: إنما كان قلب القرآن، لأن الإيمان صحته الاعتراف بالحشر والنشر، وهذا المعنى مقرر فيه بأبلغ وجه.
следующие страницы →