← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

بالنصب، وهي تعضد الوجه الأخير، وتقديره: يدخلون النار يعرضون عليها، ويجوز أن ينتصب على الاختصاص. ﴿غُدُوًا وعَشِيًا﴾ في هذين الوقتين يعذبون بالنار، وفيما بين ذلك الله أعلم بحالهم، فإما أن يعذبوا بجنس آخر من العذاب، أو ينفس عنهم. ويجوز أن يكون ﴿غُدُوًا وعَشِيًا﴾ عبارة عن الدوام، هذا مادامت الدنيا، فإذا قامت الساعة قبل لهم: (ادخلوا) يا ﴿آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ﴾ عذاب جهنم. وقرئ: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أي: يقال لخزنة جهنم: أدخلوهم. فإن قلت: قوله: ﴿وحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذَابِ﴾ معناه: أنه رجع عليهم ما هموا به من المكر بالمسلمين، كقول العرب: من حفر لأخيه جبا، وقع فيه منكبا، فإذا فسر ﴿سُوءُ العَذَابِ﴾ بنار جهنم؛ لم يكن مكرهم راجعًا عليهم؛ لأنهم لا يعذبون بجهنم؟ قلت: يجوز أن يهم الإنسان بأن يغرق قوما فيحرق بالنار، ويسمى ذلك حيقا؛ لأنه هم بسوء فأصابه ما يقع عليه اسم السوء. ولا يشترط في الحيق أن يكون الحائق ذلك السوء بعينه، ويجوز أن يهم فرعون لما سمع إنذار المسلمين بالنار، وقول المؤمن: ﴿وأَنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣] ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهي تعضد الوجه الأخير)، أي: جعل "النار" مفعولًا دل على اتصال ﴿النَّارُ﴾ بـ ﴿يُعْرَضُونَ﴾، فينبغي في ذلك الوجه أيضًا أن يجعل خبرًا لها لتتصل بها، لا استئنافًا كما يقتضيه الوجهان السابقان. قوله: (هذا ما دامت الدنيا، فإذا قامت الساعة قيل لهم: ادخلوا)، اقتضى هذا التقدير الواو العاطفة في قوله: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾، ووجه اتصاله بالكلام السابق، وإنما أتى في التفسير بالفاء؛ ليؤذن باتصال العذابين في مثل هذا المقام. قوله: (وقرئ: ﴿أَدْخِلُوا﴾، ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر: " الساعة ادخلوا" بوصل الألف وضم الخاء، ويبتدئونها بالضم. والباقون: بقطعها في الحالين وكسر الخاء.

стр. 7387

فيفعل نحو ما فعل نمرود ويعذبهم بالنار، فحاق به مثل ما أضمره وهم بفعله. ويستدل بهذه الآية على إثبات عذاب القبر. [﴿وإذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ﴾ ٤٧] واذكر وقت يتحاجون. ﴿تَبَعًا﴾: تباعًا، كخدم في جمع خادم. أو: ذوي تبع، أي: اتباع، أو وصفًا بالمصدر. [﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنَّا كُلٌّ فِيهَا إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبَادِ﴾ ٤٨] وقرئ: (كلا) على التأكيد لاسم "إن"، وهو معرفة، والتنوين عوض من المضاف إليه يريد: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فيفعل) عطف على "أن يهم"، أي: يجوز أن يهم فرعون حينما سمع، فيكون سببًا لأن يقتدي بنمرود ويعذبهم بالنار. قوله: (ويستدل بهذا الآية على إثبات عذاب القبر)، قال الإمام: احتج أصحابنا بها على إثبات عذاب القبر، قالوا: الآية تقضي عرض النار عليهم غدوا وعشيًا، وليس المراد يوم القيامة لقوله تعالى ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وإذا ثبت في حقهم ثبت في غيرهم. ويعضده ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، عن ابن عمر ﵁، عن رسول الله ﷺ : " إن أحدكم إذا مات عرض ليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله.

стр. 7388

إنا كلنا- أو: كلنا- فيها. فإن قلت: هل يجوز أن يكون (كلا) حالًا قد عمل فيها ﴿فِيهَا﴾؟ قلت: لا؛ لأن الظرف لا يعمل في الحال متقدمة كما يعمل في الظرف متقدمًا، تقول: كل يوم لك ثوب، ولا تقول: قائمًا في الدار زيد. ﴿قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبَادِ﴾: قضى بينهم وفصل بأن أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. [﴿وقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ العَذَابِ * قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَاتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا ومَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ ٤٩ - ٥٠] ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾: للقوام بتعذيب أهلها. فإن قلت: هلا قيل: الذين في النار لخزنتها! قلت: لأن في ذكر جهنم تهويلًا وتفظيعًا، ويحتمل أن جهنم هي أبعد النار ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إنا كلنا- أو: كلنا- فيها)، والرفع أبلغ؛ لأن "كلنا" مبتدأ و"فيها" الخبر، والجملة خبر"إن"، فيكون "كل" مقصودًا بالذكر بخلاف النصب؛ لأنه فضلة في الكلام. قال ابن جني: زيد ضربته، أقوى من قولنا: زيدًا ضربت؛ لأن" زيدًا" في الأول رب الجملة، وفي الثاني فضلة. قوله: (لا؛ لأن الظرف لا يعمل في الحال متقدمة كما يعمل في الظرف متقدمًا)، قال صاحب"التقريب": وفيه نظر؛ لأنه ذكر في "الواقعة" بخلافه، قال: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿عَلَى﴾ وهو العامل فيها، أي: استقروا عليها متكئين. وقلت: ليس بخلاف ما ذكر في "الواقعة" لأنه قال: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿عَلَى﴾ أي: في قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ [الطور: ٢٠] لا في قوله: ﴿عَلَيْهَا﴾، وذلك أن ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ إما خبر لـ ﴿ثُلَّةٌ﴾، والعامل الاستقرار، أو حال من الضمير في ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ١٣] إذا جعل ﴿ثُلَّةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، فالمعنى: هم مستقرون على سرر متكئين، ﴿عَلَيْهَا﴾ صلة ﴿مُتَّكِئِينَ﴾. قوله: (لأن في ذكر جهنم تهويلًا وتفظيعًا)، الانتصاف: هذا الوجه أظهر من الثاني،

стр. 7389

قعرًا، من قولهم: بئر جهنام: بعيدة القعر، وقولهم في النابغة: جهنام، تسمية بها؛ لزعمهم أنه يلقي الشعر على لسان المنتسب إليه، فهو بعيد الغور في علمه بالشعر، كما قال أبو نواس في خلف الأحمر: قليذم من العياليم الخسف ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والتفخيم فيه من وضع الظاهر موضع المضمر. والثاني أن جهنم أفظع من النار، إذ النار مطلقة، وجهنم أفظعها. قوله: (في النابغة) بالنون والغين المعجمة، ويروى: "في التابعة"، بالتاء والعين المهملة. عن بعضهم: التابعة: الذي يكون مع الجني وهو الذي يلقي على الكهنة والشعراء أشياء على زعمهم، وربما يجعلونه غولًا وجنية أيضًا. قوله: (أنه يلقي الشعر على لسان المنتسب إليه)، قيل: يروى: "يلقي" بفتح اللام وتشديد القاف، كأنه اقتبس من قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] و"على لسان" متعلق بمحذوف، أي: جاريًا على لسان المنسب إليه، والمراد بالمنتسب إليه العالم به علمًا كاملًا بحيث إذا ذكر إنما ذكر بطريق النسبة إليه لشهرته بحذاقته، كما يقال للفائق في النحو: النحوي. وإذا روي بسكون اللام وكسر القاف الخفيفة، ف"على" متعلق به، و"المنتسب إليه" التابعة، يعني: إذا قال شعرًا ألقاه على لسانه، فإنه يلقيه على لسان من ينسب إليه الشعر. وقيل: المراد بالمنتسب إليه الجني، أي: أنه لقي الشعر على الناس كائنًا على لسان الجني الذي انتسب إليه كما يلقي الجن على الكهنة والشعراء أشياء. قوله: (قليذم من العياليم الخسف)، أوله: أودى جميع العلم مذ أودى خلف .... من لا يعد العلم إلا ما عرف رواية لا يجتني من الصحف

стр. 7390

وفيها أعتى الكفار وأطغاهم، فلعل الملائكة الموكلين بعذاب أولئك أجوب دعوة؛ لزيادة قربهم من الله؛ فلهذا تعمدهم أهل النار بطلب الدعوة منهم. ﴿أَوَ لَمْ تَكُ تَاتِيكُمْ﴾ إلزام للحجة وتوبيخ، وأنهم خلفوا وراءهم أوقات الدعاء والتضرع، وعلطلوا الأسباب التي يستجيب الله لها الدعوات، ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ أنتم، فإنا لا نجترئ على ذلك ولا نشفع إلا بشرطين: كون المشفوع له غير ظالم، والإذن في الشفاعة مع مراعاة وقتها، وذلك قبل الحكم الفاصل بين الفريقين، وليس قولهم: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ القليذم: صح بفتح القاف والذال؛ البحر الكثير الماء. والعيلم: الركية الكثيرة الماء. والخسف: البئر التي تخفر في حجارة فلا ينقطع ماؤها، والجمع: خسف. رواية: كثير الرواية. قوله: لايجتني العلم من الصحف، بل هو محفوظ في صدره. خلف هذا قيل: هو خلف بن أحمد بن الأحمر، وهو الذي قيل فيه: خلف بن أحمر أحمر الأخلاف .... أربى بسؤدده على الأسلاف قوله: (أجوب دعوة)، أي: أشد إجابة من جهة الدعوة، أي: دعاؤهم أقرب إلى الإجابة. قوله: (كون المشفوع له غير ظالم، والإذن في الشفاعة مع مراعاة وقتها)، قلت: الشرط الأول مدفوع بما روينا عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". أخرجه الترمذي وأبو داود. وفي أخرى للترمذي قال جابر: "من لم يكن من أهل الكبائر فما له وللشفاعة". والقيد في الشرط الثاني مردود بقوله صلوات الله عليه: "ثم تحل الشفاعة، ويشفعون حتى يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة". أخرجه

стр. 7391

﴿فَادْعُوا﴾ لرجاء المنفعة، ولكن للدلالة على الخيبة، وإن الملك المقرب إذا لم يسمع دعاؤه، كيف يسمع دعاء الكافر! [﴿إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ٥١ - ٥٢] ﴿فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ أي: في الدنيا والآخرة، يعني: أنه يغلبهم في الدارين جميعًا بالحجة والظفر على مخالفيهم، وإن غلبوا في الدنيا في بعض الأحايين امتحانًا من الله، فالعاقبة لهم، ويتيح الله من يقتص من أعدائهم ولو بعد حين. والأشهاد: جمع شاهد، كصاحب وأصحاب، يريد: الحفظة من الملائكة والأنبياء والمؤمنين من أمة محمد ﷺ ، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. واليوم الثاني بدل من الأول، يحتمل أنهم يعتذرون بمعذرة ولكنها لا تنفع؛ لأنها باطلة، وأنهم لو جاؤوا بمعذرة لم تكن مقبولة؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مسلم عن أبي الزبير. ولذلك قال الإمام: تقول الملائكة للكفار: لا يشفع إلا بشرطين: كون المشفوع له مؤمنا. والثاني: حصول الإذن في الشفاعة. وينصر هذا التأويل قوله: ﴿أَوَ لَمْ تَكُ تَاتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وقوله: ﴿ومَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إلاَّ فِي ضَلالٍ﴾، ووضع الظاهر موضع المضمر للإشعار بالعلية وأن المانع هو صفة الكفر. قوله: (ويتيح الله)، الجوهري: تاح له الشيء وأتيح له الشيء: قدر له. قوله: (يحتمل أنهم يعتذرون بمعذرة ولكنها لا تنفع؛ لأنها باطلة، وأنهم لو جاؤوا بمعذرة لم تكن مقبولة)، الانتصاف: هما الاحتمالان في قوله: ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾، لكن هاهنا يصير المعنى عكس الآخر على تقدير: ألا يكون لهم عذر ينفي صفة المعذرة وهي

стр. 7392

لقوله: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]. ﴿ولَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾: البعد من رحمة الله، ﴿ولَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ أي: سوء دار الآخرة؛ وهو عذابها. وقرئ: ﴿يَقُومُ﴾ و ﴿لا يَنفَعُ﴾ بالتاء والياء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المنفعة، أي: إذا لم تحصل ثمرة المعذرة فكيف يقع ما لا ثمرة فيه؟ وفي تلك الآية جعل نفي الموصوف تبعًا لنفي الصفة، فهاهنا الأولى بالنفي الصفة، وفي هناك الأولى بالنفي الذات. وقلت: الكلام يفتقر إلى فضل بسط، وهو أن ما في تلك الآية وأمثالها من باب نفي الشيء بنفي لازمه، يعني: لما أريد نفي الشفيع مثلًا شفع بالتشفيع، فجعل انتفاء الشفيع دليلًا على انتفاء التشفيع بالطريق النهائي. وتلخيصه: أنه إذا لم يحصل الشفع فكيف يحصل التشفيع وهاهنا بالعكس؛ لأن الأصل ليس لهم معذرة نافعة، فعدل إلى "لا ينفع الظالمين معذرتهم" للمبالغة، وجعل انتفاء النفع دليلًا على انتفاء العذر، وعليه كلام صاحب "الانتصاف": وإذا لم يحصل ثمرة العذر فكيف يقع ما لا ثمرة له؟ فحينئذ ينتفي النفع بالطريق المذكور؛ لأن الصفة لا تتأتى بدون موصوفها؛ ألا ترى إلى المصنف كيف قال في تلك الآية: ضمت الصفة إلى الموصوف؛ ليقام انتفاء الموصوف في مقامه الشاهد على انتفاء الصفة؛ لأن الصفة لا تتأتى بدون موصوفها، فيكون ذلك إزالة لتوهم وجود الموصوف. قوله: (لقوله: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]، قال: ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ عطف على ﴿وَلَا يُؤْذَنُ﴾ منخرط في سلك المنفي، والمعنى: ولا يكون لهم إذن واعتذار متعقب له، وقد روعي في الآيتين المناسبة بين الفقرتين. ولما قال هناك: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾ شفعه بنفي الشفيع والتشفيع، ولما أوقع الكلام هاهنا على نفي المنفعة قرنه بإثبات المضرة، حيث قال: ﴿ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾. قوله: (وقرئ: ﴿يَقُومُ﴾ و ﴿لا يَنفَعُ﴾ بالتاء والياء)، والكوفيون ونافع: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء.

стр. 7393

[﴿ولَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الهُدَى وأَوْرَثْنَا بَنِي إسْرَائِيلَ الكِتَابَ * هُدًى وذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ٥٣ - ٥٤] يريد بالهدى: جميع ما آتاه في باب الدين من المعجزات والتوراة والشرائع. ﴿وأَوْرَثْنَا﴾: وتركنا على بني إسرائيل من بعده ﴿الكِتَابَ﴾ أي: التوراة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتركنا على بني إسرائيل من بعده الكتاب)، يعني: استعير ﴿وأَوْرَثْنَا﴾ لـ: تركنا. النهاية: في أسماء الله تعالى "الوارث"، وهو الذي يرث الخلائق ويبقى بعد فنائهم، ومنه: "اللهم متعني بسمعي وبصري واجعلهما الوارث مني"، أي: أبقهما صحيحين سليمين إلى أن أموت. وفيه إشارة إلى أن ميراث الأنبياء ليس إلا العلم والكتاب الهادي الناطق بالحكمة والموعظة، ألا ترى كيف أطلق الهدى في قوله: " ولقد آتينا موسى الهدى" ليكون شائعًا في جميع جنسه، فيتناول جميع ما آتاه الله في باب الدين، ثم جعل نصيب أمته الكتاب وحده؟ وكيف أومأ إليه سيدنا صلوات الله عليه في قوله: "من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا من طريق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر". أخرجه أبو داود والترمذي، عن قيس بن كثير، عن أبي الدرداء. قال صاحب "الجامع": معنى وضع أجنحة الملائكة التواضع والخشوع تعظيمًا للطالب وتوقيرًا للعلم، قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]. وقيل: معناه الكف عن الطيران، أي: لا يزول عنده، كقوله ﷺ : "ما من قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة".

стр. 7394

﴿هُدًى وذِكْرَى﴾: إرشادًا وتذكرة، وانتصابهما على المفعول له، أو على الحال. وأولوا الألباب: المؤمنون به العاملون بما فيه. [﴿فَاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ والإبْكَارِ﴾ ٥٥] ﴿فَاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ يعني أن نصرة الرسل في ضمان الله، وضمان الله لا يخلف، واستشهد بموسى وما آتاه من أسباب الهدى والنصرة على فرعون وجنوده، وإبقاء آثار هداه في بني إسرائيل، والله ناصرك كما نصرهم، ومظهرك على الدين كله، ومبلغ ملك أمتك مشارق الأرض ومغاربها، فاصبر على ما يجرعك قومك من الغصص، فإن العاقبة لك وما سبق به وعدي من نصرتك وإعلاء كلمتك حق، وأقبل على التقوى، واستدراك الفرطات بالاستغفار، ودم على عبادة ربك والثناء ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومبلغ ملك أمتك مشارق الأرض ومغاربها)، إشارة إلى ما روينا عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله زوى لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها". أخرجه مسلم وأبو داود والترميذي، وأخرجه الإمام أحمد ابن حنبل عن شداد بن أوس. وقلت: هذا الذي ذكره وإن كان غرضًا يصار إليه، لكن النظم يقتضي أبلغ من ذلك، وهو أن يقال: ﴿فَاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر: ٥٥]، يعني: أنه ينصرك على أعدائك كما نصر موسى على أعدائه، ويظهرك على الدين كله، ويورث هذا الكتاب الكريم الذين اصطفينا من عبادنا ليعتصموا به، فيكون لهم هدى ينالون به رضا الله وزلفاه في العقبى وذكرًا أي: شرقًا وغربًا، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، فيملكون به مشارق الأرض ومغاربها.

стр. 7395

عليه ﴿بِالْعَشِيِّ والإبْكَارِ﴾. وقيل: هما صلاتا العصر والفجر. [﴿إنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إنْ فِي صُدُورِهِمْ إلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ٥٦] ﴿إنْ فِي صُدُورِهِمْ إلاَّ كِبْرٌ﴾: إلا تكبر وتعظم؛ وهو إرادة التقدم والرياسة، وأن لا يكون أحد فوقهم؛ ولذلك عادوك ودفعوا آياتك خيفة أن تتقدمهم ويكونوا تحت يدك وأمرك ونهيك؛ لأن النبوة تحتها كل ملك ورياسة؛ أو إرادة أن تكون لهم النبوة دونك حسدًا وبغيًا، ويدل عليه قوله: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]؛ أو إرادة دفع الآيات بالجدال. ﴿مَّا هُم بِبَالِغِيهِ﴾ أي: ببالغي موجب الكبر ومقتضيه؛ وهو متعلق إرادتهم من الرئاسة أو النبوة أو دفع الآيات. وقيل: المجادلون: هم اليهود، وكانوا يقولون: يخرج صاحبنا المسيح بن داود- يريدون الدجال- ويبلغ سلطانه البر والبحر، وتسير معه الأنهار، وهو آية من آيات الله، فيرجع إلينا الملك، فسمى الله تمنيهم ذلك كبرًا، ، ونفى أن يبلغوا متمناهم. ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ فالتجئ إليه من كيد من يحسدك ويبغي عليك ﴿إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لما تقول ويقولون، ﴿البَصِيرُ﴾ بما تعمل ويعملون، فهو ناصرك عليهم وعاصمك من شرهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويدل عليه ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾)، [الأحقاف: ١١] أي: يدل على أن المراد من الكبر إرادة أن تكون لهم النبوة، وأن المجادلين في قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ الذين جادلوا في أمر النبوة، وأنه لم اختص بك دونهم، وأن تلك المجادلة لم تكن إلا من الكبر والحسد. قوله: (ويدل عليه قوله: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾)، لأن مثل هذه المجادلة لا تصدر إلا من الحاسد والباغي؛ لأن الله يختص بنبوته من يشاء، وليس تناولها والاختصاص بها من المسابقة، وما نشأ ذلك الحسد إلا من الكبر. قوله: (وهو متعلق إرادتهم من الرئاسة أو من النبوة أو دفع الآيات)، نشر للوجوه الثلاثة.

стр. 7396

[﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٥٧] فإن قلت: كيف اتصل قوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ بما قبله؟ قلت: إن مجادلتهم في آيات الله كانت مشتملة على إنكار البعث، وهو أصل المجادلة ومدارها، فحجوا بخلق السماوات والأرض؛ لأنهم كانوا مقرين بأن الله خالقها، وبأنها خلق عظيم لا يقادر قدره، وخلق الناس بالقياس إليه شيء قليل مهين، فمن قدر على خلق الإنسان_ مع مهانته_ أقدر، وهو أبلغ من الاستشهاد بخلق مثله، ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾؛ لأنهم لا ينظرون ولا يتأملون لغلبة الغفلة عليهم واتباعهم أهواءهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إن مجادلتهم في آيات الله كانت مشتملة على إتكار البعث)، هذا مناسب للوجه الثالث من تفسير الكبر، وهو قوله: " أو إرادة دفع الآيات بالجدال". المعنى: إن الذين يجادلون في الآيات الدالة على إثبات الحشر والنشر والبعث لم تكن تلك المجادلة منهم من حجة وبرهان، لكن مما في قلوبهم من الكبر واستبعاد قدرة الله، فقل لهم: من قدر على خلق السماوات والأرض مع عظمتهما كان على خلق أمثالكم في المهانة أقدر، وهو كقولهم تكبراُ وعنادًا واستكبارًا: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] وقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا﴾ [يس: ٧٩] إلى قوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] أي: مثلهم في الصغر والقماءة بالإضافة إلى السماوات والأرض، وينصر هذا التأويل قوله: ﴿ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون ما في البعث من الحكمة؛ لأنه لا بد من جزاء المحسن والمسيء، ولا يتم ذلك إلا بمجيء الساعة ﴿إنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا﴾. وقال القاضي: ﴿ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾: لا ينظرون ولا يتأملون لفرط غفلتهم واتباعهم أهواءهم، وما يستوي العاقل والمتبصر، وينبغي أن يكون لهم حال يظهر فيها التفاوت، وهي فيما بعد البعث.

стр. 7397

[﴿ومَا يَسْتَوِي الأَعْمَى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ولا المُسِيءُ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٥٨] ضرب الأعمى والبصير مثلًا للمحسن والمسيء. وقرئ: ﴿تَتَذَكَّرُونَ﴾ بالياء والتاء، والتاء أعم. [﴿إنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٥٩] ﴿لاَّ رَيْبَ فِيهَا﴾: لا بد من مجيئها ولا محالة، وليس بمرتاب فيها؛ لأنه لا بد من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿يَتّذَكَّرُونَ﴾ بالياء والتاء)، عاصم وحمزة والكسائي: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء. قوله: (والتاء أعم)، قال صاحب "التقريب": إنما أتم لتغليب الخطاب على الغيبة. وقال القاضي: لدلالة التاء على تغليب المخاطب أو الالتفات أو أمر الرسول ﷺ بالمخاطبة. قلت: التغليب وإن كان أعم؛ لأنه أشمل في التناول، ولكن غير مناسب للمقام، وأما الالتفات فإنه أتم فائدة وهو أنسب للمقام. وهذه الآية متصلة بقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وهو كلام مع المجادلين، كما قال: فحجوا بخلق السماوات والأرض. والعدول من الغيبة إلى الخطاب في مقام التوبيخ يدل على العن الشديد والإنكار البليغ. وقال القاضي: وزيادة "لا" في ﴿المُسِيءُ﴾ لأن المقصود نفي مساواته للمحسن فيما له من الفضل والكرامة. قوله: (وليس بمرتاب فيها)، عطف تفسيري على قوله: "لا بد من مجيئها" وليس من شأنها أن يرتاب فيها المرتاب، وإن إرتاب فيها المبطلون فليس من روية وتفكر.

стр. 7398

جزاء. ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾: لا يصدقون بها. [﴿وقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٦٠] ﴿ادْعُونِي﴾: اعبدوني، والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن، ويدل عليه قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾. والاستجابة: الإثابة، وفي تفسير مجاهد: اعبدوني أثبكم. وعن الحسن وقد سئل عنها: اعملوا وأبشروا، فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله. وعن الثوري: أنه قيل له: ادع الله، فقال: إن ترك الذنوب هو الدعاء. وفي الحديث: "إذا شغل عبدي طاعتي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا)، عن الإمام مالك، عن نافع: أنه سمع ابن عمر يدعو على الصفا يقول: " اللهم إنك قلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وإنك لا تخلف المعياد، فإني أسألك كما هديتني للإسلام أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم". قوله: (إن ترك الذنوب هو الدعاء)، يعني: أن المذنب متجرئ على الله مستكبر عن عبادته لا يعرف جلاله وعظمته، والمجتنب عن الذنب مطيع لربه خاضع مستكين مستحي لجلاله. وعن رسول الله ﷺ : "الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، من أراد الآخرة ترك زينة الدنيا". فإذن قوله: "إن ترك الذنوب هو الدعاء" من الجوامع. قوله: (إذا شغل عبدي طاعتي)، الحديث من رواية أبي سعيد عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يقول الرب ﵎: من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين". أخرجه الترمذي والدارمي.

стр. 7399

عن الدعاء، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين". وروى النعمان بن بشير، عن رسول الله ﷺ : "الدعاء هو العبادة" وقرأ هذه الآية. ويجوز أن يريد الدعاء والاستجابة على ظاهر هما ويريد ب ﴿عِبَادَتِي﴾: دعائي؛ لأن الدعاء باب من العبادة، ومن أفضل أبوابها، يصدقه قول ابن عباس: أفضل العبادة الدعاء. وعن كعب: أعطى الله هذه الأمة ثلاث خلال لم يعطهن إلا نبيًا مرسلا: كان يقول لكل نبي: أنت شاهدي على خلقي، وقال لهذه الأمة: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ وكان يقول: ما عليك من حرج، وقال لنا: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وروى النعمان بن بشير)، الحديث أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه عنه. قوله: (ويجوز أن يريد الدعاء)، فيكون قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ تعليلًا للأمر بالدعاء لمعنى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ لأن من لا يدعو فهو مستكبر، فأنا أعذبه، فوضع الدعاء العبادة ليؤذن بأن الدعاء مخ العبادة، عن الترمذي عن رسول الله ﷺ : "الدعاء مخ العبادة". وأوقع الصلة ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ليشعر بأن الدعاء هو الخضوع للباري، وفيه إظهار الافتقار والاستكانة. روينا عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : "من لم يسأل الله يغضب عليه"، وعن عبد الله بن مسعود قال رسول الله ﷺ : "سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل". وهذه الآية معطوفة على جملة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ لجامع وجود المجادلة في الآيات، وإما بحسب ترك الدعاء والعبادة، وما بينهما استطراد لحديث المجادلة في البعث.

стр. 7400

وكان يقول: ادعني أستجب لك، وقال لنا: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. وعن ابن عباس: وحدوني أغفر لكم. وهذا تفسير للدعاء بالعبادة، ثم للعبادة بالتوحيد. ﴿دَاخِرِينَ﴾: صاغرين. [﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهَارَ مُبْصِرًا إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ٦١] ﴿مُبْصِرًا﴾ من الإسناد المجازي؛ لأن الإبصار في الحقيقة لأهل النهار. فإن قلت: لم قرن الليل بالمفعول له، والنهار بالحال؟ وهلا كانا حالين أو مفعولًا لها فيراعى الآخر؛ لأنه لو قيل: لتبصروا فيه: فاتت الفصاحة التي في الإسناد المجازي، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعن ابن عباس)، عطف على قوله: " ﴿ادْعُونِي﴾: اعبدوني"، يعني: معنى ﴿ادْعُونِي﴾: وحدوني. ومعنى ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: أغفر لكم. فدل ﴿ادْعُونِي﴾ على: اعبدوني، ودل "اعبدوني " على: وحدوني، فهو كناية تلويحية لوجود لوازم ليتصل إلى المقصود، هذا معنى قوله: "وهذا تفسير للدعاء بالعبادة ثم للعبادة بالتوحيد"، وينصره قوله: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ الآيات. قوله: (فاتت الفصاحة التي في الإسناد المجازي)، وذلك أن الملابس إذا وصف بصفة الملابس به كان ذلك إيذانًا بكمال ذلك الوصف في الأصل، وأنه سرى منه إليه لكثرة صدوره منه، فإذا قيل: " نهاره صائم" بدل "هو في النهار صائم" أفاد أنه بلغ فيه إلى أن اتصف نهاره بصفته. وكذلك المراد في الآية المبالغة في رصف تهيؤ أسباب المعاش وسهولة تأتيها؛ لأن زمان التعيش هو النهار لنورانيته واستزادة قوة المبصر فيه، فجعل كأنه هو المبصر، ولو قيل: "لتبصروا" لم يعلم ذلك.

стр. 7401

ولو قيل: ساكنًا- والليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة، ألا ترى إلى قولهم: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولو قيل: ساكنًا … لم يتميز الحقيقة من المجاز)، وذلك أن "ساكنًا" يجوز حمله على الحقيقة كما قال، ويجوز حمله على المجاز. ولو قيل: " ساكنًا" لبقي اللفظ دائرًا بين المعنيين أحدهما المقصود- وهو إرادة المجاز- إذ المراد أن يكون الناس في الليل ساكنين، والآخر غير مقصود- وهو إرادة الحقيقة_ فوجب التصريح بقوله: "لتسكنوا" لئلا يلتبس الغرض. قال صاحب "الفرائد": قوله: ﴿اللَّيْلَ﴾ يجوز أن يوصف على الحقيقة بالسكون منظور فيه لأن إضافة السكون إلى الليل باعتبار أنه لا ريح فيه، فالسكون للريح في الحقيقة لا لليل، ولا يلزم من قولهم: "ليل ساج وساكن" أن يكون السكون لليل حقيقة، فليتأمل. والجواب: أن من المجاز ما يسبق منه إلى الفهم بحسب كثرة الاستعمال معنى المنقول إليه لا المنقول منه، فإذا قلت: "جعل الليل ساكنًا" لم يتبادر منه سكون الريح، بل يفهم منه هدوؤه، وعلى تقدير جواز المجاز لا يتم المقصود؛ لأن القصد أن ينتقل الإسناد من الإنسان إليه، كما في ﴿والنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ لا من الريح. هذا وإن كلام المصنف مدخول فيه من جهة أخرى؛ لأنه كان ينبغي له أن يبين فائدة الاختلاف، لأنه لو قيل: " ساكنًا" لم تتبين الحقيقة من المجاز، على أنه لو أريد ب"ساكنًا" الإسناد المجازي لم يلتبس لقرينة التقابل، وهو كثيرًا يسلك هذا المسلك، والفائدة فيه أن الكلام وارد على الامتنان، والامتنان بجعل النهار مبصرًا أدخل من جعل الليل لتسكنوا؛ لأن رغبة الناس في ابتغاء الفضل والتهيؤ للمعاش في النهار أكثر من النوم في الليل، فعدل في إحدى القرينتين من الظاهر، وقال: ﴿مُبْصِرًا﴾ بدل "لتبصروا فيه" للمبالغة، وترك الأخرى على الظاهر لهذه الدقيقة، ومن ثم جاء في موضع آخر: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١٠ - ١١]، والسبات: الموت. روي عن أبي الهيثم أنه قال: المناسب أن ينسب السكون إلى الليل؛ لأن الحركة إما حركة طبع أو اختيار، وحركة الطبع من الحرارة، وحركة الاختيار من الخطرات المتتابعة بسبب الحواس، فخلق الليل باردًا مظلمًا.

стр. 7402

ليل ساج، وساكن لا ريح فيه - لم يتميز الحقيقة من المجاز. فإن قلت: فهلا قيل: لمفضل، أو: لمتفضل! قلت: لأن الغرض تنكير الفضل، وأن يجعل فضلًا لا يوازنه فضل، وذاك إنما يستوي بالإضافة. فإن قلت: فلو قيل: ولكن أكثرهم، فلا يتكرر ذكر الناس؟ قلت: في هذا التكرير تخصيص لكفران النعمة بهم، وأنهم هم الذين يكفرون ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضي: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: لتستريحوا فيه بأن خلقه باردًا مظلمًا؛ ليؤدي إلى ضعف الحركات وهدوء الحواس. قوله: (وذاك إنما يستوي بالإضافة)، أي: إذا جعل "فضل" مضافًا إليه يرجع معنى التنكير إليه، أي: فضل، ولو قيل: متفضل لم يكن هذا المعنى. قوله: (في هذا التكرير تخصيص لكفران النعمة بهم)، قال صاحب "الفرائد": وضع الظاهر موضع المضمر؛ للإيذان بأنهم لا يشكرون لكونهم ناسًا؛ لأن الشر معجون في طينة الناس، وهو الغالب عليهم. قال الراغب في "غرة التنزيل": فإن قيل: لم اختلف أواخر هذه الآي، أعني ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بعده: ﴿إنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وبعده: ﴿إنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾، ثم بعده: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾؟ الجواب: إن من أقر بخلق السماوات والأرض ثم أنكر الإعادة، فالمناسب أن ينبه على ذلك بأن يقال له: إن من قدر على الأكبر فهو أقدر على الأصغر، فلذلك اختص بنفي العلم؛ لأن العلم هو المحتاج إليه والمبعوث عليه، وإن من أنكر البعث فهو محتاج إلى الإيمان به بعد علمه بأن القادر على خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم، وأما قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ﴾ فمعناه: ومن كان الله عليه فضل فهو محتاج إلى أن يؤدي حقه بالشكر وبما يستديمها له ويربطها لديه.

стр. 7403

فضل الله ولا يشكرونه، ، كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [الزخرف: ١٥]، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦]، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]. [﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ٦٢ - ٦٣] ﴿ذَلِكُمُ﴾ المعلوم المتميز بالأفعال الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد هو ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ﴾ أخبار مترادفة، أي: هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية، وخلق كل شيء، وإنشائه، لا يمتنع عليه شيء؛ والوحدانية: لا ثاني له ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: فكيف ومن أي وجه يصرفون عن عبادته إلى عبادة الأوثان. ثم ذكر أن ل من جحد بآيات الله، ولم يتأملها، ولم يكن فيه همة طلب الحق وخشية العاقبة: أفك كما أفكوا. وقرئ: (خالق كل شيء) نصبًا على الاختصاص، و ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ بالتاء والياء. [﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا والسَّمَاءَ بِنَاءً وصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ورَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ * هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٦٤ - ٦٥] هذه أيضًا دلالة أخرى على تميزه بأفعال خاصة؛ وهي أنه جعل الأرض مستقرًا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أفك كما أفكوا)، قال محيي السنة: كما أفكتم عن الحق مع قيام الدليل، ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. قوله: (هذه أيضًا دلالة أخرى على تميزه بأفعال خاصة)، يريد أن قوله تعالى: ﴿اللهُ

стр. 7404

﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ أي: قبة، ومنه: أبنية العرب؛ لمضاربهم؛ لأن السماء في منظر العين كقبة مضروبة على وجه الأرض. ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ وقرئ بكسر الصاد، والمعنى واحد. قيل: لم يخلق حيوانًا أحسن صورة من الإنسان. وقيل: لم يخلقهم منكوسين كالبهائم، كقوله: ﴿في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ﴿فَادْعُوهُ﴾: فاعبدوه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ إلى آخره قد بني فيه الخبر وهو الموصولة المشتملة على صلات هي أفعال يختص بها الباري على الاسم الجامع ليتم بها عن الغير، كذلك قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا﴾، وكما أن قوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أتى ليشير به إلى أن الموصوف بتلك الصفات المذكورة مستحق لأن يكون ربا خالقًا لا إله إلا هو، كذلك قوله: ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ﴾، وإن جيء بالضمير بدل اسم الإشارة. وأما قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنء تُرَابٍ﴾ فإن المبتدأ وإن بني على الموصولة المشتملة على الصلوات المختلفة، لكن استغلاله في الدلالة على التميز ليس كاستغلالهما؛ لأنه من تتمة قوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، ولذلك اكتفي بالضمير دون الاسم الجامع، ولم يؤت باسم الإشارة أو بما يقوم مقامه من الضمير لانبناء التوحيد عليه، لكن فيه اعتناء بدليل الأنفس لذكره أولًا مجملًا ثم مفصلًا ثانيًا، والله أعلم. قوله: (﴿بِنَاءً﴾)، عن بعضهم: ومنه يقال للنطع: البناء والمبنأة؛ لأنهم يتخذون منه أبنية. وفي الحديث: "طرح لرسول الله ﷺ بناء في يوم مطير"، أي: نطع. قوله: (لم يخلق حيوانًا أحسن صورة من الإنسان)، قال القاضي: أحسن صوركم بأن خلقكم منتصب القامة، بادي البشرة، متناسب الأعضاء والتخطيطات، متهيئًا لمزاولة الصنائع واكتساب الكمالات. قوله: (﴿فَادْعُوهُ﴾: فاعبدوه)، وإنما فسر الدعاء بالعبادة؛ لأنه أمر يترتب على

стр. 7405

﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: الطاعة من الشرك والرياء، قائلين: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾. وعن ابن عباس ﵁: من قال: لا إله إلا الله، فليقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين. [﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ البَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٦٦] فإن قلت: أما نهي رسول الله ﷺ عن عبادة الأوثان بأدلة العقل حتى جاءته البينات من ربه؟ قلت: بلى، ولكن البينات لما كانت مقوية لأدلة العقل ومؤكدة لها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأوصاف السابقة، وهي تقتضي غاية الخضوع والتذلل وليست إلا العبادة، وعدل منها إلى الدعاء؛ لأنها محض الافتقار وفيها نهاية الانكسار، ولما كان المطلوب غاية الخضوع والإخلاص جيء بمفعول ﴿مُخْلِصِين﴾، وقد الصلة على المفعول به؛ ليؤذن بأن الإخلاص في العبادة مطلوب لذاته. والإخلاص في الإخلاص هو أن يخلص الإخلاص؛ لتكون له الطاعة لا لشيء آخر. قوله: (من قال: لا إله إلا الله، فليقل في أثرها: الحمد لله)، وذلك أن قوله: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أمر بالإخلاص عقب بالتحميد ورتب على التهليل، يعني: إذا تكلمت بكلمة التوحيد فاعمل بالإخلاص، فإنه من مقتضاه، ثم احمد الله على التوفيق، كما قال: "قل آمنت بالله ثم استقم". قوله: (بلى، ولكن البينات لما كانت مقوية) إلى آخره، الانتصاف: معرفة الله ووحدانيته معلومتان بالعقل، ترد الأدلة العقلية في مضمون السمعية، أما وجوب عبادة الله وتحريم عبادة الأصنام فحكم شرعي، فقوله: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ﴾ أي: حرم علي، وهذا إنما يتحقق بعد البعثة خلافًا للمعتزلة في الإيجاب قبل الشرع للتحسين والتقبيح. ثم قوله: " إنما تقوي أدلة

стр. 7406

ومضمنة ذكرها -نحو قوله تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥ - ٩٦] وأشباه ذلك من التنبيه على أدلة العقل- كان ذكر البينات ذكرًا الأدلة العقل والسمع جميعًا، وإنما ذكر ما يدل على الأمرين جميعًا؛ لأن ذكر تناصر الأدلة، أدلة العقل وأدلة السمع أقوى في إبطال مذهبهم، وإن كانت أدلة العقل وحدها كافية. [﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٦٧] ﴿لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ متعلق بفعل محذوف تقديره: ثم يبقيكم لتبلغوا. وكذلك ﴿لِتَكُونُوا﴾. وأما ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾ معناه: ونفعل ذلك لتبلغوا أجلًا مسمًى، وهو وقت الموت. وقيل: يوم القيامة. ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ العقل" باطل؛ لأن القطعي لا يقبل القوة. وقلت -والله أعلم-: إن مغزى الكلام على التعريض وإرخاء العنان وجريان البيان على الألف والاستمرار على المألوف، يعني: قضية التقليد توجب ما أنتم عليه، ولكني خصصت بأمر دونكم فتأملوا فيه واستعملوا عقولكم فيه، وأنتم مراجيح العقول، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَاتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٣ - ٤٤] ولما كان المقصود قطع المألوف كان الجواب العتيد: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [مريم: ٤٦]. قوله: (وهو وقت الموت. وقيل: يوم القيامة)، هذا هو الوجه؛ لأن الخلق ما خلقوا إلا ليعبدوا ثم يبلغوا موقف الجزاء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [يونس: ٤] الآية.

стр. 7407

وقرئ: (شِيوخًا)، بكسر الشين. و (شيخًا)، على التوحيد، كقوله: ﴿طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]، والمعنى: كل واحد منكم. واقتصر على الواحد؛ لأنّ الغرض بيان الجنس. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قبل الشيخوخة، أو من قبل هذه الأحوال إذا خرج سقطًا، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ما في ذلك من العبر والحجج. [﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٦٨] ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّما﴾ يكونه من غير كلفة ولا معاناة. جعل هذا نتيجة من قدرته على الإحياء والإماتة، وسائر ما ذكر من أفعاله الدالة على أنّ مقدورًا لا يمتنع عليه، كأنه قال: فلذلك من الاقتدار إذا قضى أمرًا كان أهون شيء وأسرعه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ "شيوخًا")، ابن كثير وابن ذكوان وأبو بكر وحمزة والكسائي. قوله: (فلذلك من الاقتدار إذا قضى أمرًا كان أهون شيء وأسرعه)، والمعنى: اعلموا وتنبهوا على أن من كان قادرًا على تلك المقدورات العظيمة كما شاء كيف شاء ومتى شاء بلا مانع ولا مدافع، كان أمره إذا قضى أمر الإعادة وجد كأهون شيء وأسرعه، وإنما قيدناه بذكر الإعادة؛ لأن جميع ما ذكر من الآيات عقيب قوله: ﴿إنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾، وقد عطف على هذا المجموع مجموع قوله: ﴿وقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ على طريق الحصول والوجود، وتفويض الترتيب بينها إلى الذهن، يعني: لما اقتضت الحكمة إيجاد الخلق للعبادة ثم ترتب الجزاء عليها وذلك عند قيام الساعة، فلا بد من حصولهما، ﴿ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ يستكبرون عن العبادة وينكرون الإعادة، "أفلا يتفكرون" في تلك الدلائل الدالة على كمال القدرة ونفاذ الإرادة؛ ليعلموا أن من كان قادرًا على ذلك كان أمر الإعادة أهون شيء وأسرعه عليه، والله أعلم.

стр. 7408

[﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ *ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ * ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ * ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ٦٩ - ٧٦] ﴿بِالْكِتابِ﴾: بالقرآن ﴿وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ من الكتب. فإن قلت: وهل قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ إلى مثل قولك: سوف أصوم أمس؟ قلت: المعنى على إذا، إلا أن الأمور المستقبلة لما كانت في إخبار الله تعالى متيقنة مقطوعًا بها: عبر عنها بلفظ ما كان ووجد، والمعنى على الاستقبال ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال القاضي: فإذا أراد شيئًا كان، فلا يحتاج في تكوينه إلى عدة وتجشم كلفة من حيث إنه تعالى يقتضي قدرة ذاتية غير متوقفة على العدد والمواد. وقلت: في هذا التنبيه تقريع عظيم للمجادلين في الآيات الشاهدة على إثبات البعث واستبعادهم الإعادة، ولذلك جعل هذه النتيجة تخلصًا وكرًا إلى إعادة ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ﴾ على سبيل التعجب والتعجيب، وسجل على جهالتهم وصرفهم عن الطريق الحق مع قيام تلك الحجج القاطعة والبراهين الساطعة بقوله: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾، كما قال في تلك الآية: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]. قوله: (والمعنى على "إذا")، ويروى على "إذ"، أي: فسوف يعلمون حين الأغلال في أعناقهم. قال أبو البقاء: "إذ" ظرف زمان ماض، والمراد بها الاستقبال ها هنا؛ لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.

стр. 7409

وعن ابن عباس: (والسلاسل يسحبون) بالنصب وفتح الياء، على عطف الجملة الفعلية على الاسمية. وعنه: (والسلاسل يسحبون) بجر "السلاسل"، ووجهه: أنه لو قيل: إذ أعناقهم في الأغلال، مكان قوله: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ لكان صحيحًا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعن ابن عباس: "والسلاسل يسحبون"؛ بالنصب)، قال ابن جني: وقرأها ابن مسعود، والتقدير: إذ الأغلال في أعناقهم ويسحبون السلاسل، بفتح الياء واللام بعطف الجملة الفعلية على الاسمية، ونحوه قول الشاعر: أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد .... أموف بأدراع ابن طيبة أم تذم أي: أنت موف بها أم تذم؟ فقابل بالمبتدأ الخبر الذي من الفعل والمفعول الجاري مجرى الفاعل، على أن ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ يشبه في اللفظ الجملة الفعلية لتقدم الظرف على المبتدأ كتقدم الفعل على الفاعل مع قوة شبه الظرف بالفعل، على أن أبا الحسن يرفع "زيدًا"- من قولك: في الدار زيد- بالظرف، كما يرفعه بالفعل. ومن غريب شبه الظرف بالفعل أنهم لم يجيزوا في قولهم: "فيك يرغب"، أن يكون "فيك" مرفوعًا بالابتداء، وفي "يرغب" ضمير، كقولك: زيد يضرب، لن الفعل لا يرفع بالابتداء، فكذلك الظرف، ومن ذلك أيضًا قوله: زمان علي غراب غداف .... فطيره الشيب عني فطارا فعطف الفعل على الظرف، وفي الأمثلة كثرة. نم كلام ابن جني. قوله: (بجر "السلاسل")، قال مكي: هذا على العطف على الأعناق غلط؛ لأنه يصير الأعناق في السلاسل، ولا معنى للغل في السلسة، ومن ثم قال المصنف: "ووجهه أنه لو قيل" إلى آخره، تصحيحًا له.

стр. 7410

مستقيمًا، فلما كانتا عبارتين معتقبتين: حمل قوله" (وَالسَّلاسِلِ) على العبارة الأخرى، ونظيره: مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة .... ولا ناعب كأنه قيل: بمصلحين. وقرئ: (وبالسلاسل يسحبون). ﴿فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾: من سجر التنور؛ إذا ملأه بالوقود. ومنه: السجير، كأنه سجر بالحب، أي: ملئ. ومعناه: أنهم في النار فهي محيطة بهم، وهم مسجورون بالنار مملوءة بها أجوافهم. ومنه قوله تعالى: ﴿نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٦ - ٧]. اللهم أجرنا من نارك، فإنا عائذون بجوارك. ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾: غابوا عن عيوننا، فلا نراهم ولا ننتفع بهم. فإن قلت: أما ذكرت في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]: أنهم مقرونون بآلهتهم، فكيف يكونون معهم وقد ضلوا عنهم؟ قلت: يجوز أن يضلوا عنهم إذا وبخوا وقيل لهم: أينما كنتم تشركون من دون الله فيغيثوكم ويشفعوا لكم؟ وأن يكونوا معهم في سائر الأوقات، وأن يكونوا معهم في جميع أوقاتهم؛ إلا أنهم لما لم ينفعوهم فكأنهم ضالون عنهم. ﴿بَلْ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومنه السجير)، كأنه سجر بالحب، الجوهري: سجير الرجل: خليله وصفيه، والجمع: السجراء. قوله: (﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾: غابوا عن عيوننا)، الجوهري: ضللت الدار والمسجد، إذا لم تعرف موضعهما، وكذلك كل شيء مقيم لا يهتدى له. وفي الحديث: "لعلي أضل الله"، يريد: أضل عنه، أي: أخفى عليه، من قوله تعالى: ﴿أئِذَا ضَلَلْنَا في الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] أي: خفينا. قوله: (مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم)، هذا إنما يستقيم إذا فسر ﴿ضَلُّوا

стр. 7411

لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أي: تبين لنا أنهم لم يكونوا شيئًا، وما كنا نعبد بعبادتهم شيئًا، كما تقول: حسبت أنّ فلانًا شيء فإذا هو ليس بشيء؛ إذا خبرته فلم تر عنده خيرًا. ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ﴾ مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم، حتى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يتصادفوا، ﴿ذلِكُمْ﴾ الإضلال بسبب ما كان لكم من الفرح والمرح ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وهو الشرك وعبادة الأوثان، ﴿ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ السبعة المقسومة لكم، قال الله تعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤]، ﴿خالِدِينَ﴾: مقدّرين الخلود ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن الحق المستخفين به مثواكم، أو جهنم: فإن قلت: أليس قياس النظم أن يقال: فبئس مدخل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عَنَّا﴾ غابوا عنا، لا على أن يكونوا معهم في سائر الأوقات؛ إلا أنهم لما لم ينفعوهم فكأنهم ضلوا على طريق المشاكلة، وإليه الإشارة بقوله: "حتى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يتصادفوا"، وإنما ركب هذا المتعسف؛ لأن إسناد الإضلال إلى الله غير جائز عنده؛ وإلا فالمعنى على التذييل. وقال محيي السنة: كما أضل هؤلاء يضل الله الكافرين. والقاضي: مثل هذا الإضلال يضل الله الكافرين حتى لا يهتدوا إلى شيء ينفعهم في الآخرة. وذهب هذا عن صاحب "التقريب" حتى تبع المصنف فيه. قوله: (مثواكم أو جهنم)، إشارة إلى أن المخصوص بالذم هذا أو ذاك؛ لأن ﴿الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ إذا كان من وضع المظهر موضع المضمر للعلية بدليل قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾، كان التقدير: فبئس المثوى مثواكم، وإذا كان عامًا ليدخلوا فيه دخولًا أوليًا كان التقدير: فبئس المثوى جهنم. قوله: (أليس قياس النظم أن يقال: فبئس مدخل)، حين صدر الكلام بلفظ ﴿ادْخُلُوا﴾ ناسب أن يجاء في العجز بـ"مدخل" ليتجاوبا؟ وأجاب: إنما لم يناسبه إذا اكتفى بقوله:

стр. 7412

المتكبرين، كما تقول: زر بيت الله فنعم المزار، وصل في المسجد الحرام فنعم المصلى؟ قلت: الدخول المؤقت بالخلود في معنى الثواء. [﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ ٧٧] ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ أصله: فإن نرك، و"ما" مزيدة لتأكيد معنى الشرط؛ ولذلك ألحقت النون بالفعل، ألا تراك لا تقول: إن تكرمني أكرمك، ولكن: إما تكرمني أكرمك. فإن قلت: لا يخلو: إما أن تعطف ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ على ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ وتشركهما في جزاء واحد؛ وهو قوله: ﴿فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ فقولك: فإمّا نرينك بعض الذي نعدهم فإلينا يرجعون: غير صحيح، وإن جعلت ﴿فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ مختصًا بالمعطوف الذي هو ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾، بقي المعطوف عليه بغير جزاء. قلت: ﴿فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ متعلق بـ ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾، وجزاء ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ محذوف، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ﴿ادْخُلُوا﴾ ولم يقيد بالخلود، ولما قيد به كان معناه مع التقييد معنى ﴿مَثْوَى﴾ فصح التجاوب. قوله: (و"ما" مزيدة لتأكيد معنى الشرط، ولذلك ألحقت النون)، الانتصاف: أي: المصحح لدخول نون التوكيد دخول "ما" على الشرط، ولولاه لم يجز؛ لأن النون المؤكدة مخصوصة بغير الواجب، والشرط من قسم الواجب؛ إلا أنه إذا أكد قوي بها، فساغ دخول النون. قوله: (﴿فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ متعلق بـ ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾، وجزاء ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ محذوف)، الانتصاف: أما حذف الأول دون الثاني؛ لأن الأول إذا وقع فهو غاية الأمل في إنكائهم، وإن لم يقع دفع الثاني وهو الذي يحتاج إليه في التسلية. وقال القاضي: ويجوز أن يكون ﴿فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ جوابًا لهما، بمعنى: إن تعذبهم في حياتك أو لم نعذبهم فإنا نعذبهم في الآخرة أشد العذاب، ويدل على شدته الاقتصار بذكر

стр. 7413

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الرجوع في هذا المعرض. وقلت: تفسير المصنف آذن بالعذاب الواقع في الدنيا مهتم بشأنه معقود به الهمة؛ لأن المعنى: فذاك مناك ومطلوبك، وأما الأخروي فلا بد من كينونته. وتفسير القاضي دل على أن الاهتمام ببيان الأخروي والدنيوي إن وقع أو لم يقع سواء، والمصنف فسر ما في "الرعد" بما يوافق تفسير القاضي، حيث قال: " ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ وكيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما أوعدناهم من إنزال العذاب عليهم، أو توفيناك قبل ذلك فما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة فحسب وعلينا لا عليك حسابهم وجزاؤهم"، حيث جعل "أريناك" و"توفيناك" بيانًا لأحوال الدائرة، وأوقع قوله: "فما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة فحسب" المعبر عن قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [الرعد: ٤٠] جزاءً للشرط. فإن قلت: ما الفرق؟ قلت: بين المقامين بون بعيد؛ لأن الجزاء في "الرعد" مختص بالنبي ﷺ ودال على الردع عن توقع الحساب والعقاب، وأن عليه تبليغ الرسالة فحسب، والجزاء ها هنا مختص بالكفار، ولذلك ما جوز أن يكون جوابًا لقوله: ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ ولا له ولقوله: ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ معًا؛ لأن هذا المقام مقام التسلية والتصبير على أذى القوم، والتشفي عنهم مطلوب، ولا سيما قد فازوا بمباغيهم يوم بدر، وقضية النظم يساعد هذا التقرير، وذلك أن قوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ متصل بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تهديد ووعيد لهم على مجادلتهم وتكذيبهم، و ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ ظرف ﴿يَعْلَمُونَ﴾ أي: لم تتعجب من حال هؤلاء المعاندين ومجادلتهم وكفرهم مع ما يفعل بهم من النكال إليه؟ فسوف يعلمون هم سوء عاقبة

стр. 7414

تقديره: فإما نرينك بعض الذي نعدهم من العذاب؛ وهو القتل [والأسر] يوم بدر، فذاك، أو إن نتوفينك قبل يوم بدر فإلينا يرجعون يوم القيامة فننتقم منهم أشدّ الانتقام، ونحوه قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤١ - ٤٢]. [﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَاتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ٧٨] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ قيل: بعث الله ثمانية آلاف نبىّ: أربعة آلاف من بني إسرائيل، وأربعة آلاف من سائر الناس. وعن علىّ ﵁: أنّ الله تعالى بعث نبيًا أسود، فهو ممن لم يقصص عليه. وهذا في اقتراحهم الآيات على رسول الله ﵌ عنادًا، يعنى: إنا قد أرسلنا كثيرًا من الرسل وما كان لواحد منهم أَنْ يَاتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عنادهم وكفرهم إذ الغلال في أعناقهم، فاصبر على أذاهم، فإن الله وعد المؤمنين أن يشفي صدورهم بالانتقام منهم في الدنيا، فإما نرينك بعض ذاك فذاك مناك، أو نتوفينك فألينا يرجعون، فيصلون إلى ما أوعدناهم وأعددنا لهم من الخزي والنكال وجر السلاسل والأغلال والسحب إلى جهنم والسجر في النار، فبئس المآل. قوله: قيل (بعث الله ثمانية آلاف نبي)، والصحيح ما روينا عن الإمام أحمد بن حنبل، عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، كم وفى عدة الأنبياء؟ قال: "مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، الرسل من ذلك ثلاث مئة وخمسة عشر، جمًا غفيرًا".

стр. 7415

فمن لي بأن آتي بآية مما تقترحونه إلا أن يشاء الله ويأذن في الإتيان بها. ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ وعيد وردّ عقيب اقتراح الآيات. وأمر الله: القيامة. ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾: هم المعاندون الذين اقترحوا الآيات، وقد أتتهم الآيات فأنكروها وسموها سحرًا. [﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَاكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ * وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ ٧٩ - ٨١] الأنعام: الإبل خاصة. فإن قلت: لم قال: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْها﴾ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فمن لي بأن آتي بآية)، أي: فمن يضمن لي الخلاص من عذاب الله بأن آتي بآية مقترحة؟ قوله: (لم قال: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْها﴾)، وجه السؤال: أنه تعالى ذكر أمورًا ولم يجعلها على وتيرة واحدة، إما بأن تسلب لام الغرض منها جميعًا، وإما أن تدخل فيها جميعًا، وخلاصة الجواب: أن الغالب في الأكل وسائر المنافع استيفاء مجرد الشهوة، ولا يناط به أمر ديني إلا في الندرة، فالناس والبهائم فيهما سواء، وان الغالب في الركوب وبلوغ الحاجة عليها قضاء حق العبادة، فلا يكون الاهتمام فيها سواء ففرق باللام. ونظيره قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] قال صاحب "الفرائد": كيف يكون الأكل وإصابة المنافع بدون تعلق إرادته؟ هذا خارج عن حد الاستقامة، والوجه أن يقال: إنما قال: ﴿وَمِنْها تَاكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ كاللبن والوبر، ولم يقل: لتأكلوا منها ولتصلوا إلى المنافع؛ لأنهم في الحال آكلون وآخذون المنافع، وأما الركوب وبلوغ الحاجة فأمران منتظران، فجيء بما يدل على الاستقبال. وقال صاحب "الانتصاف": بنى الزمخشري على أن الأمر راجع إلى الإرادة، والحق أنه لا ربط بين الأمر والإرادة، والصحيح أن المهم في الأنعام الركوب وبلوغ الحوائج في السفر

стр. 7416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والنقلة فقرنا ياللام، وأما الأكل وبقية المنافع كالأصواف والألبان فهي تابعة بالنسبة إلى الركوب والحمل، فلذلك جردت عن اللام. وقال القاضي: وتغير النظم في الأكل؛ لأنه في حيز الضرورة. وقال صاحب "التقريب": فيما ذكر المصنف نظر؛ إذ قد يكون الأولان لمباح والباقيان لأمر ديني. وقلت: نظير الآية قوله تعالى في "النحل": ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥ - ٨]، قال المصنف هناك: إنما قدم الظرف في قوله: ﴿وَمِنْهَا تَاكُلُونَ﴾؛ لأن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس، وإنما اختلف في ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾؛ لأن الركوب فعل المخاطبين، وأما الزينة ففعل الزائن. انتهى كلامه. ولا ارتياب أن أصل الكلام ها هنا: جعل لكم الأنعام لتركبوا منها وتأكلوا منها وتنتفعوا بأصوافها وأوبارها وألبانها ونسلها. ولما كانت هذه العبارة من الجوامع احتمل ما قال المصنف. وفي بلوغ الحاجة: الهجرة من بلد إلى بلد لإقامة دين أو طلب علم، وما ذكره محيي السنة ورواه الواحدي عن مجاهد ومقاتل: تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد وتبلغوا عليها حاجاتكم في البلاد. وما يعطيه قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] من معنى التجمل، قال في تفسيره: من الله بالتجمل بها من أغراض أصحاب المواشي بل هو من معاظمها، إلى قوله: ويسلبهم الجاه والحرمة عند الناس. وأما معنى التكرير في قوله: ﴿وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ على رأي مجاهد: فلإناطة معنيين:

стр. 7417

﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا﴾، ولم يقل: لتأكلوا منها، ولتصلوا إلى منافع؟ أو هلا قال: منها تركبون، ومنها تأكلون وتبلغون عليها حاجة في صدوركم! قلت: في الركوب: الركوب في الحج والغزو، وفي بلوغ الحاجة: الهجرة من بلد إلى بلد لإقامة دين أو طلب علم؛ وهذه أغراض دينية إمّا واجبة أو مندوب إليها مما يتعلق به إرادة الحكيم. وأما الأكل وإصابة المنافع فمن جنس المباح الذي لا يتعلق به إرادته، ومعنى قوله: ﴿وَعَلَيْها وَعَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أحدهما: تشبيه الجمال بالسفن، قال في سورة "المؤمنين": وقرنها بالفلك التي هي السفائن؛ لأنها سفائن البر. وثانيهما: إدخال منة أخرى في هذه المنن على سبيل الاستطراد، وإنما خولف بين العبارات للتفنن ولاختلاف أغراض الناس، فإن الناس في الحضر لا يهتمون بشأن الركوب اهتمامهم في السفر، فأجرى الركوب على الظاهر، وغير في قوله: ﴿وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] وإنما غير النظم في الأكل؛ لأنه في حيز الضرورة-كما قال القاضي- أو لرعاية الفواصل وهو الوجه؛ إذ لو جيء على ظاهره لاختلت، وكذلك جرى في الفاصلة الآتية. وأما قوله: ﴿وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ فكالتابع للأكل، فأجري مجراه، كما قال صاحب "الانتصاف"، ولما اشتمل ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ على تلك الفوائد المتكاثرة جعله مستقلًا في الغرض بإعادة اللام ونكر الحاجة وقرنها بقوله: ﴿فِي صُدُورِكُمْ﴾، تأكيدًا كما في قوله تعالى: ﴿الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] وقوله: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] وفي تخصيصه الأنعام ها هنا بالإبل وتفسيره قوله: ﴿وَمِنْهَا تَاكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] في "النحل" بان تقديم الظرف للاختصاص، وأن الأكل منها هو الأصل إلى آخره، وليس له العذر إلا مراعاة الفواصل. والله أعلم بمراده من كلامه.

стр. 7418

الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾: وعلى الأنعام وحدها لا تحملون، ولكن عليها وعلى الفلك في البر والبحر. فإن قلت: هلا قيل: وفي الفلك، كما قال: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾؟ [هود: ٤٠]! قلت: معنى الإيعاء ومعنى الاستعلاء كلاهما مستقيم؛ لأنّ الفلك وعاء لمن يكون فيها حمولة له يستعليها، فلما صح المعنيان صحت العبارتان. وأيضًا فليطابق قوله: ﴿وَعَلَيْها﴾ ويزاوجه. ﴿فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ﴾ جاءت على اللغة المستفيضة، وقولك: فأية آيات الله: قليل؛ لأنّ التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات، نحو "حمار" و"حمارة": غريب، وهي في "أي" أغرب؛ لإبهامه. [﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ * فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ ٨٢ - ٨٣] ﴿وَآثارًا﴾: قصورهم ومصانعهم. وقيل: مشيهم بأرجلهم لعظم أجرامهم. ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾ "ما" نافية أو مضمنة معنى الاستفهام، ومحلها النصب، والثانية: موصولة، أو مصدرية، ومحلها الرفع، يعنى: أي شيء أغنى عنهم مكسوبهم، أو كسبهم. ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ فيه وجوه؛ منها: أنه أراد العلم الوارد على طريق التهكم في قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النمل: ٦٦]، وعلمهم في الآخرة: أنهم كانوا يقولون: لا نبعث ولا نعذب، ﴿وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]، ﴿وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأنّ التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات، نحو "حمار" و"حمارة": غريب)، ليس بمطلق، بل إذا لم يرد التمييز بأمر خارجي لئلا يخالف قوله: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل: ١٨]، واستشهاد أبي حنيفة ﵁ في أنها أنثى بدليل ﴿قَالَتْ﴾ ولهذا قال: "وهي في "أي" أغرب لأن التمييز فيها غير مطلوب أصلًا". ويؤيده قول صاحب "التقريب": وفي "أي" أغرب لمطلوبية الإبهام فيه ومنافاته التمييز.

стр. 7419

وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]، وكانوا يفرحون بذلك، ويدفعون به البينات وعلم الأنبياء، كما قال : ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]. ومنها: أن يريد علم الفلاسفة والدهريين من بني يونان، وكانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه، وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم. وعن سقراط: أنه سمع بموسى صلوات الله عليه وسلامه، وقيل له: لو هاجرت إليه، فقال: نحن قوم مهذبون، فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا. ومنها: أن يوضع قوله: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ -ولا علم عندهم البتة- موضع قوله: لم يفرحوا بما جاءهم من العلم، مبالغة في نفى فرحهم بالوحي الموجب لأقصى الفرح والمسرة، مع تهكم بفرط جهلهم وخلوهم من العلم. ومنها: أن يراد: فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك منه واستهزاء به، كأنه قال: استهزؤا بالبينات وبما جاءوا به من علم الوحي فرحين مرحين. ويدل عليه قوله: ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾. ومنها: أن يجعل الفرح للرسل، ومعناه: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يونان)، في نسخة صحيحة: صح بفتح الياء. قوله: (أن يوضع قوله: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾)، يعني: حق الظاهر أن يقال: فلما جاءتهم رسلهم بالبينات لم يفرحوا بها لجهلهم، فوضع موضعه ﴿فرحوا بما عندهم من العلم﴾ على سبيل التهكم تعريضًا، كما تقول لمن لا يدري ولا يدري أنه لا يدري: قد جاءك فلان العلامة، فرحت بما عندك من العلم، أي: لم تنتهز تلك الفرصة واغتررت بجهلك المركب. قوله: (ويدل عليه قوله: ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾)، أي: يدل على أن ﴿فَرِحُوا﴾ في قوله: ﴿بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ مضمن معنى الاستهزاء على سبيل الكناية؛ لاقتضاء المقام، وأن المعنى: استهزؤوا بما جاء به الرسل من الوحي فرحين، من رد العجز على الصدر من حيث المعنى، كأنه قيل: فلما جاءتهم رسلهم بالبينات استهزؤوا بما عندهم من العلم، فوضع ﴿فَرِحُوا﴾ موضع "استهزؤوا" كناية؛ لأن المستهزئ فرح مرح، ودل عليه قوله: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾.

стр. 7420

أن الرسل لما رأوا جهلهم المتمادي، واستهزائهم بالحق، وعلموا سوء عاقبتهم، وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم واستهزائهم؛ فرحوا بما أوتوا من العلم، وشكروا الله عليه، وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم. ويجوز أن يريد بما فرحوا به من العلم: علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]، ﴿ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: ٣٠]، فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات، وهي أبعد شيء من علمهم؛ لبعثها على رفض الدنيا والظلف عن الملاذ والشهوات؛ لم يلتفتوا إليها، وصغروها، واستهزؤا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم؛ ففرحوا به. [﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَاسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَاسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ﴾ ٨٤ - ٨٥]. البأس: شدّة العذاب، ومنه قوله تعالى: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥]. فإن قلت: أي فرق بين قوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ﴾ وبينه لو قيل: فلم ينفعهم إيمانهم؟ قلت: هو من "كان" في نحو قوله: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، والمعنى: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والظلف عن الملاذ)، الجوهري: ظلف نفسه عن الشيء يظلفها، أي: منعها من أن تفعله أو تأتيه. قوله: (هو من "كان" في نحو قوله: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥])، الانتصاف: فائدة دخول "كان" المبالغة في نفي الفعل الداخلة هي عليه بتعديد جهة نفيه عمومًا باعتبار الكون، وخصوصًا باعتبار النفع مثلًا، فهو نفي مرتين. وقلت: تفسيره لا يصح ولا يستقيم، وارد من جهة تسليط النفي على الكون المتضمن

стр. 7421

فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم. فإن قلت: كيف ترادفت هذه الفاءات؟ قلت: أما قوله: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾: فهو نتيجة قوله: ﴿كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾، وأما قوله: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾: فجار مجرى البيان والتفسير، لقوله تعالى: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾، كقولك: رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء. وقوله: ﴿لَمَّا رَأَوْا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للفعل المنفي، كأنه قيل: هذا الفعل من الشؤون التي عدمها راجح على الوجود، وإنها من قبيل المحال. قوله: (أما قوله: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾: فهو نتيجة قوله: ﴿كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾)، لكن على القلب، يعني: اجتمعوا وتحشدوا مع قوة أجسادهم وحصلوا ما زاد في قوتهم من المال والمنال وما يلجئون إليه من الحصون والمصانع لتغنيهم إذا حزبهم أمر الإغناء التام، فانقلب التدبير عليهم وما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، وما أحسن ما قال: باتوا على قلل الأجبال تحرسهم .... غلب الرجال فلم تنفعهم القلل واستنزلوا من أعالي عن معاقلهم .... فأسكنوا حفرًا يا بئس ما نزلوا ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا .... أين الأسرة والتيجان والحلل؟ أين الوجوه التي كانت منعمة .... من دونها تضرب الأستار والكلل؟ فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم .... تلك الوجوه عليها الدود يقتتل قد طال ما أكلوا يومًا وما شربوا .... فأصبحوا بعد ذاك الأكل قد أكلوا قوله: (فجار مجرى التفسير والبيان، لقوله تعالى: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾)، نحو قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] إذ لا بد لنفي الاغتناء من سبق معالجة منهم وتصور دفعهم من ينازعهم بمكسوبهم، يعني: جمعوا وفعلوا كيت وكيت، فلما جاءتهم الرسل بعلوم الديانات لبعثهم على رفض ما جمعوا، والظلف عن ملاذ الدنيا والشهوات لم يلتفتوا إليها وصغروها واعتقدوا أنه لا علم أنفع للفوائد من علمهم، وما قصروا في الدفع،

стр. 7422

بَاسَنا﴾ تابع لقوله: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ﴾، كأنه قال: فكفروا، فلما رأوا بأسنا آمنوا، وكذلك: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ﴾ تابع لإيمانهم لما رأوا بأس الله. ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ بمنزلة ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٢٢] وما أشبهه من المصادر المؤكدة. و ﴿هُنالِكَ﴾ مكان مستعار للزمان، أي: وخسروا وقت رؤية البأس، وكذلك قوله: ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ بعد قوله: ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ أي: وخسروا وقت مجيء أمر الله، أو وقت القضاء بالحق. عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة المؤمن لم يبق روح نبي ولا صديق ولا شهيد ولا مؤمن إلا صلى عليه واستغفر له". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فانقلب الأمر عليهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون، أي: يستخفون، ولا يبعد أن تسمى مثل هذه الفاء فاء تفسيرية. قوله: (كأنه قال: فكفروا، فلما رأوا بأسنا آمنوا)، فالتقدير: فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم فكفروا، أي: استهزؤوا وصغروا شأنها، وحاق بهم جزاء استهزائهم، فلما رأوا بأسنا، أي: جزاء استهزائهم، آمنوا. تمت السورة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه. * * *

стр. 7423

سورة السجدة مكية، وهي أربع وخمسون، وقيل: ثلاث وخمسون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ ١ - ٤] إن جعلت ﴿حم﴾ اسمًا للسورة كانت في موضع المبتدأ، و ﴿تَنْزِيلٌ﴾ خبره. وإن جعلتها تعديدًا للحروف كان ﴿تَنْزِيلٌ﴾ خبرًا لمبتدأ محذوف، و ﴿كِتابٌ﴾ بدل من ﴿تَنْزِيلٌ﴾، أو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف. وجوز الزجاج أن يكون ﴿تَنْزِيلٌ﴾ مبتدأ، و ﴿كِتابٌ﴾ خبره. ووجهه: أن تنزيلًا تخصص بالصفة؛ فساغ وقوعه مبتدأ. ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾: ميزت وجعلت تفاصيل في معان مختلفة؛ من أحكام، وأمثال، ومواعظ، ووعد، ووعيد، وغير ذلك. وقرئ: (فصلت)، أي: فرقت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة السجدة مكية، وهي أربع وخمسون آية، وقيل: ثلاث وخمسون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (وقرئ "فَصلت")، قال أبو علي: كلهم بضم الفاء وكسر الصاد والتشديد.

стр. 7424

بين الحق والباطل. أو فصل بعضها من بعض باختلاف معانيها، من قولك: فصل من البلد، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ نصب على الاختصاص والمدح، أي: أريد بهذا الكتاب المفصل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعن بعضهم: لم ينقل في "المنتقى" و"الموضح" بالتخفيف. وقلت: ولا في "المحتسب". قوله: (أو فصل بعضها من بعض) أي تباعد، عطف على "فرقت" يدل عليه قوله: فصل من البلد. ومعنى هذه القراءة على هذا التقدير يرجع إلى المشهورة فصلت ميزت وجعلت تفاصيل، لكن الأول يحتاج إلى سبق مجمل وتقدم مبهم مختلط بحق وباطل. قال القاضي: ولعل افتتاح هذه السور السبع بـ ﴿حم﴾ وتسميتها به؛ لكونها مصدرة ببيان مشاكله في النظم والمعنى. وإضافة التنزيل إلى الرحمن الرحيم للدلالة على أنه مناط المصالح الدينية والدنياوية. وقلت: ولذلك اشتركت في أن اقترن كل منهما بذكر الكتاب وجعل ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ نصبًا على الاختصاص والمدح أو حالًا، وعلل بقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي يعلمون ما نول عليهم من الآيات المفصلة المبينة لا يلتبس عليهم شيء منه. قال أبو البقاء: ﴿كِتَابٌ﴾ أي هو كتاب، ويجوز أن يكون مرفوعًا بـ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أي: نزل كتابًا، ﴿قُرْآنًا﴾ حال موطئة من ﴿آيَاتِهِ﴾ ويجوز أن يكون حالًا من ﴿كِتَابٌ﴾ لأنه قد وصف. قوله: (فصل من البلد) روي عن المصنف أنه قال: أصله: فصل نفسه، فطرحت العرب نفسه وتناسته، كقولهم: نزع عن الأمر نزوعًا، وأصله: نزع نفسه. ولهذا قال أبو نواس: وإذا نزعت عن الغواية فليكن .... لله ذاك النزع لا للناس لامحًا الأصل المتروك.

стр. 7425

قرآنًا من صفته كيت وكيت. وقيل: هو نصب على الحال، أي: فصلت آياته في حال كونه قرآنًا عربيًا. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لقوم عرب يعلمون ما نزل عليهم من الآيات المفصلة المبينة بلسانهم العربي المبين، لا يلتبس عليهم شيء منه. فإن قلت: بم يتعلق قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؟ قلت: يجوز أن يتعلق بـ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أو بـ ﴿فُصِّلَتْ﴾، أي: تنزيل من الله لأجلهم، أو فصلت آياته لهم، والأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده، أي: قرآنًا عربيًا كائنًا لقوم عرب؛ لئلا يفرق بين الصلات والصفات. وقرئ: (بشير ونذير)، صفة للكتاب، أو خبر مبتدأ محذوف. ﴿فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾: لا يقبلون ولا يطيعون، من قولك: تشفعت إلى فلان فلم يسمع قولي، ولقد سمعه ولكنه لما لم يقبله ولم يعمل بمقتضاه، فكأنه لم يسمعه. [﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ ٥] والأكنة: جمع كنان؛ وهو الغطاء. الوقر، بالفتح: الثقل. وقرئ بالكسر. وهذه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لئلا يفرق بين الصلات والصفات) يعني: إن علق ﴿لِقَوْمٍ﴾ بـ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ تقع التفرقة بين المفعول له وبين متعلقه بقوله: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وبين الصفات أيضًا؛ لأن ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ صفة ﴿قُرْآنًا﴾. وإن علق بـ ﴿فُصِّلَتْ﴾ فالتفرقة بين الصفات -وهي ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ و ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ حاصلة، وإنما جمع الصلات وهي واحدة لتوافق قرينتها نحو: إني لآتيه بالغدايا والعشايا. وعن بعضهم: إنما جمعها وهي واحدة وهي اللام لتعدد ما اتصل بها من قوله: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ و ﴿فُصِّلَتْ﴾ وأراد بالصلات العلاقات بالمعاني. قوله: (وقرئ: "بشيرٌ ونذير")، قال القاضي: قراءة نافع. قوله: (والوقر، بالفتح: الثقل)، الراغب: الوقر بالفتح الثقل في الأذن، يقال: وقرت
следующие страницы →