Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.
стр. 7036
عليها جميعًا؟ قلت: هذا كما يقال: عمل النجار الباب والكرسي، وعمل الصائغ السوار والخلخال، والمراد عمل أشكال هذه الأشياء وصورها دون جواهرها، والأصنام جواهر وأشكال، فخالق جواهرها الله، وعامل أشكالها الذين يشكلونها بنحتهم وحذفهم بعض أجزائها، حتى يستوي التشكيل الذي يريدونه. فإن قلت: فما أنكرت أن تكون "ما" مصدرية لا موصولة، ويكون المعنى: والله خلقكم وعملكم، كما يقول المجبرة؟ قلت: أقرب ما يبطل به السؤال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أقرب ما يبطل به هذا السؤال) إلى آخره، وخلاصة الجواب أن قوله: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ هو عين ما ينحتون؛ لأن قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ احتجاج على ما أنكر عليهم بقوله: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾، وإنما يصح أن يكون احتجاجًا ومطابقًا للسؤال أن يقال: والله خلقكم وما تنحتون.
قال مكي: قالت المعتزلة: "ما" بمعنى "الذي" فرارًا من أن يقروا بعموم الخلق لله تعالى، يريدون أنه خلق الأشياء التي نحتت الأصنام وبقيت الأعمال والحركات غير داخلة في خلق الله، تعالى الله عن ذلك، بل كل من خلق الله لا خالق إلا الله، وخلق الله لإبليس -الذي هو الشر كله- يدل على أنه تعالى خلق جميع الأشياء. وقال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢]؛ أجمع القراء كلهم -حتى أهل الشذوذ- على إضافة "شر" إلى "ما"، وقد فارق عمرو بن عبيد رئيس المعتزلة وقرأ "مِنْ شَرٍّ مَا خَلَقَ" بالتنوين؛ ليثبت أن مع الله خالقين يخلقون الشر، والصحيح أن الله تعالى خلق الشر وأمرنا أن نتعود منه، فإذا خلق الشر وهو خالق الخير [بلا اختلاف]، دل ذلك على أنه تعالى خلق أعمال العباد كلها من خير وشر، فيجب أن تكون "ما" مصدرية، والمعنى: أنه تعالى عم جميع الأشياء بأنها مخلوقة له، أي: الله خلقكم وعملكم.
стр. 7037
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال القاضي: هذا أبلغ؛ لأن فعلهم إذا كان بخلق الله فيهم كان مفعولهم المتوقف على فعلهم أولى بذلك، وبهذا المعنى تمسك أصحابنا على خلق الأعمال، ولهم أن يرجحوه على الأولين لما فيهما من حذف أو مجاز.
وقلت: تمام تقريره هو: أنه قد تقرر عند علماء البيان أن الكناية أولى من التصريح، فإذا نفى الحكم العام لينتفي الخاص كان أقوى وأثبت للحجة، وكم قد كرر في كتابه هذا المعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨] إذ أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها، وقد علم أن كل موجود لا ينفك من حال عند وجوده، فكان إنكارًا لوجوده على الطريق البرهاني.
وقال صاحب "الانتصاف": يتعين حمل "ما" على المصدرية؛ إذ لم يعبدوا الأصنام من حيث هي حجارة عارية من الصورة، ولولاها لما خصوا حجرًا دون غيره، بل عبدوها باعتبار أشكالها وهي أثر عملهم، فعلى الحقيقة إنما عبدوا عملهم، فوضحت الحجة في أنها مخلوقة لله، فكيف يعبد مخلوق مخلوقًا؟ ! .
قوله: "هي موصولة والمراد عمل أشكالها" مخالفة للظاهر واحتياج إلى حذف مضاف، أي: "وما تعملون شكله وصورته" وهو موضع لبس، وإذا جعل المعبود نفس الجوهر كيف يطابق توبيخهم ببيان أن المعبود من صنعة العابد وهم يوافقون أن جواهر الأصنام ليست من خلقهم؟ فيكون على هذا ما هو من عملهم ليس معبودًا، وما هو معبود -وهو الجوهر- ليس عملًا لهم.
стр. 7038
بعد بطلانه بحجج العقل والكتاب: أن معنى الآية يأباه إباء جليًا، وينبؤ عنه نبوًا ظاهرًا؛ وذلك أن الله قد احتج عليهم بأن العابد والمعبود جميعًا خلق الله، فكيف يعبد المخلوق المخلوق؟ ! على أن العابد منهما هو الذي عمل صورة المعبود وشكله، ولولاه لما قدر أن يصور نفسه ويشكلها، ولو قلت: والله خلقكم وخلق عملكم؛ لم تكن محتجًا عليهم، ولا كان لكلامك طباق. وشيء آخر؛ وهو أن قوله: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ترجمة عن قوله: ﴿مَا تَنْحِتُونَ﴾، و ﴿مَا﴾ في ﴿مَا تَنْحِتُونَ﴾ موصولة لا مقال فيها، فلا يعدل بها عن أختها إلا متعسف متعصب لمذهبه، من غير نظر في علم البيان، ولا تبصر لنظم القرآن.
فإن قلت: أجعلها موصولة حتى لا يلزمني ما ألزمت، وأريد: وما تعملونه من أعمالكم.
قلت: بل الإلزامان في عنقك لا يفكهما إلا الإذعان للحق؛ وذلك أنك وإن جعلتها موصولة، فإنك في إرادتك بها العمل غير محتج على المشركين،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: "المطابقة تنفك على رأي أهل السنة" لا يصح، فإنا نحمل الأولى على المصدر وهم في الحقيقة عبدوا نحتهم؛ لأنها قبل النحت لم تعبد، فالمطابقة والإلزام على هذا أبلغ، ولو كان كما قال لقامت الحجة لهم ولكافحوا وقالوا: ما خلق الله ما نعمل؛ لأنا عملنا الشكل والصورة، ولله الحجة البالغة.
قوله: (بل الإلزامان)، أي: بطلانه بحجج العقل ومطابقة المقام، في عنق المجبرة.
стр. 7039
كحالك وقد جعلتها مصدرية، وأيضًا فإنك قاطع بذلك الوصلة بين ﴿مَا تَعْمَلُونَ﴾ و ﴿مَا تَنْحِتُونَ﴾؛ حيث تخالف بين المرادين بهما، فتريد بـ ﴿مَا تَنْحِتُونَ﴾: الأعيان التي هي الأصنام، وبـ ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾: المعاني التي هي الأعمال، وفي ذلك فك النظم وتبتيره، كما إذا جعلتها مصدرية.
[﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ ٩٧ - ٩٨].
الجحيم: النار الشديدة الوقود، وقيل: كل نار على نار وجمر فوق جمر، فهي جحيم. والمعنى: أن الله تعالى غلبه عليهم في المقامين جميعًا، وأذلهم بين يديه: أرادوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كحالك وقد جعلتها مصدرية) يعني: حالك في جعلها موصولة على هذا التأويل، كحالك في جعلها مصدرية في أنك غير محتج بالآية على المشركين؛ لأن المقصود نفس ما ينحتون لا العمل كما سبق، وأيضًا فإنك قاطع بذلك الوصلة بين ما يعملون وما ينحتون، يعني: إذا جعلت "ما" موصولة وحذفت الراجع وأردت ما تعملونه من أعمالكم لم يتجاوب الرد والاحتجاج.
وقلت: هذا تطويل، إذ لابد لصاحب المعاني أن يراعي الفرق بين العبارتين؛ بين أن يقال: والله خلقكم وما تنحتون، كما يقتضيه الظاهر، وبين ما عليه التلاوة، ويلتزم الأبلغية في الثاني صونًا لكلام الله تعالى من العبث، وليس ذلك إلا الكناية كما سبق، والله أعلم.
قوله: (الجحيم: النار الشديدة)، الراغب: الجحمة: شدة تأجج النار، ومنه الجحيم، وجحم وجهه من شدة الغضب استعارة من جحمه النار، وذلك من ثوران حرارة القلب.
قوله (في المقامين جميعًا) المقام الأول: قوله: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا
стр. 7040
أن يغلبوه بالحجة فلقنه الله وألهمه ما ألقمهم به الحجر، وقهرهم، فمالوا إلى المكر، فأبطل الله مكرهم وجعلهم الأذلين الأسفلين لم يقدروا عليه.
[﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ ٩٩ - ١٠١].
أراد بذهابه إلى ربه: مهاجرته إلى حيث أمره بالمهاجرة إليه من أرض الشام؛ كما قال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦]، ﴿سَيَهْدِينِ﴾: سيرشدني إلى "ما فيه صلاحي في ديني، ويعصمني ويوفقني، كما قال موسى ﵇: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] كأن الله وعده وقال له: سأهديك، فأجرى كلامه على سنن موعد ربه، أو بناه على عادة الله تعالى معه في هدايته وإرشاده أو أظهر بذلك توكله وتفويضه أمره إلى الله.
ولو قصد الرجاء والطمع لقال، كما قال موسى صلى الله عليه: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تَعْمَلُونَ﴾ وهو المراد من قوله: "فلقنه الله وألهمه ما ألقمهم الحجر"، والثاني ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾، وإليه الإشارة بقوله: "فأبطل الله مكرهم" إلى آخره.
قوله: (ولو قصد الرجاء والطمع لقال … : ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي﴾ يريد أنه ﵇ قطع بقوله ﴿سَيَهْدِينِ﴾ حصول الهداية؛ لأن سين الاستقبال للجزم بوقوع الفعل.
قال في "المفصل": إن "سيفعل" جواب "لم يفعل"، وكانت عادة الله معه جارية على القطع في الإرشاد، فحدث بذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] أو أجرى كلامه على المشاكلة وسنن موعد ربه، أو أظهر بذلك للقوم ومن كان قاصده ويريد كيده التجلد، يعني أن حالي مع ربي بهذه المثابة فلا أبالي بكيدكم، فالمقام يأبى الرجاء والطمع.
стр. 7041
﴿هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: هب لي بعض الصالحين، يريد الولد؛ لأن لفظ الهبة غلب في الولد وإن كان قد جاء في الأخ في قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] قال : ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال علي بن أبي طالب لابن عباس ﵄ حين هنأه بولده علي أبي الأملاك: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب. ولذلك وقعت التسمية بهبة الله، وبموهوب، ووهب، وموهب.
وقد انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ أو أن الحلم، وأنه يكون حليمًا، وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح، فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، ثم استسلم لذلك؟ ! وقيل ما نعت الله الأنبياء ﵈، بأقل مما نعتهم بالحلم، وذلك لعزة وجوده، ولقد نعت الله به إبراهيم في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]؛ لأن الحادثة شهدت بحلمهما.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هنأه بولده علي أبي الأملاك) يعني: أبي الخلفاء، وفي "جامع الأصول": هو أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد علي بن عبد الله بن العباس ﵃، أحد سادات بني هاشم، كان كثير العبادة، يقال: إنه ولد ليلة قتل علي بن أبي طالب ﵁ فسمي باسمه، ومات بالشام سنة ثماني عشرة ومئة، وقيل: سنة عشر ومئة.
وفي قوله: "أبي الأملاك" تعريض بهم وأنهم لم يكونوا خلفاء.
стр. 7042
[﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ١٠٢].
فلما بلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه.
فإن قلت: ﴿مَعَهُ﴾ بم يتعلق؟ قلت: لا يخلو: إما أن يتعلق ب ﴿بَلَغَ﴾، أو بـ ﴿السَّعْيَ﴾، أو بمحذوف، فلا يصح تعلقه بـ ﴿بَلَغَ﴾؛ لاقتضائه بلوغهما معًا حد السعي، ولا بـ ﴿السَّعْيَ﴾؛ لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه؛ فبقي أن يكون بيانًا، كأنه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن يسعى مع أبيه في أشغاله) الراغب: السعي: المشي السريع وهو دون العدو، ويستعمل للجد في الأمر خيرًا كان أو شرًا، قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وأكثر ما يستعمل في الأفعال المحمودة كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي: أدرك ما سعى في طلبه.
قوله: (لاقتضائه بلوغهما معًا حد السعي) يريد أن لفظة "مع" تقتضي استحداث المصاحبة، قال في قوله تعالى: ﴿دَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: ٣٦]: "مع" يدل على معنى الصحبة واستحداثها فيجب أن يكون دخولهما السجن مصاحبين له؛ لأن "معه" على هذا حال من فاعل "بلغ" فيكون قيدًا للبلوغ فيلزم منه ما ذكره من المحذور؛ لأن معنى المعية المصاحبة وهي مفاعلة، وقد قيد الفعل بها فيجب الاشتراك فيه. لا يقال: إن قول بلقيس: ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ -على ما ذكر- يقتضي استحداث إسلامهما معًا، وليس كذلك؛ لأنا نقول: لا يبعد ذلك، فلعله ﵇ وافقها أو لقنها، وإنما المعنى على بلوغ إسماعيل ﵇ الحد الذي يقدر فيه على العمل في صحبة أبيه إبراهيم ﵇.
وروى الواحدي عن ابن عباس ﵁: لما شب حتى بلغ سعيه سعي إبراهيم. والمعنى: بلغ أن يتصرف معه ويعينه، فإذن لابد من تعلقه بالسعي، لا كما ظن أنه يجوز أن
стр. 7043
لما قال: فلما بلغ السعي، أي: الحد الذي يقدر فيه على السعي، قيل: مع من؟ فقال: مع أبيه. والمعنى في اختصاص الأب: أنه أرفق الناس به، وأعطفهم عليه، وغيره ربما عنف به في الاستسعاء، فلا يحتمله؛ لأنه لم تستحكم قوته ولم يصلب عوده، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة. والمراد: أنه على غضاضة سنه وتقلبه في حد الطفولة، كان فيه من رصانة الحلم وفسحة الصدر ما جسره على احتمال تلك البلية العظيمة والإجابة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتعلق بـ"بلغ" وحين لم يجز تقديمه عليه وجب أن يقدر مثله على شريطة التفسير، كما قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠]: "فيه" ليس من صلة "الزاهدين" لأن الصلة لا تتقدم على الموصول، وإنما هو بيان، كأنه قيل: في أي شيء زهدوا؟ فقيل: زهدوا فيه. وهكذا التقدير، لما قال: "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ" أي القدرة على أن يسعى. فقيل: مع من يسعى؟ فقيل: مع أبيه.
والفائدة في التكرير التأكيد كما في تركيب الإضمار على شريطة التفسير والمبالغة في استصحابه إياه، كأنه بلغ معه واستكمل في أخلاقه من بدء حاله، وفي تخصيص ذكر الأب ما ذكره، والفائدة في تخصيص هذا الحد من العمر الدلالة على أنه على غضاضة سنه كان فيه من رصانة الحلم ما جسره على احتمال تلك البلية.
قال صاحب "الفرائد" أي افتقار إلى البيان وإلى السؤال؟ والوجه أن يقال: التقدير فلما بلغ السعي كائنًا معه، فيكون حالًا من "السعي" متقدمًا عليه.
وقلت: المعنى لا يساعد عليه؛ لأنه ﵇ ما بلغ سعيًا وصفه أنه كائن مع أبيه؛ لأن المعنى أنه ﵇ بلغ حدًا من العمر يسعى مع أبيه.
стр. 7044
بذلك الجواب الحكيم: أتى في المنام فقيل له: اذبح ابنك، ورؤيا الأنبياء وحي كالوحي في اليقظة؛ فلهذا قال: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾، فذكر تأويل الرؤيا، كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب في سفينة: رأيت في المنام أني ناج من هذه المحنة. وقيل: رأى ليلة التروية كأن قائلًا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح رَوَّا في ذلك من الصباح إلى الرواح: أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان؟ فمن ثم سمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، ثم سمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهم بنحره؛ فسمي اليوم بيوم النحر. وقيل: إن الملائكة حين بشرته بغلام حليم قال: هو إذن ذبيح الله. فلما ولد وبلغ حد السعي معه قيل له: أوف بنذرك.
﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ من الرأي على وجه المشاورة. وقرئ: (ماذا تري)، أي: ماذا تبصر من رأيك وتبديه، و (ماذا ترى) على البناء المفعول، أي: ماذا تريك نفسك؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بذلك الجواب الحكيم) وذلك أنه فوض الأمر إليه في استشارته بقوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾، وكان من الظاهر أن يجيب: افعل أولا تفعل، فأجاب بقوله: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، أي ليس هذا من مقام المشاورة؛ لأن الواجب عليه إمضاء ما أمرت به وامتثال أمر ربك.
قوله: (وقيل إن الملائكة حين بشرته) عطف على قوله: "وقيل: رأى ليلة التروية".
فإن قيل: فعلى هذا لا يلزم أن يكون قد رأى شيئًا، فما يصنع بقوله: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَام﴾؟ فيقال: يمكن أنه قد رأى رؤيا بعد قول الملائكة، وقيل له فيها: أوف بنذرك، تأكيدا لوفاء النذر.
قوله: ("وماذا ترى" على البناء المفعول) حمزة والكسائي: "ماذا تري"؛ بضم التاء
стр. 7045
من الرأي، ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ أي: ما تؤمر به، فحذف الجار كما حذف من قوله:
أمرتك بالخير فافعل ما أمرت به
أو أمرك على إضافة المصدر إلى المفعول، وتسمية المأمور به أمًرا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكسر الراء كسرة خالصة، يجعلانه فعلًا رباعيًا، والباقون: بفتحهما، يجعلونه ثلاثيًا، قال صاحب "الكشف": فمن قال: "ماذا تري" فالتقدير: ماذا ترينيه؟ إذا جعلت "ما" مبتدأ و"ذا" بمعنى "الذي" فالهاء عائدة إلى "ذا".
ومن جعل "ما" و"ذا" كالشيء الوحيد كان نصبًا مفعولًا ثانيًا لـ"ترى" وحذف المفعول الأول، أي: أي شيء تريني؟ وقوله: "تري" من: أرى يري، وليست التعدية إلى ثلاثة منقولًا من: رأى؛ إذا علم، لكنه منقول من قولهم: فلان يرى رأي أبي حنيفة.
هذا ويتعدى إلى مفعول واحد، فإذا دخلت عليه الهمزة تعدى إلى مفعولين؛ كقوله تعالى: ﴿مَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] أي: بما أراكه الله.
ومن قال: ﴿مَاذَا تَرَى﴾ بفتح التاء إن جعل "ما" و"ذا" كالشيء الواحد كان مفعول ﴿تَرَى﴾، وإن جعل "ما" مبتدأ و"ذا" بمعنى "الذي" كان التقدير: ماذا تراه؟
وقال مكي: لا يحسن أن يكون ﴿تَرَى﴾ من العلم؛ لأنه يحتاج أن يتعدى إلى مفعولين، وليس في الكلام غير واحد وهو ﴿مَاذَا﴾ بجعلهما اسمًا واحدًا، وليس أيضًا من نظر العين؛ لأنه لم يأمره برؤية شيء، وإنما أمره أن يدبر رأيه فيما أمر به، ولا يحسن عمل ﴿تَرَى﴾ في "ذا" وهي بمعنى "الذي" لأن الصلة لا تعمل في الموصول.
стр. 7046
وقرئ: (ما تؤمر به). فإذا قلت: لم شاوره في أمر حتم من الله؟ قلت: لم يشاوره ليرجع إلى رأيه ومشورته، ولكن ليعلم ما عنده فيما نزل به من بلاء الله، فيثبت قدمه ويصبره إن جزع، ويأمن عليه الزلل إن صبر وسلم، وليعلمه حتى يراجع نفسه فيوطئها ويهون عليها، ويلقى البلاء وهو كالمستأنس به، ويكتسب المثوبة بالانقياد لأمر الله قبل نزوله؛ ولأن المغافصة بالذبح مما يستسمج؛ وليكون سنة في المشاورة، فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة في أكله من الشجرة لما فرط منه ذلك. فإن قلت: لم كان ذلك بالمنام دون اليقظة؟
قلت: كما أري يوسف ﵇ سجود أبويه وإخوته له في المنام من غير وحي إلى أبيه، وكما وعد رسول الله ﷺ دخول المسجد الحرام في المنام، وما سوى ذلك من منامات الأنبياء؛ وذلك لتقوية الدلالة على كونهم صادقين مصدوقين؛ لأن الحال إما حال يقظة أو حال منام، فإذا تظاهرت الحالتان على الصدق كان ذلك أقوى للدلالة من انفراد إحداهما.
[﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١٠٣ - ١١١].
يقال: سلم لأمر الله، وأسلم، واستسلم، بمعنى واحد، وقد قرئ بهن جميعًا؛ إذا انقاذ له، وخضع، وأصلها من قولك: سلم هذا لفلان؛ إذا خلص له. ومعناه: سلم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (المغافصة)، الجوهري: غافصت الرجل؛ إذا أخذته على غرة.
قوله: (لو شاور آدم الملائكة) يعني أن الملائكة مع أنهم طعنوا فيه بقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] لو استشيروا لنصحوا أو ظهرت له من كلامهم أمارة دلت على الترك.
стр. 7047
من أن ينازع فيه، وقولهم: سلم لأمر الله، وأسلم له: منقولان منه، وحقيقة معناهما: أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له خالصة، وكذلك معنى: استسلم: استخلص نفسه لله. وعن قتادة في ﴿أَسْلَمَا﴾: أسلم هذا ابنه وهذا نفسه. ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ صرعه على شقه، فوقع أحد جنبيه على الأرض، تواضعا على مباشرة الأمر بصبر وجلد، ليرضيا الرحمن ويخزيا الشيطان. وروي: أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنى، وعن الحسن: في الموضع المشرف على مسجد منى. وعن الضحاك: في المنحر الذي ينحر فيه اليوم. فإن قلت: أين جواب ﴿لَمَّا﴾؟ قلت: هو محذوف، تقديره: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ كان ما كان مما تنطق به الحال ولا يحيط به الوصف: من استبشارهما، واغتباطهما، وحمدهما لله، وشكرهما على ما أنعم به عليهما؛ من دفع البلاء العظيم بعد حلوله، وما اكتسبا في تضاعيفه بتوطين الأنفس عليه من الثواب والأعواض ورضوان الله الذي ليس وراءه مطلوب.
وقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ تعليل لتخويل ما خولهما من الفرج بعد الشدة، والظفر بالبغية بعد اليأس. ﴿الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾: الاختبار البين الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم. أو: المحنة البينة الصعوبة التي لا محنة أصعب منها. الذبح: اسم ما يذبح. وعن ابن عباس ﵄: هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فدى به إسماعيل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بمنى)، "منى" يصرف ولا يصرف، من: مني؛ إذا قدر، فسمي بذلك؛ لأنه تمنى فيه منايا الأضاحي، أي تقدر فيه، وقيل: تمنى فيه دماء الهدى، أي: تراق.
قوله: (من الثواب والأعواض) وقد سبق أن الثواب عندهم هو الجزاء على أعمال الخير، والعوض هو البدل عن الفائت، كالسلامة التي هي بدل الألم، والنعم التي هي في مقابلة البلايا والمحن والرزايا والفتن.
стр. 7048
وعن الحسن: فدي بوعل أهبط عليه من ثبير. وعن ابن عباس: لو تمت تلك الذبيحة لكانت سنة، وذبح الناس أبناءهم. ﴿عَظِيمٍ﴾: ضخم الجثة سمين، وهي السنة في الأضاحي. وقوله ﵇: "استشرفوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم". وقيل: لأنه وقع فداء عن ولد إبراهيم. وروي: أنه هرب من إبراهيم ﵇ عند الجمرة، فرماه بسبع حصيات حتى أخذه، فبقيت سنة في الرمي.
وروي أنه رمى الشيطان حين تعرض له بالوسوسة عند ذبح ولده. وروي: أنه لما ذبحه قال جبريل: الله أكبر الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا الله والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد؛ فبقي سنة.
وحكي في قصة الذبيح: أنه حين أراد ذبحه وقال: يا بني خذ الحبل والمدية وانطلق بنا إلى الشعب نحتطب، فلما توسط شعب ثبير أخبره بما أمر. فقال له: اشدد رباطي لا أضطرب، واكفف عني ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي فينقص أجري وتراه أمي فتحزن، واشحذ شفرتك وأسرع إمرارها على حلقي حتى تجيز علي؛ ليكون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من ثبير)، النهاية: هو الجبل المعروف عند مكة، وهو أيضًا اسم ماء في ديار مزينة.
قوله: (استشرفوا ضحاياكم)، النهاية: وفي حديث الأضاحي: "أمرنا أن نستشرف العين والأذن"، أي نتأمل سلامتها من آفة تكون. وقيل: هو من الشرفة وهي خيار المال، أي: أمرنا أن نتخير.
قوله (حتى تجيز علي)، الجوهري: جزت الموضع أجوزه جوازًا: سلكته، وأجزته: خلفته وقطعته، وأجزته: أنقذته. وعن بعضهم: أجهزت على الجريح وأجزت: إذا أسرعت في قتله.
стр. 7049
أهون؛ فإن الموت شديد، وأقرأ على أمي سلامي، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل؛ فإنه عسى أن يكون أسهل لها، فقال إبراهيم ﵇: نعم العون أنت يا بني على أمر الله، ثم أقبل عليه يقبله وقد ربطه، وهما يبكيان، ثم وضع السكين على حلقه، فلم يعمل؛ لأن الله ضرب صفيحة من نحاس على حلقه، فقال له: كبني على وجهي فإنك إذا نظرت في وجهي رحمتني وأدركتك رقة تحول بينك وبين أمر الله، ففعل، ثم وضع السكين على قفاه، فانقلب السكين، ونودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، فنظر فإذا جبريل ﵇ معه كبش أقرن أملح، فكبر جبريل والكبش، وإبراهيم وابنه، وأتى المنحر من منى فذبحه. وقيل: لما وصل موضع السجود إلى الأرض جاء الفرج.
وقد استشهد أبو حنيفة ﵀ بهذه الآية فيمن نذر ذبح ولده: أنه يلزمه ذبح شاة.
فإن قلت: من كان الذبيح من ولديه؟ قلت: قد اختلف فيه؛ فعن ابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وجماعة من التابعين: أنه إسماعيل. والحجة فيه:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أملح)، الجوهري: الملحة من الألوان: بياض يخالطه سواد، يقال: كبش أملح.
قوله: (وقد استشهد أبو حنيفة ﵁ بهذه الآية فيمن نذر بذبح ولده أنه يلزمه ذبح شاة)، قال صاحب "التقريب" وفيه نظر؛ إذ ليس فيها ذكر النذر ولا لزوم الذبح، بل إن الله تفضل بالفداء وأيضًا هو شرع من قبلنا.
قوله: (من كان الذبيح)، "كان" زائدة، أي من الذبيح؟ ولو نصب وتكون "كان" ناقصة جاز.
стр. 7050
أن رسول الله ﷺ قال: "أنا ابن الذبيحين". وقال له أعرابي: يا ابن الذبيحين، فتبسم، فسئل عن ذلك، فقال: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله: لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده، فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله، وقالوا له: افد ابنك بمئة من الإبل، ففداه بمئة من الإبل، والثاني إسماعيل". وعن محمد بن كعب القرظي قال: كان مجتهد بني إسرائيل يقول إذا دعا: اللهم إله إبراهيم وإسماعيل وإسرائيل، فقال موسى ﵇: يارب، ما لمجتهد بني إسرائيل إذا دعا قال: اللهم إله إبراهيم وإسماعيل وإسرائيل، وأنا بين أظهرهم قد أسمعتني كلامك واصطفيتني برسالتك؟ قال: يا موسى، لم يجبني أحد حب إبراهيم قط، ولا خير بيني وبين شيء قط إلا اختارني، وأما إسماعيل فإنه جاد بدم نفسه، وأما إسرائيل، فإنه لم ييأس من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فقال: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله)، روى ابن الجوزي في كتاب "الوفا": أن عبد المطلب قد رأى في المنام: احفر زمزم، ونعت له موضعها، فقام يحفر وليس له ولد يومئذ إلا الحارث، فنازعته قريش، فنذر لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا أن يمنعوه لينحرن أحدهم لله عند الكعبة، فلما تموا عشرة وعرف أنهم سيمنعونه أخبرهم بنذره فأطاعوه، وكتب كل واحد منهم اسمه في قدح فضرب القدح على عبد الله فأخذ الشفرة ليذبحه، فقامت قريش من أنديتها فقالوا: لا تفعل حتى نعذر فيه، فانطلق به إلى عرافة، فقالت له: كم الدية فيكم؟ قال: عشر من الإبل. قالت: قربوا صاحبكم وقربوا عشرًا من الإبل ثم اضربوا عليه القداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، فإذا خرجت على الإبل فقد رضي، ففعلوا حتى بلغ الإبل مئة، فخرج القدح على الإبل فقال عبد المطلب: لا والله حتى أضرب عليه وعليها مرات، ففعل فخرج القدح على الإبل، فنحرت ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع. وقد ذكر محمد بن هشام صاحب سير النبي ﷺ أبسط من ذلك.
стр. 7051
روحي في شدة نزلت به قط. ويدل عليه: أن الله تعالى لما أتم قصة الذبيح قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ [الصافات: ١١٢].
وعن محمد بن كعب: أنه قال لعمر بن عبد العزيز: هو إسماعيل، فقال عمر: إن هذا شيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت، ثم أرسل إلى يهودي قد أسلم فسأله، فقال: إن اليهود لتعلم أنه إسماعيل، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب. ويدل عليه: أن قرني الكبش كانا منوطين في الكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى أن احترق البيت.
وعن الأصمعي قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، فقال: يا أصميعي، هو أين عزب عنك عقلك؟ ! ومتى كان إسحاق بمكة؟ ! وإنما كان إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه، والمنحر بمكة. ومما يدل عليه: أن الله تعالى وصفه بالصبر دون أخيه إسحاق في قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥]، وهو من صبره على الذبح، ووصفه بصدق الوعد في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]؛ لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به؛ ولأن الله بشره بإسحاق وولده يعقوب في قوله ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]، فلو كان الذبيح إسحاق لكان خلفًا للموعد في يعقوب. وعن علي بن أبي طالب وابن مسعود والعباس وعطاء وعكرمة وجماعة من التابعين: أنه إسحاق.
والحجة فيه: أن الله تعالى أخبر عن خليله إبراهيم حين هاجر إلى الشام بأنه استوهبه ولدًا، ثم أتبع ذلك البشارة بغلام حليم، ثم ذكر رؤياه بذبح ذلك الغلام المبشر به.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والحجة فيه أن الله تعالى أخبره عن خليله إبراهيم حين هاجر إلى الشام بأنه استوهبه ولدا) إلى آخره، قلت: هذه الحجة ضعيفة؛ لأنه تعالى لما حكى عن خليله إبراهيم ﵇ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وعقبه بقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ بالفاء، وكذلك قصة الرؤيا والذبح، وذيل القصة بقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُؤْمِنِينَ﴾ كما ذيل القصص المذكورة في هذه السورة الكريمة بمثله،
стр. 7052
ويدل عليه كتاب يعقوب إلى يوسف: من يعقوب إسرائيل الله بن اسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله.
فإن قلت: قد أوحي إلى إبراهيم صوات الله عليه في المنام بأن يذبح ولده ولم يذبح، وقيل له: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾، وإنما كان يصدقها لو صح منه الذبح، ولم يصح! .
قلت: قد بذل وسعه وفعل ما يفعل الذابح: من بطحه على شقه، وإمرار الشفرة على حلقه، ولكن الله سبحانه جاء بما منع الشفرة أن تمضي فيه، وهذا لا يقدح في فعل إبراهيم ﵇، ألا ترى أنه لا يسمى عاصيًا ولا مفرطًا، بل يسمى مطيعًا ومجتهدًا، كما لو مضت فيه الشفرة وفرت الأوداج وأنهرت الدم، وليس هذا من ورود النسخ على المأمور به قبل الفعل،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ابتدأ بحديث إسحاق وبشارته وما يتعلق به، وقال ﴿بَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ والظاهر أن هذه البشارة غير البشارة الأولى والمبشر به غير الأول، وسيجيء تقريره بعيد هذا.
قوله: (وفرت الأوداج): الجوهري: فريت الشيء أفريه فريًا: قطعته لإصلاحه. والودج والوداج: عرق في العنق، وهما ودجان.
قوله: (وليس هذا من ورود النسخ على المأمور به قبل الفعل) يعني: لما بذل إبراهيم ﵇ وسعه وفعل ما يفعله الذابح من بطحه على شقه، وأمر الشفرة على حلقه لم يكن هذا من ورود النسخ قبل الفعل في شيء كما يسبق إلى بعض الإفهام، يعني: ورود النسخ قبل الفعل جائز، لكن هذه الآية ليست من المسألة في شيء، يدل عليه قوله في قصة البقرة: "يجوز النسخ قبل الفعل، ولا يجوز قبل وقت الفعل"، يعني: أن إبراهيم عليه السلام
стр. 7053
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أتى بالمأمور به لأنه باشر الفعل بقدر الإمكان وبذل المجهود ولم يكن منه تقصير، ولو لم يمنع مانه لتم الذبح المأمور به، ولهذا قال تعالى ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾.
وعن بعضهم: الذبح هو الاعتماد، وقد وجد ذلك، لكن الانذباح لم يوجد، كما تقول: هديته فلم يهتد، أو هديته فاهتدي، وكسرته فانكسر، أو كسرته فلم ينكسر. هذا على خلاف ما ذكره المصنف في ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
قال الإمام: وليس كذلك لأن معنى ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ أنه قد اعترف بكون الرؤيا واجب العمل، لا أنه بكل ما رآه في المنام، ولو كانت المباشرة كافية في كل ما أمر به لما احتاج إلى الفداء، وحيث احتاج علمنا أنه م يكن آتيا في المباشرة بكل ما أمر به، هذا هو السؤال الذي أورده المصنف، فإذا كان ما أتى به إبراهيم من البطح إلى آخره، وأجاب عنه بقوله: "قد علم بمنع الله أن حقيقة الذبح لم تحصل" يعني: نحن إن قلنا: إنه امتثل الأمر وخرج عن عهده المأمور به، لكن حقيقته لم تحصل فوهب الكبش ليقيم ذبحه مقاوم تلك الحقيقة. وفائدته إيجاد المأمور به بكل ما يدخل تحت الإمكان.
وقال ابن الحاجب: أما دفعهم أنه ذبح فكان يلتحم عقبيه، أو يجعل عنقه صفيحة فلا يسمع ويكون نسخا قبل التمكن. يعنى: هذا النقل مما ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ فلا يسمع، وإن سمع يكون نسخا قبل التمكن من الفعل. قال الإمام: هذه مسألة شريفة من مسائل باب النسخ، واختلف الناس في أنه هل يجوز نسخ الحكم قبل حضور مدة الامتثال؟ قال أكثر أصحابنا: إنه يجوز.
وقالت المعتزلة وكثير من فقهائنا والحنفية: إنه لا يجوز. وقالت المعتزلة: إنه تعالى لو أمر شخصا بإيقاع فعل معين في وقت معين دل على حسن ذلك الفعل في ذلك الوقت، ثم إذا نهى عنه في ذلك الوقت دل على قبحه، وهذا مبني على تحسين الفعل وتقبيحه بحسب
стр. 7054
ولا قبل أو أن الفعل في شيء، كما يسبق إلى بعض الأوهام حتى يشغل بالكلام فيه، فإن قلت: الله تعالى هو المفتدى منه؛ لأنه الآمر بالذبح، فكيف يكون فاديًا حتى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العقل وهو باطل، ولئن سلم فإن العقل قد يكون حسنًا باعتبار وقبيحًا باعتبار، فإن السيد إذا أمر عبده شيئًا في زمان مخصوص وينهاه بعينه فيه يكون غرضه من الأمر والنهي مجرد اختبار العبد في الانقياد والطاعة.
وقال البزدوي: شرط النسخ التمكن من عقد القلب، فأما التمكن من الفعل فليس بشرط عندنا، وقالت المعتزلة: إنه شرط. وحاصل الأمر: أن حكم النسخ بيان المدة لعمل القلب والبدن جميعًا، أو لعمل القلب بانفراده، وعمل القلب هو المحكم عندنا في هذا والآخر من الزوائد، لنا: أن النبي ﷺ أمر بخمسين صلاة ثم نسخ ما زاد على الخمس وكان ذلك بعد العقد، ولأن النسخ صحيح إجماعًا بعد وجود جزء من الفعل أو مدة تصلح للتمكن من جزء منه، وإن كان ظاهر الأمر يحتمل كله؛ لأن الأدنى يصلح مقصودًا بالابتلاء وكذلك عقد القلب على حسن المأمور وعلى حقيقته.
قوله: (الله تعالى هو المفتدى منه)، الجوهري: افتدى منه بكذا أو فادى بكذا.
وقال المصنف في المقدمة: افتدى منه بكذا اشترى منه نفسه بشيء. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٣٦].
وهو يروى بفتح الدال وكسرها، وعلى الفتح ليس في "المفتدى" ضمير؛ لأنه مسند إلى الجار والمجرور، والضمير المجرور عائد إلى اللام، وعلى الكسر فيه ضمير راجع
стр. 7055
قال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ﴾؟ قلت: الفادي هو إبراهيم ﵇، والله وهب له الكبش ليفدي به، وإنما قال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ﴾ إسنادا للفداء إلى السبب الذي هو الممكن من الفداء بهبته. فإن قلت: فإذا قلت: فإذا كان ما أتى به إبراهيم من البطح وإمرار الشفرة في حكم الذبح، فما معنى الفداء، والفداء إنما هو التخليص من الذبح ببدل؟ قلت: قد علم بمنع الله أن حقيقة الذبح لم تحصل من فري الأوداج وإنهار الدم، هوهب الله له الكبش ليقيم ذبحه مقام تلك الحقيقة؛ حتى لا تحصل تلك الحقيقة في نفس إسماعيل،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى الله تعالى، والمجرور إلى إبراهيم، وفيه تعسف ونبو عن مظنة استعماله. ولتضمنه معنى التخليص علله بقوله: "لأنه الآمر بالذبح"، فعلى هذا: الضمير في قوله: "ليفتدي به" راجع إلى إبراهيم ﵇ لا إلى الله تعالى كما سبق إلى بعض الأوهام.
وتلخيص السؤال أنه تعالى قال ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ فيكون الفادي هو الله تعالى، وفي الحقيقة هو المفتدى منه، وإبراهيم هو الفادي، وأجاب بأن الإسناد مجازي؛ لأنه تعالى لما وهب لإبراهيم الكبش ليفتدي ابنه فكأنه تعالى هو الفادي؛ إذ لولا تمكنه من الفداء بهبته لما قدر إبراهيم أن يفتدي به. ونحوه: "كسا الخليفة الكعبة"، وفائدته تعظيم الفداء، وكذلك وصفه بالعظم والله أعلم.
قوله: (فإذا كان ما أتى به إبراهيم ﵇ تقرير السؤال: أن الفداء إنما يكون إذا أريد التخليص من الذبح، فإذا فعل ما في حكم الذبح اضطرارًا فما معنى الفداء؟ وأجاب: أنه وإن فعل ما في حكم الذبح لكنه ليس بذبح في الحقيقة، فكان الفداء جبرانًا لذلك النقصان وتحصيلًا لتلك الحقيقة بما أمكن، ثم سأل: فأي فائدة في تحصيل تلك الحقيقة وقد استغني عنها بما وجد منه ﵇ من البطح وإمرار الشفرة؟ وأجاب: أن الفائدة بذل المجهود في امتثال الأمر، وحصول الذبح بأي وجه كان فحين لم يحصل في إسماعيل ينبغي أن يحصل في بدله، والفاءان في أثناء السؤالين مترتبتان على ما سبق عليهما.
стр. 7056
ولكن في نفس الكبش بدلًا منه. فإن قلت: فأي فائدة في تحصيل تلك الحقيقة، وقد استغني عنها بقيام ما وجد من إبراهيم مقام الذبح من غير نقصان؟ قلت: الفائدة في ذلك: أن يوجد ما منع منه في بدله حتى يكمل منه الوفاء بالمنذور وإيجاد المأمور به من كل وجه. فإن قلت: لم قيل هنا هنا ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ وفي غيرها من القصص: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾، فكأنما استخف بطرحه اكتفاء بذكره مرة عن ذكره ثانية.
[﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ١١٢ - ١١٣].
﴿نَبِيًّا﴾ حال مقدرة كقوله تعالى ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. فإن قلت: فرق بين هذا وبين قوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾؛ وذلك أن المدخول موجود مع وجود
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فكأنما استخف بطرحه اكتفاء بذكره)، قال الراغب في "درة التنزيل": إن قوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ لما جعل أمارة لانتهاء كل قصة، وكانت قصة إبراهيم ﵇ متضمنة ذكره وذكر ولده الذبيح فقيل له بعدما تله للجبين: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ فجاء في هذا المكان وقد بقيت من القصة آيات فلما أتمها جاء بما جعل خاتمة لكل قصة من قصصهم ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ فلم يذكر "إنا" لسببين: أحدهما: تقدم ذكرها في هذه القصة، والآخر: أن يخالف بين منتهى هذه القصة لأنها من القصة الأولى التي ختمت بـ ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ وبين منتهى قصة ليس ما قبلها منها، فكأن ﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ لما ذكر في هذه القصة مرة اكتفى بها ولم يكن منقطعاا لها فخالفت ما تقدمها وما تأخر عنها لذلك.
قوله: (فرق بين هذا وبين قوله)، مبتدأ وخبر، أي: فرق عظيم بين هذا وذلك؛ لأنه لما
стр. 7057
الدخول، والخلود غير موجود معهما، فقدرت: مقدرين الخلود، فكان مستقيمًا، وليس كذلك المبشر به؛ فإنه معدوم وقت وجود البشارة، وعدم المبشر به أوجب عدم حاله لا محالة؛ لأن الحال حلية، والحلية لا تقوم إلا بالمحلى، وهذا المبشر به الذي هو إسحاق حين وجد لم توجد النبوة أيضًا بوجوده، بل تراخت عنه مدة متطاولة، فكيف تجعل ﴿نَبِيًّا﴾ حالا مقدرة، والحال صفة الفاعل أو المفعول عند وجود الفعل منه أو به؛ فالخلود وإن لم يكن صفتهم عند دخول الجنة، فتقديرها صفتهم؛ لأن المعنى: مقدرين الخلود، وليس كذلك النبوة؛ فإنه لا سبيل إلى أن تكون موجودة أو مقدرة وقت وجود البشارة بإسحاق؛ قلت: هذا سؤال دقيق السلك ضيق المسلك، والذي يحل الإشكال: أنه لابد من تقدير مضاف محذوف؛ وذلك قولك:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال: ﴿نَبِيًّا﴾ حال مقدرة كقوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] قال: لا يقاس هذا بذاك لافتراق بينهما وبعد أحدهما من الآخر.
قوله: (لابد من تقدير مضاف محذوف) أي: بشرناه بوجود إسحاق نبيًا بأن يوجد مقدرة نبوته.
هذا البحث موقوف على مقدمة وهي: أنه تقرر عند أصحاب المعاني أن لابد من تقرر الوصف والموصوف معا عند إثباته له. قال صاحب "المفتاح" إن حق كل ما يقصد ثبوته للغير أن يكون في نفسه ثابتًا وعندك، فما لا يكون ثابتًا كذلك أو متحققًا يمتنع منك جعله وصفًا. وقال: إن محاولة إثبات الثابت في نفسه لشيء آخر يستدعي ثبوت ذلك الشيء الآخر في نفسه لا محالة.
وهو المراد من قول المصنف، وعدم المبشر به أوجب عدم حاله؛ لأن الحال حلية، والحلية لا تقوم إلا بالمحلى، ولهذه النكتة قالوا في قوله ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: ١٦٢] حال مقدرة؛ لأن الخلود لم يكن صفتهم عند دخول الجنة، وعلى هذا ذو الحال- الذي هو
стр. 7058
وبشرناه بوجود إسحاق نبيًا، أي: بأن يوجد مقدرة نبوته؛ فالعامل في الحال الوجود لا فعل البشارة، وبذلك يرجع، نظير قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: حال ثانية، وورودها على سبيل الثناء والتقريط؛ لأن كل نبي لابد أن يكون من الصالحين.
وعن قتادة: بشره الله بنبوة إسحاق بعدما امتحنه بذبحه، وهذا جواب من يقول: الذبيح إسحاق لصاحبه عن تعلقه بقوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الموصوف في الحقيقة وهو إسحاق- لم يكن موجودًا عند البشارة، فلابد من التأويل وتقدير الوجود.
قال القاضي: معنى قوله ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ مقضيًا نبوته مقدرًا كونه، وبهذا الاعتبار وقعا حالين، ولا حاجة إلى وجود المبشر به وقت البشارة، فإن وجود ذي الحال غير شرط بل الشرط مقارنة تعلق الفعل به للاعتبار المعني بالحال، فلا حاجة إلى تقدير مضاف يجعل عاملًا فيهما مثل "وبشرناه بوجود إسحاق" أي: بأن يوجد إسحاق نبيًا من الصالحين، ومع ذلك لا يصير نظير قوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] فإن الداخلين مقدورون خلودهم وقت الدخول، وإسحاق لم يكن مقدرًا نبوة نفسه وصلاحهما حيثما توجد.
قوله: (الثناء والتفريط)، الجوهري: التقريظ: مدح الإنسان وهو حي، والتابين مدحه وهو ميت.
قوله: (وعن قتادة: بشره الله بنبوة إسحاق بعدما امتحنه)، جواب آخر عن السؤال بغير التزام الفرق بين قوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ وبين ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾، لأن البشارة بالنبوة بعد الوجود.
قوله: (لصاحبه عن تعلقه)، "اللام" و"عن" متعلقان بقوله: "جواب" والضمير في
стр. 7059
قالوا: ولا يجوز أن الله يبشره الله بمولده ونبوته معًا؛ لأن الامتحان بذبحه لا يصح
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لـ"صاحبه" يرجع إلى "من يقول"، وفي "تعلقه" إلى "صاحبه"، وفي "بقوله" إلى "الله" تعالى.
قوله: (قالوا: لا يجوز) جملة مستأنفة بيان لاحتجاج صاحبه القائل بأن الذبيح إسماعيل؛ المعنى: قول قتادة: وبشره الله بنبوة إسحاق بعدما امتحنه بذبحه، جواب من يقول: إن الذبيح إسحاق لصاحبه، أي: لمن يقول بأنه إسماعيل ﵉، ويتمسك بقوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ لأن كونه نبيًا ينافي الامتحان بذبحه.
وتقريره: أن ليست البشارة بوجوده بل بنبوته بعدما امتحنه بذبحه. قال الزجاج: من قال: إن الذبيح إسحاق قال: إن فيه بشارتين:
إحداهما: قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، وثانيهما: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ حين استسلم للذبح.
وقال الإمام: ولا يجوز أن يكون المعنى: وبشرناه بإسحاق حال كون إسحاق نبيًا؛ لأن البشارة متقدمة على صيرورته نبيًا، فوجب أن يكون المعنى: فبشرناه بإسحاق حال ما قدرناه نبيًا، وحال ما حكمنا عليه بكونه نبيًا، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ كانت هذه البشارة بوجود إسحاق حاصلة بعد قصة الذبيح، فوجب أن يكون الذبيح غير إسحاق ﵇.
وقال صاحب "التقريب" وفي قولهم: لا يصح الامتحان بالذبح مع علمه بأنه سيكون نبيًا، نظر؛ لأن الحال المقدرة على ما قرر تقتضي أن يبشر بوجوده مقدرًا نبوته، ولا يلزم من تقدير نبوته العلم بتقديرها، اللهم إلا أن يبشر هكذا وهو أنه يوجد مقدرًا نبوته.
وقلت: من قال: إنها مقدرة يذهب إلى أن هذا ابتداء بشارة بالوجود وبالنبوة معه، فهو
стр. 7060
مع علمه بأنه سيكون نبيًا. ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ وقرئ: (وبركنا) أي: أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا، كقوله: ﴿وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وقيل: باركنا على إبراهيم في أولاده، وعلى إسحاق بأن أخرجنا أنبياء بني إسرائيل من صلبه.
وقوله: ﴿وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ نظيره: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وفيه تنبيه على أن الخبيث والطيب لا يجري أمرهما على العرق والعنصر؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كقولك: خطت الثوب قميصًا، فلا يخفى على أحد أنه عند هذه البشارة لم يكن نبيًا، فالعلم بتقديرها ظاهر لم يحتج إلى التصريح، ولو بشره الله بنبوة إسحاق بعدما امتحنه بذبحه- كما قال قتادة- لكان الظاهر أن يقال: وبشرناه بنبوة إسحاق بل بنبوته؛ لما سبق ذكره وذكر البشارة به.
ومما يدل على استقلال القصة تذييل القصة السابقة بما ذيلت به سائر القصص المذكورة من مثل قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإذا صح ذلك فلا يجوز أن يؤمر بالذبح امتحانًا وهو عالم بأنه يصير نبيًا؛ لأن الامتحان إنما يصح إذا أيقن الذابح أنه سيذبح ولا يتأخر أجله.
قوله ﴿وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ نظيره: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، يعني: نظيره في أن ذريته ﵇ لا يجب أن يكونوا محسنين كلهم. قال الإمام: دخل تحت قوله: "محسن" الأنبياء والمؤمنون، وتحت قوله: "الظالم" الفاسق والكافر. وفيه تنبيه على أنه لا يلزم من كثرة فضائل الأب فضيلة الابن؛ لئلا تصير هذه الشبهة سببا لمفاخرة اليهود. وقال التهامي:
لا تحسبن حسب الآباء مكرمة .... لمن يقصر عن غايات مجدهم
حسن الرجال بحسنى لا بحسنهم .... وطولهم في المعالي لا بطولهم
стр. 7061
فقد يلد البر الفاجر، والفاجر البر. وهذا يهدم أمر الطبائع والعناصر، وعلى أن الظلم في أعقابهما لم يعد عليهما بعيب ولا نقيصة، وأن المرء إنما يعاب بسوء فعله ويعاتب على ما اجترحت يداه، لا على ما وجد من أصله أو فرعه.
[﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * وَآَتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآَخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١١٤ - ١٢٢].
﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ من الغرق، أو من سلطان فرعون وقومه وغشمهم، َ ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ الضمير لهما ولقومهما في قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾. ﴿الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ البليغ في بيانه؛ وهو التوراة، كما قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤].
وقال من جوز أن تكون التوراة عربية أن تشتق من وري الزند "فوعلة" منه، على أن التاء مبدلة من واو.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقال من جوز أن تكون التوراة عربية) عن بعضهم: إن "قال" عطف على "قال" في "كما قال"، و"أن" في "أن تشتق" مصدرية وهي مع "ما" في صلتها بمعنى المفعول أي مشتقة والتقدير: وكما قال من جوز هذا: إن فيها معنى الإنارة والضوء مشتق من الورى.
فإن قلت: فما وجه التشبيه بالآيتين؟ وكيف استشهد بهما على الاشتقاق؟ قلت: وجه التشبيع إثبات المبالغة في البيان، فكما أن استعمال سين الطلب فيما لا طلب له تدل على المبالغة كذلك استعارة النور- لما في الكتاب من البيانات الشافية الكافية- تدل على المبالغة، فإن قولك: "رأيت أسدًا يرمي" ابلغ من قولك: "رأيت شجاعا يرمي".
وأما وجه الاشتقال؛ فإن مراعاة تسمية الكتاب بالتوراة وإنما كانت لأنها اشتملت على
стр. 7062
﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ صراط أهل الإسلام، وهي صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
[﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١٢٣ - ١٣٢].
قرئ: ﴿إِلْيَاسَ﴾ بكسر الهمزة، (الياس) على لفظ الوصل. وقيل: هو إدريس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدلائل الباهرة والبراهين الساطعة كالنور في الظهور، وتحريره: أن الكتاب إنما وصف بالمستبين لما فيه من الكشف التام، كما سمي بالنور لذلك، وكما قيل: إن التوراة إنما اشتقت من الوري لما فيها من البيان التام.
قوله: (﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ صراط أهل الإسلام) يعني أن الله تعالى كشف عن هذا الصراط المستقيم في الفاتحة وأوضحه بقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] حيث قيده أولًا بقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ليخرج اليهود، وثانيًا بقوله ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ليخرج النصارى، فيختص بالمسلمين، فيكون ذكره ها هنا تعريضًا باليهود.
قوله: قرئ ﴿إِلْيَاسَ﴾ بكسر الهمزة، و"الياس" على لفظ الوصل)، بالوصل: ابن ذكوان عن ابن عامر، والباقون: بكسر الهمزة.
قال ابن جني: قرأ ابن محيصن وعكرمة والحسن بخلاف بغير همز، وكذا "الياسين" أما "الياس" فإن الاسم منه "ياس" ثم لحقه لام التعريف، كأنه على إرادة ياء النسب.
стр. 7063
النبي. وقرأ ابن مسعود: (وإن إدريس)، في موضع ﴿إِلْيَاسَ﴾.
وقرئ: (إدراس)، وقيل: هو إلياس بن ياسين، من ولد هارون أخي موسى. ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾: أتعبدون بعلًا؛ وهو علم لصنم كان لهم كمناة وهبل. وقيل: كان من ذهب، وكان طوله عشرين ذراعًا، وله أربعة أوجه، فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربع مئة سادن، وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة، والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس، وهم أهل بعلبك من بلاد الشام، وبه سميت مدينتهم بعلبك. وقيل: البعل: الرب؛ بلغة اليمن، يقال: من بعل هذه الدار؟ أي: من ربها؟ والمعنى: أتعبدون بعض البعول وتتركون عبادة الله؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وإلياسين" على هذا كما حكى عنهم صاحب "الكتاب" والنميرون؟ ، يريد: الأشعريين والنمريين، وعن قطرب: هؤلاء زيدون، منسوبون إلى "زيد" بغير ياء النسبة.
ويجوز أن يجعل كل واحد من أهل إلياس: ياسا، يقال: الياسين، كقوله:
فدني من نصر الخبيبين قدي
يريد: أبا خبيب وأصحابه، كأنه جعل كل واحد منهم خبيبًا. ونحو منه قولهم: "شابت مفارقة" جعل كل جزء من مفرقة مفرقًا ثم جمعه. ويشهد لوصل ألف "ياسين" قوله:
أمهتي خندف والياس أبي
واللام بمنزلتها في "اليسع" زائدة؛ لأن الاسم علم، وليس بصفه.
قوله: (فتنوا به) افتتن الرجل وفتن فهو مفتون، إذا أصابته فتنة فذهب ماله أو عقله.
стр. 7064
﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آَبَائِكُمُ﴾ قرئ: بالرفع على الابتداء، والنصب على البدل، وكان حمزة إذا وصل نصب، وإذا وقف رفع.
وقرئ: (على إلياسين) و (إدريسين)، و (إدراسين)، و (إدراسين)، على أنها لغات في "إلياس" "وإدريس". ولعل لزيادة الياء والنون في السريانية معنى. وقرئ: (على الياسين) بالوصل، على أنه جمع يراد به إلياس وقومه، كقولهم: الخبيبون والمهلبون. فإن قلت: فهذا حملت على هذا ﴿إِلْ يَاسِينَ﴾ على القطع وأخواته؟ قلت: لو كان جمعًا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بالرفع على الابتداء) أي: "الله ربكم" حفص وحمزة والكسائي: بالنصب، والباقون: بالرفع.
قال الزجاج: النصب على صفة "أحسن الخالقين" والرفع على الابتداء والخبر. ولو قال على البدل في النصب كان أولى.
قوله: (وبالنصب على البدل) أي: قرئ بالثلاثة بالنصب بدلا من ﴿أحسن﴾.
قوله: (وإدراسين) قال ابن جني: قرأها ابن مسعود ويحيى وغيرهما، وجاء عنه "إدرسين" وكذا عن قتادة، وفي بعض القراءة "إدريسين" وأما "إدراسين" فيجب أن تكون من تغيير العرب الكلم الأعجمي؛ لأنه ليس من لغتها، والقياس "إدريسين".
قوله: (الخبيبون) قيل لعبد الله بن الزبير ومن كان على رأيه؛ لأن خبيبًا من أجبن أولاده، وأولياؤه يسمونه أبا بكر، قيل في كونه مثل الخبيبيين: خبيب، وأجيب أن العرب إذا تكلمت بالعجمية قالت ما شاءت.
قوله: (فهذا حملت على هذا ﴿إِلْ يَاسِينَ﴾ على القطع) في السؤال شائبة إنكار، أي: لم ما
стр. 7065
لعرف بالألف واللام. وأما من قرأ: (على آل ياسين) فعلى أن ياسين اسم أبي إلياس، أضيف إليه الآل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حملت على "الياسين" بالوصل قراءة من قرأ ﴿إِلْ يَاسِينَ﴾ بالقطع وإخوانه من (إدريس) و"إدراسين" و"إدرسين" وقلت: إنها جموع، بل زعمت أن زيادة الياء والنون لمعنى في السريانية؟ وأجاب: لو كان جمعًا لعرف بالألف واللازم كما في الخبيبون والمهلبون، وكما مر عن ابن جني في "الأشعرون" و"النميرون". وقال الزجاج: من قرأ بالوصل فهو جمع "الياس" هو وأمته المؤمنون، وكذا يجمع ما ينسب الشيء إليه بلفظ الشيء، نحو المهلبة أي بني المهلب.
قوله: (وأما من قرأ "على آل ياسين") نافع وابن عامر: "على آل ياسين" منفصلًا. مثل: آل محمد، والباقون: بكسر الهمزة وإسكان اللام متصلًا، وفي "المطلع" حجة من قرأ منفصلًا أنها في المصحف مفصولة.
قال الفراء وأبو عبيدة: الوجه قراءة العامة؛ لأنه لم يقل في شيء من السورة: سلام على آل فلان، إنما جيء بالاسم، كذلك "إلياسين"؛ لأنه بمعنى: إلياس أو إلياس واتباعه. وقيل: الوجه أن ياسين اسم أبي إلياس وأضيف إليه الأول.
وقيل القاضي" وقيل إل ياسين أبو إلياس، أو محمد، أو القرآن، أو غيره من كتب الله، والكل لا يناسب نظم سائر القصص ولا قوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣١ - ١٣٢] إذ الظاهر في الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ لإلياس.
وقلت: لو حمل آل ياسين على نفس إلياس -كما في قوله تعالى: ﴿آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨] ويراد موسى وهارون- لم يبعد ذلك.
стр. 7066
[﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ١٣٣ - ١٣٨﴾.
﴿مُصْبِحِينَ﴾: داخلين في الصباح، يعني: تمرون على منازلهم في متاجركم إلى الشام ليلًا ونهارًا، أفما فيكم عقول تعتبرون بها؟ ! .
[﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ ١٣٩ - ١٤٨].
قرئ: (يونس) بضم النون وكسرها. وسمي هربه من قومه بغير إذن ربه إباقًا على طريقة المجاز. والمساهمة: المقارعة. ويقال: استهم القوم؛ إذا اقترعوا. والمدحض: المغلوب المقروع. وحقيقته: المزلق عن مقام الظفر والغلبة. روي: أنه حين ركب في السفينة وقفت، فقالوا: ها هنا عبد أبق من سيده، وفيما يزعم البحارون أن السفينة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وسمي هربه من قومه بغير إذن ربه إباقًا على طريقة المجاز)، أي: الاستعارة تصويرًا لقبحه؛ لأن "أبق" يستعمل في المملوك إذا هرب من سيده.
الجوهري: ابق العبد يابق إباقًا، أي: هرب، ويجوز أن يكون على طريقة استعمال المرسن في أنف الإنسان.
قوله: (والمساهمة: المقارعة)، الراغب: السهم ما يرمى به، وما يضرب به من القدح، قال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ وبرد مسهم عليه صورة سهم، وسهم وجهه تغير والسهام داء يتغير منه الوجه.
قوله: (البحارون) هم الذين يكونون أكثر أعمارهم في البحر للتجارة وغيرهما.
стр. 7067
إذا كان فيها آبق لم تجر، فاقترعوا، فخرجت القرعة على يونس، فقال: أنا الآبق، وزج بنفسه في الماء، ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾: داخل في الملامة. يقال: رب لائم مليم، أي: يلوم غيره وهو أحق منه باللوم. وقرئ: (مليم) بفتح الميم، من: ليم فهو مليم، كما جاء: مشيب في مشوب، مبنيًا على شيب. ونحوه: مدعي، بناء على دعي. ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾: من الذاكرين الله كثيرًا بالتسبيح والتقديس. وقيل: هو قوله في بطن الحوت ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقيل: من المصلين. وعن ابن عباس: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. وعن قتادة: كان كثير الصلاة في الرخاء. قال: وكان يقال: إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر، وإذا صرع وجد متكئًا. وهذا ترغيب من الله في إكثار المؤمن من ذكره بما هو أهله، وإقباله على عبادته، وجمع همه لتقييد نعمته بالشكر في وقت المهلة والفسحة؛ لينفعه ذلك عنده تعالى في المضايق والشدائد. ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾ الظاهر: للبث فيه حيًا إلى يوم البعث.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وزج بنفسه)، الجوهري: زجه: دفعه في وهدة.
قوله: (﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾: داخل في الملامة)، قال الزجاج: يقال: قد ألام الرجلل فهم مليم إذا أتى ما يجب أن يلام عليه، وقد ليم إذا أتى بلوم ولا موه عليه. وأنشد غيره.
إن نفسي على هواها ألامت .... كل نفس على هواها مليمه
قوله: (وهذا ترغيب من الله في إكثار المؤمن)، الترغيب مستفاد من الوصف بالتسبيح دون النبوة والرسالة، والإكثار من جعله من زمرتهم ومن جملة مت يواظب على التسبيح، نحو "فلان من العلماء" أي: له مساهمة معهم في العلم، وهذا الوصف كاللقب المشهور له ولا يشتهر به إلا بكثرة الممارسة.
стр. 7068
وعن قتادة: لكان بطن الحوت له قبرًا إلى يوم القيامة. وروي: أنه حين ابتعله أوحى الله إلى الحوت: إني جعلت بطنك له سجنًا، ولم أجعله لك طعامًا.
واختلف في مقدار لبثه: فعن الكلبي: أربعون يومًا، وعن الضحاك: عشرون، وعن عطاء: سبعة، وعن بعضهم: ثلاثة، وعن الحسن: لم يلبث إلا قليلًا، ثم أخرج من بطنه بعيد الوقت الذي التقم فيه. وروي: أن الحوت سار مع السفينة رافعًا رأسه يتنفس فيه يونس ويسبح، ولم يفارقهم حتى انتهوا إلى البر، فلفظة سالمًا لم يتغير منه شيء، فأسلموا. وروي: أن الحوت قذفه بساحل قرية من الموصل.
والعراء: المكان الخالي لا شجر فيه ولا شيء يغطيه. ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ اعتل مما حل به، وروي: أنه عاد بدنه كبدن الصبي حين يولد. واليقطين: كل ما ينسدح على وجه الأرض ولا يقوم على ساق، كشجر البطيخ، والقثاء، والحنظل، وهو "يفعيل" من قطن بالمكان؛ إذا قام به. وقيل: هو الدباء. وفائدة الدباء: أن الذبان لا تجتمع عنده.
وقيل لرسول الله ﷺ : إنك لتحب القرع. قال: "أجل هي شجرة أخي يونس".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والعراء: المكان الخالي) العراء: يمد ويقصر، فالمقصور: الناحية، والممدود: المكان الخالي. وقيل: معناه الأرض الخالي. وقيل: هو الدباء، لأم الدباء إن كان همزة من دبأ إذا هذا، يقال دبأت المكان، كما قيل له: اليقطين من قطن، جعل انسداحه قطونًا وهدوءًا إن كان ياء من تركيب "دبي" وهو الجراد، ويحتمل أن يكون كالدباء من الدبيب، جعل انبساطه دبيبا.
قوله: (إنك لتحب القرع) روينا عن البخاري عن أنس قال: "دخلت مع النبي ﷺ على غلام خياط، فقدم إليه قصعة فيها ثريد وعليه دباء، قال أنس: فجعل النبي ﷺ يتتبع
стр. 7069
وقيل: هي التين، وقيل: شجرة الموز، تغطي بورقها. واستظل بأغصانها، وأفطر على ثمارها. وقيل: كان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه، فيشرب من لبنها. وروى: أنه مر زمان على الشجرة فيبست، فبكى جزعا، فأوحي إليه: بكيت على شجرة ولا تبكي على مئة ألف على يد الكافر؟ ! فإن قلت: ما معنى: ﴿أَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً﴾؟ قلت: أنبتناها فوقه مظلة له، كما يطنب البيت على الإنسان ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ﴾: المراد به ما سبق من إرساله إلى قومه، وهم أهل نينوى. وقيل: هو إرسال ثان بعد ما جرى عليه من الأولين أو إلى غيرهم. وقيل: أسلموا فسألوه أن يرجع إليهم فأبى؛ لأن النبي إذا هاجر عن قومه لم يرجع إليهم مقيما فيهم، وقال لهم: إن الله باعث إليكم نبيا ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ في مرأى الناظر؛ أي: إذا رآها الرائي قال: هي مئة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدباء، قال أنس: فجعلت أتتبعه وأصفه بين يديه، قال: وما زلت بعد أحب الدباء".
وفي رواية الترمذي عن أنس: "أنه كان يأكل قرعًا وهو يقول: يا لك من شجرة! ما أحبك إلي لحب رسول الله ﷺ إياك".
قوله: (ما معنى: ﴿أَنْبَتْنَا عَلَيْهِ﴾؟ ) يعني: ﴿وَأَنْبَتْنَا﴾ تعدى بـ"على" فأجاب: أن ﴿عَلَيْهِ﴾ ليس بصلة بل هو حال، أي انبتنا الشجرة مستعلية عليه، نحوه: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ﴾ [يوسف: ١٨].
قوله: (وقيل: هو إرسال ثان) وعلى الأول: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ﴾ عطف على قوله: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ على سبيل البيان؛ لأنه دل على ابتداء الحال وعلى انتهائها وعلى ما هو المقصود بالإرسال من الإيمان، واعترض ما بينهما قصة اعتناء بشأنها لاحتوائها على أمر عجيب، وكذلك يقدر: اذكر إذ أبق.
стр. 7070
ألف أو أكثر؛ والغرض: الوصف بالكثرة. ﴿إِلَى حِينٍ﴾: إلى أجل مسمى. وقرئ: (ويزيدون) بالواو، و (حتى حين).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ("ويزيدون" بالواو) قال ابن جني: هي قراءة جعفر بن محمد ﵄. وفيه إعراب حسن، وذلك أن قوله: "يزيدون" خبر مبتدأ محذوف، أي: هم يزيدون، والواو لعطف الجملة على الجملة، كقولك: مررت برجل مثل الأسد وهو والله أشجع، ولقيت رجلا جوادا وهو والله فوق الجواد. ويفسد أن يقال: إن ﴿يَزِيدُونَ﴾ عطف على ﴿مِئَةِ﴾، لأن "إلى" لا تعمل في "يزيدون"، فلا يجوز أن يعطف ﴿يَزِيدُونَ﴾ على معموله.
فإن قلت: قد يجوز في العطف ما لا يجوز في المعطوف عليه، كقولنا: رب رجل وأخيه، ورب شاة وسخلتها، ومررت برجل صالح أبواه لا طالحين، ونحو ذلك، ونحو ذلك، قلنا: لو قدرت المتجوز في هذا ونحوه لا تبلغ ما رمته من تقدير حرف الجر مباشرًا للفعل، ألا تراك لا تجيز مررت بقائم ويقعد، وأنت تريد بقاعد، ومع ذلك يلزم فساد المعنى؛ لأن المعنى حينئذ: وأرسلناه إلى جمعين: مئة ألف والآخر زائد، وليس الغرض ذلك؛ لأن الغرض وأرسلناه إلى جمع لو: رأيتموهم لقلتم أنتم: هؤلاء مئة ألف وهم أيضًا يزيدون، فالجمع إذن واحد لا جمعان، وكذلك قراءة العامة: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ أي: أو هم يزيدون.
قال الزجاج: روي عن الفراء وابي عبيدة: معنى ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون. وقال غيرهما: أو يزيدون في تقديركم أنتم إذا رآهم الرائي قال: هؤلاء مئة ألف أو يزيدون. هذا هو القول. وقيل: معناه الواو، وهو يعيد؛ لأن الواو معناها الاجتماع، وليس فيها دليل على أن أحد الشيئيين قبل الآخر.
стр. 7071
[﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَاتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١٤٩ - ١٥٧].
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ معطوف على مثله في أول السورة، وإن تباعدت بينهما المسافة. أمر رسوله باستفتاء قريش على وجه إنكار البعث أولًا، ثم ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها؛ حيث
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أمر رسوله صلوات الله عليه باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث، أولا، ثم ساق الكلام موصولًا بعضه ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة)، يريد أنه تعالى أمر حبيبه صلوات الله عليه أن يستفتي قريشًا في هذه السورة الكريمة مرتين، أولاهما: يستفتيهم في وجه إنكارهم البعث بقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ ثم ساق الكلام في بيان أمر الحشر والنشر وما إليه مآل الفريقين المصدقين له والمكذبين إياه، وأشبع الكلام فيه، ثم علل أن إنكارهم ذلك ما نشأ إلا من التقليد بقوله: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ولا فائدة في الحرص على إيمانهم، مسليا حبيبه صلوات الله عليه؛ لئلا تذهب نفسه عليهم حسرات، وقرر ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ إذ دأب قومك معك كدأب سائر الأمم السالفة مع أنبيائهم، وبين وخامة عاقبة المكذبين وحسن عواقب المرسلين ومصدقيهم مفصلًا، فبدأ من نوح ﵇ إلى أن ختم بيونس ﵇. ثم شرع في نوع آخر من الاستفتاء وهو الكلام في الإلهيات، وختم السورة بما يتصل بها.
فإن قلت: قد علم وجه اتصال الاستفتاء الأول بفاتحة السورة وأنه من جهة الخالقية وأن المخلوقات السابقة أشد خلقًا من خلق المنكرين للبعث، فما وجه اتصال هذا الاستفتاء بها؟
стр. 7072
جعلو لله الإناث ولأنفسهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله، مع كراهتهم الشديدة لهن، ووأدهم، واستنكافهم من ذكرهن. ولقد ارتكبوا في ذلك ثلاثة أنواع من الكفر؛ أحدها: التجسيم؛ لأن الولادة مختصة بالأجسام. والثاني: تفضيل أنفسهم على ربهم حين جعلوا أوضع الجنسين له وأرفعهما لهم: كما قال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف: ١٧]، ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨].
والثالث: أنهم استهانوا بأكرم خلق الله عليه وأقربهم إليه؛ حيث أنثوهم، ولو قيل لأقلهم وأدناهم: فيك أنوثة، أو شكلك شكل النساء؛ للبس لقائله جلد النمر، ولانقلبت حماليقه، وذلك في وأهاجيهم بين مكشوف، فكرر الله سبحانه الأنواع كلها في كتابه مرات، ودل على فظاعتها في آيات: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت: من وجه كونه تعالى رب السموات والأرض وما بينهما، وأنه مناف للمجانسة كما تقرر في قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١].
قوله: "عن وجه القسمة الضيزى" وهي من ضاز حقه يضيزه ضيزا، بخسه ونقصه. قوله تعالى: ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢٢] أي: جائزة، وهي فعلى مثل طوبى وحبلى، وإنما كسروا الضاد لتسلم الياء؛ لأنه ليس في كلامهم فعلى صفة، وإنما هو من بناء الأسماء كالشعرى والدفلى. وقال الفراء: بعض العرب تقول: ضأزى بالهمز. وحكى أبو حاتم عن أبي زيد أنه سمع بعض العرب يهمز الضيزى.
قوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ قال: أو يجعل للرحمن من الولد من هذه الصفة المذمومة صفته وهو أنه يتزين في الزينة والنعمة؟ وهو إذا احتاج إلى مجاثاة الخصوم ومجاراة الرجال كان غير مبين لضعف عقول النساء ونقصانهن عن فطرة الرجال.
стр. 7073
شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٠]، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [الأنبياء: ٢٦]، ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات: ١٥١ - ١٥٢]، ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥]، ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]، ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور، ٣٩]، ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢]، ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣]، ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف: ١٦]، ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩]. ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾: فإن قلت: لم قال: ﴿وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ فخص علم المشاهدة؟ قلت: ما هو إلا استهزاء بهم وتجهيل، وكذلك قوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩]، ونحوه قوله: ﴿أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١]؛ وذلك أنهم كما لم يعلموا ذلك بطريق المشاهدة، لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم، ولا بإخبار صادق، ولا بطريق استدلال ونظر.
ويجوز أن يكون المعنى: أنهم يقولون ذلك، كالقائل قولًا عن ثلج صدور وطمأنينة نفس؛ لإفراط جهلهم، كأنهم قد شاهدوا خلقهم، وقرئ: (ولد الله) أي: الملائكة ولده. والولد "فعل" بمعنى مفعول، يقع على الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وذلك أنهم كما لم يعلموا ذلك بطريق المشاهدة) يعني: نفي طريق المشاهدة بالاستهزاء بهم وبتجهيلهم ليسند جميع طرق العلم، كأنه قيل: ما حصل لكم العلم الضروري بهذا القول ولا أخبركم به صادق ولا طريق للاستدلال والنظر إليه، فبقي أنكم شهدتم ذلك، أخبروني به إن حصل ذلك.
قوله: (عن ثلج صدر) أي: عن طمأنينة. الأساس: ومن المجاز: ثلج فؤاده، وهو مثلوج الفؤاد.
стр. 7074
تقول: هذه ولدي، وهؤلاء ولدي. فإن قلت: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ﴾ بفتح الهمزة: استفهام على طريق الإنكار والاستبعاد، فكيف صحت قراءة أبي جعفر الهمزة على الإثبات؟ قلت: جعله من كلام الكفرة بدلا عن قولهم: ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾، وقد قرأ بها حمزة والأعمش. وهذه القراءة وإن كان هذا محملها فهي ضعيفة، والذي أضعفها: أن الإنكار قد اكتنف هذه الجملة من جانبيها؛ وذلك قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، فمن جعلها للإثبات، فقد أوقعها دخيلة بين نسيبين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقد قرأ بها حمزة والأعمش) أي: في الشاذ.
قوله: (فمن جعلها للإثبات فقد أوقعها دخيلة بين نسيبين) يعني: قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ كلام الله تعالى على سبيل الإنكار، فلو جعل ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ إخباريا لكان من كلام الكفار فيختل النظم. وقلت: جعله إخباريًا لا يمنع من أن يكون من كلام الله على سبيل الإنكار، ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] بكسر الهمزة؟ وتفسير الحسن أنه قول الله يكذبهم. وقد قال المصنف: قول الحسن إنما يستقيم أن لو فتحت الهمزة للاستفهام الذي في معنى الإنكار، ووجهه أن يكون على نحو قوله:
أفرح أن أرزأ الكرام
وأنشدوا لعمر بن أبي ربيعة:
ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا! .... عدد الرمل والحصى والتراب
أي تحبها؟ وبهرًا، أي عجبًا.
стр. 7075
وقرئ: (تَذَكَّرُونَ) من ذكر. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ﴾ أي: حجة نزلت عليكم من السماء وخبر بأن الملائكة بنات الله، ﴿فَاتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ الذي أنزل عليكم في ذلك، كقوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥]، وهذه الآيات صادرة عن سخط عظيم، وإنكار فظيع، واستبعاد لأقاويلهم شديد، وما الأساليب التي وردت عليها إلا ناطقة بتسفيه أحلام قريش، وتجهيل نفوسها، واستركاك عقولها، مع استهزاء وتهكم وتعجيب من أن يخطر مخطر مثل ذلك على بال ويحدث به نفسًا؛ فضلًا أن يجعله معتقدًا ويتظاهر به مذهبًا.
[﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ ١٥٨ - ١٦٠].
﴿وَجَعَلُوا﴾ بين الله ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾ وأراد الملائكة ﴿نَسَبًا﴾؛ وهو زعمهم أنهم بناته، والمعنى: جعلوا بما قالوا نسبة بين الله وبينهم، وأثبتوا له جنسية جامعة له وللملائكة. فإن قلت: لم سمي الملائكة جنة؟ قلت: قالوا: الجنس واحد، ولكن من خبث من الجن ومرد وكان شرًا كله فهو شيطان، ومن طهر منهم ونسك وكان خيرًا كله فهو ملك؛ فذكرهم في هذا الموضع باسم جنسهم، وإنما ذكرهم بهذا الاسم؛ وضعًا منهم وتقصيرًا بهم، وإن كانوا معظمين في أنفسهم أن يبلغوا منزلة المناسبة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "تذكرون"، من ذكر) يعني: بالتخفيف؛ حفص وحمزة والكسائي.
قوله: (أن يبلغوا منزلة المناسبة) ينازع فيه قوله: "وضعًا وتقصيرًا"، وقوله: "وإن كانوا معظمين في أنفسهم" تتميز للصيانة. اعترض بين العامل والمعمول، كما في قوله تعالى: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].
следующие страницы →