Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.
стр. 7106
المتحزبين على رسل الله مهزوم مكسور عما قريب، فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث لما به يهذون. و ﴿مَّا﴾ مزيدة، وفيها معنى الاستعظام، كما في قول امرئ القيس:
وحديث ما على قصره
إلا أنه على سبيل الهزء. و ﴿هُنَالِكَ﴾ إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم، من قولهم لمن ينتدب لأمر ليس من أهله: لست هنالك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقوله: "إلا أنه على سبيل الهزء" قال أبو البقاء: قوله تعالى: ﴿جُندٌ﴾ مبتدأ، و ﴿مَّا﴾ مزيدة، و ﴿هُنَالِكَ﴾ نعت، و ﴿مَهْزُومٌ﴾ الخبر. ويجوز أن يكون ﴿هُنَالِكَ﴾ ظرفًا لـ ﴿مَهْزُومٌ﴾، و ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ يجوز أن يكون نعتًا لـ ﴿جُندٌ﴾ وأن يتعلق بـ ﴿مَهْزُومٌ﴾، وأن يكون نعتًا لـ ﴿مَهْزُومٌ﴾.
قوله: (وحديث ما على قصره)، أي: حديث عظيم على قصره، وهو مستشهد للاستعظام، وفي بعض الحواشي عن المنصف: أوله:
وحديث الركب يوم هنا
يريد اليوم الأول. قال الأصمعي: يوم معروف وما حسبوا، أي: هو لنا سار على قصره، كأنه قال: وحديث، أي: حديث يعمني بالحسن، ولو حذف ﴿مَّا﴾ اختل هذا المعنى، والتنكير وإن أفاد تعظيمًا لكن الشياع المستفاد من ﴿ … ﴾ كالنص على هذا المعنى.
قوله: (من الانتداب)، الأساس: تكلم فانتدب له فلان؛ إذا عارضه، وندب لكذا، أو إلى كذا، فانتدب له.
قوله: (لست هنالك)، أي: ليس هذا مما يليق بأمثالك؛ لأنك أحط منزلة من أن
стр. 7107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تباشره. ومنه حديث الشفاعة في الصحيحين وقول الأنبياء: "لست هناكم" ومنه حديث النبيذ: "تعدي طوره"، أي: جاوز حده وحاله الذي يخصه. ذكره صاحب"النهاية" فظهر أن ﴿هُنَالِكَ﴾ هنا كناية عن تحقير شأنهم، ولهذا قال: ﴿هُنَالِكَ﴾ إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانيداب لمثل ذلك القول العظيم، يعني: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، والذي يستدعي هذا التفسير مراعاة النظم؛ لأن قولهم ذلك اقتضى أن يقال فيهم: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ وأن يرفع من قدرهم إلى أوج أعلى عليين تهكما ثم يحط إلى حضيض أسفل السافلين استخفافًا، وعلى الأول الإشارة بقوله: "يتوصل بها إلى العرش حتى يستووا عليه" وإلى الثاني بقوله: "ثم خسأهم خسأةً"، أي: زجرهم زجر الكلب.
فإن قلت: قوله: (﴿هُنَالِكَ﴾ إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم" كيف يلتئم مع قوله: "ما هم إلا جند من الكفار المتجرئين على رسول الله مهزوم مكسور عما قريب"، وكان الهزم والكسر يوم بدر، وذلك يقتضي أن يكون المشار إليه يوم بدر، على أن المفسرين صرحوا به؟
قال الواحدي: المشار إليه بقوله ﴿هُنَالِكَ﴾: يوم بدر ومصارعهم. وقال الإمام: قيل: يوم بدر، وقيل: يوم الخندق. والأصوب عندي: يوم فتح مكة؛ لأنهم حينئذ انهزموا في موضع تكلموا فيه بهذه الكلمات.
قلت: إلالتئام على تأويله سهل؛ لأنه قال: هؤلاء الحمقى الذين وضعوا أنفسهم فيما هم ليسوا من أهله تراهم مهزومين مكسورين عن قريب، فمن أين لهم التدابير الإلهية والتصرف في الأمور الربانية؟ ! ولا تكترث بقولهم ولا تبال بهم، فجعل الانتداب لمثل ذلك القول علة للهزم لا ينافي إرادة الهزم يوم بدر مثلًا.
стр. 7108
[﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ * وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ * إن كُلٌّ إلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ * ومَا يَنظُرُ هَؤُلاءِ إلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ ١٢ - ١٥]
﴿ذُو الأَوْتَادِ﴾ أصله من ثبات البيت المطنب بأوتاده، قال:
والبيت لا يبتنى إلا على عمد .... ولا عمادً إذا لم ترس أوتاد
فاستعير لثبات العز والملك واستقامة الأمر، كما قال الأسود:
في ظل ملك ثابت الأوتاد
وقيل: كان يشبح المعذب بين أربع سوار: طرف من أطرافه إلى سارية مضروب فيه وتد من حديد، ويتركه حتى يموت. وقيل: كان يمده بين أربعة أوتاد في الأرض، ويرسل عليه العقارب والحيات. وقيل: كانت له أوتاد وحبال يلعب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والبيت لا يبتنى)، البيت، "لم ترس": لم تثبت، وكل ثابت فهو راس.
قوله: (في ظل ملك ثابت الأوتاد)، قبله:
ماذا أؤمل بعد آل محرق .... تركوا منازلهم وآل إياد؟
جرت الرياح على مقر ديارهم .... فكأنهم كانوا على ميعاد
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة .... في ظل ملك ثابت الأوتاد
فإذا النعيم وكل ما يلهى به .... يومًا يصير إلى بلًى ونفاد
"غنوا" أي: أقاموا.
قوله: (يشبح المعذب)، الأساس: شبح الإهاب: مده بين الأوتاد، وشبحه بين العقابين.
стр. 7109
بها بين يديه. ﴿أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ﴾: قصد بهذه الإشارة الإعلام بأن الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هم، وأنهم هم الذين وجد منهم التكذيب. ولقد ذكر تكذيبهم أولًا في الجملة الخبرية على وجه الإبهام، ثم جاء بالجملة الاستثنائية فأوضحه فيها: بأن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل؛ لأنهم إذا كذبوا واحدًا منهم فقد كذبوهم جميعًا. وفي تكرير التكذيب، وإيضاحه بعد إبهامه، والتنويع في تكريره بالجملة الخبرية أولًا وبالاستثنائية ثانيًا، وما في الاستثنائية من الوضع على وجه التوكيد والتخصيص: أنواع من المبالغة المسجلة عليهم باستحقاق أشد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هم هم)، يعني: أن المشار إليه بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ﴾ السابق وهو جنس الأحزاب، يدلك عليه وجوه:
أحدها: قوله: "من الكفار المتحزبين على رسل الله"، و"من" للتبعيض.
وثانيها: قوله: "ثم جاء بالجملة الاستثنائية فأوضحه بها"، بأن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل.
وثالثها: قوله: "ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأحزاب"، أي: الأحزاب المذكورة في قوله تعالى: ﴿قَوْمُ نُوحٍ وعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ * وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ﴾ ولما أن أسماء الإشارة تقتضي أن يكون المشار إليه محسوسًا أو في حكم المحسوس، قال لاستحضارهم بالذكر أو لأنهم كالحضور عند الله.
قال صاحب"الانتصاف": كرر لفظ الأحزاب في الموضعين؛ تنبيهًا على أن الأولين والآخرين من واد واحد في التحزب على الأنبياء.
قوله: (في الجملة الخبرية)، وهي: ﴿أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ﴾ لم يرد بها الخبرية التي في مقابلة الطلبية؛ لأن الجملة الاستثنائية أيضًا خبرية، بل يراد بها مطلق الإخبار عن المعنى الواقع، فإنه في مقابلة الاستثنائي.
стр. 7110
العقاب وأبلغه. ثم قال: ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾ أي: فوجب لذلك أن أعاقبهم حق عقابهم. ﴿هَؤُلَاءِ﴾: أهل مكة، ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأحزاب؛ لاستحضارهم بالذكر، أو لأنهم كالحضور عند الله. والصيحة: النفخة، ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ - وقرئ بالضم- ما لها من توقف مقدار فواق؛ وهو ما بين حلبتي الحالب ورضعتي الراضع. يعني: إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا القدر من الزمان، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً﴾ [النحل: ٦١] وعن ابن عباس: ما لها من رجوع وترداد، من:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: فوجب لذلك أن أعاقبهم)، يريد أن الفاء في قوله: ﴿إن كُلٌّ إلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ جزاء شرط محذوف، وتقديره: أن هؤلاء الجند المهزوم من أهل مكة هم من جملة الأحزاب، وحكمهم حكمهم في أنهم لما كذبوا الرسل استوجبوا العقاب.
قوله: (لاستحضارهم بالذكر)، كما الفرزدق في قوله:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم .... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
أحضرهم في مشاهدة جرير، ثم أشار إليهم كما يشار إلى المحسوسين.
قوله: (وقرئ بالضم)، حمزة والكسائي: "فواق" بضم الفاء، والباقون: بفتحها.
قال محيي السنة: فرق بعضهم بين الفتح والضم، قال الفراء وأبو عبيدة: الفتح بمعنى الراحة والإفاقة، كالجواب من الإجابة، من إفاقة المريض. والضم ما بين الحلبتين، وهو أن تحلب الناقة ثم تترك ساعة حتى يجتمع اللبن ثم تحلب. وقيل أيضًا: هما مستعاران من الرجوع؛ لأن اللبن يعود إلى الضرع بين الحلبتين، وإفاقة المريض رجوعه إلى الصحة، وعليه قول ابن عباس.
стр. 7111
أفاق المريض؛ إذا رجع إلى الصحة. وفواق الناقة: ساعة يرجع الدر إلى ضرعها، يريد: أنها نفخة واحدة فحسب لا تثنى ولا تردد.
[﴿وقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحِسَابِ﴾ ١٦]
القط: القسط من الشيء؛ لأنه قطعة منه. من قطة؛ إذا قطعه. ويقال لصحيفة الجائزة: قط؛ لأنها قطعة من القرطاس، وقد فسر بهما قوله تعالى: ﴿عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ أي: نصيبنا من العذاب الذي وعدته، كقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ [الحج: ٤٧]، وقيل: ذكر رسول الله ﷺ وعد الله المؤمنين الجنة؛ فقالوا على سبيل الهزء: عجل لنا نصيبنا منها. أو: عجل لنا صحيفة أعمالنا ننظر فيها.
[﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إنَّهُ أَوَّابٌ * إنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ والإشْرَاقِ * والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ * وشَدَدْنَا مُلْكَهُ وآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطَابِ﴾ ١٧ - ٢٠]
فإن قلت: كيف تطابق قوله: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ وقوله: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ حتى عطف أحدهما على صاحبه؟ قلت: كأنه قال لنبيه ﵇: اصبر على ما يقولون، وعظم أمر معصية الله في أعينهم بذكر قصة داود؛ وهو أنه نبي من أبياء الله تعالى قد أولاه ما أولاه من النبوة والملك؛ لكرامته عليه وزلفته لديه، ثم زل زلة فبعث إليه الملائكة ووبخه عليها، على طريق التمثيل والتعريض، حتى فطن لما وقع فيه، فاستغفر وأناب، ووجد منه ما يحكى من بكائه الدائم وغمه الواصب، ونقش جنايته
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (القط: القسط من الشيء)، واشتقاق القط من: قططت، أي: قطعت، وكذلك النصيب إنما هو القطعة من الشيء، والقطع والقطعة بمعنى: المقطوع، غير أن القطع غلب في الليل.
стр. 7112
في بطن كفه حتى لا يزال مجددًا للندم عليها، فما الظن بكم مع كفركم ومعاصيكم؟ أو قال له ﷺ : اصبر على ما يقولون، وصن نفسك وحافظ عليها أن تزل فيما كلفت من مصابرتهم وتحمل أذاهم، واذكر أخاك داود وكرامته على الله كيف زل تلك الزلة اليسيرة فلقي من توبيخ الله وتظليمه ونسبته إلى البغي ما لقي. ﴿ذَا الأَيْدِ﴾: ذا القوة في الذين المضطلع بمشاقه وتكاليفه؛ كان على نهوضه بأعباء النبوة والملك يصوم يومًا ويفطر يومًا، وهو أشد الصوم، ويقوم نصف الليل. يقال: فلان أيد، وذو آد. وإياد كل شيء: ما يتقوى به. ﴿أَوَّابٌ﴾: تواب رجاع إلى مرضاة الله. فإن قلت: ما دلك على أن الأيد القوة في الدين؟ قلت: قوله تعالى: ﴿إنَّهُ أَوَّابٌ﴾؛ لأنه تعليل لذي الأيد، ﴿وَالْإِشْرَاقِ﴾: ووقت الإشراق؛ وهو حين تشرق الشمس، أي: تضيء ويصفو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو قال له ﷺ : ﴿اصْبِرْ﴾)، جواب آخر، فعلى الأول"واذكر" محمول على الذكر اللساني، وعلى هذا على القلبي. الجوهري: وذكرت الشيء بعد النسيان: ذكرته بلساني وبقلبي.
قوله: (المضطلع)، الجوهري: فلان مضطلع بهذا الأمر، أي: قوي عليه، مفتعل، من الضلاعة.
قوله: (قوله تعالى ﴿إنَّهُ أَوَّابٌ﴾؛ لأنه تعليل لذي الأيد)، لأن ﴿ذَا الأَيْدِ﴾ يحتمل أن يكون في الجسم لقوله تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠]. وأن يكون في الدين، فلما جيء بقوله: ﴿إنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أعلم أن المراد: القوة في الدين. قال صاحب"التقريب": وفيه نظر؛ إذ الأواب مطلق أيضًا كالأيد.
قلت: مطلق من حيث نفسه، لكن مقيد بالنسبة إلى الموصوف؛ لأن النبي ﷺ إذا وصف به دل على أنه رجاع إلى الله تعالى.
стр. 7113
شعاعها، وهو وقت الضحى، وأما شروقها فطلوعها، يقال: شرقت الشمس، ولما تشرق. وعن أم هانئ: دخل علينا رسول الله ﷺ ، فدعا بوضوء، فتوضأ ثم صلى صلاة الضحى، فال: "يا أم هانئ، هذه صلاة الإشراق". وعن طاووس، عن ابن عباس قال: هل تجدون ذكر صلاة الضحى في القرآن؟ قالوا: لا، فقرأ: ﴿إنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ والإشْرَاقِ﴾، وقال: كانت صلاةً يصليها داود ﵇. وعنه: ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية: وعنه لم يزل في نفسي من صلاة الضحى شيء حتى طلبتها فوجدتها في هذه الآية: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ والإشْرَاقِ﴾. وكان لا يصلي صلاة الضحى، ثم صلاها بعد. وعن كعب: أنه قال لابن عباس: إني لا أجد في كتب الله صلاة بعد طلوع الشمس، فقال: أنا أوجدك ذلك في كتاب الله تعالى. يعني هذه الآية.
ويحتمل أن يكون من: أشرق القوم؛ إذا دخلوا في الشرق- ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣]، وقول أهل الجاهلية: أشرق ثبير-
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعن أم هانئ)، عن البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ما حدثنا أحد أنه رأى النبي ﷺ يصلي الضحى غير أم هانئ، فإنها قالت أن النبي ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثماني ركعات.
قوله: (ويحتمل أن يكون من: أشرق القوم؛ إذا دخلوا في الشرق)، وهو الشمس. الانتصاف: ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ ظرف بلا إشكال، فلو حمل"الإشراق" على الدخول في الشروق لكان مصدرًا لا ظرفًا؛ لأنه فعل المظروف، وعلى الأول وإن كان مصدرًا إلًا أنه ظرف؛ لأنه فعل الشمس، وهو يستعمل ظرفًا كالطلوع والغروب.
وقوله: (أشرق ثبير)، الجوهري، أشرق ثبي، كيما نغير، أي: نسرع للنحر، وثبير: جبل بمكة، وقال: أغار؛ أي: شد العدو وأسرع.
стр. 7114
ويراد وقت صلاة الفجر؛ لانتهائه بالشرق. و ﴿يُسَبِّحْنَ﴾: في معنى مسبحات على الحال. فإن قلت: هل من فرق بين يسبحن ومسبحات؟ قلت: نعم، وما اختير ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ على مسبحات إلا لذلك؛ وهو الدلالة على حدوث التسبيح من الجبال شيئًا بعد شيء وحالًا بعد حال، وكأن السامع محاضر تلك الحال يسمعها تسبح. ومثله قول الأعشى:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لانتهائه بالشروق)، أي: إنما سمي صلاة الفجر باعتبار ما يؤول إليه. وقوله: "ويراد وقت صلاة الفجر"، متصل بقوله: "إذا دخلوا في الشرق"، وما بينهما اعتراض.
قوله: (وهو الدلالة على حدوث التسبيح من الجبال شيئًا بعد شيء)، قال صاحب" الانتصاف": قال سحنون: إذا قال: "أنا محرم يوم كذا" بصيغة اسم الفاعل يكون محرمًا عند وجود التعليق، ولا كذلك بصيغة المضارع، إذا قال: "أنا أحرم يوم كذا" لا يكون محرمًا حتى يجدد الإحرام. واختلف المتأخرون من أصحابنا في معنى قول سحنون في اسم الفاعل: يكون محرمًا يوم يفعل، فمنهم من قال: أراد القول فينشئ إحرامًا، ومنهم من قال: يكون محرمًا بالعليق الأول. ومالك سوى بين اسم الفاعل والفعل.
ولما كان حشر الطير دفعة واحدةً أدل على القدرة لم يكن لاستعمال الفعل وجه.
قال صاحب" الإنصاف": تأمل ما قاله صاحب الانتصاف فليس فيه إلا نقل فرع على مذهب مالك لا يمس بالآية، ثم اختار أن مذهب مالك يخالف ما جاء من بديع الآية، فليت شعري أراد الرد على فصاحة الآية أو رد على إمامه الذي يقلده فيما يفتي به؟ !
وقلت- والله أعلم-: فرق بين مسألة الإحرام وبين ما في التنزيل؛ لأن ما في التنزيل معدول عن الظاهر؛ لأن قوله: ﴿إنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ﴾. إخبار عما مضى، فالمطابق مسبحات و ﴿مَحْشُورَةً﴾، ولهذا قال: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ في معنى: "مسبحات" وإنما عدل في
стр. 7115
إلى ضوء نار في يفاع تحرق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأول لحكاية الحال الماضية واستحضار في نظر السامع فيشاهد حدوث التسبيح من الجبال شيئًا بعد شيء ويتعجب من تلك القدرة الربانية على ما سبق في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر: ٩].
أتي بالمضارع بين الماضيين للاستحضار وللاستعجاب؛ إذ لو قيل: "فأثارت" و"مسبحات" لم يكن من هذا المعنى في شيء. و ﴿مَحْشُورَةً﴾ على ما هي عليه أدل على القدرة، ولو عدل إلى خلاف المقتضى لكان خلفًا وغير سديد، وليت شعري من تكلم فيما لا دربة له فيه وتقدم على التأمل فلا يتأمل كلامه، وظهر أن كلام إمام المسلمين جاء مستطردًا وهو أجدر بالقبول؛ لأن العامي لم يقصد هذا المعنى، ورميه على عمياء- والله أعلم-.
قوله: (إلى ضوء نار في يفاع تحرق)، أوله:
لعمري لقد لاحت عيون كثرة
وبعده:
تشب لمقرورين يصطليانها .... وبات على النار الندى والمحلق
رضيعي لبان ثدي أم تقاسما .... بأسحم داج عوض لا نتفرق
اللبان- بكسر اللام-: لبن المرأة خاصة. تقاسما: تحالفا. بأسحم داج: ظرف، أي: في ليل داج أقسما أن لا يتفرقا. رضيعي لبان: حال، وقيل: خبر ثان ونصب على المدح، وهذا أوجه، و"عوض"- بسكون الواو-: الأبد، يضم وبفتح بغير تنوين، وهو للمستقبل من الزمان، كما أن"قط" للماضي؛ لأنك تقول: عوض لا أفارقك، ولا تقول: عوض ما فارقتك. اليفاع: الجبل المرتفع. تحرق، أي: الحطب؛ لأن الجواد منهم كان يوقد النار على الموضع المرتفع لتجتمع إليه كل من رآها من بعيد.
стр. 7116
ولو قال: "محرقة": لم يكن شيئًا. وقوله: ﴿مَحْشُورَةً﴾ في مقابلة ﴿يُسَبِّحْنَ﴾؛ إلا أنه لما لم يكن في الحشر ما كان في الحشر ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئًا بعد شيء، به اسمًا لا فعلًا؛ وذلك أنه لو قيل: وسخرنا الطير يحشرن، على أن الحشر يوجد من حاشرها شيئًا بعد شيء والحاشر هو الله ؛ لكان خلفًا، لأن حشرها جملة واحدة أدل على القدرة. وعن ابن عباس ﵁: كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح، واجتمعت إليه الطير فسبحت، فذلك حشرها. وقرئ: (والطير محشورة) بالرفع. ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾: كل واحد من الجبال والطير لأجل داود- أي: لأجل تسبيحه- مسبح؛ لأنها كانت تسبح بتسبيحه. ووضع" الأواب" موضع المسبح: إما لأنها كانت ترجع التسبيح، والمرجع رجاع؛ لأنه يرجع إلى فعله رجوعًا بعد رجوع؛ وإما لأن الأواب- وهو التواب الكثير الرجوع إلى الله وطلب مرضاته- من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولو قال: "محرقة"لم يكن شيئًا)، معناه: لم يكن عدولًا من الظاهر فلا يكون فيه لطف؛ لأن قوله: "لقد لاحت" يقتضي محرقة، فلم يفد حدوث التحريق والإيقاد شيئًا بعد شيء ولا استحضار تلك الحالة في مشاهدة السامع.
قوله: (خلفًا)، أي: من حيث اختلال حسن المعنى، الجوهري: الخلف: الرديء من القول، يقال: سكت ألفًا ونطق خلفًا، أي: سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بالخطأ.
قوله: (أدل على القدرة)، قال: كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤]، ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، قيام رجل واحد.
قوله: (ووضع"الأواب" موضع المسبح)، يعني: أصل الكلام: كل من الجبال والطير لأجل تسبيح داوود مسبح، فقيل: ﴿أَوَّابٌ﴾؛ لأن كل مرجع للتسبيح راجع إليه، كما أن كل مكذب للحق كاذب، وإنما عدل منه إلى الأواب لنكته وهي: إما أن يكون كناية
стр. 7117
عادته أن يكثر ذكر الله ويديم تسبيحه وتقديسه. وقيل: الضمير لله، أي: كل من داود والجبال والطير لله أواب، أي: مسبح مرجع للتسبيح. ﴿وشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾: قويناه، قال تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ [القصص: ٣٥]، وقرئ: (شددنا) على المبالغة. قيل: كان يبيت حول محرابه أربعون ألف مستلئم يحرسونه. وقيل: الذي شد الله به ملكه وقذف في قلوب قومه الهيبة: أن رجلًا ادعى عنده على آخر بقرةً، وعجز عن إقامة البينة، فأوحي إليه في المنام: أن اقتل المدعى عليه، فقال: هذا منام، فأعيد الوحي في اليقظة، فأعلم الرجل، فقال: إن الله لم يأخذني بهذا الذنب، ولكن بأني قتلت أبا هذا غيلةً، فقتله، فقال الناس: إن أذنب أحد ذنبًا أظهره الله عليه فقتله؛ فهابوه. ﴿الْحِكْمَةَ﴾: الزبور وعلم الشرائع. وقيل: كل كلام وافق الحق فهو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن الترجيع في التسبيح من"الأوب": الرجوع، أو عن كثرة التسبيح؛ لأن الأواب أي: التواب من عادته أن يكثر التسبيح، ولو ترك على ظاهره لم يعلم ذلك، ولو قيل: كل له كالأواب أي: التواب على التشبيه لم يفهم منه المقصود صريحًا.
قوله: (مستلئم): أي: دارع، و"اللأم": جمع"لأمة"، وهس: الدرع، واستلأم: إذا لبس لأمته.
قوله: (أن رجلًا ادعى عنده)، خبر"الذي شدد الله به ملكه".
وقوله: "أظهره الله عليه"، جواب للشرط، و"فقتله" من تتمة الجواب، والفاء في"فهابوه" نتيجة الكلام، أي: الذي شدد الله به ملكه وقذف في قلوب قومه الهيبة هذه القضية، فلذلك هابوه، وإليه ينظر قول المتنبي:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم
قوله: (غيلة)، الغيلة: الاسم من الاغتيال.
الجوهري: الغلية هو: أن يخدع صاحبه فيذهب به إلى موضع، فإذا صار إليه قتله
стр. 7118
حكمه. الفصل: التمييز بين الشيئين. وقيل للكلام البين: فصل، بمعنى المفصول، كضرب الأمير؛ لأنهم قالوا: كلام ملتبس، وفي كلامه لبس. والملتبس: المختلط، فقيل في نقيضه: فصل، أي: مفصول بعضه من بعض، فمعنى فصل الخطاب: البين من الكلام الملخص الذي يتبينه من يخاطب به لا يلتبس عليه. ومن فصل الخطاب وملخصه: أن لا يخطئ صاحبه مظان الفصل والوصل، فلا يقف في كلمة الشهادة على المستثنى منه، ولا يتلو قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] إلا موصولًا بما بعده، ولا ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ﴾ حتى يصله بقوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، ونحو ذلك، وكذلك مظان العطف وتركه، والإضمار والإظهار والحذف والتكرار، وإن شئت كان الفصل بمعنى الفاصل، كالصوم والزور، وأردت بفصل الخطاب: الفاصل من الخطاب الذي يفصل بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والصواب والخطأ، وهو كلامه في القضايا والحكومات، وتدابير الملك والمشورات. وعن علي بن أبي طالب ﵁: هو قوله: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، وهو من الفصل بين الحق والباطل، ويدخل فيه قول بعضهم: هو قوله: "أما بعد"؛ لأنه يفتتح إذا تكلم في الأمر الذي له شأن بذكر الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق إليه فصل بينه وبين ذكر الله بقوله: أما بعد. ويجوز أن يراد الخطاب القصد الذي ليس فيه اختصار مخل ولا إشباع ممل، ومنه ما جاء في صفة كلام رسول الله ﷺ : فصل؛ لا نزر ولا هذر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في صفة كلام رسول الله ﷺ : فصل، لا نزر ولا هذر)، وروينا عن الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: " ما كان رسول الله ﷺ يسرد كسردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام فصل يحفظه من جلس إليه". وعنها: " كان كلام رسول الله ﷺ كلام فصل، يعيه كل من سمعه". أخرجه أبو داود. الحديثان يوفقان التفسير الأول، وقيل: الكلام البين فصل.
стр. 7119
[﴿وهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرَابَ * إذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ ولا تُشْطِطْ واهْدِنَا إلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ ٢١ - ٢٢]
كان أهل زمان داود ﵇ يسأل بعضهم بعضًا أن ينزل له عن امرأته
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال صاحب"النهاية": في صفة كلامه صلوات الله عليه: "فصل؛ لا نزر ولا هذر"، أي: بين ظاهر، يفصل بين الحق والباطل.
وقال في حديث أم معبد: "لا نزر ولا هذر"، أي: لا قليل ولا كثير، وقد هذر يهذر هذرًا- بالسكون- فهو هذر وهذار ومهذار، أي: كثير الكلام، والاسم: الهذر بالتحريك.
وقال الجوهري: النزر: القليل التافه، وعطاء منزور، أي: قليل.
قوله: (يسأل بعضهم بعضًا أن ينزل له عن امرأته)، روى محيي السنة عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: كان ذنب داود أنه التمس من الرجل أن ينزل له عن امرأته. قال أهل التفسير: كان مباحًا، غير أن الله تعالى لم يرض له ذلك؛ لأنه كان رغبة في الدنيا وازديادًا للنساء، وقد أغناه الله تعالى بما أعطاه من غيرها.
وروى أيضًا حديث الطير الذهب عن السدي والكلبي ومقاتل والحسن، والله أعلم بحقيقة الحال، وما في"الكشاف" أولى بأن يقال. قال صاحب"المطلع" بعدما حكى القولين: والذي يؤيد هذا القول قوله تعالى: ﴿وعَزَّنِي فِي الخِطَابِ﴾ أي: غلبني في مخاطبتنا إياها. وقال الإمام: قد دل أول الكلام وآخره على مدح داوود ﵇، فلو دل وسطه على مقابحه ومعايبه لخرج عن النظام.
стр. 7120
فيتزوجها إذا أعجبته، وكانت لهم عادة في المواساة بذلك قد اعتادوها، وقد روينا: أن الأنصار كانوا يواسون المهاجرين بمثل ذلك، فاتفق أن عين داود وقعت على امرأة رجل يقال له: أوريا، فأحبها، فسأله النزول له عنها، فاستحيا أن يرده، ففعل، فتزوجها وهي أم سليمان، فقيل له: إنك مع عظم منزلتك وارتفاع مرتبتك وكبر شأنك وكثرة نسائك، لم يكن ينبغي لك أن تسأل رجلًا ليس له إلا امرأة واحدة النزول، بل كان الواجب عليك مغالبة هواك وقهر نفسك والصبر على ما امتحنت به. وقيل: خطبها أوريا ثم خطبها داود، فآثره أهلها، فكان ذنبه أن حطب على خطبة أخيه المؤمن، مع كثرة نسائه. وأما ما يذكر، أن داود ﵇ تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فقال: يا رب إن آبائي قد ذهبوا بالخير كله، فأوحي إليه: إنهم ابتلوا ببلايا فصبروا عليها: قد ابتلي إبراهيم بنمروذ، وذبح ولده، وإسحاق بذبحه وذهاب بصره، ويعقوب بالحزن على يوسف. فسأل الابتلاء، فأوحي إليه: إنك لمبتلى في يوم كذا، فاحترس. فلما حان ذلك اليوم دخل محرابه وأغلق بابه، وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فجاءه الشيطان في صورة حمامة من ذهب، فمد يده ليأخذها لابن له صغير، فطارت، فامتد إليها، فطارت فوقعت في كوة، فتبعها، فأبصر امرأة جميلة قد نقضت شعرها فغطى بدنها، وهي امرأة أوريا، وهو من غزاة البلقاء، فكتب إلى أيوب بن صوريا،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقد روينا: أن الأنصار كانوا يواسون المهاجرين بمثل ذلك)، روينا في"صحيح البخاري" عن ابن عوف قال: "آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع، فقال لي سعد: إني أكثر الأنصار مالًا فأقاسمك مالي شطرين، ولي امرأتان فانظر أيتهما شئت حتى أنزل لك عنها فإذا حلت تزوجتها، فقلت: لا حاجة لي في ذلك، دلوني على السوق" الحديث.
قوله: (البلقاء)، هو موضع، قال ﵀: سمعت أعرابيًا يقول: أرضها بلد الزعفران
стр. 7121
وهو صاحب بعث البلقاء: أن ابعث أوريا وقدمه على التابوت، وكان من يتقدم على التابوت لا يحل له أن يرجع حتى يفتح الله على يديه أو يستشهد، ففتح الله على يديه وسلم، فأمر برده مرة أخرى، وثالثةً، حتى قتل، وأتاه خبر قتله فلم يحزن كما كان يحزن على الشهداء، وتزوج امرأته. فهذا ونحوه مما يقبح أن يحدث به عن بعض المتسمين بالصلاح من أفناء المسلمين فضلًا عن بعض أعلام الأنبياء. وعن سعيد بن المسيب والحارث الأعور: أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مئة وستين، وهو حد الفرية على الأنبياء. وروي: أنه حدث بذلك عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من أهل الحق، فكذب المحدث به، وقال: إن كانت القصة على ما في كتاب الله فما ينبغي أن يلتمس خلافها، وأعظم بأن يقال غير ذلك، وإن كانت على ما ذكرت وكف الله عنها سترًا على نبيه فما ينبغي إظهارها عليه، فقال عمر: لسماعي هذا الكلام أحب إلي مما طلعت عليه الشمس. والذي يدل عليه المثل الذي ضربه الله لقصته ﵇ ليس إلا طلبه إلى زوج المرأة أن ينزل له عنها فحسب. فإن قلت: لم جاءت على طريقة التمثيل والتعريض دون التصريح؟ قلت: لكونها أبلغ في التوبيخ، من قبل أن التأمل إذا أداه إلى الشعور بالمعرض به، كان أوقع في نفسه، وأشد تمكنًا من قلبه، وأعظم أثرًا فيه، وأجلب لاحتشامه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من أرض الشام قال: هي مدينة الكنعانيين، وكان اسم ملكهم: بالق، فقلب اسمه على بلده.
قوله: (وأجلب لاحتشامه)، الجوهري: أبو زيد: حشمت الرجل وأحشمته بمعنًى، وهو أن يجلس إليك فتؤذيه وتغضبه. ابن الأعرابي: حشمته: أخجلته. وأحشمته، أغضبته. واحتشمته واحتشمت منه بمعنى.
стр. 7122
وحيائه، وأدعى إلى التنبه على الخطأ فيه من أن يبادره به صريحًا، مع مراعاة حسن الأدب بترك المجاهرة. ألا ترى إلى الحكماء كيف أوصوا في سياسة الولد إذا وجدت منه هنة منكرة أن يعرض له بإنكارها عليه ولا يصرح، وأن تحكى له حكاية ملاحظة لحاله إذا تأملها استسمج حال صاحب الحكاية فاستسمج حال نفسه، ذلك أزجر له؛ لأنه ينصب ذلك مثالًا لحاله ومقياسًا لشأنه، فيتصور قبح ما وجد منه بصورة مكشوفة، مع أنه أصون لما بين الوالد والولد من حجاب الحشمة. فإن قلت: فلم كان ذلك على وجه التحاكم إليه؟ قلت: ليحكم بما حكم به من قوله: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: ٢٤] حتى يكون محجوجًا بحكمه ومعترفًا على نفسه بظلمه. ﴿وَهَلْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأدعى إلى التنبه على الخطأ فيه من أن يبادره صريحًا)، وقلت: وهو نوع من باب الاستدراج وإرخاء العنان. قال صاحب "الانتصاف": نبه الزمخشري على مجيء الإنكار على طريق التمثيل، فإن التعريض داع إلى التأمل، وفيه أن اجتناب المهاجرة بالإنكار أبقى للحشمة.
قوله: (ليحكم بما حكم به) إلى قوله: (حتى يكون محجوجًا بحكمه)، الانتصاف: أي: جاء على وجه المحاكمة ليحكم بقوله: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ فتقوم عليه الحجة. قوله: ﴿أَخِي﴾ فإن الأخوة بصداقة أو دين أو شركة تمنع الاعتداء.
وقوله: (﴿فِي الْخِطَابِ﴾)، أي: في المخاطبة، أي: أتاني بما لا أقدر على رده من الجدال، أو من الخطبة، أي: خطب فأوثر عليً، وهو مصدر المفاعلة؛ لأن الخطبة صدرت من كل واحد منهما، ولم يكن في المثل المضروب خطبة من مالكها إلا تقديرًا، "أو" أما في قصة داوود فهو ممكن، وجواب الزمخشري الذي يأتي ليس بجيد على ما ستراه.
стр. 7123
أَتَاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ ظاهره الاستفهام، ومعناه: الدلالة على أنه من الأنباء العجيبة التي حقها أن تشيع ولا تخفى على أحد، والتشويق إلى استماعه. والخصم: الخصماء، وهو يقع على الواحد والجمع؛ كالضيف، قال الله تعالى: ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤]؛ لأنه مصدر في أصله، تقول: خصمه خصمًا، كما تقول: ضافه ضيفًا. فإن قلت: هذا جمع، وقوله: ﴿خَصْمَانِ﴾ تثنية، فكيف استقام ذلك؟ قلت: معنى ﴿خَصْمَانِ﴾: فريقان خصمان، والدليل عليه قراءة من قرأ: (خصمان بغى بعضهم على بعض)، ونحوه قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]. فإن قلت: فما تصنع بقوله: ﴿إنَّ هَذَا أَخِي﴾ [ص: ٢٣]، وهو دليل على اثنين؟ قلت: هذا قول البعض المراد بقوله: ﴿بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾. فإن قلت: فقد جاء في الرواية: أنه بعث إليه ملكان. قلت: معناه: أن التحاكم كان بين ملكين، ولا يمنع ذلك أن يصحبهما آخرون. فإن قلت: فإذا كان التحاكم بين اثنين كيف سهاهم جميعًا خصمًا في قوله: ﴿نَبَأُ الخَصْمِ﴾ و ﴿خَصْمَانِ﴾؟ قلت: لما كان صحب كل واحد من المتحاكمين في صورة الخصم صحت التسمية به. فإن قلت: بم انتصب ﴿إَذْ﴾؟ قلت: لا يخلو: إما أن ينتصب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ظاهره الاستفهام، معناه: الدلالة على أنه من الأنباء العجيبة)، وذلك أن هذه القصة إن كانت معلومة للسامع فيكون في الاستفهام بعث له وتحريض على إشاعتها وإعلام الناس بها، أي: كأنك ما علمتها حيث تخفيها ولا يؤدي حقها من الإذاعة، وإن لم تكن معلومة كان تأنيبًا على التقاعد عن استعلامها وتشويقًا إلى استماعها.
قوله: (والخصم: الخصماء، وهو يقع على الواحد والجمع)، قال الزجاج: الخصم: مصدر، تقول: خصمته أخصمه خصمًا، فما كان من المصادر وقد وصفت به الأسماء: فتذكيره وتأنيثه وتوحيده وجمعه جائز.
стр. 7124
بـ ﴿أَتَاكَ﴾، أو بـ ﴿نَبَاُ﴾، أو بمحذوف؛ فلا يسوغ انتصابه بـ ﴿أَتَاكَ﴾؛ لأن إتيان النبأ رسول الله ﷺ لا يقع إلا في عهده لا في عهد داود، ولا بالنبأ؛ لأن النبأ الواقع في عهد داود لا يصح إتيانه رسول الله ﷺ ، وإن أردت بالنبأ القصة في نفسها: لم يكن ناصبًا؛ فبقي أن ينتصب بمحذوف، وتقديره: وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم. ويجوز أن ينتصب بـ ﴿الْخَصْمِ﴾؛ لما فيه من معنى الفعل. وأما ﴿إِذْ﴾ الثانية فبدل من الأولى. ﴿تَسَوَّرُوا المِحْرَابَ﴾: تصعدوا سوره ونزلوا إليه. والسور: الحائط المرتفع، ونظيره في الأبنية: تسنمه؛ إذا علا سنامه، وتذراه: علا ذروته. روي: أن الله تعالى بعث إلى ملكين في صورة إنسانين، فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته، فمنعهما الحرس، فتسورا عليه المحراب، فلم يشعر إلا وهما بين يديه جالسان ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾. قال ابن عباس: إن داود ﵇ جزأ زمانه أربعة أجزاء: يومًا للعبادة، ويومًا للقضاء، ويومًا للاشتغال بخواص أموره، ويومًا يجمع بني إسرائيل فيعظهم ويبكيهم؛ فجاؤوه في غير يوم القضاء، ففزع منهم؛ ولأنهم نزلوا عليه من فوق، وفي يوم الاحتجاب، والحرس حوله لا يتركون من يدخل عليه. ﴿خَصْمَانِ﴾: خبر مبتدأ محذوف، أي: نحن خصمان. ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾: ولا تجر. وقرئ: (ولا تشطط)، أي: ولا تبعد عن الحق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا بالنبأ؛ لأن النبأ الواقع في عهد داود لا يصح إتيانه رسول الله ﷺ ، قال القاضي: ويجوز أن يتعلق ﴿إِذْ﴾ بالنبأ، على أن المراد به: الواقع في عهد داود ﵇، وأن إسناد "أتى: إليه على حذف مضاف، أي: أتى قصة نبأ الخصم، و ﴿إِذْ﴾ الثانية: يدل من الأولى أو: ظرف لـ ﴿تَسَوَّرُوا﴾.
قوله: (وقرئ: "ولا تشطط")، قال ابن جني: هي قراءة أبي رجاء وقتادة؛ بفتح التاء وضم الطاء، يقال: شط يشط ويشط، إذا بعدـ، وأشط: إذا بعد، وعليه قراءة العامة: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾، أي: ولا تبعد، وهو من: الشط: الجانب، ومعناه: أخذ جانبي الشيء وترك
стр. 7125
وقرئ: (ولا تشطط)، (ولا تشاطط)، وكلها من معنى الشطط؛ وهو مجاوزة الحد وتخطي الحق. و ﴿سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾: وسطه ومحجته، ضربه مثلًا لعين الحق ومحضه.
[﴿إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وعَزَّنِي فِي الخِطَابِ﴾ ٢٣] ﴿أَخِي﴾ بدل من ﴿هَذَا﴾ أو خبر لـ ﴿إِنَّ﴾. والمراد أخوة الدين، أو أخوة الصداقة والألفة، أو أخوة الشركة والخلطة؛ لقوله تعالى: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطَاءِ﴾ [ص: ٢٤]، وكل واحدة من هذه الأخوات تدلي بحق مانع من الاعتداء والظلم. وقرئ: (تسع وتسعون) بفتح التاء، و (نعجة) بكسر النون، وهذا اختلاف اللغات، نحو: نطع ونطع،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وسطه، كما قيل: تجاوز، وهو من الجيزة، وهي جانب الوادي، كما قيل: تعدى، وهو من: عدوة الوادي، أي: جانبه. وأنشدوا:
لئن غبت عن عيني وشطت بك لنوى .... فأنت الذي في القلب حطت رواحله
قوله: (تدلي بحق مانع)، المغرب: أدليت الدلو: أرسلتها في البئر، ومنه: أدلى بالحجة، أحضرها. وفلان يدلي إلى الميت بذكر، أي: يتصل.
قوله: (وقرئ: "تسع وتسعون" بفتح التاء): قال ابن جني: قرأها الحسن، وقد كثر عنهم مجيء الفعل والفعل بمعنى واحد، نحو: الشكر والشكر، ولا يبعد ذلك في التسع لا سيما وقد تجاوز العشر. وقرأ الحسن والأعرج: "نعجة" بكسر النون.
стр. 7126
ولقوة ولقوة. ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ ملكنيها. وحقيقته: اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي.
﴿وَعَزَّنِي﴾: وغلبني. يقال: عزه يعزه. قال:
قطاة عزها شرك فباتت ..... تجاذبه وقد علق الجناح
يريد: جاءني بحجاج لم أقدر أن أورد عليه ما أرده به. وأراد بالخطاب: مخاطبة المحاج المجادل. أو أراد: خطبت المراة وخطبها هو فخاطبني خطابًا، أي: غالبني في الخطبة فغلبني؛ حيث زوجها دوني. وقرئ: (وعازني) من المعازة؛ وهي المغالبة. وقرأ أبو حيوة: (وعزني) بتخفيف الزاني؛ طلبًا للخفة، وهو تخفيف غريب، وكأنه قاسه على نحو: ظلت، ومست. فإن قلت: ما معنى ذكر النعاج؟ قلت: كان تحاكمهم في نفسه تمثيلًا وكلامهم تمثيلًا؛ لأن التمثيل أبلغ في التوبيخ؛ لما ذكرنا، وللتنبيه على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولقوة)، الجوهري: اللقوة: داء في الوجه. واللقوة: الناقة السريعة اللقاح. واللقوة: العقاب. واللقوة- بالكسر-: مثله.
قوله: (قطاة عزها)، البيت. قبله.
كأن القلب ليلة قيل يغدى .... بليلى العامرية أو يراح
قوله: ("وعزني" بتخفيف الزاي)، روى صاحب "الكشف" عن عاصم وقال: حمله الرازي على أنه مثل: رب ورب، وما أشبهه من تخفيف المضاعف.
قوله: (كان تحاكمهم في نفسه تمثيلًا وكلامهم تمثيلًا)، سئل: ما معنى ذكر النعاج؟ أي: ما موقعه في التمثيل؟ أجاب: بأنه تتميم لمعنى التمثيل؛ لأن تحاكمهم كان في نفسه تمثيلًا
стр. 7127
أنه أمر يستحيا من كشفه، فيكنى عنه كما يكنى عما ستسمج الإفصاح به، وللستر على داود ﵇، والاحتفاظ بحرمته. ووجه التمثيل فيه: أن مثلت قصة أوريا مع داود بقصة رجل له نعجة واحدة ولخليطه تسع وتسعون، فأراد صاحبه تتمة المئة فطمع في نعجة خليطه، وأراده على الخروج من ملكها إليه، وحاجه في ذلك محاجة حريص على بلوغ مراده، والدليل عليه قوله: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطَاءِ﴾ [ص: ٢٤]، وإنما خص هذه القصة؛ فيها من الرمز إلى الغرض بذكر النعجة. فإن قلت: إنما تستقيم طريقة التمثيل إذا فسرت الخطاب بالجدال، فإن فسرته بالمفاعلة من الخطبة: لم تستقم. قلت: الوجه مع هذا التفسير أن أجعل النعجة استعارة عن المرأة، كما استعاروا لها الشاة في نحو قوله:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي: تعريضًا وتورية، وكلامهم أيضًا تعريض وتورية، فجيء بقوله: ﴿نَعْجَةً﴾ تتميمًا لتلك التورية؛ لأن التعريض أبلغ في التوبيخ، وإنما قلنا: إن المراد بالتمثيل التعريض؛ لأنه فسر التمثيل به فيما سبق من قوله: "لم جاءت على طريق التمثيل والتعريض دون التصريح"، فعطف التعريض عليه على سبيل البيان، ولأن المعنى عليه. قوله: "لما ذكرنا"، أي: في قوله: " إن التأمل إذا أداه إلى الشعور بالمعرض به كان أوقع في نفسه" إلى قوله: "وأدعى إلى التنبيه على الخطإ فيه". وقوله: "وللتنبيه على أنه أمر يستحيا منه" عطف على قوله: "لأن التمثيل أبلغ".
قوله: (وأراده على الخروج)، الأساس: أراده على الأمر، حمله عليه. والإضافة في"ملكها" إلى المفعول.
قوله: (والدليل عليه)، أي: على أن الممثل به قصة رجل له نعجة واحدة، ولخليطه تسع وتسعون التصريح بذكر الخلطاء في قوله: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطَاءِ﴾؛ لأن ظاهر قوله: ﴿إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ الآية، ليس فيه معنى الخلطة.
стр. 7128
يا شاة ما قنص لمن حلت له
فرميت غفلة عينه عن شاته
وشبهها بالنعجة من قال:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يا شاة ما قنص لمن حلت له)، آخره:
حرمت علي وليتها لم تحرم
الشعر لعنترة، قال الزوزني: "ما" صلة زائدة، والشاة كناية عن المرأة، يقول: يا هؤلاء اشهدوا شاة قنص لمن حلت له، فتعجبوا من حسنها وجمالها فإنها قد حازت أتم الجمال، والمعنى: هي حسناء جميلة مقنعة لمن كلف وشغف بحبها، ولكنها حرمت علي وليتها حلت.
قال الأنباري: القنص: الصيد. والشاة منصوب على النداء، أي: شاة من اقتنصها فقد غنم، واللام صلة"قنص"، لمن حلت له: لمن قدر عليها، وحرمت علي: لم أقدر؛ لأنها من قوم أعداء.
قوله: (فرميت غفلة عينه عن شاته)، تمامه الأعشى:
فأصبت حبة قلبها وطحالها
أي: قصدت غفلته عن امرأته. طحالها، أي: أصبت طحالها، ولا يجوز خفضه؛ لأن الطحال لا حبة له. والبيت بتمامه أنشده الزجاج.
стр. 7129
كنعاج الملا تعسفن رملًا
لولا أن ﴿الْخُلَطَاءِ﴾ يأباه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كنعاج الملا تعسفن رملا)، أوله:
قلت إذ أقبلت وزهر تهادى
بعده:
قد تنقبن بالحرير وأبديـ .... ــــن عيونًا حور المداعج نجلا
التهادي: أن يمشي بين الاثنين معتمدًا عليها لضعفه. والملا: الصحراء الواسعة.
أي: هؤلاء النسوة يمشين مشي نعاج الوحش إذا وقعت في الرمل.
قوله: (لولا أن ﴿الْخُلَطَاءِ﴾ يأباه)، يعني إن فسر الخطاب بالمفاعلة من الخطبة، وأجريت النعاج على حقيقتها لم يستقم؛ لأن الخطبة إنما تكون في التزوج والتزويج، فهي غير مناسبة للنعجة الحقيقية، وإن حملت النعاج على النساء استعارة أباه ذكر الخلطاء؛ لأن الخلطة غير مناسبة في النساء الحلائل، فالوجه أن يقطع ذكر الخلطاء عن التمثيل؛ ليكون تمثيلًا آخر مستقلًا فيصح.
وقلت: وكذا يأباه إذا جعل التسبيه تمثيليًا، ويجرى الخطاب على مخاطبة المحاج المجادل وتترك النعاج على حقيقتها؛ لأن الوجه حينئذ أمر توهمي منتزع من أمور جمة، وقد لمحت الخلطة في الممثل به، ومن ثم قال الواحدي: ظن داود أنهما شريكان فلذلك قال: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطَاءِ﴾ [ص: ٢٤].
وإذا لمح في المشبه به يجب أن يلمح في المشبه أيضًا. وقال صاحب"المفتاح": والذي نحن بصدده من الوصف غير الحقيقي أحوج منظور فيه إلى التأمل الصادق من ذوي بصيرة
стр. 7130
إلا أن يضرب داود الخلطاء ابتداءً مثلًا لهم ولقصتهم.
فإن قلت: الملائكة ﵈ كيف صح منهم أن يخبروا عن أنفسهم بما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ناقدة ورؤية ثاقبة لالتباسه في كثير من المواضع بالعقلي الحقيقي لاسيما المعاني التي ينتزع منها، فربما انتزع من ثلاثة فأورث الخطأ لوجوب انتزعه من أكثر، ولعل الظاهر أن يجعل التشبيه من المركب العقلي؛ لأن الوجه حينئذ هو الزبدة والخلاصة من المجموع، وهو إظهار البغي والظلم وتقبيح أمر الباعي والظالم، فلا يدخل في المعنى الخلط، وإن شئت فجرب هذا من قول المصنف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، الآية. فإنه حين جعل الوجه عقليا قال: ومثل نفقة هؤلاء في زكاتها عند الله كمثل جنة، وحين جعل الوجه وهميًا قال: أو مثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة، ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطل، وكما أن كل واحد من المطرين يضاعف أكل الجنة، فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة بعد أن يطلب بها وجه الله زاكية عند الله زائدة في زلفاهم، وعلى هذا قوله بعد هذا: "وقيل: إن الخصمين كانا من الإنس، وكانت الخصومة على الحقيقة بينهما، إما كانا خليطين في الغنم، وإما كان أحدهما موسرًا" إلى آخره.
الانتصاف: إذا جعل تمثيلًا كان الذي سبق إلى فهم داود منه ظاهره في النعاج والشاة، ثم انتقل عنه إلى فهم تمثيله بحاله، وعلى الاستعارة يكون قد فهم التحاكم في النساء ثم استشعر أنه المراد.
قوله: (إلا أن يضرب داود الخلطاء ابتداءً ومثلًا لهم)، يعني: يصح جعلها مستعارًا إذا جعل قوله: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطَاءِ﴾ [ص: ٢٤]، تذييلًا للكلام على سبيل التمثيل، كقول الحطيئة:
стр. 7131
لم يتلبسوا منه بقليل ولا كثير ولا هو من شأنهم؟ قلت: هو تصوير للمسألة وفرض لها، فصورها في أنفسهم وكانوا في صورة الأناسي، كما تقول في تصوير المسائل: زيد له أربعون شاة، وعمرو له أربعون، وأنت تشير إليهما، فخلطاها وحال عليها الحول، كم يجب فيها؟ وما لزيد وعمرو سبد ولا لبد. وتقول أيضًا في تصويرها: لي أربعون شاةً ولك أربعون فخلطناها، وما لكما من الأربعين أربعة ولا ربعها. للحسناء الجميلة. والمعنى: وصفها بالعراقة في لين الأنوثة وفتورها، وذلك أملح لها وأزيد في تكسيرها وتثنيها، ألا ترى إلى وصفهم لها بالكسول والمكسال، وقوله:
فتور القيام قطيع الكلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولست بمستبق أخًا لا تلمه .... على شعت أي الرجال المهذب؟
وإليه الإشارة بقوله: "قصد به الموعظة الحسنة والترغيب في إيثار عادة الخلطاء الصلحاء".
قوله: (وأنت تشير إليهما)، أي: تقول: هذا، وتشير إلى زيد زعمرو.
قوله: (وما لزيد وعمرو سبد ولا لبد)، قال الجوهري: أي: لا قليل ولا كثير. عن الأصمعي: السبد من الشعر، واللبد من الصوف. كناية عن المعز، واللبد عن الضأن.
قوله: (بالكسول والمكسال)، الجوهري: الكسل، التثاقل عن الأمر. وامرأة مكسال: لا تكاد تبرح مجلسها، وه مدح له، مثل: "نؤوم الضحى".
قوله: (فتور القيام قطيع الكلام)، تمامه:
لعوب العشاء إذا لم تنم
بعده:
تبز النساء بحسن الحديث .... ودل رخيم وخلق عمم
стр. 7132
وقوله:
تمشي رويدًا تكاد تنغرف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قطيع الكلام: أي: لينه وضعفه. تبز؛ أي: تغلب وتسبق. والدلال: الغنج والشكل. وخلق عمم؛ أي: تام.
قوله: (تمشي رويدًا تكاد تنعرف)، أوله:
ما أنس سلمى غداة تنصرف
ويروى: "تنغرف" بالغين المعجمة، الغرف: غرفك الماء باليد، فرس غراف: كثير الأخذ بقوائمه. وصفها بالأناة والتؤدة وأنها تكاد تنغرف من الأرض بوطئها إياها، يقال: عرفت الشيء فانعرف- بالعين المهملة- أي: قطعته فانقطع. قال قيس بن الخطيم في معناه:
تنام عن كبر شأنها فإذا .... قامت رويدًا تكاد تنعرف
قال صاحب" الانتصاف": قوله: ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ﴾، أورده لتقليل ما عنده وحقارته، فكيف وصف ما عنده بالحسن الذي يوجب عذر خصمه في طلبه؟ ولذلك جاءت القراءة المشهورة بحذف ذلك، أي: "أنثى".
стр. 7133
[﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وقَلِيلٌ مَّا هُمْ وظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ رَاكِعًا وأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ ٢٤ - ٢٥]
﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ جواب قسم محذوف. وفي ذلك استنكار لفعل خليطه، وتهجين لطعمه. والسؤال: مصدر مضاف إلى المفعول، كقوله تعالى: ﴿مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]، وقد ضمن معنى لإضافة فعدي تعديتها، كأنه قيل بإضافة ﴿نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ﴾ على وجه السؤال والطلب. فإن قلت: كيف سارع إلى تصديق أحد الخصمين حتى ظلم الآخر قبل استماع كلامه؟ قلت: ما قال ذلك: ما قال ذلك إلا بعد اعتراف صاحبه، لكنه لم تحك في القرآن؛ لأنه معلوم. ويروى: أنه قال: وهذا، أنا أريد أن آخذها منه وأكمل نعاجي مئةً، فقال داود: إن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا، وأشار إلى طرف الأنف والجبهة، فقال: يا داود، أنت أحق أن يضرب منك هذا وهذا، وأنت فعلت كيت وكيت، ثم نظر داود فلم ير أحدًا، فعرف ما وقع فيه. والخلطاء: الشركاء الذين خلطوا أموالهم، الواحد: خليط، وهي الخلطة، وقد غلبت في الماشية؛ والشافعي ﵀ يعتبرها، فإذا كان الرجلان خليطين في ماشية بينهما غير مقسومة، أو لكل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: قد مر أن مثل هذه الزيارة قرينة لبيان إرادة المقصود من اللفظ، فذكره ها هنا لمزيد تحقير ما عنده فيكون تتميمًا للمعنى الذي في جانب المشبه والمبالغة في الظلم كما سبق، ويؤيده قوله: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: ٢٤]، حيث صرح بذكر النعجة والنعاج.
قوله: (على وجه السؤال والطلب)، أي: السؤال سؤال مطالبة ومغالبة، لا سؤال خضوع وتفضل؛ إذ لو كان كذا لم يكن معارة.
стр. 7134
واحد منهما ماشية على حدة إلا أن مراحهما ومسقاهما وموضع حلبهما والراعي والكلب واحد والفحولة مختلطة: فهما يزكيان زكاة الواحد؛ فإن كان لهما أربعون شاةً فعليهما شاة، وإن كانوا ثلاثةً ولهم مئة وعشرون لكل واحد أربعون؛ فعليهم واحدة كما لو كانت لواحد. وعند أبي حنيفة: لا تعتبر الخلطة، والخليط والمنفرد عنده واحد، ففي أربعين بين خليطين: لا شيء عنده، وفي مئة وعشرين بين ثلاثة: ثلاث شياه. فإن قلت: فهذه الخلطة ما تقول فيها؟ قلت: عليهما شاة واحدة، فيجب على ذي النعجة أداء جزء من مئة جزء من الشاة عند الشافعي ﵀، وعند أبي حنيفة لا شيء عليه. فإن قلت: ماذا أراد بذكر حال الخلطاء في ذلك المقام؟ قلت: قصد به الموعظة الحسنة والترغيب في إيثار عادة الخلطاء الصلحاء الذين حكم لهم بالقلة، وأن يكره إليهم الظلم والاعتداء الذي عليه أكثرهم، مع التأسف على حالهم، وأن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إلا أن مراحهما)، المغرب: أراح الإبل: ردها إلى المرح، وهو موضع إراحة الإبل والبقر والغنم، وفتح الميم خطأ.
قوله: (ماذا أريد بذكر حال الخلطاء)، أي: ما فائدة التذييل بقوله: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾؟ فأجاب: أن فيها فوائد:
إحداها: أن يكون موعظة للسامع بأن يرغب في اختيار عادة الخلطاء الصلحاء لقوله: ﴿وقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ كقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
وثانيتها: أن يكون لطفًا للخلطاء المعتدين فينزجروا عن الاعتداء.
وثالثتها: أن يكون تسلية للمظلوم.
قوله: (مع التأسف على حالهم)، من شأن الخلطاء وعادتهم أن يعتدوا إلا من عصمه الله.
стр. 7135
يسلي المظلوم عما جرى عليه من خليطه، وأن له في أكثر الخلطاء أسوة. وقرئ: (ليبغي) بفتح الياء على تقدير النون الخفيفة، وحذفها، كقوله:
اضرب عنك الهموم طارقها
وهو جواب قسم محذوف؛ و: (ليبغ) بحذف الياء، اكتفاءً منها بالكسرة. و ﴿مَّا﴾ في ﴿وقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ للإبهام. وفيه تعجب من قلتهم. وإن أردت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها، من قول امرئ القيس:
وحديث ما على قصره
وانظر هل بقي له معنى قط. لما كان الظن الغالب يداني العلم، استعير له.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (اضرب عنك الهموم طارقها)، تمامه:
ضربك بالسيف قونس الفرس
أي: "اضربن" فحذفت النون الخفيفة، و"طارقها": بدل من" الهموم" بدل البعض، و"قونس" موضع ناصية الفرس، أي: ادفع طوارق الهموم عن نفسك عند غشيانها، كما يضرب قونس الفرس عند الإقبال.
قوله: (للإبهام)، قال أبو البقاء: ﴿إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [ص: ٢٤]، استثناء من الجنس، والمستثنى منه بعضهم، و ﴿مَا﴾ زائدة، ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، و"قليل" خبره. وقيل: التقدير وهم قليل منهم.
قوله: (استعير له)، أي: استعير الظن موضع العلم لتلك العلاقة، والاستعارة يجوز أن تكون لفظيةً ومعنوية، وإنما كان بمعنى العلم؛ لإيقاعه على"إنما" المشتملة على مضاعفة التأكيد، وتعقيب ظنه بعد ذلك بالاستغفار من غير مهلة، وتسميته بالظن لسبقه بالأمارات
стр. 7136
ومعناه: وعلم داود وأيقن ﴿أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾: أنا ابتليناه لا محالة بامرأة أوريا: هل يثبت أم يزل؟ وقرئ: (فتناه) بالتشديد للمبالغة، و: (أفتناه)، من قوله:
لئن فتنتني لهي بالأمس أفتنت
و(فتناه) و (فتناه)، على أن الألف ضمير الملكين. وعبر بالراكع عن الساجد؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الظاهرة على وقوعه في الفتنة من تسور الخصماء المحراب وفزعه منهم ثم تمثيلهم حالته بحالة الخلطاء وحكمه على أحد الخصمين بالظلم، والله أعلم.
قوله: (وقرئ: "فتناه" بالتشديد)، قال ابن جني: هي قراءة عمر بن الخطاب ﵁، وأما "فتناه" فهي قراءة قتادة وأبي عمرو في رواية عبد الوهاب، وعن بعضهم "فتناه" على وزن ضرباه و "فتناه" على وزن: فرقاه. وأنكر الأصمعي أفتنت- بالألف- يقال: فتنته المرأة وأفتنت: إذا دلهته وأحبها.
قوله: (لئن فتنتني لهي بالأمس أفتنت)، تمامه:
سعيدًا فأمسى قد قلى كل مسلم
بعده:
وألقى مصابيح القراءة واشترى .... وصال الغواني بالكتاب المنمنم
وأراد به سعيد جبير: نمنم الشيء نمنمة، أي: رقشه وزخرفه، وثوب منمنم، أي: موشى.
قوله: (وعبر بالراكع عن الساجد)، أي: كنى بالراكع عن الساجد لما بين الركوع
стр. 7137
لأنه ينحني ويخضع كالساجد، وبه استشهد أبو حنيفة وأصحابه في سجدة التلاوة، على أن الركوع يقوم مقام السجود. وعن الحسن: لأنه لا يكون ساجدًا حتى يركع، ويجوز أن يكون قد استغفر الله لذنبه وحرم بركعتي الاستغفار والإنابة، فيكون المعنى: وخر للسجود راكعًا، أي: مصليًا؛ لأن الركوع يجعل عبارة عن الصلاة. ﴿وَأَنَابَ﴾: ورجع إلى الله تعالى بالتوبة والتنصل. وروي: أنه بقي ساجدًا أربعين يومًا وليلة لا يرفع رأسه إلا لصلاة مكتوبة أو ما لا بد منه، ولا يرقأ دمعه حتى نبت العشب من دمعه إلى رأسه، ولم يشرب ماءً إلا وثلثاه دمع، وجهد نفسه راغبًا إلى الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والسجود من الانحناء والخضوع، ولما بينهما من المناسبة. استشهد أبو حنيفة في سجدة التلاوة على أن الركوع يقوم مقام السجود، قال صاحب التقريب: وفيه نظر؛ لأنه بعد تعبيره به عن الساجد لا يبقى الاستشهاد، لعله استشهد بإطلاق الآية.
وقلت: لا إطلاق؛ لأن الركوع مقيد بالخرور الذي هو السقوط، فلا يحمل على مجرد الركوع. وفي "الروضة"، قال أصحابنا: يستحب أن يسجد في ﴿ص﴾ خارج الصلاة، ولو سجد في الصلاة جاهلًا أو ناسيًا لم تبطل صلاته، وإن كان عامدًا بطلت على الأصح.
قوله: (حرم)، أي: دخل في التحريمة، يقال: أحرم بالصلاة وحرم، ومنه: تكبيرة التحريم.
قوله: (والتنصل)، هو: الاعتذار والتبرؤ من الذنب، ويروى: بالتنقل، يقال: انتقل من الشيء، انتفى منه.
قوله: (ولا يرقأ دمعه)، أي: لا يسكن.
الجوهري: يقال: رقأ الدمع يرقأ رقأ ورقورًا؛ سكن، وكذلك الدم.
стр. 7138
تعالى في العفو عنه حتى كاد يهلك، واشتغل بذلك عن الملك حتى وثب ابن له يقال له: إيشا على ملكه ودعا إلى نفسه، واجتمع إليه أهل الزيغ من بني إسرائيل، فلما غفر له حاربه فهزمه. وروي: أنه نقش خطيئته في كفه؛ حتى لا ينساها. وقيل: إن الخصمين كانا من الإنس، وكانت الخصومة على الحقيقة بينهما: إما كانا خليطين في الغنم، وإما كان أحدهما موسرًا وله نسوان كثيرة من المهائر والسراري، والثاني: معسرًا ما له إلا امرأة واحدة، فاستنزله عنها، وإنما فزع لدخولهما عليه في غير وقت الحكومة أن يكونا مغتالين، وما كان ذنب داود إلا أنه صدق أحدهما على الآخر وظلمه قبل مسألته.
[﴿يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ ٢٦]
﴿خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ أي: استخلفناك على الملك في الأرض، كمن يستخلفه بعض السلاطين على بعض البلاد ويملكه عليها. ومنه قولهم: خلفاء الله في أرضه.
و﴿جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ ممن كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحق. وفيه دليل على أن حاله بعد التوبة بقيت على ما كانت عليه لم تتغير. ﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وما كان ذنب داود إلا أنه صدق أحدهما على الآخر وظلمه قبل مسألته)، الانتصاف: قصد الزمخشري في كلامه كله: تنزيه داود عن ذنب يبعثه عليه شهوة النساء، فأجرى هذه الآية على ظاهرها، وجعل الذنب عجلته في الحكم؛ لأن الباعث عليها التهاب الغضب للحق، وهو أخف من الأول، ويؤيده وصيته داود ﵇ بعد ذلك بقوله: ﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوَى﴾ [ص: ٢٦]، فما جرت الوصية بذلك إلا والذي صدر منه من هذا النوع. والمختار: أن الأنبياء منزهون عن الصغائر، والتماس المخلص لمثل هذه القضية هو الحق الأبلج والسبيل الأنهج.
стр. 7139
أي: بحكم الله تعالى؛ إذا كنت خليفته ﴿وَلَا تَتَّبِعِ﴾ هوى النفس في قضائك وغيره، مما تتصرف فيه من أسباب الدين والدنيا ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ الهوى فيكون سببًا لضلالك ﴿عَن سَبِيلِ اللهِ﴾: عن دلائله التي نصبها في العقول، وعن شرائعه التي شرعها وأوحى بها. و ﴿يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ متعلق بـ ﴿نَسُوا﴾، أي: بنسيانهم يوم الحساب، أو بقوله: ﴿لَهُمْ﴾، أي: لهم عذاب يوم القيامة بسبب نسيانهم؛ وهو ضلالهم عن سبيل الله.
وعن بعض خلفاء بني مروان: أنه قال لعمر بن عبد العزيز، أو للزهري: هل سمعت ما بلغنا؟ قال: وما هو؟ قال: بلغنا أن الخليفة لا يجري عليه القلم ولا تكتب عليه معصية. فقال: يا أمير المؤمنين، الخلفاء أفضل أم الأنبياء؟ ثم تلا هذه الآية.
[﴿ومَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ والأَرْضَ ومَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ٢٧]
﴿بَاطِلًا﴾: خلقًا باطلًا، لا لغرض صحيح وحكمة بالغة. أو: مبطلين عابثين، كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩]، وتقديره: ذوي باطل، أو عبثًا، فوضع باطلًا موضعه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: بحكم الله إذ كنت خليفته)، يريد: أن الأمر بالحكم بالعدل بعد ذكر ﴿إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ مشعر بأن وصف الخلافة يقتضي الحكم بالعدل، ولذلك رتب الحكم في التنزيل بالفاء على جعله خليفة.
قوله: (﴿فَيُضِلَّكَ﴾ الهوى)، عن بعضهم: ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ منصوب على الجواب، وقيل: مجزوم عطفًا على النهي، وفتحت اللام لالتقاء الساكنين.
قوله: (خلقًا باطلًا، لا لغرض صحيح)، قال القاضي: أي: خلقًا باطلًا لا حكمة فيه.
стр. 7140
كما وضعوا ﴿هَنِيئًا﴾ [النساء: ٤] موضع المصدر، وهو صفة، أي: ما خلقناهما وما بينهما للعبث واللعب، ولكن للحق المبين؛ وهو أن خلقنا نفوسًا أودعناها العقل والتمييز، ومنحناها التمكين، وأزحنا عللها ثم عرضناها للمنافع العظيمة بالتكليف، وأعددنا لها عاقبةً وجزاءً على حسب أعمالهم. و ﴿ذّلِكَ﴾ إشارة إلى خلقها باطلًا. والظن: بمعنى المظنون، أي: خلقها للعبث لا للحكمة هو مظنون الذين كفروا. فإن قلت: إذا كانوا مقرين بأن الله خالق السماوات والأرض وما بينهما بدليل قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] فبم جعلوا ظانين أنه خلقها للعبث لا للحكمة؟ قلت: لما كان إنكارهم للعبث والحساب والثواب والعقاب، مؤديًا إلى أن خلقها عبث وباطل، وجعلوا كأنهم يظنون ذلك، ويقولونه؛ لأن الجزاء هو الذي سيقت إليه الحكمة في خلق العالم من رأسها، فمن جحده فقد جحد الحكمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كما وضعوا ﴿هَنِيئًا﴾ موضع المصدر وهو: صفة) لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، وهما صفتان أقيمتا مقام المصدر.
قوله: (أن خلقنا نفوسًا)، إلى قوله: (ثم عرضناها للمنافع العظيمة) إلى آخره. قال الإمام: الآية تدل على صحة القول بالحشر والنشر؛ لأنه تعالى خلق الخلق إما للإضرار، أو للانتفاع، أو لا لهذا ولا لهذا، والأول: لا يليق بالرحيم الكريم، والثالث أيضًا: باطل؛ للعبث، فلم يبق إلا الثاني، فالانتفاع إما دنيوي أو أخروي، والأول باطل، والدليل المشاهدة ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، ولما بطل هذا ثبت القول بوجود حياة أخروية، فكل من أنكر الحشر والنشر كان شاكًا في حكم الله في خلق السماوات والأرض، وهو المراد من قوله: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]، والدليل عليه قوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]، فإنها كالتفصيل لذلك المجمل، وإلى هذا المعنى ينظر قول المصنف: لأنه الجزاء هو الذي سبقت إليه الحكمة في خلق العالم من رأسها، فمن جحده فقد جحد الحكمة من أصلها، إلى آخره.
стр. 7141
من أصلها، ومن جحد الحكمة في خلق العالم فقد سفه الخالق، وظهر بذلك أنه لا يعرفه ولا يقدره حق قدره، وكان إقراره بكونه خالقًا كلا إقرار.
[﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ ٢٨]
﴿أَمْ﴾ منقطعة، ومعنى الاستفهام فيها الإنكار، والمراد: أنه لو بطل الجزاء - كما يقول الكافرون- لا ستوت عند الله أحوال من أصلح وأفسد، واتقى وفجر، ومن سوى بينهم كان سفيهًا ولم يكن حكيمًا.
[﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ ٢٩]
وقرئ: (مباركًا)، و (ليتدبروا) على الأصل، و (لتدبروا) على الخطاب. وتدبر الآيات: التفكر فيها، والتأمل الذي يؤدي إلى معرفة ما يدبر ظاهرها من التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة؛ لأن من اقتنع بظاهر المتلو، لم يحل منه بكثير طائل، وكان مثله كمثل من له لقحة درور لا يحتلبها، ومهرة نثور لا يستولدها. وعن الحسن: قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله: حفظوا حروفه وضيعوا حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن فما أسقطت منه حرفًا، وقد- والله- أسقطه كله؛ ما يرى للقرآن عليه أثر في خلق ولا عمل، والله ما هو بحفظ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لم يحل)، من: حلوته بكذا فحلي به، أي: أعطيته فتناول، ومنه " حلوان الكاهن" لعطائه.
قوله: (لقحة درور)، الجوهري: اللقوح واللقاح- بالكسر-: الإبل بأعيانها، الواحدة: لقوح، وهي: الحلوب، والمهر: ولد الفرس، والأنثى: مهرة. والنثور: الكثيرة الولد.
стр. 7142
حروفه وإضاعة حدوده، والله ما هؤلاء بالحكماء ولا الوزعة، لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء. اللهم اجعلنا من العلماء المتدبرين، وأعذنا من القراء المتكبرين.
[﴿ووَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أَوَّابٌ * إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الجِيَادُ * فَقَالَ إنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأَعْنَاقِ﴾ ٣٠ - ٣٣]
وقرئ: (نعم العبد) على الأصل، والمخصوص بالمدح محذوف. وعلل كونه ممدوحًا بكونه أوابًا رجاعًا إليه بالتوبة، أو مسبحًا مؤوبًا للتسبيح مرجعًا له؛ لأن كل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا الوزعة)، أي: المانعين عن النواهي. الأساس: أوزعته: مانعته، والشيب وازع، ولابد للناس من وزعة؛ من كففة عن الشر والبغي، ووزع نفسه عن الجهل والهوى.
قال:
إذا لم أزع نفسي من الجهل والصبا .... لينفعها علمي فقد ضرها جهلي
قوله: (من القراء المتكبرين)، أي: الذين ليسوا بحكماء، أي: فقهاء، ولا يمنعون الناس عن الشر عملًا بالقرآن.
روي أن الحسن تعلم القرآن وهو ابن ثنتي عشرة سنة، لا حروفه فحسب، ولكن ما تعلم آية إلا وقد عرف تأويلها وجميع ما فيها من كل دقيق وجليل بقدر وسعه، فهو القراء الحقيقي.
قوله: (أوابًا رجاعًا إليه بالتوبة)، هو الوجه الأول، وقوله: "أو مسبحًا مؤويًا للتسبيح"، هو الوجه الثاني في قوله تعالى: ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٩].
قال: وضع ﴿أَوَّابٌ﴾ موضع المسبح؛ لأن الأواب- وهو: التواب الكثير الرجوع إلى الله تعالى- من عبادته أن يكثر ذكر الله ويديم تسبيحه، والفرق بين هذه الآية والسابقة أن
стр. 7143
مؤوب أواب. والصافن: الذي في قوله:
ألف الصفون فما يزال كأنه .... مما يقوم على الثلاث كسيرا
وقيل: الذي يقوم على طرف سنبك يد أو رجل: هو المتخيم، وأما الصافن فالذي يجمع بين يديه. وعن النبي ﷺ : "من سره أن يقوم الناس له صفونًا فليتبوا مقعده من النار"، أي: واقفين كما خدم الجبابرة. فإن قلت: ما معنى وصفها بالصفون؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
﴿أَوَّابٌ﴾ في تلك الآية لا يجوز أن يجري على ظاهره؛ لإسناده إلى غير العقلاء، فلا بد من التأويل، بخلافه هاهنا، فإن الوجه الأول جار على حقيقته.
قوله: (ألف الصفون)، البيت. يقال: ألف هذا الفرس القيام على ثلاث قوائم وسنبك الرابعة. "كسيرًا": منصوب بـ"ما يزال"، وقيل: حال من الضمير في "مما يقوم"، أي: كأنه من جنس ما يقوم على ثلاث قوائم في حال كونه كسير القائمة الأخرى.
قوله: (هو المتخيم)، كأنه القائم على أربع قوائم سواء، روى صاحب " االمغرب" عن ابن الأعرابي: أن الخيمة عن العرب لا تكون إلا من أربعة أعواد، ثم تسقف. الأساس: ومن المجاز: خيمت البقر، أقامت في مواضعها لا تبرح، تخيمت الريح في الثوب. فقوله: "هو المتخيم" خبر "الذي يقوم"، وخبر " الصافن" المتقدم في قوله: "وأما الصافن فالذي يجمع يديه".
الراغب: الصفن: الجمع بين الشيئين ضامًا بعضهما إلى بعض، يقال: صفن الفرس قوائمه، قال تعالى: ﴿الصَّافِنَاتُ الجِيَادُ﴾ [ص: ٣١] والصفن: الوعاء الذي يجمع الخصية. والصفن: دلو مجموع بحلقة.
قوله: (من سره أن يقوم الناس له صفونا فليتبوأ مقعده من النار)، "صفونًا" بالنون،
стр. 7144
قلت: الصفون لا يكاد يكون في الهجن، وإنما هو في العراب الخلص. وقيل: وصفها بالصفون والجودة؛ ليجمع لها بين الوصفين المحمودين: واقفة وجارية، يعني: إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنةً في مواقفها، وإذا جرت كانت سراعًا خفافًا في جريها. وروي: أن سليمان ﵇ غزا أهل دمشق ونصيبين، فأصاب ألف فرس. وقيل: ورثها من أبيه وأصابها أبوه من العمالقة. وقيل: خرجت من البحر لها أجنحة، فقعد يومًا بعدما صلى الأولى على كرسيه واستعرضها، فلم تزل تعرض عليه حتى غربت الشمس وغفل عن العصر، أو عن ورد من الذكر كان له وقت العشي، وتهيبوه فلم يعلموه، فاغتم لما فاته، فاستردها وعقرها مقر بالله، وبقي مئة، فما في أيدي الناس من الجياد فمن نسلها. وقيل: لما عقرها أبدله الله خيرًا منها؛ وهي الريح تجري بأمره.
فإن قلت: ما معنى: ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾؟ قلت: ﴿أَحْبَبْتُ﴾: مضمن معنى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحديث، من رواية أبي داود عن أبي مجلز، قال: خرج معاوية على ابن عامر وعلى ابن الزبير، فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر: اجلس، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أحب أن يمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار".
وعند الترمذي، قال: خرج معاوية فقام عبد الله بن الزبير وابن صفوان حين رأوه، فقال: اجلسا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار".
قوله: (في الهجن)، الجوهري: الهجنة في الناس من قبل الأم، فإذا كان الأب عتيقًا والأم ليست كذلك، كان الولد هجينًا.
قوله: (والجودة)، في"المطلع": الجياد: جمع جواد، وهو: الشديد الحضر من الخيل، ومصدره: الجودة- بالضم-، وفي العمل: الجودة- بالفتح-، ويقال: جاد الفرس يجود جودة، وجاد الرجل جوادًا. والجودة: مصدر الجيد من كل شيء.
стр. 7145
فعل يتعدى ب"عم"، كأنه قيل: أنبت حب الخير عن ذكر ربي. أو: جعلت حب الخير مجزئًا أو مغنيًا عن ذكر ربي. وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب"التبيان": أن ﴿أَحْبَبْتُ﴾ بمعنى: لزمت، من قوله:
مثل بعير السوء إذ أحبا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أنبت)، أي: جعلته نائبا، قال الزجاج: معنى: ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾ آثرت حب الخير على ذكر الله . الأساس: "استحبوا الكفر على الإيمان" آثروه عليه. وقال صاحب"الفرائد": ذهب جماعة من العلماء إلى أن ﴿أَحْبَبْتُ﴾ بمعنى: "آثرت"، وأن ﴿عَنْ﴾ بمعنى: "على" وجعلوا ﴿أَحْبَبْتُ﴾ بمعنى: "استحببت"، وقد جاء بمعنى الإيثار فو قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٣]، أي: يؤثرونها؛ الإيثار من لوازم الإحباب فيجوز أن يضمن الإحباب معناه ويعدى تعديته، ولكن ﴿عَنْ﴾ بمعنى: "على" فيه بعد.
وقال أبو البقاء: ﴿حُبَّ الخَيْرِ﴾ هو مفعول به ﴿أَحْبَبْتُ﴾؛ لأن مصدر ﴿أَحْبَبْتُ﴾ الإحباب، ويجوز أن يكون مصدرًا محذوف الزيادة. وقال صاحب"الفرائد": التقدير: أحببت الخير، أي: إحبابًا، ثم أضيف إلى المفعول.
قوله: (مثل بعير السوء إذ أحبا)، أوله:
تبًا لمن بالهون قد ألبا
قبله:
كيف قريت شيخك الأزبا .... لما أتاك بائسًا قرشبا؟
"تبًا" من التباب، وهو الهلاك، أي: أقام ولزم. "أحبا"، من: أحب البعير؛ بالحاء
следующие страницы →