Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7351–7390 · переход к 7356.
стр. 7351
أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، ويعضده قراءة من قرأ: (كاظمون)، ويجوز أن يكون حالًا عن قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾، أي: وأنذرهم مقدرين أو مشارفين الكظم، كقوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. الحميم: المحب المشفق. والمطاع: مجاز في المشفع؛ لأن حقيقة الطاعة نحو حقيقة الأمر في أنها لا تكون إلا لمن فوقك. فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾؟ قلت: يحتمل أن يتناول النفي الشفاعة والطاعة معًا، وأن يتناول الطاعة دون الشفاعة، كما تقول: ما عندي كتاب يباع، فهو محتمل نفي البيع وحده، وأن عندك كتابًا إلا أنك لا تبيعه؛ ونفيهما جميعًا، وأن لا كتاب عندك، ولا كونه مبيعًا. ونحوه:
ولا ترى الضب بها ينجحر
يريد: نفي الضب وانجحاره. فإن قلت: فعلى أي الاحتمالين يجب حمله؟ قلت: على نفي الأمرين جميعًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويعضده قراءة من قرأ "كاظمون")، لأن "كاظمون" على هذا محمول على "القلوب" خبر لها، و ﴿لَدَى الحَنَاجِرِ﴾ ظرف "كاظمون" قدم عليه، أو هو خبر بعد خبر. وعلى التقدير الأول وهو قوله: "إذ قلوبهم لدى حناجرهم" كان ﴿كَاظِمِينَ﴾ حالًا من الضمير المجرور في الخبر، ولا يجوز إجراء "كاظمون" عليه حالًا، ولا على المبتدأ خبرًا؛ إلا على التأويل. وقدر صاحب الكواشي: "هم كاظمون" فعلى هذا يقوى إرادة أصحاب القلوب.
قوله: (وأن عندك كتابًا إلا أنك لا تبيعه)، عطف تفسيري على قوله: "نفي البيع وحده"، وكذا قوله: "وأن لا كتاب عندك ولا كونه مبيعًا" تفسير لقوله: "ونفيهما جميعًا".
стр. 7352
من قبل أن الشفعاء هم أولياء الله، وأولياء الله لا يحبون ولا يرضون إلا من أحبه الله ورضيه، وأن الله لا يحب الظالمين، فلا يحبونهم، وإذا لم يحبونهم لم ينصروهم ولم يشفعوا لهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]؛ ولأن الشفاعة لا تكون إلا في زيادة التفضل، وأهل التفضل وزيادته إنما هم أهل الثواب، بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣]، وعن الحسن: والله ما يكون لهم شفيع البتة. فإن قلت: الغرض حاصل بذكر الشفيع ونفيه، فما الفائدة في ذكر هذه الصفة ونفيها؟ قلت: في ذكرها فائدة جليلة؛ وهي أنها ضمت إليه؛ ليقام انتفاء الموصوف مقام الشاهد على انتفاء الصفة؛ لأن الصفة لا تتأتى بدون موصوفها، فيكون ذلك إزالة لتوهم وجود
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من قبل أن الشفعاء هم أولياء الله)، يعني: الواجب أن ينفي الشافع والطاعة، لا أن هناك شافعًا غير مطاع؛ إذ ليس للظالمين شافع البتة؛ لأن الشفعاء أولياء الله، والأولياء لا يشفعون للظالمين، والتعريف في "الظالمين" عنده للجنس، وعندنا للعهد؛ لأن "الظالمين" من وضع المظهر موضع المضمر والمراد بهم "المنذرين" في قوله: ﴿وأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ﴾.
قوله: (ليقام انتفاء الموصوف في مقام الشاهد على انتفاء الصفة)؛ لأن الصفة لا تتأتى بدون موصوفها قال صاحب "التقريب". وإنما لم يقتصر على نفي الشفيع؛ لأن المقصود نفي كونه مشفعًا، لا نفي ذات الشفيع، وإن كان الثاني دليلًا على الأول ومستلزمًا له، فأراد ذكر المقصود مع الاستشهاد عليه، كقول من عوتب على العقود عن الغزو: ما لي فرس أركبه. أي: لا يمكنني الركوب لعدم الفرس، فكذا لا يمكن التشفيع لعدم الشفيع، فذكر المقصود والدليل عليه - وهو التقرير - أظهر مما في الأصل.
وقال والده صاحب "التهذيب": حاصل كلام الزمخشري أنه استدل بعدم الموصوف
стр. 7353
الموصوف، بيانه: أنك إذا عوتبت على القعود عن الغزو فقلت: ما لي فرس أركبه، ولا معي سلاح أحارب به، فقد جعلت عدم الفرس وفقد السلاح علة مانعة من الركوب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على عدم الصفة؛ لأن وجود الصفة بلا موصوف محال. وقوله: "فيكون ذلك إزالة لتوهم وجود الموصوف"، كأنه استدلال بعدم الصفة على عدم الموصوف، وهو يناقض ذلك التقرير.
وقلت: مقصود المصنف من قوله: "في ذكرها فائدة جليلة" أن مجيء الصفة ونفيها ليس إلا للمبالغة في نفي الموصوف، فمعنى قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ في هذا المقام: كيف يتأتى الشفيع ولا الشفيع؟ كمعنى قول القائل لمن يعاتبه على القعود عن الغزو: ما لي فرس أركبه. أي: كيف يتأتى مني الركوب ولا فرس لي؟ فكان ذكر الركوب والاستدلال على عدم تأتيه بعد الفرس دليلًا على أن انتفاء الفرس أمر لا نزاع فيه، وأن المخاطب لا يناقشه فيه، وكذلك ذكر التشفيع والاستدلال على عدم تأتيه بعدم الشفيع دليل على فقدان الشفيع، أمر محقق مشهور لا نزاع فيه، وإليه الإشارة بقوله: " الأمر المعروف غير المنكر الذي لا ينبغي أن يتوهم خلافه"، والأسلوب من باب نفي الشيء بنفي لازمه، فجيء بالصفة ليجعل نفي الموصوف دليلًا على انتفائها، فيلزم منه نفي توهم الموصوف، يعني: بلغ الموصوف في الانتفاء مبلغًا متناهيًا حتى صار دليلًا على انتفاء الصفة؛ لما يلزم من انتفاء الموصوف انتفاء الصفة؛ لأن الصفة لا تتأتى بدون موصوفها، فيكون المجموع دليلًا على المطلوب وهو انتفاء الموصوف بالكلية. وقد استقصينا في البقرة عند قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] القول فيه.
قال صاحب " الانتصاف": نفي المجموع يصح بنفي جزئه وبنفي كله، فإن كان المراد نفي الأمرين فذكر الصفة كالعلة لنفي الذات، أي لا طاعة فلا شفاعة، أو لا ذات فلا صفة، فيكون النفي مرتين من وجهين مختلفين، فظهر أن الفاء في "فيكون ذلك" نتيجة من قوله: ""ليقام انتفاء الموصوف"، لا من قوله: "لأن الصفة لا تتأتى"، فلا يلزم التناقض كما ظن.
стр. 7354
والمحاربة، كأنك تقول: كيف يتأتى مني الركوب والمحاربة ولا فرس لي ولا سلاح معي؟ ! فكذلك قوله: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ معناه: كيف يتأتى التشفيع ولا شفيع؟ فكان ذكر التشفيع والاستشهاد على عدم تأتيه بعدم الشفيع وضعًا لانتفاء الشفيع موضع الأمر المعروف غير المنكر الذي لا ينبغي أن يتوهم خلافه.
[﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ ومَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ١٩]
الخائنة: صفة للنظرة، أو مصدر بمعنى الخيانة، كالعافية بمعنى المعافاة، والمراد: استراق النظر إلى ما لا يحل، كما يفعل أهل الريب، ولا يحسن أن يراد الخائنة من الأعين؛ لأن قوله: ﴿ومَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ لا يساعد عليه. فإن قلت: بم اتصل قوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾؟ قلت: هو خبر من أخبار ﴿هُوَ﴾ في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾، مثل ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾، ولكن ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ قد علل بقوله: ﴿لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاق.﴾، ثم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الأمر المعروف)، أي: المشهور الثابت القائم، فكأنه قد علم من غير شبهة أن لا شفيع، فيستدل به على عدم الشفيع.
قوله: (لأن قوله: ﴿ومَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ لا يساعد عليه)، لأن مراعاة النسبة بين القريتين في فصيح الكلام واجب، فإذن لا يجوز أن يكون "الخائنة" صفة للعين، أي: العين الخائنة، ثم أضيف الصفة إلى موصوفها؛ لأن قوله: ﴿ومَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ لا يناسبه؛ لأنه نسب الإخفاء إلى الصدور فأوجب ذلك أن ينسب الخائنة إلى الأعين. ويقال: يعلم نظرة الأعين ويعلم ما تخفي الصدور. وفيه بحث؛ لأن المقصود من الإسناد المبالغة، وأن الله تعالى يعلم استراق العين لا العين الخائنة، سواء ضم إليه قرينتها أو لم يضم.
وقال القاضي: النظرة الخائنة النظرة الثانية إلى غير المحرم واستراق النظر إليه، أو خيانة الأعين. والجملة خبر خامس للدلالة على أنه ما من خفى إلا وهو متعلق للعلم والجزاء. قوله: (هو خبر من أخبار ﴿هُوَ﴾، أي: لفظة ﴿هُوَ﴾ في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾، يعني: ﴿يَعْلَمُ﴾ خبر لـ ﴿هُوَ﴾، مثل ﴿يُلْقِي﴾.
стр. 7355
استطرد ذكر أحوال يوم التلاق إلى قوله: ﴿ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾؛ فبعد لذلك عن أخواته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فبعد لذلك عن أخواته)، فإن قلت: فهلا لم يقدم على ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ أو على إخوانه؛ لئلا يحصل هذا البعد؟ قلت: لا يخلو إما أن يؤتى به قبل قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ ويُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ أو بعده، ولا يجوز الأول؛ لأن هذا متضمن للتهديد كما قال: "والمراد استراق النظر إلى ما لا يحل".
وقال الواحدي: يعلم مسارقة النظر إلى ما لا يحل، وما تسر القلوب في السر من المعصية، ، ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ فيجزي بالحسنة والسيئة، وذلك وارد في الامتنان على ما يوجب الشكر من نعمة الحياتين، وقد سبق اتصاله بما قبله.
ولا الثاني؛ لأنه إما أن يقدم على "رفيع الدرجات" أو يؤخر عنه.
رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ
ولا يجوز الأول؛ لأن ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ في الوجه المختار مفسر بمصاعد الملائكة ومهابطها للسفارة بين المرسل والمرسل إليه، وهو كالمقدمة لقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، وورودهما عقيب ﴿ويُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ للإيذان بأن الماء كما هو حياة الأرض الميتة، كذلك الوحي حياة للقلوب الميتة.
ولا الثاني؛ لأنه إذا لم يجز ذلك فالبطريق الأولى هذا؛ لئلا يتخلل بين المقدمة ولاحقتها أجنبي، وإنما عقب به قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ وما يتصل به من الاستطراد لمناسبة بينهما لفظًا ومعنى، كما قال: هو مثل ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾، أما اللفظ فكلاهما مضارعان، وأما المعنى فلدلالة كل منهما على الوعيد والتهديد، أما العلم فكما سبق، وأما الوحي فلتصريح تعليله بقوله: ﴿لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ إلى آخره.
فإن قلت: لم لا تجعل العلم علة لنفي شفاعة الشفيع، كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي
стр. 7356
[﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ٢٠]
﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ يعني: والذي هذه صفاته وأحواله لا يقضي إلا بالحق والعدل؛ لاستغنائه عن الظلم، وآلهتكم لا يقضون بشيء. وهذا تهكم بهم؛ لأن ما لا يوصف بالقدرة لا يقال فيه: يقضي، أو: لا يقضي. ﴿إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ تقرير لقوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ ومَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، ووعيد لهم بأنه يسمع ما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فكأنه قيل: ما للظالمين من شفيع؛ لما يعلم الله منهم الخيانة سرًا وعلانية ظاهرًا وباطنًا، فتخلص من تلك الورطة؟
قلت: إذا جعل من الأخبار المستقلة بالدلالة لإثبات وصف العلم ويتصل به حديث العدل والقضاء الحق، ، ويكون تخلصًا إلى ذم آلهتهم، ولا يفوت تعليل نفي الشفاعة أيضًا على سبيل الإدماج لاقترانه به، كان أحسن من تعليقه بنفي الشفاعة وحده. لله در المصنف ولطيف اعتباراته ودقيق إشاراته، ورحم الله من كان سببًا لمثار هذه النكات.
قوله: (والذي هذه صفاته وأحواله لا يقتضي إلا بالحق)، يعني: عومل بالاسم الجامع معاملة اسم الإشارة، مثل "أولئك" و "ذلك" إذا وقع بعده حكم؛ ليؤذن بأن ما بعده جدير بما قبله لإجراء تلك الصفات عليه، وإنما عدل من اسم الإشارة إلى اسم الذات؛ ليكون أجمع وأفخم.
قوله: (وهذا تهكم بهم)، فإن قلت: لم لم يجعله من المشاكلة؟ قلت: جعله استعارة تهكمية أبلغ، والاختيار أولى، والمقام له أذعى، وهو تحقير شأن آلهتهم وتسفيه رأيهم.
قوله: (﴿إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ تقرير لقوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ ومَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾)، أي: يعلم خائنة الأعين؛ لأنه بصير لا يحجبه شيء من المبصرات التي تخفى على كل ذي بصر، ويعلم ما تخفي الصدور من الهواجس التي ربما تخفى على صاحبها؛ لأنه سميع حقيقي، وإنما فضل هذه الفقرة بهذه الفاصلة يكون ظاهرًا في التعريض بما يدعون من دون الله، وأنها لا تقدر على القضاء؛ لأنها لا تسمع ولا تبصر.
стр. 7357
يقولون ويبصر ما يعملون، وأنه يعاقبهم عليه، وتعريض بما يدعون من دون الله، وأنها لا تسمع ولا تبصر. وقرئ: ﴿يَدْعُونَ﴾ بالياء والتاء.
[﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ومَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن واقٍ (٢١) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّاتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ ٢١ - ٢٢]
﴿هُمْ﴾ في ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ فصل. فإن قلت: من حق الفصل أن لا يقع إلا بين معرفتين، فما باله واقعًا بين معرفة وغير معرفة؛ وهو ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾؟ قلت: قد ضارع المعرفة في أنه لا يدخله الألف واللام؛ فأجري مجراه. وقرئ: (منكم) وهي في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفيه إشارة إلى أن الحاكم والقاضي ينبغي ألا يكون فاقد السمع والبصر، فيكون قوله: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ إلى آخره معترضة بين المقرر والمقرر.
قوله: (وقرئ ﴿يَدْعُونَ﴾ بالياء والتاء)، الفوقانية: نافع وابن ذكوان، والباقون: بالياء.
قوله: (قد ضارع المعرفة في أنه لا يدخله الألف واللام)، قال ابن الحاجب: ولا يجوز أن تقول: زيد هو غلام رجل، وإن كان ممتنعًا دخول حرف التعريف عليه؛ لأن هذا مخصوص بـ"أفعل من كذا"، والفرق بينهما أن "أفعل من كذا" يشبه المعرفة شبها قويًا من حيث المعنى، حتى إن معنى قولك: أفضل من كذا، الأفضل باعتبار فضلية معهودة، ولذلك قام مقامه، ، وليس غلام رجل كذلك، فإنه إنما امتنع دخول حرف التعريف عليه من جهة أن الإضافة قد تكون للتعريف، واللام للتعريف، فكره الجمع بينهما، بخلاف "أفضل منك".
قوله: (وقرئ: "منكم")، ابن عامر.
стр. 7358
مصاحف أهل الشام. ﴿وآثَارًا﴾: يريد حصونهم وقصورهم وعددهم، وما يوصف بالشدة من آثارهم. أو أراد: وأكثر آثارًا كقوله:
متقلدًا سيفًا ورمحا
[﴿ولَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (٢٣) إلَى فِرْعَوْنَ وهَامَانَ وقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ ومَا كَيْدُ الكَافِرِينَ إلاَّ فِي ضَلال﴾ ٢٣ - ٢٥]
﴿وسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾: وحجة ظاهرة؛ وهي المعجزات، فقالوا: هو ساحر كذاب، فسموا السلطان المبين سحرًا وكذابًا، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ﴾: بالنبوة. فإن قلت: أما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وما يوصف بالشدة من آثارهم)، الراغب: أثر الشيء: حصول ما يدل على وجوده. يقال: أثر وإثر، والجمع: الآثار. ويقال للطريق المستدل به على تقديم أشخاص: آثار. وأثرت العلم: رويته، آثره أثرًا وأثارة وأثرة. وأصله: تتبعت أثره، قال تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤]، وقرئ: "أثرة"، وهو ما يروى ويكتب فيبقى له أثر. والمآثر: ما يروى من مكارم الإنسان. ويستعار الأثر للفضل، والإيثار للتفضل، ومنه قولهم: آثرته، وقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] والاستئثار: التفرد بالشيء من دون غيره. وفي الحديث: "سكتون بعدي أثرة"أي: يستأثر بعضكم على بعض.
قوله: (أو أراد: وأكثر آثارًا)، فعلى الأول ﴿وآثَارًا﴾ عطف على ﴿قُوَّةً﴾، فتختص الآثار بما فيه قوة وشدة، وعلى الثاني عطف على ﴿أَشَدَّ﴾ على تقدير أكثر مطلقًا، سواء كانت الآثار قوية أو لا.
стр. 7359
كان قتل الأبناء واستحياء النساء من قبل خيفة أن يولد المولود الذي أنذرته الكهنة بظهوره وزوال ملكه على يده؟ قلت: قد كان ذلك القتل حينئذ، وهذا قتل آخر. وعن ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿قَالُوا اقْتُلُوا﴾: أعيدوا عليهم القتل كالذي كان أولًا. يريد: أن هذا قتل غير القتل الأول. ﴿فِي ضَلال﴾: في ضياع وذهاب، باطلًا لم يجد عليهم، يعني: أنهم باشروا قتلهم أولًا فما أعنى عنهم، ونفذ قضاء الله بإظهار من خافوه، فما يغني عنهم هذا القتل الثاني، وكان فرعون قد كف عن قتل الوالدان، فلما بعث موسى وأحس بأنه قد وقع أعاده عليهم غيًا وحنقًا، وظنا منه أنه يصدهم بذلك عن مظاهرة موسى، وما علم أن كيده ضائع في الكرتين جميعًا.
[﴿وقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ﴾ ٢٦]
﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ كانوا إذا هم بقتله كفوه بقولهم: ليس بالذي تخافه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (غيظًا وحنقًا وظنا منه أنه يصدهم بذلك عن مظاهرة موسى ﵇، وقال في موضع آخر: "إلباسًا عليهم وتعمية وأن ذلك المولود منتظر بعد، وليس موسى بذلك"، وينصره قوله: ﴿ومَا كَيْدُ الكَافِرِينَ إلاَّ فِي ضَلال﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾، وقوله: (كان هذا تمويهًا على قومه وإيهامًا أنهم هم الذين يكفونه)، وقال في "الأعراف"- في قوله: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]-: "سعيد عليهم ما كنا محناهم به من قتل الأبناء؛ ليلموا أنا على ما كنا عليه من القهر والغلبة وأنهم مقهورون تحت أيدينا، ولئلا يتوهم العامة أنه هو المولود الذي تحدث المنجمون والكهنة بزوال ملكنا على يده".
стр. 7360
وهو أقل من ذلك وأضعف، وما هو إلا بعض السحرة، ومثله لا يقاوم إلا ساحرًا مثله، ويقولون: إذا قتلته أدخلت الشبهة على الناس، واعتقدوا أنك قد عجزت عن معارضته بالحجة. والظاهر أن فرعون -لعنه الله - كان قد استيقن أنه نبي، وأن ما جاء به آيات وما هو بسحر، ولكن الرجل كان فيه خب وجربزة، وكان قتالًا سفاكًا للدماء في أهون شيء، فكيف لا يقتل من أحس منه بأنه هو الذي يثل عرشه ويهدم ملكه؟ ! ولكنه كان يخاف إن هم بقتله أن يعاجل بالهلاك، وقوله: ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ شاهد صدق على فرط خوفه منه ومن دعوته ربه، وكان قوله: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[قوله: (وهو أقل من ذلك وأضعف، وما هو إلا بعض السحرة)، الانتصاف: هو مثل قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] يوهم قلة الاحتفال بهم، وأن قتالهم إنما هو لأجل أنهم لنا غائظون، ومن عادتنا الحذر على دولتنا بحسن الحفظ وحماية حوزة المملكة، ولقد كذب وكان فؤاده مملوءًا رعبًا.
قوله: (﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ شاهد صدق)، يعني صدر منه هذا الكلام على سبيل الإيهام والتورية، والتورية -كما علمت- هو أن يطلق لفظ له معنيان: قريب وبعيد، فيراد البعيد منهما، واللعين أوهم قومه المعنى القريب وهو التهكم، وفي ضميره البعيد، أظهر أن ليس له رب والذي يدعوه ليس برب، أي: لا يجدي دعاؤه شيئًا؛ لأنه يدعو ما لا حقيقة له، وهو كما تقول لمن ظفرت به وليس له ناصر: أنا أنتقم منك فادع ناصرك؛ تهكما به، والمراد: ما في ضميره أنه إن هم بقتله أن يعاجل بالهلاك، لأنه كان قد استيقن أنه نبي وأن ما جاء به آيات، ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا﴾ [النمل: ١٤]. قال محيي السنة: أيك وليدع موسى ربه الذي يزعم أنه أرسله إلينا فيمنعه منا. وفي "اللباب": أي: ليدع ربه فإنه لا يجاب، وليستعن بربه فإنه لا يعان. وقيل: ليدع ربه فإنه لا يجيء من دعائه شيء؛ لأنه يدعو ما لا حقيقة له.
стр. 7361
تمويهًا على قومه، وإيهامًا أنهم هم الذين يكفونه، وما كان يكفه إلا ما في نفسه من هول الفزع. ﴿أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾: أن يغير ما أنتم عليه، وكانوا يعبدونه ويعبدون الأصنام/ بدليل قوله: ﴿وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]. والفساد في الأرض: التفاتن والتهارج الذي يذهب معه الأمن وتتعطل المزارع والمكاسب والمعايش، ويهلك الناس قتلًا وضياعًا، كأنه قال: إني أخاف أن يفسد عليكم دينكم بدعوتكم إلى دينه، أو يفسد عليكم دنياكم بما يظهر من الفتن بسببه. وفي مصاحف أهل الحجاز: (وأن يظهر) بالواو، ومعناه: إني أخاف فساد دينكم ودنياكم معًا.
وقرئ: ﴿يُظْهِرَ﴾ من: أظهر. و ﴿الْفَسَادَ﴾ منصوب، أي: يظهر موسى الفساد. وقرئ: ٠ يظهر) بتشديد الظاء والهاء، من تظهر، بمعنى تظاهر، أي: تتابع وتعاون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكانوا يعبدونه ويعبدون الأصنام)، قال المصنف: كان فرعون يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] فكيف عبد الصنم وذلك قوله: ﴿وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] فأجاب بأنه أمر بنحت الأصنام وبأن تجعل شفعاء لهم عنده، كما كانوا يقولون: ﴿شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] فأضافوا الآلهة إليه بهذا المعنى.
قوله: (وضياعًا)، الجوهري: ضاع الشيء يضيع ضيعةً وضياعًا -بالفتح- أي: هلك.
قوله: (وفي مصاحف أهل الحجاز: "وأن يظهر" بالواو)، قال صاحب "التيسير": وقرأ بها عاصم وحمزة والكسائي. وقال الزجاج: وفي مصحف أهل العراق: "أو أن" على معنى: إني أخاف أن يبطل دينكم البتة، وإن لم يبطله أوقع فيه الفساد. وعلى الواو: أخاف إبطال دينكم والفساد معه.
قوله: (وقرئ: ﴿يُظْهِرَ﴾)، نافع وأبو عمرو وحفص، والباقون: بفتح الياء والهاء.
стр. 7362
[﴿وقَالَ مُوسَى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسَابِ﴾ ٢٧]
لما سمع موسى ﵇ بما أجراه فرعون من حديث قتله قال لقومه: ﴿إنِّي عُذْتُ﴾ بالله الذي هو ربي وربكم. وقوله: ﴿ورَبِّكُم﴾ فيه بعث لهم على أن يقتدوا به، فيعوذوا بالله عياذه، ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه، وقال: ﴿مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾؛ لتشمل استعاذته فرعون وغيره من الجبابرة؛ وليكون على طريقة التعريض؛ فيكون أبلغ. وأراد بالتكبر: الاستكبار عن الإذعان للحق، وهو أقبح استكبار وأدله على دناءة صاحبه ومهانة نفسه، وعلى فرط ظلمه وعسفه، ، وقال: ﴿لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسَابِ﴾؛ لأنه إذا اجتمع في الرجل التجبر والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة، فقد استكمل أسباب القسوة والجرأة على الله وعباده، ولم يترك عظيمة إلا ارتكبها. وعذت ولذت أخوان. وقرئ: (عت) بالإدغام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿ورَبِّكُم﴾ فيه بعث لهم على أن يقتدوا به)، يريد أن موسى ﵇ لما سمع قولهم: ﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقوله: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ شجع قومه وقال: تعوذوا بالله عياذة واعتصموا بالتوكل عليه، كما تعوذت واعتصمت؛ ليخلصكم من شر هذا المتكبر الذي لا عقل له ليردعه، ولا دين ليزجره. ودل على هذا كله عطف ﴿ورَبِّكُم﴾.
قوله: (وليكون على طريقة التعريض)، عطف على "ليشمل"، كرر اللام على"ربي" للاستقلال. يعني: في التعميم فائدتان: إحداهما: دخول الغير في المستعاذ منه. وثانيتهما: ترك المواجهة بقوله: أنت متكبر مكذب مع إرادة ذلك بأبلغ وجه.
قوله: (لأنه إذا اجتمع في الرجل التجبر والتكذيب)، إلى قوله: (استكمل أسباب القسوة)، وفي الخاتمية: الظلم من طبع النفس، وإنما يصدها عن ذاك أحد علتين: إما علة دينية كخوف معاد، أو علة سياسية كخوف السيف. قال أبو الطيب:
стр. 7363
[﴿وقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وإن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ ٢٨]
﴿رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ﴾ وقرئ: (رجل) بسكون الجيم، كما يقال: عضد، في عضد، وكان قبطيًا ابن عم فرعون، آمن بموسى سرًا. وقيل: كان إسرائيليًا. و ﴿مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ صفة لـ ﴿رَجُلٌ﴾، أو صلة لـ ﴿يَكْتُمُ﴾، أي: يكتم إيمانه من آل فرعون، واسمه سمعان أو حبيب، وقيل: خربيل أو خزبيل، والظاهر أنه كان من آل فرعون؛ فإن المؤمنين من بني إسرائيل لم يقلوا ولم يعزلوا، والدليل عليه قول فرعون: ﴿أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [غافر: ٢٥]. وقول المؤمن: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَاسِ اللَّهِ إن جَاءَنَا﴾ [غافر: ٢٩] دليل ظاهر على أنه ينتصح لقومه. ﴿أَن يَقُولَ﴾: لأن يقول، وهذا إنكار منه عظيم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والظلم من شيم النفوس وإن تجد .... ذا عفة فلعلة لا يظلم
قوله: (و ﴿مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ صفة لـ ﴿رَجُلٌ﴾، أو صلة لـ ﴿يَكْتُمُ﴾)، لأن الرجل إذا كان قبطيًا كان ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ صفة لـ ﴿رَجُلٌ﴾، وإذا كان إسرائيليًا كان صلة لـ ﴿يَكْتُمُ﴾، وعلى هذا الوقف على قوله: ﴿وقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ﴾ له وجه، ثم يبتدأ ﴿مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، والظاهر الأول؛ لأن تقديم الصلة على الفعل لا معنى له في هذا المقام، ولأنه موجب للإلباس، وعليه قوله: "والظاهر أنه كان من آل فرعون"، لأن تخصيص الفردية وكتمان الإيمان لا يحسن إذا قيل: إن الرجل كان إسرائيليا؛ لأن بني إسرائيل كانوا كثيرين وأنهم لم يكتموا إيمانهم عن آل فرعون، يدل عليه قول اللعين: ﴿أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾؛ لأن التصريح بلفظ "آمنوا" دليل على أنه كان عارفًا بإيمان قوم موسى، فكيف يحمل الكاتم على رجل من بني إسرائيل؟
قوله: (دليل ظاهر على أنه يتنصح لقومه)، حيث قال: ﴿يَنصُرُنَا﴾ و ﴿جَاءَنَا﴾؛
стр. 7364
وتبكيت شديد، كأنه قال: أترتكبون الفعلة الشعناء التي هي قتل نفس محرمة، وما لكم علة قط في ارتكابها إلا كلمة الحق التي نطق بها؛ وهي قوله: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ مع أنه لم يحضر لتصحيح قوله بينة واحدة، ولكن بينات عدة من عند من نسب إليه الربوبية، وهو ربكم لا ربه وحده؟ ! وهو استدراج لهم إلى الاعتراف به، وليلين بذلك جماحهم ويكسر من سورتهم. ولك أن تقدر مضافًا محذوفًا، أي: وقت أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لأنه دل على أنه منهم في القرابة، وأنه يعلمهم بأن الذي ينصحهم به هو ما هم لهم منه.
قوله: (وهو ربكم لا ربه وحده، وهو استدراج لهم)، اعلم أنه قد أشار في كلامه إلى ثلاث عبارات كلها دالة على الاختصاص بمعونة التركيب والمقام الاستدراجي:
أحدهما: قوله: "ما لكم علة قط في ارتكابها إلا كلمة الحق"، وذلك من قوله: : ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ حيث نكر الرجل وأوقع قوله: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ علة للقتل على سبيل التوبيخ، كأنه لم يعلم من موسى ﵇ إلا أنه رجل ما، ولم يسمع منه قول إلا ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، وهو عندهم أظهر من الشمس، وأقواله لا تحصى، نحوه قوله تعالى: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] قال: "فنكروه لهم، وعرضوا عليهم الدلالة عليه كما يدل على مجهول في أمر مجهول".
وثانيها: قوله: "لم يحضر لتصحيح قوله بينه واحدة، ولكن بينات عدة"، وهو من جمع البينات، وتحليتها باللام.
وثالثها: قوله: "وهو ربكم لا ره وحده"، وهو من تخصيص ذكر الرب وإضافته إليهم، أي: الذي يدعو إليه موسى هذا المعلوم المتميز الذي لو قيل لكل مميز عاقل: من رب السماوات والأرض؟ ليقولن: الله. كما قال في "الشعراء" بعدما سأل اللعين: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤].
وإليه الإشارة بقوله: "من عند من نسب إليه الربوبية"، ولهذا لما قال اللعين: ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، أجاب ﵇ بقوله: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُم﴾.
قوله: (ولك أن تقدر مضافًا محذوفًا)، عطف على قوله: "لأن يقول، وهذا إنكار منه
стр. 7365
تقول. والمعنى: أتقتلونه ساعة سمعتم منه هذا القول من غير روية ولا فكر في أمره؟ ! وقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يريد: بالبينات العظيمة التي عهدتموها وشهدتموها، ثم أخذهم بالاحتجاج على طريقة التقسيم، فقال: لا يخلو من أن يكون كاذبًا أو صادقًا، ، ﴿وإن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أي: يعود عليه كذبه ولا يتخطاه ضرره، ﴿وإن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ﴾ ما يعدكم إن تعرضتم له. فإن قلت: لم قال: ﴿بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ وهو نبي صادق، لابد لما يعدهم أن يصيبهم كله لا بعضه؟ قلت: لأنه احتاج في مقاولة خصوم موسى ومناكريه إلى أن يلاوصهم ويداريهم، ويسلك معهم طريق الإنصاف في القول، ويأتيهم من جهة المناصحة، فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله، وأدخل في تصديقهم له وقبولهم منه، فقال: ﴿وإن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، وهو كلام المنصف في مقاله غير المشتط فيه؛ ليسمعوا منه ولا يردوا عليه، وذلك أنه حين فرضه صادقًا فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد، ولكنه أردفه ﴿يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾؛ ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيًا، فضلًا أن يتعصب له، أو يرمي بالحصى من ورائه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى قوله: "ما لكم علة قط في ارتكابها إلا كلمة الحق"، أي: قوله: ﴿أَن يَقُولَ﴾ إما توبيخ على جعل قول الحق علة القتل، وهو موجب للتسليم والتقليد بإضمار اللام، أو إنكار على عدم التفكر، على "أن" مصدرية والوقت مقدر.
قوله: (أن يلاوصهم)، الجوهري: فلان يلاوص الشجر، أي: ينظر كيف يأتيها ليقلعها، وعن بعضهم: يقال: لاوص القرن، إذا نظر من أي وجه يضربه.
قوله: (غير المشتط فيه))، اشتط في كذا: جازف فيه. والمشتط: هو الغالي.
قوله: (أو يرمي بالحصى من ورائه)، قيل: هو كناية عن الذب عنه، أي: فضلًا عن أن يذب عن موسى. والوراء بمعنى قدام.
стр. 7366
وتقديم الكاذب على الصادق أيضًا من هذا القبيل، وكذلك قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾. فإن قلت: فعن أبي عبيدة: أنه فسر البعض بالكل، وأنشد بيت لبيد:
تراك أمكنة إذا لم أرضها .... أو يرتبط بعض النفوس حمامها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وتقديم الكاذب على الصادق أيضًا من هذا القبيل)، الانتصاف: نظيره: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦] قدم ما تصدق به المرأة؛ لدفع التهمة وإبعاد الظن، ولم يضره تأخر المقصد لهذه الفائدة، وقريب منه: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ [يوسف: ٧٦].
قوله: (تراك أمكنة)، البيت، أي: أترك أمكنة إذا لم أرضها إلى أن يرتبط الحمام بعض النفوس، أي: كلا، وهو يوم القيامة، وهذا خطأ؛ لأنه أراد ببعض النفوس نفسه، أي: إلى أن يموت من هو مشهور معروف ولا يخفى على كل أحد. وعليه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقال الزجاج: قوله: ﴿بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ من لطيف المسائل؛ لأن النبي ﵇ إذا أوعد وعدًا وقع بأسره لا بعضه، وحق اللفظ: "كل الذي يعدكم"، لكن هذا من باب النظر يذهب فيه المناظر إلى إلزام الحجة بأيسر ما في الأمر، وليس فيه نفي إصابة الكل. ومثله قول الشاعر:
قد يدرك المتأني بعض حاجته .... وقد يكون مع المستعجل الزلل
إنما ذكر البعض؛ ليوجب له الكل، لا أن البعض هو الكل، ولكن القائل إذا قال: أقل ما يكون للمتأني إدراك بعض الحاجة، وأقل ما يكون للمستعجل الزلل، فقد بان فضل المتأني على المستعجل بما لا يقدر الخصم أن يدفعه. وذكر الزجاج في "آل عمران": وأنشد أبو عبيدة بيتًا غلط في معناه، يعني هذا البيت، وقال: المعنى: أو يعتلق كل النفوس حمامها.
стр. 7367
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإنما المعنى: أو تعتلق نفسي حمامها. وفي كلام الناس: بعض يعرفك، أي: أنا أعرفك.
وقال ابن الأنباري في "النزهة": هو أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي. وقال الجاحظ: لم يكن في الأرض خارجي ولا إجماعي أعلم بجميع العلوم من أبي عبيدة. وقال أبو العباس المبرد: كان أبو عبيدة عالمًا بالشعر والغريب والأخبار والنسب، وصنف كتابًا في القرآن وسماه "المجاز".
وفي حاشية "الكشاف": قال أبو عثمان المازني للمبرد: سمعت أبا عبيدة يقول: ما أكذب النحويين على العرب حيث يزعمون أن الألف في "العلقى" للتأنيث، وسمعناهم يقولون: علقاة للواحد. فقال له المبرد: هلا قاولته؟ قال: كان أجفى من أن يفقه ما أقول له.
والجوب على قول أبي عبيدة: أن من جعل الألف للتأنيث لم يقل في الواحد: علقاة، ومن نون جعل الألف للإلحاق وصح له أن يقول: علقاة. روى الجوهري عن سيبويه: علقى: نبت، تكون واحدةً وجمعًا، وألفه للتأنيث فلا ينون. قال العجاج يصف ثورًا:
فحط في علقى وفي مكور
"فحط": بالفاء والحاء المهملة. "المكور": ضرب من الشجر، بضم الميم والكاف، والواحد: مكر. ويروى:
استن في علقى وفي مكور
استن الفرس وغيره، أي: قمص، وهي أن يرفع يديه ويدفعهما معًا ويعجن برجليه.
وفي "التقريب": قال أبو عبيدة للمازني: ما رأيت ككذب النحويين، يقولون تاء التأنيث لا تدخل على ألفه، وسمعت رؤبة يقول: واحد علقى: علقاة. فقيل للمازني: فما
стр. 7368
قلت: إن صحت الرواية عنه، فقد حق فيه قول المازني في مسألة العلقى: كان أجفى من أن يفقه ما أقول له، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ يحتمل أنه إن كان مسرفًا كذابًا خذله الله وأهلكه ولم يستقم له أمر، فيتخلصون منه، وأنه لو كان مسرفًا كذابًا لما هداه الله للنبوة، ولما عضده بالبينات. وقيل: ما تولى أبو بكر من رسول الله ﷺ كان أشد من ذلك: طاف ﷺ بالبيت، فلقوه حين فرغ، فأخذوا بمجامع ردائه، فقالوا له: أنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباؤنا؟ فقال: "أنا ذاك"، فقام أبو بكر ﵁
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت لأبي عبيدة؟ فقال: ذاك - أي: التاء- إنما تدخل على لغة من يقول: إن ألفها للإلحاق لا للتأنيث.
قوله: (يحتمل أنه إن كان مسرفًا)، إلى آخره، يريد أن قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ الآية، تعليل للشرطين وارد على ذلك النمط ذا وجهين، أي: إن يك كاذبًا فعليه كذبه، أي: وبال كذبه وضرره؛ لأن الله لا يهدي ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾. ﴿وإن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ إن تعرضتم له؛ لأن الله هداه للحق، ولو كان مسرفًا كذابًا لما هداه الله للنبوة ولما عضده بالبينات.
قوله: (ما تولى أبو بكر ﵁، عن الإمام أحمد بن حنبل، عن عروة بن الزبير: "قلت لعبد الله بن عمر"، وعن البخاري: "سألت عمر: أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله ﷺ . قال: بينا رسول الله ﷺ يصلي بفناء الكعبة؛ إذ أقبل عقبة بن أبي معيط لعنه الله، فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ ، فلف ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر الصديق ﵁، فأخذ بمنكبه، ودفعه عن رسول الله ﷺ ، ثم قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾ ".
стр. 7369
فالتزمه من ورائه، وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾؟ ! رافعًا صوته بذلك، وعيناه تسفحان، حتى أرسلوه. وعن جعفر الصادق: أن مؤمن آل فرعون قال ذلك سرًا، وأبو بكر قاله ظاهرًا.
[﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَاسِ اللَّهِ إن جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى ومَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ٢٩]
﴿ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ﴾: في أرض مصر عالين فيها على بني إسرائيل، يعني: أن لكم ملك مصر، وقد علوتم الناس، وقهرتموهم، فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم، ولا تتعرضوا لبأس الله وعذابه، فإنه لا قبل لكم به إن جاءكم، ولا يمنعكم منه أحد. وقال: ﴿يَنصُرُنَا﴾ و: ﴿جَاءَنَا﴾؛ لأنه منهم في القرابة؛ ؛ وليعلمهم بأن الذي ينصحهم به هو مساهم لهم فيه. ﴿مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى﴾ أي: ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قتله، يعني: لا أستصوب إلا قتله، وهذا الذي تقولونه غير صواب، ﴿ومَا أَهْدِيكُمْ﴾ بهذا الرأي ﴿إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ يريد: سبيل الصواب والصلاح. أو ما أعلمكم إلا ما أعلم من الصواب، ولا أدخر منه شيئًا، ولا أسر عنكم خلاف ما أظهر يعني: أن لسانه وقلبه متواطئان على ما يقول، وقد كذب؛ فقد كان مستشعرًا للخوف الشديد من جهة موسى، ولكنه كان يتجلد، ولولا استشعاره لم يستشر أحدًا ولم يقف الأمر على الإشارة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((فإنه لا قبل لكم به)، الراغب: قبل فلان: أي عند فلان. قال تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ [الحاقة: ٩]، ويستعار للقوة والقدرة على المقابلة، أي: المجازاة، فيقال: لا قبل لي بكذا، أي: لا يمكنني أن أقابله.
стр. 7370
وقرئ: (الرشاد)؛ فعال من: رشد؛ بالكسر، كعلام، أو من: رشد بالفتح كعباد، وقيل: هو من أرشد كجبار من أجبر. وليس بذاك؛ لأن فعالًا من أفعل لم يجئ إلا في عدة أحرف، نحو: دراك وسار وقصار وجبار، ولا يصح القياس على القليل. ويجوز أن يكون نسبة إلى الرشد، كعواج وبتات، غير منظور فيه إلى فعل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ "الرشاد")، قال ابن جني: قرأه معاذ بن جبل على المنبر، وهو إما من: رشد يرشد، كعلام؛ من: علم يعلم، أو من: رشد يرشد، كعباد؛ من: عبد يعبد. ولا يحمل على: أرشد يرشد؛ لأن فعالًا لم يأت من أفعل إلا [في أحرف] محفوظة، نحو: أجبر فهو جبار، وأسأر فهو سار، وأقصر فهو قصار، وأدرك فهو دراك، على أنهم قالوا: جبره على الأمر، وقصر عن الأمر. وينبغي أن يكون جبار وقصار من فعل، فكذا ينبغي أن يعتقد في سار ودراك على أنهما خرجا بحرف الزيادة فصارا إلى سار ودراك تقديرًا، وإن لم يخرجا إلى اللفظ استعمالًا، كما قالوا: أبقل المكان فهو باقل، وأورس الرمث فهو وارس، وقالوا: ألقحت الريح السحاب وهي لاقح. وهذا على حذف همزة "أفعل"، وإنما قياسه "ملقح"، فعلى هذا خرج الرشاد، أي: رشد بمعنى: أرشد، تقديرًا لا استعمالًا.
فإن قيل: فإن المعنى إنما هو على أرشد، فكيف أجزت لأن يكون مجيئه من: رشد أو رشد، في معنى: أرشد، وأنه ليس من لفظ: أرشد؟
قيل: المعنى راجع إلى أنه مرشد؛ لأنه إذا رشد أرشد؛ لأن الإرشاد من: الرشد فهو من باب الاكتفاء بذكر السبب عن المسبب، وعليه قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]، أنها من لقحت هي، وإذا لقحت ألقحت غيرها.
قوله: (كعواج وبتات)، أي: بياع العاج وبياع البت وهو الطيلسان من خز أو صوف.
стр. 7371
[﴿وقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَابِ قَوْمِ نُوحٍ وعَادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ ٣٠ - ٣١]
﴿مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ﴾: مثل أيامهم؛ لأنه لما أضافه إلى الأحزاب وفسرهم بقوم نوح وعاد وثمود، ولم يلبس أن كل حزب منهم كان له يوم دمار؛ اقتصر على الواحد من الجمع؛ لأن المضاف إليه أغنى عن ذلك، كقوله:
كلوا في بعض بطنكم تعفوا
وقال الزجاج: مثل يوم حزب حزب. ودأب هؤلاء: دؤوبهم في عملهم من الكفر والتكذيب وسائر المعاصي، وكون ذلك دائبًا دائمًا منهم لا يفترون عنه. ولابد من حذف مضاف، ويريد: مثل جزاء دأبهم. فإن قلت: بم انتصب ﴿مِّثْلَ﴾ الثاني؟ قلت: بأنه عطف بيان لـ ﴿مِّثْلَ﴾ الأول؛ لأن آخر ما تناولته الإضافة "قوم نوح"، ولو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأنه أضافه إلى الأحزاب)، يعني: لابد من تقدير جمع اليوم؛ لأن الأحزاب لم يهلكوا مرة واحدة في يوم واحد، وإنما هلك كل حزب في يوم مختص به، لكن لما جاء بالتفصيل بعد الإفراد -وهو قوم نوح وعاد وثمود- قيل: ﴿يَوْمِ﴾ لأنه لم يلبس.
قوله: (يوم حزب حزب)، عن بعضهم: أفرد الحزب كما جمع اليوم في الأول، كما هو عادته من رد الأول إلى الثاني، أو العكس.
قوله: (وكون ذلك دائبًا دائمًا)، عطف تفسيري على قوله: "دؤوبهم"، و"ذلك" إشارة إلى الكفر والتكذيب وسائر المعاصي.
قوله: (ولابد من حذف مضاف) لأن ﴿مِّثْلَ﴾ الثاني عطف بيان للمثل الأول، وقد ذكر فيه اليوم وهو دال على الهلاك لجزاء أعمالهم، وغليه أشار بقوله: "إن كل حزب منهم كان له يوم دمار".
قوله (لأن آخر ما تناولته الإضافة قوم نوح)، أضاف ﴿مِّثْلَ﴾ إلى ﴿دَابِ﴾ ثم إلى ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ وهو آخر ما تناولته الإضافة.
стр. 7372
قلت: أهلك الله الأحزاب: قوم نوح وعاد وثمود؛ لم يكن إلا عطف بيان لإضافة قوم إلى أعلام، فسرى ذلك الحكم إلى أول ما تناولته الإضافة. ﴿ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ يعني: أن تدميرهم كان عدلًا وقسطًا؛ لأنهم استوجبوه بأعمالهم، وهو أبلغ من قوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]؛ حيث جعل المنفي إرادة الظلم؛ لأن من كان عن إرادة الظلم بعيدًا، كان عن الظلم أبعد؛ وحيث نكر الظلم، كأنه نفى أن يريد ظلمًا ما لعباده. ويجوز أن يكون معناه كمعنى قوله: ﴿ولا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] أي: لا يريد أن يظلموا؛ يعني: أنه دمرهم؛ لأنهم كانوا ظالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (نكر الظلم، كأنه نفى أن يكون ظلمًا ما)، وليس التنكير في "ظلام" مثله؛ لأن "ظلامًا" بناء مبالغة، والتنكير يتبعه في التفخيم والتكثير.
قوله: (كمعنى قوله: ﴿ولا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧])، ومعناه على ما قال: لا يرضى لعباده الكفر رحمةً لهم؛ لأنه يوقعهم في الهلكة، وفيه: أنهم بأنفسهم يكفرون ويوقعونها في الهلكة، وكذلك قوله: "وما الله يريد ظلمًا للعباد" معناه: لا يريد لهم أن يظلموا فيوقعوا أنفسهم بسببه في الدمار، ولكنهم هم الذين ظلموا فتعرضوا للدمار فلذلك دمرناهم، وإليه الإشارة بقوله: "يعني: أنه دمرهم لأنهم كانوا ظالمين"، والمعنى على الأول: جازيناهم بالهلاك فعدلنا فيهم. وعلى الثاني: : أهلكناهم؛ لأنهم كانوا ظالمين.
الانتصاف: هذا من الطراز الأول، وقد سبق من إبطاله ما يغني عن إعادته.
وقلت: إن مؤمن آل فرعون لما نصح القوم بقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وأثبت أنه نبي صادق ثابتة نبوته، واجب اتباعه، وما قصر في النصح وإرشاد طريق الإيمان إلى أن انتهى إلى قوله: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَاسِ اللَّهِ إن جَاءَنَا﴾، وما زاد اللعين على ما بدأ أولًا: ﴿مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى﴾ أي: ما أشير عليكم إلا بما أرى من
стр. 7373
[﴿ويَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ غافر: ٣٢ - ٣٣]
(التنادي) ما حكى الله في سورة الأعراف من قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، و ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٥٠]، ويجوز أن يكون تصايحهم بالويل والثبور. وقرئ بالتشديد، وهو أن يند بعضهم من بعض؛ كقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤]. وعن الضحاك: إذا سمعوا زفير النار ندوا هربًا، فلا يأتون قطرًا من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفًا، فبيناهم يموج بعضهم في بعض، إذ سمعوا مناديًا: أقبلوا إلى الحساب. ﴿تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ عن قتادة: منصرفين عن موقف الحساب إلى النار. وعن مجاهد: فارين عن النار غير معجزين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القتل، فحينئذ أيس المؤمن واستشعر الخوف وأيقن أن حجة الله لزمتهم، قال: ﴿إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ﴾، لأنه تعالى بعث إليهم الرسل مصحوبًا بالبينات كرسولكم فلم يؤمنوا، فدمرهم الله، ﴿ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾.
وينصره ما ذكره محيي السنة: ﴿ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ أي: لا يهلكهم قبل اتخذ الحجة عليهم. يعني: عبر عن سنة الله الجارية -وهي إرادة بعثة الرسل إلى الأمم حتى إن أهلكهم لا يقولوا: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] فنحن مظلومون- بقوله: ﴿ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ أي: الله لا يريد الإهلاك قبل اتخاذ الحجة، وقد بعث إليهم وإليكم الحجة.
وظهر أن قول المصنف: "لا يريد لهم أن يظلموا" مما ينبو عنه المقام، وقضية مذهبه جره إليه.
قوله: (وقرئ بالتشديد)، قال ابن جني: وهي قراءة ابن عباس والضحاك والكلبي، وهو "تفاعل" مصدر "تناد القوم"، أي: تفرقوا، من قولهم: ند يند، كنفر ينفر، وتنادوا كتنافروا. والتناد كالتنافر، وأصله: التنادد، فأدغم.
стр. 7374
[﴿ولَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ ٣٤ - ٣٥]
هو يوسف بن يعقوب ﵉. وقيل: هو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب. أقام فيهم نبيًا عشرين سنة. وقيل: إن فرعون موسى هو فرعون يوسف، عمر إلى زمنه. وقيل: فرعون آخر. وبخهم بأن يوسف أتاكم بالمعجزات فشككتم فيها، ولم تزالوا شاكين كافرين، ﴿حَتَّى إذَا﴾ قبض ﴿قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ حكمًا من عند أنفسكم من غير برهان، وتقدمة عزم منكم على تكذيب الرسل، فإذا جاءكم رسول جحدتم وكذبتم بناء على حكمكم الباطل الذي أسستموه، وليس قولهم: ﴿لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ بتصديق لرسالة يوسف، وكيف وقد شكوا فيها وكفروا بها! وإنما هو تكذيب لرسالة من بعده مضموم إلى تكذيب رسالته. وقرئ: (ألن يبعث الله) على إدخال همزة الاستفهام على حرف النفي، كأن بعضهم يقرر بعضًا بنفي البعث. ثم قال: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ﴾ أي: مثل هذا الخذلان المبين يخذل الله كل مسرف في عصيانه مرتاب في دينه، ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ بدل من ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾. فإن قلت: كيف جاز إبداله منه وهو جمع وذاك موحد؟ قلت:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وتقدمه عزم)، عطف على قوله: "حكمًا"، ومفعول له أو مفعول مطلق.
قوله: (وإنما هو تكذيب)، يعني: قولهم: ﴿لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر: ٣٤] ليس فيه أنهم أثبتوا رسالة يوسف، بل فيه أنهم شكوا فيه وضجوا منه، حتى إذا هلك قالوا: خلصنا من هذا المدعي الزاعم أنه رسول ولن يجيء بعده مثله.
قوله: (كأن بعضهم يقرر بعضًا)، يعني: دخلت همزة التقرير على حرف النفي لدلالة أن كل واحد من المكذبين كان يقرر صاحبه بنفي البعث.
стр. 7375
لأنه لا يريد مسرفًا واحدًا، فكأنه قال: كل مسرف. فإن قلت: فما فاعل ﴿كَبُرَ﴾؟ قلت: ضمير ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾. فإن قلت: أما قلت: هو جمع؛ ولهذا أبدلت منه ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾؟ قلت: بلى هو جمع في المعنى، وأما اللفظ فموحد، فحمل البدل على معناه، والضمير الراجع إليه على لفظه، وليس ببدع أن يحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى، وله نظائر، ، ويجوز أن يرفع ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ على الابتداء، ولابد في هذا الوجه من حذف مضاف يرجع إليه الضمير في ﴿كَبُرَ﴾، تقديره: جدال الذين يجادلون كبر مقتًا، ويحتمل أن يكون ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ مبتدأ، و ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ خبرًا، وفاعل ﴿كَذَلِكَ﴾ قوله: ﴿ ........ ﴾ أي: كبر مقتًا مثل ذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وليس ببدع أن يحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى)، الانتصاف: فيما ذكره عود إلى معاملة اللفظ من بعد معاملة معناه وأهل العربية يجتنبونه، والأولى ألا يعتمد في إعراب القرآن عليه، والصواب أن فاعل ﴿كَبُرَ﴾ ضمير مصدر ﴿يُجَادِلُونَ﴾، أي: كبر جدالهم مقتًا، أو يجعل ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ بتقدير حذف المضاف، أي: جدال الذين يجادلون، والضمير في "كبر" يعود إلى الجدال المحذوف، والجملة مبتدأ وخبر. ومثله في حذف المضاف وعود الضمير إليه: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [التوبة: ١٩] في أحد تأويليه، وهو: أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله. ومثله كثير. وفيه ما يوجب السلامة عما ذكره، فالأولى العدول عنه.
وقلت: ولعل في قوله: "وليس ببدع أن يحمل" إشارة إلى هذا المعنى.
قوله: (وفاعل ﴿كَبُرَ﴾ قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾)، قيل: فعلى هذا قد تقدم التمييز على الفاعل، ومثله جائز. قال المرزوقي في قوله:
أرى كل أرض دمنتها وإن مضت .... لها حجج يزداد طيبًا ترابها
стр. 7376
الجدال، و ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ كلام مستأنف، ومن قال: كبر مقتًا عند الله جدالهم، فقد حذف الفاعل، والفاعل لا يصح حذفه. وفي ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ ضرب من التعجب والاستعظام لجدالهم، والشهادة على خروجه من حد أشكاله من الكبائر. وقرئ: (سلطان) بضم اللام. وقرئ: (قلب) بالتنوين. ووصف القلب بالتكبر والتجبر، لأنه مركزهما ومنبعهما، كما تقول: رأت العين، وسمعت الأذن، ونحوه قوله : ﴿فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وإن كان الآثم هو الجملة. ويجوز أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنه يجوز تقديم التمييز على الفاعل، وليس في جوازه خلاف.
قوله: (فقد حذف الفاعل، والفاعل لا يصح حذفه)، قيل: فيه نظر. قال أبو البقاء: يجوز أن يكون الخبر ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾، أي: كبر قولهم مقتًا.
وقلت: وإذا جاز في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ذلك، وقد قال: الضمير في ﴿بَلَغَتِ﴾ للنفس، وإن لم يجر لها ذكر؛ لأن الكلام الذي وقعت فيه يدل عليها. وتقول العرب: أرسلت، أي: السماء، يريدون: جاء المطر، فلأن يجوز هذا لدلالة ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ على جدالهم أحرى. وقوله: "كلام مستأنف" كأنه لما قيل: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ مثال جدال الذين يجادلون في آيات الله، قيل: فما يفعل الله بهم إذن؟ قيل: يطبع الله على قلوبهم، فوضع ﴿كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ موضع الضمير إشعارًا بأن المجادل في آيات الله بغير علم متكبر جبار.
قوله: (وقرئ: "قلب")، بالتنوين: أبو عمرو وابن ذكوان، والباقون: بغير تنوين.
قوله: (ونحوه قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣])، أي: كما أسند الإثم إلى
стр. 7377
يكون على حذف المضاف، أي: على كل ذي قلب متكبر، تجعل الصفة لصاحب القلب.
[﴿وقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إلَى إلَهِ مُوسَى وإنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ومَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلاَّ فِي تَبَابٍ﴾ ٣٦ - ٣٧]
قيل: الصرح: البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر وإن بعد، اشتقوه من صرح الشيء؛ إذا ظهر، وأسباب السماوات: طرقها وأبوابها وما يؤدي إليها، وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب إليه، كالرشاء ونحوه. فإن قلت: ما فائدة هذا التكرير؟ ولو قيل: لعلى أبلغ أسباب السماوات! قلت: إذا أبهم الشيء ثم أوضح كان تفخيمًا لشأنه، فلما أراد تفخيم ما أمل بلوغه من أسباب السماوات أبهمها ثم أوضحها؛ ولأنه لما كان بلوغها أمرًا عجيبًا أراد أن يورده على نفس متشوفة إليه؛ ليعطيه السامع حقه من التعجب، فأبهمه ليشوف إليه نفس هامان، ثم أوضحه. وقرئ: ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ بالنصب على جواب الترجي، تشبيهًا للترجي بالتمني. ومثل ذلك التزيين وذلك الصد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القلب وهو للجملة من الروح والبدن والقلب للتأكيد، كذلك التكبر مسند إلى القلب، وهو للجملة؛ لأن القلب رئيس الأعضاء، وكتمان الشهادة ومنشأ الكبر منه.
قوله: (على نفس متشوقة)، يروى بالفاء والقاف. عن بعضهم: شاف الشيء: صقله. ويقال: شفت الشيء: جلوته. التشوف: التطلع. وتشوفت المرأة: تزينت.
اطلع إليه، أي: صعد. وطلع الجبل كذلك.
قوله: (﴿فَأَطَّلِعَ﴾ بالنصب)، حفص، والباقون: برفعها.
قوله: (تشبيهًا للترجي بالتمني)، لأن الترجي: طلب ما يتوقع حصوله، والتمني:
стр. 7378
﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾، والمزين: إما الشيطان بوسوسته، كقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤]، أو الله تعالى على وجه التسبيب؛ لأنه مكن الشيطان وأمهله، ومثله: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤]. وقرئ: (وزين) له (سوء عمله) على البناء للفاعل، والفعل لله ، دل عليه قوله: ﴿إلَى إلَهِ مُوسَى﴾؛ و (صد) بفتح الصاد، وضمها، وكسرها، على نقل حركة العين إلى الفاء، كما قيل: قيل. والتباب: الخسران والهلاك. وصد: مصدر معطوف على ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾، وصدوا هو وقومه.
[﴿وقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إنَّمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرَارِ﴾ ٣٨ - ٣٩]
قال: ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ فأجمل لهم، ثم فسر فافتتح بذم الدنيا وتصغير شأنها؛ لأن الإخلاد إليها هو أصل الشر كله، ومنه يتشعب جميع ما يؤدي إلى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
طلب ما لا يمكن حصوله، نحو: : ليت الشباب يعود. قال الزجاج: المعنى: لعلي أبلغ الذي يؤديني إلى إله موسى، وإنما قلت هذا على دعوى موسى، لا أني على يقين من ذلك.
قوله: (على نقل حركة العين إلى الفاء)، أي: أصله: صدد؛ مجهولًا، نقل كسرة الدال إلى الصد، وصد يجوز أن يكون لازمًا أو متعديًا. والفعل لفرعون، أي: صد الناس عن الإيمان، ويجوز أن يكون الفاعل الله تعالى، أي: صده الله عن إبطال أمر موسى، وقيل: عن نبأ الصرح.
قوله: (والتباب: الخسران والهلاك)، الراغب: التب والتباب: الاستمرار في الخسران. يقال: تبًا له وتب له وتببته، إذا قلت له ذلك، ولتضمن الاستمرار قيل: استتب لفلان كذا، أي: استمر. و ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] أي: استمرت في الخسران.
стр. 7379
سخط الله ويجلب الشقاوة في العاقبة، وثنى بتعظيم الآخرة والاطلاع على حقيقتها، وأنها هي الوطن والمستقر، وذكر الأعمال سيئها وحسنها وعاقبة كل منهما؛ ليثبط عما يتلف، وينشط لما يزلف، ثم وازن بين الدعوتين: دعوته إلى دين الله الذي ثمرته النجاة، ودعوتهم إلى اتخاذ الأنداد الذي عاقبته النار، وحذر، وأنذر، واجتهد في ذلك واحتشد، لا جرم أن الله استثناه من آل فرعون، وجعله حجة عليهم وعبرة للمعتبرين، وهو قوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥]. وفي هذا أيضًا دليل بين على أن الرجل كان من آل فرعون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن الله استثناه من آل فرعون)، أي: اختاره منهم وجعله داعيًا إلى الله ونجاه مما حل بهم من سوء العذاب، وذلك قوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾
المغرب: يقال: ثنى العود، إذا حناه وعطفه؛ لأنه ضم أحد طرفيه إلى الآخر، ثم قيل: ثناه عن وجهه، إذا كفه وصرفه؛ لأنه مسبب عنه. ومنه: استثنيت الشيء، زويته لنفسي. والاسم: الثنيا بوزن الدنيا، ومنه الحديث: "من استثنى فله ثنياه"، أي: ما استثناه. والاستثناء في الاصطلاح: إخراج الشيء مما دخل فيه غيره؛ لأنه فيه كفًا وردا عن الدخول، والاستثناء في اليمين أن يقول الحالف: إن شاء الله؛ لأن فيه رد ما قاله بمشيئة الله تعالىً.
قوله: (في هذا أيضًا دليل بين على أن الرجل كان من آل فرعون)، إشارة إلى ما سبق له في تفسير قوله تعالى: ﴿وقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ وهو قوله: "وقول المؤمن: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَاسِ اللَّهِ إن جَاءَنَا﴾ دليل ظاهر على أنه يتنصح قومه"، يعني: كما كان في تلك الآية دلالة ظاهرة على أن المؤمن من آل فرعون، كذلك في هذه الآية؛ لإضافة القوم إلى نفسه مرتين. وقوله: "اتبعوني" ولم يقل: اتبعوا موسى، وسلوك طريقة الإجمال والتفصيل، والمبالغة في التحذير والإنذار؛ لأن مثل هذه النصيحة وإمحاضها قلما يصدر من الأجانب، كما
стр. 7380
والرشاد: نقيض الغي. وفيه تعريض سبيه بالتصريح أن ما عليه فرعون وقومه هو سبيل الغي.
[﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إلاَّ مِثْلَهَا ومَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٤٠]
﴿فَلا يُجْزَى إلاَّ مِثْلَهَا﴾؛ لأن الزيادة على مقدار جزاء السيئة قبيحة؛ لأنها ظلم، وأما الزيادة على مقدار جزاء الحسنة فحسنة؛ لأنها فضل. قرئ: ﴿يَدْخُلُونَ﴾، و (يدخلون). ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ واقع في مقابلة ﴿إلاَّ مِثْلَهَا﴾، يعني: أن جزاء السيئة لها حساب وتقدير؛ لئلا يزيد على الاستحقاق، فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال: "وإنهم قومه وعشيرته، ونصيحتهم عليه واجبة، وسرورهم سروره، وغمهم غمه"، ثم إدخال الفاء الفصيحة بعد الفراغ من النصيحة تتميم للمقصود، يعني: لما فرغ من النصيحة قصدوا إهلاكه ومكروا وهموا بتعذيبه، فوقاه الله مما هموا به، ورجع كيدهم إلى نحورهم.
قوله: (والرشاد: نقيض الغي)، الراغب: الرشد والرشد: خلاف الغي، يستعمل استعمال الهداية، قال تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] وقال بعضهم: الرشد -بالفتح- أخص؛ فإن الرشد -بالضم- يقال في الأمور الدنيوية، وبالفتح في الدنيوية والأخروية، والراشد والرشيد يقال فيهما.
قوله: (﴿يَدْخُلُونَ﴾ و"يدخلون")، ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر: "يدخلون"؛ بضم الياء وفتح الخاء، والباقون: بفتح الياء وضم الخاء.
قوله: (فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير)، قال القاضي: ولعل تقسيم العمال، وجعل الجزاء اسمية مصدرة باسم الإشارة، وتفضيل الثواب لتغليب الرحمة، وجعل العمل عمدة والإيمان حالًا؛ للدلالة على أنه شرط في اعتبار العمل، وأن ثوابه أعلى من ذلك.
стр. 7381
وحساب، بل ما شئت من الزيادة على الحق والكثرة والسعة.
[﴿ويَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إلَى النَّجَاةِ وتَدْعُونَنِي إلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأَنَا أَدْعُوكُمْ إلَى العَزِيزِ الغَفَّارِ﴾ ٤١ - ٤٢]
فإن قلت: لم كرر نداء قومه؟ ولم جاء بالواو في النداء الثالث دون الثاني؟ قلت: أما تكرير النداء: ففيه زيادة تنبيه لهم وإيقاظ عن سنة الغفلة. وفيه: أنهم قومه وعشيرته، وهم فيما يوبقهم، وهو يعلم وجه خلاصهم، ونصيحتهم عليه واجبة، ، فهو يتحزن لهم ويتلطف بهم، ويستدعي بذلك أن لا يتهموه، فإن سرورهم سروره، وغمهم غمه؛ وينزلوا على تنصيحه لهم، كما كرر إبراهيم -صلى الله عليه- في نصيحة أبيه: ﴿يَا أَبَتِ﴾ [مريم: ٤٢ - ٤٥]. وأما المجيء بالواو العاطفة: فلأن الثاني داخل على كلام هو بيان للمجمل وتفسير له، فأعطى الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو، وأما الثالث: فداخل على كلام ليس بتلك المثابة: يقال: دعاه إلى كذا ودعاه له، كما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهم فيما يوبقهم)، أي: فيما يهلك أنفسهم، "هم" مبتدأ، و"فيما يوبقهم" خبر.
قوله: (وأما الثالث فداخل على كلام ليس بتلك المثابة)، يعني: قوله: ﴿ويَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إلَى النَّجَاةِ﴾ ليس من جنس الكلام المفسر، وهو ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ فجيء بالعاطف ليكون عطفًا على قوله: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ﴾، أتاهم بنوعين من الكلام:
أحدهما: في الترغيب عن الدنيا وتصغير شأنها، والتحريض على الاطلاع على حقيقة الآخرة وتعظيم شأنها، وعلى ما يقربهم إليها من الأعمال الصالحة، وما يبعدهم عنها من الأعمال السيئة ..
وثانيهما: في بيان مجادلة جرت بينهم وبينه، وأنه محق وأنهم مبطلون، وختمها بما ينبئ عن المتاركة بالكلية، وتحقق اعتزاله عنهم وتدميرهم، وهو قوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وأُفَوِّضُ أَمْرِي إلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. وقال القاضي: كرر نداءهم إيقاظًا لهم عن سنة الغفلة، واهتمامًا بالمنادى له، ومبالغة في توبيخهم على ما يقابلون به نصحه،
стр. 7382
تقول: هداه إلى الطريق وهداه له. ﴿بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: بربوبيته، والمراد بنفي العلم: نفي المعلوم، كأنه قال: وأشرك به ما ليس بإله، وليس بإله كيف يصح أن يعلم إلهًا؟
[﴿لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا ولا فِي الآخِرَةِ وأَنَّ مَرَدَّنَا إلَى اللَّهِ وأَنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وأُفَوِّضُ أَمْرِي إلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ٤٣ - ٤٤]
﴿لا جَرَمَ﴾ سياقه على مذهب البصريين: أن يجعل ﴿لَا﴾ ردًا لما دعاه إليه قومه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعطف ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ﴾ على النداء الثاني الداخل على ما هو بيان لما قبله لا على الأول، فإن ما بعده أيضًا تفسير لما أجمل فيه تصريحًا وتعريضًا.
وقلت: يأبي أن يكون الثاني داخلًا في البيان لما فيه من الغلظة والوعيد إلى حلول الدمار وتصريح المتاركة، وقد مر غيره مرة أن دأب الأنبياء والداعين إلى الله سلوك طريق الملاطفة، وسبيل إرخاء العنان في الدعوة، ثم إذا أيقنوا أن ذلك النوع لا يجدي فيهم أتوا بالتوبيخ والتغليظ، ثم بعده بما يؤذن بالمتاركة والإقناط، وبتحقق الفصل بالهلاك والدمار. كذلك سلك هاهنا، ولهذا قال: "وأما الثالث فداخل على كلام ليس بتلك المثابة"، وبينا مغزاه.
قوله: (والمراد بنفي العلم نفي المعلوم)، أي: هو من باب نفي الشيء بنفي لازمه على سبيل الكناية. وعن بعضهم: نفي العلم عن الخاص-بناءً على الدليل الواضح الشامل للكل- يكون نفيًا للعلم عن الكل.
قوله: (أن يجعل ﴿لَا﴾ ردًا لما دعاه إليه قومه)، قال الزجاج في سورة "هود": قال المفسرون: المعنى: حقًا إنهم في الآخرة هم الأخسرون. وزعم سيبويه أن "جرم" بمعنى "حق"، قال الشاعر:
стр. 7383
و ﴿جَرَمَ﴾: فعل بمعنى حق، و"أن" مع ما في حيزه فاعله، أي: حق ووجب بطلان دعوته. أو بمعنى: كسب، من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢] أي: كسب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته، على معنى: أنه ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته. ويجوز أن يقال: إن "لا جرم" نظير "لابد"، فعل من الجرم؛ وهو القطع، كما أن بدا فعل من التبديد؛ وهو التفريق؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولقد طعنت أبا عبيدة طعنة .... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
أي: حقت فزارة بالغضب. ومعنى "لا" نفي لما ظنوا أنه ينفعهم، كأن المعنى: لا ينفعهم ذلك، جرم في الآخرة هم الأخسرون، أي: كتب ذلك الفعل لهم الخسران. وعن بعضهم: "لا" هاهنا كـ"لا"؛ في "لا أقسم" في أنه رد لكلام سابق ..
قوله: (و"أن" مع ما في حيزه فاعله)، أي: "ما" في ﴿أَنَّمَا﴾ بمعنى: الذي، أي: حق وثبت أن الذي تدعونني إليه ليس له دعوة، ولما كان معنى قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ قريبًا من معنى: بطل دعوته، رجع تلخيص المعنى إلى أنه حق وثبت بطلان دعوته؛ لما سيجيء بعيد هذا أن معناه: إن ما تدعونني إليه ليس له دعوة إلى نفسه قط، إلى قوله: "ولو كان حيوانًا ناطقًا لضج من دعائكم".
قوله: (أي: كسب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته)، "ذلك الدعاء": فاعل "كسب"، وهو معنى قوله: ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ وقوله: "بطلان دعوته" معنى قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا ولا فِي الآخِرَةِ﴾، والضمير راجع إلى المدعو الذي في قوله: ﴿لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ﴾.
قوله: (نظير "لابد")، فعلى هذا ﴿جَرَمَ﴾ اسم "لا"، و ﴿جَرَمَ﴾ مرفوع المحل مبتدأ، والخبر ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾.
стр. 7384
فكما أن معنى: لابد أنك تفعل كذا، بمعنى: لا بد لك من فعله، فكذلك ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ [النحل: ٦٢]، أي: لا قطع لذلك، بمعنى: أنهم أبدًا يستحقون النار لا انقطاع لاستحقاقهم، ولا قطع لبطلان دعوة الأصنام، أي: لا تزال باطلة لا ينقطع ذلك فينقلب حقًا. وروي عن العرب: لا جرم أنه يفعل، بضم الجيم وسكون الراء، بزنة "بد"، وفعل وفعل أخوان، كرشد ورشد، وعدم وعدم. ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ معناه: أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة إلى نفسه قط، أي: من حق المعبود بالحق أن يدعو إلى طاعته، ثم يدعو العباد إليها إظهارًا لدعوة ربهم، وما تدعون إليه وإلى عبادته لا يدعو هو إلى ذلك ولا يدعي الربوبية، ولو كان حيوانًا ناطقًا لضج من دعائكم. وقوله: ﴿فِي الدُّنْيَا ولا فِي الآخِرَةِ﴾ يعني: أنه في الدنيا جماد لا يستطيع شيئًا من دعاء غيره، وفي الآخرة: إذا أنشأه الله حيوانًا، تبرأ من الدعاة إليه ومن عبدته. وقيل: معناه: ليس له استجابة دعوة تنفع في الدنيا ولا في الآخرة. أو: دعوة مستجابة. جعلت الدعوة التي لا استجابة لها ولا منفعة كلا دعوة. أو سميت الاستجابة باسم الدعوة، كما سمي الفعل المجازى عليه باسم الجزاء في قولهم: كما تدين تدان. قال الله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٤]. ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾ عن قتادة: المشركين. وعن مجاهد:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ثم يدعو العباد إليها)، يعني: دل التنكير في ﴿دَعْوَةٌ﴾، وهي نكرة في سياق النفي، على نفي الدعوة عن الأصنام بالكلية، وذلك أن من حق المعبود بالحق أن يدعو العباد المكرمين مثل الملائكة والرسل والعلماء الوارث إلى طاعته، ثم أولئك العباد يدعون غيرهم إلى عبادته إظهارًا لدعوة ربهم، وليس كذلك الأصنام.
قوله: (سميت الاستجابة باسم الدعوة)، يعني: أنه من باب المشاكلة، وأصله: إن الذي تدعونني ليس له استجابة، أي: لا يجيب دعوتي، كما في قولك: كما تدين تدان، أي: كما تجازي تجازى، وأصله: كما تفعل تجازى، لكن قيل: كما تجازى؛ لوقوعه في صحبة "تجازى" الثاني.
стр. 7385
السفاكين للدماء بغير حلها. وقيل: الذين غلب شرهم خيرهم هم المسرفون. وقرئ: (فستذكرون) أيك فسيذكر بعضكم بعضًا. ﴿وأُفَوِّضُ أَمْرِي إلَى اللَّهِ﴾؛ لأنهم توعدوه.
[﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًا وعَشِيًا ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ ٤٥ - ٤٦]
﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾: شدائد مكرهم وما هموا به من إلحاق أنواع العذاب بمن خالفهم. وقيل: نجا مع موسى، ﴿وحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ ما هموا به من تعذيب المسلمين، ورجع عليهم كيدهم. ﴿النَّارُ﴾ بدل من ﴿سُوءُ العَذَابِ﴾، أو خبر مبتدأ محذوف، كأن قائلًا قال: ما سوء العذاب؟ فقيل: هو النار؛ أو مبتدأ خبره ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾. وفي هذا الوجه تعظيم للنار وتهويل من عذابها. وعرضهم عليها: إحراقهم بها. يقال: عرض الإمام الأسارى على السيف؛ إذا قتلهم به وقرئ: (النار)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (السفاكين للدماء بغير حلها) يريد أنه عود إلى بدء، افتتح بقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ جوابًا عن قول اللعين: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ فاختتم به تعريضًا.
قوله: (وفي هذا الوجه تعظيم للنار)، قال صاحب "التقريب": من حيث الاستئناف. وقلت: الاستئناف غير مختص به؛ لأن السابق أيضًا وارد عليه، بل التعظيم من أن التركيب حينئذ من باب تقوي الحكم وجعل "النار" مبتدأ معتمدًا عليه، وبناء"يعرضون" عليها، فالجواب عن السؤال المقدر جملة الكلام إلى آخر الآية. قيل: سوء العذاب النار المحكوم عليها بكيت وكيت.
قوله: (وعرضهم عليها إحراقهم بها)، ونحوه: عرضت الناقة على الحوض، وقول أبي العلاء:
إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضت .... عن الماء فاشتاقت إليه المناهل
стр. 7386
بالنصب، وهي تعضد الوجه الأخير، وتقديره: يدخلون النار يعرضون عليها، ويجوز أن ينتصب على الاختصاص. ﴿غُدُوًا وعَشِيًا﴾ في هذين الوقتين يعذبون بالنار، وفيما بين ذلك الله أعلم بحالهم، فإما أن يعذبوا بجنس آخر من العذاب، أو ينفس عنهم. ويجوز أن يكون ﴿غُدُوًا وعَشِيًا﴾ عبارة عن الدوام، هذا مادامت الدنيا، فإذا قامت الساعة قبل لهم: (ادخلوا) يا ﴿آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ﴾ عذاب جهنم. وقرئ: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أي: يقال لخزنة جهنم: أدخلوهم. فإن قلت: قوله: ﴿وحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذَابِ﴾ معناه: أنه رجع عليهم ما هموا به من المكر بالمسلمين، كقول العرب: من حفر لأخيه جبا، وقع فيه منكبا، فإذا فسر ﴿سُوءُ العَذَابِ﴾ بنار جهنم؛ لم يكن مكرهم راجعًا عليهم؛ لأنهم لا يعذبون بجهنم؟ قلت: يجوز أن يهم الإنسان بأن يغرق قوما فيحرق بالنار، ويسمى ذلك حيقا؛ لأنه هم بسوء فأصابه ما يقع عليه اسم السوء. ولا يشترط في الحيق أن يكون الحائق ذلك السوء بعينه، ويجوز أن يهم فرعون لما سمع إنذار المسلمين بالنار، وقول المؤمن: ﴿وأَنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣] .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهي تعضد الوجه الأخير)، أي: جعل "النار" مفعولًا دل على اتصال ﴿النَّارُ﴾ بـ ﴿يُعْرَضُونَ﴾، فينبغي في ذلك الوجه أيضًا أن يجعل خبرًا لها لتتصل بها، لا استئنافًا كما يقتضيه الوجهان السابقان.
قوله: (هذا ما دامت الدنيا، فإذا قامت الساعة قيل لهم: ادخلوا)، اقتضى هذا التقدير الواو العاطفة في قوله: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾، ووجه اتصاله بالكلام السابق، وإنما أتى في التفسير بالفاء؛ ليؤذن باتصال العذابين في مثل هذا المقام.
قوله: (وقرئ: ﴿أَدْخِلُوا﴾، ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر: " الساعة ادخلوا" بوصل الألف وضم الخاء، ويبتدئونها بالضم. والباقون: بقطعها في الحالين وكسر الخاء.
стр. 7387
فيفعل نحو ما فعل نمرود ويعذبهم بالنار، فحاق به مثل ما أضمره وهم بفعله. ويستدل بهذه الآية على إثبات عذاب القبر.
[﴿وإذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ﴾ ٤٧]
واذكر وقت يتحاجون. ﴿تَبَعًا﴾: تباعًا، كخدم في جمع خادم. أو: ذوي تبع، أي: اتباع، أو وصفًا بالمصدر.
[﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنَّا كُلٌّ فِيهَا إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبَادِ﴾ ٤٨]
وقرئ: (كلا) على التأكيد لاسم "إن"، وهو معرفة، والتنوين عوض من المضاف إليه يريد:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فيفعل) عطف على "أن يهم"، أي: يجوز أن يهم فرعون حينما سمع، فيكون سببًا لأن يقتدي بنمرود ويعذبهم بالنار.
قوله: (ويستدل بهذا الآية على إثبات عذاب القبر)، قال الإمام: احتج أصحابنا بها على إثبات عذاب القبر، قالوا: الآية تقضي عرض النار عليهم غدوا وعشيًا، وليس المراد يوم القيامة لقوله تعالى ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وإذا ثبت في حقهم ثبت في غيرهم.
ويعضده ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، عن ابن عمر ﵁، عن رسول الله ﷺ : " إن أحدكم إذا مات عرض ليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله.
стр. 7388
إنا كلنا- أو: كلنا- فيها. فإن قلت: هل يجوز أن يكون (كلا) حالًا قد عمل فيها ﴿فِيهَا﴾؟ قلت: لا؛ لأن الظرف لا يعمل في الحال متقدمة كما يعمل في الظرف متقدمًا، تقول: كل يوم لك ثوب، ولا تقول: قائمًا في الدار زيد. ﴿قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبَادِ﴾: قضى بينهم وفصل بأن أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.
[﴿وقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ العَذَابِ * قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَاتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا ومَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ ٤٩ - ٥٠]
﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾: للقوام بتعذيب أهلها. فإن قلت: هلا قيل: الذين في النار لخزنتها! قلت: لأن في ذكر جهنم تهويلًا وتفظيعًا، ويحتمل أن جهنم هي أبعد النار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إنا كلنا- أو: كلنا- فيها)، والرفع أبلغ؛ لأن "كلنا" مبتدأ و"فيها" الخبر، والجملة خبر"إن"، فيكون "كل" مقصودًا بالذكر بخلاف النصب؛ لأنه فضلة في الكلام.
قال ابن جني: زيد ضربته، أقوى من قولنا: زيدًا ضربت؛ لأن" زيدًا" في الأول رب الجملة، وفي الثاني فضلة.
قوله: (لا؛ لأن الظرف لا يعمل في الحال متقدمة كما يعمل في الظرف متقدمًا)، قال صاحب"التقريب": وفيه نظر؛ لأنه ذكر في "الواقعة" بخلافه، قال: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿عَلَى﴾ وهو العامل فيها، أي: استقروا عليها متكئين. وقلت: ليس بخلاف ما ذكر في "الواقعة" لأنه قال: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿عَلَى﴾ أي: في قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ [الطور: ٢٠] لا في قوله: ﴿عَلَيْهَا﴾، وذلك أن ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ إما خبر لـ ﴿ثُلَّةٌ﴾، والعامل الاستقرار، أو حال من الضمير في ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ١٣] إذا جعل ﴿ثُلَّةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، فالمعنى: هم مستقرون على سرر متكئين، ﴿عَلَيْهَا﴾ صلة ﴿مُتَّكِئِينَ﴾.
قوله: (لأن في ذكر جهنم تهويلًا وتفظيعًا)، الانتصاف: هذا الوجه أظهر من الثاني،
стр. 7389
قعرًا، من قولهم: بئر جهنام: بعيدة القعر، وقولهم في النابغة: جهنام، تسمية بها؛ لزعمهم أنه يلقي الشعر على لسان المنتسب إليه، فهو بعيد الغور في علمه بالشعر، كما قال أبو نواس في خلف الأحمر:
قليذم من العياليم الخسف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والتفخيم فيه من وضع الظاهر موضع المضمر. والثاني أن جهنم أفظع من النار، إذ النار مطلقة، وجهنم أفظعها.
قوله: (في النابغة) بالنون والغين المعجمة، ويروى: "في التابعة"، بالتاء والعين المهملة. عن بعضهم: التابعة: الذي يكون مع الجني وهو الذي يلقي على الكهنة والشعراء أشياء على زعمهم، وربما يجعلونه غولًا وجنية أيضًا.
قوله: (أنه يلقي الشعر على لسان المنتسب إليه)، قيل: يروى: "يلقي" بفتح اللام وتشديد القاف، كأنه اقتبس من قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] و"على لسان" متعلق بمحذوف، أي: جاريًا على لسان المنسب إليه، والمراد بالمنتسب إليه العالم به علمًا كاملًا بحيث إذا ذكر إنما ذكر بطريق النسبة إليه لشهرته بحذاقته، كما يقال للفائق في النحو: النحوي. وإذا روي بسكون اللام وكسر القاف الخفيفة، ف"على" متعلق به، و"المنتسب إليه" التابعة، يعني: إذا قال شعرًا ألقاه على لسانه، فإنه يلقيه على لسان من ينسب إليه الشعر. وقيل: المراد بالمنتسب إليه الجني، أي: أنه لقي الشعر على الناس كائنًا على لسان الجني الذي انتسب إليه كما يلقي الجن على الكهنة والشعراء أشياء.
قوله: (قليذم من العياليم الخسف)، أوله:
أودى جميع العلم مذ أودى خلف .... من لا يعد العلم إلا ما عرف
رواية لا يجتني من الصحف
стр. 7390
وفيها أعتى الكفار وأطغاهم، فلعل الملائكة الموكلين بعذاب أولئك أجوب دعوة؛ لزيادة قربهم من الله؛ فلهذا تعمدهم أهل النار بطلب الدعوة منهم. ﴿أَوَ لَمْ تَكُ تَاتِيكُمْ﴾ إلزام للحجة وتوبيخ، وأنهم خلفوا وراءهم أوقات الدعاء والتضرع، وعلطلوا الأسباب التي يستجيب الله لها الدعوات، ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ أنتم، فإنا لا نجترئ على ذلك ولا نشفع إلا بشرطين: كون المشفوع له غير ظالم، والإذن في الشفاعة مع مراعاة وقتها، وذلك قبل الحكم الفاصل بين الفريقين، وليس قولهم:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القليذم: صح بفتح القاف والذال؛ البحر الكثير الماء. والعيلم: الركية الكثيرة الماء. والخسف: البئر التي تخفر في حجارة فلا ينقطع ماؤها، والجمع: خسف. رواية: كثير الرواية. قوله: لايجتني العلم من الصحف، بل هو محفوظ في صدره.
خلف هذا قيل: هو خلف بن أحمد بن الأحمر، وهو الذي قيل فيه:
خلف بن أحمر أحمر الأخلاف .... أربى بسؤدده على الأسلاف
قوله: (أجوب دعوة)، أي: أشد إجابة من جهة الدعوة، أي: دعاؤهم أقرب إلى الإجابة.
قوله: (كون المشفوع له غير ظالم، والإذن في الشفاعة مع مراعاة وقتها)، قلت: الشرط الأول مدفوع بما روينا عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". أخرجه الترمذي وأبو داود. وفي أخرى للترمذي قال جابر: "من لم يكن من أهل الكبائر فما له وللشفاعة".
والقيد في الشرط الثاني مردود بقوله صلوات الله عليه: "ثم تحل الشفاعة، ويشفعون حتى يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة". أخرجه
следующие страницы →