← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ العِظَامَ﴾ إنكار لخلق تلك العظام الرميمة البالية بعينها إحياء، فلو لم يكن المراد من قوله: ﴿يُحْيِيهَا﴾ أن الله يجعلها أحياء بعينها لم يطابق السؤال الجواب. وقال الإمام ﵀: إعادة المعدوم عندنا جائز خلافًا لجهور الفلاسفة خذلهم الله، الكرامية وطائفة من المعتزلة. وقال أيضًا: والدليل على أن حشر الأجساد حق أن عود البدن في نفسه ممكن والله قادر على كل الممكنات. وعالم بكل المعلومات فكان القول بالحشر ممكنًا والأنبياء قد أخبروا عن وقوعه، والصادق إذا أخبر عن وقوع شيء ممكن وجب القطع بصحته، وإنما احتجنا إلى إثبات القدرة والعلم، لأنه تعالى إذا علم بجميع المعلومات علم بأجزاء تلك العظام النخرة والجلود المتمزقة المتلاشية في أقطار الآفاق، وإذا قدر على جميع المقدورات كان قادرًا على تمييز الأجزاء وجمعها وإعادتها كما كانت أول مرة فسبحان الخلاق العليم. هذا تلخيص كلام الإمام. وقال: قد جمع الله هذه المقدمات بأسرها صريحًا في جوابه عن قولهم ﴿مَن يُحْيِي العِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ﴾، أما ما يدل إثبات القدرة على الممكن فهو قوله: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا﴾ إلى آخره، وأما ما يدل على إثبات العلم بالجزئيات فهو قوله: ﴿وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾، وأما ما يدل على الإخبار عن الصادق فهو قوله: ﴿قُلْ﴾، أي: قل أيها الصادق المصدوق المشهور عندهم بالأمين، الثابت نبوته بالدلائل والبرهان، فظهر أن الوجه الأول من الوجهين اللذين ذكرهما المصنف هو الوجه تصحيحًا وذوقًا. أما التصحيح فكما مر، وأما الذوق فإن لفظة"مثل" ههنا كناية عن المخاطبين نحو قولك: مثلك يجود، وهو المراد من قوله: "أن يخلق مثلهم" في الصغر والقماءة ثم الالتفات

стр. 6967

﴿وهُوَ الخَلاَّقُ﴾: الكثير المحذوفات ﴿العَلِيمُ﴾: الكثير المعلومات. وقرئ: (الخالق). ﴿إنَّمَا أَمْرُهُ﴾: إنما شأنه ﴿إذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾: إذا دعاه داعي حكمة إلى تكوينه ولا صارف ﴿أَن يَقُولَ لَهُ كُن﴾: أن يكونه من غير توقف ﴿فَيَكُونُ﴾ فيحدث، أي: فهو كائن موجود لا محالة. فإن قلت: ما حقيقة قوله: ﴿أَن يَقُولَ لَهُ كُن﴾؟ قلت: هو مجاز من الكلام وتمثيل؛ لأنه لا يمتنع عليه شيء من المكونات، وأنه بمنزلة المأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع. فإن قلت: فما وجه القراءتين في ﴿فَيَكُونُ﴾؟ قلت: أما الرفع؛ فلأنها جملة من مبتدأ وخبر؛ لأن تقديرها: فهو يكون، معطوفة على مثلها؛ وهي: أمره أن يقول له: كن. وأما النصب؛ فللعطف على ﴿يَقُولُ﴾، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم﴾ إلى قوله: ﴿مِثْلَهُم﴾ لمزيد الاحتقار والازدراء أي: مثل أولئك البعداء، ولأن وزان هذه الآية وزان قوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] ولو جعل المثل بمعنى مثل المبتدأ لفات أكثر هذه الفوائد. قوله: (وتمثيل لأنه لا يمتنع) أي: تمثيل لعدم الامتناع، فاللام صلة وليس بتعليل. والضمير فيه للبيان، وقوله: "وأنه بمنزلة المأمور" عطف تفسيري عليه، والضمير للشيء؛ فالممثل الشيء المكون والممثل به المأمور المطيع، والتمثيل "كن فيكون" لأنه اللفظ المستعار لذلك المعنى، ولو أريد التعليل لقيل تمثيل، لأنه ليس ثم قول ولا أمر ولا مأمور حقيقة. قوله: (فما وجه القراءتين في ﴿فَيَكُونُ﴾؟ ) يعني الرفع والنصب. النصب ابن عامر والكسائي، والباقون بالرفع. قوله: (وأما النصب فللعطف على ﴿يَقُولُ﴾)، قال أبو علي في "الإغفال": لا يجوز أن يكون جوابًا لقوله: "كن" لأن الجواب بالفاء إنما يكون لغير الموجب نحو: النفي والأمر والنهي والتمني والعرض.

стр. 6968

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإن قلت: فقد تقدم ﴿كُنْ﴾ وهو أمر فهلًا جاز انتصابه به نحو: أتيتني فأعطيك؟ قلت: كن وإن كان على لفظ فليس بأمر، لأن الأمر يقتضي مأمورًا موجودًا أو معدومًا، فإن كان موجودًا فلا وجه للأمر، وإن كان معدومًا، فلا يجوز أن يؤمر المعدوم بالكون والحدوث لما يلزم أن يكون المأمور المعدوم فاعلًا لنفسه كما يكون المتلقي لما يؤمر به وذلك فاسد. وإذا لم يكن أمرًا كان خبرًا، وإذا كان خبرًا لم يجز انتصاب الفعل بعدها على حد ما تنتصب الأفعال، ويكون المعنى- والله أعلم-: فإنما يكونه فيكون، ففاعل الفعل اسم الله تعالى، وأما ما في "النحل" فالرفع على "فهو يكون"؛ لأن المعنى ليس على جواب الأمر كقولك: قم فأعطيك، فالأول أمر والثاني ضمان، فقوله: كن "للأمر فيكون" ما يقع من المأمور. وعن أبي العباس: فإنما يقول له كن فيكون "رفع ولا يجوز إلا الرفع لأنه ليس مثل قوله تعالى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ﴾ [طه: ٦١] لأن الأول منهم والثاني من غيرهم، ووجه النصب على الجواب. فأما إذا كان ألأول والثاني من واحد، فلم يكن إلا العطف، فقوله: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ ليس منه القول ومن المخلوق شيء، وليس هو أكثر من التكوين والإيجاد. وقال أيضًا: ليس كن مثل قم فأعطيك، لأن أحد الفعلين مع المخاطب والآخر منك، ومن نصب نصب فهو على ما ذكر، وليس على الجواب. ذكره في البقرة عند قوله: ﴿فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ [البقرة: ١٠٢]. ويمكن أن يقال: إنك إذا قلت لزيد: اضرب عمرًا فضرب، فهم أن ضربه مسبب عن قولك، لا عن اضرب.

стр. 6969

والمعنى: أنه لا يجوز عليه شيء مما يجوز على الأجسام إذا فعلت شيئًا مما تقدر عليه؛ من المباشرة بمحال القدر، واستعمال الآلات، وما يتبع ذلك من المشقة والتعب واللغوب، إنما أمره- وهو القادر العالم لذاته- أن يخلص داعيه إلى الفعل، فيتكون، فمثله كيف يعجز عن مقدور حتى يعجز عن الإعادة؟ ﴿فَسُبْحَانَ﴾: تنزيه له ممًا وصفه به المشركون، وتعجيب من أن يقولوا فيه ما قالوا. ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: هو مالك ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والمعنى: أنه لا يجوز عليه شيء مما يجوز على الأجسام)، يعني: إنما عقب بقوله: ﴿إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ما سبق من إثبات القدرة على خلق السماوات والأرض وخلق مثلهم، لئلا يقيس الجاهل المنكر الغائب بالشاهد، والقادر على الإطلاق بالعاجز المحتاج؛ لأن الباري عز شأنه إذا تعلقت إرادته بإيجاد شيء يحدث بلا توقف لا محالة. على أن هذا تفهيم وتقريب. قوله: (العالم لذاته)، مذهبه. قوله: (وتعجيب من أن يقولوا فيه ما قالوا)، أي: الجماعة من كفار قريش، منهم: أبي بن خلف، وأبو جهل والعاص والوليد كما سبق؛ تكلموا في البعث وأنكروه كل الإنكار حتى أخذ أبي عظمًا باليًا، فجعل يفته بيده ويقول: يا محمد، أترى يحيى هذا بعدما رم؟ ولما أجاب الله تعالى عن ذلك بقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وعقبه بقوله: ﴿إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ رتب عليه بالفاء قوله ﴿فَسُبْحَانَ﴾ تأكيدًا وتقريرًا أي: إذا تقرر هذا ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فكان من حق الظاهر أن يقال: بيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع الأمر كله، فخص رجوع المشركين بالذكر دلالةً على غضب شديد وتهديد عظيم، لقولهم: من يحيي العظام وهي رميم؟ ولهذا السر أيضًا أجاب نبي الله ﷺ أبيًا عن هذا القول بقوله: "نعم. ويبعثك ويدخلك جهنم" كما سبق.

стр. 6970

كل شيء والمتصرف فيه بمواجب مشيئته وقضايا حكمته. وقرئ: (ملكة كل شيء)، و (مملكة كل شيء)، و (ملك كل شيء)، والمعنى واحد. ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بضم التاء وفتحها. وعن ابن عباس ﵁: كنت لا أعلم ما روي في فضائل يس وقراءتها كيف خصت بذلك، فإذا إنه لهذه الآية. قال رسول الله ﷺ : "إن لكل شيء قلبًا، وإن قلب القرآن ﴿يس﴾، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "ملكة كل شيء")، قال ابن جني: قرأها طلحة وإبراهيم والأعمش، أي: عصمة كل شيء، وهو من: ملكت العجين: إذا أجدت عجنه، فقويته بذلك. ومنه: الملك؛ لأنه القدرة على المملوك، ومنه الملك لأن به قوام الأمور. والملكوت: فعلوت منه للمبالغة، ولهذا لا يطلق إلا على الأمر العظيم، ونظيره: الجبروت والرغبوت والرهبوت. قوله: (﴿تُرْجَعُونَ﴾ بضم التاء): العامة، وفتحها: شاذ. قوله: (إن لكل شيء قلبًا وإن قلب القرآن ﴿يس﴾) الحديث من رواية الترمذي عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: "لكل شيء قلب، وقلب القرآن ﴿يس﴾، ومن قرأها كتب الله له قراءة القرآن عشر مرات". وروى الإمام عن حجة الإسلام أنه قال: إنما كان قلب القرآن، لأن الإيمان صحته الاعتراف بالحشر والنشر، وهذا المعنى مقرر فيه بأبلغ وجه.

стр. 6971

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وروينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل" وأبي داود عن معقل بن يسار، عن رسول الله ﷺ قال: "اقرؤوا سورة ﴿يس﴾ على موتاكم". قال الإمام: وذلك أن اللسان حينئذ ضعيف القوة والأعضاء ساقطة المنة، لكن القلب قد أقبل على الله بكليته، فيقرأ عليه ما تزداد قوة قلبه، ويشتد تصديقه بالأصول، فهو إذن عمله. وقلت -والعلم عند الله-: إن هذه السورة الكريمة من فاتحتها إلى خاتمتها في تقرير أمهات علم الأصول وجميع المسائل المعتبرة التي أوردها العلماء في مصنفاتهم بأبلغ وجه وأتمه: فقوله تعالى: ﴿يس * والْقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ وقوله: ﴿تَنزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ في إثبات المعجزة، فإن الحكيم بمعنى مفعل؛ أي: المحكم المتقن الرصين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، فهو محكم في نفسه، فلو حام حوله سمة الحدوث ووصمة العدم لم يكن محكمًا في نفسه، ولم يكن تنزيلًا من عزيز رحيم، ومحكم في ترصيفه وتركيبه، فلو عورض لمثله لم يكن محكمًا في ترصيفه وترتيبه ولم يكن منزلًا من لدن عزيز رحيم. وقوله: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ إلى قوله: ﴿اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وهُم مُّهْتَدُونَ﴾ في بيان المسائل المعتبرة في النبوات من التبليغ والبشارة والنذارة وكيفية دعوة الأمة واستعمال اللين والرفق فيها وعدم الطمع في الأجر، وأحوال الأمم وقبول البعض وإباء الآخرين، وبيان خاتمة السعداء منهم والأشقياء، وقوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ في

стр. 6972

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إثبات القدر وأن الكائنات كلها واقعة بقدر الله ولا يخرج شيء منها من علمه، وقوله: ﴿إنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا﴾ الآيات في إثبات القضاء. وأن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وإن كان كسبًا لهم، فعلم أنه لا يجري في الملك والملكوت طرفة عين ولا فلتة خاطر إلا بقضاء الله وقدره وإدارته ومشيئته وقوله: ﴿ومَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وقوله: ﴿أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ وقوله: ﴿وأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ في إثبات التوحيد ونفي الأضداد والأنداد ومواجب العبادة. وقوله: ﴿وآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ المَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ إلى آخر الآيات كالبحر الزاخر في إثبات الصفات المعتبرة في أصول الدين مدبجًا بدليل الآفاق والأنفس على أتم وجه. وقوله: ﴿مَا يَنظُرُونَ إلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ إثبات لأمارات الساعة لأنها هي النفخة الأولى، يدلك عليه قوله: ﴿تَاخُذُهُمْ وهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ على ما روينا عن مسلم: "وهم في ذلك دار رزقهم حسن عيشهم"، وفيه: "أول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله" الحديث. كما أن قوله: ﴿ونُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ إثبات للنفخة الثانية، وقوله: ﴿قَالَ مَن يُحْيِي العِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ﴾ إلى آخره في بيان الإعادة، وقوله: ﴿فَإذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ إلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ في بيان الحشر. وقوله: ﴿فَإذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ بيان للحضور في العرصات والموقف. وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ إثبات للحساب والجزاء. وقوله: ﴿إنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ﴾ وقوله ﴿وامْتَازُوا اليَوْمَ﴾ في بيان المرجع والمآب بعد الحساب: فريق في الجنة وفريق في السعير.

стр. 6973

من قرأ ﴿يس﴾ يريد بها وجه الله، غفر الله له، وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتين وعشرين مرة، وأيما مسلم قرئ عنده إذا نزل به ملك الموت سورة ﴿يس﴾ نزل بكل حرف فيها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفًا يصلون عليه، ويستغفرون له، ويشهدون غسله، ويتبعون جنازته، ويصلون عليه، ويشهدون دفنه، وأيما مسلم قرأ ياسين وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يحييه رضوان خازن الجنة بشربة من شراب الجنة يشربها وهو على فراشه، فيقبض ملك الموت روحه وهو ريان، ويمكث في قبره وهو ريان، ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقوله: ﴿ولَهُم مَّا يَدَّعُونَ﴾ في بيان أن لهم ما تشتهي الأنفس. وقوله: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ في بيان حصول ما يلذ به السمع وتقر به الأعين، وهو نيل الحسنة الكبرى والبغية الأسنى وهي رؤية الله تعالى كما دل عليه حديث المصطفى وقد أوردناه في موضعه من هذه السورة. وقوله: ﴿إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ كالفذلكة للمذكورات. وقوله: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ كالخاتمة المشتملة على أسرار عجيبة، تتحير فيه الأفهام، وتكل من شرحه الألسن والأقلام، ولهذا قال حبر الأمة على ما رواه المصنف: كنت لا أعلم ما روي في فضائل ﴿يس﴾ وقراءتها كيف خصت بذلك، فإذا إنه لهذه الآية. وفي تقديم بعض هذه الأصول وتأخير بعضها معان لا تكاد تنضبط. هذا ومن رام التفصيل فقد حاول نزف البحر هيهات ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] فلله تعالى في كل كلمة من القرآن كلماته التي ينفد البحر دون

стр. 6974

الجنة وهو ريان". وقال ﵊: "إن في القرآن سورة يشفع قارئها ويغفر لمستمعها، ألا وهي سورة يس". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نفادها. ولله در شيخنا شيخ الإسلام قدس سره وإنشاءه في كتابه "العوارف": أنعى إليك قلوبًا طال ما هطلت .... سحائب الوحي فيها أبحر الحكم تمت السورة حامدًا لله ومصليًا على خير خلق الله * * *

стр. 6975

سورة "والصافات" مكية، وهي مئة وإحدى وثمانون، وقيل: واثنتان وثمانون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إنَّ إلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ * رَبُّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا بَيْنَهُمَا ورَبُّ المَشَارِقِ﴾ ١ - ٥] أقسم سبحانه بطوائف الملائكة، أو بنفوسهم الصافات أقدمها في الصلاة، من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة "والصافات" مكية، وهي مئة وإحدى وثمانون آية، وقيل: واثنتان وثمانون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (بطوائف الملائكة) عن بعضهم: أي: بالطوائف الصافات أو بنفوسهم الصافات، وهي جمع صافة؛ لأنه لا يقال في الملائكة صافات، وهو من قولهم: صفت الإبل قوائمها وهي صافة، والناقة تصف يديها عند الحلب، وصففت القوم فاصطفوا. وقال أبو مسلم: لا يجوز حمل هذه الألفاظ على الملائكة؛ لأنها مشعرة بالتأنيث، والملائكة مبرءون من هذه الصفة. وأجاب الإمام: إن "الصافات" جمع الجمع، فإنه يقال: جماعة صافة ثم يجمع على

стр. 6976

قوله : ﴿وإنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥]، أو أجنحتها في الهواء واقفة منتظرة لأمر الله. ﴿فَالزَّاجِرَاتِ﴾ السحاب سوقًا، ﴿فَالتَّالِيَاتِ﴾ لكلام الله من الكتب المنزلة وغيرها. وقيل: الصافات: الطير، من قوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ [النور: ٤١]. والزاجرات: كل ما زجر عن معاصي الله، والتاليات: كل من تلا كتاب الله، ويجوز أن يقسم بنفوس العلماء العمال الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات وصفوف الجماعات، ﴿فَالزَّاجِرَاتِ﴾ بالمواعظ والنصائح، ﴿فَالتَّالِيَاتِ﴾ آيات الله والدراسات شرائعه، أو بنفوس قواد الغزاة في سبيل الله التي تصف الصفوف وتزجر الخيل للجهاد، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صافات، ولأن التأنيث المعنوي هو الذي لا يحسن أن يطلق عليهم، لكن اللفظي لا مانع منه، وكيف وهم المسمون بالملائكة؟ . الراغب: الصنف: أن يجعل الشيء على خط مستقيم كالناس والأشجار ونحو ذلك، وقد يجعل -فيما قال أبو عبيد- بمعنى الصاف. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]. قوله: (﴿فَالزَّاجِرَاتِ﴾: السحاب سوقًا) الراغب: الزجر طرد بصوت، يقال: زجرته فانزجر. قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [النازعات: ١٣]، ثم يستعمل في الطرد تارة، وفي الصوت تارة، قال تعالى: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ أي: الملائكة التي تزجر السحاب. وقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤] أي: طرد ومنع من ارتكاب المآثم، واستعمال الزجر فيه لصياحهم بالمطرود، نحو: اغرب وتنح وراءك.

стр. 6977

وتتلو الذكر مع ذلك لا تشغلها عنه تلك الشواغل. كما يحكى عن علي بن أبي طالب ﵁. فإن قلت: ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات؟ قلت: إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود، كقوله: يا لهف زيابة للحارث الص .... صابح فالغانم فالآيب كأنه قيل: الذي صبح فغنم فآب، ؛ وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه، كقولك: خذ الأفضل فالأكمل، واعمل الأحسن فالأجمل؛ وإما على ترتب موصوفاتها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كما يحكى عن علي ﵁، قيل: كان علي ﵁ يخرج من الصف، وسيفه ينطف دمًا، فإذا رقي رباوة يأتي بالخطبة الغراء. هكذا وجدته في "الحاشية". وذكر ابن عبد البر في "الاستيعاب": سئل الحسن البصري عن علي ﵁، فقال: كان والله سهمًا صائبًا من مرامي الله على عدوه، ورباني هذه الأمة، وذا فضلها، وسابقتها، وذا قرابتها من رسول الله ﷺ ، لم يكن بالنومة عن أمر الله، ولا بالملومة في دين الله، أعطى القرآن عزائمه ففاز منه برياض مونقة، ذلك علي بن أبي طالب. قوله: (وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه) يعني: يجوز أن يكون بين الشيئين تفاوت بحسب اعتبارين، فإن الشيء قد يكون أفضل من الآخر من بعض الوجوه وذلك الآخر أفضل منه من وجه آخر، فعومل بالفاء هاهنا معاملة ثم في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، وقد ذكر في قوله تعالى: ﴿فَيَاتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢ - ٢٠٣]: ليس المعنى ترادف رؤية العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة فيه في الوجود، وإنما المعنى ترتبها في الشدة. وترى "ثم" يقع في هذا الأسلوب فيحل موقعه.

стр. 6978

في ذلك، كقولك: رحم الله المحلقين فالمقصرين؛ فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساق أمر الفاء العاطفة في الصفات. فإن قلت: فعلى أي هذه القوانين هي فيما أنت بصدده؟ قلت: إن وحدت الموصوف كانت للدلالة على ترتب الصفات في التفاضل، وإن ثلثته، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (رحم الله المحلقين فالمقصرين) أي المحلق أقرب من المقصر، والفاء لدنو رتبة المقصر من المحلق. وروينا عن ابن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: "والمقصرين". أخرجه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود. عطفوا قولهم: "والمقصرين" على قوله صلوات الله عليه: "المحلقين" ويسمى مثل هذا العطف عطف تلقين، كقوله تعالى ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]، فعلى هذا خرج الحديث عن أن يصلح للاستشهاد، ويستشهد له بما روينا عن الترمذي، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: "الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه". الحديث. قوله: (إن وحدت الموصوف كانت للدلالة على ترتب الصفات في التفاضل)، وقلت: قد ذكر في القوانين أمثلة ثلاثة، والقسمة الصحيحة أربعة؛ لأنه كما جاز في الصفات الدلالة على ترتب معانيها في الوجود كذلك يجوز في الموصوفات، كما تقول: حل المتمتع فالقارن فالمفرد. وإنما لم يعتبر في الآية الترتب في الوجود لا في الصفات ولا في الموصوفات؛ لأن ما يقسم به يجب أن يكون عظيم الشأن وله مزية في نفسه، ولا يدخل الترتب في الوجود في معنى التعظيم سواء كان في توحيد الموصوف وتعدد الصفات أو في تعدد الموصوفات.

стр. 6979

فهي للدلالة على ترتب الموصوفات فيه، بيان ذلك: أنك إذا أجريت هذه الأوصاف على الملائكة وجعلتهم جامعين لها؛ فعطفها بالفاء يفيد ترتبًا لها في الفضل، إما أن يكون الفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة، وإما على العكس، وكذلك إن أردت العلماء وقواد الغزاة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إما أن يكون الفضل للصف ثم الزجر ثم للتلاوة) وذلك أنه تعالى أقسم بطوائف الملائكة الصافات بأقدامها في الصلوات إجلالًا وتعظيمًا، وبأجنحتها منتظرة لأمر الله تدبيرًا، فالزاجرات الغير وعظًا وتذكيرًا والسحاب حياة للبلاد ورحمة على العباد، فالتاليات لكلام الله لا غير. وإما على العكس، فأقسم بطوائف التاليات لكلام الله العاملات بما فيه ليلًا ونهارًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا﴾ الآية [فاطر: ٢٩] كما مر، فالزاجرات السحاب رحمة للعباد، فالصافات بأجنحتها في الهواء لا غير، هذا ما يمكن أن يقال على ما قال. "وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه". قوله: (وكذلك إن أردت العلماء وقواد الغزاة)، أي: مثل ذلك الحكم من التنزل والترقي، ومن توحيد الموصوف وتثليثه يجري في العلماء والغزاة، مثاله العالم في صفوف الجماعات مكمل لنفسه، وفي الوعظ والتذكير مكمل لغيره، فبقوارع الآيات يزجر المستمتعين، وبكواشفها. يدعوهم إلى الصراط المستبين، وبالعكس، فإن التالي لنفسه أحط منزلة ممن يشتغل بإكمال غيره تارة بالقلب واللسان، وأخرى باليد والسنان. روينا عن مسلم والترمذي وأبي داود، عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان.

стр. 6980

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال صاحب "الانتصاف": جعل الزمخشري الأول للأفضل بدءًا بالأهم فالأهم وعكسه مراعاة للترقي. وقلت: مثال الأهم ما روينا من حديث مصعب: "ثم الأمثل فالأمثل"، ومثال الترقي قوله تعالى: ﴿فَيَاتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢ - ٢٠٣]. وقال صاحب "الفرائد": ويمكن أن يقال: المراد الطوائف التي يحصل منهن الصف والزجر والتلاوة في سبيل الله وطلب رضاه، سواء كانوا ملائكة أو غيرها من العلماء والغزاة، فيدخل فيه كل طائفة حصلت فيها هذه الصفات، ولذلك أطلقت. وقلت: يمكن أن يرجح الوجه الأول -وهو أن يراد صفوف الملائكة- بما روى محيي السنة عن ابن عباس والحسن وقتادة: هم الملائكة في السماء يصفون كصفوف الخلق في الدنيا. وبما روينا عن البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم" قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال: "يتمون الصفوف المقدمة ويتراصون في الصف". وبما يقتضيه قوله: ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا﴾، والمراد المذكورات في أول السورة. قال المصنف في تفسيره: يريد ما ذكر من خلائقه من الملائكة والسماوات والأرض والمشارق والكواكب والشهب الثواقب والشياطين المردة، وغلب أولي العقل على غيرهم.

стр. 6981

وإن أجريت الصفة الأولى على طوائف والثانية والثالثة على أخر؛ فقد أفادت ترتب الموصوفات في الفضل، أعني أن الطوائف الصافات ذوات فضل، والزاجرات أفضل، والتاليات أبهر فضلًا، أو على العكس، وكذلك إذا أردت بالصافات: الطير، وبالزاجرات: كل ما يزجر عن معصية، وبالتاليات: كل نفس تتلو الذكر؛ فإن الموصوفات مختلفة. وقرئ بإدغام التاء في الصاد والزاي والذال. ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ﴾ خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف. والمشارق: ثلاث مئة وستون مشرقًا، وكذلك المغارب، تشرق ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ بإدغام التاء) أدغم حمزة التاءات فيما يليها لتقاربها من طرف اللسان وأصول الثنايا من غير إشارة، والباقون: يكسرون التاء في الجميع من غير إدغام إلا ما كان من مذهب أبي عمرو في الإدغام الكبير. قوله: (﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ﴾ خبر بعد خبر) يعني ﴿إنَّ إلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ جملة وهذا متصل به داخل في خبر جواب القسم. قال القاضي: والفائدة في قوله: ﴿إنَّ إلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ تعظيم المقسم به وتأكيد المقسم عليه على ما هو المألوف في كلامهم، وأما تحقيقه فبقوله: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا بَيْنَهُمَا﴾ فإن وجودها وانتظامها على الوجه الواقع مع إمكان غيره دليل على وجود الصانع الحكيم ووحدته، وما بينهما يتناول أفعال العباد وأنها من خلقه. قوله: (والمشارق ثلاث مئة وستون مشرقًا، وكذلك المغارب) قال القاضي: تشرق

стр. 6982

الشمس كل يوم في مشرق منها وتغرب في مغرب، ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين. فإن قلت: فماذا أراد بقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]؟ قلت: أراد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. [﴿إنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الكَوَاكِبِ * وحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ ٦ - ٧] ﴿الدُّنْيَا﴾: القربى منكم. والزينة: مصدر كالنسبة، واسم لما يزان به الشيء كالليقة: اسم لما تلاق به الدواة، ويحتمهما قوله: ﴿بِزِينَةٍ الكَوَاكِبِ﴾، فإن أردت المصدر: فعلى إضافته إلى الفاعل، أي: بأن زانتها الكواكب، وأصله: بزينة الكواكب، أو على ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كل يوم في واحد، وبحسبها تختلف المغارب، ولذلك اكتفى بذكرها مع أن الشروق أدل على القدرة وأبلغ في النعمة، وما قيل: إنها مئة وثمانون إنما يصح لو لم تختلف أوقات الانتقال، وإليه الإشارة بقوله: "ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين". قوله: (﴿الدُّنْيَا﴾: القربى منكم) قال القاضي: إن تحقق قولهم: إن الكواكب كلها سوى القمر ليست في السماء الدنيا لم يقدح في ذلك؛ لأن أهل الأرض يرونها بأسرها كجواهر مشرقة متلألئة على سطحها الأزرق بأشكال مختلفة. وقيل: "من" في قوله: "القربى منكم" ليست مما يستعمل مع أفعل التفضيل؛ وإلا لم تجتمع مع الألف واللام، بل هي صلة "القربى"، نحو "قريب منك". قوله: (كالليقة: اسم لما تلاق به الدواة)، وعن بعضهم: هو من قولهم: لاقت الدواة تليق أي: لصقت، ولقتها أنا يتعدى ولا يتعدى؛ إذا أصلحت مدادها. قوله: (وأصله: بزينة الكواكب)، عاصم وحمزة: بالتنوين، والباقون: بغير تنوين. أبو بكر: "الكواكب" بالنصب، والباقون: بالخفض.

стр. 6983

إضافته إلى المفعول، أي: بأن زان الله الكواكب وحسنها؛ لأنها إنما زينت السماء لحسنها في أنفسها، وأصله: (بزينة الكواكب) وهي قراءة أبي بكر والأعمش وابن وثاب، وإن أردت الاسم: فللإضافة وجهان: أن تقع الكواكب بيانًا للزينة؛ لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها مما يزان به، وأن يراد ما زينت به الكواكب. وجاء عن ابن عباس ﵄: ﴿بِزِينَةٍ الكَوَاكِبِ﴾: بضوء الكواكب. ويجوز أن يراد أشكالها المختلفة؛ كشكل الثريا وبنات نعش والجوزاء، وغير ذلك، ومطالعها ومسايرها. وقرئ على هذا المعنى: (بزينة الكواكب) بتنوين "زينة" وجر "الكواكب" على الإبدال. ويجوز في نصب "الكواكب" أن يكون بدلًا من محل ﴿بِزِينَةٍ﴾، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال ابن الحاجب: الزينة: تطلق على ما يتزين به وعلى المصدر، كقولك: زانه يزينه زينة. فمن قرأ بالإضافة احتمل أن يراد ما يتزين به من أصناف متعددة، فأضيف إلى صنفه؛ ليتبين أنه المراد، وأن يراد المصدر على أن التزيين بما اشتملت عليه الكواكب من الصفات المخصوصة من النور والترتيب والهيئة المخصوصة التي هي عليها. وإضافتها كإضافة "ضرب" إلى زيد. ومن قرأ بالتنوين وخفض ﴿الكَوَاكِبِ﴾ فعلى البدل أو عطف بيان من "الزينة" التي هي مصدر، ومن نصب قدر فعلًا "أعني: الكواكب"، والزينة أيضًا بمعنى ما يتزين به؛ لأن الكواكب كالتفسير لها، إلا أن يقدر "أعني: زينة الكواكب" وحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ويجوز أن يكون في قراءة النصب بدلًا من ﴿السَّمَاءَ﴾ على أنه بدل اشتمال، كأنه قيل: إنا زينا الكواكب في سماء الدنيا بزينة، فتكون الزينة بمعنى المصدر. قوله: (وجاء عن ابن عباس: ﴿بِزِينَةٍ الكَوَاكِبِ﴾: بضوء الكواكب)، استشهاد لقوله: وأن يراد ما زينت به الكواكب؛ لأن ما زينت به الكواكب هو الضوء وأشكالها المختلفة ومطالعها ومسايرها. قوله: (ويجوز في نصب "الكواكب" أن يكون بدلًا من محل ﴿بِزِينَةٍ﴾)، أي أنه في موضع

стр. 6984

و ﴿وحِفْظًا﴾ مما حمل على المعنى؛ لأن المعنى: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظًا من الشياطين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نصب، وهو قول الزجاج. وقال صاحب "الكشف": مثله قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] إلى قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾، يجوز أن يكون التقدير: وجاهدوا في دين الله، فيكون ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ﴾ بدلًا من موضع الجار والمجرور. وقال ابن الحاجب: وهو ضعيف ضعف قولهم: مررت بزيد أخاك، فلا ينبغي أن يحمل عليه قراءة ثابتة صحتها، ووجه ضعفه: أنه إذا جعل بدلًا كان في المعنى معمولًا للعامل الأول، ولا يستقيم أن يكون العامل الأول مسلطًا باعتبار المعنى بنفسه، ألا ترى أنك لو قلت في " مررت بزيد أخاك": "مررت أخاك" لم يجز، كذلك هذا. قوله: (﴿وَحِفْظًا﴾: مما حمل على المعنى) أي: قوله: ﴿وَحِفْظًا﴾ عطف ومنصف لابد له من معطوف عليه ومن ناصب، فإما أن يعطف على ﴿بِزِينِةٍ﴾ من حيث المعنى؛ لأنه في الحقيقة مفعول له لقوله: ﴿زَيَّنَّا﴾، والتقدير: خلقنا الكواكب زينة وحفظًا، وإما أن يقدر الناصب ويؤخر، وهو "زيناها" ليفيد الاهتمام، أو يقدم بأن يقال: وحفظناها حفظًا؛ ليفيد التوكيد، قال المبرد/ إذا ذكرت فعلًا ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر، نصبت المصدر لتدل به على فعل آخر، نحو قولك: افعل وكرامة، أي افعل ذلك وأكرمك كرامة. وقلت: وفيه توكيد آخر من هذه الحيثية ودلالة على أن الحفظ أهم من التزيين وأعنى، ولذلك أتبعه الله : ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلَى المَلأِ الأَعْلَى﴾.

стр. 6985

[الملك: ٥]، ويجوز أن يقدر الفعل المعلل، كأنه قيل: ﴿وحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ﴾ زيناها بالكواكب. وقيل: وحفظناها حفظًا. والمارد: الخارج من الطاعة المتملس منها. [﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلَى المَلأِ الأَعْلَى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا ولَهُمْ عَذَابٌ واصِبٌ * إلاَّ مَنْ خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ ٨ - ١٠]. الضمير في (لا يسمعون) لكل شيطان؛ لأنه في معنى الشياطين. وقرئ بالتخفيف والتشديد، وأصله: يتسمعون. والتسمع: تطلب السماع. يقال: تسمع فسمع، أو فلم يسمع، وعن ابن عباس ﵄: هم يتسمعون ولا يسمعون. وبهذا ينصر التخفيف على التشديد. فإن قلت: (لا يسمعون) كيف اتصل بما قبله؟ قلت: لا يخلو ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (المتملس منها) أي: الخارج من الطاعة على وجه لا يخالطه شيء منها، الجوهري: انملس من الأمر إذا أفلت منه، وناقة ملسى أي: تملس وتمضي لا يتعلق بها شيء من سرعتها. الراغب: المريد والمارد من شياطين الجن والإنس: المتعري من الخيرات، من قولهم: شجر أمرد، إذا تعرى من الورق. قوله: (وقرئ بالتخفيف والتشديد) حفص وحمزة والكسائي: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ بتشديد السين والميم، والباقون: بإسكان السين وتخفيف الميم. قوله: (وبهذا تنصر قراءة التخفيف على التشديد) وذلك أنه أثبت التسمع، فلا يبقى للنفي في قراءة التشديد معنى، ولأن اتصال قوله: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ بقوله: ﴿وحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ يقتضي ذلك التقدير؛ لأن الحفظ مسبوق بتطلب سماع منهم، أي: هم يتطلبون

стр. 6986

من أن يتصل بما قبله على أن يكون صفة لـ ﴿كُلِّ شَيْطَانٍ﴾، أو استئنافًا فلا تصح الصفة؛ لأن الحفظ من شياطين لا يسمعون لا معنى له، وكذلك الاستئناف؛ لأن سائلًا لو سأل: لم تحفظ من الشياطين؟ فأجيب بأنهم لا يسمعون: لم يستقم؛ فبقي أن يكون كلامًا منقطعًا مبتدأ اقتصاصًا لما عليه حال المسترقة للسمع، وأنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة، أو يتسمعوا وهم مقذوفون بالشهب مدحورون عن ذلك، إلا من أمهل حتى خطف خطفة واسترق استراقة؛ فعندها تعاجله الهلكة بإتباع الشهاب الثاقب. فإن قلت: هل يصح قول من زعم أن أصله: لئلا يسمعوا، فحذفت اللام كما حذفت في قولك: جئتك أن تكرمني، فبقي أن لا يسمعوا، فحذفت "أن" ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السماع فلا يتمكنون من الإصغاء فضلًا عن السماع، ولأن "يسمعون" يتعدى بنفسه، قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ [النبأ: ٣٥] فلما عدي بـ"إلى" فسر تارة بقوله: "لا يسمعون القول مائلين إلى الملأ الأعلى"، وأخرى "لا يصغون إلى الملأ الأعلى"، وأما الاستئناف فيمكن أن يكون على وجه آخر غير ما ذكره وهو بأنه لما قيل: ﴿وحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ أي: حفظناها حفظًا، فقيل: فما يكون إذن؟ فأجيب: لا يسمعون أو لا يتطلبون السماع إلى الملأ الأعلى، أي: لا ينتهي طلبهم السماع إلى مكان الملأ الأعلى؛ لأنهم يقذفون من كل جانب دحورًا. قوله: (فبقي أن يكون كلامًا مبتدأ اقتصاصًا) يعني: مستطردًا، فإنه تعالى لما ذكر أن الكواكب إنما خلقت للتزيين وأن الحفظ هو المقصود بالذات أتى بما عليه حال المسترق اقتصاصًا. قوله: (هل يصح قول من زعم أن أصله: لئلا يسمعوا؟ ) وجه ثالث للمنع من اتصال ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ بما قبله، قال صاحب "الانتصاف": أبطل أن يكون صفة وأن يكون أصله "لئلا يسمعوا" لاجتماع حذفين، وكلا الوجهين صحيح، وعدم استماع الشيطان

стр. 6987

وأهدر عملها، كما في قول القائل: ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى؟ قلت: كل واحد من هذين الحذفين غير مردود على انفراده، فأما اجتماعهما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إنما كان بسبب الحفظ، فحاله عند الحفظ أن لا يسمع فيصير موصوفًا حالة الحفظ بذلك، ومثله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ﴾ [النحل: ١٢] فالعامل في "مسخرات" -وهي حال- قوله: "سخر"، فالحال التي سخرها ملازمة لكونها مسخرة، وقد أشار الزمخشري في هذه الآية إلى ما يقرب من هذا، لكنه ذكر معه تأويلًا آخر كالمستبعد لهذا الوجه، فجعله جمع "مسخر" كممزق، وجعل معناه أنواعًا من التسخير. ومن هذا النمط: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ [المؤمنون: ٤٤] وليسوا رسلًا إلا بعد الإرسال. وأما الإنكار اجتماع حذفين؛ فقد ساغ في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أي: لئلا تضلوا. قوله: (ألا أيهذا الزجراي أحضر الوغى)، وتمامه: وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي "أحضر" محمول على حذف "أن" لدلالة عطف "أن أشهد" عليه، فلو لم تقدر حتى تكون بتقدير المصدر لزم عطف المفرد على الجملة، وهو غير مستقيم.

стр. 6988

فمنكر من المنكرات، على أن صون القرآن عن مثل هذا التعسف واجب. فإن قلت: أي فرق بين: سمعت فلانًا يتحدث، وسمعت إليه تحدث، وسمعت حديثه، وإلى حديث؟ قلت: المعدى بنفسه يفيد الإدراك، والمعدى بـ"إلى" يفيد الإصغاء مع الإدراك. والملأ الأعلى: الملائكة؛ لأنهم يسكنون السماوات، والإنس والجن: هم الملأ الأسفل؛ لأنهم سكان الأرض. وعن ابن عباس ﵄: هم الكتبة من الملائكة. وعنه: أشراف الملائكة. ﴿مِن كُلِّ جَانِبٍ﴾: من جميع جوانب السماء من أي جهة صعدوا للاستراق، ﴿دُحُورًا﴾ مفعول له، أي: ويقذفون للدحور؛ وهو الطرد، أو مدحورين على الحال، أو لأن القذف والطرد متقاربان في المعنى، فكأنه قيل: يدحرون، أو قذفًا. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والمعدى بـ"إلى" يفيد الإصغاء مع الإدراك) الإصغاء: الإمالة للسماع، ومنه الحديث: "كان ﵇ يصغي الإناء للهرة". قال القاضي: وتعدية السماع بإلى لتضمنه معنى الإصغاء مبالغة وتهويلًا لما يمنعهم عنه، ويدل عليه قراءة من قرأ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ بالتشديد وهو طلب السماع. قوله: (يدحرون، أو: قذفًا) هذا من الإيجازات الحسنة، أي تقدر "يدحرون دحورًا" أو "يقذفون قذفًا".

стр. 6989

بفتح الدال على: قذفًا دحورًا طرودًا. أو: على أنه قد جاء مجيء القبول والولوع. والواصب: الدائم، وصب الأمر وصوبًا، يعني أنهم في الدنيا مجرمون بالشهب، وقد أعد لهم في الآخرة نوع من العذاب دائم غير منقطع. ﴿مَنْ﴾ في محل الرفع بدل من الواو في (لا يسمعون)، أي: لا يسمع الشياطين إلا الشيطان الذي ﴿﴾. وقرئ: (خطف) بكسر الخاء والطاء وتشديدها، و (خطف) بفتح الخاء وكسر الطاء وتشديدها، وأصلهما: اختطف. وقرئ: ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾، و (فاتبعه). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بفتح الدال) قال ابن جني: هذا على وجهين: أحدهما: على أنه من المصادر الذي جاء على فعول؛ بفتح الفاء. وثانيهما: على أن المعنى: ويقذفون من كل جانب بداحر أو بما يدحر، على حذف حرف الجر وإرادته. قوله: (مجيء القبول والولوع) ومنه الوزوع، وليس في المصادر "فعول" سوى هذه الثلاثة، قال سيبويه: روي: توضأت وضوءًا وتطهرت طهورًا، والوجه الضم. قوله: (وقرئ "خطف" بكسر الخاء والطاء وتشديدها) قال الزجاج: هذا لا وجه له إلا وجهًا ضعيفًا جدًا، ويكون على إتباع الطاء كسر الخاء، وهو أخذ الشيء بسرعة، وقيل: وجه "خطف" بكسرتين: أنهم حركوا الخاء بحركة الهمزة بعد حذفها، فلما سكنوا التاء وقلبوا وأدغموا احتيج إلى تحريك الطاء فحركوها بالكسر على أصل التقاء الساكنين. ووجه "خطف" بفتح الخاء وكسر الطاء، أنهم نقلوا حركة التاء إلى الخاء وحذفت همزة الوصل، ثم قلبوا التاء وأدغموا وحركوا الطاء بالكسر على أصل التقاء الساكنين. والقراءتان شاذتان. قوله: (﴿فَاَتْبَعَهُ﴾) هي المشهورة، والتشديد: شاذة.

стр. 6990

[﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا إنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ ١١] الهمزة وإن خرجت إلى معنى التقرير فهي بمعنى الاستفهام في أصلها؛ فلذلك قيل: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾؛ أي: استخبرهم ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾؟ ولم يقل: فقررهم. والضمير لمشركي مكة. وقيل: نزلت في أبي الأشد بن كلدة، وكني بذلك لشدة بطشه وقوته ﴿أَم مَّنْ خَلَقْنَا﴾ يريد: ما ذكر من خلائقه: من الملائكة، والسماوات والأرض، والمشارق، والكواكب، والشهب الثواقب، والشياطين المردة، وغلب أولي العقل على غيرهم، فقال: ﴿مَّنْ خَلَقْنَا﴾، والدليل: عليه: قوله بعد عد هذه الأشياء: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا﴾ بالفاء المعقبة. وقوله: ﴿أَم مَّنْ خَلَقْنَا﴾ مطلقًا من غير تقييد بالبيان، اكتفاء ببيان ما تقدمه، كأنه قال: خلقنا كذا وكذا من عجائب الخلق وبدائعه، فاستفتهم: أهم أشد خلقًا أم الذي خلقناه من ذلك، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الهمزة وإن خرجت إلى معنى التقرير) أي: الهمزة في ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ وإن خرجت عن موضوعها الأصلي وهي الاستفهام؛ لأنه طلب لما في الخارج لينتقش مثل ذلك في الذهن إلى تقرير الثابت؛ لأن هذا الأمر المسؤول مقرر معين لم يحتج إلى أن يستفهم منه، لكن أجريت على الاستفهام ظاهرًا؛ ليجعل المقرر غير مقرر فيصح دخول "استفتهم" عليا، والفائدة الإنكار والتوبيخ، كأنه لم يعلم ذلك فاستفتهم وهو معين مقرر، والأسلوب من باب سوق المعلوم مساق غيره، وعليه قول الخارجية: أيا شجر الخابور، مالك مورقًا؟ .... كأنك لم تجزع على ابن طريف

стр. 6991

وتقطع به قراءة من قرأ: (أمن عددنا) بالتخفيف والتشديد. ﴿أَشَدُّ خَلْقًا﴾: يحتمل أقوى خلقًا، من قولهم: شديد الخلق، و: في خلقه شدة، وأصعب خلقًا وأشقه، على معنى الرد لإنكارهم البعث والنشأة الأخرى، وأن من هان عليه خلق هذه الخلائق العظيمة ولم يصعب عليه اختراعها كان خلق البشر عليه أهون. وخلقهم ﴿مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ إما شهادة عليهم بالضعف والرخاوة؛ لأن ما يصنع من الطين غير موصوف ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتقطع به قراءة من قرأ: "أمن عددنا") أي: تثبت الحجة وتجعل الدليل قاطعًا، يعني: يدل على أن المراد خلقنا كذا وكذا قراءة من قرأ "أمن عددنا" دلالة قاطعة. فقوله: "خلقنا" كناية عن ذلك المعدود. وقريب منه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] قال فيه: إنه جار مجرى الكناية التي تعطيك اختصارًا. قوله: (وأصعب خلقًا) قسيم لقوله: "أقوى خلقًا"، وهو الاحتمال الثاني. وقوله: "على معنى الرد" متصل بالاحتمال الثاني دون الأول؛ لقوله: هان عليه ولم يصعب. وقوله: (إما شهادة عليهم بالضعف والرخاوة) إلى آخره، معناه: أن قوله: ﴿إنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ كالتعليل لما يتولد من معنى الاستفهام في قوله: ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا﴾ فإذا فسر بقوله: "أهم أقوى خلقًا" على سبيل الإنكار كان دليلًا على إثبات الضعف والرخاوة لهم، وإذا فسر بقوله: "أصعب خلقًا وأشقه" كذلك كان احتجاجًا عليهم بإهانتهم وسهولة تأتيهم من حيث المخلوقية؛ لأن المنكر حينئذ خصومتهم وإنكارهم البعث بقوله: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا﴾ ففيه لف ونشر، وكذلك قوله: "بل عجبت من قدرة الله على هذه الخلائق العظيمة" مبني على الاحتمال الأول، وقوله: "أو من إنكارهم البعث" على الاحتمال الثاني، والمقام يقتضي الاحتمال الثاني؛ لقوله بعد ذلك: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا وعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وإليه الإشارة بقوله: " وهذا المعنى يعضده ما يتلوه من ذكر إنكارهم البعث".

стр. 6992

بالصلابة والقوة، أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه تراب، فمن أين استنكروا أن يخلقوا من تراب مثله حيث قالوا: ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ [الرعد: ٥]. وهذا المعنى يعضده ما يتلوه من ذكر إنكارهم البعث. وقيل: ﴿مَّنْ خَلَقْنَا﴾ من الأمم الماضية، وليس هذا القول بملائم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: ويعضد المعنى الأول ما سبق من مفتتح السورة إلى ها هنا؛ لأنه في شأن إثبات التوحيد وإظهار القدرة الكاملة، يعني كيف يشركون ويستكبرون عن عبادتي؟ أو لا يرون إلى ما خلقنا من الملائكة والسماوات والأرض والمشارق والمغارب والكواكب، كيف انقادوا وأطاعوا مع عظم خلقهم وقوة بطشهم لما أردنا فيهم؟ كقوله تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] وهم يمتنعون عن الانقياد ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا﴾ ولذلك عقبه بقوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾. قوله: (وليس هذا القول بملائم) لأن ﴿مَّنْ خَلَقْنَا﴾ مطلق يحمل على النقيد، ولم يسبق للأمم الماضية ذكر، وقد سبق ذكر الملائكة والسماوات وغيرهما فوجب تقييده بها، وإليه الإشارة بقوله: "وقوله: ﴿أَم مَّنْ خَلَقْنَا﴾ من غير تقييد بالبيات اكتفاء ببيان ما تقدمه"، وأيضًا الفاء في قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ يقتضي ترتب الثاني على الأول، وإليه الإشارة بقوله: "والدليل عليه قوله بعد هذه الأشياء: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ بالفاء المعقبة. قال صاحب "الفرائد": هذا القول مذكور في "التيسير"، قال: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: فاسأل المشركين يا محمد: أهم أشد خلقًا أم من خلقنا من الأمم الماضية الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالًا وأولادًا؟ فإن أجابوك بأنهم أشد ممن سلف فقل لهم: إنا خلقناهم، أي: خلقنا جميعهم من طين لازب، يعني: أصلهم منه وهو آدم ﵇، مما خلقهم

стр. 6993

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ منه، فكيف صاروا هم أشد منهم؟ وكيف توهموا لشدتهم عند أنفسهم أنهم يعجزونني وأنا خالق جميعهم وموجدهم من العدم؟ وعليه جمهور المفسرين سوى الإمام. ثم قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ يتعلق بما قبله وهو أنه تعالى أقسم أن الإله واحد؛ لإنكارهم ذلك وادعائهم الشرك، ثم ذكر ما لا مقال لهم فيه احتجاجًا عليهم وهو خلقه السماوات والأرض وغيرهما من البدائع والعجائب، فألزمهم بما ذكر أن يقروا بأنه واحد لا شريك له، فلما لم يقروا وعاندوا مع وضوح الدليل كما عاند من قبلهم وداموا على الشرك كما داموا عليه، قيل لهم: فانتظروا الإهلاك؛ لأنكم لا تكونون أشد خلقًا منهم، وقد اُهلكوا بمثل هذا العناد، فأنتم أيضًا ستهلكون به، فوضع ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ موضعه لإفادته معناه، ويمكن أن يكون قوله: ﴿إنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ لاستكبارهم المنتج للعناد، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] ويدل على ما ذكرت الإضراب بعده وهو قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ وقوله بعده حكاية عنهم: ﴿أَئِذَا مِتْنَا﴾ الآية، ذكر استبعادهم بعد الإضراب، فالظاهر أنه غير متعلق بما قبل الإضراب، والله أعلم بمفهوم كلامه وبالمراد منه. وقلت - والله أعلم-: خالف المصنف في أمور، أحدها: أنه مجرى على ظاهره فيمن يعقل دون التغليب. وثانيها: أن ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ كوضوع موضع: فلما لم يقروا وعاندوا إلى آخره، والمصنف جعلها للتعقيب، وجعل الهمزة للتقرير، والسؤال للتبكيت، يعني: إذا تقرر ذلك فاستفتهم. وثالثها: أن قوله: ﴿أَئِذَا مِتْنَا﴾ لا يصح أن يتصل بقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾. هذا ولا يخفى على الحذاق بمعرفة التأليف والنظام وعلى ذوي دربة بأساليب الكلام أن القول ما ذهب إليه المصنف؛ لأن وزان الآية مع السوابق واللواحق وزان قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ [يس: ٨١]، وقد سبق تقريره

стр. 6994

وقرئ: (لازم)، و (لاتب)، والمعنى واحد، والثاقب: الشديد الإضاءة. [﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ * وإذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ * وإذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ١٢ - ١٤]. ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ من قدرة الله على هذه الخلائق العظيمة ﴿وَ﴾ هم ﴿يَسْخَرُونَ﴾ منك ومن تعجبك ومما تريهم من آثار قدرة الله، أو من إنكارهم البعث وهم يسخرون من أمر البعث. وقرئ بضم التاء، أي: بلغ من عظم آياتي وكثرة خلائقي أني عجبت منها، فكيف بعبادي وهؤلاء بجهلهم وعنادهم يسخرون من آياتي؟ ! أو: عجبت من أن ينكروا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في موضعه، وقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]. وأما معنى "بل" في قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ فهو إضراب عن الأمر بالاستفتاء، أي: لا تستفتهم فإنهم معاندون مكابرون لا ينفع فيهم الاستفتاء ولا يتعجبون من قدرة الله على خلق هذه المذكورات وعلى قدرته على إعادتكم وأنتم تراب كما كنتم؛ لأنهم صم بكم عمي، وإنما يتعجب مثلك ممن له إنصاف ونظر صحيح موفق من عند الله، ألا ترى كيف قيده بقوله: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ وعطف عليه ﴿وقَالُوا إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ * أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا﴾ الآية. قوله: (وقرئ بضم التاء) حمزة والكسائي، والباقون: بفتحها.

стр. 6995

البعث ممن هذه أفعاله، وهم يسخرون ممن يصف الله بالقدرة عليه. فإن قلت: كيف يجوز العجب على الله تعالى، وإنما هو روعة تعتري الإنسان عند استعظامه الشيء، والله تعالى لا يجوز عليه الروعة؟ قلت: فيه وجهان؛ أحدهما: أن مجرد العجب لمعنى الاستعظام، والثاني: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ممن هذه أفعاله) "من" متعلق بقوله: "أن يشطروا". قوله: (روعة) الجوهري: الروع -بالفتح-: الفزع، والروعة: الفزعة. الأساس: ومن المجاز: وفرس رائع، يروع الرائي بجماله، يريد: يدخل روعة الهيبة، ومنه الحديث: "إن روح القدس نفث في روعي". قوله: (أن يجرد العجب لمعنى الاستعظام) هذا على أصول الماكلمين، قالوا: عامة صفات الله التي تستدعي الجسمية تفسر على أحوالنا لأعراضنا في الانتهاء لا في الابتداء، فيحمل التعجب على الاستعظام، فإن من رأى منا أمرًا عظيمًا لم يره من قبل تفجؤه الروعة فيستعظمه، لذلك فالله تعالى منزه عن المعنى الأول فيحمل على الثاني، وأورد بأن ترتب الاستعظام على عكس ما ذكر ضرورة أنه يستعظم الشيء أولًا ثم تعتري الروعة، وتعريفه المذكور في "الكشاف" دال عليه، فيقال: الوجدان حاكم أن استعظام الشيء مسبوق بانفعال يحصل في الروع من رؤية أمر غريب، كمشاهدة جوهرة نفيسة أو درة يتسمة، هذا هو المعني بالروعة عند التعجب. وأما قوله: "وتعريفه المذكور دال عليه" فممنوع، ولفظ "عند" في قوله: "عند استعظامه الشيء" لا ينافي ما ذكرنا؛ لأنه إنما دل على المعية الزمانية، على أن الإمام نص في هذا المقام على هذا المعنى، حيث قال: القانون في هذا الباب أن هذه الألفاظ محمولة على نهايات العراض لا على بداياتها، ومن تعجب من شيء فإنه يستعظمه، والتعجب في حق الله تعالى محمول

стр. 6996

أن يتخيل العجب ويفرض، وقد جاء في الحديث: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على أنه تعالى يعظم تلك الحالة، إن كانت قبيحة فيترتب عليها العقاب، وإن كانت حسنة فيترتب عليها الثواب، تم كلامه. والحاصل في إضافة التعجب إلى الله تعالى وجهان: عجب مما يرضى، ومعناه الاستحسان والخبر التام عن الرضا، وعجب مما أنكره ومعناه الإنكار والذم له، والله أعلم. قوله: (أن يتخيل العجب ويفرض) أي: يجعل التركيب من الاستعارة التخييلية، كما في قولهم: لسان الحال ناطق بكذا، فيكون إثبات التعجب لله كتخييل اللسان للحال. وقال صاحب "الفرائد": إن كان المراد من التخيل أنه يفرض له تعالى ذلك- ولم يكن- كان كذبًاعليه، وإن كان أنه مفروض له وكان جائزًا عليه- ومعلوم أنه لا يجوز- فكان كذبًا أيضًا، فلا وجه للفرض، ويمكن أن يجاب بأن يقال: هو عند الله تعالى بمنزلة لو جاز عليه العجب لعجب، ويمكن أن يقال: عجب، أي: حمل على العجب؛ لأن الحامل على الفعل يسمى فاعلًا. تم كلامه. والعجب أنه سد باب الاستعارة بهذا البيان، وقد صرح المصنف بلفظ الاستعارة في "يس" عند قوله: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ ﴿[يس: ٣٠]. وأما التفصي عن الكذب فيصيب القرينة كما نص عليه صاحب "المفتاح"، فيتصور معنى يليق بجلال الله وإن لم تعرف كيفيته- موافقًا للأمر المتعارف يعني التعجب، ثم يطلق على هذا المتصور اسم المتعارف، والقرينة نسبته إلى ذاته المقدسة عن صفات المخلوقين.

стр. 6997

"عجب ربكم من ألكم وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم". وكان شريح يقرأ بالفتح، ويقول: إن الله لا يعجب من شيء، وإنما يعجب من لا يعلم. فقال إبراهيم النخعي: إن شريحًا كان يعجبه علمه، وعبد الله أعلمخ. يريد عبد الله بن مسعود، وكان يقرأ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقريب منه قول الإمام مالك ﵁ في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة. والله أعلم. وأما الإسناد المجازي فوجه حسن، نقل محيي السنة عن سيد الطائفة جنيد قدس سرهما، قال: الله تعالى لا يعجب من شيء، ولكنه تعالى وافق رسوله ﷺ لما عجب رسول الله ﷺ وقال: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥] أي هو كما تقوله. قوله: (عجب ربكم من ألكم)، النهاية. وفي الحديث: "عجب ربكم من ألكم وقنوطكم"، الأل: شدة القنوطن ويجوز أن يكون منرفع الصوت بالبكاء، يقال: أل يئل ألا، قال أبو عبيد: المحدثون يروونه بكسر الهمزة، والمحفوظ عند أهل اللغة الفتح، وهو أشبه بالمصادر. قوله: (إن شريحًا كان يعجبه علمه، وعبد الله أعلم) وعن بعضهم: مثله ما ورد: "نعم الله بيك عينًا"، وحدث به في مجلس شعبة فأنكره شعبة، فحدث إنكاره ابن الأعرابي فقال:

стр. 6998

بالضم. وقيل: معناه: قل يا مجمد: بل عجبت. ﴿وإذَا ذُكِّرُوا﴾: ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به، ﴿وإذَا رَأَوْا آيَةً﴾ من آيات الله البينة؛ كانشقاق القمر ونحوه، ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾: يبالغون في السخرية، أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها. [﴿وقَالُوا إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ * أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا وعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وأَنتُمْ دَاخِرُونَ* فَإنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذَا هُمْ يَنظُرُونَ﴾ ١٥ - ١٩]. و(آباؤنا) معطوف على محل (أن) واسمها، أو على الضمير في (مبعوثون)، والذي جوز العطف عليه الفصل بهمزة الاستفها. والمعنى: أيبعث أيضًا آباؤنا؟ ! على زيادة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أعذرهم فإنهم لا يعلمون. قال المصنف: وجهه أن الباء ها هنا للتعدية، أي: أنعمك الله عينًا، أي: أقر عينك، وظن شعبة أن العين وقع تمييزًا من الفاعل وأن الباء بمنزلة الباء في: سررت به وفرحت، ولذلك أنكره. وتأويل الآية على قراءة عبد الله: أن الله تعالى ذكر إنكاره عليهم ما هم فيه من الكفر والتكذيب، وذكر سخطه عليهم، وهم يسخرون ويستهزئون ولا يتذكرون. قول: (الفصل بهمزة الاستفهام) قرأ قالون وابن عامر: "أو آباؤنا" بإسكان الواو، والباقون: بفتحها، أي: لولا همزة الاستفهام والفصل بها لما جاز العطف على الضمير المرفوع بالصريح من غير تأكيد. قال القاضي: أصله: أنبعث أئذا متنا؟ فبدلوا الفعلية بالاسمية وقدموا الظرف وكرروا الهمزة مبالغة في الإنكار وإشعارًا بان البعث مستنكر في نفسه، وفي هذه الحال أشد استنكارًا، ويمكن أن يجعل الكلام ذا جملتين معطوفتين، والتقدير: أنبعث إذا كنا ترابًا وعظامًا؟ ويبعث أيضًا آباؤنا الأقدمون؟ ثم أدخل همزة الإنكار بين المعطوف والمفطوف عليه لمزيد الاستبعاد.

стр. 6999

الاستبعاد، يعنون أنهم أقدم، فبعثهم أبعد وأبطل. وقرئ: ﴿أَوْ آبَاؤُنَا﴾. ﴿قُلْ نَعَمْ﴾: وقرئ: (نَعِم) بكسر العين، وهما لغتان. وقرئ: (قال نعم) أي: الله تعالى أو الرسول ﷺ . والمعنى: نعم تبعثون ﴿وأَنتُمْ دَاخِرُونَ﴾: صاغرون. ﴿فَإِنَّمَا﴾ جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كان ذلك فما ﴿هِيَ﴾ إلا ﴿زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ وهي لا ترجع إلى شيء، إنما هي مبهمة موضعها خبرها. ويجوز: فإنما البعثة زجرة واحدة؛ وهي النفخة الثانية. والزجرة: الصيحة من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إنما هي مبهمة موضعها خبرها) وهي ﴿زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾، ونظيرها قول الشاعر: هي النفس ما حملتها تتحمل وقال الآخر: هما خطتا إما إسار ومنة .... وإما دم، والقتل بالحر أجدر الخطة: الحال والأمر. والإسار: القد الذي يشد به خشب الرحل. والإسار: الأسر. قوله: (ويجوز: فإنما البعثة زجرة واحدة) أي: لفظة ﴿وَهِيَ﴾ يجوز أن ترجع إلى شيء، وهي البعثة المفهومة من قوله: ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾. قال الزجاج: المعنى: قل لهم: نعم تبعثون وانتم صاغرون، ثم فسر أن بعثهم يقع بزجرة واحدة؛ بقوله: ﴿فَإنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذَا هُمْ﴾ يحيون ويبعثون بصراء ينظرون. وقول المصنف: "إذا كان ذلك": أي: القيامة أو نفخة القايمة، هو المراد بقول الزجاج: "ثم فسر أن بعثهم".

стр. 7000

قولك: زجر الراعي الإبل أو الغنم؛ إذا صاح عليها فريعت لصوته، ومنه: زجر أبي عروة السباع إذا .... أشفق أن يختلطن بالغنم يريد تصويته بها. ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ أحياء بصراء ﴿يَنظُرُونَ﴾. [﴿وقَالُوا يَا ويْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ٢٠ - ٢١]. يحتمل أن يكون ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ إلى قوله: ﴿احْشُرُوا﴾ [الصافات: ٢٢] من كلام الكفرة بعضهم مع بعض، وان يكون من كلام الملائكة لهم، وأن يكون ﴿وقَالُوا يَا ويْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ كلام الكفرة، و ﴿هَذَا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ من كلام الملائكة جوابًا لهم ويوم الدين: اليوم الذي ندان فيه، أي: نجازى بأعمالنا. ويوم الفصل: يوم القضاء، والفرق بين فرق الهدى والضلالة. [﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأَزْوَاجَهُمْ ومَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إلَى صِرَاطِ الجَحِيمِ * وقِفُوهُمْ إنَّهُم مَّسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ٢٢ - ٢٦]. ﴿احْشُرُوا﴾ خطاب الله للملائكة، أو خطاب بعضهم مع بعض، ﴿وأَزْوَاجَهُمْ﴾: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (زجر أبي عروة) البيتن المصنف: "زجر" يروى بفتح الراء، عن بعضهم: وهو يحتمل وجهين: أن يكون مصدرًا، وأن يكون فعلًا ماضيًا، والأصل: زجر، ثم خفف، ويروى برفعها، وهو مصدر لا غير. فيه نظر. روى المصنف: أن أبا عروة كنية العباس بن عبد المطلب في سورة "الحجرات"، وأنشد البيت، وقال: زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيفتق مرارة السبع في جوفه، ولم أجد لهذا أصلًا. وكنيته في "الاستيعاب" و"جامع الأصول": أبو الفضل.

стр. 7001

وضرباءهم، عن النبي ﷺ ؛ وهم نظراؤهم وأشباههم من العصاة: أهل الزنى مع أهل الزنى، وأهل السرقة مع أهل السرقة. وقيل: قرناؤهم من الشياطين. وقيل: نساءهم اللاتي على دينهم، ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾: فعرفوهم طريق النار حتى يسلكوها. هذا تهكم بهم وتوبيخ لهم بالعجز عن التناصر بعدما كانوا على خلاف ذلك في الدنيا متعاضدين متناصرين. ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾: قد أسلم بعضهم بعضًا وخذله عن عجز، وكلهم مستسلم غير منتصر. وقرئ: (لا تتناصرون)، و: (لا تناصرون) بالإدغام. [﴿وأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إنَّكُمْ كُنتُمْ تَاتُونَنَا عَنِ اليَمِينِ * قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * ومَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إنَّا كُنَّا غَاوِينَ * فَإنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي العَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * إنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ* إنَّهُمْ كَانُوا إذَا قِيلَ لَهُمْ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ٢٧ - ٣٥]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وضرباءهم) الضرباء والأضراب: الأمثال. قال: سمعت غير واحد من العرب يقول: هذا ضربه، أي: مثله، بكسر الضاد، ويعضده قولهم: مثل ومثيل، وشبه وشبيه، وأنهم جمعوه على أضراب، والذي في الكتب المضبوطة: بفتح الضاد. قوله: (وهم نظراؤهم وأشباههم) قال الزجاج: تقول: عندي من هذا أزواج، أي: أمثال، وكذلك: زوجان من الخفاف، أي: كل واحد نظير صاحبه، وكذلك: الزوج: المراة، والزوج: الرجل، وقد تناسبا بعقد النكاح. وقال أبو البقاء: الجمهور على نصب ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أي: احشروا أزواجهم، وهو بمعنى "مع"، وهو في المعنى أقوى، وقرئ شاذًا بالرفع عطفًا على الضمير في ﴿ظَلَمُوا﴾. قوله: (وقرئ: لا "تتناصرون") روى البزي عن ابن كثير.

стр. 7002

اليمين لما كانت أشرف العضوين وامتنهما وكانوا يتيمنون بها؛ فبها يصافحون ويماسحون ويناولون ويتناولون، ويزاولون أكثر الأمور، ويتشاءمون بالشمال؛ ولذلك سموها: الشؤمى، كما سموا أختها اليمنى، وتيمنوا بالسانح، وتطيروا بالبارح، وكان الأعسر معيبًا عندهم، وعضدت الشريعة ذلك، فأمرت بمباشرة أفاضل الأمور باليمين، وأراذلها بالشمال، وكان رسول الله ﷺ يحب التيامن في كل شيء، وجعلت اليمين لكاتب الحسنات، والشمال لكاتب السيئات، ووعد المحسن أن يؤتى كتابه بيمينه، والمسيء أن يؤتاه بشماله- استعيرت لجهة الخير وجانبه، فقيل: أتاه عن اليمين- أي: من قبل الخير وناحيته- فصده عنه وأضله. وجاء في بعض التفاسير: من أتاه الشيطان من جهة اليمين: أتاه من قبل الدين فلبس عليه الحق، ومن أتاه من جهة الشمال: أتاه من قبل الشهوات، ومن أتاه من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويماسحون) قيل: يعاقدون ويعاهدون، أو يتبركون. النهاية: إنما سمي عيسى بالمسيح؛ لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برئ. قوله: (وتيمنوا بالسانح)، النهاية: هو ما مر من الطير والوحوش بين يديك من جهة يسارك إلى يمينك، والعرب تتيمن به؛ لأنه أمكن للرمي والصيد، والبارح: ضده. قوله: (وكان الأعسر معيبًا) الجوهري: يقال: أعسر بين العسر، الذي يعمل بيساره. قوله: (استعيرت لجهة الخير) جواب "لما". قوله: (فقيل) متصل بقوله: "استعيرت"، وقصده بقوله: "أتاه" يعني: لما كانت اليمين أشرف العضوين استعيرت لجهة الخير، قيل: أتاه من جهة الخير، فصده عن الخير، وعليه معنى الآية، وتحريره: قال بعض أهل الجحيم لبعض: ﴿إنَّكُمْ كُنتُمْ تَاتُونَنَا﴾ من قبل الخير وتصدوننا عن الإيمان وتضلوننا عن سبيل الحق، ولذلك كان جواب البعض الآخر: ﴿بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 7003

بين يديه: أتاه من قبل التكذيب بالقيامة وبالثواب والعقاب، ومن أتاه من خلفه: خوفه الفقر على نفسه وعلى من يخلف بعده؛ فلم يصل رحمًا، ولم يؤد زكاة. فإن قلت: قولهم: أتاه من جهة الخير وناحيته: مجاز في نفسه، فكيف جعلت اليمين مجازًا عن المجاز؟ قلت: من المجاز ما غلب في الاستعمال حتى لحق بالحقائق، وهذا من ذاك؛ ولك أن تجعلها مستعارة للقوة والقهر؛ لأن اليمين موصوفة بالقوة، وبها يقع البطش. والمعنى: أنكم كنتم تأتوننا عن القة والقهر، وتقصدوننا عن السلطان والغلبة حتى تحملونا على الضلال وتقسرونا عليه. وهذا من خطاب الأتباع لرؤسائهم، والغواة لشياطينهم، ﴿بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قولهم: أتاه من جهة الخير) يعني قولهم: أتاه من جهة اليمين كما تقرر، مستعار من قولهم: أتاه من جهة الخير، والخير لا جهة له، فكيف يستعار منه؟ وأجاب أنه مجاز في المرتبة الثانية، فهو كالمسافة، وهي موضع الشم في الأصل، من سافه [إذا] شمه، ثم استعير لبعد ما بين الموضعين، ثم استعير لفرق ما بين الكلامين. قوله: (ول كان تجعلها مستعارة) عطف على قوله: "اليمين لما كانت أشرف العضوين"، ويجوز أن يقال: إنه عطف من حيث المعنى على قوله: "استعيرت لجهة الخير"، وهما نشر لما لف في قوله: "وكانوا يتيمنون بها، فبها يصافحون" إلى آخره؛ لأنه مناسب لقوله: "اليمين لما كانت أشرف العضوين"، كما أن قوله: "مستعارة للقوة والقهر" مناسب لقوله: "وأمتنهما" وليست هذه الاستعارة من التي مبناها على التشبيه، بل هي من إطلاق السبب على المسبب، وقد جمع المعنيين من قال: وكنا الأيمنين إذا التقينا .... وكان الأيسرين بنو أبينا

стр. 7004

بل أبيتم أنت الإيمان وأعرضتم عنه، مع تمكنكم منه مختارين له على الكفر، غير ملجئين إليه، ﴿ومَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم﴾ من تسلط نسلبكم به تمكنكم واختياركم، ﴿بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا﴾ مختارين الطغيان ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا﴾: فلزمنا ﴿قَوْلُ رَبِّنَا إنَّا لَذَائِقُونَ﴾ يعني: وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة؛ لعلمه بحالنا واستحقاقنا بها العقوبة، ولو حكى الوعيد كما هو لقال: إنكم لذائقون، ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم؛ لأنهم متكلمون بذلك عن أنفسهم، ونحوه قول القائل: لقد زعمت هوازن قل مالي ولو حكىت قولها لقال: قل مالك. ومنه قول المحلف للحالف: احلف لأخرجن، ولتخرجن؛ الهمزة لحكاية لفظ الحالف، والتاء لإقبال المحلف على المحلف. ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾: فدعوناكم إلى الغي دعوة محصلة للبغية، لقبولكم لها واستجابتكم الغي على الرشد، ﴿إنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ فأردنا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يعني وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة؛ لعلمه بحالنا) قال القاضي: بينوا بقولهم: ﴿َحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إنَّا لَذَائِقُونَ﴾ أن ضلال الفريقين ووقوعهم في العقاب كان أمرًا مقضيًا لا محيص لهم عنه، وأن غاية ما فعلوا بهم أنهم دعوهم إلى الغي؛ لأنهم كانوا على الغي فأحبوا أن يكونوا مثلهم، وفيه إيماء بأن غوايتهم في الحقيقة ليس من قبلهم. قوله: (لقد زعمت هوازن قل مالي) تمامه: وهل لي غير ما أنفقت مال؟ قوله: (دعوة محصلة للبغية) يريد أن الإغواء ضد الهداية، كما أن الهداية معناها

стр. 7005

إغواءكم؛ لتكونوا أثالنا، ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ فإن الأتباع والمتبوعين جميعًا، ﴿يَوْمَئِذ﴾ يوم القيامة ﴿مُشْتَرِكُونَ﴾ في العذاب كما كانوا مشتركين في الغواية، ﴿إِنَّا﴾ مثل ذلك الفعل ﴿نَفْعَلُ﴾ بكل مجرم، يعني: أن سبب العقوبة هو الإجرام، فمن ارتكبه استوجبها. ﴿إنَّهُمْ كَانُوا إذَا﴾ سمعوا بكلمة التوحيد نفروا واستكبروا عنها وأبوا إلا الشرك. [﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ * إنَّكُمْ لَذَائِقُوا العَذَابِ الأَلِيمِ * ومَا تُجْزَوْنَ إلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٣٦ - ٣٩]. ﴿لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾ يعنون محمدًا ﷺ ، ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾ رد على المشركين ﴿وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ كقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: ٩٧]، وقرئ: (لذائقو العذاب) بالنصب على تقدير النون، كقوله: ولا ذاكر الله إلا قليلا بتقدير التنوين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الدلالة الموصلة إلى البغية، كذلك الإغواء لكن على العكس، ولذلك قابل الغي بالرشد في قوله: "استحبابكم الغي على الرشد". قوله: (ولا ذاكر الله إلا قليلا)، أوله: فألفيته غير مستعتب قبله. فذكرته ثم عاتبته .... عتابًا رقيقًا وقولًا جميلًا أي: غير راجع بالعتاب عن قبح ما فعل. والأصل: ولا ذاكرًا الله إلا قليلًا، بالتنوين ونصب "الله"، إلا أنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين لا للإضافة، ولهذا كان منصوبًا، و"ذاكر" مجرور، عطف على "مستعتب".
следующие страницы →