← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.

стр. 7001

وضرباءهم، عن النبي ﷺ ؛ وهم نظراؤهم وأشباههم من العصاة: أهل الزنى مع أهل الزنى، وأهل السرقة مع أهل السرقة. وقيل: قرناؤهم من الشياطين. وقيل: نساءهم اللاتي على دينهم، ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾: فعرفوهم طريق النار حتى يسلكوها. هذا تهكم بهم وتوبيخ لهم بالعجز عن التناصر بعدما كانوا على خلاف ذلك في الدنيا متعاضدين متناصرين. ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾: قد أسلم بعضهم بعضًا وخذله عن عجز، وكلهم مستسلم غير منتصر. وقرئ: (لا تتناصرون)، و: (لا تناصرون) بالإدغام. [﴿وأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إنَّكُمْ كُنتُمْ تَاتُونَنَا عَنِ اليَمِينِ * قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * ومَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إنَّا كُنَّا غَاوِينَ * فَإنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي العَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * إنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ* إنَّهُمْ كَانُوا إذَا قِيلَ لَهُمْ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ٢٧ - ٣٥]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وضرباءهم) الضرباء والأضراب: الأمثال. قال: سمعت غير واحد من العرب يقول: هذا ضربه، أي: مثله، بكسر الضاد، ويعضده قولهم: مثل ومثيل، وشبه وشبيه، وأنهم جمعوه على أضراب، والذي في الكتب المضبوطة: بفتح الضاد. قوله: (وهم نظراؤهم وأشباههم) قال الزجاج: تقول: عندي من هذا أزواج، أي: أمثال، وكذلك: زوجان من الخفاف، أي: كل واحد نظير صاحبه، وكذلك: الزوج: المراة، والزوج: الرجل، وقد تناسبا بعقد النكاح. وقال أبو البقاء: الجمهور على نصب ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أي: احشروا أزواجهم، وهو بمعنى "مع"، وهو في المعنى أقوى، وقرئ شاذًا بالرفع عطفًا على الضمير في ﴿ظَلَمُوا﴾. قوله: (وقرئ: لا "تتناصرون") روى البزي عن ابن كثير.

стр. 7002

اليمين لما كانت أشرف العضوين وامتنهما وكانوا يتيمنون بها؛ فبها يصافحون ويماسحون ويناولون ويتناولون، ويزاولون أكثر الأمور، ويتشاءمون بالشمال؛ ولذلك سموها: الشؤمى، كما سموا أختها اليمنى، وتيمنوا بالسانح، وتطيروا بالبارح، وكان الأعسر معيبًا عندهم، وعضدت الشريعة ذلك، فأمرت بمباشرة أفاضل الأمور باليمين، وأراذلها بالشمال، وكان رسول الله ﷺ يحب التيامن في كل شيء، وجعلت اليمين لكاتب الحسنات، والشمال لكاتب السيئات، ووعد المحسن أن يؤتى كتابه بيمينه، والمسيء أن يؤتاه بشماله- استعيرت لجهة الخير وجانبه، فقيل: أتاه عن اليمين- أي: من قبل الخير وناحيته- فصده عنه وأضله. وجاء في بعض التفاسير: من أتاه الشيطان من جهة اليمين: أتاه من قبل الدين فلبس عليه الحق، ومن أتاه من جهة الشمال: أتاه من قبل الشهوات، ومن أتاه من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويماسحون) قيل: يعاقدون ويعاهدون، أو يتبركون. النهاية: إنما سمي عيسى بالمسيح؛ لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برئ. قوله: (وتيمنوا بالسانح)، النهاية: هو ما مر من الطير والوحوش بين يديك من جهة يسارك إلى يمينك، والعرب تتيمن به؛ لأنه أمكن للرمي والصيد، والبارح: ضده. قوله: (وكان الأعسر معيبًا) الجوهري: يقال: أعسر بين العسر، الذي يعمل بيساره. قوله: (استعيرت لجهة الخير) جواب "لما". قوله: (فقيل) متصل بقوله: "استعيرت"، وقصده بقوله: "أتاه" يعني: لما كانت اليمين أشرف العضوين استعيرت لجهة الخير، قيل: أتاه من جهة الخير، فصده عن الخير، وعليه معنى الآية، وتحريره: قال بعض أهل الجحيم لبعض: ﴿إنَّكُمْ كُنتُمْ تَاتُونَنَا﴾ من قبل الخير وتصدوننا عن الإيمان وتضلوننا عن سبيل الحق، ولذلك كان جواب البعض الآخر: ﴿بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 7003

بين يديه: أتاه من قبل التكذيب بالقيامة وبالثواب والعقاب، ومن أتاه من خلفه: خوفه الفقر على نفسه وعلى من يخلف بعده؛ فلم يصل رحمًا، ولم يؤد زكاة. فإن قلت: قولهم: أتاه من جهة الخير وناحيته: مجاز في نفسه، فكيف جعلت اليمين مجازًا عن المجاز؟ قلت: من المجاز ما غلب في الاستعمال حتى لحق بالحقائق، وهذا من ذاك؛ ولك أن تجعلها مستعارة للقوة والقهر؛ لأن اليمين موصوفة بالقوة، وبها يقع البطش. والمعنى: أنكم كنتم تأتوننا عن القة والقهر، وتقصدوننا عن السلطان والغلبة حتى تحملونا على الضلال وتقسرونا عليه. وهذا من خطاب الأتباع لرؤسائهم، والغواة لشياطينهم، ﴿بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قولهم: أتاه من جهة الخير) يعني قولهم: أتاه من جهة اليمين كما تقرر، مستعار من قولهم: أتاه من جهة الخير، والخير لا جهة له، فكيف يستعار منه؟ وأجاب أنه مجاز في المرتبة الثانية، فهو كالمسافة، وهي موضع الشم في الأصل، من سافه [إذا] شمه، ثم استعير لبعد ما بين الموضعين، ثم استعير لفرق ما بين الكلامين. قوله: (ول كان تجعلها مستعارة) عطف على قوله: "اليمين لما كانت أشرف العضوين"، ويجوز أن يقال: إنه عطف من حيث المعنى على قوله: "استعيرت لجهة الخير"، وهما نشر لما لف في قوله: "وكانوا يتيمنون بها، فبها يصافحون" إلى آخره؛ لأنه مناسب لقوله: "اليمين لما كانت أشرف العضوين"، كما أن قوله: "مستعارة للقوة والقهر" مناسب لقوله: "وأمتنهما" وليست هذه الاستعارة من التي مبناها على التشبيه، بل هي من إطلاق السبب على المسبب، وقد جمع المعنيين من قال: وكنا الأيمنين إذا التقينا .... وكان الأيسرين بنو أبينا

стр. 7004

بل أبيتم أنت الإيمان وأعرضتم عنه، مع تمكنكم منه مختارين له على الكفر، غير ملجئين إليه، ﴿ومَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم﴾ من تسلط نسلبكم به تمكنكم واختياركم، ﴿بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا﴾ مختارين الطغيان ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا﴾: فلزمنا ﴿قَوْلُ رَبِّنَا إنَّا لَذَائِقُونَ﴾ يعني: وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة؛ لعلمه بحالنا واستحقاقنا بها العقوبة، ولو حكى الوعيد كما هو لقال: إنكم لذائقون، ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم؛ لأنهم متكلمون بذلك عن أنفسهم، ونحوه قول القائل: لقد زعمت هوازن قل مالي ولو حكىت قولها لقال: قل مالك. ومنه قول المحلف للحالف: احلف لأخرجن، ولتخرجن؛ الهمزة لحكاية لفظ الحالف، والتاء لإقبال المحلف على المحلف. ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾: فدعوناكم إلى الغي دعوة محصلة للبغية، لقبولكم لها واستجابتكم الغي على الرشد، ﴿إنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ فأردنا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يعني وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة؛ لعلمه بحالنا) قال القاضي: بينوا بقولهم: ﴿َحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إنَّا لَذَائِقُونَ﴾ أن ضلال الفريقين ووقوعهم في العقاب كان أمرًا مقضيًا لا محيص لهم عنه، وأن غاية ما فعلوا بهم أنهم دعوهم إلى الغي؛ لأنهم كانوا على الغي فأحبوا أن يكونوا مثلهم، وفيه إيماء بأن غوايتهم في الحقيقة ليس من قبلهم. قوله: (لقد زعمت هوازن قل مالي) تمامه: وهل لي غير ما أنفقت مال؟ قوله: (دعوة محصلة للبغية) يريد أن الإغواء ضد الهداية، كما أن الهداية معناها

стр. 7005

إغواءكم؛ لتكونوا أثالنا، ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ فإن الأتباع والمتبوعين جميعًا، ﴿يَوْمَئِذ﴾ يوم القيامة ﴿مُشْتَرِكُونَ﴾ في العذاب كما كانوا مشتركين في الغواية، ﴿إِنَّا﴾ مثل ذلك الفعل ﴿نَفْعَلُ﴾ بكل مجرم، يعني: أن سبب العقوبة هو الإجرام، فمن ارتكبه استوجبها. ﴿إنَّهُمْ كَانُوا إذَا﴾ سمعوا بكلمة التوحيد نفروا واستكبروا عنها وأبوا إلا الشرك. [﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ * إنَّكُمْ لَذَائِقُوا العَذَابِ الأَلِيمِ * ومَا تُجْزَوْنَ إلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٣٦ - ٣٩]. ﴿لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾ يعنون محمدًا ﷺ ، ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾ رد على المشركين ﴿وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ كقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: ٩٧]، وقرئ: (لذائقو العذاب) بالنصب على تقدير النون، كقوله: ولا ذاكر الله إلا قليلا بتقدير التنوين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الدلالة الموصلة إلى البغية، كذلك الإغواء لكن على العكس، ولذلك قابل الغي بالرشد في قوله: "استحبابكم الغي على الرشد". قوله: (ولا ذاكر الله إلا قليلا)، أوله: فألفيته غير مستعتب قبله. فذكرته ثم عاتبته .... عتابًا رقيقًا وقولًا جميلًا أي: غير راجع بالعتاب عن قبح ما فعل. والأصل: ولا ذاكرًا الله إلا قليلًا، بالتنوين ونصب "الله"، إلا أنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين لا للإضافة، ولهذا كان منصوبًا، و"ذاكر" مجرور، عطف على "مستعتب".

стр. 7006

وقرئ على الأصل: (لذائقون العذاب). ﴿إلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: إلا مثل ما عملتم جزاء سيئًا بعمل سيء. [﴿إلاَّ عِبَادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ (٤٠) أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وهُم مُّكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَاسٍ مِّن مَّعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ (٤٦) لا فِيهَا غَوْلٌ ولا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ (٤٧) وعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ ٤٠ - ٤٩] ﴿إلاَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾: ولكن عباد الله، على الاستثناء المنقطع. فسر الرزق المعلوم بالفواكه؛ وهي كل ما يتلذذ به ولا يتقوت لحفظ الصحة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولكن عباد الله، على الاستثناء المنقطع) وفي "المطلع": المعنى: لكن الموحدون الذين أخلصهم الله بالهدى والإيمان أولئك لهم رزق معلوم في الجنة بدل العذاب الأليم للكفرة. وقيل: الاستثناء متصل بالجزاء، أي: إلا عباد الله المخلصين فإن جزاؤهم يضاعف أضعافًا تفضلًا منه تعالى عليهم، وقيل: متصل بالذوق، أي: يذوقون إلا عباد الله المخلصين. وقلت: والي عليه ظاهر كلام المصنف أنه متعلق بالجزاءن لكن على الانقطاع، والتقابل حاصل؛ لأن جزاءهم -كما سبق- هو ذوق العذاب الأليم إهانة، وجزاء أولئك الرزق المعلوم والفواكه كرامة. وقال القاضي: هو استثناء منقطع إلا أن يكون الضمير في ﴿تُجْزَوْنَ﴾ لجميع المكلفين فيكون استثناؤهم عنه باعتبار المماثلة، فإن ثوابهم مضاعف، والمنقطع أيضًا بهذا الاعتبار. قوله: (فسر الرزق المعلوم بالفواكه)، يعني ﴿فَوَاكِهَ﴾ عطف بيان للرزق، وفي المطلع: بدل منه بدل الكل من الكل، وعلى أنه يراد: ﴿رِزْقٌ مَّعْلُومٌ﴾ منعوت بخصائص بدل البعض من الكل؛ لأن الفواكه بعض رزقكم.

стр. 7007

يعني: أن رزقهم كله فواكه؛ لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات بأنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد، فكل ما يأكلونه على سبيل التلذذ. ويجوز أن يراد: رزق معلوم منعوت بخصائص خلق عليها: من طيب طعم، ورائحة، ولذة، وحسن منظر. وقيل: معلوم الوقت، كقوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]. وعن قتادة: الرزق المعلوم: الجنة. وقوله: ﴿فِي جَنَّاتِ﴾ يأباه. وقوله: ﴿وهُم مُّكْرَمُونَ﴾ هو الذي يقوله العلماء في حد الثواب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: يمكن أن يقال: إن قوله: ﴿مَعْلُومٌ﴾ إما ممول على المتعارف، أي: كما عرف في الدنيا عند أهلها، فيكون بدل الكل من الكل لقوله: ورزقهم كله فواكه، وإما محمول على المعروف، أي كما عرف عند أهل التترف والتنعم، فيكون أيضًا بدل الكل؛ لأن قوله: (من طيب طعم، ورائحة، ولذة، وحسن منظر) كله صفة الفواكه، ويؤيده قول الإمام: المقصود من ذكر الفاكهة التنبيه بالأدنى على الأعلى، يعني: لما كانت الفاكهة حاضرة أبدًا كان الإدام أولى بالحضور، وإما محمول على الوقت كقوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] فيكون ﴿فَوَاكِهَ﴾ خبر مبتدأ محذوف والجملة مستأنفة، والمراد بالفواكه كل طعام يؤكل للتلذذن كما مر في الوجه الأول. قوله: (﴿فِي جَنَّاتِ﴾ يأباه) قال أبو البقاء: ﴿فِي جَنَّاتِ﴾ يجوز أن يكون ظرفًا أو حالًا أو خبرًا ثانيًا، وكذلك ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾. ويجوز أن يتعلق ﴿عَلَى﴾ بـ ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾، ويكون ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ حالًا من ﴿مُكْرَمُونَ﴾، أو من الضمير في الجار، و ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم﴾، يجوز أن يكون مستأنفًا وأن يكون كالذي قبله، وأن يكون صفة لـ ﴿مُكْرَمُونَ﴾، و ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ نعت لـ"كأس"، وكذلك ﴿بَيْضَاءَ﴾ و ﴿عَنْهَا﴾ يتعلق بـ ﴿يُنزَفُونَ﴾.

стр. 7008

على سبيل المدح والتعظيم، وهو من أعظم ما يجب أن تتوق إليه نفوس ذوي الهمم، كما أن من أعظم ما يجب أن تنفر عنه نفوسهم هوان أهل النار وصغارهم. التقابل أتم للسرور وآنس. وقيل: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض. ويقال للزجاجة فيها الخمر: كأس، وتسمى الخمر نفسها كأسًا، قال: وكأس شربت على لذة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على سبيل المدح): مقرن بقوله "العلماء"، يعني: يقولون: الثواب هو الخير الذي يوصل إلى العالم على سبيل التعظيم، احترزوا به عن الاستدراج، فقوله: ﴿وهُم مُّكْرَمُونَ﴾ كالتكميل للكلام السابق، والظاهر أنه كالتذييل. قوله: (ويقال للزجاجة فيها الخمر: كأس)، الجوهري: الكأس: مؤنثة، قا الله تعالى: ﴿بِكَاسٍ مِّن مَّعِينٍ * بَيْضَاءَ﴾. وأنشد الأصمعي: من لا يمت عبطة يمت هرمًا .... الموت كأس والمرء ذائقها قال ابن الأعرابي: لا يسمى الكاس كأسًا إلا وفيها الشراب. يقال: مات فلان عبطة، أي صحيحًا شابًا؛ بالباء الموحدة والعين المهملة. قوله: (وكأس شربت على لذة)، تمامه للأعشى: وأخرى تداويت منها بها وبعده

стр. 7009

وعن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي الخمر، وكذا في تفسير ابن عباس. ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾: من شراب معين. أو: من نهر معين؛ وهو الجاري على وجه الأرض، الظاهر للعيون، وصف بما يوصف به الماء؛ لأنه يجري في الجنة في أنهار كما يجري الماء، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ﴾ [محمد: ١٥]. ﴿بَيْضَاءَ﴾: صفة للكأس، ﴿لَذَّةٍ﴾ إما أن توصف باللذة كانها نفس اللذة وعينها؛ أو هي تأنيث اللذ، يقال: لذ الشيء فهو لذ ولذيذ، ووزنه: فعل، كقولك: رجل طب، قال: ولذ كطعم الصر خي تركته .... بأرض العدى من خشية الحدثان يريد النوم. الغول: من غاله يغوله غولًا؛ إذا أهلكه وأفسده. ومنه: الغول الذذي في تكاذيب العرب. وفي أمثالهم: الغصب غول الحلم. و ﴿يُنزَفُونَ﴾ على البناء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لكي يعلم الناس أني امرؤٌ .... أتيت المعيشة من بابها يقول: رب كأس شربت لطلب اللذة وكأس شربت للتداوي من خمارها. قوله: (وصف بما يوصف به الماء)، قال القاضي: وذلك للإشعار بأن ما يكون لهم بمنزلة الشراب جامع لما يطلب من أنواع الأشربة؛ لكمال اللذة. قوله: (الصرخدي) أي: الشراب المنسوب إلى الصرخد، وهو موضع بالشام. قوله: (يريد النوم)، الأساس: لذ الشيء لذة ولذاذة والتذ التذاذًا، وشيء لذ ولذيذ، وهو في لذ من العيش، وله عيش لذ. وأنشد البيت. قوله: (الغصب غول الحلم)، أي العقل، قال الميداني: أي مهلكه، ويقال: أية غول

стр. 7010

للمفعول، من: نزف الشارب؛ إذا ذهب عقله. ويقال للسكران: نزيف ومنزوف. ويقال للمطعون: نزف فمات؛ إذا خرج دمه كله. ونزحت الركية حتى نزفتها؛ إذا لم تترك فيها ماء. وفي أمثالهم: أجبن من المنزوف ضرطًا. وقرئ: (يُنزِفون)؛ من: أنزف الشارب؛ إذا ذهب عقله أو شرابه. قال: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أغول من الغضب؟ وكل ما اغتال الإنسان فأهلكه فهو غول. قوله: (أجبن من المنزوف ضرطًا)، وقال في "المستقصى": وقيل: سافر رجلان فلاحت لهما شجرة، فقال أحدهما: أرى قومًا رصدونا، وقال الآخر: إنما هي عُشرة، فظنه يقول: عشرة، فجعل يقول: وما غناء اثنين في عَشَرة ويضرط حتى مات. وقيل: هو دابة بين الكلب والذئب إذا صيح بها أخذها الضراط من الجبن. العُشرة: اسم شجرة. وقال الميداني: ومن حديثه: أن نسوة من العرب لم يكن لهن رجل، فزوجن إحداهن رجلًا كان ينام الضحى، فإذا أتينه بصبوح، فيقول لهن: لو نبهتنني لعادية؟ فلما رأين ذلك قال بعضهن لبعض: إن صاحبنا لشجاع، فتعالين حتى نجربه، فأتينه كما كن يأتينه فأيقظنه، فقال: لو لعادية نبهتنني؟ فقلن: هذه نواصي الخيل، فجعل يقول: الخيل الخيل، ويضرط حتى مات. قوله: (وقرئ: "يُنزِفُونَ") قرأها حمزة والكسائي.

стр. 7011

لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم .... لبئس الندامى كنتم آل أبجرا ومعناه: صار ذا نزف، ونظيره: أقشع السحاب، وقشعته الريح، وأكب الرجل وكببته، وحقيقتهما: دخلا في القشع والكب. وفي قراءة طلحة بن مصرف: (يَنزُفون) بضم الزاي، من: نزُف ينزُف، كقرب يقرب؛ إذا سكر. والمعنى: لا فيها فساد قط من أنواع الفساد التي تكون في شرب الخمر؛ من مغص، أو صداع، أو خمار، أو عربدة، أو لغو، أو تأثيم، أو غير ذلك، ولا هم يسكرون، وهو أعظم مفاسدها فأفرزه وأفرده بالذكر. ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾: قصرن أبصارهن على أزواجهنن لا يمددن طرفًا إلى غيرهم، كقوله تعالى: ﴿عُرُبًا﴾ [الواقعة: ٣٧]. والعِين: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لَعمري) البيت، يخاطب آل أبجر، ويقول: بئس الندامى أنتم سكارى أو صاحين. قال الزجاج: الشعر للأبيرد اليربوعي، وأبجر: هو الحر بن جابر العجلي، وأنزفتم: نفد شرابكم وفني، ويُروى: أو سكرتم. قوله: (لا فيها فساد قط) معنى قوله: "لا فيها غولٌ ولا هم يسكرون": معنى ﴿ولا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾، فيكون من عطف الخاص على العام، ولذلك قال: "وهو أعظم مفاسدها فأفرزه". قوله: (من مغص)، الجوهري: المغص- بالتسكين-: تقطيع في المعي ووجع، والعامة تقول: مغص، بالتحريك. قوله: (أو عربدة) قال: عربد عليه: إذا أساء إليه، ولا يستعمل إلا في السكارى، مشتق من العربد، وهي حية تنفخ ولا تؤذي. قوله: (أو تأثيم) أي: نسبة الرجل إلى الإثم. قوله: (كقوله تعالى: ﴿عُرُبًا﴾ [الواقعة: ٣٧]) قال: هو جمع عروب، وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل.

стр. 7012

النجل العيون، شبههن ببيض النعام المكنون في الأداحي، وبها تشبه العرب النساء وتسميهن بيضات الخدور. [﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا وعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إن كِدتَّ لَتُرْدِينِ * ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ٥٠ - ٥٧]. فغن قلت: علام عطف قوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾؟ قلت: على ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم﴾، والمعنى: يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب، قال: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في الأداحي)، الجوهري: مدحى النعامة: موضع بيضها، وأدحيها: موضعها الذي تفرخ فيه، وهو أفعول من دحوت؛ لأنها تدحوه برجلها ثم تبيض، وليس للنعام عش. قال صاحب "المطلع": شبههن ببيض النعام المكنون في الأداحي التي لا يصيبها شمس ولا ريح ولا غبار فيغير لونها. وقال: ألوانهن ألوان بيض النعام. ويجوز أن يكون ﴿مَكْنُونٌ﴾ مصون، يقال: كننت الشيء؛ إذا سترته وصنته، فهو مكنون. قوله: (فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب)، الجوهري: الشرب: جمع شارب، مثل: صاحب وصحب. واعلم أنه لما قيل: ﴿وهُم مُّكْرَمُونَ﴾ وجيء بالخبار المتوالية، أولها: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، وثانيها: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾، وثالثها: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَاسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾، وعلق بـ ﴿يُطَافُ﴾ قوله: ﴿وعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ تكميلًا للذة الشراب بلذة الحسان الوجوه، وأريد تتميم معنى تلك النعمة ألقى في خلدهم تذكر ما كانوا عليه في الدنيا مع القرين السوء الذي كاد أن يفوت عليهم هذا النعيم المقيم؛ ليزيد غبطتهم وتبجحهم، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ قال أبو البقاء: في جنات.

стр. 7013

وما بقيت من اللذات إلا .... أحاديث الكرام على المدام فيقبل بعضهم على بعض ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ عما جرى لهم وعليهم في الدنيا، إلا أنه جيء به ماضيًا على عادة الله في أخباره. وقرئ: ﴿لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ من التصديق، و (من المصَّدِّقين) مشدد الصاد، من التصدق. وقيل: نزلت في رجل تصدق بماله لوجه الله، فاحتاج فاستجدى بعض إخوانه؛ فقال: وأين مالك؟ قال: تصدقت به ليعوضني الله به في الاخرة خيرًا منه، فقال: أئنك لمن المصدقين بيم الدين؟ أو من المتصدقين لطلب الثواب؟ والله لا أعطيك شيئًا. ﴿لَمَدِينُونَ﴾: لمجزيون، من الدين؛ وهو الجزاء. أو: لمسوسون مربوبون. يقال: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: ﴿لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾) بتشديد الدال: المشهورة، وبتشديد الصاد والدال: شاذة، قال الزجاج: المصدقين، خفيفة الصاد، من: صدّقت فأنا مصدق، ولا يجوز بتشديدها؛ لأن المصدِّين الذين يعطون الصدقة، والمصدقين الذين لا يكذبون. يريد: أن معنى التصدق غير مناسب لقوله: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا﴾ بل هو مناسب للتصديق ملائم له، فالمعنى: كان لي قرين يقول: إنك ممن يصدق بالبعث بعد أن يصير ترابًا وعظامًا، فأحب قرينه المسلم أن يراه بعد أن قيل له: ﴿هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ﴾ أي: هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار؟ فاطلع المسلم فرأى قرينه الذي كان يك ١ ب بالبعث في وسط الجحيم. قلت: هذا تقرير حسن ملائم للنظم، ويؤيده ما رواه محيي السنة: هما اللذان قص الله خبرهما في الكهف ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] يقول: أئنك لمن المصدقين بالبعث؟ قوله: (فاستجدى) أي استعطى، الجوهري: الجدا: العطية، والجدوى: مثله.

стр. 7014

دانه: ساسه، ومنه الحديث: "العاقل من دان نفسه". ﴿قَالَ﴾ يعني ذلك القائل: ﴿هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ﴾ إلى النار لأريكم ذلك القرين. قيل: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى النار. وقيل: القائل هو الله . وقيل: بعض الملائكة يقول لأهل الجنة: هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار؟ وقرئ: ﴿مُّطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ﴾، و (فأطَّلَعَ) بالتشديد، على لفظ الماضي والمضارع المنصوب؛ و (مطلعون فأطلع)، و (فأُطلع) بالتخفيف على لفظ الماضي والمضارع المنصوب، يقال: طلع علينا فلان، واطَّلع وأطلع بمعنى واحد، والمعنى: هل أنتم مطلعون إلى القرين فأطلع أنا أيضًا؟ أو عرض عليهم الاطلاع فاعترضوه، فاطلع هو بعد ذلك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومنه الحديث: "العاقل من دان نفسه") والحديث من رواية الترمذي عن شداد عن رسول الله ﷺ : "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنة على الله المغفرة". دان نفسه: حاسبها في الدنيا قبل أن تحاسب يوم القيامة. قوله: (يعني ذلك القائل) وهو المذكور في قوله: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ أي: قرين في الدنيا ينكر الحشر، ﴿هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ﴾ لأريكم ذلك القرين؟ وقال الواحدي ومحي السنة: قال المؤمن لإخوانه في الجنة: هل أنتم مطلعون إلى النار لتنظروا كيف منزلة أخي؟ فقال أهل الجنة: إنك أعرف به منا فاطلع أنت، فاطلع فرأى أخاه في وسط الجحيم. قوله: (والمعنى) أي: على أن "اطلع" و"أطلع" بمعنى واحد، فقوله: "هل أنتم مطلعون إلى القرين فأطلع أنا أيضًا"، هذا على أن يكون "أطلع" مضارعًا جوابًا للاستفهام، نحو قوله: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ [الأعراف: ٥٣]. قوله: (أو عرض عليهم الاطلاع فاعترضوه)، هذا على أن يكون "اطلع" ماضيًا

стр. 7015

وإن جعلت الإطلاع من: أطلعه غيره، فالمعنى: أنه لما شرط في اطلاعه اطلاعهم، -وهو من آداب المجالسة؛ أن لا يستبد بشيء دون جلسائه- فكأنهم مطلعوه. وقيل: الخطاب على هذا للملائكة. وقرئ: (مطلعون) بكسر النون، أراد: مطلعون إياي؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ و﴿هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ﴾ بمعنى الأمر، نحو قوله تعالى" ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]؛ ولذلك قال: فاعترضوه، أي: فامتثلوا أمره. و"اعترض" مطاوع "عرض"، أي: قبلوا عرضه وقالوا: نعم. فالفاء في ﴿فَاطَّلَعَ﴾ فصيحة؛ لأن "فاعترضوه" سبب لقوله: فاطلع، كقوله: فـ ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠]. وينصره ما روينا عن الواحدي: "فاطلِع أنت، فاطلع فرأى أخاه"، بالأمر والماضي. قوله: (وإن جعلت الإطلاع من: أطلعه) معطوف على قوله: "واطلع وأطلع بمعنى واحد"، أي لك أن تجعل قراءة من قرأ "مطلَعون" من: أطلعه غيره فاطلع هو، فالمعنى: فهل أنتم مطلعون إياي على حال ذلك القرين فأطلع أنا؟ يعني انظروا إلى حاله حتى أنظر إليه، فإن نظري إليه متوقف على نظركم. وإليه الإشارة بقوله: "إنه لما شرط في اطلاعه اطلاعهم يقول هذا بعضهم لبعض"، بدليل قوله: "وهو من آداب المجالسة أن لا يستبد بشيء دون جلسائه". قوله: (فكأنهم مطلعوه) جزاء "لما"، وما توسط بينهما اعتراض. وهذا المعنى يشتمل على التقديرين: الماضي والمضارع. ولا يجوز أن يكون القائل الله تعالى ولا الملائكة، نعم يجوز أن يكون الخطاب للملائكة، فيقول: هل أنتم يا ملائكة الله مطلعي على حال قريني فأطلع أنا عليها؟ أي: أطلعوني قريني أيها الملائكة لأطلع أنا قرنائي من أهل الجنة. قوله: (وقرئ: "مطلعون" بكسر النون). قال أبو البقاء: وهو بعيد جدًا؛ لأن النون إن كانت للوقاية فلا تلحق بالأسماء، وإن كانت للجمع فلا تثبت في الإضافة.

стр. 7016

فوضع المتصل موضع المنفصل، كقوله: هم الفاعلون الخير والآمرونه أو شبه اسم الفاعل في ذلك بالمضارع لتآخ بينهما، كانه قال: تطلعون، وهو ضعيف لا يقع إلا في الشعر. ﴿فِي سَوَاءِ الجَحِيمِ﴾: في وسطها، يقال: تعبت حتى انقطع سوائي، وعن أبي عبيدة: قال لي عيسى بن عمر: كنت أكتب -يا أبا عبيدة- ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال الزجاج: فهو شاذ بالإجماع، وله وجه ضعيف، وقد جاء في الشعر: هم الفاعلون الخير والآمرونه .... إذا ما خشوا من محدث الأمر معظما وكل أسماء الفاعلين إذا ذكرت بعدها المضمر لم تذكر النون ولا التنوين، تقول: زيد ضاربي، وهما ضارباك، وهم ضاربوك، ولا يجوز هو ضاربني، ولا هم ضاربونك إلا في الشعر؛ إلا أنه قد قرئ: "مطلعون" على: مطلعوني، فحذف الياء كما تحذف في رؤوس الآي، وبقيت الكسرة دليلًا عليها. وأجود القراءة وأكثرها: ﴿مُّطَّلِعُونَ﴾؛ بتشديد الطاء وفتح النون، ويليه: "مطلعون" بالتخفيف والفتح. قوله: (حتى انقطع سوائي) أي وسطي وهو الظهر. الراغب: سواء وسط، وقيل: سواء وسوى. قال تعالى: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨] أي: يستوي طرفاه، ويستعمل ذلك وصفًا وظرفًا، وأصل ذلك مصدر. والشيء المساوي، كعدل ومعادل وقتل ومقاتل، تقول: سيان زيد وعمرو، وأسواء: جمع سي: كنقض وأنقاض، يقال: قوم أسواء، والمساواة متعارفة في المثمنات، يقال: هذا الثوب يساوي كذا، وأصله ساواه في القدر. قوله: (يا أبا عبيدة) قال ﵀: إن كانت الهمزة بعد حرف النداء همزة قطع أسقطت

стр. 7017

حتى ينقطع سوائي. ﴿إِن﴾ مخففة من الثقيلة، وهي تدخل على "كاد" كما تدخل على "كاد"، ونحوه ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ [الفرقان: ٤٢]، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. والإرداء: الإهلاك. وفي قراءة عبد الله: (لتُغوِين). ﴿نِعْمَةُ رَبِّي﴾ هي العصمة والتوفيق في الاستمساك بعروة الإسلام، والبراءة من قرين السوء، أو: إنعام الله بالثواب، وكونه من أهل الجنة. ﴿مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك. [﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى ومَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ٥٨ - ٥٩]. الذي عطفت عليه الفاء محذوف، معناه: أنحن مخلدون منعمون، فما نحن بميتين ولا بمعذبين. وقرئ: (بمائتين)، والمعنى: أن هذه حال المءمنين وصفتهم وما قضى الله ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الألف وأثبت الهمزة، وإن كانت الهمزة همزة وصل أسقطت الهمزة وأثبت الألف، كقولك: يا ابني. قوله: ﴿نِعْمَةُ رَبِّي﴾ هي العصمة إلى آخر ما قدر؛ لأنها لما كانت مطلقة قيدت بحسب اقتضاء المقام بما ذكر. قوله: (أنحن مخلدون منعمون) هي الجملة المقدرة بعد الهمزة التي عطفت عليها: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾، والهمزة للتقرير، وهو مقول آخر للمؤمن على سبيل الاغتباط والابتهاج، فإن تذكر الخلود في الجنة لذة دونها كل لذة، وفي عكسه أنشد المتنبي: أشد النعم عندي في سرور .... تيقن عنه صاحبه انتقالا قوله: (وما قضى الله) عطف تفسيري على حالهم، و"أن لا يذوق" مفعول "قضى"، وقوله: "للعلم باعمالهم" اعتراض أتى به بيانًا لمذهبه.

стр. 7018

به لهم -للعلم بأعماله- أن لا يذوقوا إلا الموتة الأولى، بخلاف الكفار، فإنهم فيما يتنون فيه الموت كل ساعة، وقيل لبعض الحكماء: ما شر من الموت؟ قال: الذي يُتمنى فيه الموت. [﴿إنَّ هَذَا لَهُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ﴾ ٦٠ - ٦١] يقوله المؤمن تحدثًا بنعمة الله واغتباطه بحاله وبمسمع من قرينه، ليكون توبيخًا له يزيد به تعذبًا، وليحكيه الله فيكون لنا لطفًا وزاجرًا. ويجوز أن يكون قولهم جميعًا، وكذلك قوله: ﴿إنَّ هَذَا لَهُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أي: إن هذا الأمر الذي نحن فيه. وقيل: هو من وقل الله تقديرًا لقولهم وتصديقًا له. وقرئ: (لهو الرزق العظيم)، وهو ما رزقوه من السعادة. [﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا البُطُونَ * ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وليحكيه الله) عطف على "ليكون"، يريد: أن هذا القول معروف معلوم ما أتى للإعلام بل للاغتباط والتحدث بنعمة الله تعالى توبيخًا ولطفًا. قوله: (ويجوز أن يكون قولهم جميعًا) أي: المؤمن وأصحابه، وهو عطف على قوله: "يقوله المؤمن"، والمعنى: لما فرغ القرين من توبيخ قرينه. وذكر عصمة الله له من تلك الورطة حمدًا لله تعالى أتبع ذلك هو ومن صحبه من عباد الله المخلصين اغتباطًا وتحدثًا بنعمة الله. قوله: (وقيل: هو من قول الله) أي قوله: ﴿إنَّ هَذَا لَهُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ﴾ وعلى الوجهين السابقين كان من قول المؤمن أو المؤمنين.

стр. 7019

ثُمَّ إنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُمْ لإلَى الجَحِيمِ * إنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ٦٢ - ٧٠]. تمت قصة المؤمن وقرينه، ثم رجع إلى ذكر الرزق المعلوم فقال: ﴿أَذَلِكَ﴾ الرزق ﴿خَيْرٌ نُّزُلًا﴾ أي: خيرٌ حاصلًا ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾؟ وأصل النزل: الفضل والريع في الطعام، يقال: طعام كثير النزل، فاستعير للحاصل من الشيء، وحاصل الرزق المعلوم: اللذة والسرور، وحاصل شجرة الزقوم: الألم والغم. وانتصاب ﴿نُزُلَا﴾ على التمييز، ولك أن تجعله حالًا، كما تقول: أثمر النخلة خير بلحًا أم رطبًا؟ يعني: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تمت قصة المؤمن وقرينه، ثم رجع إلى [ذكر] الرزق المعلوم) هذا بيان لنظم الآي، وفيه أن قصة المؤمن ذكرت مستطردة بين الكلامين المتصلين معنى، وذلك أنه تعالى لما ذكر رزق أهل الكرامة، ومن كرامتهم أنهم على سرر متقابلين، واتصل به قوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ واستوفى القصة أقبل إلى ذكر أهل الشقاوة وتهكم بهم بقوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾. قوله: (وأصل النزل: الفضل والريع)، المغرب: ومنه قوله: العسل ليس من أنزال الأرض، أي: من ريعها وما يحصل منها. وعن الشافعي ﵁: لا يجب فيه العشر، لأنه نزل طائر. قوله: (أثمر النخلة خير بلحًا أم رطبًا؟ ) فإن قلت: المثال غير مطابق للآية؛ لأن السؤال عن حال الثمرة لا نفسها، وفي الآية السؤال عن الرزق المعلوم وعن شجرة الزقوم، قلت: ليس السؤال عن الرزق والشجرة نفسهما بل عن حالهما، ألا ترى كيف قال: "فأيهما خير في كونه نزلًا؟ ". نعم فيه اختلاف من جهة أن المثال فيه شؤال عن حالتي شيء واحد، والآية هنا سؤال عن حالة واحدة لشيئين مختلفين، وهذا لا يضر في الاستشهاد.

стр. 7020

أن الرزق المعلوم نزل أهل الجنة، وأهل النار نزلهم شجرة الزقوم، فأيهما خير في كونه نزلًا؟ والنزل: ما يقام للنازل بالمكان من الرزق. ومنه: أنزال الجند؛ لأرزاقهم، كما يقال لما يقام لساكن الدار: السكن. ومعنى الأول: أن للرزق المعلوم نزلًا، ولشجر الزقوم نزلًا، فأيهما خير نزلًا؟ ومخعلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم، ولكن المؤمنين لما اختاروا ما أدى إلى الرزق المعلوم، واختار الكافرون ما أدى إلى شجرة الزقوم؛ قيل لهم ذلك توبيخًا على سوء اختيارهم، ﴿فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ﴾: محنة وعذابًا لهم في الآخرة. أو ابتلاءً لهم في الدنيا، وذلك أنهم قالوا: كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر؛ فكذبوا. وقرئ: (نابتة في أصل الجحيم)، قيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها. والطلع للنخلة، فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الجوهري: البلح: قبل البسر، والواحدة: بلحة، أول التمر طلع ثم خلال ثم بلح ثم بسر ثم رطب ثم تمر. قوله: (ولكن المؤمنين لما اختاروا) يعني: لما كان مؤدى فعل الكافرين إلى شجرة الزقوم كمؤدى فعل المؤمنين إلى الرزق المعلوم؛ حمل ذاك على هذا حملًا للنقيض على النقيض تهكمًا. ويجوز أن يكون من المشاكلة المعنوية، ويجوز أن يكون من أسلوب قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]. فإن قلت: لم فرق بين المعنيين في الاعتبارين؟ فإنه جعل ﴿نُزُلًا﴾ تمييزًا في الأول وحالًا في الثاني. قلت: لأنه لما استعار النزل للحاصل من الشيء تعين أن يكون تمييزًا دون الحال؛ لأن حاصل الشيء لا يصدق عليه، ومن شأن الحال صدقه على ذي الحال، ويجوز أن يحمل في الثاني على التمييز أيضًا نحو قوله: لله دره فارسًا.

стр. 7021

إما استعارة لفظية، أو معنوية، وشبه برؤوس الشياطين؛ دلالة على تناهيه في الكراهية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إما استعارة لفظية أو معنوية) عن نور الدين الحكيم ﵀: اللفظية: نحو رأيت أسدًا، وعنَّت لنا ظبية. والمعنوية كقوله: إذ أصبحت بيد الشمال زمامها فإنك في الأول تجعل الشيء الشيء وليس به، وفي الثاني تجعل الشيء للشيء وليس له. وأيضًا إذا رجعت في الأول إلى التشبيه الذي هو المقصود يأتيك عفوًا، نحو: "رأيت رجلًا كالأسد"، وغن رمته في الثاني لم يواتك تلك المواتاة. وقلت: يمكن أن يقال: أما اللفظية فهي أن الطلع موضوع لحمل الشجرة مع قيد أن تكون تلك الشجرة نخلة، فاستعمل هنا في غيرها، وهو كالمرسن فإنه موضوع لأنف بشرط أن يكون فيه رسن، فإذا استعمل في أنف إنسان كان مجازًا لفظيًا ليس فيه مبالغة؛ لأنهما كالمترادفين. وأما المهنوية فهي أن تشبه حمل تلك الشجرة بالطلع الحقيقي تشبيهًا بليغًا، ثم يطلق على ذلك الحمل اسم الطلع، والقرينة الإضافة. ويحتمل أن تكون تحقيقية وأن تكون مكنية مستلزمة للتخييلية كقول القائل: صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله .... وعري أفراس الصبا ورواحله وفي تسمية الأول بالاستعارة تسامح؛ لأنه من المجاز المرسل الخالي من الفائدة فسماه بها مبالغة أو تعظيمًا. قوله: (وشبه برؤوس الشياطين) يعني: استعير لحمل شجرة الزقوم اسم الطلع، وشبه برؤوس الشياطين، والتشبيه تخييلي؛ لأن المشبه به لا حقيقة له في الخارج؛ لأن قبح

стр. 7022

وقبح المنظر؛ لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس؛ لاعتقادهم أنه شرٌّ محض لا يخلطه خير، فيقولون في القبيح الصورة: كانه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان، وإذا صوره المصورون جاؤوا بصورته على أقبح ما يقدر وأهوله؛ كما أنهم اعتقدوا في المَلَك أنه خير محض لا شر فيه، فشبهوا به الصورة الحسنة. قال الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]، وهذا تشبيه تخييلي. وقيل: الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر هائلة جدًا. وقيل: إن شجرًا يقال له الأستن خشنًا منتنًا مرًا منكر الصورة، يسمى ثمره: رؤوس الشياطين. وما سمت العرب هذا الثمر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ منظر الشياطين مركوز في الجبلة؛ لأن الشيطان -كما زعم- لا يُرى ولكنه يستشعر أنه أقبح ما يكون -لو رأى الرائي- في أقبح صورة، وأنشد الزجاج قول امرئ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي .... ومسنونة زرق كأنياب أغوال ولم ير الغول ولا أنيابها، ولكن التمثيل بما يستقبح أبلغ، ففي باب المذكر يمثل بالشيطان، وفي باب المؤنث يشبه بالغول فيما يستقبح. قوله: (وقيل: الشيطان حية عرفاء) قال محيي السنة: قيل: أريد بالشياطين الحيات، والعرب تسمي الحية القبيحة المنظر شيطانًا، فعلى هذا لا يكون التشبيه تخييلًا بل تحقيقًا. العرفاء: طويلة العرف. الجوهري: العرف: عرف الفرس، سميت به لكثرة شعرها. قوله: (يقال لها الأستن) قال أبو عبيد: الأستن: أصول الشجرة البالية، الواحدة: أستنة. قوله: (وما سمت العرب هذا الثمر) يعني: ما سموا ثمرة الأستن برؤوس الشياطين إلا للقصد إلى أحد هذين التشبيهين أي: الصوري أو المعنوي عند بعضهم، والظاهر هو

стр. 7023

برؤوس الشياطين إلا قصدًا إلى أحد التشبيهين، ولكنه بعد التسمية بذلك رجع أصلًا ثالثًا يشيه به. ﴿مِنْهَا﴾: من الشجرة، أي: من طلعها ﴿فَمَالِئُونَ﴾ بطونهم؛ لما يغلبهم من الجوع الشديد، أو: يقسرون على اكلها وإن كرهوها؛ ليكون بابًا من العذاب؛ فإذا شبعوا غلبهم العطش فيسقون شرابًا من غساق أو صديد، شوبه أي: مزاجه، ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ يشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم، كما قال في صفة شراب أهل الجنة: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ [المطففين: ٢٧]. وقرئ: (لَشُوبًا) بالضم، وهو اسم ما يشاب به، والأول تسمية بالمصدر. فغن قلت: ما معنى حرف التراخي في قوله: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا﴾، وفي قوله: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾؟ قلت: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أنهم اعتقدوا أن الشيطان قبيح المنظر أو أنه في الحقيقة حية عرفاء، ثم أدخل هذا الثمر لكثرة الاستعمال في جنس هذين الأصلين وصار أصلًا ثالثًا مثلهما مشبهًا به، ومثله قول التنوخي: فانهض بنار إلى فحم كأنهما .... في العين ظلمٌ وإنصافٌ قد اتفقا وذلك أنه لما سمع الله نعت العدل بالنور في قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا و﴾ [الزمر: ٦٩] ورأى النبي ﷺ وصف الظلم بالظلمات في قوله: "الظلم ظلمات يوم القيامة" خيلهما شيئين لهما إنارة وإظلام وجعلهما مشبهًا بهما. قوله: (من غساق) الغساق: المنتن البارد. والغساق -بالتخفيف-: لغة. قوله: (شوبه أي: مزاجه) ويروى: شوبًا أي: مزاجًا، و"شوبًا" يجوز ان يكون بمعنى مشوب، وأن يكون مصدرًا على بابه، والشوب الخلط، وسمي العسل شوبًا؛ لأنه كان عندهم مزاجًا لغيره من الأشربة.

стр. 7024

في الأول وجهان؛ أحدهما: أنهم يملئون البطون من شجر الزقوم، وهو حار يحرق بطونهم ويعطشهم، فلا يسقون إلا بعد ملي؛ تعذيبًا بذلك العطش، ثم يسقون ما هو أحر؛ وهو الشراب المشوب بالحميم. والثاني: انه ذكر الطعام بتلك الكراهة والبشاعة، ثم ذكر الشراب بما هو أكره وأبشع، فجاء بـ"ثم"؛ للدلالة على تراخي حال الشراب عن حال الطعام، ومباينة صفته لصفته في الزيادة عليه. ومعنى الثاني: أنهم يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم، وهي الدركات التي أسكنوها، إلى شجرة الزقوم، فيأكلون إلى أن يتملؤوا، ويسقون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التراخي في ذلك بين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في الأول وجهان) والجواب الأول مبني على أن "ثم" للتراخي في الزمان، والأسلوب من الترقي من الحار إلى الأحر، والثاني على أن "ثم" للتراخي في الرتبة، والأسلوب من التكميل، حيث كمل عذاب الأكل بالشرب. وأما معنى الثاني- أي: السؤال الثاني الذي تقدم على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾ - فظاهر. وفي قوله: (ثم يرجعون إلى دركاتهم) إشعار بترتيب أنيق، وذلك أن أهل النار أول ما يقام لهم في النار من الرزق شجرة الزقوم، ثم يسقون شوبًا من حميم، ثم يستقرون بعد ذلك إلى دركاتهم، وعليه جرى العرف، وعلى هذا نزل أهل الجنة: الرزق المعلوم، وهو الفواكه وما يأكلونه على سبيل التلذذ، ثم السقي من كأس معين بيضاء لذة للشاربين، ثم يرجعون إلى ما وراء ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قائلين: ﴿إنَّ هَذَا لَهُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ﴾ اللهم بفضلك اجعلنا من الفائزين به. قال القاضي: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فيه دلالة على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقام للنازل، ولهم وراء ذ لك ما تقصر عنه الأفهام، وكذلك الزقوم لأهل النار من الأمم.

стр. 7025

وقرئ: (ثم إن منقلبهم)، (ثم غن مصيرهم)، (ثم إن منفذهم) إلى الجحيم؛ علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد كلها بتقليد الآباء في الدين، واتباعهم إياهم على الضلال، وترك اتباع الدليل. والإهراع: الإسراع الشديد، كأنهم يحثون حثًا. وقيل: إسراع فيه شبيه بالرعدة. [﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ * ولَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُنذَرِينَ * إلاَّ عِبَادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ٧١ - ٧٤] ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾: قبل قومك قريش. ﴿مُّنذِرِينَ﴾: أنبياء حذروهم العواقب. ﴿المُنذَرِينَ﴾: الذين أنذروا وحذروا، أي: أهلكوا جميعًا ﴿إلاَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾: الذين ىمنوا منهم واخلصوا الله دينهم، أو أخلصهم الله لدينه على القراءتين. [﴿ولَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ (٧٥) ونَجَّيْنَاهُ وأَهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ (٧٦) وجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ البَاقِينَ (٧٧) وتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي العَالَمِينَ (٧٩) إنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ (٨٠) إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِين﴾ ٧٥ - ٨٢]. لما ذكر إرسال المنذرين في الأمم الخالية وسوء عاقبة المنذَرين، أتبع ذلك ذكر نوح ودعائه إياه حين أيس من قومه، واللام الداخلة على "نعم" جواب قسم محذوف، والمخصوص بالمدح محذوف، تقديره: فوالله لنعم المجيبون نحن. والجمع دليل العظمة والكبرياء. والمعنى: إنا أجبناه أحسن الإجابة، وأوصلها إلى مراده وبغيته؛ من نصرته على أعدائه والانتقام منهم بألغ ما يكون. ﴿هُمُ البَاقِينَ﴾: هم الذين بقوا وحدهم وقد فني غيرهم، فقد روي: أنه مات كل من كان معه في السفينة غير ولده. أو: هم الذين بقوا متناسلين إلى يوم القيامة. قال قتادة: الناس كلهم من ذرية نوح. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هم الذين بقوا وحدهم) هذا الاختصاص يعطيه ضمير الفصل.

стр. 7026

وكان لنوح ﵇ ثلاثة اولاد: سام، وحام، ويافث، فسامٌ أبو العرب، وفارس، والروم، وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب، ويافث أبو الترك ويأجوج ومأجوج ﴿وتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ من الأمم هذه الكلمة؛ وهي: ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ يعني ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿وتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ من الأمم هذه الكلمة) يريد أن "تركنا" واقع على قوله: ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ وهو مفعول به. كانه قيل: تركنا على نوح قولنا: سلام على نوح في كل أحد من العالمين، كما يقال: السلام على زيد في جميع الأمكنة وفي جميع الأزمنة، واللعنة على إبليس في المشرق والمغرب، فقوله: ﴿فِي العَالَمِينَ﴾ متعلق بالجار والمجرور. قال صاحب "الكشف": ﴿سَلَامٌ﴾ مبتدأ، والجار بعده في موضع الخبر، والجملة في موضع المفعول لـ ﴿وَتَرَكْنَا﴾ ولو أعمل "تركنا" فيه لقيل: "سلامًا" ويجوز أن يكون التقدير: وتركنا عليه في الآخرين الثناء الحسن، فحذف مفعول "تركنا"، ثم ابتدأ وقال: "سلام". ويجوز أن يكون التقدير: وتركنا عليه في الاخرين الثناء الحسن وقلنا: سلام. وقال محيي السنة: "تركنا عليه"، أي: أبقينا له ثناء حسنًا وذكرًا جميلًا فيمن بعده إلى يوم القيامة. وقلت: هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ان يكون المفعول ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي العَالَمِينَ﴾ من حيث المعنى، كما قال الزجاج أي: تركنا عليه الذكر الجميل، وذلك الذكر قوله: ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي العَالَمِينَ﴾ أي: تركنا عليه في الآخرين أن يسلم عليه إلى يوم القيامة. وثانيهما: المفعول محذوف، وهو الثناء كما سبق، فعلى هذا: يبقى "تركنا" مطلقًا غير

стр. 7027

يسلمون عليه تسليمًا، ويدعون له، وهو من الكلام المحكي، كقولك: قرأت ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١]. فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿فِي العَالَمِينَ﴾؟ قلت: معناه: الدعاء بثبوت هذه التحية فيهم جميعًا، وأن لا يخلو أحد منهم منها، كأنه قيل: ثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين يسلمون عليه عن آخرهم. علل مجازاة نوح ﵇ بتلك التكرمة السنية من تبقية ذكره، وتسليم العالمين عليه غلى آخر الدهر بأنه كان محسنًا، ثم علل كونه محسنًا بأنه كان عبدًا مؤمنًا، ليريكجلالة محل الإيمان، وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم، ويرغبك في تحصيله والازدياد منه. [﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ (٨٣) إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إذْ قَالَ لأَبِيهِ وقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٨٣ - ٨٧] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مقيد، أي: تركنا على نوح في الآخرين من الأمم ذكرًا جميلًا، وكذا وكذا، كقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، ويكون ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي العَالَمِينَ﴾ دعاء من الله تعالى كقوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]. قوله: (فما معنى قوله: ﴿فِي العَالَمِينَ﴾؟ ) جاء في السؤال بالفاء، يعني: إذا كان معنى ﴿وتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾: تركنا في الاخرين من الأمم أن يسلموا عليه تسليمًا ويدعوا له، فما معنى ﴿فِي العَالَمِينَ﴾ فإنه كالتكرار؟ وأجاب: إن في إعادة ذكر العالمين الشمول والاستغراق؛ لئلا يخرج أحد ممن يدخل في العالمين من الملائكة والثقلين منه، والحاصل أن ﴿فِي العَالَمِينَ﴾ كالتتميم للمعنى السابق والمبالغة فيه، ولو اكتفى بقوله: ﴿وتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ لقصر عن هذا المعنى، فرجع معنى: ﴿وتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي العَالَمِينَ﴾ إلى قوله: "ثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين يسلمون عليه عن آخرهم". قوله: (ليريك جلالة محل الإيمان) يعني: ان نوحًا ليس ممن لا يؤمن حتى يوصف بالإيمان تمييزًا، وإنما جيء به للمدح، يعني أن صفة الإيمان من الصفات التي تصلح أن يمتدح بها النبي المرسل ترغيبًا للمؤمن.

стр. 7028

﴿مِن شِيعَتِهِ﴾: ممن شايعه على أصول الدين وإن اختلفت شرائعهما. أو: شايعه على التصلب في دين الله ومصابرة المكذبين. ويجوز أن يكون بين شريعتيهما اتفاق في أكثر الأشياء. وعن ابن عباس ﵄: من أهل دينه وعلى سنته، وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان: هود صالح، وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وست مئة وأربعون سنة. فإن قلت: بم تعلق الظرف؟ قلت: بما في الشيعة من معنى المشايعة، يعني: وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه بقلب سليم ﴿لإبْرَاهِيمَ﴾، او بمحذوف؛ وهو: اذكر، ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ من جميع آفات القلوب. وقيل: من الشرك، ولا معنى للتخصيص؛ لأنه مطلق، فليس بعض الآفات أولى من بعض فيتناولها كلها. فإن قلت: ما معنى المجيء بقلبه ربه؟ قلت: معناه: أنه أخلص لله قلبه، وعرف ذلك منه فضرب المجيء مثلًا لذلك. ﴿أَئِفْكًا﴾ مفعلو له، تقديره: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وكان بين نوح وإبراهيم ﵉ ألفان وست مئة وأربعون سنة)، وفي "جامع الأصول": ألف سنة ومئة واثناتن وأربعون سنة. قوله: (وهو: اذكر) أي: اذكر إذ جاء ربه، أي: وقت مجيئه ربه. قوله: (ولا معنى للتخصيص)، أي: لا معنى لتخصيص قوله: ﴿سَلِيمٍ﴾ بشيء من الآفات. قال صاحب "الفرائد": لما كان المقام مقام المدح وجب أن يكون سالمًا عن كل الآفات؛ لأن السالم عن البعض يدخل فيه كل القلوب؛ لأنه ما من قلب إلا وهو سالم من البعض. قوله: (فضرب المجيء مثلًا لذلك)، أي: لقوله: "من أخلص لله قلبه". وفي "المطلع": ومعنى محبة ربه: أنه اخلص لله قلبه وعرف ذلك منه كما يعرف الغائب واحواله بمجيئه وحضوره، فضرب المجيء مثلًا لذلك. وقال الإمام: معناه انه إذا اخلص لله تعالى قلبه فكأنه استحق حضرة الله بذلك القلب. ورأيت في التوراة: أن الله تعالى قال لموسى: يا

стр. 7029

أتريدون آلهة من دون الله إفكًا؟ ! وإنما قدم المفعول على الفعل للعناية، وقدم المفعول له على المفعول به؛ لأنه كان الأهم عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم. ويجوز أن يكون ﴿أَئِفْكًا﴾ مفعولًا، يعني: اتريدون به إفكًا؟ ثم فسر الإفك بقوله" ﴿آلِهَةً دُونَ اللَّهِ﴾ على أنها إفك في نفسها. ويجوز أن يكون حالًا، بمعنى: أتريدون آلهة من دون الله آفكين؟ ﴿فَمَا ظَنُّكُم﴾ بمن هو الحقيق بالعبادة؛ لأن من كان ربًا للعالمين استحق عليهم أن يعبدوه، حتى تركتم عبادته إلى عبادة الأصنام؟ والمعنى: أنه لا يقدر في وهم ولا ظن ما يصد عن عبادته. أو فما ظنكم به أي شيء هو من الأشياء، حتى جعلتم الأصنام له أندادًا؟ أو: فما ظنكم به ماذا يفعل بكم وكيف يعاقبكم وقد عبدتم غيره؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ موسى أحب إلهك بكل قلبك. وقلت: يمكن أن يقال: كان أصل الكلام إذا أخلص لربه، فلما أريد مزيد التصوير وأن لا بد للإخلاص من السلوك وقطع العلائق والعروج من حضيض الأمارية إلى يفاع المطمئنية، قيل: ﴿جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أي: من آفاته، لكن في إسناد المجيء إليه شائبة بقاء الوجود، وفي وصفه بـ"السليم" نقاء القلب أيضًا. وأما قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] ففيه إشارة إلى الجذبة الحقانية التي لا تبقي من الوجود والصفات شيئًا، وإنما أثبت العبدية ليمكن الإخبار عن ذلك المقام، ولولا إزادة الإخبار لم يذكر ذلك أيضًان والله أعلم. قوله: (﴿فَمَا ظَنُّكُم﴾ بمن هو حقيق بالعبادة) إلى آخره، قال القاضي: معنى ﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ إنكار ما يوجب ظنًا، فضلًا عن قطعه، فضلًا عن عبادته، أو يجوز الاشتراك به أو يقتضي الأمن من عقابه على طريقة الإلزام.

стр. 7030

[﴿نَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ٨٨ - ٩٠]. ﴿فِي النُّجُومِ﴾: في علم النجوم، أو: في كتابها، أو في أحكامها، وعن بعض الملوك: أنه سئل عن مشتهاه، فقال: حبيب أنظر إليه، ومحتاج أنظر له، وكتاب أنظر فيه. كان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: الإنكار والتجهيل راجع إلى ظنهم بري العالمين، إما باعتبار الوصف أو الحقيقة، أما الوصف فعلى وجهين: أحدهما: معنى التربية وهو تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئاَ؛ لأن الممكن كما هو مفتقر إلى المحدث حال حدوثه مفتقر إلى المبقي حال بقائه، وهذا معنى الإنعام الذي يجب أن يشكر عليه مسديه ولا يصد عن عبادة موليه، وهو المراد من قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُم﴾ بمن هو حقيق بالعبادة؛ لأن من كان ربًا للعالمين استحق عليهم أن يعبدوه. وثانيهما: معنى المالكية وهو مستلزم لمعتى القهر والقدرة التامة، وإليه الإشارة بقوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُم﴾ ماذا يفعل بكم؟ وكيف يعاقبكم؟ وأما الحقيقة فهو المعن بقوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُم﴾ أي شيء هو من الأشياء؟ قال في "الشعراء" في قوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]: أي: أي شيء هو على الإطلاق؟ تفتيشًا عن حقيقته الخاصة ما هي؟ أي: إنما يصح جعل الأصنام ندًا له إذا عرفت المماثلة، فما لم يعرفوا حقيقته كيف يجعلون الأصنام ندًا له؟ الراغب: المثل أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وذلك أن الند يقال لما يشارك الجوهر فقط، والشبه فيما يشارك في الكيفية فقط، والمساوي فيما يشارك في الكمية فقط، والشكل فيما يشارك في القدر والمساحة، والمثل عام في جميع ذلك. قوله: (حبيب أنظر إليه، ومحتاج أنظر له، وكتاب أنظر فيه) ومنه قول القائل: هل من كتاب أو أخ أو فتى أنظر فيه أو له أو إليه؟

стр. 7031

القوم نجامين، فاوهمهم انه استدل بأمارة في علم النجوم على أنه يسقم ﴿فَقَالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾: إني مشارف للسقم؛ وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى؛ ليتفرقوا عنه، فهربوا منه إلى عيدهم وتركوه في بيت الأصنام ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل. فإن قلت: كيف جاز له أن يكذب؟ قلت: قد جوزه بعض الناس في المكيدة في الحرب والتقية، وإرضاء الزوج، والصلح بين المتخاصمين والمتهاجرين. والصحيح: أن الكذب حرام إلا إذا عرض وورى، والذي قاله إبراهيم صلوات الله عليه: معراض من الكلام، وقد نوى به أن من في عنقه الموت سقيم، ومنه المثل: كفى بالسلامة داء، وقول لبيد: فدعوت ربي بالسلامة جاهدا .... ليصحني فإذا السلامة داء وقد مات رجل فجأة فالتف عليه الناس، وقالوا: مات وهو صحيح، فقال ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ليتفرقوا عنه) يتعلق بقوله: ﴿فَقَالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾. قوله: (معراض من الكلام) جمعه: معاريض، ومنه قولهم: إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب. ومر في فاتحة البقرة كلام مشبع فيه. قوله: (فدعوت) قبله: كانت قناتي لا تلين لغامز .... فألانها الإصباح والإمساء فدعوت ربي بالسلامة جاهدًا .... ليصحني فإذا السلامة داء القناة: الرمح، فاستعار لقامته. والغمز: العصر باليد. يصف قوته في الشباب وضعفه في الكبر. قيل لشيخ كبير: كيف أصبحت؟ قال: في داء يتمناه الناس.

стр. 7032

أعرابي: أصحيح من الموت في عنقه! وقيل: أراد: إني سقيم النفس لكفركم. [﴿فَرَاغَ إلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَاكُلُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ ٩١ - ٩٣] ﴿فَرَاغَ إلَى آلِهَتِهِمْ﴾: فذهب إليها في خفية، من روغة الثعلب، ﴿إلَى آلِهَتِهِمْ﴾: إلى أصنامهم التي هي في زعمهم آلهة، كقوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ [النحل: ٢٧]. ﴿أَلا تَاكُلُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ استهزاء بها وبانحطاطها عن حال عبدتها، ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ﴾: فأقبل عليهم مستخفيًا، كأنه قال: فضربهم ﴿ضَرْبًا﴾؛ لأن "راغ عليهم" في معنى: ضربهم. أو: فراغ عليهم يضربهم ضربًا. أو: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا﴾ بمعنى ضاربًا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿فَرَاغَ إلَى آلِهَتِهِمْ﴾: فذهب إليها في خفية) يريد: ضمن ﴿فَرَاغَ﴾ معنى "ذهب" وعدي بـ"إلى"، كما أن ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ﴾ مضمن للإقبال ويعدى بـ"على"، ولذلك قال: فذهب إليها في خفية، "فأقبل عليهم مستخفيًا" بعد استعارة الروغان للخفية. قال في "الأساس": ومن المجاز: فلان يروغ عن الحق، ولا يقال: راغ عن كذا إلا إذا كان عدوله عنه في خفية، وما زلت أراوغه على هذا الأمر فما راغ إليه أي: أدواره. وحقيقته: حملته على الروغان، مأخوذ من روغان الثعلب، وأراغ العقاب الصيد؛ إذا ذهب الصيد؛ هكذا وهكذا. قوله: (بمعنى ضارباَ) فعلى هذا: ﴿ضَرْباَ﴾ حال، وعلى الأول: مفعول مطلي، نحو "قعدت جلوسًا"، وعلى الثاني: مصدر مؤكد والعامل مضمر. قال صاحب "الفرائد": يبعد أن يكون مفعولًا مطلقًا؛ لأن الإقبال على الشيء مستخفيًا لا يدل على الضرب. وقلت: في جعل الإقبال عليهم نفس الضرب مبالغة، فهو مجاز من باب إطلاق السبب على المسبب؛ لأن إقباله عليهم لم يكن للضرب. ويجوز أن يكون من باب المجاز باعتبار ما يؤول إليه، أي: أقبل عليهم إقبالًا مؤديًا إلى الضرب، كما قال في ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] هدىً للضالين الصائرين إلى التقوى، فالمعنى: فمال إلى الأصنام يضربها ضربًا؛ لأن الإنحاء على الضرب بمعنى الضرب.

стр. 7033

وقرئ: (صفقًا)، و (سفقًا)، ومعناهما: الضرب. ومعنى ﴿ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾: ضربًا شديدًا قويًا؛ لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما. وقيل: بالقوة والمتانة، وقيل: بسبب الحلف، وهو قوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]. [﴿فَأَقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ ٩٤] ﴿يَزِفُّونَ﴾: يسرعون، من زفيف الناعم. و (يزفون): من أزف، إذا دخل في الزفيف. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "صفقًا" و"سفقًا") قال ابن جني: قرأ الحسن: "سفقًا" باليمين، و"صفقًا" أيضًا. وقالوا: صفقت الباء وسفقته، والصاد أعلى. قوله: (وقيل: بالقوة والمتانة)، فعلى هذا: ﴿بِالْيَمِينِ﴾ متعلق بـ ﴿ضَرْبًا﴾، وعلى الأول: متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿ضَرْبًا﴾. قوله: (﴿يَزِفُّونَ﴾: يسرعون)، حمزة: "يُزِفون" بضم الياء، والباقون: بفتحها، من: أزف، أي صار إلى الزفيف، ومثله قول الشاعر: تمنى حصين أن يسود جدذاعه .... فأضحى حصين قد أذل فأقهرا أي: فصار إلى القهر. قال الزجاج: أصله الفتح وتشديد الفاء، من زفيف النعام، وهو ابتداء عدوه وآخر مشيه، وبالضم والتشديد: معناه: يصيرون إلى الزفيف، و"يزفون" بالتخفيف: من: وزف يزف بمعنى: أسرع، ولم يعرفه الفراء والكسائي.

стр. 7034

أو: من أزفه؛ إذا حمله على الزفيف، أي: يزف بعضهم بعضًا. و (يزفون)، على البناء للمفعول، أي يحملون على الزفيف. و (يزفون)، من وزف يزف؛ إذا أسرع. و (يزفون)، من: زفاه؛ إذا حداه، كأن بعضهم يزفو بعضًا لتسارعهم إليه. فإن قلت: بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٥٩ - ٦٠] كالتناقض؛ حيث ذكر ها هنا أنهم أدبروا عنه خيفة العدوى، فلما أبصروه يكسرهم أقبلوا إليه متبادرين ليكفوه ويوقعوا به، وذكر ثم أنهم سألوا عن الكاسر، حتى قيل لهم: سمعنا إبراهيم يذمهم، فلعله هو الكاسر؛ ففي أحدهما أنهم شاهدوه يكسرها، وفي الآخر: أنهم استدلوا بذمه على أنه الكاسر! قلت: فيه وجهان؛ أحدهما: أن يكون الذين أبصروه وزفوا إليه نفرًا منهم دون جمهورهم وكبرائهم، فلما رجع الجمهور والعلية من عيدهم إلى بيت الأصنام ليأكلوا الطعام الذي وضعوه عندها لتبرك عليه ورأوها مكسورة اشمأزوا من ذلك، وسألوا: من فعل هذا بها؟ ثم لم ينم عليه أولئك النفر نميمة صريحة، ولكن على السبيل التورية والتعريض بقولهم: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠] لبعض الصوارف. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال ابن جني: وهي قراءة عبد الله، وذهب قطرب أنها تخفيف "يزفون"، كما قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أي: اقررن. قوله: (والتعريض بقولهم: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠] لبعض الصوارف)، خلاصة الدفع عن التناقض أن قوله: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ لا يناقض قوله: ﴿فَأَقْبَلُوا

стр. 7035

والثاني: أن يكسرها ويذهب ولا يشعر بذلك أحد، ويكون إقبالهم إليه يزفون بعد رجوعهم من عيدهم وسؤالهم عن الكاسر، وقولهم: قالوا: فأتوا به على أعين الناس. [﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٩٥ - ٩٦]. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ يعنى خلقكم وما تعملونه من الأصنام، كقوله: ﴿قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ [الأنبياء: ٥٦] أي: فطر الأصنام. فإن قلت: كيف يكون الشيء الواحد مخلوقًا لله معمولًا لهم؛ حيث أوقع خلقه وعملهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾، لأن هؤلاء الذين أبصروه وزفوا إليه سمعوه بعد مضي الجمهور إلى العيد يقول في نفسه: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧] فلما ذهبوا وشرع في الضرب باليمين أقبل إليه المتخلفون يزفون ليكفوه، فلما رجع الجمهور من عيدهم سألوهم فلم يجسر هؤلاء أن يجيبوا بما سمعوا منه من القول فضلًا عن أن يظهروا ما شاهدوا منه من الفعل؛ لئلا ينسبوا إلى التقصير ويؤنبوا بالعجز، بل عرضوا بقولهم: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] لعل هذا هو المراد من قول المصنف: "والتعريض بقولهم لبعض الصوارف" وفي قوله في سورة "الأنبياء": "قال ذلك القول، أي ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧] سرًا من قومه. وروي: سمعه رجل واحد منهم"، إيماء إلى هذا المعنى. قوله: (كيف يكون الشيء الواحد) يعني: عطف ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ على مفعول "خلق" فيكون مخلوقًا لله، وأوقع ﴿تَعْمَلُونَ﴾ على الضمير الراجع إلى "ما" فيكون معمولًا لهم، وهو المراد من قوله: "وقع خلقه وعملهم عليها" أي: على الشيء الواحد، وإنما أنثه ليكون معبرًا عن الأصنام بدليل قوله: "ما تعملونه من الأصنام".

стр. 7036

عليها جميعًا؟ قلت: هذا كما يقال: عمل النجار الباب والكرسي، وعمل الصائغ السوار والخلخال، والمراد عمل أشكال هذه الأشياء وصورها دون جواهرها، والأصنام جواهر وأشكال، فخالق جواهرها الله، وعامل أشكالها الذين يشكلونها بنحتهم وحذفهم بعض أجزائها، حتى يستوي التشكيل الذي يريدونه. فإن قلت: فما أنكرت أن تكون "ما" مصدرية لا موصولة، ويكون المعنى: والله خلقكم وعملكم، كما يقول المجبرة؟ قلت: أقرب ما يبطل به السؤال ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أقرب ما يبطل به هذا السؤال) إلى آخره، وخلاصة الجواب أن قوله: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ هو عين ما ينحتون؛ لأن قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ احتجاج على ما أنكر عليهم بقوله: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾، وإنما يصح أن يكون احتجاجًا ومطابقًا للسؤال أن يقال: والله خلقكم وما تنحتون. قال مكي: قالت المعتزلة: "ما" بمعنى "الذي" فرارًا من أن يقروا بعموم الخلق لله تعالى، يريدون أنه خلق الأشياء التي نحتت الأصنام وبقيت الأعمال والحركات غير داخلة في خلق الله، تعالى الله عن ذلك، بل كل من خلق الله لا خالق إلا الله، وخلق الله لإبليس -الذي هو الشر كله- يدل على أنه تعالى خلق جميع الأشياء. وقال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢]؛ أجمع القراء كلهم -حتى أهل الشذوذ- على إضافة "شر" إلى "ما"، وقد فارق عمرو بن عبيد رئيس المعتزلة وقرأ "مِنْ شَرٍّ مَا خَلَقَ" بالتنوين؛ ليثبت أن مع الله خالقين يخلقون الشر، والصحيح أن الله تعالى خلق الشر وأمرنا أن نتعود منه، فإذا خلق الشر وهو خالق الخير [بلا اختلاف]، دل ذلك على أنه تعالى خلق أعمال العباد كلها من خير وشر، فيجب أن تكون "ما" مصدرية، والمعنى: أنه تعالى عم جميع الأشياء بأنها مخلوقة له، أي: الله خلقكم وعملكم.

стр. 7037

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضي: هذا أبلغ؛ لأن فعلهم إذا كان بخلق الله فيهم كان مفعولهم المتوقف على فعلهم أولى بذلك، وبهذا المعنى تمسك أصحابنا على خلق الأعمال، ولهم أن يرجحوه على الأولين لما فيهما من حذف أو مجاز. وقلت: تمام تقريره هو: أنه قد تقرر عند علماء البيان أن الكناية أولى من التصريح، فإذا نفى الحكم العام لينتفي الخاص كان أقوى وأثبت للحجة، وكم قد كرر في كتابه هذا المعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨] إذ أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها، وقد علم أن كل موجود لا ينفك من حال عند وجوده، فكان إنكارًا لوجوده على الطريق البرهاني. وقال صاحب "الانتصاف": يتعين حمل "ما" على المصدرية؛ إذ لم يعبدوا الأصنام من حيث هي حجارة عارية من الصورة، ولولاها لما خصوا حجرًا دون غيره، بل عبدوها باعتبار أشكالها وهي أثر عملهم، فعلى الحقيقة إنما عبدوا عملهم، فوضحت الحجة في أنها مخلوقة لله، فكيف يعبد مخلوق مخلوقًا؟ ! . قوله: "هي موصولة والمراد عمل أشكالها" مخالفة للظاهر واحتياج إلى حذف مضاف، أي: "وما تعملون شكله وصورته" وهو موضع لبس، وإذا جعل المعبود نفس الجوهر كيف يطابق توبيخهم ببيان أن المعبود من صنعة العابد وهم يوافقون أن جواهر الأصنام ليست من خلقهم؟ فيكون على هذا ما هو من عملهم ليس معبودًا، وما هو معبود -وهو الجوهر- ليس عملًا لهم.

стр. 7038

بعد بطلانه بحجج العقل والكتاب: أن معنى الآية يأباه إباء جليًا، وينبؤ عنه نبوًا ظاهرًا؛ وذلك أن الله قد احتج عليهم بأن العابد والمعبود جميعًا خلق الله، فكيف يعبد المخلوق المخلوق؟ ! على أن العابد منهما هو الذي عمل صورة المعبود وشكله، ولولاه لما قدر أن يصور نفسه ويشكلها، ولو قلت: والله خلقكم وخلق عملكم؛ لم تكن محتجًا عليهم، ولا كان لكلامك طباق. وشيء آخر؛ وهو أن قوله: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ترجمة عن قوله: ﴿مَا تَنْحِتُونَ﴾، و ﴿مَا﴾ في ﴿مَا تَنْحِتُونَ﴾ موصولة لا مقال فيها، فلا يعدل بها عن أختها إلا متعسف متعصب لمذهبه، من غير نظر في علم البيان، ولا تبصر لنظم القرآن. فإن قلت: أجعلها موصولة حتى لا يلزمني ما ألزمت، وأريد: وما تعملونه من أعمالكم. قلت: بل الإلزامان في عنقك لا يفكهما إلا الإذعان للحق؛ وذلك أنك وإن جعلتها موصولة، فإنك في إرادتك بها العمل غير محتج على المشركين، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: "المطابقة تنفك على رأي أهل السنة" لا يصح، فإنا نحمل الأولى على المصدر وهم في الحقيقة عبدوا نحتهم؛ لأنها قبل النحت لم تعبد، فالمطابقة والإلزام على هذا أبلغ، ولو كان كما قال لقامت الحجة لهم ولكافحوا وقالوا: ما خلق الله ما نعمل؛ لأنا عملنا الشكل والصورة، ولله الحجة البالغة. قوله: (بل الإلزامان)، أي: بطلانه بحجج العقل ومطابقة المقام، في عنق المجبرة.

стр. 7039

كحالك وقد جعلتها مصدرية، وأيضًا فإنك قاطع بذلك الوصلة بين ﴿مَا تَعْمَلُونَ﴾ و ﴿مَا تَنْحِتُونَ﴾؛ حيث تخالف بين المرادين بهما، فتريد بـ ﴿مَا تَنْحِتُونَ﴾: الأعيان التي هي الأصنام، وبـ ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾: المعاني التي هي الأعمال، وفي ذلك فك النظم وتبتيره، كما إذا جعلتها مصدرية. [﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ ٩٧ - ٩٨]. الجحيم: النار الشديدة الوقود، وقيل: كل نار على نار وجمر فوق جمر، فهي جحيم. والمعنى: أن الله تعالى غلبه عليهم في المقامين جميعًا، وأذلهم بين يديه: أرادوا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كحالك وقد جعلتها مصدرية) يعني: حالك في جعلها موصولة على هذا التأويل، كحالك في جعلها مصدرية في أنك غير محتج بالآية على المشركين؛ لأن المقصود نفس ما ينحتون لا العمل كما سبق، وأيضًا فإنك قاطع بذلك الوصلة بين ما يعملون وما ينحتون، يعني: إذا جعلت "ما" موصولة وحذفت الراجع وأردت ما تعملونه من أعمالكم لم يتجاوب الرد والاحتجاج. وقلت: هذا تطويل، إذ لابد لصاحب المعاني أن يراعي الفرق بين العبارتين؛ بين أن يقال: والله خلقكم وما تنحتون، كما يقتضيه الظاهر، وبين ما عليه التلاوة، ويلتزم الأبلغية في الثاني صونًا لكلام الله تعالى من العبث، وليس ذلك إلا الكناية كما سبق، والله أعلم. قوله: (الجحيم: النار الشديدة)، الراغب: الجحمة: شدة تأجج النار، ومنه الجحيم، وجحم وجهه من شدة الغضب استعارة من جحمه النار، وذلك من ثوران حرارة القلب. قوله (في المقامين جميعًا) المقام الأول: قوله: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا

стр. 7040

أن يغلبوه بالحجة فلقنه الله وألهمه ما ألقمهم به الحجر، وقهرهم، فمالوا إلى المكر، فأبطل الله مكرهم وجعلهم الأذلين الأسفلين لم يقدروا عليه. [﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ ٩٩ - ١٠١]. أراد بذهابه إلى ربه: مهاجرته إلى حيث أمره بالمهاجرة إليه من أرض الشام؛ كما قال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦]، ﴿سَيَهْدِينِ﴾: سيرشدني إلى "ما فيه صلاحي في ديني، ويعصمني ويوفقني، كما قال موسى ﵇: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] كأن الله وعده وقال له: سأهديك، فأجرى كلامه على سنن موعد ربه، أو بناه على عادة الله تعالى معه في هدايته وإرشاده أو أظهر بذلك توكله وتفويضه أمره إلى الله. ولو قصد الرجاء والطمع لقال، كما قال موسى صلى الله عليه: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تَعْمَلُونَ﴾ وهو المراد من قوله: "فلقنه الله وألهمه ما ألقمهم الحجر"، والثاني ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾، وإليه الإشارة بقوله: "فأبطل الله مكرهم" إلى آخره. قوله: (ولو قصد الرجاء والطمع لقال … : ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي﴾ يريد أنه ﵇ قطع بقوله ﴿سَيَهْدِينِ﴾ حصول الهداية؛ لأن سين الاستقبال للجزم بوقوع الفعل. قال في "المفصل": إن "سيفعل" جواب "لم يفعل"، وكانت عادة الله معه جارية على القطع في الإرشاد، فحدث بذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] أو أجرى كلامه على المشاكلة وسنن موعد ربه، أو أظهر بذلك للقوم ومن كان قاصده ويريد كيده التجلد، يعني أن حالي مع ربي بهذه المثابة فلا أبالي بكيدكم، فالمقام يأبى الرجاء والطمع.
следующие страницы →