← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

[﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَاتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١٤٩ - ١٥٧]. ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ معطوف على مثله في أول السورة، وإن تباعدت بينهما المسافة. أمر رسوله باستفتاء قريش على وجه إنكار البعث أولًا، ثم ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها؛ حيث ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أمر رسوله صلوات الله عليه باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث، أولا، ثم ساق الكلام موصولًا بعضه ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة)، يريد أنه تعالى أمر حبيبه صلوات الله عليه أن يستفتي قريشًا في هذه السورة الكريمة مرتين، أولاهما: يستفتيهم في وجه إنكارهم البعث بقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ ثم ساق الكلام في بيان أمر الحشر والنشر وما إليه مآل الفريقين المصدقين له والمكذبين إياه، وأشبع الكلام فيه، ثم علل أن إنكارهم ذلك ما نشأ إلا من التقليد بقوله: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ولا فائدة في الحرص على إيمانهم، مسليا حبيبه صلوات الله عليه؛ لئلا تذهب نفسه عليهم حسرات، وقرر ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ إذ دأب قومك معك كدأب سائر الأمم السالفة مع أنبيائهم، وبين وخامة عاقبة المكذبين وحسن عواقب المرسلين ومصدقيهم مفصلًا، فبدأ من نوح ﵇ إلى أن ختم بيونس ﵇. ثم شرع في نوع آخر من الاستفتاء وهو الكلام في الإلهيات، وختم السورة بما يتصل بها. فإن قلت: قد علم وجه اتصال الاستفتاء الأول بفاتحة السورة وأنه من جهة الخالقية وأن المخلوقات السابقة أشد خلقًا من خلق المنكرين للبعث، فما وجه اتصال هذا الاستفتاء بها؟

стр. 7072

جعلو لله الإناث ولأنفسهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله، مع كراهتهم الشديدة لهن، ووأدهم، واستنكافهم من ذكرهن. ولقد ارتكبوا في ذلك ثلاثة أنواع من الكفر؛ أحدها: التجسيم؛ لأن الولادة مختصة بالأجسام. والثاني: تفضيل أنفسهم على ربهم حين جعلوا أوضع الجنسين له وأرفعهما لهم: كما قال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف: ١٧]، ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]. والثالث: أنهم استهانوا بأكرم خلق الله عليه وأقربهم إليه؛ حيث أنثوهم، ولو قيل لأقلهم وأدناهم: فيك أنوثة، أو شكلك شكل النساء؛ للبس لقائله جلد النمر، ولانقلبت حماليقه، وذلك في وأهاجيهم بين مكشوف، فكرر الله سبحانه الأنواع كلها في كتابه مرات، ودل على فظاعتها في آيات: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: من وجه كونه تعالى رب السموات والأرض وما بينهما، وأنه مناف للمجانسة كما تقرر في قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]. قوله: "عن وجه القسمة الضيزى" وهي من ضاز حقه يضيزه ضيزا، بخسه ونقصه. قوله تعالى: ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢٢] أي: جائزة، وهي فعلى مثل طوبى وحبلى، وإنما كسروا الضاد لتسلم الياء؛ لأنه ليس في كلامهم فعلى صفة، وإنما هو من بناء الأسماء كالشعرى والدفلى. وقال الفراء: بعض العرب تقول: ضأزى بالهمز. وحكى أبو حاتم عن أبي زيد أنه سمع بعض العرب يهمز الضيزى. قوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ قال: أو يجعل للرحمن من الولد من هذه الصفة المذمومة صفته وهو أنه يتزين في الزينة والنعمة؟ وهو إذا احتاج إلى مجاثاة الخصوم ومجاراة الرجال كان غير مبين لضعف عقول النساء ونقصانهن عن فطرة الرجال.

стр. 7073

شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٠]، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [الأنبياء: ٢٦]، ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات: ١٥١ - ١٥٢]، ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥]، ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]، ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور، ٣٩]، ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢]، ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣]، ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف: ١٦]، ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩]. ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾: فإن قلت: لم قال: ﴿وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ فخص علم المشاهدة؟ قلت: ما هو إلا استهزاء بهم وتجهيل، وكذلك قوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩]، ونحوه قوله: ﴿أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١]؛ وذلك أنهم كما لم يعلموا ذلك بطريق المشاهدة، لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم، ولا بإخبار صادق، ولا بطريق استدلال ونظر. ويجوز أن يكون المعنى: أنهم يقولون ذلك، كالقائل قولًا عن ثلج صدور وطمأنينة نفس؛ لإفراط جهلهم، كأنهم قد شاهدوا خلقهم، وقرئ: (ولد الله) أي: الملائكة ولده. والولد "فعل" بمعنى مفعول، يقع على الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وذلك أنهم كما لم يعلموا ذلك بطريق المشاهدة) يعني: نفي طريق المشاهدة بالاستهزاء بهم وبتجهيلهم ليسند جميع طرق العلم، كأنه قيل: ما حصل لكم العلم الضروري بهذا القول ولا أخبركم به صادق ولا طريق للاستدلال والنظر إليه، فبقي أنكم شهدتم ذلك، أخبروني به إن حصل ذلك. قوله: (عن ثلج صدر) أي: عن طمأنينة. الأساس: ومن المجاز: ثلج فؤاده، وهو مثلوج الفؤاد.

стр. 7074

تقول: هذه ولدي، وهؤلاء ولدي. فإن قلت: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ﴾ بفتح الهمزة: استفهام على طريق الإنكار والاستبعاد، فكيف صحت قراءة أبي جعفر الهمزة على الإثبات؟ قلت: جعله من كلام الكفرة بدلا عن قولهم: ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾، وقد قرأ بها حمزة والأعمش. وهذه القراءة وإن كان هذا محملها فهي ضعيفة، والذي أضعفها: أن الإنكار قد اكتنف هذه الجملة من جانبيها؛ وذلك قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، فمن جعلها للإثبات، فقد أوقعها دخيلة بين نسيبين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقد قرأ بها حمزة والأعمش) أي: في الشاذ. قوله: (فمن جعلها للإثبات فقد أوقعها دخيلة بين نسيبين) يعني: قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ كلام الله تعالى على سبيل الإنكار، فلو جعل ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ إخباريا لكان من كلام الكفار فيختل النظم. وقلت: جعله إخباريًا لا يمنع من أن يكون من كلام الله على سبيل الإنكار، ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] بكسر الهمزة؟ وتفسير الحسن أنه قول الله يكذبهم. وقد قال المصنف: قول الحسن إنما يستقيم أن لو فتحت الهمزة للاستفهام الذي في معنى الإنكار، ووجهه أن يكون على نحو قوله: أفرح أن أرزأ الكرام وأنشدوا لعمر بن أبي ربيعة: ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا! .... عدد الرمل والحصى والتراب أي تحبها؟ وبهرًا، أي عجبًا.

стр. 7075

وقرئ: (تَذَكَّرُونَ) من ذكر. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ﴾ أي: حجة نزلت عليكم من السماء وخبر بأن الملائكة بنات الله، ﴿فَاتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ الذي أنزل عليكم في ذلك، كقوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥]، وهذه الآيات صادرة عن سخط عظيم، وإنكار فظيع، واستبعاد لأقاويلهم شديد، وما الأساليب التي وردت عليها إلا ناطقة بتسفيه أحلام قريش، وتجهيل نفوسها، واستركاك عقولها، مع استهزاء وتهكم وتعجيب من أن يخطر مخطر مثل ذلك على بال ويحدث به نفسًا؛ فضلًا أن يجعله معتقدًا ويتظاهر به مذهبًا. [﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ ١٥٨ - ١٦٠]. ﴿وَجَعَلُوا﴾ بين الله ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾ وأراد الملائكة ﴿نَسَبًا﴾؛ وهو زعمهم أنهم بناته، والمعنى: جعلوا بما قالوا نسبة بين الله وبينهم، وأثبتوا له جنسية جامعة له وللملائكة. فإن قلت: لم سمي الملائكة جنة؟ قلت: قالوا: الجنس واحد، ولكن من خبث من الجن ومرد وكان شرًا كله فهو شيطان، ومن طهر منهم ونسك وكان خيرًا كله فهو ملك؛ فذكرهم في هذا الموضع باسم جنسهم، وإنما ذكرهم بهذا الاسم؛ وضعًا منهم وتقصيرًا بهم، وإن كانوا معظمين في أنفسهم أن يبلغوا منزلة المناسبة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "تذكرون"، من ذكر) يعني: بالتخفيف؛ حفص وحمزة والكسائي. قوله: (أن يبلغوا منزلة المناسبة) ينازع فيه قوله: "وضعًا وتقصيرًا"، وقوله: "وإن كانوا معظمين في أنفسهم" تتميز للصيانة. اعترض بين العامل والمعمول، كما في قوله تعالى: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].

стр. 7076

التي أضافوها إليهم. وفيه إشارة إلى أن من صفته الاجتبان والاستتار- وهو من صفات الأجرام- لا يصلح أن يناسب من لا يجوز عليه ذلك. ومثاله: أن تسوي بين الملك وبين بعض خواصه ومقربيه، فيقول لك: أتسوي بيني وبين عبدي؟ ! وإذا ذكره في غير هذا المقوم وقره وكناه. والضمير في ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ للكفرى. والمعنى: أنهم يقولون ما يقولون في الملائكة، وقد علم الملائكة أنهم في ذلك كاذبون مفترون، وأنهم محضرون النار معذبون بما يقولون، والمراد المبالغة في التكذيب؛ حيث أضيف إلى علم الذين ادعوا لهم تلك النسبة. وقيل: قالوا: إن الله صاهر الجن فخرجت الملائكة. وقيل: قالوا: إن الله والشيطان أخوان. وعن الحسن: أشركوا الجن في طاعة الله. ويجوز إذا فسر الجنة بالشياطين: أن يكون الضمير في ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ لهم، والمعنى: أن الشياطين عالمون أن الله يحضرهم النار ويعذبهم، ولو كانوا مناسبين له أو شركاء في وجوب الطاعة لما عذبهم. ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناء منقطع من المحضرين، معناه: ولكن المخلصين ناجون. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والمراد المبالغة في التكذيب) يعني كذبهم الله بقوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ حيث سماهم بالجنة، ولما أريد التتميم ومزيد المبالغة قيل: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ حيث أوقع الجملة القسمية حالا وأعيد لفظ ﴿الْجِنَّةُ﴾ للتوضيع والتكذيب وجعلهم عالمين بأن معظمهم معذبون بتلك المقالة كما تقول: إن الذي مدحته وعظمته هو الذي يعلم أنك كاذب وهو يسعى في نكالك وخزيك. قوله: (وقيل: قالوا إن الله والشيطان أخوان) قال الإمام: روينا أن قوما من الزنادقة يقولون: إن الله وإبليس أخوان، والله هو الأخ الكريم، وإبليس هو الأخ الشرير الخسيس. وعندى أن هذا القول أقرب وهو مذهب المجوس القائلين بيزدان وأهرمن.

стр. 7077

و ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾: اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه. ويجوز أن يقع الاستثناء من الواو في ﴿يَصِفُونَ﴾، أي: يصفه هؤلاء بذلك، ولكن المخلصين براء من أن يصفوه به. [﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ١٦١ - ١٦٣]. الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ لله ، ومعناه: فإنكم ومعبوديكم ﴿مَا أَنْتُمْ﴾ وهم جميعا ﴿بِفَاتِنِينَ﴾ على الله إلا صاحب النار الذين سبق في علمه أنهم بسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها. فإن قلت: كيف يفتنونهم على الله؟ قلت: يفسدونهم عليه بإغوائهم واستهوائهم، من قولك: فتن فلان على فلان امرأته، كيف تقول: أفسدها عليه وخببها عليه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يقع الاستثناء من الواو في ﴿يَصِفُونَ﴾ فعلى هذا أيضًا منقطع، ولا يجوز أن يكون متصلا؛ لأن المعنى يأباه. وقيل: يجوز أن يكون الاستثناء من "جعلوا" واختار الواحدي الأول، وهو إنما يحسن كل الحسن، إذا فسر الجن بالشياطين ليرجع معناه إلى قوله تعالى حكاية عن اللعين: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣] أي: إنهم لمحضرون النار ومعذبون حيث أطاعونا في إغوائنا إياهم، لكن الذين أخلصوا لطاعة الله وطهروا قلوبهم من أرجاس الشرك وأنجاس الكفر والرذائل ما عمل فيهم كيدنا فلا يحضرون، ويكون ذلك مدحا للمخلصين وتعريضًا بالمشركين وإرغامًا لأنوفهم ومزيدا لغيظهم، أي أنهم بخلاف ما هم عليه من سفه الأحلام وجهل النفوس وركاكة العقول. والله أعلم. قوله: (وخببها عليه)، الجوهري: الخب: الرجل الخداع الحربز. وقد خبب غلامي فلان أي: خدعه. وقيل: خبها؛ من الخب، وهو الطرار، وقيل: التخبيب، تعليم الخب وهو الدهاء، والدهاء العلم بالشر.

стр. 7078

ويجوز أن يكون الواو في ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ بمعنى "مع" مثلها في قولهم: كل رجل وضيعته، فكما جاز السكوت على كل رجل وضيعته؛ جاز أن يسكت على قوله: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾؛ لأن قوله: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ ساد مسد الخبر، لأن معناه: فإنكم مع ما تعبدون. والمعنى: فإنكم مع آلهتكم، أي: فإنكم قرناؤهم وأصحابهم لا تبرحون تعبدونها، ثم قال ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾، أي: على ما تعبدون ﴿بِفَاتِنِينَ﴾ بباعثين أو حاملين على طريق الفتنة والإضلاب، ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ﴾ ضال مثلكم. أو يكون في أسلوب قوله: فإنك والكتاب إلى علي .... كدابغة وقد حلم الأديم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بمعنى مع) قال أبو البقاء: المشهور أن الواو في "وما تعبدون" للعطف، أي إنكم ومعبودكم. وقيل: يضعف أن يكون بمعنى "مع" إذ لا فعل هنا. قوله: (أو يكون في أسلوب قوله: فإنك والكتاب إلى علي) عطف على قوله: (مثلها في قولهم) إلى آخره. أي تكون "الواو" بمعنى "مع" ويكون الخبر "ما أنتم" كقول الشاعر. قال الميداني. كدابغة وقد حلم الأديم. يضرب للأمر الذي قد انتهى فساده، وذلك أن الجلد إذا حلك فليس بعده إصلاح. ويروى عن الوليد بن عقبة أنه كتب إلى معاوية البيت. وقال المفضل: إن المثل لخالد بن معاوية أحد بني عبد شمس بن سعيد حيث قال: قد علمت أحسابنا تميم .... في الحرب حين حلم الأديم

стр. 7079

وقرأ الحسن: (صال الجحيم) بضم اللام، وفيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن يكون جمعًا وسقوط واوه لالتقاء الساكنين هي ولام التعريف. فإن قلت: كيف استقام الجمع مع قوله: ﴿مَنْ هُوَ﴾؟ قلت: ﴿مَنْ﴾ موحد اللفظ مجموع المعنى، فحمل هو على لفظه، والصالون على معناه، كما حمل في مواضع من التنزيل على لفظ "من" ومعناه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الجوهري: الحلم بالتحريك: أن يفسد الإهاب في العمل وبقع فيه دود فيثقب. تقول منه: حلم الأديم؛ بالكسر. يقول: حالك مع كتابك إلى علي، يعني إصلاح شأنك معه بالكتابة إليه بعدما فسد ما بينكما كحال من ترك الأديم حتى فسد ثم أخذ في دباغتها لا يفيده شيء ويبطل سعيه، كذلك أنتم أيها الكفرة مع عبادتكم قرناءكم لا يتسهل لكم أن تفتنوا الناس إلا من هو ضال مثلكم. وفي بعض النسخ: "ويكون في أسلوب قوله: وإنك والكتاب على علي" بالواو وبدل "أو" في "الكشاف" وبـ"على" بدل "إلى" في البيت، وكتب في الحاشية أن الواو في الآية وفي البيت عاطفة، والاستشهاد في "علي"، كأن هذا القائل أراد أن قوله: "بفاتنين" متضمن معنى: باعثين وحاملين فعدي بـ"على" كما عدي الكتاب بـ"على" لتضمنه معنى البعث، فلا يخفى على من له أدنى مسكة بعد هذا التقرير وظهور الأول. قوله: (وقرأ الحسن: "صال الجحيم") قال ابن جني: "صال الجحيم" كان شيخنا أبو علي يحمله على حذف ياء "صال" تخفيفًا، وتعرب اللام بالضم، كما حذفت ياء البالة من قولهم: ما باليت به بالةً، وهي البالية كالعافية والعاقبة. وذهب قطرب إلى أنه جمع "صال" أي: صالون، فحذف النون للإضافة وبقي الواو فحذفت لالتقاء الساكنين، وحمل على معنى "من" لأنه جمع معنى، وهذا حسن. وقول أبي علي وجه مأخوذ به.

стр. 7080

في آية واحدة. والثاني: أن يكون أصله: صائل على القلب، ثم يقال: صال في صائل، كقولهم: شاك في شائك. والثالث: أن يحذف لام صال تخفيفًا، ويجرى الإعراب على عينه، كما حذف من قولهم: ما باليت به بالةً، وأصلها بالية من بالى، كعافية من عافى. ونظيره قراءة من قرأ: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَئَاتُ﴾ [الرحمن: ٢٤] بإجراء الإعراب على العين. [﴿ومَا مِنَّا إلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ * وإنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وإنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ١٦٤ - ١٦٦] [﴿ومَا مِنَّا﴾ أحد ﴿إلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، كقوله: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أن يكون أصله: صائل على القلب) يريد أن أصل "صال" "صائل" و"صائل" مقلوب "صالي" فصار صائلًا ثم حذف الياء، كما أن "شاك" أصله "شائك" مقلوب "شاكي" على أنه أصل لا مقلوب، فإن صاحب "الصحاح" عد شاكي السلاح في باب "شكا" ثم قال: وقال الأخفش: هو مقلوب شاك، فكأنه لا اتفاق على كون "شاك" مقلوبًا، قال صاحب "التقريب"، وقال أبو البقاء: قرئ "صال" بضم اللام في الشاذ، من "صالي" قلب فصار "صائلًا" ثم حذف الياء فبقي "صال". وذكر الجوهري في باب "شوك": شاك الرجل يشاك شوكًا، أي: ظهرت شوكته وشدته، فهو شائك السلاح، وشاكي السلاح أيضًا مقلوب منه. قوله: (أنا ابن جلا وطلاع الثنايا)، تمامه: متى أضع العمامة تعرفوني

стр. 7081

بكفي كان من أرمى البشر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: أنا ابن رجل جلا الأمور وكشفها، متى أضع العمامة على رأسي تعرفوني أني من أهل العمامة، والدليل على حذف الموصوف منع التنوين من الابن وامتناع أن يضاف الابن إلى "جلا"؛ لأنه ليس باسم أبيه فيضاف إليه، وإذا جعلناه صفة فلا بد أن يكون فعلًا، ولا يضاف إلى الفعل إلا اسم الزمان والمكان وليس الابن بواحد منهما، فثبت أن المضاف إليه محذوف وهو الموصوف. فإن قلت: فلعل عدم دخول التنوين على "جلا" على مذهب عيسى بن عمر، فمذهبه أن الفعل إذا سمي به كان كونه على صيغة الفعل سببًا والعملية سبب آخر فيمتنع من الصرف، وإن لم يمنع صرف مثله الخليل وسيبوية والجمهور. قلت: ذلك مذهب باطل بدليل ما نقله الثقات من صرف "كعسب"، وهو في الأصل فعل، يقال: كعسب الرجل إذا مشى بإسراع مع تقارب الخطو. ولا تنوين في "جلا" في البيت فيحمل على أنه فعل ماض وقع صفة لموصوف محذوف، وفيه تأويل آخر، وهو أن "جلا" من باب حكاية الجمل كأن "جلا" فيه ضمير فيجب حكايته كما حكى "يزيد" في قوله: نبئت أخوالي بني يزيد قال الميداني: يضرب للمشهور المتعالم، وهو من قول سحيم بن وثيل الرياحي، تقديره: أنا ابن الذي يقال له: جلا الأمور وكشفها. قوله: (بكفي كان من أرمى البشر)، أوله: مالك عندي غير سهم وحجر .... وغير كبداء شديدة الوتر جادت بكفي (أي بكفي شخص) كان من أرمى البشر.

стр. 7082

﴿مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾: مقام في العبادة، والانتهاء إلى أمر الله مقصور عليه لا يتجاوزه، كما روي: "فمنهم راكع لا يقيم صلبه، وساجد لا يرفع رأسه". ﴿لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾: نصف أقدامنا في الصلاة، أو أجنحتنا في الهواء، منتظرين ما نؤمر. وقيل: نصف أجنحتنا حول العرش داعين للمؤمنين. وقيل: إن المسلمين إنما اصطفوا في الصلاة منذ نزلت هذه الآية. وليس يصطف أحد من أهل الملل في صلاتهم غير المسلمين. ﴿الْمُسَبِّحُونَ﴾: المنزهون، أو المصلون. والوجه: أن يكون هذا وما قبله من قوله: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكبداء: القوس الذي يملأ مقبضها الكف، والدليل على حذف الموصوف حذف النون. قوله: (والوجه أن يكون هذا وما قبله) إلى آخره، عطف على قوله: ﴿سُبْحَانَ اللهِ﴾ اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه من حيث المعنى، يعني: يجعل من قوله: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ﴾ إلى قوله: ﴿وإنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ قصة واحدة؛ ليكون مفرغًا إفراغًا واحدًا، وتقريره: ولما علمت الملائكة أن الكفرة محضرون ومعذبون تبرؤوا منهم ونزهوا الله بقولهم: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: يصفه هؤلاء ولكن المخلصون برآء مما يصفونه به، ثم التفتوا إلى الكفرة وجاؤوا بالفاء الجزائية، أي إذا صح أنكم تفترون- والله تعالى منزه عما تقولون- وأن المخلصين من عباد الله برآء مما تصفونه، فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا. على الله تعالى من عباده المخلصين الذين اصطفاهم لنفسه، بل الذي تقدرون أن تفتنوه من هو مثلكم ممن قدر الله أنه من أصحاب النار، ولما فرغوا من الاحتجاج رجعوا إلى إظهار العبودية والخضوع لربهم والاعتذار عما نسب إليهم بقوله: ﴿ومَا مِنَّا إلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ إلى آخره. هذا تقرير حسن، لكن قوله: "ممن علم الله بكفرهم أنهم من أهل النار لا لتقديره وإرادته" تعريج من المحجة، وفسر بمجرد الرأي، حيث فرق بين علم الله وتقديره وإرادته. قال محيي السنة: إلا من قدر الله أنه سيدخل النار أي: سبق له في علم الله الشقاوة.

стр. 7083

﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] من كلام الملائكة، حتى يتصل بذكرهم في قوله: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ﴾ [الصافات: ١٥٨]، كأنه قيل: ولقد علم الملائكة وشهدوا أن المشركين مفترون عليهم في مناسبة رب العزة، وقالوا: ﴿سُبْحَانَ اللهِ﴾، فنزهوه عن ذلك، واستثنوا عباد الله المخلصين، وبرؤوهم منه، وقالوا للكفرة: فإذا صح ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحدًا من خلقه وتضلوه، إلا من كان مثلكم ممن علم الله- لكفرهم، لا لتقديره وإرادته، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا- أنهم من أهل النار، وكيف نكون مناسبين لرب العزة وتجمعنا وإياه جنسية واحدة؟ وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه، لكل منا مقام من الطاعة لا يستطيع أن يزل عنه ظفرًا؛ خشوعًا لعظمته وتواضعًا لجلاله، ونحن الصافون أقدامنا لعبادته وأجنحتنا، مذعنين خاضعين مسبحين ممجدين، وكما يجب على العباد لربهم. وقيل: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال الإمام: إلا من كان كذلك في حكم الله وتقديره. وذلك تصريح بأن المقتضي لوقع هذه الحوادث حكم الله، وكان عمر بن عبد العزبز يحتج بهذه الآية في إثبات هذا المطلوب، أي: أن حكم الله بالسعادة والشقاوة هو الذي يؤثر في حصولها. وقلت: ويساعد عليه النظم الذي لخصناه. قوله: (أنهم من أهل النار) متعلق بقوله: "علم الله"، أي: علم الله بسبب كفرهم أنهم من أهل النار، وقوله: "ويجمعنا وإياه" داخل في حيز الإنكار، أي: كيف تجمعنا والله جنسية؟ ! قوله: (أن يزل عنه ظفرًا)، أي: مقدار ظفر، كقوله: وقد جعلتني من خزيمة أصبعًا قوله: (وكما يجب على العباد) تقديره: ونحن- كما ذكرنا- خاضعين مسبحين، وكما يجب على العباد لربهم من الطاعة.

стр. 7084

هو من قول رسول الله ﷺ ، يعني: وما من المسلمين أحد إلا له مقام معلوم يوم القيامة على قدر عمله، من قوله تعالى: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثُكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. ثم ذكر أعمالهم وأنهم هم الذين يصطفون في الصلاة يسبحون الله وينزهونه مما يضيف إليه من لا يعرفه مما لا يجوز عليه. [﴿وإن كَانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ الأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ * فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ١٦٧ - ١٧٠] هم مشركو قريش كانوا يقولون: ﴿لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا﴾ أي: كتابًا ﴿مِنَ﴾ كتب ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، لأخلصنا العبادة لله، ولما كذبنا كما كذبوا، ولا خالفنا كما خالفوا، فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو معجز من بين الكتب، فكفروا به، ونحوه ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢]، فسوف يعلمون مغبة تكذيبهم وما يحل بهم من الانتقام. و ﴿إِن﴾ هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة؛ وفي ذلك أنهم كانوا يقولونه مؤكدين للقول جادين فيه، فكم بين أول أمرهم وآخره! [﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ * إنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ * وإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ﴾ ١٧١ - ١٧٣] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هو من قول رسول الله ﷺ وعلى هذا يكون قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ اعترضًا، وكلام الرسول ﷺ استطرادًا؛ لأنه تعالى لما أمر رسوله ﷺ بالاستفتاء عن وجه تلك القسمة الضيزى التي قسموها بقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ البَنَاتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ وبالإنكار البليغ واستجهال النفوس واستركاك العقول سخطًا عليهم وغضبًا على تلك المقالة الشنيعة أتى بما دل على ضد ذلك من معنى الرضا عن المؤمنين لأجل أعمالهم الصالحة من الصلاة في الجماعات، وتسبيح الله وتنزيهه عما أضاف إليه الكفرة.

стр. 7085

الكلمة: قوله: ﴿إنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ * وإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ﴾، وإنما سماها كلمة وهي كلمات عدة؛ لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت حكم كلمة مفردة. وقرئ: (كلماتنا). والمراد الموعد بعلوهم على عدوهم في مقام الحجاج وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ [البقرة: ٢١٢]، ولا يلزم انهزامهم في بعض المشاهد، وما جرى عليهم من القتل؛ فإن الغلبة كانت لهم يحتذى عليها وعبرًا يعتبر بها. وعن الحسن ﵀: ما غلب نبي في حرب ولا قيل فيها. ولأن قاعدة أمرهم وأساسه والغالب منه: الظفر والنصرة وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة، والحكم للغالب. وعن ابن عباس ﵄: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة. وفي قراءة ابن مسعود: (على عبادنا)، على تضمين ﴿سبقت﴾ معنى حقت. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الكلمة: قوله ﴿إنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ * وإنَّ جُندَنَا﴾)، الراغب: يقال للعسكر: الجند اعتبارًا بالغلظة من الجند أي: الأرض الغليظة التي فيها حجارة، ثم يقال لكل مجتمع: جند، نحو"الأرواح جنود مجندة" والجمع: أجناد وجنود. قال الله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ [الأحزاب: ٩]. قوله: (كانت في حكم كلمة مفردة) عن بعضهم: نظير "الكلمة"، "الثمرة" يقال: باع فلان ثمرة بستانه، وإن كانت ثمرات، ويقال للقرية: مدرة؛ لأنها لما اجتمعت وتضامت صارت في حكم شيء واحد.

стр. 7086

[﴿فتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ * وأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ١٧٤ - ١٧٥] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: فأعرض عنهم وأغض على أذاهم ﴿حَتَّى حِينٍ﴾: إلى مدة يسيرة؛ وهي مدة الكف عن القتال. وعن السدي: إلى يوم بدر. وقيل: الموت. وقيل: إلى يوم القيامة. ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ وما يقتضى عليهم من الأسر والقتل والعذاب في الآخرة، فسوف يبصرونك، وما يقضى لك من النصرة والتأييد والثواب في العاقبة. والمراد بالأمر بإربصارهم على الحال المنتظرة الموعودة: الدلالة على أنها كائنة واقعة لا محالة، وأن كينونتها قريبة كأنها قدام ناظريك. وفي ذلك تسلية له وتنفيس عنه. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ للوعيد كما سلف، لا للتبعيد. [﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنذَرِينَ (١٧٧) وتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ١٧٦ - ١٧٩] مثل العذاب النازل بهم بعد ما أنذروه فأنكروه بجيش أنذر بهجومه قومه بعض بصاحهم فلم يلتفتوا إلى إنذاره، ولا أخذوا أهبتهم، ولا دبروا أمرهم تدبيرًا ينجيهم، حتى أناخ بفنائهم بغتة، فشن عليهم الغارة وقطع دابرهم، وكانت عادة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الدلالة على أنها كائنة) يعني: إنما أمر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه بقوله: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ والمبصر منتظر بعد، للدلالة على أن وعد الله الآتي بمنزلة الكائن استحضارًا لتلك الحالة الآتية، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]. قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ للوعيد كما سلف)، يعني: قوله: " ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ وما يقضى عليهم من الأسر" إلى قوله: "وما يقضى لك من النصرة والتأييد والثواب في العاقبة" لا للتعبيد، كما تقول: سوف أنتقم منك، وأنت متهيئ للانتقام. قوله: (فشن عليهم الغارة) شن الماء على الشراب: فرقه عليه، ومنه قيل: شن عليهم الغارة وأشن، إذا فرقها عليهم من كل وجه.

стр. 7087

مغاويرهم أن يغيروا صباحًا، فسميت الغارة "صباحًا"، وإن وقعت في آخر. وما فصحت هذه الآية، ولا كانت لها الروعة التي تحس بها ويروقك تواردها على نفسك وطبعك، إلا لمجيئها على طريقة التمثيل. وقرأ ابن مسعود: (فبئس صباح). وقرئ: (نزل بساحتهم) على إسناده إلى الجار والمجرور، كقولك: ذهب بزيد، و (نزل) على: ونزل العذاب. والمعنى: فساء صباح المنذرين صباحهم. واللام في ﴿الْمُنذِرِينَ﴾ مبهم في جنس من أنذروا؛ لأن "ساء" و"بئس" يقتضيان ذلك. وقيل: هو نزول رسول الله ﷺ يوم الفتح بمكة. وعن أنس ﵁: لما أتى رسول الله ﷺ خيبر وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم المساحي، قالوا: محمد والخميس، ورجعوا إلى حصنهم. فقال ﵇: "الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين". وإنما ثني ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مغاويرهم) جمع مغوار، وهو كثير الغارة. الجوهري: رجل مغوار ومغاور، أي: مقاتل، وقوم مغاوير، وخيل مغيرة. قوله: (واللام في ﴿الْمُنذِرِينَ﴾ مبهم في جنس من أنذروا) ولا يجوز أن يكون للعهد؛ لأن أفعال المدح والذم تقتضي الشيوع للإبهام والتفصيل. لا يجوز أن تقول: بئس الرجل هذا، ونعم الرجل هذا، إذا أردت رجلًا بعينه. قوله: (وعن أنس: لما أتى رسول الله ﷺ ، الحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عنه مع زيادات، وهذه الرواية مختصر منه. النهاية: الخميس: الجيش، سمي به لأنه مقسوم خمسة أقسام: المقدمة، والساقة، والميمنة، والميسرة، والقلب. وقيل: لأنه تخمس فيه الغنائم. و"محمد" خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا محمد صلوات الله عليه.

стр. 7088

﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾؛ ليكون تسلية على تسلية، وتأكيدًا لوقع الميعاد إلى تأكيد. وفيه فائدة زائدة؛ وهي إطلاق الفعلين معًا عن التقييد بالمفعول، وأنه يبصر وهم يبصرون ما لا يحيط به الذكر من صنوف المسرة وأنواع المساءة. وقيل: أريد بأحدهما عذاب الدنيا، وبالآخر عذاب الآخرة. [﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وسَلامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ * والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ١٨٠ - ١٨٢] أضيف الرب إلى العزة؛ لا ختصاصه بها، كأنه قيل: ذو العزة، كما تقول: صاحب صدق؛ لا ختصاصة بالصدق. ويجوز أن يراد أنه ما من عزة لأحد من الملوك وغيرهم إلا وهو ربها ومالكها، كقوله تعالى: ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]. اشتملت السورة على ذكر ما قاله المشركون في الله ونسبوا إليه مما هو منزه عنه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهي إطلاق الفعلين) وهما في قوله ﴿وأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾، أي: انتظر حتى ترى ويرون. قوله: (كما تقول: "صاحب صدق" لا ختصاصه بالصدق) قال في قوله تعالى: ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الانعام: ٩٣]: "أضاف العذاب إليه، كقوله: رجل سوء، يريد العراقة في الهوان والتمكن فيه"، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، وهي مصدر نحو، رجل عدل، فإذا تجسم من الصدق فلا يكون شيئًا غيره، فيلزم أن يكون مختصًا به، وإليه الإشارة بقوله: "لاختصاصه به"، ويجوز أن تكون الإضافه بمعنى اللام، كقوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿رَبِّ الْعَرْشِ﴾ [الزخرف: ٨٢] والتعريف في "العزة" للجنس، فإذا كان مالك جنس العزة هو الله فلا يكون أحد معتزًا إلا به، وإليه الإشارة بقوله: "ما من عزة لأحد من الملوك وغيرهم إلا هو ربها ومالكها".

стр. 7089

وما عاناه المرسلون من جهتهم، وما خولوه في العاقبة من النصرة عليهم؛ فختمها بجوامع ذلك من تنزيه ذاته عما وصفه به المشركون، والتسليم على المرسلين، ﴿والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ على ما قيض لهم من حسن العواقب، والغرض تعليم المؤمنين أن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وما عاناه)، الجوهري: المعاناة: المقاساة، يقال: عاناه وتعناه وتعنى. قوله: (قيض لهم)، الجوهري: قيض الله فلانا لفلان، أي: جاءه به وأباحه له. قوله: (والغرض تعليم المؤمنين) يريد أن هذه الآية لما كانت خاتمة لما تضمنته السورة من تخاليط المشركين وتكاذبهم ونسبتهم إلى جلاله الأقدس ما لا يليق بجنابه، ومن فرطاتهم مع أنبيائه والصالحين من عباده وتجرعهم الغصص، ومن وخامة حالة المكذبين وحسن عاقبة المرسلين، وفذلكة لذلك التفصيل كانت أيضًا تعليمًا للمؤمنين؛ لأنه لا يخلو كل مقام يجلس فيه الإنسان من فلتات وهفوات ومن كلمات فيها رضي الله وسخطه، فالواجب على المؤمن إذا قام من مجلسه أن يتلو هذه الآية لتكون مكفرة لتلك السقطات ومحمدةً لما وفق من الطيبات، ومن ثم قال صلوات الله وسلامه عليه: "كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير ومجلس ذكر إلا ختم له بهن عليه كما يختم بخاتم على الصحيفة: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك". أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو. وأخرج النسائي عن عائشة ﵂ قالت: "إن رسول الله ﷺ إذا جلس مجلسًا أو صلى تكلم بكلمات، فسألت عائشة عن الكلمات، فقال: إن تكلم بخير كان طابعًا عليهن إلى يوم القيامة، وإن تكلم بشر كانت كفارةً له: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".

стр. 7090

يقولوا ذلك، ولا يخلوا به، ولا يغفلوا عن مضمنات كتابه الكريم، ومودعات قرآنه المجيد. وعن علي ﵁: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ إلى آخر السورة. عن رسول الله ﷺ : "من قرأ ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل جني وشيطان، وتباعدت عنه مردة الشياطين، وبرئ من الشرك، وشهد له حافظاه يوم القيامة أنه كان مؤمنًا بالمرسلين". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا يغفلوا عن مضمنات كتابه الكريم)، يعني: كما وقفتم على هذه الخاتمة وتضمنها لهذا المطلب الشريف كذلك سائر كتابه الكريم مودع تحت كل كلمة منه أسرار دقيقة وإشارات وتلويحات، فلا تغفلوا عنها. رزقنا الله بفضله العميم التوفيق للعمل بما فيه كما يرضيه، ووفقنا بكرمه الجسيم للاطلاع على تلك الأسرار، إنه هو البر الرحيم. تمت السورة حامدًا ومصليًا على رسوله. * * *

стр. 7091

سورة ص مكية، وهي ست وثمانون، وقيل: ثمان وثمانون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [﴿ص والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وشِقَاقٍ﴾ ١ - ٢] (صاد) على الوقف، وهي أكثر القراءة، وقرئ بالكسر والفتح؛ لالتقاء الساكنين، ويجوز أن ينتصب بحذف حرف القسم وإيصال فعله، كقولهم: الله لأفعلن، بالنصب، أو بإضمار حرف القسم، والفتح في موضع الجر، كقولهم: الله لأفعلن، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة ص مكية، وهي ست وثمانون آية، وقيل: ثمان وثمانون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (وقرئ بالكسر والفتح)، قال الإمام: قرأ الحسن: بكسر الدال لالتقاء الساكنين، وعيسى بن عمر: بنصبها وبحذف حرف القسم وإيصال فعله، كقولهم: "الله لأفعلن"، وأكثر القراء على الةقف؛ لأن الأسماء العارية عن العوامل تذكر موقوفة الأواخر. قوله: (أو بإضمار حرف القسم)، عطف على قوله: "بحذف حرف القسم"، والفرق

стр. 7092

بالجر، وامتناع الصرف للتعريف والتأنيث؛ لأنها بمعنى السورة، وقد صرفها من قرأ: (صاد) بالجر والتنوين على تأويل الكتاب والتنزيل. وقيل فيمن كسر: هو من المصاداة؛ وهي المعارضة والمعادلة، ومنها الصدى؛ وهو ما يعارض الصوت في الأماكن الخالية من الأجسام الصلبة، ومعناه: عارض القرآن بعملك فاعمل بأوامره وانته عن نواهيه. فإن قلت: قوله: ﴿ص والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بين الحذف والإضمار: أن المحذوف متروك أصلًا فلا يكون فيما يقوم مقامه أثر منه، والمضمر بخلافه. روي عن المصنف: "أقسمت" يعمل في اسم "الله" بواسطة الباء إذا كسرت، وإذا فتحت فقد حذفت وصار " أقسمت" عاملًا في الاسم من غير واسطة. فإن قلت: هذا يخالف ما سبق في "البقرة" أن انتصابها بفعل مضمر نحو: "اذكر"، لا أنه مقسم بها، وانتصب قولهم: "الله لأفعلن" على حذف حرف الجر، إلى آخر السؤال، ويمكن أن يقال: إن المصنف قفا ها هنا أثر الزجاج، فإنه قال: وقيل: إنها قسم، و ﴿والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ عطف عليها، المعنى: أقسم بصاد والقرآن ذي الذكر. تم كلامه. ولأنه لم يمنع الجواز هناك ولكن ذكر ما لزم منه الاستكراه، بل ذكر ما يدل على أن هذا أيضًا وجه حيث قال: والأوجه أن يقال: ذاك نصب. قوله: (وقيل فيمن كسر: هو من المصاداة)، قال ابن جني: المأثور عن الحسن: بكسر الدال من المصاداة، أي: عارض عملك بالقرآن. قال أبو علي: هو فاعل من الصدى، وليس فيه أكثر من جعل "الواو" بمعنى الباء في غير القسم. وقال الزجاج: المعنى: صاد القرآن بعملك، من قولك: صادى يصادي؛ إذا قابل وعادل، يقال: صاديته؛ بمعنى: قابلته.

стр. 7093

عِزَّةٍ وشِقَاقٍ﴾ كلام ظاهره متنافر غير منتظم، فما وجه انتظامه؟ قلت: فيه وجهان؛ أحدهما: أن يكون قد ذكر اسم هذا الحرف من حروف المعجم على سبيل التحدي والتنبيه على الإعجاز، كما مر في أول الكتاب، ثم أتبعه القسم محذوف الجواب؛ لدلالة التحدي عليه، كأنه قال: ﴿ص والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إنه لكلام معجز. والثاني: أن يكون ﴿ص﴾ خبر مبتدأ محذوف، على أنها اسم للسورة، كأنه قال: هذه صاد، يعني: هذه السورة التي أعجزت العرب والقرآن ذي الذكر، كما تقول: هذا حاتم والله، تريد: هذا هو المشهور بالسخاء والله؛ وكذلك إذا أقسم بها كأنه قال: أقسمت بـ ﴿ص والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إنه لمعجز، ثم قال: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وشِقَاقٍ﴾ واستكبار عن الإذعان لذلك والاعتراف بالحق، و ﴿شِقَاقٍ﴾ لله ورسوله، وإذا جعلتها مقسمًا بها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ظاهره متنافر غير متنظم)، يعني: لم يذكر المقسم عليه ملم يبين المضرب عنه. وفي كلامه سوء أدب، ولذلك قال الإمام: وفيه إشكالان: أحدهما: أن هنا مقسما به وليس له مقسم عليه، وثانيهما: ﴿بَلِ يقتضي رفع حكم ثبت وإثبات ما يناقضه، فأين ذلك هنا؟ قوله: (وكذلك إذا أقسم بها)، أي: كذلك يكون"صاد" اسما للسورة. وحاصل الجواب: أن"صاد" إذا كان تعدادًا للحروف: إما للإيقاظ وقرع العصا، أو تقدمة لدلائل الإعجاز كان ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ إنشاء قسم والجواب محذوف. وإذا كان اسمًا للسورة: إما أن يكون خبر مبتدأ محذوف أو مقسم بها، و ﴿بَلِ﴾ اسمًا للحروف أو خبر مبتدأ محذوف، وكان ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ اسمًا للسورة لما يلزم من جعلها اسمًا للسورة وجعل القرآن اسمًا لها عطف الشيء على نفسه فنذهب إما: إلى عطف العام على الخاص أو: إلى الأسلوب التجريدي، والواو متعينة للعطف؛ لئلا يجتمع قسمان على مقسم به واحد كما سبق. قوله: (ثم قال: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وشِقَاقٍ﴾ واستكبار عن الإذعان)، عن بعضهم: هو كما يقال: فلان عفيف جواد، بل قومه استخفوا به.

стр. 7094

وعطفت عليها ﴿والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾؛ جاز لك أن تريد بالقرآن التنزيل كله، وأن تريد السورة بعينها، ومعناه: أقسم بالسورة الشريفة والقرآن ذي الذكر، كما تقول: مررت بالرجل الكريم وبالنسمة المباركة، ولا تريد بالنسمة غير الرجل. والذكر: الشرف والشهرة، من قولك: فلان مذكور، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]؛ أو الذكرى والموعظة، أو ذكر ما يحتاج إليه في الدين من الشرائع وغيرها، كأقاصيص ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: فائدة ﴿بَلِ﴾ ها هنا تصحيح ما قبله وإبطال ما بعده. فإنه دل بقوله: ﴿والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ أن القرآن مقر للتذكير وأن امتناع الكفار من الإصغاء إليه أن ليس موضعًا للذكر بل لتعززهم ومشاقتهم. قوله: (ولا تريد بالنسمة غير الرجل)، فيكون من عطف الشيء على نفسه لكن هو من باب التجريد؛ جرد من الرجل آخر مثله متصف بصفة البركة، وعطفه عليه كأنه غيره وهو هو، قال في قوله تعال: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً﴾ [الأنبياء: ٤٨]، أي آتيناهما الفرقان وهو التوراة وأتينا به ضياء وذكرًا حيث أتى بالباء التجريدية في التفسير نحو: رأيت بك أسدًا. قوله (أو ذكر ما يحتاج إليه في الدين)، الراغب: الذكر تارة يقال ويراد به: هيئة للنفس بها يتمكن الإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة وهو كالحفظ إلا أن الحفظ يقال اعتبارًا بإجرازه، والذكر اعتبارًا باستحضاره. وتارة يقال لحضور الشيء: القلب أو القول، ولذلك قيل: الذكر ذكران: ذكر بالقلب وذكر باللسان، وكل منهما ضربان: ذكر عن نسيان، وذكر لا عن نسيان؛ بل عن إدامة الحفظ، وكل قول يقال له ذكر. فمن الذكر باللسان قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠]، وقوله: ﴿ص والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾، وقوله: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١٠ - ١١]، فقد قيل: الذكر هاهنا وصف للنبي ﷺ كما أن "كلمة" وصف لعيسى ﵇ من حيث إنه ﷺ بشر به في الكتب المتقدمة فيكون قوله: "رسولًا" بدلًا منه.

стр. 7095

الأنبياء والوعد والوعيد. والتنكير في ﴿عِزَّةٍ وشِقَاقٍ﴾؛ للدلالة على شدتهما وتفاقمهما. وقرئ: (في غرة) أي: في غفلة عما يجب عليهم من النظر وأتباع الحق. [﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا ولاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ٣] ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾: وعيد لذوي العزة والشقاق، ﴿فَنَادَوْا﴾: فدعوا واستغاثوا، عن الحسن: (فنادوا بالتوبة). و"لات": هي"لا" المشبهة بـ"ليس"، زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على"رب"، و"ثم" للتوكيد، وتغير بذلك حكمها؛ حيث لم تدخل إلا على الأحيان، ولم يبرز إلا أحد مقتضييها: إما الاسم وإما الخبر، وامتنع بروزهما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومن الذكر عن النسيان: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣]، ومن الذكر بالقلب واللسان معا: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، و ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. قوله: (و"لات": هي لا المشبهة بـ"ليس")، قيل: مذهب البصريين أن "لات" بمعنى: "ليس" والكوفيين أنها لنفي الجنس، وهذا أولى لكثرتها في الاستعمال، وبمعنى: "ليس" إنما يكون في الشعر، فوجب أن يكون يحمل ما في القرآن على الشائع لا على القليل. وحجة البصريين أن تاء التأنيث من خواص الفعل فوجب أن تكن المشبهة بالفعل، وإلحاق التاء في التي لنفي الجنس بعيد. قوله: (لم تدخل إلا على الأحيان)، قيل: إنما اختصت بها لما في دخولها على غيرها من إلباس؛ لأن "لا" ليست لنفي الحال صريحًا فيختص دخولها على الأحيان، بخلاف "ليس" لأنها أينما وقعت؛ وقعت لنفي الحال فلا يختص بالأحيان. قوله: (إلا أحد مقتضييها: إما الاسم وإما الخبر)، على حسب اختلاف القراءتين في ﴿حِينَ﴾: النصب والرفع، فمن نصب فتقديره: "ولات الحين حين مناص"، ومن رفع فتقديره: "ولات حين مناص حاصلًا لهم".

стр. 7096

جيمعًا، وهذا مذهب الخليل وسيبوية. وعند الأخفش: أنها "لا" النافية للجنس، زيدت عليها التاء، وخصت بنفي الأحيان. و ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾ منصوب بها، كأنك قلت: ولا حين مناص لهم. وعنه: أن ما ينتصب بعده بفعل مضمر، أي: ولا أرى حين مناص ويرتفع بالابتداء، أي: ولا حين مناص كائن لهم، وعندهما أن النصب على: ولات الحين حين مناص، أي: وليس الحين حين مناص؛ والرفع على: ولات حين مناص؛ حاصلًا لهم. وقرئ: (حين مناص) بالكسر، ومثله قول أبي زبيد الطائي: طلبوا صلحنا ولات أوان .... فأجبنا أن لات حين بقاء فإن قلت: ما وجه الكسر في "أوان"؟ قلت: شبه بـ"إذ" في قوله: وأنت إذ صحيح ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعندهما)، أي: عند الخليل وسيبويه. قال الزجاج: أما من نصب فعلى أنها عملت عمل"ليس". المعنى: وليس الوقت حين مناص. ومن رفع بها جعل ﴿حِينَ﴾ اسم "ليس" وأضمر الخبر، على معنى: ليس حين منجى لنا، ومن خفض جعلها مبنية مكسورة لالتقاء الساكنين، والمعنى: ليس حين مناصنا، فلما قال: "ولات أوان" جعله على معنى: "ليس أواننا"، فلما حذف المضاف إليه بنى على الوقف ثم كسر لالتقاء الساكنين، والكسر شبيه بالخطأ عند البصريين. قوله: (أن لات حين بقاء) أي: "إبقاء"، وضع "البقاء" موضع "الإبقاء"، كالعطاء يوضع موضع الإعطاء. قوله: (شبه بـ"إذ" في قوله: وأنت إذ صحيح)، أوله في "المطلع": نهيتك عن طلابك أم عمرو .... بعاقبة قبله:

стр. 7097

في أنه زمان قطع منه المضاف إليه وعوض التنوين؛ لأن الأصل: ولات أوان صلح. فإن قلت: فما تقول في ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾ والمضاف إليه قائم؟ قلت: نزل قطع المضاف إليه من مناص- لأن أصله: حين مناصهم- منزلة قطعه من حين؛ لاتخاذ المضاف والمضاف إليه، وجعل تنوينه عوضًا من الضمير المحذوف، ثم بني الحين لكونه مضافًا إلى غير متمكن. وقرئ: (ولات) بكسر التاء على البناء، كجير. فإن قلت: كيف يوقف عليها بالتاء، كما تقف على الفعل الذي تتصل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جمالك أيها القلب الجريح .... ستلقى من تحب فتستريح أي: نهيتك عن طلابك إياها بذكر سوء عاقبة الهوى وأنت إذ ذاك، أي: زمان النهي، صحيح القلب فلم تقبل نصحي، ولم تنته بنهي، فلا حيلة بعده، فحذف ذلك ووضع التنوين موضعه، فكسر المفتوح تشبيها بـ"إذ"؛ لأنه زمان مثله فحذف منه المضاف إليه. قوله: (لكونه مضافًا إلى غير متمكن) قيل: الضمير في"لكونه" راجع إلى "المناص"، لا إلى ﴿حِينَ﴾ ضرورة كون المناص في "مناصهم" مضافًا إلى الضمير وهو غير متمكن، ولك أن تجعل الضمير للحين؛ لأن قطع المضاف إليه كقطع المضاف، وإضافته إلى المبني كإضافته. قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لأن الإضافة إلى المضمر لا توجب بناءه كغلامك، وأما "إذ" فبناؤه لإضافته إلى الجملة فيستبقى بناؤه بعد حذفها. قوله: (كجير) معناه: حقًا، كذا جاءت في كلامهم مكسورًا. قوله: (يوقف عليها بالتاء) قال أبو علي في "الإغفال": ينبغي أن يكون الوقف بالتاء؛ لأنه لا خلاف في أن الوقف على الفعل بالتاء، والحرف أشبه بالفعل منه بالاسم من حيث إن الفعل كان ثانيًا والاسم أولًا، فالحرف أشبه منه بالأول، وأيضًا إذا كانت هذه

стр. 7098

به تاء التأنيث. وأما الكسائي فيقف عليها بالهاء، كما يقف على الأسماء المؤنثة. وأما قول أبي عبيد: إن التاء داخلة على حين: فلا وجه له. واستشهاده بأن التاء ملتزقة بـ"حين" في الإمام: لا متشبث به، فكم وقعت في المصحف أشياء خارجة عن قياس الخط. والمناص: المنجا والفوت، يقال: ناصه ينوصه؛ إذا فاته. واستناص: طلب المناص. قال حارثة بن بدر: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التاء في بعض اللغات تترك تاء في الأسماء كما حكاه سيبويه عن أبي الخطاب وكما أنشده أبو الحسن: بل جوز تيهاء كظهر الحجفت فأن تترك في الحرف ولا تقلب أجدر. قوله: (واستشهاده بأن التاء ملتزقة بـ ﴿حِينَ﴾ في الإمام: لا متشبث به)، وأنشد صاحب "المطلع": العاطفون تحين ما من عاطف .... والمطعمون تحين ما من مطعم قال المصنف: وإنما لم تغير لأنه لو أطلق لأدى إلى أمر عظيم، فربما غيروا ما لا يجوز تغييره.

стр. 7099

غمر الجراء إذا قصرت عنانه .... بيدي استناص ورام جري المسحل [﴿وعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٤ - ٥] ﴿مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾: رسول من أنفسهم، ﴿وقَالَ الكَافِرُونَ﴾ ولم يقل: وقالوا؛ إظهارًا للغضب عليهم، ودلالة على أن هذا القول لا يجسر عليه إلا الكافرون المتوغلون في الكفر، المنهمكون في الغي، الذين قال فيهم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١]، وهل ترى كفرًا أعظم وجهلًا أبلغ من أن يسموا من صدقه الله بوحيه كاذبًا، ويتعجبوا من التوحيد، وهو الحق الذي لا يصح غيره، ولا يتعجبوا من الشرك، وهو الباطل الذي لا وجه لصحته؟ ! روي: أن إسلام عمر ﵁ فرح به المؤمنون فرحًا شديدًا، وشق على قريش، وبلغ منهم، فاجتمع خمسة وعشرون نفسًا من صناديدهم، ومشوا إلى أبي طالب، وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد علمت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (غمر الجراء) البيت، أي: كثير المجاراة، واستناص: طلب النوص، أي: الفوت، و"المسحل" حمار الوحش. يصف فرسًا. الراغب: ناص إلى كذا: التجأ إليه، وناص عنه: ارتد، ينوص نوصًا، والمناص: الملجأ. قوله: (ومشوا إلى أبي طالب)، الحديث من رواية الإمام أحمد بن حنبل والترمذي عن ابن عباس، قال: مرض أبو طالب، فجاءت قريش وجاءه النبي ﷺ وعند أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه من الجلوس فيه، قال: وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي ما تريد من قومك؟ قال: "أريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم العجم الجزية" قال: كلمة واحدة؟ ! فقال: "يا عم قولوا: لا إله إلا الله" فقالوا: إلهًا واحدًا؟ ! ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق، فنزل فيهم القرآن.

стр. 7100

ما فعل هؤلاء السفهاء- يريدون: الذين دخلوا في الإسلام- وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فاستحضر أبو طالب رسول الله ﷺ ، وقال: يا ابن أخي، هؤلاء قومك يسألونك السؤال فلا تمل كل الميل على قومك، فقال رسول الله ﷺ : "ماذا يسألونني؟ " قالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك، فقال ﵇: "أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم أمعطي أنتم كلمةً واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟ " فقالوا: نعم وعشرًا، أي: نعطيكها وعشر كلمات معها، فقال: "قولوا: لا إله إلا الله"، فقاموا، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾؟ ! أي: بليغ في العجب. وقرئ: (عجاب) بالتشديد، كقوله تعالى: ﴿مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح: ٢٢] وهو أبلغ من المخفف، ونظيره: كريم وكرام وكرام. وقوله: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ مثل قوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩] في أن معنى الجعل التصيير في القول على سبيل الدعوى والزعم، كأنه قال: أجعل الجماعة واحدًا في قوله؛ لأن ذلك في الفعل محال. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أجعل الجماعة واحدًا في قوله)، أي: سمى الآلهة إلها واحدًا، فالجعل بمعنى: التصيير في القول، وبمعنى: التسمية؛ لأن هذا المعنى في الفعل محال لا يقدر أحد أن يجعل الجماعة إنسانًا واحدًا. قال الإمام بعدما نقل كلام المصنف، أقول: إن منشأ التعجب من وجهين: أحدهما: أن القوم ما كانوا أصحاب نظر واستدلال، بل كانت أوهامهم تابعةً للمحسوسات، فلما وجدوا في الشاهد أن الفاعل الواحد لا يفي قدرته وعلمه بحفظ الخلائق، قاسوا الغائب على الشاهد، فكذلك المجسمة فإنهم يقولون: لما كان كل موجود في الشاهد يجب أن يكون جسمًا متحيزًا يجب في الغائب، وكذا قول المعتزلة فإنهم يقولون: إن الأمر الفلاني قبيح منا فيجب أن يكون قبيحًا من الله تعالى. والثاني. أن أسلافهم لكثرتهم وقوة عقولهم كانوا مطبقين في الشرك، توهموا أن كونهم

стр. 7101

[﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرادُ * ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ ٦ - ٧] ﴿الْمَلَأُ﴾: أشرف قريش، يريد: وانطلقوا عن مجلس أبي طالب بعدما بكتهم رسول الله ﷺ بالجواب العتيد، قائلين بعضهم لبعض: ﴿امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ فلا حيلة لكم في دفع أمر محمد، ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الأمر ﴿لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ أي: يريده الله تعالى ويحكم بإمضائه، وما أراد الله كونه فلا مرد له، ولا ينفع فيه إلا الصبر، أو: إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر يراد بنا، فلا انفكاك لنا منه، أو إن دينكم لشيء يراد، أي: يطلب ليؤخذ منكم وتغلبوا عليه. و ﴿أَنْ﴾ بمعنى أي: لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما جرى لهم، فكان انطلاقهم مضمنا معنى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على هذه الحال محال أن يكونوا مبطلين ويكون الإنسان الواحد محقا، فلعمري لو كان التقليد حقا لكانت هذه الشبهة لازمة. قوله: (أو إن دينكم لشيء يراد)، تبعه الإمام في الوجود الثلاثة. فإن قيل: مقتضى النظم أن يكون المشار إليه المشي والصبر على آلهتهم، أي: هذا هو المطلوب الآن، ومن ثم عقبوه بقوله: ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ إذا لو قيل: إن هذا لشيء يريده الله تعالى ويحكم بإمضائه لم يستقم ﴿إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾؟ أجيب: أن هذا القول صدر عنهم من الحسد، كما نص عليه المصنف، ألا يرى كيف أردفوه بقوله: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا﴾ أي: القرآن؛ لأن القوم معاندة. قوله: (وتغلبوا عليه)، الأساس: غلبته على الشيء: أخذته منه، وهو مغلوب عليه. ويقال: أيغلب أحدكم أن يصاحب الناس معروفًا؟ أي: أيعجز؟ قوله: (لأن المنطلقين عن مجلس التقاول) يعني: الواجب أن يجعل ﴿أَنْ﴾ مفسرة؛ لأن ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ متضمن لمعنى القول على العادة المألوفة، وإنما قلنا: المألوفة؛

стр. 7102

القول. يجوز أن يراد بالانطلاق: الاندفاع في القول، وأنهم قالوا: امشوا، أي: اكثروا واجتمعوا، من: مشت المرأة؛ إذا كثرت ولادتها، ومنه: الماشية؛ للتفؤل، كما قيل لها: الفاشية، قال رسول الله ﷺ : "ضموا فواشيكم". ومعنى ﴿وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾: واصبروا على عبادتها والتمسك بها؛ حتى لا تزالوا عنها. وقرئ: (وانطلق الملأ منهم امشوا) بغير ﴿أَنِ﴾ على إضمار القول. وعن ابن مسعود: (وانطلق الملأ منهم يمشون أن اصبروا). ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾: في ملة عيسى التي هي آخر الملل؛ لأن النصارى يدعونها وهم مثلثة غير موحدة. أو: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا. أو: ما سمعنا بهذا كائنا في الملة الآخرة، على أن يجعل ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ حالًا من ﴿هَذَا﴾، ولا يعلقه بـ ﴿مَا سَمِعْنَا﴾ كما في الوجهين. والمعنى: أنا لم نسمع من أهل الكتاب ولا من الكهان أنه يحدث في الملة الآخرة توحيد الله. ما ﴿هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ أي: افتعال وكذب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ليعلم أن ليس المراد أن"انطلق" متضمن معنى القول، نحو "إني أحمد إليك فلانًا"، ولا يجوز أيضًا أن يقدر القول بأن يقال: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ قائلين: أن امشوا؛ لأن ﴿أَن﴾ المفسرة دافعة لذلك. قال المصنف في قوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ١١٧]: أما فعل القول فيحكى بعده الكلام من غير أن يوسط بينهما حرف التفسير، لا نقول: ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله، ولكن ما قلت لهم إلا اعبدوا الله. وقلت: لأن المفسرة تقتضي سبق المبهم لتوضحه وتبين أن المعني به القول، والقول لا يفتقر إلى البيان. قوله: (كما في الوجهين)، يعني: الظرف كان معلقًا بقوله: ﴿سَمِعْنَا﴾ على أن يراد بالملة الآخرة ملة عيسى، أو قريش على أن يراد بها الملة المتجددة، وهي: ما جاء بها رسول الله ﷺ ، يكون حالًا من اسم الإشارة أي: ما سمعنا أن يتجدد مثل هذه في الملة الآخرة؛ لأن الظرف حينئذ مستقر وبيان لاسم الإشارة وعلى الأولين كان لغوًا.

стр. 7103

[﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ * أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ * جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ﴾ ٨ - ١١] أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم ورؤسائهم وينزل عليه الكتاب من بينهم، كما قالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، وهذا الإنكار ترجمة عما كانت تغلي به صدورهم من الحسد على ما أوتي من شرف النبوة من بينهم. ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ﴾ من القرآن، يقولون في أنفسهم: إما وإما. وقولهم: ﴿إنْ هَذَا إلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ كلام مخالف لاعتقادهم فيه يقولونه على سبيل الحسد. ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ بعد، فإذا ذاقوه زال عنهم ما بهم من الشك والحسد حينئذ، يعني: أنهم لا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فإذا ذاقوه زال عنهم ما بهم من الشك والحسد)، يريد أن الاضراب الثاني متعلق بالكلامين بمعنى: لما وبخهم أولًا على ما بهم من الحسد وما تغلي به صدورهم على رسول الله ﷺ بما اختص بشرف النبوة من بينهم، ثم على الشك فيما لا شك فيه ولا يحوم حوله، جاء بتوبيخ أغلط منهما أي: بل لم يذوقوا عذابي بعد، وإذا ذاقوه زال عنهم ما بهم من الحسد والشك. والظاهر أن قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ متصل بفاتحة السورة، أي: بـ ﴿ص والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾؛ لأنهما حديثان في الذكر. ومن قوله: ﴿وعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ﴾ إلى ههنا حديث في النبوة، فيكون ﴿بَلِ﴾ إضرابًا عما أثبت في الإضراب السابق كأنه لما قيل: أقسمت بـ ﴿ص والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾، أن صدقه ظاهر وحقيقته مكشوف ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾: في عناد واستكبار عن الإذعان لذلك، وفي شقاق لله ولرسوله، ثم عقب بقوله: ﴿وعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ مستطردًا، وبين تعجبهم بقوله: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ بناء على التقليد، ثم بقوله: ﴿أَؤُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ بناء على الحسد، فهم من ذلك: أنهم مترددون في أنفسهم في أن القرآن: إما حق وإما باطل كما قال: يقولون في أنفسهم: إما وإما، فحين نظروا إلى نظمه وإعجازه قالوا: حق، وحين نظروا إلى التقليد إلى أنهم أحق به منه قالوا: هو باطل، فأضرب الله تعالى عن إثبات العزة والشقاق بقوله:

стр. 7104

يصدقون به إلا يمسهم العذاب مضطرين إلى تصديقه. ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ يعني: ما هم بمالكي خزائن الرحمة حتى يصيبوا بها من شاؤوا ويصرفوها عمن شاؤوا، ويتخيروا للنبوة بعض صناديدهم، ويترفعوا بها عن محمد ﵇. وإنما الذي يملك الرحمة وخزانها العزيز القاهر على خلقه، الوهاب الكثير المواهب المصيب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾، وحين كان بناء الشك على شبهة ركيكة ومقدمة واهية لا تقاوم ذلك اليقين، أضرب عنه بقوله: ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾.ثم جيء بإضراب آخر على أسلوب غير الأول وهو قوله: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾. وقال الزجاج: وجه اتصال ﴿أَمْ﴾ عندهم بقوله: ﴿أَؤُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ هو: أنهم لما حسدوا النبي ﷺ بما آتاه الله من فضل النبوة أعلم الله تعالى أن الملك له، والرسالة إليه يصطفي من يشاء ويؤتي الملك من يشاء وينزل الرحمة على من يشاء. وقلت: إلى معنى هذا الترقي ينظر قول من قال: ألا قل لمن ظل لي حاسدًا .... أتدري على من أسات الأدب؟ أسأءت على الله في حكمه .... لأنك لم ترض لي ما وهب قوله: (ويترفعوا بها عن محمد صلوات الله عليه)، الجوهري: الرفع: خلاف الوضع، رفعته فارتفع، ورفع رفعة، أي: ارتفع قدره. قوله: (العزيز القاهر على خلقه)، المتصرف في ملكه كيف يشاء، ليس لأحد أن يمنعه من ذلك يهب لمن يشاء ما يشاء، ولذلك أردف بقوله: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَوَاتِ﴾. وأما معنى المبالغة في ﴿الْوَهَّابِ﴾: فراجع إلى خطر الموهبة وعظمها، وهي: النبوة. هذا أنسب مما قال: " ﴿الْوَهَّابِ﴾: الكثير المواهب" إلى آخره. وفيه: أن النبوة ليست بمكتسبة، بل هي موهبة ربانية يختص بها من يشاء من عباده، وأن يقسمها على ما تقتضيه حكمته وعدالته اعتزال خفي.

стр. 7105

بها مواقعها، الذي يقسمها على ما تقتضيه حكمته وعدله، كما قال ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا﴾ [الزخرف: ٣٢]، ثم رشح هذا المعنى فقال: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ حتى يتكلموا في الأمور الربانية والتدابير الإلهية التي يختص بها رب العزة والكبرياء؟ ! ثم تهكم بهم غاية التهكم فقال: فإن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق والتصرف في قسمة الرحمة، وكانت عندهم الحكمة التي يميزون بها بين من هو حقيق بإيتاء النبوة دون من لا تحق له ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ﴾: فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوصل بها إلى العرش، حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم وملكوت الله، وينزلوا الوحي إلى من يختارون ويستصوبون، ثم خسأهم خسأة عن ذلك بقوله: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الأَحْزَابِ﴾ يريد: ما هم إلا جند من الكفار ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ثم رشح)، أي: ربي، الجوهري: فلان يرشح للوزارة، أي: يربي ويؤهل لها، ومنه الترشيح في الاستعارة. وخلاصته: أنه ترقى من لإضراب الأول وتمم ما أفاده من المبالغة، فإن قوله: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهَّابِ﴾ أفاد تقريرًا بأن الله العزيز الوهاب وضع عندهم خزائنه وأمرهم أن يقسموها على من أرادوا، فإن قوله: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ﴾ دل على: اتصافهم بصفة الربوبية واستقلالهم بالمالكية تهكمًا، انظر إلى هذا التغليظ في شأن الحاسد وحسده. قوله: (فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوصل بها إلى العرش حتى يستووا عليه)، الانتصاف: الاستواء المنسوب إلى الله ليس مما يتوصل إليه بالصعود في المعارج، فليس استواؤه اسقرارًا، بل لما خلق الله الخلق فعل فيه فعلًا سماه استواء، وعبارة الزمخشري ها هنا ليست بجتدة. وقلت: ما أحسن عبارته لو تأمل فيه! قوله: (ما هم إلا جند من الكفار)، هذا يشعر بأن ﴿مَا﴾ مزيدة، والتنكير للتفخيم، وفيها معنى الاستعظام، لكن حاصل الكلام ودلالة المقام مؤذنان بالتحقير، وإليه الإشارة

стр. 7106

المتحزبين على رسل الله مهزوم مكسور عما قريب، فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث لما به يهذون. و ﴿مَّا﴾ مزيدة، وفيها معنى الاستعظام، كما في قول امرئ القيس: وحديث ما على قصره إلا أنه على سبيل الهزء. و ﴿هُنَالِكَ﴾ إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم، من قولهم لمن ينتدب لأمر ليس من أهله: لست هنالك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بقوله: "إلا أنه على سبيل الهزء" قال أبو البقاء: قوله تعالى: ﴿جُندٌ﴾ مبتدأ، و ﴿مَّا﴾ مزيدة، و ﴿هُنَالِكَ﴾ نعت، و ﴿مَهْزُومٌ﴾ الخبر. ويجوز أن يكون ﴿هُنَالِكَ﴾ ظرفًا لـ ﴿مَهْزُومٌ﴾، و ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ يجوز أن يكون نعتًا لـ ﴿جُندٌ﴾ وأن يتعلق بـ ﴿مَهْزُومٌ﴾، وأن يكون نعتًا لـ ﴿مَهْزُومٌ﴾. قوله: (وحديث ما على قصره)، أي: حديث عظيم على قصره، وهو مستشهد للاستعظام، وفي بعض الحواشي عن المنصف: أوله: وحديث الركب يوم هنا يريد اليوم الأول. قال الأصمعي: يوم معروف وما حسبوا، أي: هو لنا سار على قصره، كأنه قال: وحديث، أي: حديث يعمني بالحسن، ولو حذف ﴿مَّا﴾ اختل هذا المعنى، والتنكير وإن أفاد تعظيمًا لكن الشياع المستفاد من ﴿ … ﴾ كالنص على هذا المعنى. قوله: (من الانتداب)، الأساس: تكلم فانتدب له فلان؛ إذا عارضه، وندب لكذا، أو إلى كذا، فانتدب له. قوله: (لست هنالك)، أي: ليس هذا مما يليق بأمثالك؛ لأنك أحط منزلة من أن

стр. 7107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تباشره. ومنه حديث الشفاعة في الصحيحين وقول الأنبياء: "لست هناكم" ومنه حديث النبيذ: "تعدي طوره"، أي: جاوز حده وحاله الذي يخصه. ذكره صاحب"النهاية" فظهر أن ﴿هُنَالِكَ﴾ هنا كناية عن تحقير شأنهم، ولهذا قال: ﴿هُنَالِكَ﴾ إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانيداب لمثل ذلك القول العظيم، يعني: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، والذي يستدعي هذا التفسير مراعاة النظم؛ لأن قولهم ذلك اقتضى أن يقال فيهم: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ وأن يرفع من قدرهم إلى أوج أعلى عليين تهكما ثم يحط إلى حضيض أسفل السافلين استخفافًا، وعلى الأول الإشارة بقوله: "يتوصل بها إلى العرش حتى يستووا عليه" وإلى الثاني بقوله: "ثم خسأهم خسأةً"، أي: زجرهم زجر الكلب. فإن قلت: قوله: (﴿هُنَالِكَ﴾ إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم" كيف يلتئم مع قوله: "ما هم إلا جند من الكفار المتجرئين على رسول الله مهزوم مكسور عما قريب"، وكان الهزم والكسر يوم بدر، وذلك يقتضي أن يكون المشار إليه يوم بدر، على أن المفسرين صرحوا به؟ قال الواحدي: المشار إليه بقوله ﴿هُنَالِكَ﴾: يوم بدر ومصارعهم. وقال الإمام: قيل: يوم بدر، وقيل: يوم الخندق. والأصوب عندي: يوم فتح مكة؛ لأنهم حينئذ انهزموا في موضع تكلموا فيه بهذه الكلمات. قلت: إلالتئام على تأويله سهل؛ لأنه قال: هؤلاء الحمقى الذين وضعوا أنفسهم فيما هم ليسوا من أهله تراهم مهزومين مكسورين عن قريب، فمن أين لهم التدابير الإلهية والتصرف في الأمور الربانية؟ ! ولا تكترث بقولهم ولا تبال بهم، فجعل الانتداب لمثل ذلك القول علة للهزم لا ينافي إرادة الهزم يوم بدر مثلًا.

стр. 7108

[﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ * وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ * إن كُلٌّ إلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ * ومَا يَنظُرُ هَؤُلاءِ إلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ ١٢ - ١٥] ﴿ذُو الأَوْتَادِ﴾ أصله من ثبات البيت المطنب بأوتاده، قال: والبيت لا يبتنى إلا على عمد .... ولا عمادً إذا لم ترس أوتاد فاستعير لثبات العز والملك واستقامة الأمر، كما قال الأسود: في ظل ملك ثابت الأوتاد وقيل: كان يشبح المعذب بين أربع سوار: طرف من أطرافه إلى سارية مضروب فيه وتد من حديد، ويتركه حتى يموت. وقيل: كان يمده بين أربعة أوتاد في الأرض، ويرسل عليه العقارب والحيات. وقيل: كانت له أوتاد وحبال يلعب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والبيت لا يبتنى)، البيت، "لم ترس": لم تثبت، وكل ثابت فهو راس. قوله: (في ظل ملك ثابت الأوتاد)، قبله: ماذا أؤمل بعد آل محرق .... تركوا منازلهم وآل إياد؟ جرت الرياح على مقر ديارهم .... فكأنهم كانوا على ميعاد ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة .... في ظل ملك ثابت الأوتاد فإذا النعيم وكل ما يلهى به .... يومًا يصير إلى بلًى ونفاد "غنوا" أي: أقاموا. قوله: (يشبح المعذب)، الأساس: شبح الإهاب: مده بين الأوتاد، وشبحه بين العقابين.

стр. 7109

بها بين يديه. ﴿أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ﴾: قصد بهذه الإشارة الإعلام بأن الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هم، وأنهم هم الذين وجد منهم التكذيب. ولقد ذكر تكذيبهم أولًا في الجملة الخبرية على وجه الإبهام، ثم جاء بالجملة الاستثنائية فأوضحه فيها: بأن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل؛ لأنهم إذا كذبوا واحدًا منهم فقد كذبوهم جميعًا. وفي تكرير التكذيب، وإيضاحه بعد إبهامه، والتنويع في تكريره بالجملة الخبرية أولًا وبالاستثنائية ثانيًا، وما في الاستثنائية من الوضع على وجه التوكيد والتخصيص: أنواع من المبالغة المسجلة عليهم باستحقاق أشد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هم هم)، يعني: أن المشار إليه بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ﴾ السابق وهو جنس الأحزاب، يدلك عليه وجوه: أحدها: قوله: "من الكفار المتحزبين على رسل الله"، و"من" للتبعيض. وثانيها: قوله: "ثم جاء بالجملة الاستثنائية فأوضحه بها"، بأن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل. وثالثها: قوله: "ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأحزاب"، أي: الأحزاب المذكورة في قوله تعالى: ﴿قَوْمُ نُوحٍ وعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ * وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ﴾ ولما أن أسماء الإشارة تقتضي أن يكون المشار إليه محسوسًا أو في حكم المحسوس، قال لاستحضارهم بالذكر أو لأنهم كالحضور عند الله. قال صاحب"الانتصاف": كرر لفظ الأحزاب في الموضعين؛ تنبيهًا على أن الأولين والآخرين من واد واحد في التحزب على الأنبياء. قوله: (في الجملة الخبرية)، وهي: ﴿أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ﴾ لم يرد بها الخبرية التي في مقابلة الطلبية؛ لأن الجملة الاستثنائية أيضًا خبرية، بل يراد بها مطلق الإخبار عن المعنى الواقع، فإنه في مقابلة الاستثنائي.

стр. 7110

العقاب وأبلغه. ثم قال: ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾ أي: فوجب لذلك أن أعاقبهم حق عقابهم. ﴿هَؤُلَاءِ﴾: أهل مكة، ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأحزاب؛ لاستحضارهم بالذكر، أو لأنهم كالحضور عند الله. والصيحة: النفخة، ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ - وقرئ بالضم- ما لها من توقف مقدار فواق؛ وهو ما بين حلبتي الحالب ورضعتي الراضع. يعني: إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا القدر من الزمان، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً﴾ [النحل: ٦١] وعن ابن عباس: ما لها من رجوع وترداد، من: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: فوجب لذلك أن أعاقبهم)، يريد أن الفاء في قوله: ﴿إن كُلٌّ إلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ جزاء شرط محذوف، وتقديره: أن هؤلاء الجند المهزوم من أهل مكة هم من جملة الأحزاب، وحكمهم حكمهم في أنهم لما كذبوا الرسل استوجبوا العقاب. قوله: (لاستحضارهم بالذكر)، كما الفرزدق في قوله: أولئك آبائي فجئني بمثلهم .... إذا جمعتنا يا جرير المجامع أحضرهم في مشاهدة جرير، ثم أشار إليهم كما يشار إلى المحسوسين. قوله: (وقرئ بالضم)، حمزة والكسائي: "فواق" بضم الفاء، والباقون: بفتحها. قال محيي السنة: فرق بعضهم بين الفتح والضم، قال الفراء وأبو عبيدة: الفتح بمعنى الراحة والإفاقة، كالجواب من الإجابة، من إفاقة المريض. والضم ما بين الحلبتين، وهو أن تحلب الناقة ثم تترك ساعة حتى يجتمع اللبن ثم تحلب. وقيل أيضًا: هما مستعاران من الرجوع؛ لأن اللبن يعود إلى الضرع بين الحلبتين، وإفاقة المريض رجوعه إلى الصحة، وعليه قول ابن عباس.
следующие страницы →