Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.
стр. 7421
فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم. فإن قلت: كيف ترادفت هذه الفاءات؟ قلت: أما قوله: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾: فهو نتيجة قوله: ﴿كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾، وأما قوله: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾: فجار مجرى البيان والتفسير، لقوله تعالى: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾، كقولك: رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء. وقوله: ﴿لَمَّا رَأَوْا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للفعل المنفي، كأنه قيل: هذا الفعل من الشؤون التي عدمها راجح على الوجود، وإنها من قبيل المحال.
قوله: (أما قوله: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾: فهو نتيجة قوله: ﴿كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾)، لكن على القلب، يعني: اجتمعوا وتحشدوا مع قوة أجسادهم وحصلوا ما زاد في قوتهم من المال والمنال وما يلجئون إليه من الحصون والمصانع لتغنيهم إذا حزبهم أمر الإغناء التام، فانقلب التدبير عليهم وما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، وما أحسن ما قال:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم .... غلب الرجال فلم تنفعهم القلل
واستنزلوا من أعالي عن معاقلهم .... فأسكنوا حفرًا يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا .... أين الأسرة والتيجان والحلل؟
أين الوجوه التي كانت منعمة .... من دونها تضرب الأستار والكلل؟
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم .... تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طال ما أكلوا يومًا وما شربوا .... فأصبحوا بعد ذاك الأكل قد أكلوا
قوله: (فجار مجرى التفسير والبيان، لقوله تعالى: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾)، نحو قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] إذ لا بد لنفي الاغتناء من سبق معالجة منهم وتصور دفعهم من ينازعهم بمكسوبهم، يعني: جمعوا وفعلوا كيت وكيت، فلما جاءتهم الرسل بعلوم الديانات لبعثهم على رفض ما جمعوا، والظلف عن ملاذ الدنيا والشهوات لم يلتفتوا إليها وصغروها واعتقدوا أنه لا علم أنفع للفوائد من علمهم، وما قصروا في الدفع،
стр. 7422
بَاسَنا﴾ تابع لقوله: ﴿فَلَمَّا جاءَتْهُمْ﴾، كأنه قال: فكفروا، فلما رأوا بأسنا آمنوا، وكذلك: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ﴾ تابع لإيمانهم لما رأوا بأس الله. ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ بمنزلة ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٢٢] وما أشبهه من المصادر المؤكدة. و ﴿هُنالِكَ﴾ مكان مستعار للزمان، أي: وخسروا وقت رؤية البأس، وكذلك قوله: ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ بعد قوله: ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ أي: وخسروا وقت مجيء أمر الله، أو وقت القضاء بالحق.
عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة المؤمن لم يبق روح نبي ولا صديق ولا شهيد ولا مؤمن إلا صلى عليه واستغفر له".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فانقلب الأمر عليهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون، أي: يستخفون، ولا يبعد أن تسمى مثل هذه الفاء فاء تفسيرية.
قوله: (كأنه قال: فكفروا، فلما رأوا بأسنا آمنوا)، فالتقدير: فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم فكفروا، أي: استهزؤوا وصغروا شأنها، وحاق بهم جزاء استهزائهم، فلما رأوا بأسنا، أي: جزاء استهزائهم، آمنوا.
تمت السورة
بحمد الله وعونه وحسن توفيقه.
* * *
стр. 7423
سورة السجدة
مكية، وهي أربع وخمسون، وقيل: ثلاث وخمسون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ ١ - ٤]
إن جعلت ﴿حم﴾ اسمًا للسورة كانت في موضع المبتدأ، و ﴿تَنْزِيلٌ﴾ خبره. وإن جعلتها تعديدًا للحروف كان ﴿تَنْزِيلٌ﴾ خبرًا لمبتدأ محذوف، و ﴿كِتابٌ﴾ بدل من ﴿تَنْزِيلٌ﴾، أو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف. وجوز الزجاج أن يكون ﴿تَنْزِيلٌ﴾ مبتدأ، و ﴿كِتابٌ﴾ خبره. ووجهه: أن تنزيلًا تخصص بالصفة؛ فساغ وقوعه مبتدأ. ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾: ميزت وجعلت تفاصيل في معان مختلفة؛ من أحكام، وأمثال، ومواعظ، ووعد، ووعيد، وغير ذلك. وقرئ: (فصلت)، أي: فرقت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة السجدة
مكية، وهي أربع وخمسون آية، وقيل: ثلاث وخمسون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (وقرئ "فَصلت")، قال أبو علي: كلهم بضم الفاء وكسر الصاد والتشديد.
стр. 7424
بين الحق والباطل. أو فصل بعضها من بعض باختلاف معانيها، من قولك: فصل من البلد، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ نصب على الاختصاص والمدح، أي: أريد بهذا الكتاب المفصل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعن بعضهم: لم ينقل في "المنتقى" و"الموضح" بالتخفيف. وقلت: ولا في "المحتسب".
قوله: (أو فصل بعضها من بعض) أي تباعد، عطف على "فرقت" يدل عليه قوله: فصل من البلد. ومعنى هذه القراءة على هذا التقدير يرجع إلى المشهورة فصلت ميزت وجعلت تفاصيل، لكن الأول يحتاج إلى سبق مجمل وتقدم مبهم مختلط بحق وباطل.
قال القاضي: ولعل افتتاح هذه السور السبع بـ ﴿حم﴾ وتسميتها به؛ لكونها مصدرة ببيان مشاكله في النظم والمعنى. وإضافة التنزيل إلى الرحمن الرحيم للدلالة على أنه مناط المصالح الدينية والدنياوية.
وقلت: ولذلك اشتركت في أن اقترن كل منهما بذكر الكتاب وجعل ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ نصبًا على الاختصاص والمدح أو حالًا، وعلل بقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي يعلمون ما نول عليهم من الآيات المفصلة المبينة لا يلتبس عليهم شيء منه.
قال أبو البقاء: ﴿كِتَابٌ﴾ أي هو كتاب، ويجوز أن يكون مرفوعًا بـ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أي: نزل كتابًا، ﴿قُرْآنًا﴾ حال موطئة من ﴿آيَاتِهِ﴾ ويجوز أن يكون حالًا من ﴿كِتَابٌ﴾ لأنه قد وصف.
قوله: (فصل من البلد) روي عن المصنف أنه قال: أصله: فصل نفسه، فطرحت العرب نفسه وتناسته، كقولهم: نزع عن الأمر نزوعًا، وأصله: نزع نفسه. ولهذا قال أبو نواس:
وإذا نزعت عن الغواية فليكن .... لله ذاك النزع لا للناس
لامحًا الأصل المتروك.
стр. 7425
قرآنًا من صفته كيت وكيت. وقيل: هو نصب على الحال، أي: فصلت آياته في حال كونه قرآنًا عربيًا. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لقوم عرب يعلمون ما نزل عليهم من الآيات المفصلة المبينة بلسانهم العربي المبين، لا يلتبس عليهم شيء منه. فإن قلت: بم يتعلق قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؟ قلت: يجوز أن يتعلق بـ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أو بـ ﴿فُصِّلَتْ﴾، أي: تنزيل من الله لأجلهم، أو فصلت آياته لهم، والأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده، أي: قرآنًا عربيًا كائنًا لقوم عرب؛ لئلا يفرق بين الصلات والصفات. وقرئ: (بشير ونذير)، صفة للكتاب، أو خبر مبتدأ محذوف. ﴿فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾: لا يقبلون ولا يطيعون، من قولك: تشفعت إلى فلان فلم يسمع قولي، ولقد سمعه ولكنه لما لم يقبله ولم يعمل بمقتضاه، فكأنه لم يسمعه.
[﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ ٥]
والأكنة: جمع كنان؛ وهو الغطاء. الوقر، بالفتح: الثقل. وقرئ بالكسر. وهذه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لئلا يفرق بين الصلات والصفات) يعني: إن علق ﴿لِقَوْمٍ﴾ بـ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ تقع التفرقة بين المفعول له وبين متعلقه بقوله: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وبين الصفات أيضًا؛ لأن ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ صفة ﴿قُرْآنًا﴾. وإن علق بـ ﴿فُصِّلَتْ﴾ فالتفرقة بين الصفات -وهي ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ و ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ حاصلة، وإنما جمع الصلات وهي واحدة لتوافق قرينتها نحو: إني لآتيه بالغدايا والعشايا. وعن بعضهم: إنما جمعها وهي واحدة وهي اللام لتعدد ما اتصل بها من قوله: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ و ﴿فُصِّلَتْ﴾ وأراد بالصلات العلاقات بالمعاني.
قوله: (وقرئ: "بشيرٌ ونذير")، قال القاضي: قراءة نافع.
قوله: (والوقر، بالفتح: الثقل)، الراغب: الوقر بالفتح الثقل في الأذن، يقال: وقرت
стр. 7426
تمثيلات لنبوّ قلوبهم عن تقبل الحق واعتقاده، كأنها في غلف وأغطية تمنع من نفوذه فيها، كقوله: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨]؛ ومج أسماعهم له كأن بها صممًا عنه، ولتباعد المذهبين والدينين كأن بينهم وما هم عليه وبين رسول الله ﷺ وما هو عليه حجابًا ساترًا وحاجزًا منيعًا من جبل أو نحوه، فلا تلاقي ولا ترائي. ﴿فَاعْمَلْ﴾ على دينك ﴿إِنَّنا عامِلُونَ﴾ على ديننا، أو: فاعمل في إبطال أمرنا، إننا عاملون في إبطال أمرك. وقرئ: (إنا عاملون). فإن قلت: هل لزيادة ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ فائدة؟ قلت: نعم؛ لأنه لو قيل: وبيننا وبينك حجاب: لكان المعنى: أن حجابًا حاصل وسط الجهتين، وأما بزيادة ﴿مِنْ﴾ فالمعنى: أن الحجاب ابتدأ منا وابتدأ منك،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أذنه تقر وتوقر، والوقر بالكسر -الحمل للحمار والبغل. وقد أوقرته، ونخلة موقر وموقرة، والوقار السكون. وفلان ذو قرة.
قوله: (ومج أسماعهم) عطف على قوله: "نبو قلوبهم" وأما قوله: "حاجزًا منيعًا من جبل أو نحوه، فلا تلاقي ولا ترائي" فلدلالة التنكير في "حجاب"، ونحوه قال الشاعر:
له حاجب في كل أمر يشينه
وزيادة من قوله: "كأن بينهم وما هم عليه" قيل: الوجه أن يجعل الواو بمعنى "مع" لئلا يلزم العطف على المضمر المجرور من غير إعادة الجار، ويحمل الواو "في" وبين رسول الله وما هو عليه "مع" أيضًا وإن كان العطف صحيحًا؛ لئلا يفرق الحكم بين القرينتين، ويجوز العكس لتوافق قوله هل لزيادة "من" فائدة؟ ليست هذه الزيادة مثل قولك: ما جاءني من أحد؛ لأنها في الإثبات، بل المراد أن المعنى كان يحصل بدونها كما قدره.
قوله: (أن الحجاب ابتدأ منا وابتدأ منك)، الانتصاف: مقتضى كلامه أن يكون
стр. 7427
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"من" مقدرة على "بين" الثانية؛ لأنه جعلها مقيدة للابتداء، فكأنه قيل: ومن بيننا ومن بينك حجاب، وهو غلط، فإن لا يصح معها إعادة عامل؛ لأنه يجعل "بين" داخلة على المفرد، ومن شأنها الدخول على متعدد، وقد زاد على هذا بأن جعل الأولى الحجاب من جهتهم، والثانية من جهته، وليس كذلك، والأولى هي الثانية بعينها وهي عبارة عن الجهة المتوسطة بين المضافين، وتكرارها إنما كان لأن المعطوف عليه مضمر مخفوض يوجب تكرار خافضه، ولا تفاوت بين قولك: حلت بين زيد وعمرو، وحلت بين زيد وبين عمرو. وأما ذكرها مع الظاهر فجائز ومع المضمر واجب، فالصحيح أنها ها هنا مثل ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] للإشعار بأن الجهة المتوسطة بين النبي ﷺ وبينهم مبدأ الحجاب، ووجود "من" قريب من عدمها لقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] بغير "من".
وفي هذه الآية مبالغات بثلاثة حجب: أحدها: الحجاب الخارج، ثم حجاب الصمم، ثم حجاب أكنة قلوبهم، نعوذ بالله من ذلك.
وقلت: حاصل المعنى أن "بين"تقتضي متعددًا، وليس بين النبي ﷺ وبينهم حجاب واحد، وهو متعدد معنى ولم يفتقر إلى تقدير حجاب آخرـ، ثم زيف قوله: "فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك مستوعبة" وهو عمله لقولهم بعد ذلك: ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ مرتبًا بالفاء، أي: اعمل أنت فيما يتعلق بك وبجهتك من إثبات نبوتك بأي طريق كان، ومن الدعوة إلى التوحيد والمنع من تقليد الآباء وغير ذلك على قدر جهدك وطاقتك، ونعمل نحن بقدر وسعنا فيما يتعلق بنا وبجهتنا من الدفع لرسالتك والثبات على الشرك وتقليد الآباء، فظهر أن "بين" ها هنا معبر عن المسافة والجهة بواسطة "من" الابتدائية، والبين المذكور في الكتاب لازم المعنى، وسنبين إن شاء الله أن مغزى قولهم هو أنك تزعم أن لك دليلًا على إثبات نبوتك بإقامة المعجزة، ونحن ندعي أن لنا دليلًا على نفيها عنك؛ لأنك بشر، وأنى يقع الاتفاق بيننا وبينك؟ وإن شئت فذق هذا مع قول الشاعر:
стр. 7428
فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها. فإن قلت: هلا قيل: على قلوبنا أكنة، كما قيل: ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾، ليكون الكلام على نمط واحد!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
راحت مشرقة ورحت مغربًا .... وأنى التقاء مشرق ومغرب؟
ومن حرم مراعاة حسن النظم خبط خبط عشواء، وجعل في كلام الملك العلام فضلات. وقد استحسن الإمام كلام المصنف كل الاستحسان. وقال صاحب "التقريب": وفي تقريره نظر؛ لأن البين إذا فسر بالوسط و"من" للابتداء فيكون الابتداء من الوسط لا من الطرف، فلا يلزم استيعاب الوسط، ولعله لم يرد بالوسط حاق الوسط بل المسافة المتوسطة بينهما، فصح ما ذكره. تم كلامه.
قوله: (هلا قيل: على قلوبنا أكنة) يعني أن المطابقة بين القرائن فلم قدم الجار في الثانية وأخره في الأولى؟ وأجاب: أن المطابقة حاصلة من حيث المعنى؛ لأن المظروف كما هو مستقر في الظرف، الظرف أيضًا مشتمل عليه، فإذن معنى قوله: ﴿قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] وقوله: "على قلوبنا أكنة" واحد، فجاء التطابق.
قال صاحب "الفرائد": الفرق بين الصورتين بين؛ لأن الأولى تفيد استيعاب الأكنة القلوب؛ لأن الأكنة لا بد من تجاوز أطرافها على المظروف فكأنهم قالوا: الأكنة محتوية على القلوب ساترة من جميع جوانبها. ولا كذلك الثاني؛ لأن الأكنة حينئذ ساتر سطحها فلا يلزم من هذه الاحتواء من كل جانب.
وقلت: إنما يتفاوت هذا بتفاوت الظرف، فإن الظرف إذا كان كنًا لا بد من ستر المظروف من كل جانب على أن "على" أبلغ لمعنى الاستعلاء ومغلوبية المظروف والإيذان بأن ليس للوصول إليه سبيل، على أن للقول فيه مجالًا، وهو أنه لو قيل: "على قلوبنا أكنة" كما في تلك الآية: ﴿وَفِي آذانِنا وَقْرٌ﴾ لم يحصل التطابق في معنى الاستقراء وجعل أحدهما ظرفًا والآخر مظروفًا. ولو قيل: "على آذاننا وقر" لم يكن بتلك المبالغة؛ لأن المراد
стр. 7429
قلت: هو على نمط واحد؛ لأنه لا فرق في المعنى بين قولك: قلوبنا في أكنة، وعلى قلوبنا أكنة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الكهف: ٥٧]، ولو قيل: إنا جعلنا قلوبهم في أكنة: لم يختلف المعنى، وترى المطابيع منهم لا يراعون الطباق والملاحظة إلا في المعاني.
[﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ ٦ - ٧]
فإن قلت: من أين كان قوله: ﴿إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ﴾ جوابًا لقولهم: ﴿قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ﴾؟ قلت: من حيث أنه قال لهم: إني لست بملك، وإنما أنا بشر مثلكم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أن الأصمخة قد سدت فلا يدخل فيها الهواء فضلًا عن الكلام. وأما معنى "على" في تلك الآية فلإرادة معنى الاستعلاء والقهر من الله تعالى، والله أعلم.
قوله: (ترى المطابيع)، الأساس: وهو مطبوع على الكرم، وقد طبع على الخلاق المحمودة، وهذا كلام عليه طابع الفصاحة، وعن بعضهم: المطابيع، جمع مطبوع، وهو الذي طبع على العربية. وقيل: هو الذي طبع على الكيوسة.
قوله: (من حيث أنه قال لهم: إني لست بملك، وإنما أنا بشر مثلكم)، قال صاحب الفرائد": لم لزم أن يكون هذا جوابًا لقولهم؟ إذ قولهم لا يقتضي أن يكون له جواب، وإنما يشعر هذا بأن قيل له ﷺ : لا تتركهم بما ذكروا إنا لا نسمع ما تذكر، ومرادهم مما قالوا أن نتركهم وما يدينون وما يفعلون، سلمنا أنه جواب، لكن المراد منه: إني بشر فلا أقدر أن أخرج قلوبكم من الأكنة وأرفع الحجاب من البين، والوقر من الآذان، ولكن أوحي إلي وأمرت بتبليغ ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ هذا ينظر إلى قول الإمام كأنه قال: إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبرًا وقهرًا، فإني بشر مثلكم ولا امتياز بيني وبينكم إلا أني مخبر
стр. 7430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أن الله تعالى أوحى إلي، فإني أبلغ هذا الوحي إليكم، إن شرفكم الله بالتوفيق قبلتموه، وإن خذلكم بالحرمان رددتموه، وذلك لا يتعلق بنبوتي ورسالتي.
وفسر صاحب "الانتصاف" كلام المصنف بأن قال: إنما كان قوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ جوابًا لما سبق؛ لأنهم لما أبوا القبول منه كل الإباء قال: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ لا قدرة لي على إظهار المعجزات، بل تختص القدرة عليها بالله تعالى تصديقًا لي، ثم عقبه بما يتم المقصود وهو التوحيد، وأدرج تحت الاستقامة جميع تفاصيل الشرع، وتممه بإنذارهم على ترك القبول بالويل. وقدر بعضهم كأنهم قالوا: لا نصغي إلى قولك ولا نرعوي إليه، فقال ﷺ : "إذا صحت نبوتي وجب عليكم الارعواء والإصغاء إلى قولي".
وقلت: كيفما كان الجواب من الأسلوب الحكيم، والمطابقة بين الجواب والسؤال إنما تظهر إذا نظر إلى الجانبين والمعنى والتركيب وما يقتضيه من المعنى بحسب المقام فنقول: : لفظة "إنما" من أدوات الحصر، ومعنى التركيب ها هنا ما أنا إلا بشر موحى له، وإنما يستقيم هذا إذا قيل له: أنت فيما تدعيه من الوحي والرسالة كمدعي ما يوجب الخروج من البشرية والدخول في الملكية؛ لأن الرسالة منافية للبشرية، وإنها من مناصب الملائكة، وكتاب الله مملوء من هذا الرد، وهذا المعنى إنما يعطيه معنى قولهم: ﴿وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا﴾، على إرادة إنك فيما تدعيه من الرسالة وإثبات التوحيد، ونحن فيما نعتقد من أن البشرية منافية للرسالة في حاجز منيع وحجاب ساتر كما مر.
وتمام التقرير أنه صلوات الله عليه حين تحداهم بقوله: ﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ كأنه قال: إني رسول الله إليكم، ومعجزتي هذا الكتاب الفارق بين الحق والباطل والكاذب والصادق، وإنه نازل بلسانكم وأنتم زعماء الحوار وأرباب البيان تعلمون أنه كذلك لما عجزتم عن الإتيان بمثله، وهو المراد من قوله: يعلمون ما نزل عليهم من الآيات المفصلة المنبئة بلسانهم العربي المبين، وعند ذلك أعرضوا وعاندوا
стр. 7431
وقد أوحي إلي دونكم فصحت بالوحي إلىّ وأنا بشر نبوّتي، وإذا صحت نبوّتي: وجب عليكم اتباعي، وفيما يوحى إلي: أن إلهكم إله واحد ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾: فاستووا إليه بالتوحيد وإخلاص العبادة غير ذاهبين يمينًا ولا شمالًا، ولا ملتفتين إلى ما يسوّل لكم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وردوا الشبهة الركيكة معارضين، وإلى الإعراض الإشارة بقوله: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: ٤]، وإلى الاعتراض لمح بقوله: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ﴾ الآية، فكأنهم قالوا: سلمنا دعواك، لكن عندنا ما ينافيه وهو أن الرسالة منحصرة في الملائكة، وما أنت إلا بشر مثلنا، وما أنزل الرحمن من شيء، وليس عندك ما تدفع به هذا الدليل وإن اجتهدت كل الاجتهاد.
هذا معنى قوله: ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ على أحد وجهيه، وهو: فاعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك. فأجابهم بقوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ على سبيل القول بالموجب، يعني لا شك أني بشر ولست بملك، وذلك كيف يقدح في دعواي؟ لأن الرسالة إنما تثبت بالدعوى وتصديقها بالمعجزة، وقد حصل ذلك، وهو دليل قاطع، ولا أترك القاطع وأشتغل بجواب شبهتكم إلا هذا القدر؛ لأن الذي علي الآن الدعوة إلى التوحيد وبيان سبيل الرشاد والأمر بالتوبة مما سبق لكم من الشرك، والتحريض على مكارم الأخلاق من أداء الزكاة والإيمان بالآخرة إلى غير ذلك، هكذا ينبغي أن يفسر تأويل المصنف، وهو أقرب الأقوال السابقة؛ لأن مقتضى "إنما" وموجب ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ لا يساعد عليع تأويلهم.
فإن قيل: هذا التأويل مبني على معنى ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ في إبطال الأمر، فما معنى الآية على الوجه الآخر، وهو "إننا عاملون على ديننا؟ قلت: تأويله ما رواه الواحدي عن مقاتل: أن أبا جهل رفع ثوبه بينه وبين النبي ﷺ فقال: يا محمد، أنت من ذلك الجانب ونحن من هذا الجانب، فاعمل أنت على دينك ومذهبك إننا عاملون على ديننا ومذهبنا، قال الله: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي: كواحد منكم ولولا الوحي ما دعوتكم. والنظم مع الأول، والله أعلم.
стр. 7432
الشيطان من اتخاذ الأولياء والشفعاء، وتوبوا إليه مما سبق لكم من الشرك ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾. وقرئ: (قال إنما أنا بشر). فإن قلت: لم خص من بين أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونًا بالكفر بالآخرة؟ قلت: لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على ثباته واستقامته وصدق نيته ونصوع طويته. ألا ترى إلى قوله : ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥]؟ أي: يثبتون أنفسهم ويدلون على ثباتها بإنفاق الأموال، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا فقرّت عصبيتهم، ولانت شكيمتهم، وأهل الردّة بعد رسول الله ﷺ ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة، فنصبت لهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا)، الانتصاف: كلام الزمخشري حسن بعد تبديل "خدع المؤلفة"فالتأليف على الإيمان ليس خداعًا، إنما التأليف ملاطفة لا خديعة.
وقلت: ما أحسن موقع الخداع وقرانه مع لمظة من الدنيا، ثم أردفه بقوله: " فقرّت عصبيتهم، ولانت شكيمتهم". روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن أنس: "أصاب رسول الله ﷺ يوم حنين غنائم، فقسم في المهاجرين والطلقاء ولم يعط الأنصار شيئًا، فقالت الأنصار: إذا كانت الشدة فنحن ندعى وتعطى الغنائم غيرنا، فبلغه ذلك فجمعهم في قبة فقال: "يا معشر الأنصار، ما حديث بلغني عنكم"؟ فسكتوا، فقال: "يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون بمحمد تحوزونه في بيوتكم"؟ قالوا: بلى يا رسول الله رضينا. فقال: "لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار شعبًا لأخذت شعب الأنصار".
وفي رواية: قال أنس: قال رسول الله ﷺ : "إن قريشًا حديث عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم، أما ترضون". الحديث.
стр. 7433
الحرب، وجوهدوا. وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة، وتخويف شديد من منعها؛ حيث جعل المنع من أوصاف المشركين، وقرن بالكفر بالآخرة. وقيل: كانت قريش يطعمون الحاج، ويحرمون من آمن منهم برسول الله ﷺ . وقيل: لا يفعلون ما يكونون به أزكياء، وهو الإيمان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روينا في "صحيح البخاري"، عن عمرو بن ثعلب قال: "أعطى رسول الله ﷺ قومًا ومنع آخرين، فكأنهم عتبوا عليه، فقال: إني أعطي قومًا أخاف ظلعهم وجزعهم، وأكل قومًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى". ظلعهم، أي: ميلهم عن الحق وضعف إيمانهم، وأصله داء في قوائم الدابة تغمز منها.
قوله: (بلمظة) الجوهري: لمظ يلمظ بالضم لمظًا، إذا تتبع بلسانه بقية طعامه، أو أرخج لسانه فمسح به شفتيه.
قوله: (لا يفعلون ما يكونون به أزكياء)، الراغب: أصل الزكاة: النمو الحاصل من بركة الله، ويعتبر ذلك بالمور الدنيوية والأخروية، وبزكاء النفس وطهارتها يصير الإنسان بحيث يستحق في الدنيا الأوصاف المحمودة، وفي الآخرة الأجر والمثوبة، وهو أن يتحرى الإنسان ما فيه تطهيره.
وقلت: في هذا المقام هو الإيمان كما قال المصنف. روى محيي السنة عن ابن عباس: يعني الذين يقولون: لا إله إلا الله، وهي زكاة الأنفس. المعنى: لا يطهرون أنفسهم من الشرك. وقال مجاهد: لا يزكون أعمالهم. وقلت: المعنى على هذا فاستقيموا إليه بالتوحيد وإخلاص العبادة له، وتوبوا إليه مما سبق لكم من الشرك وويل لكم إن لم تفعلوا ذلك كله، فوضع موضعه مع إيتاء الزكاة؛ ليؤذن بأن الاستقامة على التوحيد وإخلاص العمل لله
стр. 7434
[﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ٨]
الممنون: المقطوع. وقيل: لا يمنّ عليهم؛ لأنه إنما يمنّ التفضل، فأما الأجر فحق أداؤه. وقيل: نزلت في المرضى والزمنى والهرمى: إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون.
[﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ * فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ٩ - ١٢]
﴿أَإِنَّكُمْ﴾ بهمزتين، الثانية بين بين، و (آئنكم) بألف بين همزتين. ﴿ذلِكَ﴾ الذي قدر على خلق الأرض في مدة يومين. هو ﴿رَبُّ الْعالَمِينَ﴾
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والتبري عن الشرك هو تزكية النفس، وهو أوفق لتأليف النظم، وما ذهب إليه حبر الأمة إلا لمراعاة النظم، ثم جيء بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ الآية، مستطردًا تعريضًا بالمشركين وأن نصيبهم مقطوع، حيث لم يزكوا أنفسهم كما زكوا، ويدل على أنه مستطرد قوله: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾.
قوله: (كأصح ما كانوا يعملون)، قيل: كما عملوا في حال كونهم أصح الأصحاء.
قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ الذي قدر على خلق الأرض في مدة يومين هو ﴿رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ إشارة إلى اتصال قوله: ﴿رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ بما قبله بتوسط اسم الإشارة، وان المذكور قبله مستحق لأن يقال له رب العالمين؛ لأجل ما اتصف بالقدرة التامة الكاملة وهو خلق الأرض في يومين، أما بيان كيفية اتصال اللفظ فإن صاحب "الكشف" قال: ظاهر الآية مشكل؛
стр. 7435
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لأن قوله: "وجعل" عطف على "خلق" وداخل في حيز صلة "الذي" وقد فصل بقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ وإن قلت: هو في الحال من الضمير في "حلق" أي قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين مجعولًا له أندادًا، فهو وجه؛ لأنه حال من الضمير الذي في "خلق" لا من نفس الموصول.
وقال أبو البقاء: "وجعل فيها" مستأنف غير معطوف على "خلق" لما يلزم الفصل، وليس من الصلة في شيء.
وقلت: الكلام مفرغ في قالب محكم رصين لا يجوز التفكيك لا بالحال ولا بالاستئناف، فإن قوله: ﴿وَجَعَلَ﴾ عطف على ﴿خَلَقَ﴾، وكذلك ﴿وَتَجْعَلُونَ﴾ عطف على "تكفرون" وكأن أصل الكلام: أئنكم لتكفرون بالذي حلق الأرض في يومين وجعل فيها رواسي من فوقها، بدليل قوله: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً﴾ لأنه فذلكة لمدة خلق الله الأرض وما فيها، كما قال المصنف، وفيه تصريح بأن "جعل" معطوف على "خلق"، ثم لمزيد الإنكار جيء بقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا﴾ أبين من "تكفرون" و ﴿رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ أجمع من "الذي خلق الأرض" ومن ثم قال المصنف: "ذلك الذي قدر على خلق الأرض في مدة يومين هو رب العالمين" نظيره قوله تعالى: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ عطف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
قال المصنف: "فإن قلت: كيف ساغ العطف قبل الفراغ من المعطوف عليه؟ قلت: إنما ساغ لأن ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ في معنى الصد عن سبيل الله، واتحادهما جوز ذلك، كأنه قيل: صد عن سبيل الله والمسجد الحرام، كذلك ها هنا التقدير: أئنكم لتجعلون أندادًا لمن خلق
стр. 7436
﴿رَواسِيَ﴾ جبالًا ثوابت. فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿مِنْ فَوْقِها﴾؟ وهلا اختصر على قوله: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾، كقوله: ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧]، ﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ﴾ [الأنبياء: ٣١]، ﴿وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ [النلم: ٦١]! قلت: لو كانت تحتها كالأساطين لها تستقر عليها، أو مركوزة فيها كالمسامير لمنعت من الميدان، وإنما اختار إرساءها فوق الأرض؛ لتكون المنافع في الجبال معرضة لطالبيها، حاضرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأرض في يومين وجعل فيها كذا وكذا؟ ".
وقال الراغب: لا بد من أحد أمرين، إما أن ينوي بقوله: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ التقديم حتى يعطف على ﴿خَلَقَ﴾، وينوي قبله: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا﴾ التأخير، وهذا مما يجوز في ضرورات الشعر، وإما أن يعطف على فعل مثل ما وقع في الصلة بدلالة الأول عليه، فيضمر "خلق الأرض" ثم يعطف عليه ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ كأنه قيل: أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام؟ فيضم اليومان اللذان يقتضيهما خلق الأرض إلى اليومين اللذين هما لخلق ما فيها، والوجه ما قررناه.
قوله: (ما معنى قوله: ﴿مِنْ فَوْقِها﴾؟ )، أي ما فائدة الزيادة في هذه الآية؛ لأن تلك الآيات التي وردت بدون هذه الزيادة معطية معنى الفوقية من غير ذكره؟ وأجاب: فائدتها التنبيه على الحكمة التي اقتضت جعلها كذلك؛ لأنها لو كانت تحتها كالأساطين جعل للأرض الاستقرار على الأساطين، لكن فإن منافع الجبال كما لو كانت الجبال مركوزة فيها، حاصله أن القصد من خلق الجبال المنع من ميدان الأرض كما قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] وكان ذلك إما بجعلها كالأساطين أو بجعلها مركوزة فيها أو بجعلها رواسي شامخات، فاختير الثالث لإفادة المنافع المذكورة مع حصول ما قصد منها.
قوله: (الميدان)، الجوهري: ماد الشيء يميد ميدًا: تحرك.
قوله: (معرضة) هو من قولهم: أعرض لك الخير، إذا أمكنك. يقال: أعرض لك
стр. 7437
لمحصليها، وليبصر أن الأرض والجبال أثقال على أثقال، كلها مفتقرة إلى ممسك لا بد لها منه، وهو ممسكها عز وعلا بقدرته. ﴿وَبارَكَ فِيهَا﴾: وأكثر خيرها وأنماه، ﴿وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها﴾: أرزاق أهلها ومعايشهم وما يصلحهم. وفي قراءة ابن مسعود: (وقسم فيها أقواتها)، (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً) فذلكة لمدة خلق الأرض وما فيها، كأنه قال: كل ذلك في أربعة أيام كاملة مستوية بلا زيادة ولا نقصان. قيل: خلق الأرض في يوم الأحد ويوم الاثنين، وما فيها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء. وقال الزجاج: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامِ﴾:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الظبي، إذا أمكنك من عرضه، إذا ولاك عرضه، وأعرضت الشيء فأعرض، أي: أبرزته فبرز.
قوله: (وليبصر أن الأرض)، بيانه ما قال الإمام: أنه تعالى لو جعلها على غير هذه الصورة لأفهم أن تلك الأساطين التحتانية هي التي أمسكت هذه الأرض عن النزول، ولكنه تعالى خلق هذه الجبال الثقال فوق الأرض ليرى الإنسان أن الأرض والجبال أثقال على أثقال وكلها مفتقرة إلى حافظ وممسك، وما ذاك إلا الله تعالى.
قوله: (فذلكة) الفذلكة في الحساب: هي أن تذكر أولًا أشياء مفصلًا، ثم تجمع تلك التفاصيل، وتكتب في معرض الحساب: فذلك كذا وكذا.
قوله: (قيل: خلق الأرض في يوم الأحد ويوم الاثنين) روينا عن مسلم عن أبي هريرة، قال: "أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة فيها فيما بين العصر إلى الليل".
قوله: (وقال الزجاج) وكلامه: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها
стр. 7438
في تتمة أربعة أيام. يريد بالتتمة اليومين. وقرئ: ﴿سَوَاءً﴾ بالحركات الثلاث؛ الجر على الوصف، والنصب على: استوت سواءً، أي: استواءً، والرفع على: هي سواءٌ. فإن قلت: بم تعلق قوله: ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾؟ قلت: بمحذوف، كأنه قيل: هذا الحصر لأجل من سأل: في كم خلقت الأرض وما فيها؟ أو بـ ﴿وَقَدَّرَ﴾: أي: قدر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها من المقتاتين. وهذا الوجه الأخير لا يستقيم إلا على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامِ﴾، أي: في تتمة أربعة أيام، ﴿سَواءً لِلسَّائِلِينَ﴾ معلق بقوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها﴾ لكل محتاج إلى القوت. وإنما قيل: ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ لن كلًا يطلب القوت ويسأله، ويجوز أن يكون المعنى لمن سأل: في كم خلقت السماوات والأرضون؟ فقيل: خلقت وما فيها في أربعة أيام سواء جوابًا لمن سأل.
وقال الإمام: نحوه قول القائل: سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وسرت إلى الكوفة في خمسة عشر يومًا، معناه أن المسافتين خمسة عشر. ويقال: أعطيتك ألفًا في شهر وألوفًا في شهرين، فيدخل الألف في الألوف، والشهر في الشهرين.
قوله: (وقرئ: ﴿سَوَاءً﴾ بالحركات الثلاث). قال محيي السنة: أبو جعفر: بالرفع على الابتداء، ويعقوب: بالجر على نعت ﴿أَرْبَعَةِ﴾، والباقون: بالنصب على المصدر، أي: استوت سواءً واستواءً.
قوله: (وهذا الوجه الأخير لا يستقيم)، الانتصاف: وجه امتناعه على الأول أن قوله: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامِ﴾ فذلكة ومن شانها الوقوع في طرف الكلام، فلو جعل ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ متعلقًا بـ"قدر" على تأويل حذف التتمة تعلق الظرف بالمظروف ولا يتم الكلام. وقال: وتفسير الزجاج أرجح؛ إذ هو مشتمل على ذكر مدة خلق الأقوات بالتأويل الغريب الذي قدره،
стр. 7439
تفسير الزجاج. فإن قلت: هلا قيل: في يومين! وأي فائدة في هذه الفذلكة؟ قلت: إذا قال في أربعة أيام، وقد ذكر أن الأرض خلقت في يومين؛ علم أن ما فيها خلق في يومين، فبقيت المخايرة بين أن يقول: في يومين، وأن يقول: في أربعة أيام سواء، فكانت في أربعة أيام سواء فائدة ليست في يومين؛ وهي الدلالة على أنها كانت أيامًا كاملة بغير زيادة ولا نقصان. ولو قال: في يومين، وقد يطلق اليومان على أكثرهما:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومضمن ما يقوم مقام الفذلكة؛ إذ قد ذكر جملة العدد الذي هو ظرف لخلقها وخلق أقواتها، وعلى اختيار الزمخشري تكون الفذلكة مذكورة من غير تقدم تصريح بجملة تفاصيلها، فلم يذكر سوى يومين، والفذلكة بتقدم فيها النص على جميع أعدادها، كقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقلت: أي حاجة إلى النص وقد دل التنصيص في قوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ على أن التقدير: وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في يومين آخرين، ثم يقال: كل ذلك في أربعة أيام؟ على أن في تفسير الزجاج الاختلاف الذي بين الإمامين.
قال الشافعي: المتعقب للجمل يعود إليها جميعًا، وأبو حنيفة خص بالأخيرة، ولنا الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات.
قوله: (وقد يطلق اليومان على أكثرهما)، قال صاحب "الفرائد": لا شك أنه صح أن يقال: فعلته في يومين، وكان الفعل في أقل منهما. ويصح أن يقال: فعلته في يومين، وكان الفعل في أكثر منهما. فإذا عرفت هذا تقول: يمكن أن يكون خلق الأرض في أقل من يومين، وجعل رواسي من فوقها، وتقدير الأقوات وغيرهما في يومين وبقية اليومين المذكورين، وكان خلق الأرض وجعل رواسي فيها وغيره في أربعة أيام من غير زيادة ولا نقصان، فعلى هذا لم يجز إلا أن يقال: في أربعة أيام.
стр. 7440
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقيل: قوله: "قد يطلق اليومان على أكثرهما" غير مختص بل على أقل منهما أيضًا، وقد يراد باليومين يوم ونصف مثلًا، فإن بعض الشيء قد يسمى باسمه كقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] والمراد شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة وليلة النحر، وفيه بحث؛ لأن أبا علي قال في "الحجة": "سمي الشهرين وبعض الثالث أشهرًا، لأن الاثنين قد يوقع عليه لفظ الجمع، كما في قوله:
ظهراهما مثل ظهور الترسين
فعلى هذا لا يجوز أن يوقع على الاثنين وبعض الثالث "قروء" في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، لأن هذا محصور بالعدد فلا يكون اثنان وبعض الثالث ثلاثة"، وهذا يدفع قول المصنف: "وقد يطلق اليومان على أكثرهما".
وقلت: لا يدفع؛ لأن إطلاق الجمع على الاثنين وعلى أكثر منه بطريق الاشتراك واختلاف اللغتين سائغ وإطلاق العدد المخصوص على أكثر منه وأقل بطريق التغليب والمجاز شائع، ومن ثم قال في قوله تعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وقد فسر بأنه تعالى خلق السماوات في يومين وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة فخلق فيها آدم، في هذا دليل على ما ذكرته من أنه لو قيل: "في يومين" في موضع "أربعة أيام سواءً" لم يعلم أنهما يومان كاملان أم ناقصان؛ لأنه تعالى لم يخلق السماوات في يومين كاملين على هذا؛ لأنه خلق آدم في آخر ساعة من باقي اليوم، وكما دل عليه الحديث الذي رويناه عن مسلم.
فإن قلت: ما الداعي إلى صرف الآية عن حقيقتها، وانه تعالى حلق الأرض في يومين وخلق ما فيهما في أربعة أيام؟ قلت: لزوم ما قاله الإمام أن قوله: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إذا جمع مع العدد يصير ثمانية، وقد ذكر في سائر الآيات أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام.
стр. 7441
لكان يجوز أن يريد باليومين الأولين والآخرين أكثرهما. ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ﴾: من قولك: استوى إلى مكان كذا؛ إذا توجه إليه توجهًا لا يلوى على شيء، وهو من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج، ونحوه قولهم: استقام إليه وامتد إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٦]، والمعنى: ثم دعاه داعي الحكمة إلى خلق السماء بعد خلق الأرض وما فيها من غير صارف يصرفه عن ذلك. قيل: كان عرشه قبل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهو من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج)، الراغب: المساواة: المعادلة المعتمدة بالذرع والوزن والكيل، وقد يعتبر بالكيفية، ونحو: هذا السواد مساوٍ لذلك السواد، وإن كان تحقيقه راجعًا إلى اعتبار مكانه دون ذاته، واستوى على الوجهين؛ بمعنى: تساوى، كقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ﴾ [التوبة: ١٩]، وبمعنى اعتدال الشيء في ذاته، نحو قوله تعالى: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩] واستوى أمر فلان، ومتى عدي بـ"على" فبمعنى الاستيلاء كقوله تعالى: ﴿الرَّحِمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقيل: معناه: استوى له ما في السماوات وما في الأرض، أي استقام الكل على مراده بتسويته تعالى إياه، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٩ [وإذا عدي بـ"إلى" فبمعنى الانتهاء إليه، إما بالذات أو بالتدبر، وعلى الثني قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ﴾ والمساواة متعارفة في المثمنات، يقال: هذا الثوب يساوي كذا. وأصله من ساواه في القدر، قال تعالى: [حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ [الكهف: ٩٦].
قوله: (ثم دعاه داعي الحكمة إلى خلق السماء بعد خلق الأرض وما فيها) سوء أدب، ومعناه مشكل مع قوله بعد هذا: "خلق جرم الأرض أولًا غير مدحوة ثم دحاها بعد خلق السماء" وقوله في البقرة: "جرم الأرض تقدم خلقه السماء، وأما دحوها فمتأخر"، وبيانه ما ذكر الإمام أن الله بين أنه خلق الأرض في يومين، ثم إنه تعالى في اليوم الثالث جعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها، وهذه الأحوال.
стр. 7442
خلق السماوات والأرض على الماء، فأخرج من الماء دخانًا، فارتفع فوق الماء وعلا عليه، فأيبس الماء، فجعله أرضًا واحدة، ثم فتقها فجعلها أرضين، ثم خلق السماء من الدخان المرتفع. ومعنى أمر السماء والأرض بالإتيان وامتثالهما: أنه أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا يستقيم دخولها في الوجود إلا بعد الدحو، وأيضًا إنه لا نزاع أن قوله تعالى: ﴿فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ كناية عن إيجاد السماء والأرض، فلو تقدم إيجاد السماء على إيجاد الأرض لكان قوله: ﴿ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ يقتضي إيجاد الموجود.
ونقل الواحدي في "البسيط" عن مقاتل أنه قال: خلق السماء قيل: قبل الأرض، وتأويل الآية: ثم استوى إلى السماء وهي دخان قبل أن يخلق الأرض، على الإضمار، ثم قال: والمختار عندي أن يقال: خلق السماء مقدم على خلق الأرض، والخلق ها هنا ليس عبارة عن التكوين والإيجاد بل عن التقدير كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [ىل عمران: ٥٩] لئلا يلزم أنه تعالى قال للشيء الذي وجد: كن، والتقدير في حق الله حكمه بأنه سيوجد ويقضى بذلك، وعليه معنى الآية.
وقال القاضي: والظاهر أن "ثم" لتفاوت ما بين الخلقين لا للتراخي في المدة؛ لقوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] مقدم على خلق الجبال من فوقها.
وقال صاحب "الكشف": قال قوم: إن "ثم" لترتيب الخبر على الخبر، أخبر أولًا بخلق الأرض ثم اخبر بخلق السماء، وقد تقدم مثل هذه الآية، آي جمة.
قوله: (وامتثالهما: أنه أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه) قال القاضي: معنى ﴿ائْتِيا﴾ ائتيا
стр. 7443
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لما خلقت فيكما من التأثير والتأثر وإبراز ما أودعت فيكما من الأوضاع المختلفة والكائنات المتنوعة، أو ائتيا في الموجود، على أن الخلق السابق بمعنى التقدير أو الترتيب في المرتبة، أو للإخبار، ومعنى ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ إظهار كمال قدرته ووجوب وقوع مراده، لا إثبات الطوع والكره لهما. ومعنى ﴿أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ الأظهر أنه تصوير تأثير قدرته فيهما، وتأثرهما بالذات عنها، وتمثيلهما بأمر المطاع الطائع، كقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونَ﴾ [البقرة: ١١٧].
وقلت: يرد على تأويل الإمام إشكالان: أحدهما: ترتب الفاء في قوله: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ فإنه يوجب أنه تعالى بعدما خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام استوى إلى خلق السماوات فقضاهن في يومين تكملة للعدد المذكور في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [السجدة: ٤]. وثانيهما: تأويله "خلق الأرض في يومين" بـ"قدر" لا يساعد عليه عطف "وجعل فيها" "وقدر فيها" لأن كلًا من ذلك فعل خاص.
والظاهر - والعلم عند الله-: أن "ثم" للتراخي في المرتبة، كما سبق في "البقرة" عن المصنف في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: 29] ترقيًا من الأدنى إلى الأعلى؛ لأن الكلام مع المعاندين المتمردين، كما ترقى الخليل ﵇ مع قومه في الأخذ من الكواكب إلى القمر ثم الشمس، وختم الكلام بقوله: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 78] ألا ترى إلى أنه تعالى لما ختم الكلام قال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ والمعنى: أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض وفعل كذا وكذا، وأعظم من ذلك أنه استوى- أي: قصد إلى خلق السماء- وهي شيء حقير ظلماني كالدخان- ﴿فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ * فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾، وكان الأصل: فقضاهن سبع سماوات في يومين، وخلق الأرض في يومين، وجعل فيها رواسي وقدر فيها أقواتها الآية ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فقدم وأخر
стр. 7444
ووجدتا كما أرادهما، وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع إذا ورد عليه فعل الآمر المطاع، وهو من المجاز الذي يسمى التمثيل. ويجوز أن يكون تخييلًا ويبنى الأمر فيه على أن الله تعالى كلم السماء والأرض، وقال لهما: ائتيا شئتما ذلك أو أبيتماه، فقالتا: أتينا على الطوع لا على الكره. والغرض تصوير أثر قدرته في المقدورات لا غير، من غير أن يحقق شيء من الخطاب والجواب. ونحوه قول القائل: قال الجدار للوتد: لم تشقني؟ قال الوتد: اسأل من يدقني، فلم يتركني، ورائي الحجر الذي ورائي. فإن قلت، لم ذكر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لتلك النكتة، ثم قال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ أي: فإن أعرضتم بعدما تتلى عليكم هذه الحجج على الوحدانية والقدرة التامة فكنتم محجوبين، فيترتب العذاب عليكم كما فعل بأشياعكم من قبل، وفيه التفات. وهذا التأويل موافق لما نقل الواحدي عن مقاتل، ولما قال القاضي، أو الترتيب في المرتبة أو الإخبار، والله أعلم.
قوله: (ويجوز أن يكون تخييلًا) يعني إثبات المقاولة مع السماء والأرض يمكن أن يكون من الاستعارة التمثيلية كما سبق، ويجوز أن يكون من الاستعارة التخييلية بعد أن تكون الاستعارة في ذاتها مكنية كما تقول: نطقت الحال، بدل "دلت" فتجعل الحال كالإنسان الذي يتكلم في الدلالة والبرهان، ثم تتخيل له النطق الذي هو من لازم المشبه به وينسب إليه. وأما بيان الاستعارة التمثيلية فهو انه لما شبه فيه حالة السماء والأرض والمقاولة بينهما وبين فاطرهما في إرادة تكوينهما أو إيجادهما بحالة آمر ذي جبروت له نفاذ في سلطانه وإطاعة من تحت ملكه من غير ريب. والأوجه أن يراد بقوله: "تخييلًا" تصويرًا لقدرته وعظمة سلطانه، وأن القصد في التركيب إلى أخذ الزبدة والخلاصة من المجموع على سبيل الكناية الإيمائية من غير نظر إلى مفرداته كما سبق في قوله: ﴿والأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ويعضده قوله: من غير أن يحقق شيء من الخطاب والجواب.
قوله: (فلم يتركني، ورائي) الواو في "ورائي" الأول بمعنى "مع"، "ورائي" الأول:
стр. 7445
الأرض مع السماء وانتظمها في الأمر بالإتيان، والأرض مخلوقة قبل السماء بيومين؟ قلت: قد خلق جرم الأرض أولًا غير مدحوّة، ثم دحاها بعد خلق السماء، كما قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠]، فالمعنى: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف، ائتي يا أرض مدحوّة قرارًا ومهادًا لأهلك، وائتي يا سماء مقببة سقفًا لهم. ومعنى الإتيان: الحصول والوقوع، كما تقول: أتى عمله مرضيًا، وجاء مقبولًا. ويجوز أن يكون المعنى: لتأت كل واحدة منكما صاحبتها الإتيان الذي أريده وتقتضيه الحكمة والتدبير؛ من كون الأرض قرارًا للسماء، وكون السماء سقفًا للأرض. وتنصره قراءة من قرأ: (آتيا)، و (آتينا) من المواتاة؛ وهي الموافقة، أي: لتؤات كل واحدة أختها ولتوافقها. قالتا: وافقنا وساعدنا. ويحتمل: وافقا أمري ومشيئتي ولا تمتنعا. فإن قلت: ما معنى: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾؟ قلت: هو مثل للزوم تأثير قدرته فيهما، وأن امتناعهما من تأثير قدرته محال، كما يقول الجبار لمن تحت يده:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمعنى النظر والرأي، والواو في "ورائي" الثاني عاطفة، و"ورائي" بمعنى خلفي.
قوله: (ويجوز أن يكون المعنى) عطف على قوله: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف وعليه كلام القاضي: ائتيا لما خلقت فيكما من التأثير والتأثر.
قوله: (قراءة من قرأ: (آتيا)، و (آتينا) من المواتاة) قال ابن جني: قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد: "آتينا طائعين" بالمد من "فاعلنا" نحو سارعنا وسابقنا، ولا يكون أفعلنا؛ لأن ذلك متعد إلى مفعولين، و"فاعلنا" متعد إلى واحد، وحذف الواحد أسهل، ولما في "سارعنا" من معنى "أسرعنا".
قوله: (من المواتاة؛ وهي الموافقة)، الجوهري: يقال: أتيته على ذلك الأمر مواتاة؛ إذا وافقته وطاوعته.
стр. 7446
لتفعلن هذا شئت أو أبيت، ولتفعلنه طوعًا أو كرهًا. وانتصابهما على الحال، بمعنى: طائعتين أو مكرهتين. فإن قلت: هلا قيل: طائعتين، على اللفظ؟ أو طائعات على المعنى. لأنها سماوات وأرضون! قلت: لما جعلن مخاطبات ومجيبات، ووصفن بالطوع والكره؛ قيل: طائعين، في موضع: طائعات، نحو قوله: ﴿سَّاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]. ﴿فَقَضاهُنَّ﴾: يجوز أن يرجع الضمير فيه إلى السماء على المعنى، كما قال: ﴿طائِعِينَ﴾، ونحوه: ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، ويجوز أن يكون ضميرًا مبهمًا مفسرًا بـ ﴿سَبْعِ سَموَاتٍ﴾، والفرق بين النصبين: أن أحدهما على الحال، والثاني على التمييز. قيل: خلق الله السماوات وما فيها في يومين، في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق آدم، وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة. وفي هذا دليل على ما ذكرت، من أنه لو قيل: في يومين في موضع (أربعة أيام سواء)، لم يعلم أنهما يومان كاملان أو ناقصان. فإن قلت: فلو قيل: خلق الأرض في يومين كاملين وقدر فيها أقواتها في يومين كاملين! أو قيل بعد ذكر اليومين: تلك أربعة سواء! قلت: الذي أورده سبحانه أخصر وأفصح وأحسن، طباقًا لما عليه التنزيل من مغاصاة القرائح ومصاك الركب؛ ليتميز الفاضل من الناقص، والمتقدم من الناكص، وترتفع الدرجات، ويتضاعف الثواب. ﴿أَمْرَها﴾: ما أمر به فيها ودبره من خلق الملائكة والنيرات وغير ذلك. أو شأنها وما يصلحها. ﴿وَحِفْظًا﴾: وحفظناها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والفرق بين النصين)، أي: في قوله: "سبع سماوات" وذلك أن الضمير في "فقضاهن" إذا رجع إلى السماء على المعنى كائنة سبع سماوات أو متعددة سبع سماوات، وإذا كان الضمير مبهمًا كان "سبع سماوات" نصبًا على التمييز والتفسير، نحو: ربه رجلًا.
قوله: (من مغاصات القرائح)، مغاصات: جمع الغوص على غير قياس؛ أو جمع المغاص من المصدر الميمي لاختلاف أنواعه، وكذا المصاك جمع مصك.
قوله: (أو شأنها) عطف على قوله: "ما أمر به" والأمر على الأول: مصدر؛ بمعنى
стр. 7447
حفظًا، يعني: من المسترقة بالثواقب. ويجوز أن يكون مفعولًا له على المعنى، كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة وحفظًا.
[﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ * إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ١٣ - ١٤]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واحد الأوامر. وقوله: "من خلق الملائكة" بيان، أي: قيل فيها للملائكة والنيرات: "كن"، وفي "شرح التأويلات": أي: أمر أهل كل سماء أمرها وامتحنهم بمحنة. وعلى الثاني: اسم بمعنى واحد الأمور.
قوله: (حفظًا) يعني: من المسترقة بالثواقب، وعن بعضهم: ومن الزوال؛ ليكون الإطلاق مفيدًا فائدة جديدة سوى ما فهم من المفيد في قوله: ﴿وحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ [الصافات: ٧].
قوله: (كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة وحفظًا)، هذا على أن يكون من عطف المفرد على المفرد. وقوله: "وحفظناها حفظًا" على أن يكون من عطف الجملة على الجملة، وهذا أحسن وأغرب وأوكد وللإيجازات التنزيلية أنسب وللفائدة أملأ بكونه أن التقدير: وزينا السماء الدنيا بمصابيح زينة وحفظناها، فدل بالفعل في الأول علة إضمار فعل في الثاني مناسب للمصدر المذكور، ودل بالمصدر في الثاني على إضمار مصدر مناسب للفعل المذكور، مثله قول القائل:
يرمون بالخطب الطوال وتارة .... وحي الملاحظ خيفة الرقباء
أي: يرمون رميًا، ويوحون وحيًا. ومنه قوله تعالى: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، أي: أصلها ثابت في الأرض، وفرعها متصاعد في السماء.
стр. 7448
﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ بعد ما تتلو عليهم من هذه الحجج على وحدانيته وقدرته، فحذرهم أن تصيبهم صاعقة، أي: عذاب شديد الوقع كأنه صاعقة. وقرئ: (صعقة مِثْلَ صعقة عاد وثمود)؛ وهي المرة من الصعق أو الصعق. يقال: صعقته الصاعقة صعقًا فصعق صعقًا، وهو من باب: فعلته ففعل.
﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أي: أتوهم من كل جانب، واجتهدوا بهم وأعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا العتو والإعراض، كما حكى الله عن الشيطان: ﴿لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧]، يعني: لآتينهم من كل جهة، ولأعملن فيهم كل حيلة، وتقول: استدرت بفلان من كل جانب، فلم يكن لي فيه حيلة. وعن الحسن: أنذروهم من وقائع الله فيمن قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة؛ لأنهم إذا حذروهم ذلك فقد جاءوهم بالوعظ من جهة الزمن الماضي وما جرى فيه على الكفار، ومن جهة المستقبل وما سيجري عليهم. وقيل: معناه: إذ جاءتهم الرسل من قبلهم ومن بعدهم.
فإن قلت: الرسل الذين من قبلهم ومن بعدهم كيف يوصفون بأنهم جاءوهم؟ وكيف يخاطبونهم بقولهم: ﴿فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾؟ قلت: قد جاءهم هود وصالح داعيين إلى الإيمان بهما وبجميع الرسل ممن جاء من بين أيديهم- أي: من قبلهم- وممن يجيء من خلفهم- أي: من بعدهم- فكأن الرسل جميعًا قد جاءوهم. وقولهم: ﴿فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾: خطاب منهم لهود وصالح ولسائر الأنبياء الذين دعوا إلى الإيمان بهم. "أن" في ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ بمعنى "أي"، أو مخففة من الثقيلة، أصله: بأنه لا تعبدوا، أي: بأنّ الشأن والحديث قولنا لكم: لا تعبدوا، ومفعول ﴿شَاءَ﴾ محذوف،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كأنه صاعقة) قال: الصاعقة: قصفة رعد ينقض معها شقة من نار.
قوله: (صعقته) أي: أهلكته، (فصعق صعقًا)، أي: مات، إما بشدة الضرب أو بالإحراق.
стр. 7449
أي: ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا﴾ إرسال الرسل ﴿لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ معناه: فإذ أنتم بشر ولستم بملائكة؛ فإنا لا نؤمن بكم وبما جئتم به. وقولهم: ﴿أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ بِهِ ليس بإقرار بالإرسال، وإنما هو على كلام الرسل، وفيه تهكم، كما قال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]. روي: أنّ أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم لنا رجلًا عالمًا بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان عن أمره، فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت الشعر والكهانة والسحر، وعلمت من ذلك علمًا، وما يخفى علي. فأتاه، فقال: أنت يا محمد خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا وتضللنا؟ ! فإن كنت تريد الرياسة: عقدنا لك اللواء فكنت رئيسنا، وإن تك بك الباءة: زوّجناك عشر نسوة تختار من أي بنات قريش شئت، وإن كان بك المال: جمعنا لك ما تستغني به. ورسول الله ﷺ ساكت، فلما فرغ قال: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ إلى قوله: " ﴿مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١ - ١٣] "، فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش، فلما احتبس عنهم قالوا: ما نرى عتبة إلا قد صبأ، فانطلقوا إليه، وقالوا: يا عتبة، ما حبسك عنا إلا أنك قد صبأت. فغضب، وأقسم لا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عقدنا لك اللواء)، النهاية: وفي حديث عمر: "هلك أهل العقد"، يعني: أصحاب الولايات على الأمصار، هو من عقد الألوية للأمراء.
قوله: (الباءة)، الباءة فيها ثلاث لغات: الباء، والباه، بالهاء عراقي وهو أرذلها، والباءة. وفي الحديث: "يا معشر الشباب من خاف منكم الباءة فعليه بالصوم، فإنه لو وجاء".
стр. 7450
يكلم محمدًا أبدًا، ثم قال: والله لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، ولما بلغ صاعقة عاد وثمود أمسكت بفيه، وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب.
[﴿فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ ١٥ - ١٦]
﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: تعظموا فيها على أهلها بما لا يستحقون به التعظيم؛ وهو القوّة وعظم الأجرام. أو: استعلوا في الأرض واستولوا على أهلها بغير استحقاق للولاية. ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾: كانوا ذوى أجسام طوال وخلق عظيم، وبلغ من قوّتهم أن الرجل كان ينزع الصخرة من الجبل فيقتلعها بيده. فإن قلت: القوّة هي الشدّة والصلابة في البنية، وهي نقيضة الضعف، وأما القدرة فما لأجله يصح الفعل من الفاعل،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأما القدرة فما لأجله يصح الفعل من الفاعل)، الانتصاف: فسر الزمخشري القدرة بخلاف ما قاله المتكلمون، ثم عاد إلى تفسيرها بالقدرة، وجعل الفرق بينهما أن قدرة الله لذاته، وقدرة المخلوق بقدرته، فهو كما قال: زيد أفضل من عمرو، بمعنى سلب القدرة عن زيد الأفضل، والحق أن قدرة العبد مقارنة لفعله، لا قبله ولا بعده، غير مؤثرة في إيجاده، وقدرة الله -جلت قدرته- مؤثرة في جميع المقدورات أزلًا وأبدًا عامة التعلق.
قال الإمام في "شرح أسماء الله الحسنى": اتفق الخائضون في تفسير أسمائه الحسنى على أن القوة ها هنا عبارة عن كمال القدرة، وعندي أن كمال حال الشيء في أن يؤثر يسمى قوة، وكمال حال الشيء ألا يقبل الأثر من الغير يسمى أيضًا قوة، فإن حملنا القوة في حق الله تعالى
стр. 7451
من تميز بذات أو بصحة بنية، وهي نقيضة العجز، والله لا يوصف بالقوّة إلا على معنى القدرة، فكيف صحّ قوله: ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾، وإنما يصح إذا أريد بالقوّة في الموضعين شيء واحد؟ قلت: القدرة في الإنسان هي صحة البنية والاعتدال والقوّة والشدّة والصلابة في البنية، وحقيقتها: زيادة القدرة، فكما صحّ أن يقال: الله أقدر منهم، جاز أن يقال: أقوى منهم، على معنى: أنه يقدر لذاته على ما لا يقدرون عليه بازدياد قدرهم. ﴿يَجْحَدُونَ﴾: كانوا يعرفون أنها حق، ولكنهم جحدوها كما يجحد المودع الوديعة، وهو معطوف على: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾، أي: كانوا كفرة فسقة. الصرصر: العاصفة التي تصرصر، أي: تصوّت في هبوبها. وقيل: الباردة التي تحرق بشدّة بردها، تكرير لبناء الصر؛ وهو البرد الذي يصر؛ أي: يجمع ويقبض. ﴿نَحِساتٍ﴾ قرئ بكسر الحاء وسكونها. ونحس نحسًا: نقيض سعد سعدًا، وهو نحس. وأما نحس:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على كونه كاملًا في التأثير في قوته هو كونه ثابتًا وحقًا لذاته؛ لأن كل ما كان بالذات لا يقبل الأثر.
قوله: (من تميز بذات)، عن بعضهم: أي: تخصص بذات الله، و"من" بيان "ما".
قوله: (جحدوها كما يجحد المودع الوديعة)، الراغب: الجحود: نفي ما في القلب ثباته، وإثبات ما في القلب نفيه. يقال: جحد جحودًا وجحدًا، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] وتجحد تخصص بفعل ذلك، يقال: رجل جحد شحيح، قليل الخير يظهر الفقر. وأرض جحد، قليل النبت.
قوله: (أي: كانوا كفرة فسقة)، والظاهر: كانوا فسقة كفرة؛ لأن قوله: ﴿وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ دل على كفرهم، وقوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ دل على فسقهم؛ لأن الاستكبار طلب العلو وهو موجب فساد الأرض، قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] فيكون ترقيًا من الأدنى إلى الأغلظ.
قوله: (﴿نَحِسَاتٍ﴾ قرئ بكسر الحاء): الكوفيون وابن عامر، والباقون: بسكونها.
стр. 7452
فإمّا مخفف نحس، أو صفة على فعل، كالضخم وشبهه، أو وصف بمصدر. وقرئ: (لنذيقهم)، على أنّ الإذاقة للريح، أو للأيام النحسات. وأضاف العذاب إلى الخزي -وهو الذل والاستكانة- على أنه وصف للعذاب، كأنه قال: عذاب خزٍ، كما تقول: فعل السوء، تريد: الفعل السيئ، والدليل عليه قوله: ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى﴾، وهو من الإسناد المجازي، ووصف العذاب بالخزي أبلغ من وصفهم به، ألا ترى إلى البون بين قوليك: هو شاعر، وله شعر شاعر.
[﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ * وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ١٧ - ١٨]
وقرئ: ﴿ثَمُودُ﴾ بالرفع والنصب منونًا وغير منون، والرفع أفصح لوقوعه بعد حرف الابتداء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عذاب خز) الأصل: خزي، أعل إعلال "قاض"، أي: عذاب ذليل؛ لأن الخزي هو الذل والاستكانة، وإنما المعذب ذليل مهان، فهو على الإسناد المجازي. الجوهري: خزي بالكسر يخزى خزيًا: ذل وهان. قال ابن السكيت: وقع في بلية وأخزاه الله، والدليل على أنه من إضافة الموصوف إلى الصفة، قوله تعالى: ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى﴾ ووصف العذاب بالخزي أبلغ من وصف الكفار به؛ لما يلزم منه انه بلغت ذلتهم إلى أن سرت إلى ما يلابسهم من العذاب نحو قولك: شعر شاعر، أي: بلغ الرجل في الشاعرية إلى أن شعره أيضًا شاعر. قال المتنبي:
وما انا وحدي قلت ذا الشعر كله .... ولكن شعري فيك من نفسه شعر
قوله: (قرئ: ﴿ثَمُودُ﴾ بالرفع والنصب)، الرفع: هو المضهور، والنصب: شاذ.
стр. 7453
وقرئ بضم الثاء. ﴿فَهَدَيْناهُمْ﴾: فدللناهم على طريقى الضلالة والرشد، كقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]. ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدى﴾: فاختاروا الدخول في الضلالة على الدخول في الرشد. فإن قلت: أليس معنى هديته: حصلت فيه الهدى، والدليل عليه قولك: هديته فاهتدى، بمعنى: تحصيل البغية وحصولها، كما تقول: ردعته فارتدع، فكيف ساغ استعماله في الدلالة المجرّدة؟ قلت: للدلالة على أنه مكنهم، وأزاح عللهم، ولم يبق له عذرًا ولا علة، فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها ويقتضيها. ﴿صاعِقَةُ الْعَذابِ﴾: داهية العذاب، وقارعة العذاب. والْهُونِ: الهوان، وصف به العذاب مبالغة، أو أبدله منه، ولو لم يكن في القرآن حجة على القدرية -الذين هم مجوس هذه الأمة بشهادة نبيها ﷺ ، وكفى به شاهدًا- إلا هذه؛ لكفى بها حجة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ بضم الثاء) وعن بعضهم: الثمد، قلة الماء، يقال: ركية ثمود، قليلة الماء. والثمود جمع ثمد، فكأنهم سموا بذلك؛ لأنهم كانوا قليلي الماء.
قوله: (ولو لم يكن في القرآن حجة على القدرية -الذين هم مجوس هذه الأمة بشهادة نبيها ﷺ ، وكفى به شاهدًا- إلا هذه؛ لكفى بها حجة) أنطقه الله الذي أنطق كل شيء.
نبه أهل السنة على الأدلة التي تلزمهم والحجة التي تبهرهم، وها هنا أبحاث لا بد منها، وهي أن القدر ما هو لغة وعرفًا؟ ثم بعد تحققه من أولى بهذه التسمية؟ ثم ما وجه مناسبة القدري بالمجوس؟ ثم تلفيق الآية بعد تحقق معناها.
فنقول -وبالله التوفيق-: أما تحقيق القدر لغة فقد ذكر في "الأساس": هو قادر مقتدر وقدرة ومقدرة، وأقدره الله عليه وقادرته، قاويته. والأمور تجري بقدر الله ومقداره وتقديره وأقداره ومقاديره.
الجوهري: القدر ما يقدر الله تعالى من القضاء. وقال أبو سليمان الخطابي: معنى
стр. 7454
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القدر والقضاء الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد وأكسابهم وصدورها عن تقدير منه وخلق له خيرها وشرها. والقدر اسم لما صدر مقدرًا عن فعل القادر، كالهدم والقبض اسم لما صدر عن فعل الهادم والقابض. يقال: قدرت الشيء بالتخفيف والتثقيل. وأما النقل فقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴿[القمر: ٤٩] وسيجيء تقريره.
وروينا عن الترمذي وأبي داود: قال عبد الرحمن بن سليم: قدمت مكة فلقيت عطاء بن رباح فقلت: يا أبا محمد، إن بالبصرة قومًا يقولون: لا قدر. قال: يا بني، أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. قال: فاقرأ "الزخرف فقرأت: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف: 1 - 2] إلى قوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: 4] قال: أتدري ما الكتاب؟ فقلت: لا. قال: فغنه كتاب كتبه الله قبل أن يخلق السماوات والأرض، فيه ان فرعون من أهل النار، وفيه ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1].
وعن البخاري ومسلم، عن عمر وأبي هريرة: "ان تؤمن بالقدر خيره وشره"، الحديث المستفيض. وعن مسلم ومالك وأحمد بن حنبل أن رسول الله ﷺ قال: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس".
والحاديث المروية في القدر لا تحصى كثرة، فثبت بما أوردناه أن اسم القدر يطلق على ما يقدره الله من الخير والشر، وبناء النسبة منه قدري، وهو يحتمل في نفسه ان يكون صفة مدح وصفة ذم، ويحتمل ان يطلق على من يقول: إن المقدورات كلها بخلق الله تعالى، وعلى من يثبت للغير قدرة مستقلة، رجحنا الثاني لكونها صفة ذمه، وأن القول بإثبات القدرة للغير على خلاف قول الله تعالى وقول رسوله صلوات الله عليه، فثبت ان هذا الوصف بالمعتزلة أولى.
стр. 7455
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وروينا عن أبي داود عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل امة مجوس، ومجوس هذه المة الذين يقولون لا قدر، من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوه، وهم شيع الدجال". وعنه عن ابن عمر ان رسول الله ﷺ قال: "القدرية مجوس هذه المة". الحديث.
واما وجه المشابهة فإن القدرية يثبتون قادرًا مستقلًا غير الله، كما أن المجوس يثبتون قادرين فاعلين: فاعل خير محض وفاعل شر محض، ويسمون الأول بيزدان والثاني باهرمن. واما تفسير الهداية بالدلالة الموصلة إلى البغية حقيقة، وبمجرد الدلالة مجازًا عن إزاحة العلة وتمكينهم على الإيمان، فقول مجرد عن تقليد المذهب وقد استقصينا القول فيها في "البقرة".
قال صاحب "الانتصاف": الهدى من الله خلق الهدى في قلوب المؤمنين، والإضلال خلق الضلال في قلوب الكافرين، وقد استعملا مجازًا في غير ذلك، ففي هذه الآية المراد البيان، وقد اتفق الفريقان على ان الهدى ها هنا مجاز غير أن اهل السنة يحملونه في كثير من المواضع على الحقيقة، والمعتزلة يجعلونه مجازًا في جميع موارده، فأي الفريقين أحق بالأمن؟ وأي دليل في هذه الآية لأهل البدعة؟
قال الإمام: قالت المعتزلة: الآية دالة على انه تعالى ينصب الدلائل ويزيح الأعذار والعلل؛ إلا أن الإيمان يحصل من العبد؛ لأن قوله: ﴿وًامَّا ثَمُودَ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ يدل على نصب الأدلة وإزاحة العلة. وقوله: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ يدل على أنهم من عند أنفسهم اتوا بذلك العمى.
стр. 7456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والجواب من وجهين: أحدهما: أنه صدر عنهم ذلك العمى؛ لأنهم استحبوا تحصيله فلم وقع في قلوبهم هذه المحبة دون محبة ضده؟ فإن حصل لا لمرجح فهو باطل، وإن كان من العبد عاد الطلب، وإن كان من الله فهو المطلوب. وثانيهما: أنه تعالى قال: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾، ومن المعلوم أن احدًا لا يحب العمى والجهل؛ لكونه عمىَ وجهلَا، بل ما لم يطلق فيهما كونهما بصيرة وعلمًا لا يرغب فيه، فإقدامه على اختيار ذلك الجهل لا بد ان يكون مسبوقًا بجهل آخر لا عن اختيار منه.
ثم قال الإمام: شرع صاحب "الكشاف" ها هنا في سفاهة عظيمة والأولى ألا يلتفت إليه؛ لأنه وغن كان يعى سعيًا حسنًا فيما يتعلق بالألفاظ؛ إلا أنه كان بعيدًا من هذه المعاني.
وقلت: هذا يشعر بأن الإمام أقر أن ظاهر الألفاظ التنزيلية مع المصنف، لكن دلائل العقل لا تساعد عليه، وليس كذلك؛ لأن الألفاظ أيضًا تنبو عن تفسيره، وبيانه: أنا نوافقه ان الهدى ها هنا مستعمل في مجرد الدلالة إما مجازًا على ما قال او حقيقة إذا قلنا بالاشتراك، لكن الخلاف في آية البيان والدلالة، أو لإزاحة العلة والتمكين على الهدى بمثابة تحصيل البغية فيم بتحصيل ما يوجبها فلينظر إلى مقتضى المفام ليظهر الحق، فإنه كثيرًا ما يصرف اللفظ المستقيم من جهة النحو واللغة عن موضعه للتناسب المعنوي كما فعل في قوله: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة آية: ٥ - ٦] قال: "قيل: الطاغية مصدر كالعافية، أي: بطغيانهم، وليس بذاك؛ لعدم الطباق بينها وبين قوله: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ "، وفسرها بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة لتوافق قوله: بالعاتية.
وفي هذا المقام أغمض عن ذلك عصبيته، وذلك ان قوله: ﴿وًامَّا ثَمُودَ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَأَمَّا عَادٌ﴾ وهما تفصيل لما أجمل، ونشر لما لف في قوله: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ * إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ألا ترى كيف جمعهما وعم فيه قوله:
стр. 7457
[﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١٩ - ٢١]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾؟ قال: يحشر الله أعداء الله الكفار من الأولين والآخرين، فإن قوله: "فهديناهم" في مقابل ﴿إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ وأن قوله: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ في مقابل ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ الآية، وكذا في قوله: ﴿فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا﴾ فصيحة تفصح عن محذوف، أي فهديناهم فاستكبروا، بدلالة قرينتها، فظهر أن المراد من قوله: "فهديناهم" دللناهم إلى الإيمان وبينا لهم سبيل الرشاد، يعني: أرسلنا إليهم صالحًا يدعوهم إلى التوحيد والعبادة فاستحبوا العمى على الهدى فأحبوا التقليد والإقامة على ما كانوا عليه من الكفر والضلالة. ويؤيد هذا التفسير إجماع المفسرين قاطبة.
قال محيي السنة: ﴿وًامَّا ثَمُودَ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ دعوناهم. قال مجاهد وقال ابن عباس: بينا لهم سبيل الهدى. وقيل: دللناهم على الخير والشر، كقوله: ﴿هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ فاختاروا الكفر على الإيمان.
وروى الزجاج عن قتادة: بينا لهم طريق الهدى وطريق الضلالة. وروى الواحدي عن الفراء: دللناهم مذهب الخير بإرسال الرسل فاختاروا الكفر على الإيمان، وعليه أول كلامه. وهذا القدر لا يمنع من تقدير الله فيهم الكفر؛ لأن القول بالكسب حق، وإذا وافق أقوال المفسرين ذلك النظم السري كيف يتوهم أن الألفاظ تساعد قوله، والحمد لله على ذلك.
стр. 7458
قرئ: ﴿يُحْشَرُ﴾ على البناء للمفعول، و (نحشر) بالنون وضم الشين وكسرها، و: (يحشر): على البناء للفاعل، أي: يحشر الله ، ﴿أَعْداءُ اللَّهِ﴾: الكفار من الأوّلين والآخرين. ﴿يُوزَعُونَ﴾ أي: يحبس أوّلهم على آخرهم، أي: يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم، وهي عبارة عن كثرة أهل النار نسأل الله أن يجيرنا منها بسعة رحمته. فإن قلت: ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿حَتَّى إِذا ما جاؤُها﴾ ما هي؟ قلت: مزيدة للتأكيد، ومعنى التأكيد فيها: أنّ وقت مجيئهم النار لا محالة أن يكون وقت الشهادة عليهم، ولا وجه لأن يخلو منها. ومثله قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [يونس: ٥١] أي: لا بدّ لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به. شهادة الجلود بالملامسة للحرام، وما أشبه ذلك مما يفضي إليها من المحرّمات. فإن قلت: كيف تشهد عليهم أعضاؤهم وكيف تنطق؟ قلت: الله ينطقها كما أنطق الشجرة بأن يخلق فيها كلامًا. وقيل: المراد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قرئ: ﴿يُحْشَرُ﴾ على البناء للمفعول) نافع: "ويوم نحشر" بالنون مفتوحة وضم الشين، و"أعداء الله" بالنصب. والباقون: بالياء مضمومة وفتح الشين، ﴿أَعْداءُ اللَّهِ﴾ بالرفع.
قوله: (وهي عبارة عن كثرة أهل النار)، أي: كناية. قال في قوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧] أي: يحبس أولهم على آخرهم حتى يلحقهم التوالي فيكونوا مجتمعين لا يتخلف منهم أحد، وذلك الكثرة العظيمة. قال صاحب "الكشف": عالم الظرف -يعني "يوم"- ما دل عليه ﴿يُوزَعُونَ﴾.
قوله: (الله تعالى ينطقها كما أنطق الشجرة بأن يخلق فيها كلامًا)، قال الإمام: فعلى هذا يلزم ان يكون المتكلم هو الله تعالى؛ لأنه هو الذي فعل الكلام لا ما كان موصوفًا به كما قلتم في الشجرة، كما أنه تعالى متكلم هناك لا الشجرة، كذلك ها هنا الشاهد هو الله تعالى
стр. 7459
بالجلود: الجوارح. وقيل: هي كناية عن الفروج، أراد بـ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾: كل شيء من الحيوان، كما أراد به في قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ بالبقرة: ٢٨٤] كل شيء من المقدورات، والمعنى: أنّ نطقنا ليس بعجب من قدرة الله الذي قدر على إنطاق كل حيوان، وعلى خلقكم وإنشائكم أوّل مرّة، وعلى إعادتكم ورجعكم إلى جزائه. وإنما قالوا لهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾؛ لما تعاظمهم من شهادتها وكبر عليهم من الافتضاح على ألسنة جوارحهم.
[﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ ٢٢ - ٢٣]
والمعنى: أنكم كنتم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش، وما كان استتاركم ذلك خيفة أن تشهد عليكم جوارحكم؛ لأنكم كنتم غير عالمين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا الأعضاء، وظاهر القرآن بخلافه؛ لأنهم قالوا لها: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
واما على مذهبنا فسها؛ لأن البنية ليست شرطًا للحياة والعلم والقدرة، فالله تعالى قادر على خلق العقل والقدرة والنطق كل في كل جزء من اجزاء هذه العضاء.
قوله: (ما كان استتاركم ذلك خيفة أن تشهد عليكم) جعل "أن تشهد" مفعولًا له بإضمار المضاف؛ لأن "يستتر" لا يتعدى بنفسه فلا يكون مفعولًا به. وقال صاحب "الكشف": التقدير من أن يشهد، فحذف، ثم كلامه المستدرك لقوله: ﴿وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ﴾ هذا المفعول له، ولهذا قال: "ولكنكم إنما استترتم لظنكم"، المعنى: لم يكن استتاركم لخوف الحساب في
стр. 7460
بشهادتها عليكم، بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلًا، ولكنكم إنما استترتم لظنكم ﴿أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا﴾ كنتم ﴿تَعْمَلُونَ﴾؛ وهو الخفيات من أعمالكم، وذلك الظنّ هو الذي أهلككم. وفي هذا تنبيه على أن من حق المؤمن أن لا يذهب عنه ولا يزل عن ذهنه أن عليه من الله عينًا كالئة ورقيبًا مهيمنًا، حتى يكون في أوقات خلواته من ربه أهيب وأحسن احتشامًا وأوفر تحفظًا وتصونًا منه مع الملأ، ولا يتبسط في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يوم التناد؛ لأنكم قم دهرية، ولكن الخوف لأهل الفضيحة في الدنيا من أبناء جنسكم؛ فاستترتم منهم لا من العالم بالسر والخفيات؛ لأنكم كنتم تعتقدون اعتقاد القلاسفة- خذلهم الله- أن الله غير عالم بما تفعلون في الحجب من ارتكاب الفواحش.
قوله: (وذلك الظنّ هو الذي أهلككم) إنما أدخل ضمير الفعل ليؤذن أن الكلام فيه تخصيص، وذلك من تعريف الظن الموصوف بالموصولة، وإيقاعه خبرًا لاسم الإشارة الدال على ما بعده. جدير من قبله لأجل اتصافه بذلك الظن الفاسد ثم تكرير الظن؛ لأن الأصل: ذلكم أرداكم، وعلى هذا أيضًا إذا جعل ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدلًا من "ذلكم"، لأنه حينئذ توضيح للواضح؛ وتوكيد للنسبة مظيدًا للتقدير، وجعل المشار إليه كالمشخص المعين الذي لا نزاع فيه كما سبق في الفاتحة، "ذلكم" مبتدأ، و ﴿ظَنُّكُمُ﴾ الخبر، و ﴿الَّذِي﴾ نعت للخبر أو خبر بعد خبر، و ﴿أَرْداكُمْ﴾ خبر آخر، ويجوز أن يكون الجميع صفة أو بدلًا، و ﴿أَرْداكُمْ﴾ الخبر، ويجوز أن يكون ﴿أَرْداكُمْ﴾ حالًا.
قال صاحب "الكشف": تقديره: ذلكم ظنكم مرديًا إياكم.
قوله: (أن عليه من الله عينًا كالئة ورقيبًا مهيمنًا)، فيه تجريد.
قوله: (من ربه أهيب)، "من ربه: متعلق بـ"أهيب"، يقال: هاب منه. وقوله: "احتشامًا" يقدر له مثل ذلك، أي؛ احتشامًا من ربه؛ لأن المصدر لا يتقدمه معموله، ولا معمول التمييز يتقدم على عامل التمييز، وكذا لا يتقدم معمول تنازع فيه العاملان على
следующие страницы →