← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.

стр. 7141

من أصلها، ومن جحد الحكمة في خلق العالم فقد سفه الخالق، وظهر بذلك أنه لا يعرفه ولا يقدره حق قدره، وكان إقراره بكونه خالقًا كلا إقرار. [﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ ٢٨] ﴿أَمْ﴾ منقطعة، ومعنى الاستفهام فيها الإنكار، والمراد: أنه لو بطل الجزاء - كما يقول الكافرون- لا ستوت عند الله أحوال من أصلح وأفسد، واتقى وفجر، ومن سوى بينهم كان سفيهًا ولم يكن حكيمًا. [﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ ٢٩] وقرئ: (مباركًا)، و (ليتدبروا) على الأصل، و (لتدبروا) على الخطاب. وتدبر الآيات: التفكر فيها، والتأمل الذي يؤدي إلى معرفة ما يدبر ظاهرها من التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة؛ لأن من اقتنع بظاهر المتلو، لم يحل منه بكثير طائل، وكان مثله كمثل من له لقحة درور لا يحتلبها، ومهرة نثور لا يستولدها. وعن الحسن: قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله: حفظوا حروفه وضيعوا حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن فما أسقطت منه حرفًا، وقد- والله- أسقطه كله؛ ما يرى للقرآن عليه أثر في خلق ولا عمل، والله ما هو بحفظ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لم يحل)، من: حلوته بكذا فحلي به، أي: أعطيته فتناول، ومنه " حلوان الكاهن" لعطائه. قوله: (لقحة درور)، الجوهري: اللقوح واللقاح- بالكسر-: الإبل بأعيانها، الواحدة: لقوح، وهي: الحلوب، والمهر: ولد الفرس، والأنثى: مهرة. والنثور: الكثيرة الولد.

стр. 7142

حروفه وإضاعة حدوده، والله ما هؤلاء بالحكماء ولا الوزعة، لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء. اللهم اجعلنا من العلماء المتدبرين، وأعذنا من القراء المتكبرين. [﴿ووَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أَوَّابٌ * إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الجِيَادُ * فَقَالَ إنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأَعْنَاقِ﴾ ٣٠ - ٣٣] وقرئ: (نعم العبد) على الأصل، والمخصوص بالمدح محذوف. وعلل كونه ممدوحًا بكونه أوابًا رجاعًا إليه بالتوبة، أو مسبحًا مؤوبًا للتسبيح مرجعًا له؛ لأن كل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا الوزعة)، أي: المانعين عن النواهي. الأساس: أوزعته: مانعته، والشيب وازع، ولابد للناس من وزعة؛ من كففة عن الشر والبغي، ووزع نفسه عن الجهل والهوى. قال: إذا لم أزع نفسي من الجهل والصبا .... لينفعها علمي فقد ضرها جهلي قوله: (من القراء المتكبرين)، أي: الذين ليسوا بحكماء، أي: فقهاء، ولا يمنعون الناس عن الشر عملًا بالقرآن. روي أن الحسن تعلم القرآن وهو ابن ثنتي عشرة سنة، لا حروفه فحسب، ولكن ما تعلم آية إلا وقد عرف تأويلها وجميع ما فيها من كل دقيق وجليل بقدر وسعه، فهو القراء الحقيقي. قوله: (أوابًا رجاعًا إليه بالتوبة)، هو الوجه الأول، وقوله: "أو مسبحًا مؤويًا للتسبيح"، هو الوجه الثاني في قوله تعالى: ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٩]. قال: وضع ﴿أَوَّابٌ﴾ موضع المسبح؛ لأن الأواب- وهو: التواب الكثير الرجوع إلى الله تعالى- من عبادته أن يكثر ذكر الله ويديم تسبيحه، والفرق بين هذه الآية والسابقة أن

стр. 7143

مؤوب أواب. والصافن: الذي في قوله: ألف الصفون فما يزال كأنه .... مما يقوم على الثلاث كسيرا وقيل: الذي يقوم على طرف سنبك يد أو رجل: هو المتخيم، وأما الصافن فالذي يجمع بين يديه. وعن النبي ﷺ : "من سره أن يقوم الناس له صفونًا فليتبوا مقعده من النار"، أي: واقفين كما خدم الجبابرة. فإن قلت: ما معنى وصفها بالصفون؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ﴿أَوَّابٌ﴾ في تلك الآية لا يجوز أن يجري على ظاهره؛ لإسناده إلى غير العقلاء، فلا بد من التأويل، بخلافه هاهنا، فإن الوجه الأول جار على حقيقته. قوله: (ألف الصفون)، البيت. يقال: ألف هذا الفرس القيام على ثلاث قوائم وسنبك الرابعة. "كسيرًا": منصوب بـ"ما يزال"، وقيل: حال من الضمير في "مما يقوم"، أي: كأنه من جنس ما يقوم على ثلاث قوائم في حال كونه كسير القائمة الأخرى. قوله: (هو المتخيم)، كأنه القائم على أربع قوائم سواء، روى صاحب " االمغرب" عن ابن الأعرابي: أن الخيمة عن العرب لا تكون إلا من أربعة أعواد، ثم تسقف. الأساس: ومن المجاز: خيمت البقر، أقامت في مواضعها لا تبرح، تخيمت الريح في الثوب. فقوله: "هو المتخيم" خبر "الذي يقوم"، وخبر " الصافن" المتقدم في قوله: "وأما الصافن فالذي يجمع يديه". الراغب: الصفن: الجمع بين الشيئين ضامًا بعضهما إلى بعض، يقال: صفن الفرس قوائمه، قال تعالى: ﴿الصَّافِنَاتُ الجِيَادُ﴾ [ص: ٣١] والصفن: الوعاء الذي يجمع الخصية. والصفن: دلو مجموع بحلقة. قوله: (من سره أن يقوم الناس له صفونا فليتبوأ مقعده من النار)، "صفونًا" بالنون،

стр. 7144

قلت: الصفون لا يكاد يكون في الهجن، وإنما هو في العراب الخلص. وقيل: وصفها بالصفون والجودة؛ ليجمع لها بين الوصفين المحمودين: واقفة وجارية، يعني: إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنةً في مواقفها، وإذا جرت كانت سراعًا خفافًا في جريها. وروي: أن سليمان ﵇ غزا أهل دمشق ونصيبين، فأصاب ألف فرس. وقيل: ورثها من أبيه وأصابها أبوه من العمالقة. وقيل: خرجت من البحر لها أجنحة، فقعد يومًا بعدما صلى الأولى على كرسيه واستعرضها، فلم تزل تعرض عليه حتى غربت الشمس وغفل عن العصر، أو عن ورد من الذكر كان له وقت العشي، وتهيبوه فلم يعلموه، فاغتم لما فاته، فاستردها وعقرها مقر بالله، وبقي مئة، فما في أيدي الناس من الجياد فمن نسلها. وقيل: لما عقرها أبدله الله خيرًا منها؛ وهي الريح تجري بأمره. فإن قلت: ما معنى: ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾؟ قلت: ﴿أَحْبَبْتُ﴾: مضمن معنى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحديث، من رواية أبي داود عن أبي مجلز، قال: خرج معاوية على ابن عامر وعلى ابن الزبير، فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر: اجلس، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أحب أن يمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار". وعند الترمذي، قال: خرج معاوية فقام عبد الله بن الزبير وابن صفوان حين رأوه، فقال: اجلسا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار". قوله: (في الهجن)، الجوهري: الهجنة في الناس من قبل الأم، فإذا كان الأب عتيقًا والأم ليست كذلك، كان الولد هجينًا. قوله: (والجودة)، في"المطلع": الجياد: جمع جواد، وهو: الشديد الحضر من الخيل، ومصدره: الجودة- بالضم-، وفي العمل: الجودة- بالفتح-، ويقال: جاد الفرس يجود جودة، وجاد الرجل جوادًا. والجودة: مصدر الجيد من كل شيء.

стр. 7145

فعل يتعدى ب"عم"، كأنه قيل: أنبت حب الخير عن ذكر ربي. أو: جعلت حب الخير مجزئًا أو مغنيًا عن ذكر ربي. وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب"التبيان": أن ﴿أَحْبَبْتُ﴾ بمعنى: لزمت، من قوله: مثل بعير السوء إذ أحبا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أنبت)، أي: جعلته نائبا، قال الزجاج: معنى: ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾ آثرت حب الخير على ذكر الله . الأساس: "استحبوا الكفر على الإيمان" آثروه عليه. وقال صاحب"الفرائد": ذهب جماعة من العلماء إلى أن ﴿أَحْبَبْتُ﴾ بمعنى: "آثرت"، وأن ﴿عَنْ﴾ بمعنى: "على" وجعلوا ﴿أَحْبَبْتُ﴾ بمعنى: "استحببت"، وقد جاء بمعنى الإيثار فو قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٣]، أي: يؤثرونها؛ الإيثار من لوازم الإحباب فيجوز أن يضمن الإحباب معناه ويعدى تعديته، ولكن ﴿عَنْ﴾ بمعنى: "على" فيه بعد. وقال أبو البقاء: ﴿حُبَّ الخَيْرِ﴾ هو مفعول به ﴿أَحْبَبْتُ﴾؛ لأن مصدر ﴿أَحْبَبْتُ﴾ الإحباب، ويجوز أن يكون مصدرًا محذوف الزيادة. وقال صاحب"الفرائد": التقدير: أحببت الخير، أي: إحبابًا، ثم أضيف إلى المفعول. قوله: (مثل بعير السوء إذ أحبا)، أوله: تبًا لمن بالهون قد ألبا قبله: كيف قريت شيخك الأزبا .... لما أتاك بائسًا قرشبا؟ "تبًا" من التباب، وهو الهلاك، أي: أقام ولزم. "أحبا"، من: أحب البعير؛ بالحاء

стр. 7146

وليس بذاك. والخير: المال، كقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقوله ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]. والمال: الخيل التي شغلته. أو: سمي الخيل خيرًا كأنها نفس الخير؛ لتعلق الخير بها، قال رسول الله ﷺ : "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة"، وقال في زيد الخيل حين وفد عليه وأسلم: "ما وصف لي رجل فرأيته ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المهملة: إذا وضع ركبتيه على الأرض بحيث لا يرفع بالضرب، ومنه اشتاق المحبة، قوله: "قرشبًا": أي: يابسًا فحلًا. قال صاحب"المطلع": أحب، إذا لزم المكان، مردود؛ لأنها لغة غريبة لا تليق بفصاحة القرآن، مع ما فيه من إخلاء الكلمة عن الفائدة، أي: عن هذا الذي عناه المصنف بقوله: "ليس بذاك"، ولهذا لم يذكره في"الأساس" أصلًا، وإن ذكره الجوهري في"الصحاح" وأنشد المصراع، وقال: الإحباب، البروك. أبو زيد، يقال: بعير محب، وقد أحب إحبابًا، وهو: يصيبه مرض أو كسر فلا يبرح مكانه حتى يبرأ أو يموت. وقال أبو البقاء: قال أبو علي: أحببت بمعنى: جلست، من إحباب البعير، وهو بروكه، و ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢] مفعول له مضاف إلى المفعول. وقال صاحب"الفرائد": لا يبعد أن يفسر ﴿أَحْبَبْتُ﴾ بمعنى: "لزمت" لاستلزم الإحباب اللزوم؛ لأن من أحب شيئًا لزمه، وقال: و ﴿ذِكْرِ رَبِّي﴾ على هذا نصب على الحال، أي: لزمت الأرض لحب الخير معرضًا عن ذكر ربي. قوله: (الخيل معقود بنواصيها الخير)، الحديث من رواية مسلم عن جرير، قال: رأيت رسول الله ﷺ يلوي ناصية فرس بأصبعه وهو يقول: "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة؛ الأجر والغنيمة". قوله: (وقال في زيد الخيل حين وفد عليه)، روى صاحب"الاستيعاب": هو زيد بن مهلهل بن زيد الطائي، قد مر على النبي ﷺ في وفد طيء سنة تسع، سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 7147

إلا كان دون ما بلغني، إلا زيد الخيل" وسماه زيد الخير. وسأل رجل بلالًا رضي الله ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ زيد الخير، وقال: "ما وصف لي أحد في الجاهلية فرأيته في الإسلام إلا رأيته دون صفته، غيرك". وكان شاعرًا محسنًا خطيبًا لسنا شجاعًا كريمًا، وكذا في" جامع الأصول". وروى الأنباري في" النزهة": أن الزمخشري لما قدم بغداد للحج جاءه الشيخ الشريف ابن الشجري مهنئًا بقدومه، فلما جالسه أنشده الشريف: كانت مساءلة الركبان تخبرني .... عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر حتى التقينا فلا والله ما سمعت .... أذني بأحسن مما قد رأى بصري وقال: وأستكبر الأخبار قبل لقائه .... فلما التقينا صغر الخبر الخبر ولم ينطق الزمخشري، فلما فرغ الشريف قال: إن زيد الخيل دخل على النبي ﷺ ، فحين بصر بالنبي ﷺ رفع صوته بالشهادتين، فقال رسول الله ﷺ : "يا زيد الخيل، كل رجل وصف لي وجدته دون الصفة إلا أنت، فإنك فوق ما وصفت لي وكذلك أنت، ودعا له وأثنى عليه". قوله: (وسماه زيد الخير)، وضع موضع"الخيل": ﴿الْخَيْرِ﴾، فحصل منه ما قصده وكل فضل؛ لأنه أجمع منه لاشتماله عليه وعلى كل فضيلة، وعليه جواب بلال عن قول الرجل: "أردت الخيل، وأنا أردت الخير" فإن الرجل سأل: من السابق في الطراد؟ أجاب عنه بالسابق في الخيرات تمليحًا من قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، وتنبيها على أن السبق الذي يعتنى بشأنه وينبغي أن يسأل عنه هذا لا ذاك كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتِ﴾ [البقرة: ١٨٩].

стр. 7148

عنه عن قوم يستبقون: من السابق؟ فقال: رسول الله ﷺ . فقال له الرجل: أردت الخيل. فقال: وأنا أردت الخير. والتواري بالحجاب: مجاز في غروب الشمس عن تواري الملك. أو المخبأة بحجابها. والذي دل على أن الضمير للشمس: مرور ذكر العشي، ولا بد للمضمر من جري ذكر أو دليل ذكر. وقيل: الضمير للصافنات، أي: حتى توارت بحجاب الليل، يعني الظلام. ومن بدع التفاسير: أن الحجاب جبل دون قاف بمسيرة سنة تغرب الشمس من ورائه. ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾: فجعل يمسح مسحًا، أي: يمسح بالسيف بسوقها وأعناقها، يعني: يقطعها. تقول: مسح علاوته؛ إذا ضرب عنقه، ومسح المسفر الكتاب؛ إذا قطع أطرافه بسيفه. وعن الحسن: كسف عراقيبها وضرب أعناقها. أراد بالكسف: القطع، ومنه: الكسف في ألقاب الزحاف في العروض. ومن قاله بالشين المعجمة: فمصحف. وقيل: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (المخبأة بحجابها)، الأساس: خبأت الجارية، وجارية مخبأة، والنساء مخبآت، وامرأة خبأة تخنس بعد الاطلاع. قوله: (وقيل: الضمير للصافنات)، قال الإمام: هذا أولى؛ لأن بقاءه ﵇ مشتغلًا بالخيل حتى تغرب الشمس وتفوت صلاته ذنب عظيم، فالواجب عليه التضرع بالابتهال لا التهور والتحير بقوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٢٣]، وإذا قلنا: إن الضمير يعود إلى ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ لا يلزم منه فوت الصلاة، وغايته أن الأولى استغراق الأوقات في ذكر الله من الاشتغال بأمر الدنيا، فترك الأولى وتحسر لذلك، وأمر بالقطع على أن رجوع الضمير حينئذ إلى المذكور القريب وعلى الأول إلى المقدر البعيد. قوله: (تقول: مسح علاوته)، الجوهري: العلاوة رأس الإنسان ما دام في عنقه، يقال: ضرب علاوته، أي: رأسه. قوله: (المسفر)، أي: المجلد والوراق. الجوهري: السفر- بالكسر-: الكتاب، والجمع: الأسفار.

стр. 7149

مسحها بيده استحسانًا لها وإعجابًا بها. فإن قلت: بم اتصل قوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾؟ قلت: بمحذوف، تقديره: قال: ردوها علي، فأضمر وأضمر ما هو جواب له، كأن قائلًا قال: فماذا قال سليمان؟ لأنه موضع مقتض للسؤال اقتضاءً ظاهرًا؛ وهو اشتغال نبي من أنبياء الله بأمر الدنيا، حتى تفوته الصلاة عن وقتها. وقرئ: (بالسؤوق) بهمز الواو لضمتها، كما في أدؤر. ونظيره: الغؤور، في مصدر غارت الشمس. وأما من قرأ: (بالسؤق) فقد جعل الضمة في السين كأنها في الواو للتلاصق، كما قيل: مؤسى. ونظير ساق وسوق: أسد وأسد. وقرئ: (بالساق) اكتفاءً بالواحد عن الجميع؛ لأمن الإلباس. [﴿ولَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ ٣٤] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مسحها بيده استحسانًا)، وفي "المعالم": هو قول ضعيف. وقال الزجاج: مسح أعناقها وسوقها بالماء بيده، وإنما قال ذلك قوم؛ لأن قتلها كان عندهم منكرًا، وليس ما يبيحه الله تعالى منكرًا. قوله: (بمحذوف تقديره "قال")، يعني: متعلقة لفظة "قال"، وهي مع المقول جواب عن سؤال مقدر يقتضيه المقام؛ لأن اشتغال مثله من أنبياء الله بأمر الدنيا بعيد، فكأنه ﵇ لما قال: ﴿إنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ اتجه لسائل أن يقول: فماذا قال سليمان بعد هذا؟ فأجيب: قال ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ فأضمر القول وأضمر سؤال السائل. فقوله: "وأضمر ما هو جواب له"، معناه: أضمر في الكلام ما المحذوف جواب له. قوله: (وأما من قرأ: "بالسؤق")، المطلع: وقرئ: "بالسؤوق" على "فعول"، بهمز الواو وبضمها، كما في: "أجوه" في: "وجوه"، ومنهم من يقرأ: "بالسؤق" مهموز، كما في: "مؤسى" بالهمز.

стр. 7150

قيل: فتن سليمان بعدما ملك عشرين سنه، وملك بعد الفتنة عشرين سنة. وكان من فتنته: أنه ولد له ابن، فقالت: الشياطين: إن عاش لم ننفك من السخرة، فسبيلنا أن نقتله أو نخبله، فعلم ذلك، فكان يغذوه في السحابة، فما راعه إلا أن ألقي على كرسيه ميتا، فتنبه على خطئه في أن لم يتوكل فيه على ربه، فاستغفر ربه وتاب إليه. وروي عن النبي ﷺ : "قال سليمان: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن، فلم يحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفسي بيده، لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون"، فلذلك قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾. وهذا ونحوه مما لا بأس به. وأما ما يروى من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان، فالله أعلم بصحته؛ حكوا: أن سليمان بلغه خبر صيدون، وهي مدينة في بعض الجزائر، وأن بها ملكًا عظيم الشأن لا يقوى عليه لتحصنه بالبحر، فخرج إليه تحمله الريح، حتى أناخ بها بجنوده من الجن والإنس، فقتل ملكها وأصاب بنتًا له اسمها جرادة من أحسن الناس وجهًا، فاصطفاها لنفسه، وأسلمت، وأحبها، وكانت لا يرقأ دمعها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فما راعه)، أي: ما دخل في روعه، أي: قلبه، أي: ما شعر به، ومنه الحديث: "إن روح القدس نفث في روعي". قوله: (قال سليمان: لأطوفن الليلة)، الحديث بتمامه أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة. قوله: (فلم يحمل إلا امرأة)، صح " يحمل" بالياء التحتانية، أي: فلم يحمل شيء، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الممتحنة: ١١].

стр. 7151

حزنًا على أبيها، فأمر الشياطين فمثلوا لها صورة أبيها، فكستها مثل كسوته، كانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدن له كعادتهن في ملكه، فأخبر آصف سليمان بذلك، فكسر الصورة وعاقب المرأة، ثم خرج وحده إلى فلاة وفرش له الرماد، فجلس عليه تائبًا إلى الله متضرعًا، وكانت له أم ولد يقال لها: أمينة، إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها، وكان ملكه في خاتمه، فوضعه عندها يومًا، وأتاها الشيطان صاحب البحر، وهو الذي دل سليمان على الماس حين أمر ببناء بيت المقدس، واسمه صخر؛ على صورة سليمان، فقال: يا أمينة خاتمي! فتختم به وجلس على كرسي سليمان، وعكفت عليه الطير والجن والإنس، وغير سليمان عن هيئته، فأتى أمينة لطلب الخاتم، فأنكرته وطردته، فعرف أن الخطيئة قد أدركته، فكان يدور على البيوت يتكفف، فإذا قال: أنا سليمان، حثوا عليه التراب وسبوه، ثم عمد إلى السماكين ينقل لهم السمك فيعطونه كل يوم سمكتين، فمكث على ذلك أربعين صباحًا عدد ما عبد الوثن في بيته، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان، وسأل آصف نساء سليمان فقلن: ما يدع امرأة منا في دمها، ولا يغتسل من جنابة. وقيل: بل نفذ حكمه في كل شيء إلا فيهن. ثم طار الشيطان وقذف الخاتم في البحر، وابتلعته سمكة، ووقعت السمكة في يد سليمان، فبقر بطنها فإذا هو الخاتم، فتختم به ووقع ساجدًا، ورجع إليه ملكه، وجاب صخرةً لصخر فجعله فيها، وسد عليه بأخرى ثم أوثقهما بالحديد والرصاص وقذفه في البحر. وقيل: لما افتنن كان يسقط الخاتم في يده لا يتماسك فيها، فقال له آصف: إنك لمفتون بذنبك والخاتم لا يقر في يدك، فتب إلى الله . ولقد أبى العلماء المتقنون قبوله، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وكان ملكه في خاتمه)، أي: ما دام الخاتم في يده كان ملكًا مطاعًا. قوله: (الماس)، عن بعضهم: الألف واللام فيه للتعريف؛ من ماس الحديد؛ الذي يقطع به ويثقب الحديد به. قوله: (ولقد أبى العلماء المتقنون قبوله)، أي: قبول ما يروى، وقالوا: هذا من أباطيل

стр. 7152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اليهود، هكذا في "المطلع" أيضًا، وقال محيي السنة: هذه القصة عن آخرها ذكرها محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه، ولعمري إنها قريبة مما رويناه عن الأئمة البخاري ومسلم والترمذي، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: "إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى بني إسرائيل ليس هو صاحب الخضر، فقال: كذب عدو الله" الحديث. وروى محيي السنة: أن وزيره آصف أقام في ملكه يسير بسيرته أربعة عشر يومًا، وسليمان هارب إلى ربه يستغفر لذنبه إلى أن رد الله ملكه، وقال: وهو الجسد الذي قال الله تعالى: ﴿ولَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ [ص: ٣٤]، وروي أيضًا أن سليمان قال يومًا: "لأطوفن الليلة". وساق الحديث إلى قوله: "فما خرج منهن إلا شق مولود، فجاءت به القابلة فألقته على كرسيه فذلك قوله: ﴿وأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾. ثم قال: وأشهر الأقاويل أن الجسد الذي ألقي على كرسيه هو الصخر الجني. قال الإمام: هذا باطل من وجوه: أحدها: أن الشيطان لو قدر أن يتشبه بصورة الأنبياء لزم عدم الوثوق بشيء من الشرائع. وثانيها: أنه لو قدر أن يعامل النبي بهذه المعاملة فغيره أولى، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]. وثالثها: كيف يليق بحكمة الله أن يسلط الشيطان على غشيان نسائه؟ ! العياذ بالله هذه فرية ليس فيها مرية. ورابعها: كيف يأذن نبي الله على عبادة الصنم؟ وخامسها: أن تفسير ألقاء الجسد على الكرسي بالولد لنفسه لمرض شديد ألقاه الله

стр. 7153

وقالوا: هذا من أباطيل اليهود، والشياطين لا يتمكنون من مثل هذه الأفاعيل، وتسليط الله إياهم على عباه حتى يقعوا في تغيير الأحكام، وعلى نساء الأنبياء حتى يفجروا بهن: قبيح، وأما اتخاذ التماثيل: فيجوز أن تختلف فيه الشرائع، ألا ترى إلى قوله: ﴿مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: ١٣]؟ وأما السجود للصورة: فلا يظن بنبي الله أن يأذن فيه، وإذا كان بغير علمه: فلا عليه. وقوله: ﴿وأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ ناب عن إفادة معنى إنابة الشيطان منابه نبوًا ظاهرًا. [﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ﴾ ٣٥] قدم الاستغفار على استيهاب الملك؛ جريًا على عادة الأنبياء والصالحين في تقديمهم أمر دينهم على أمور ديناهم. ﴿لَا يَنبَغِي﴾: لا يتسهل ولا يكون. ومعنى ﴿مِن بَعْدِ]﴾: دوني. فإن قلت: أما يشبه الحسد والحرص على الاستبداد بالنعمة أن يستعطي الله ما لا يعطيه غيره؟ قلت: كان سليمان ﵇ ناشئًا في بيت الملك والنبوة ووارثًا لهما، فأراد أن يطلب من ربه معجزةً، فطلب على حسب إلفه ملكًا زائدًا على المماليك زيادةً خارقة للعادة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عليه أو ابتلاه بتسليط خوف أو توقع بلاء، فصار لذلك كالجسد الضعيف الملقى على الكرسي أولى من تفسيره بتسليط عفريت مارد؛ لأن العرب تقول في الضعيف الزمن: إنه لحم على وضم، وجسد بلا روح. هذا هو المراد من قول المصنف: "وألقينا على كرسيه جسدًا ناب عن إنابة الشيطان منابه نبوًا ظاهرًا"، وفي الوجوه التي نسبت إلى الإمام تصرف واختصار، وأشبه الأقاويل في إلقاء الجسد، هو شق الولد؛ لأنه مؤيد بما رويناه عن الأئمة المتقين. قوله: (فأراد أن يطلب من ربه معجزة فطلب على حسب إلفه ملكًا زائدًا على الممالك زيادة خارقة للعادة)، قالوا: إنما طلب الملك من بين سائر المعجزات؛ لما أن الغالب

стр. 7154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في زمنه ﵇ الملك، فطلب مثل ذلك ليكون حجة؛ لأن معجزة كل نبي كانت من جنس الغالب في زمانه، كالسحر في زمن موسى ﵇، فتحداهم بالعصا واليد البيضاء. والطب في زمن عيسى ﵇، فتحداهم بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى. والفصاحة في زمن نبينا صلوات الله عليه، فتحداهم بأقصر سورة من كلام ذي العزة والكبرياء. وأما الزيادة الخارقة للعادة من حيث تسخير ما لم يسخر للإنس، فقد روى محيي السنة عن مقاتل بن حيان: كان سليمان ملكًا، ولكنه أراد بقوله: ﴿لاَّ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]، تسخير الرياح والطير والشياطين، بدليل ما بعده. وروى البخاري عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن عفريتًا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته فأردت أن أربطه بسارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] فرددته خاسئًا. وأما من حيث تسخير الملوك، فهو ما ذكر الفقيه أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري في"تاريخه": أن سليمان ﵇ ورث ملك أبيه في عصر كيخسر وبن شباوش وسار من الشام إلى العراق، فبلغ خبره كيخسرو، فهرب إلى خراسان، فلم يلبث قليلًا حتى هلك، ثم سار سليمان إلى مرو، ثم إلى بلاد الترك فوغل فيها، وجاز بلاد الصين، ثم عطف إلى أن وافى بلاد الفرس فنزلها أيامًا، ثم عاد إلى السام فوافى تدمر وكانت مطنه، ثم أمر ببناء المقدس، فلما فرغ منه سار إلى تهامة ثم إلى صنعاء وتفقد الطير، وكان من حديثه مع صاحبة صنعاء ما ذكره الله تعالى، وغزا بلاد المغرب الأندلسي وطنجة وإفرنجة ونواحيها. والله أعلم بحقيقة الحال،

стр. 7155

بالغة حد الإعجاز؛ ليكون ذلك دليلًا على نبوته قاهرًا للمبعوث إليهم، وأن يكون معجزةً حتى يخرق العادات، فذلك معنى قوله: ﴿لاَّ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾. وقيل: كان ملكًا عظيمًا، فخاف أن يعطى مثله أحد فلا يحافظ على حدود الله فيه، كما قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠]. وقيل: ملكًا لا أسلبه ولا يقوم غيري فيه مقامي، كما سلبته مرة وأقيم مقامي غيري. ويجوز أن يقال: علم الله فيما اختصه به من ذلك الملك العظيم مصالح في الدين، وعلم أنه لا يضطلع بأعبائه غيره، وأوجبت الحكمة استيهابه، فأمره أن يستوهبه إياه، فاستوهبه بأمر من الله على الصفة التي علم الله أنه لا يضبطه عليها إلا هو وحده دون سائر عباده. أو أراد أن يقول: ملكًا عظيمًا، فقال: ﴿لاَّ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾، ولم يقصد بذلك إلا عظم الملك وسعته، كما تقول: لفلان ما ليس لأحد من الفضل والمال، وربما كان للناس أمثال ذلك، ولكنك تريد تعظيم ما عنده. وعن الحجاج: أنه قيل له: إنك حسود، فقال: أحسد مني من قال: ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾. وهذا من جرأته على الله وشيطنته، كما حكي عنه: طاعتنا أوجب من طاعة الله؛ لأنه شرط في طاعته فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وأطلق طاعتنا فقال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. [﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * والشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وغَوَّاصٍ * وآخَرِينَ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأطلق طاعتنا فقال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وروي عن المصنف: نسي الحجاج شرطًا آخر، وهو أن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فشرط أن يكون من المؤمنين، وه لم يكن من المؤمنين، يريد أن"من" في ﴿مِنْكُمْ﴾ للاتصال، كقوله: "من غشنا فليس منا". وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، كالطوق في عنقه؛ لأنه قيد للمطلق، أي: فإن اختلفتم أنتم وأولو الأمر منكم في شيء من أمور الدين فارجعوا إلى الكتاب والسنة.

стр. 7156

مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وإنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ ٣٦ - ٤٠] قرئ: ﴿الرِّيحَ﴾، و (الرياح)، ﴿رُخَاءً﴾: لينة طيبة لا تزعزع. وقيل: طيعة له لا تمتنع عليه، ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: حيث قصد وأراد. حكى الأصمعي عن العرب: أصاب الصواب فأخطأ الجواب. وعن رؤبة: أن رجلين من أهل اللغة قصداه ليسألاه عن هذه الكلمة، فخرج إليهما فقال: أين تصيبان؟ فقالا: هذه طلبتنا، ورجعا. ويقال: أصاب الله بك خيرًا. ﴿وَالشَّيَاطِنَ﴾ عطف على ﴿الرِّيحَ﴾، و ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ﴾ بدل من ﴿وَالشَّيَاطِنَ﴾، ﴿وَآخَرينَ﴾: عطف على ﴿كُلِّ﴾ داخل في حكم البدل، وهو بدل الكل من الكل: كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية، ويغوصون له فيستخرجون اللؤلؤ، وهو أول من استخرج الدر من البحر، وكان يقرن مردة الشياطين بعضهم مع بعض في القيود والسلاسل للتأديب والكف عن الفساد. وعن السدي: كان يجمع أيديهم إلى أعناقهم مغللين في الجوامع. والصفد القيد، وسمي به العطاء؛ لأنه ارتباط للمنعم عليه، ومنه قول علي ﵁: من برك فقد أسرك، ومن جفاك فقد أطلقك. وقول القائل: غل يدًا مطلقها، وأرق رقبة معتقها. وقال حبيب: إن العطاء إسار ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قريء: ﴿الرِّيحَ﴾، وهي المشهورة، و"الرياح": شاذة. قوله: (في الجوامع)، الجوهري: الجامعة: الغل؛ لأنها تجمع اليدين إلى العنق. قوله: (والصفد: القيد، وسمي به العطاء)، قال الزجاج: الأصفاد، هي: السلاسل من الحديد، وكل ما شددت به شدًا وثيقًا بالحديد وغيره فقد صفدته، وكل ما أعطيته عطاء جزيلًا فقد أصفدته، كأنك أعطيته ما ترتبطه به. قوله: (إن العطاء إسار)، أوله لأبي تمام حبيب بن أوس:

стр. 7157

وتبعه من قال: ومن وجد الإحسان قيدًا تقيدا وفرقوا بين الفعلين؛ فقالوا: صفده: قيده، وأصفده: أعطاه، كوعده وأوعده، أي: ﴿هَذَا﴾ الذي أعطيناك من الملك والمال والبسطة ﴿عَطَاؤُنَا﴾، ﴿بَغَيْرِ حِسَابٍ﴾، يعني: جمًا كثيرًا لا يكاد يقدر على حسبه وحصره، ﴿فَامْنُنْ﴾ من المنة؛ وهي العطاء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هممي معلقة عليك رقابها .... مغلولة إن العطاء إسار الإسار: القيد، وهو مصدر أيضًا، يقال: أسرت الرجل أسرًا وإسارًا، والرواية في ديوانه: "إن الوفاء إسار" يقول: أحسنت إلي فصيرني إحسانك أسيرًا لك. قبله: أيامنا مصقولة أطرفها .... بك والليالي كلها أسحار ومودتي لك لا تعار بلى إذا .... ما كان تامور الفؤاد يعار التامور: القلب، يقول: لا أعير مدتك سواك، كما أني لا أعير قلبي ودمي. قوله: (وتبعه)، أي: المتنبي أخذ من هذا قوله: وقيدت نفسي في ذراك محبة ومن وجد الإحسان قيدًا تقيدا الذرة- بالفتح- كل ما استترت به، يقال: أنا في ظل فلان وفي ذراه، أي: في كنفه. قوله: (﴿عَطَاؤُنَا﴾، ﴿بَغَيْرِ حِسَابٍ﴾)، قدم ﴿بَغَيْرِ حِسَابٍ﴾ على ﴿فَامْنُنْ﴾ ليشير إلى أن ﴿بَغَيْرِ حِسَابٍ﴾ متعلق بـ ﴿عَطَاؤُنَا﴾، والفاء في ﴿فَامْنُنْ﴾ للتفصيل أو جزاء شرط محذوف، و ﴿أَوْ﴾ للإباحة والتخيير، ولذلك قال: "مفوضًا إليك التصرف فيه". وعن بعضهم: ﴿بَغَيْرِ حِسَابٍ﴾ حال من ﴿عَطَاؤُنَا﴾ أي: هذا عطاؤنا واسعًا؛ لأن الحساب بمعنى: الكافي.

стр. 7158

أي: فأعط منه ما شئت ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ مفوضًا إليك التصرف فيه. وفي قراءة ابن مسعود: (هذا فامنن أو أمسك عطاؤنا بغير حساب)؛ أو: هذا التسخير عطاؤنا، فامنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق، وأمسك من شئت منهم في الوثاق بغير حساب، أي: لا حساب عليك في ذلك. [﴿واذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وشَرَابٌ * ووَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ ومِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ * وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ ولا تَحْنَثْ إنَّا وجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ٤١ - ٤٤] ﴿أَيُّوبَ﴾ عطف بيان، و ﴿إِذْ﴾ بدل اشتمال منه، ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ﴾: بأني مسني؛ حكايةً لكلامه الذي ناداه بسببه، ولو لم يحك لقال بأنه مسه؛ لأنه غائب. وقرئ: ﴿بِنُصْبٍ﴾ بضم النون وفتحها مع سكون الصاد، وبفتحهما، وضمهما، فالنصب والنصب: كالرشد والرشد، والنصب: على أصل المصدر والنصب: تثقيل نصب، والمعنى واحد؛ وهو التعب والمشقة. والعذاب: الألم، يريد مرضه وما كان يقاسي فيه من أنواع الوصب. وقيل: الضر في البدن، والعذاب في ذهاب الأهل والمال. فإن قلت: لم نسبه إلى الشيطان، ولا يجوز أن يسلطه الله على أنبيائه ليقضي من إتعابهم وتعذيبهم وطره، ولو قدر على ذلك لم يدع صالحًا إلا وقد نكبه وأهلكه، وقد تكرر في القرآن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو هذا التسخير عطاؤنا)، وعلى هذا ﴿بَغَيْرِ حِسَابٍ﴾ حال من الضمير في ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ والمعنى: غير محاسب عليك، و ﴿أَوْ﴾ للتنويع، ومن ثم أتى بالواو بدله، ويجوز الإباحة. قوله: (وقرئ: ﴿بِنُصْبٍ﴾ بضم النون وفتحها)، المشهورة: بضم النون وسكون الصاد، والبواقي: شواذ. قوله: (وقد نكبه)، الجوهري: النكبة: واحدة نكبات الدهر، تقول: أصابته نكبة،

стр. 7159

أنه لا سلطان له إلا الوسوسة فحسب؟ قلت: لما كانت وسوسته إليه وطاعته له فيما وسوس سببًا فيما مسه الله به من النصب والعذاب؛ نسبه إليه، وقد راعى الأدب في ذلك؛ حيث لم ينسبه إلى الله في دعائه، مع أنه فاعله ولا يقدر عليه إلا هو. وقيل: أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه: من تعظيم ما نزل به من البلاء، ويغريه على الكراهة والجزع، فالتجأ إلى الله تعالى في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء، أو بالتوفيق في دفعه ورده بالصبر الجميل. وروي: أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين، فارتد أحدهم، فسأل عنه، فقيل: ألقى إليه الشيطان: إن الله لا يبتلي الأنبياء والصالحين. وذكر في سبب بلائه: أن رجلًا استغاثه على ظالم فلم يغثه. وقيل: كانت مواشيه في ناحية ملك كافر، فداهنه ولم يعزه. وقيل: أعجب بكثرة ماله. ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾: حكاية ما أجيب به أيوب، أي: اضرب برجلك الأرض. وعن قتادة: هي أرض الجابية، فضربها، فنبعت عين فقيل: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وشَرَابٌ﴾ أي: هذا ماء تغتسل به وتشرب منه، فيبرأ باطنك وظاهرك، وتنقلب ما بك قلبة. وقيل: نبعت له عينان، فاغتسل من إحداهما وشرب من الأخرى، فذهب الداء من ظاهره وباطنه بإذن الله. وقيل: ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها، ثم باليسرى فنبعت باردة فشرب منها. ﴿رَحْمَةً مِّنَّا وذِكْرَى﴾ مفعول لهما. والمعنى: أن الهبة كانت للرحمة له ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ونكب فلان فهو منكوب. والجابية: مدينة الشام، وقيل: فيها جباب كثيرة كانت في إقطاع إلى تمام. قوله: (أي: هذا ماء تغتسل به)، الراغب: غسلت الشيء: أسلت عليه الماء فأزلت درنه، والغسل: الاسم، والغسل: ما يغسل به، والاغتسال: غسل البدن، والمغتسل: موضع يغتسل فيه. قوله: (ما بك قلبة)، الأساس: قلبة: داء يتقلب منه على فراشه.

стр. 7160

ولتذكير أولي الألباب؛ لأنهم إذا سمعوا بما أنعمنا به عليه لصبره، رغبهم في الصبر على البلاء وعاقبة الصابرين، وما يفعل الله بهم. ﴿خُذْ﴾ معطوف على ﴿ارْكُضْ﴾. والضغث: الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو غير ذلك. وعن ابن عباس: قبضة من الشجر، كان حلف في مرضه ليضربن امرأته مئةً إذا برأ، فحلل الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها؛ لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها، وهذه الرخصة باقية. وعن النبي ﷺ : أنه أتي بمخدج، قد خبث بأمة، فقال: "خذوا عثكالًا فيه مئة شمراخ فاضربوه بها ضربة". ويجب أن يصيب المضروب كل واحد من المئة، إما أطرافها قائمةً، وإما أعراضها مبسوطةً مع وجود صورة الضرب. وكان السبب في يمينه أنها أبطأت عليه ذاهبةً في حاجة فخرج صدره. وقيل: باعت ذؤابتيها برغيفين وكانتا متعلق أيوب إذا قام. وقيل: قال لها الشيطان: اسجدي لي سجدةً فأرد عليكم مالكم وأولادكم، فهمت بذلك فأدركتها العصمة، فذكرت ذلك له، فحلف. وقيل: أوهمها الشيطان أن أيوب إذا شرب الخمر برأ، فعرضت له بذلك. وقيل: سألته أن يقرب للشيطان بعناق. ﴿وَجَدْنَاهُ صّابِرًا﴾: علمناه صابرًا. فإن قلت: كيف وجده صابرًا وقد شكا إليه ما به واسترحمه؟ قلت: الشكوى إلى الله عز وعلا لا تسمى جزعًا، ولقد قال يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، وكذلك شكوى العليل إلى الطبيب؛ وذلك أن أصبر الناس على البلاء لا يخلو من تمني العافية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بمخدج)، أي: ضعيف ناقص البدن. النهاية: الخداج، النقصان، يقال: خدجت الناقة: إذا ألقت ولدها قبل أوانه وإن كان تام الخلق. "العثكال": العذق، وكل غصن من أغصانه شمراخ، وهو الذي عليه البسر. قوله: (ويجب أن يصيب) إلى آخره، وقيل: الصواب لا يجب، بل إن أصابه ثقل الجميع بأن ينكس عليه الشمراخ كفى.

стр. 7161

وطلبها، فإذا صح أن يسمى صابرًا مع تمني العافية وطلب الشفاء، فليسم صابرًا مع اللجأ إلى الله تعالى، والدعاء بكشف ما به، ومع التعالج ومشاورة الأطباء، على أن أيوب ﵇ كان يطلب الشفاء خيفة على قومه من الفتنة، حيث كان الشيطان يوسوس إليهم كما كان يوسوس إليه أنه لو كان نبيًا لما ابتلي بمثل ما ابتلي به؛ وإرادة القوة على الطاعة، فقد بلغ أمره إلى أن لم يبق منه إلا القلب واللسان. ويروى: أنه قال في مناجاته: إلهي قد علمت أنه لم يخالف لساني قلبي، ولم يتبع قلبي بصري، ولم يهبني ما ملكت يميني، ولم آكل إلا ومعي يتيم، ولم أبت شبعان ولا كاسيًا ومعي جائع أو عريان؛ فكشف الله عنه. [﴿واذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وإسْحَاقَ ويَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي والأَبْصَارِ * إنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وإنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ﴾ ٤٥ - ٤٧] ﴿إبْرَاهِيمَ وإسْحَاقَ ويَعْقُوبَ﴾: عطف بيان لـ ﴿عِبَادَنَا﴾، ومن قرأ: (عبدنا) جعل ﴿إبْرَاهِيمَ﴾ وحده عطف بيان له، ثم عطف ذريته على (عبدنا)؛ وهي: إسحاق ويعقوب، كقراءة ابن عباس: ﴿وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]. لما كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدي؛ غلبت، فقيل في كل عمل: هذا مما عملت أيديهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولم يهبني)، من الهبة والروع وهو كناية عن التعظيم والإعجاب، قال الشاعر: بدا فراع فؤادي حسن منظره قوله: (ومن قرأ: "عبدنا")، وهو ابن كثير. قوله: (جعل ﴿إبْرَاهِيمَ﴾ وحده عطف بيان)، قال مكي: فيكون إبراهيم داخلًا في العبودية والذكر، ﴿وإسْحَاقَ ويَعْقُوبَ﴾ داخلان في الذكر لا غير، وهما داخلان في العبودية بغير هذه الآية.

стр. 7162

وإن كان عملًا لا يتأتى فيه المباشرة بالأيدي، أو كان العمال جذمًا لا أيدي لهم وعلى ذلك ورد قوله عز وعلا: ﴿أُوْلِي الأَيْدِي والأَبْصَارِ﴾ يريد: أولي الأعمال والفكر، كأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة، ولا يجاهدون في الله، ولا يفكرون أفكار ذوي الديانات، ولا يستبصرون؛ في حكم الزمنى الذين لا يقدرون على إعمال جوارحهم والمسلوبي العقول الذين لا استبصار بهم. وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال الله، ولا من المستبصرين في دين الله، وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل مع كونهم متمكنين منهما. وقرئ: (أولي الأيادي) على جمع الجمع. وفي قراءة ابن مسعود: (أولي الأيد) على طرح الياء والاكتفاء بالكسرة. وتفسيره بالأيد- من التأييد- قلق ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتفسيره بالأيد- من التأييد- قلق)، يريد قول الزجاج: ومن قرأ: "أولي الأيد" بغير ياء، فمعناه: من التأييد والتقوية على الشيء، وإنما كان قلقًا؛ لأنه لا يلائم الأبصار. قال: الأبصار: جمع البصر، وهي الجارحة، والمراد ها هنا البصيرة، فإذا لم يجعل ﴿الْأَيْدِي﴾ جمع اليد المراد بها العمل لم يتطابقا لفظًا ولا معنى، ولأن التأييد من أفعال الله تعالى وهو لفظه وتوفيقه. وقال ابن جني: وهي قراءة الحسن والثقفي والأعمش، ويحتمل أن يراد بها ﴿الْأَيْدِي﴾ على قراءة العامة، فحذف الياء تخفيفًا، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦]، فيراد القوة في إطاعة الله، والعمل بما يرضيه، لقراءته بالأبصار، أي: البصر بما يحظى عند الله، فـ ﴿الْأَيْدِي﴾ على هذا جمع اليد التي هي القوة، كقولك: له يد في الطاعة وقدم في المتابعة، فالمعنيان واحد، وهو: البصيرة والنهضة في طاعة الله تعالى. وقال الشماخ: إذا ما راية رفعت لمجد .... تلقاها عرابة باليمين فلما جعلوا اليد عبارة هن القوة، أغرق فيه وجعل اليمين عبارة عنها؛ لأنها أقوى من الشمال، ويحتمل أن يراد بها النعمة والتأييد، هذا خلاصة كلام ابن جني.

стр. 7163

غير متمكن ﴿أَخْلَصْنَاهُم﴾: جعلناهم لنا خالصين ﴿بِخَالِصَةٍ﴾: بخصلة خالصة لا شوب فيها، ثم فسرها بـ ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ شهادة لذكرى الدار بالخلوص والصفاء وانتقاء الكدورة عنها. وقرئ على الإضافة. والمعنى: بما خلص من ذكرى الدار، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ثم فسرها ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص: ٤٦]، أو شهادة لذكرى الدار بالخلوص والصفاء، هذا كقوله في إبدال ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، بقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ﴾ [الفاتحة: ٧]، الإشعار بأن الطريق المستقيم بيانه وتفسيره صراط المسلمين؛ ليكون ذلك شهادة لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده، إلى آخره. وقال الزجاج وأبو البقاء: يجوز أن يكون ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ بدلًا من"خالصة". وقال القاضي: المعنى أن مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون جوار الله والفوز بلقائه، وذلك في الآخرة، وإطلاق الدار للإشعار بأنها الدار الحقيقية، والدنيا معبر. وأضاف نافع"خالصة" إلى ﴿ذِكْرَى﴾ للبيان. وقال أبو البقاء: والإضافة من باب إضافة الشيء إلى ما يبينه لأن الخالصة قد تكون ذكرى وغير ذكرى، والخالصة مصدر مضاف إلى المفعول؛ أي: بإخلاصهم ذكرى الدار، وقيل: بمعنى خلوص، فالإضافة إلى الفاعل، أي بأن خلصت لهم ذكرى الدار. وعن بعضهم: "خالصة" اسم فاعل، تقديره: بخالص ذكرى الدار، أي: خالص أن يشاب بغيره، وقرئ بتنوين"خالصة"، فيجوز أن يكون ﴿ذِكْرَى﴾ في موضع نصب مفعول"خالصة"، أو على إضمار: أعني، وأن يكون في موضع رفع فاعل"خالصة"، أو على تقدير: في ﴿ذِكْرَى﴾. والمصنف اختار أن يكون مضافًا إلى المفعول له، لقوله: "إنهم لا يشوبون ذكرى الدار بهم آخر".

стр. 7164

على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بهم آخر، إنما همهم ذكرى الدار لا غير. ومعنى ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾: ذكراهم الآخرة دائبًا، ونسيانهم إليها ذكر الدنيا. أو: تذكيرهم الآخرة وترغيبهم فيها، وتزهيدهم في الدنيا، كما هو شأن الأنبياء وديدنهم. وقيل: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾: الثناء الجميل في الدنيا ولسان الصدق الذي ليس لغيرهم. فإن قلت: ما معنى ﴿أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ﴾؟ قلت: معناه: أخلصناهم بسبب هذه الخصلة، وبأنهم من أهلها. أو: أخلصناهم بتوفيقهم لها، واللطف بهم في اختيارها. وتعضد الأول قراءة من قرأ: (بخالصتهم). ﴿المُصْطَفَيْنَ﴾: المختارين من بين أبناء جنسهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ونسيانهم إليها)، ضمن النسيان معنى: الضم، يعني: معنى ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ ذكراهم الآخرة منضمًا إليها نسيان ذكر الدنيا، أي: هم مستغرقون في ذكر الآخرة مشتغلون بها عن ذكر الدنيا. قوله: (وقيل: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ الثناء الجميل في الدنيا)، قال أبو البقاء: إضافة "الذكرى" إلى" الدار" في المعنى ظرف، أي: ذكرهم في الدار الدنيا، وهو: إما مفعول به على السعة نحو: "يا سارق الليلة"، أو على حذف حرف الجر نحو: "ذهبت الشام". وقال الجوهري: الذكر والذكرى نقيض النسيان، وذكرت الشيء بعد النسيان وذكرته بلساني وبقلبي، والذكر: الصيت والثناء. فقول المصنف: "ومعنى: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ ذكراهم الآخرة دائبًا" مبني على أن الذكرى نقيض النسيان، لقوله: "ونسيانهم إليها ذكرى الدنيا". وقوله: "أو تذكيرهم الآخرة" على أنها من الذكر اللساني، لقوله: "هو شأن الأنبياء وديدنهم". وقوله: " الثناء الجميل في الدنيا" على أن"الذكرى": الصيت والثناء. قوله: (وتعضد الأول)، أي: على تكون التاء للسببية، والمعنى: أنهم من أهلها، أي: هذه الخصلة لهم وحقهم، وتضاف إليهم كما أضيفت في هذه القراءة لا أن تكون

стр. 7165

و ﴿الْأَخْيَارِ﴾ جمع خير، أو: خير على التخفيف؛ كالأموات في جمع ميت أو ميت. [﴿واذْكُرْ إسْمَاعِيلَ والْيَسَعَ وذَا الكِفْلِ وكُلٌّ مِّنَ الأَخْيَارِ﴾ ٤٨] ﴿والْيَسَعَ﴾ كأن حرف التعريف دخل على يسع. وقرئ: (والليسع)، كأن حرف التعريف دخل على ليسع، فيعل من اللسع. والتنوين في ﴿وكُلٌّ﴾ عوض من المضاف إليه، معناه: وكلهم من الأخيار. [﴿هَذَا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرَابٍ * وعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ ٤٩ - ٥٢] ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ أي: هذا نوع من الذكر؛ وهو القرآن. لما أجرى ذكر الأنبياء وأتمه، وهو باب من أبواب التنزيل، ونوع من أنوعه، وأراد أن يذكر على عقبه بابًا آخر؛ وهو ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بتوفيقهم، أي: أخلصناهم بتوفيقنا إياهم لها، ويعضد الوجه الثاني قوله: ﴿أُوْلِي الأَيْدِي والأَبْصَارِ﴾ لما وصفوا بأنهم أولو الأعمال والفكر، علل بأن ذلك من توفيق الله وتسديده، ولو قيل: إنهم أولو الأعمال والفكر وأصحاب البصائر والنظر؛ لأنًا اخلصناهم لنا بسبب هذا الذكر والفكر، لم يحسن ذلك الحسن. قوله: (وقرئ: "والليسع")، قرأها حمزة والكسائي، ودخول حرف التعريف عليه نحو قولهم: رأيت الوليد بن اليزيد في "الموضح".

стр. 7166

ذكر الجنة وأهلها؛ قال: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾، ثم قال: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ كما يقول الجاحظ في كتبه: فهذا باب، ثم يشرع في باب آخر، ويقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع في آخر: هذا وقد كان كيت وكيت؛ والدليل عليه: أنه لما أتم ذكر أهل الجنة وأراد أن يعقبه بذكر أهل النار؛ قال: ﴿هَذَا وإنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ [ص: ٥٥]. وقيل: معناه: هذا شرف وذكر جميل يذكرون به أبدًا. وعن ابن عباس ﵁: هذا ذكر من مضى من الأنبياء. ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ معرفة لقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم: ٦١]، وانتصابها على أنها عطف بيان لـ ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾. ﴿مُّفَتَّحَةً﴾ حال، والعامل فيها ما في ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ من معنى الفعل. وفي ﴿مُّفَتَّحَةً﴾ ضمير "الجنات"، و ﴿الأَبْوَابُ﴾ بدل من الضمير، تقديره: مفتحة هي الأبواب، كقولهم: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: معناه: هذا شرف)، ﴿هَذَا﴾ مبتدأ و ﴿ذِكْرٌ﴾ خبر، فالمناسب أن الذكر إذا أريد به القرآن يكون بمعنى التذكير والشرف، وإذا أريد به ذكر من مضى من الأنبياء يكون بمعنى الذكر المتعارف على ما مضى في قوله: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾. قوله: (لقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾)، يعني: أن "عدنًا" علم، بدليل وصفه بالموصوف. قوله: (وفي ﴿مُّفَتَّحَةً﴾ ضمير "الجنات"، و ﴿الأَبْوَابُ﴾ بدل من الضمير)، قال أبو البقاء: أما ارتفاع ﴿الأَبْوَابُ﴾ ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو فاعل ﴿مُّفَتَّحَةً﴾، والعائد محذوف، أي: مفتحة لهم الأبواب منها. والثاني: هي بدل من الضمير في ﴿مُّفَتَّحَةً﴾، وهو ضمير "الجنات" و ﴿الأَبْوَابُ﴾ غير أجنبي منها؛ لأنها من الجنة وقد يقال: "فتحت الجنة" يراد أبوابها ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: ١٩]، وقيل: إن من شرط إعمال الصفة أن يكون في السبب دون الأجنبي. والثالث: كالأول إلا أن الألف واللام بدل من الهاء العائدة، وفيه بعد، وهو قول الكوفيين.

стр. 7167

ضرب زيد اليد والرجل، وهو من بدل الاشتمال. وقرئ: (جنات عدن مفتحة) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال الزجاج: ﴿مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأَبْوَابُ﴾ منها، أجود من أن تجعل الألف واللام بدلًا من الضمير لأن معنى اللام ليس من الضمير في شيء، ولأن الحرف لا يبدل من الاسم. وقال أبو علي في "الإغفال": لا يخلو الألف واللام من أن يكون للتعريف أو بدلًا من الضمير، كما في قوله: حسن الوجه، فلو كان الثاني لوجب أن يكون في ﴿مُّفَتَّحَةً﴾ ضمير ﴿جَنَّاتٍ﴾ كما في قولنا: مررت برجل حسن الوجه، ضمير الرجل، بدليل قولنا: مررت بامرأة حسنة الوجه، ولو كان في ﴿مُّفَتَّحَةً﴾ ضمير " الجنات" لوجب أن تنتصب ﴿الأَبْوَابُ﴾، كقوله: الشعرى رقابًا والعقور كلبًا، ولا يرتفع؛ لا متناع ارتفاع فاعلين بفعل واحد على وجه الاشتراك، فما لم ينتصب دل على خلو الضمير، فإذا لم يكن مثل "حسن الوجه"، فلا تكون اللام إلا للتعريف فيحتاج حينئذ ألى ضمير يرجع إلى الموصوف لنحو "منها" و ﴿فِيهَا﴾، هكذا ينبغي أن يرد قولهم، لا كما قال الزجاج: إن معنى اللام ليس من الضمير في شيء، فإنه يجبيء في معناه، كما في "حسن الوجه" لقولهم: الحسن الوجه، والحسن وجهه، فأدخلوا اللام في المعنيين كما أدخلوا فيه الضمير، ألا تراهم: إن التنوين بدل من المضاف إليه ويقولون: الضارب زيد. وقال أبو علي أيضًا: يجوز أن يكون ﴿الأَبْوَابُ﴾ بدلًا من الضمير الذي في ﴿مُّفَتَّحَةً﴾، كقولك: جاءني القوم بعضهم؛ لأن الأبواب من الجنة؟ قوله: (ضرب زيد اليد والرجل)، روي عن المصنف أنه قال: الجار مع المجرور في حكم الظرف، كأنه قيل: جنات عدن استقرت للمتقين حال كونها مفتحة لهم الأبواب، ﴿الأَبْوَابُ﴾: بدل الاشتمال، واليد والرجل: بدل البعض من الكل، فإنما يستشهد به من حيث إنه ليس فيه ضمير راجع إلى زيد، كما أنه ليس في ﴿الأَبْوَابُ﴾ ضمير راجع إلى "الجنات"، قال أبو علي: من قدر: "مفتحة أبوابها"، إن أراد إفهامها المعنى فإنه لا بد من تقدير شيء ليرجع إلى الموصوف فيستقيم، وإن أراد أن الألف واللام في ﴿الأَبْوَابُ﴾ بدل من الضمير؛ فغير مستقيم.

стр. 7168

بالرفع، على أن (جنات عدن) مبتدأ، و (مفتحة) خبره، أو كلاهما خبر مبتدأ محذوف، أي: هو جنات عدن هي مفتحة لهم. كأن اللدات سمين أترابًا؛ لأن التراب مسهن في وقت واحد، وإنما جعلن على سن واحدة؛ لأن التحاب بين الأقران أثبت. وقيل: هن أتراب لأزواجهن، أسنانهن كأسنانهم. [﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسَابِ * إنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾ ٥٣ - ٥٤] قرئ: ﴿تُوعَدُونَ﴾ بالتاء والياء ﴿لِيَوْمِ الحِسَابِ﴾: لأجل يوم الحساب، كما تقول: هذا ما تدخرونه ليوم الحساب، أي: ليوم تجزى كل نفس ما عملت. [﴿هَذَا وإنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المِهَادُ * هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال ابن الحاجب: وفي ﴿مُّفَتَّحَةً﴾ ضمير "الجنات"، و ﴿الأَبْوَابُ﴾ بدل من الضمير؛ بدل الاشتمال كما تقول: فتحت الجنة أبوابها، والأبواب منها فحذف الضمير للعلم به، كما تقول: ضرب زيد الرأس والظهر. وقال أبو البقاء: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من المجرور في ﴿لَهُمْ﴾، والعامل ﴿مُّفَتَّحَةً﴾، ويجوز أن يكون حالًا من "المتقين"، لأنه قد أخبر عنهم قبل الحال، وقيل: هو حال من الضمير في ﴿يَدْعُونَ﴾ وقد تقدم على العامل. قوله: (كأن اللدات سمين أترابًا)، الجوهري: لدة الرجل: تربه، والهاء عوض من الواو الذاهبة من أوله؛ لأنه من الولادة، وهما لدان والجمع: لدات ولدون، وقولهم: هذه، أي: لدتها. وهن أتراب. قوله: (قرئ: ﴿تُوعَدُونَ﴾ بالتاء والياء)، بالياء التحتانية: ابن كثير وأبو عمرو، والباقون: بالتاء.

стр. 7169

وغَسَّاقٌ * وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ * هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ * قَالُوا بَلْ أَنتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ القَرَارُ * قَالُوا رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ ٥٥ - ٦١] ﴿هَذَا﴾ أي: الأمر هذا، أو: هذا كما ذكر. ﴿فَبِئْسَ المِهَادُ﴾، كقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفترشه النائم، أي: هذا حميم فليذوقوه. أو: العذاب هذا فليذوقوه، ثم ابتدأ فقال: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿هَذَا﴾، أي: الأمر هذا، أو: هذا كما ذكر)، أي: ﴿هَذَا﴾ إما خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف، والأول من فصل الخطاب دون الثاني، وقوله تعالى: ﴿جَهَنَّمَ﴾ بدل من "شر"، و ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حال، والعامل فيه الاستقرار في قوله: ﴿لِلطَّاغِينَ﴾ وقيل: التقدير: يصلونها جهنم، فحذف الفعل لدلالة ما بعده عليه. قوله: (أي: هذا حميم فليذوقوه)، ذكر فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: ﴿هَذَا﴾ مبتدأ محذوف الخبر، أو خبر مبتدأ محذوف، أو منصوب بفعل مضمر على شريطة التفسير. قال مكي: قيل: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ خبر ﴿هَذَا﴾ ودخلت الفاء للتنبيه الذي في ﴿هَذَا﴾، ويجوز أن يكون ﴿هَذَا﴾ في موضع نصب بـ"يذوقوا" والفاء زائدة، كقولك: هذا زيد فاضربه، ولولا الفاء لكان الاختيار النصب؛ لأنه أمر فهو بالفعل أولى. وقال صاحب "الكشف": جوز أبو علي أن يكون ﴿هَذَا﴾ مبتدأ، والخبر ﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ صفة لـ ﴿حَمِيمٌ﴾ وليس بنوع آخر، فيكون قوله: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ عنده اعتراضًا، كما تقول: زيد- فافهم- رجل صالح. قال أبو علي: هو مثل قول الشاعر:

стр. 7170

هو ﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾. أو: هذا فليذوقوه، بمنزلة ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] أي: ليذوقوا هذا فليذوقوه. والغساق: بالتخفيف والتشديد: ما يغسق من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين؛ إذا سال دمعها. وقيل: الحميم يحرق بحره، والغساق يحرق ببرده. وقيل: لو قطرت قطرة في المشرق لنتنت أهل المغرب، ولو قطرت منه قطرة في المغرب لنتنت أهل المشرق. وعن الحسن ﵁: الغساق: عذاب لا يعلمه إلا الله تعالى، إن الناس أخفوا الله طاعةً فأخفى لهم ثوابًا في قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وأخفوا معصيةً فأخفى لهم عقوبة. (وأخر): ومذوقات أخر من شكل هذا المذوق من مثله في الشدة والفظاعة. ﴿أَزْوَاجٌ﴾: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ خولان فانكح فتاتهم حمله سيبويه على أن "خولان" حملة، وكأنه قال: هؤلاء خولان، فالمعنى على هذا: أنبه- أو أشير- إلى الذي توعدوه من قبل وعرفوه حق معرفته ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾. قوله: (والغساق: بالتخفيف والتشديد)، بالتشديد: حفص وحمزة والكسائي. الراغب: الغساق: ما يقطر من جلود أهل النار. قوله: ("وأخر": ومذوقات أخر)، قال مكي: و ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ صفة لـ ﴿آخَرُ﴾ و ﴿أَزْوَاجٌ﴾ الخبر، والهاء في ﴿شَكْلِهِ﴾ يعود على المعنى، أي: وآخر من شكله ما ذكرنا،

стр. 7171

أجناس. وقرئ: ﴿وَآخَرُ﴾: أي: وعذاب آخر، أو: مذوق آخر. و ﴿أَزْوَاجٌ﴾: صفة لـ ﴿وَآخَرُ﴾؛ لأنه يجوز أن يكون ضروبًا، أو صفة للثلاثة، وهي: حميم، وغساق، وآخر. ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ وقرئ: (من شكله) بالكسر، وهي لغة، وأما الغنج فبالكسر لا غير. ﴿هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾: هذا جمع كثيف قد اقتحم معكم النار، أي: دخل النار في صحبتكم وقرانكم. والاقتحام: ركوب الشدة والدخول فيها. والقحمة: الشدة. وهذه حكاية كلام الطاغين بعضهم مع بعض، أي: يقولون هذا. والمراد بالفوج: أتباعهم الذين اقتحموا معهم الضلالة، فيقتحمون معهم العذاب ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: دعاء منهم على أتباعهم. تقول لمن تدعو له: مرحبًا، أي: أتيت رحبًا من البلاد لا ضيقًا، أو: رحبت بلادك رحبًا، ثم تدخل عليه "لا" في دعاء السوء. و ﴿بِهِمْ﴾ بيان للمدعو عليهم، ﴿إنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ تعليل لاستيجابهم الدعاء عليهم، ونحوه قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]. وقيل: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾: كلام الخزنة لرؤساء الكفرة في أتباعهم، و ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ كلام الرؤساء. وقيل: هذا كله كلام الخزنة. ﴿قَالُوا﴾ أي: الأتباع: ﴿بَلْ أَنتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ يريدون الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به، وعللوا ذلك بقولهم: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقيل: يعود على الحميم، ويجوز أن يكون الخبر محذوفًا، أي: ولهم آخر، ومن ﴿شَكْلِهِ﴾ و ﴿أَزْوَاجٌ﴾ صفتان، ومن قرأ: ﴿آخَرَ﴾ بالتوحيد رفعه بالابتداء أيضًا، و ﴿أَزْوَاجٌ﴾ مبتدأ ثان، و ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ خبر الأزواج، والجملة خبر "آخر". ويجوز أن يكون "آخر" معطوفًا على ﴿حَمِيمٌ﴾، و ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ نعت له، و ﴿أَزْوَاجٌ﴾ يرتفع بالجار، ولا يحسن أن يكون ﴿أَزْوَاجٌ﴾ خبرًا عن " آخر"؛ لأن الجمع لا يكون خبرًا عن الواحد. قوله: (وأما الغنج فبالكسر لا غير)، يعني: "الشكل" بالفتح، والكسر: المثل، وأما الذي بمعنى الغنج فبالكسر لا غير. الجوهري: الشكل؛ بالفتح: المثل، وبالكسر: الدل، يقال: امرأة ذات شكل. قوله: (﴿بَلْ أَنتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾)، ﴿مِرْحَبًا بِهِمْ﴾ دعاء منهم. وقال أبو البقاء: ﴿لا مَرْحَبًا﴾

стр. 7172

﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾، والضمير للعذاب أو لصليهم. فإن قلت: ما معنى تقديمهم العذاب لهم؟ قلت: المقدم هو عمل السوء، قال الله تعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠ - ٥١]، ولكن الرؤساء لما كانوا السبب فيه بإغوائهم، وكان العذاب جزاءهم عليه؛ قيل: ﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾، فجعل الرؤساء هم المقدمين، وجعل الجزاء هو المقدم، فجمع بين مجازين؛ لأن العاملين هم المقدمون في الحقيقة لارؤساؤهم، والعمل هو المقدم لا جزاؤه. فإن قلت: فالذي جعل قوله: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ من كلام الخزنة ما يصنع بقوله: ﴿بَلْ أَنتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يجوز أن يكون مستأنفًا وأن يكون حالًا، أي: هذا مقولًا له: ﴿لا مَرْحَبًا﴾، و ﴿مَرْحَبًا﴾ منصوب على المصدر، أو على المفعول، أي: لا تسمعون مرحبًا. وقوله تعالى: ﴿مَّعَكُمْ﴾ يجوز أن يكون حالًا من الضمير في ﴿مُقْتَحِمٌ﴾ أو من ﴿فَوْجٌ﴾؛ لأنه قد وصف، ولا يجوز أن يكون ظرفًا لفساد المعنى، ولا يجوز أن يكون نعتًا ثانيًا. قوله: (فجمع بين مجازين)، المجاز الأول في الإسناد: (هم)؛ لأن المقدمين هم الأتباع، فجعل الرؤساء هم المقدمين، ولما كانوا السبب في الإغراء أسند الفعل إليهم. والثاني: العمل هو المقدم، فجعل المقدم الجزاء، وهو من إطلاق اسم المسبب على السبب. قوله: (فالذي جعل قوله: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ من كلام الخزنة ما يصنع بقوله: ﴿بَلْ أَنتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾؟ ) يعني: قد سبق أن الرؤساءإذا قالوا لأجل الأتباع: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ دعاء عليهم، صح أن يجيبهم الأتباع بقوله: ﴿بَلْ أَنتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ وإذا كان ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ كلامًا للخزنة فكيف يكون هذا جوابًا لهم؟ وأجاب: أن الأتباع إذا سمعوا من الخزنة هذا الدعاء أقبلوا على رؤسائهم قائلين: يا رؤساء السوء أنتم أحق به منا لإغوائكم إيانا.

стр. 7173

والمخاطبون - أعني رؤساءهم- لم يتكلموا بما يكون هذا جوابًا لهم؟ قلت: كأنه قيل: هذا الذي دعا به علينا الخزنة أنتم يا رؤساء أحق به منا؛ لإغوائكم إيانًا وتسببكم فيما نحن فيه من العذاب، وهذا صحيح كما لو زين قوم لقوم بعض المساوئ فارتكبوه، فقيل: للمزينين: أخزى الله هؤلاء ما أسوأ فعلهم! فقال المزين لهم للمزينين: بل أنتم أولى بالخزي منا؛ فلولا أنتم لم نرتكب ذلك. ﴿قَالُوا﴾ هم الأتباع أيضًا: ﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا﴾ أي: مضاعفًا، ومعناه: ذا ضعف، ونحوه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا﴾ [الأعراف: ٣٨]، وهو أن يزيد على عذابه مثله فيصير ضعفين، كقوله : ﴿رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، وجاء في التفسير: ﴿عَذَابًا ضِعْفًا﴾ [ص: ٦١]: حيات وأفاعي. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فقيل للمزينين)، يروى بكسر الياء وفتحها، فتقدير الفتح: المزين لهم، أي: الذين زين الفعل لهم، و"لهم" صلته بنزع الخافض، وهذا أوفق للمستشهد له؛ لأن الذين قيل في حقهم: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ وهم الأتباع كالمزينين، أي: المزين لهم، وهم الذين قالوا للرؤساء: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، والمتبوعون كالمزينين؛ بالكسر. قوله: ﴿قَالُوا﴾ هم الأتباع أيضًا)، أي: القائلون لقوله: ﴿مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا﴾ هم الأتباع أيضًا. قال أبو البقاء: ﴿مَن قَدَّمَ﴾ هي بمعنى: "الذي"، و ﴿فَزِدْهُ﴾ الخبر، ويجوز أن يكون ﴿مَنْ﴾ نصبًا، أي: فزد من قدم. وقلت: فعلى هذا يكون منصوبًا على شريطة التفسير، والأتباع لما كافحوا الرؤساء بقولهم: ﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ وصلوا به متضرعين: ربنا فزد من قدم لنا هذا، ثم عطفوا عليه ﴿فَزِدْهُ﴾ أي: زيادة غب زيادة من غير انقطاع. قوله: (كقوله: ﴿رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨])، يعني: وصف العذاب بالضعف في الآيتين على معنى: مضاعفًا، وذا ضعف، وفي الآية الثالثة بين ضعفين

стр. 7174

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بقوله: ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ ليدل على أن المراد بالضعف: أن يزاد على عذابه مثله؛ لأن القصة واحدة، وأنه من كلام الأتباع للرؤساء. وقيل: بل الصواب أن تقول: إذا زيد عليه ضعفه يصير أضعافًا لا ضعفيه، فإن ضعف الشيء مثلاه، وضعفيه ثلاثة أمثاله، وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ وإذا زاد على عذابهم ضعفًا فيكون قد أتاهم ضعفين فتطابق قوله في موضع آخر: ﴿رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، ونحمد الله على التوفيق لاستخراج المعاني الدقيق. وقلت: نظير هذا البحث ذكره صاحب" المغرب"، وقد ذكرناه ولا باس أن نعيده ها هنا، قال: روى أبو عمرو عن أبي عبيدة في قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] قال: معناه: جعل الواحد ثلاثة أي: تعذب ثلاثًا أعذبة. وأنكره الأزهري وقال: هذا هو الذي يستعمله الناس في كلامهم ومتعارفهم، وإنما الذي قال الحذاق: إنما تعذب مثلي عذاب غيرها؛ لأن الضعف في كلام العرب: المثل إلى ما زاد، وليست تلك الزيادة بمقصورة على مثلين فيكون ما قال أبو عبيدة صوابًا، وبهذا علم أن ما قاله الفقهاء غير مرضي، ألا ترى كيف صرح بقوله يزيد على عذابه مثله فيصير ضعفين، أي: مثلين؟ الراغب: الضعف: من الألفاظ المتضايفة كالنصف والزوج، وهو تركب زوجين متساويين، ويختص بالعدد، فإذا قيل: أضعفت الشيء وضعفته وضاعفته: ضممت إليه مثله فصاعدًا. والضعف: مصدر، والضعف: اسم، كالمثنى والثني، فضعف المثنى هو الذي يثنيه، ومتى أضيف إلى عدد اقتضى ذلك العدد ومثله نحو أن يقال: ضعف العشرة فذلك عشرون بلا خلاف، وإذا قيل: أعطه ضعفي واحد، فإن ذلك يقتضي الواحد ومثليه وذلك ثلاثة؛ لأن معناه الواحد واللذان يزاوجانه، هذا إذا كان الضعف مضافًا، فإذا لم يكن مضافًا فقلت: الضعفين، قيل: ذلك يجري مجرى الزوجين في أن كلا منهما يزاوج الآخر

стр. 7175

[﴿وقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ﴾ ٦٢ - ٦٣] ﴿وقَالُوا﴾ الضمير للطاغين، ﴿رِجَالًا﴾ يعنون فقراء المسلمين الذين لا يؤبه لهم، ﴿مِّنَ الأَشْرَارِ﴾: من الأراذل الذين لا خير فيهم ولا جدوى؛ ولأنهم كانوا على خلاف دينهم، فكانوا عندهم أشرارًا. ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًا﴾ قرئ بلفظ الإخبار على أنه صفة لـ ﴿رِجَالًا﴾ مثل قوله: ﴿كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الأَشْرَارِ﴾؛ وبهمزة الاستفهام على أنه إنكار على أنفسهم وتأنيب لها في الاستسخار منهم. وقوله: ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ﴾ له وجهان من الاتصال؛ أحدهما: أن يتصل بقوله: ﴿مَا لَنَا﴾ أي: ما لنا لا نراهم في النار؟ كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها؟ قسموا أمرهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فيقتضي ذلك اثنين لأن كلا منهما يضاعف الآخر فلا يخرجان عن الاثنين، بخلاف إذا أضيف الضعفان إلى واحد فيثلثهما، نحو: ضعفين الواحد. قوله: (لا يؤبه لهم)، أي: لا يبالى بهم. الأساس: لا يؤبه به، وما أبهمت له. قوله: (﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًا﴾ قرئ بلفظ الإخبار)، قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: ﴿مِّنَ الأَشْرَارِ * اتَّخَذْنَاهُمْ﴾ بوصل الألف، وإذا ابتدؤوا كسروها. والباقون: بقطعها في الحالين مستفهمين. قوله: (وتأنيب لها، الجوهري: أنبه تأنيبًا، عنفه ولامه. وقال: التأنيب، التوبيخ، حقيقته أنه مأخوذ من الإناب وهو: المسك، مكأنه بالتوبيخ بزيل عنه الطيب والإناب، فإنه يقدح فيه ويعد عليه العيوب والجنايات. قوله: (قسموا أمرهم) أي: قسم الطاغون أمر الرجال بين أن يكونوا من أهل الجنة

стр. 7176

بين أن يكونوا من أهل الجنة، وبين أن يكونوا من أهل النار، إلا أنه خفي عليهم مكانهم. والوجه الثاني: أن يتصل بـ ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًا﴾، إما أن تكون ﴿أَمْ﴾ متصلة على معنى: أي: الفعلين فعلنا بهم: الاستسخار منهم، أم ازدراءهم وتحقيرهم، وأن أبصارنا كانت تعلو عنهم وتقتحمهم؟ على معنى أنكار الأمرين جميعًا على أنفسهم. وعن الحسن: كل ذلك قد فعلوا: اتخذوهم سخريًا، فزاغت عنهم أبصارهم محقرةً لهم. وإما أن تكون منقطعة بعد مضي ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًا﴾ على الخبر أو الاستفهام، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وبين أن يكونوا من أهل النار، فعلى هذا: المناسب أن يكون ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًا﴾ إخبارًا صفة لـ ﴿رِجَالًا﴾. قوله: (تعلو عنهم)، أي: تحقرهم. الأساس: اعل عني: تنح عني، وعال عن الوسادة واعل عنها، قال: فيا حب ليلى اعل عني قتلتني .... وأعقب بإنسان صحيح مكانيا قوله: (على الخبر أو الاستفهام)، التعريف في"الخبر" للعهد، و"الاستفهام" للعهد والمعهود قوله: " ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًا﴾، قرئ بلفظ الإخبار"، إلى قوله: "وبهمزة الاستفهام"، أما المعنى على الخبر فإنهم أخبروا عن أنفسهم وسوء صنيعهم بالمسلمين من الاستهزاء والسخرية على سبيل الندم والتحسر، ثم أضربوا عن الإخبار بالأخذ في الإنكار وتأنيب أنفسهم، يعني: لم يكن موضع الإخبار؛ بل هو موضع الإنكار، أزاغت أبصارنا وكلت أفهامنا حيث ازدرينا بهم واستسخرنا منهم؟ فهو كقولك: إنها لإبل أم شاء، وأما على الاستفهام: فإنهم أنكروا أولًا على أنفسهم الاستسخار منهم ثم أضربوا عنه وأنكروا على أنفسهم أبلغ من ذلك، أي: دع ذلك، أزاغت أبصارنا وكلت أفهامنا حيث خفي عنا مكانهم وأنهم على الحق المبين ونحن على الباطل وما تبعناهم؟ فهو كقولك: أزيد عندك؟ أم عندك عمرو؟ فالمثالان في الكتاب نشر لقوله: "على الخبر أو الاستفهام".

стр. 7177

كقولك: إنها لإبل أم شاء؟ و: أزيد عندك أم عندك عمرو؟ ولك أن تقدر همزة الاستفهام محذوفةً فيمن قرأ بغير همزته؛ لأن ﴿أَمْ﴾ تدل عليها، فلا تفترق القراءتان: إثبات همزة الاستفهام وحذفها. وقيل: الضمير في ﴿وَقَالُوا﴾ لصناديد قريش كأبي جهل والوليد وأضرابهما، والرجال: عمار وصهيب وبلال وأشباههم. وقرئ: ﴿سِخْرِيًّا﴾ بالضم والكسر. [﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ ٦٤] ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أي: الذي حكينا عنهم ﴿لَحَقٌّ﴾ لا بد أن يتكلما به، ثم بين ما هو فقال: هو ﴿تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾. وقرئ بالنصب على أنه صفة لـ ﴿ذَلِكَ﴾؛ لأن أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس. فإن قلت: لم سمي ذلك تخاصمًا؟ قلت: شبه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: الضمير في ﴿وَقَالُوا﴾ لصناديد قريش)، عطف على قوله: " ﴿وَقَالُوا﴾ الضمير للطاغين"، فعلى هذا يلزم الإضمار قبل الذكر وحذم النظم، ولا يجوز أن يختص قوله: ﴿لِلطَّاغِينَ﴾ بصناديد قريش؛ لأنه في مقابل قوله: ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وهو عام. قوله: (وقرئ: ﴿سِخْرِيًّا﴾ بالضم والكسر)، بالضم: نافع وحمزة والكسائي، والباقون: بالكسر. قوله: (لأن أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس)، هذا مناقض لقوله في"المفضل": اسم الإشارة لا يوصف إلا بما فيه الألف واللام. قال صاحب" التقريب": ﴿تَخَاصُمُ﴾ بدل من ﴿ذَلِكَ﴾، لا صفة لاسم الإشارة؛ إنما يوصف بما فيه الألف واللام. وقال ابن الحاجب: إنما التزم وصف باب ﴿هَذَا﴾ بذي اللام للإبهام، يعني: أن المبهم يدل على الحضور والتعيين، ولم يدل على حقيقة الذات التي أشير به إليها، فلا بد أن يذكر بعده ما يدل على حقيقة الذات، ولا طريق له إلا وصفه به،

стр. 7178

تقاولهم وما يجري بينهم من السؤال والجواب بما يجري بين المتخاصمين من نحو ذلك؛ ولأن قول الرؤساء: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وقول أتباعهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، من باب الخصومة، فسمي التقاول كله تخاصمًا؛ لأجل اشتماله على ذلك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فوصفه بما يدل على خصوصية الذات، قبل وصفه بما يدل على معنى الذات، هو القياس، والأسماء الدالة على حقيقة الذوات هي أسماء الأجناس لا العلم ونحوه، وتعريفها باعتبار معناها في نفسها إنما هو باللام. قال بعض المغاربة: وذلك أن اللام معرفة لحقيقة الذات بخلاف الإضافة، فإن تأثيرها في اختصاص حقيقة الذات بالمضاف إليه وذلك بعد تعرف حقيقة الذات. وقلت: هاهنا سيء آخر، وهو الفصل بين اسم الإشارة وصفته بالخبر، وهو غير جائز. وقال صاحب"المقتبس": ومن المسائل في هذا النحو لا يجوز أن تقول: مررت بهذا يوم الجمعة الرجل، ويجوز: مررت بزيد يوم الجمعة العاقل، والفرق: أن اتصال الصفة بالمبهم أشد من اتصالها بسائر الموصوفات؛ لأن اسم الإشارة واسم الجنس كالشيء الواحد من جهة أن المقصود بهما جميعًا ما يقصد من الأسماء، ومنه امتنع: مررت بهذين العاقل والطويل، وجاز: مررت بالزيدين العاقل والطويل؛ لأن صفة غير اسم المبهم ليست في الامتزاج كالمبهم، قالوا: ولذلك لم يجز أيضًا نحو قولك: مررت بهذا ذي المال؛ لأن ذلك يؤدي إلى جعل ثلاثة أشياء شيئًا واحدًا، وإنه مرفوض. ومما مثلوا أيضًا لا تقول: لقيت هذا والخطوب كثيرة الرجل، وقريب من الفصل الأول في شرح الركني. قوله: (ولأن قول الرؤساء: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ وقول أتباعهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ من باب الخصومة)، الانتصاف: هذا يوافق التخاصم؛ لأن الخصومة من الجبهتين، خلافًا لمن قال: إن الكلام الأول من كلام خزنة جهنم، والثاني من كلام الأتباع؛ لأن الخصومة حينئذ من أحد الفريقين. والجواب ما سيجيء في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلأِ الأَعْلَى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.

стр. 7179

[﴿قُلْ إنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ ومَا مِنْ إلَهٍ إلاَّ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ * رَبُّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا بَيْنَهُمَا العَزِيزُ الغَفَّارُ﴾ ٦٥ - ٦٦] ﴿قُلْ﴾ يا محمد لمشركي مكة: ما ﴿أَنَا﴾ إلا رسول ﴿مُنذِرٌ﴾: أنذركم عذاب الله للمشركين، وأقول لكم: إن دين الحق توحيد الله، وأن يعتقد أن لا إله إلا الله ﴿الوَاحِدُ﴾ بلا ند ولا شريك ﴿القَهَّارُ﴾ لكل شيء، وأن الملك والربوبية له في العالم كله، وهو ﴿العَزِيزُ﴾ الذي لا يغلب إذا عاقب العصاة، وهو مع ذلك ﴿الغَفَّارُ﴾ لذنوب من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿قُلْ﴾ يا محمد لمشركي مكة: ﴿أَنَا﴾ إلا رسول ﴿مُنذِرٌ﴾)، يعني: هذه الآية متعلقة بأول السورة، فإنه تعالى لما أقسم بقوله: ص، إن القرآن حق، وإن محمدًا صلوات الله عليه لصادق، ثم أنكر على مشركي مكة عزتهم وشقاقهم وقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص: ٤]، وتعجبهم من كونه منذرًا وأن الإله واحد، وعد قبائحهم وعنادهم وحسدهم، ثم استهزأ بهم بقوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ ثم خسأهم وأنهم جند ما هنالك مهزوم من جنس الأحزاب الخالية الذين كذبوا رسلهم فأهلكهم الله، وفصل ذكر الأنبياء مسليًا لحبيبه صلوات الله عليه ومستصبرًا له، كل ذلك تمهيدًا للأمر بالإنذار والبشارة والدعوة إلى التوحيد وعبادة الله وتوطئة له، فقال: ﴿قُلْ إنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ﴾ ويدل عليه قوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ وإنما قرن مع"المنذر" الرسول في الوجه الأول دون الثاني؛ لأن المنذر إذن كناية عن كونه رسولًا، فلا يكون رسولًا إلا أن يكون منذرًا ومبشرًا، ولهذا عطف قوله: "وأقول لكم: إن دين الحق توحيد الله" على"أنذركم"، وفسره بقوله: "وأن يعتقد أن لا إله إلا الله" إلى قوله: "وهو مع ذلك الغفار لذنوب من التجأ إليه"، وعلى الوجه الثاني: "المنذر" مجرى على حقيقته. وقوله: "ما أعلم" إشارة إلى إطلاق لفظ ﴿مُنذِرٌ﴾ وإبهامه لتفخيم أمر ما ينذر به، وقوله: "أنا أنذر عقوبة من هذه صفته" عطف تفسيري وتقييد للمطلق، والحاصل أن قوله: ﴿ومَا مِنْ إلَهٍ إلاَّ اللَّهُ﴾ في التنزيل على الوجهين عطف على مضمر يقدر بحسب تفسير قوله: ﴿مُنذِرٌ﴾ وينصر الوجه الأول قوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ وإليه الإشارة بقوله: "من كوني رسولًا منذرًا وأن الله واحد".

стр. 7180

التجأ إليه. أو: قل لهم: ما أنا إلا منذر لكم ما أعلم، وأنا أنذركم عقوبة من هذه صفته، فإن مثله حقيق بأن يخاف عقابه، كما هو حقيق بأن يرجى ثوابه. [﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ * مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلأِ الأَعْلَى إذْ يَخْتَصِمُونَ * إن يُوحَى إلَيَّ إلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ٦٧ - ٧٠] ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ أي: هذا الذي أنبأتكم به- من كوني رسولًا منذرًا، وأن الله واحد لا شريك له- نبأ عظيم لا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة. ثم احتج لصحة نبوته بأن ما ينبئ به عن الملإ الأعلى واختصامهم أمر ما كان له به من علم قط، ثم علمه ولم يسلك الطريق الذي يسلكه الناس في علم ما لم يعلموا، وهو الأخذ من أهل العلم وقراءة الكتب، فعلم أن ذلك لم يحصل إلا بالوحي من الله. ﴿إن يُوحَى إلَيَّ إلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ﴾ أي: لأنما نذير. ومعناه: ما يوحى إلى إلا للإنذار، فحذف ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: لأنما أنا نذير)، هذا إذا قرئ: ﴿أَنَّمَا﴾ بالفتح، وهي المشهورة، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون على نزع الخافض وإفضاء الفعل، والقائم مقام الفاعل في: ﴿يُوحَى﴾ الظرف، والمعنى: ما يوحى من أمر من الأمور إلا لأنذر وأبلغ ولا أفرط في ذلك. وثانيهما: أن يكون ﴿أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ﴾ هو القائم مقام الفاعل و ﴿إلَيَّ﴾ ظرف، والوحي على هذا بمعنى: الأمر، ولهذا قال: "ما أومر إلا بهذا الأمر"، فقوله: "وحده وليس إلى غير ذلك" معنى: ﴿أَنَّمَا﴾؛ لأن في الكلام حصرين كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [فصلت: ٦]. فإن قلت: فما هذا الحصر؟ كأنه صلوات الله عليه لم يوح إليه إلا لاختصاص النذارة أولم يؤمر إلا باختصاص الإنذار، كما قال: "وليس إلى غير ذلك"؟ قلت: المخاطبون مشركون، وكان الذي ينكرون عليه صلوات الله عليه الإنذار والدعوة إلى التوحيد، كما مضى من مفتتح السورة إلى أن بلغ إلى قوله: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ فما أوثر اختصاص
следующие страницы →