Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7456–7495 · переход к 7461.
стр. 7456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والجواب من وجهين: أحدهما: أنه صدر عنهم ذلك العمى؛ لأنهم استحبوا تحصيله فلم وقع في قلوبهم هذه المحبة دون محبة ضده؟ فإن حصل لا لمرجح فهو باطل، وإن كان من العبد عاد الطلب، وإن كان من الله فهو المطلوب. وثانيهما: أنه تعالى قال: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾، ومن المعلوم أن احدًا لا يحب العمى والجهل؛ لكونه عمىَ وجهلَا، بل ما لم يطلق فيهما كونهما بصيرة وعلمًا لا يرغب فيه، فإقدامه على اختيار ذلك الجهل لا بد ان يكون مسبوقًا بجهل آخر لا عن اختيار منه.
ثم قال الإمام: شرع صاحب "الكشاف" ها هنا في سفاهة عظيمة والأولى ألا يلتفت إليه؛ لأنه وغن كان يعى سعيًا حسنًا فيما يتعلق بالألفاظ؛ إلا أنه كان بعيدًا من هذه المعاني.
وقلت: هذا يشعر بأن الإمام أقر أن ظاهر الألفاظ التنزيلية مع المصنف، لكن دلائل العقل لا تساعد عليه، وليس كذلك؛ لأن الألفاظ أيضًا تنبو عن تفسيره، وبيانه: أنا نوافقه ان الهدى ها هنا مستعمل في مجرد الدلالة إما مجازًا على ما قال او حقيقة إذا قلنا بالاشتراك، لكن الخلاف في آية البيان والدلالة، أو لإزاحة العلة والتمكين على الهدى بمثابة تحصيل البغية فيم بتحصيل ما يوجبها فلينظر إلى مقتضى المفام ليظهر الحق، فإنه كثيرًا ما يصرف اللفظ المستقيم من جهة النحو واللغة عن موضعه للتناسب المعنوي كما فعل في قوله: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة آية: ٥ - ٦] قال: "قيل: الطاغية مصدر كالعافية، أي: بطغيانهم، وليس بذاك؛ لعدم الطباق بينها وبين قوله: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ "، وفسرها بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة لتوافق قوله: بالعاتية.
وفي هذا المقام أغمض عن ذلك عصبيته، وذلك ان قوله: ﴿وًامَّا ثَمُودَ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَأَمَّا عَادٌ﴾ وهما تفصيل لما أجمل، ونشر لما لف في قوله: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ * إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ألا ترى كيف جمعهما وعم فيه قوله:
стр. 7457
[﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١٩ - ٢١]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾؟ قال: يحشر الله أعداء الله الكفار من الأولين والآخرين، فإن قوله: "فهديناهم" في مقابل ﴿إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ وأن قوله: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ في مقابل ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ الآية، وكذا في قوله: ﴿فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا﴾ فصيحة تفصح عن محذوف، أي فهديناهم فاستكبروا، بدلالة قرينتها، فظهر أن المراد من قوله: "فهديناهم" دللناهم إلى الإيمان وبينا لهم سبيل الرشاد، يعني: أرسلنا إليهم صالحًا يدعوهم إلى التوحيد والعبادة فاستحبوا العمى على الهدى فأحبوا التقليد والإقامة على ما كانوا عليه من الكفر والضلالة. ويؤيد هذا التفسير إجماع المفسرين قاطبة.
قال محيي السنة: ﴿وًامَّا ثَمُودَ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ دعوناهم. قال مجاهد وقال ابن عباس: بينا لهم سبيل الهدى. وقيل: دللناهم على الخير والشر، كقوله: ﴿هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ فاختاروا الكفر على الإيمان.
وروى الزجاج عن قتادة: بينا لهم طريق الهدى وطريق الضلالة. وروى الواحدي عن الفراء: دللناهم مذهب الخير بإرسال الرسل فاختاروا الكفر على الإيمان، وعليه أول كلامه. وهذا القدر لا يمنع من تقدير الله فيهم الكفر؛ لأن القول بالكسب حق، وإذا وافق أقوال المفسرين ذلك النظم السري كيف يتوهم أن الألفاظ تساعد قوله، والحمد لله على ذلك.
стр. 7458
قرئ: ﴿يُحْشَرُ﴾ على البناء للمفعول، و (نحشر) بالنون وضم الشين وكسرها، و: (يحشر): على البناء للفاعل، أي: يحشر الله ، ﴿أَعْداءُ اللَّهِ﴾: الكفار من الأوّلين والآخرين. ﴿يُوزَعُونَ﴾ أي: يحبس أوّلهم على آخرهم، أي: يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم، وهي عبارة عن كثرة أهل النار نسأل الله أن يجيرنا منها بسعة رحمته. فإن قلت: ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿حَتَّى إِذا ما جاؤُها﴾ ما هي؟ قلت: مزيدة للتأكيد، ومعنى التأكيد فيها: أنّ وقت مجيئهم النار لا محالة أن يكون وقت الشهادة عليهم، ولا وجه لأن يخلو منها. ومثله قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [يونس: ٥١] أي: لا بدّ لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به. شهادة الجلود بالملامسة للحرام، وما أشبه ذلك مما يفضي إليها من المحرّمات. فإن قلت: كيف تشهد عليهم أعضاؤهم وكيف تنطق؟ قلت: الله ينطقها كما أنطق الشجرة بأن يخلق فيها كلامًا. وقيل: المراد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قرئ: ﴿يُحْشَرُ﴾ على البناء للمفعول) نافع: "ويوم نحشر" بالنون مفتوحة وضم الشين، و"أعداء الله" بالنصب. والباقون: بالياء مضمومة وفتح الشين، ﴿أَعْداءُ اللَّهِ﴾ بالرفع.
قوله: (وهي عبارة عن كثرة أهل النار)، أي: كناية. قال في قوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧] أي: يحبس أولهم على آخرهم حتى يلحقهم التوالي فيكونوا مجتمعين لا يتخلف منهم أحد، وذلك الكثرة العظيمة. قال صاحب "الكشف": عالم الظرف -يعني "يوم"- ما دل عليه ﴿يُوزَعُونَ﴾.
قوله: (الله تعالى ينطقها كما أنطق الشجرة بأن يخلق فيها كلامًا)، قال الإمام: فعلى هذا يلزم ان يكون المتكلم هو الله تعالى؛ لأنه هو الذي فعل الكلام لا ما كان موصوفًا به كما قلتم في الشجرة، كما أنه تعالى متكلم هناك لا الشجرة، كذلك ها هنا الشاهد هو الله تعالى
стр. 7459
بالجلود: الجوارح. وقيل: هي كناية عن الفروج، أراد بـ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾: كل شيء من الحيوان، كما أراد به في قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ بالبقرة: ٢٨٤] كل شيء من المقدورات، والمعنى: أنّ نطقنا ليس بعجب من قدرة الله الذي قدر على إنطاق كل حيوان، وعلى خلقكم وإنشائكم أوّل مرّة، وعلى إعادتكم ورجعكم إلى جزائه. وإنما قالوا لهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾؛ لما تعاظمهم من شهادتها وكبر عليهم من الافتضاح على ألسنة جوارحهم.
[﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ ٢٢ - ٢٣]
والمعنى: أنكم كنتم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش، وما كان استتاركم ذلك خيفة أن تشهد عليكم جوارحكم؛ لأنكم كنتم غير عالمين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا الأعضاء، وظاهر القرآن بخلافه؛ لأنهم قالوا لها: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
واما على مذهبنا فسها؛ لأن البنية ليست شرطًا للحياة والعلم والقدرة، فالله تعالى قادر على خلق العقل والقدرة والنطق كل في كل جزء من اجزاء هذه العضاء.
قوله: (ما كان استتاركم ذلك خيفة أن تشهد عليكم) جعل "أن تشهد" مفعولًا له بإضمار المضاف؛ لأن "يستتر" لا يتعدى بنفسه فلا يكون مفعولًا به. وقال صاحب "الكشف": التقدير من أن يشهد، فحذف، ثم كلامه المستدرك لقوله: ﴿وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ﴾ هذا المفعول له، ولهذا قال: "ولكنكم إنما استترتم لظنكم"، المعنى: لم يكن استتاركم لخوف الحساب في
стр. 7460
بشهادتها عليكم، بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلًا، ولكنكم إنما استترتم لظنكم ﴿أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا﴾ كنتم ﴿تَعْمَلُونَ﴾؛ وهو الخفيات من أعمالكم، وذلك الظنّ هو الذي أهلككم. وفي هذا تنبيه على أن من حق المؤمن أن لا يذهب عنه ولا يزل عن ذهنه أن عليه من الله عينًا كالئة ورقيبًا مهيمنًا، حتى يكون في أوقات خلواته من ربه أهيب وأحسن احتشامًا وأوفر تحفظًا وتصونًا منه مع الملأ، ولا يتبسط في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يوم التناد؛ لأنكم قم دهرية، ولكن الخوف لأهل الفضيحة في الدنيا من أبناء جنسكم؛ فاستترتم منهم لا من العالم بالسر والخفيات؛ لأنكم كنتم تعتقدون اعتقاد القلاسفة- خذلهم الله- أن الله غير عالم بما تفعلون في الحجب من ارتكاب الفواحش.
قوله: (وذلك الظنّ هو الذي أهلككم) إنما أدخل ضمير الفعل ليؤذن أن الكلام فيه تخصيص، وذلك من تعريف الظن الموصوف بالموصولة، وإيقاعه خبرًا لاسم الإشارة الدال على ما بعده. جدير من قبله لأجل اتصافه بذلك الظن الفاسد ثم تكرير الظن؛ لأن الأصل: ذلكم أرداكم، وعلى هذا أيضًا إذا جعل ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدلًا من "ذلكم"، لأنه حينئذ توضيح للواضح؛ وتوكيد للنسبة مظيدًا للتقدير، وجعل المشار إليه كالمشخص المعين الذي لا نزاع فيه كما سبق في الفاتحة، "ذلكم" مبتدأ، و ﴿ظَنُّكُمُ﴾ الخبر، و ﴿الَّذِي﴾ نعت للخبر أو خبر بعد خبر، و ﴿أَرْداكُمْ﴾ خبر آخر، ويجوز أن يكون الجميع صفة أو بدلًا، و ﴿أَرْداكُمْ﴾ الخبر، ويجوز أن يكون ﴿أَرْداكُمْ﴾ حالًا.
قال صاحب "الكشف": تقديره: ذلكم ظنكم مرديًا إياكم.
قوله: (أن عليه من الله عينًا كالئة ورقيبًا مهيمنًا)، فيه تجريد.
قوله: (من ربه أهيب)، "من ربه: متعلق بـ"أهيب"، يقال: هاب منه. وقوله: "احتشامًا" يقدر له مثل ذلك، أي؛ احتشامًا من ربه؛ لأن المصدر لا يتقدمه معموله، ولا معمول التمييز يتقدم على عامل التمييز، وكذا لا يتقدم معمول تنازع فيه العاملان على
стр. 7461
سره مراقبة من التشبه بهؤلاء الظانين. وقرئ: (ولكن زعمتم). ﴿وَذلِكُمْ﴾: رفع بالابتداء، و ﴿ظَنُّكُمُ﴾ و ﴿أَرْداكُمْ﴾ خبران، ويجوز أن يكون ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدلًا من ﴿ذلِكُمْ﴾، و ﴿أَرْداكُمْ﴾ الخبر.
[﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ * وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ ٢٤ - ٢٥]
﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا﴾ لم ينفعهم الصبر، ولم ينفكوا به من الثواء في النار، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾: وإن يسألوا العتبى -وهي الرجوع لهم إلى ما يحبون جزعًا مما هم فيه-
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العاملين، ولكن قوله: "منه" مما تنازع فيه أسماء التفضيل، وضميره يعود إلى المؤمن. وقوله: "ما الملأ" مقابل لقوله: "في أوقات خلواته" قهو مثل قولك: زيد قائم أحسن منه قاعدًا في تفضيل إحدى حالتي الشيء على الأخرى، تلخيصه يكون في الخلوة أحسن احتشامًا من ربه من نفسه مع الملأ.
قوله: (وإن يسألوا العتبى، وهي الرجوع لهم إلى ما يحبون)، الجوهري: أعتبني فلان، إذا عاد إلى مسرتي راجعًا عن الإساءة، والاسم منه: العتبى. واستعتب، طلب أن يعتب، يقال: استعتبته فأعتبني، أي؛ استرضيته فأرضاني.
الراغب: العتب كل مكان ناب بنازله، ومنه قيل للمرقاة ولأسكفة الباب عتبة. واستعير العتب والمعتبة لغلظة يجدها الإنسان في نفسه على غيره، وأصله من العتب وبحسبه قيل: خشنت بصدر فلان ووجد في صدره غلظة، وقولهم: عتبت فلانًا، أي: أبرزت له الغلظة التي وجدت له في الصدر، واعتبت فلانًا: حملته على العتب، ويقال: أعتبته: أزلت عتبه. والاستعتاب: أن يذكر عتبه ليعتب، يقال: استعتبت فلانًا. ويقال: لك العتبى، وهو إزالة ما لأجله يعتب، وبينهم أعتوبة، أي: ما يتعاتبون به.
стр. 7462
لم يعتبوا: لم يعطوا العتبى، ولم يجابوا إليها، ونحوه قوله عز وعلا: ﴿أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١]. وقرئ: وإن يستعتبوا ﴿فَمَا هُمْ مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ أي: إن سئلوا أن يرضوا ربهم فما هم فاعلون، أي: لا سبيل لهم إلى ذلك. ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ﴾: وقدّرنا لهم، يعنى لمشركي مكة. يقال: هذان ثوبان قيضان: إذا كانا متكافئين. والمقايضة: المعاوضة. ﴿قُرَناءَ﴾: أخدانًا من الشياطين، جمع قرين، كقوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]. فإن قلت: كيف جاز أن يقيض لهم القرناء من الشياطين وهو ينهاهم عن اتباع خطواتهم؟ قلت: معناه أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر، فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ﴾: وقدّرنا لهم) روي عن المصنف: ومنه: قيض البيضة: قشرها؛ لأنه لباسها، واللباس بقدر اللابس، قال معاوية ﵁: ولو أن يزيد قياض غوطة دمش رجالًا ما رضيت.
الراغب: في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ [الزخرف: ٣٦]، أي: نتح ليستولي عليه استيلاء القيض على البيض.
قوله: (المقايضة: المعاوضة)، الجوهري: قايضت الرجل مقايضة، أي: عاوضته بمتاع؛ وهما قيضان، كما تقول: بيعان.
قوله: (كيف جاز أن يقيض لهم القرناء من الشياطين وهو ينهاهم عن اتباع خطواتهم؟ )، الإنتصاف: الآية على ظاهرها، فالله تعالى ينهى عما يريد وقوعه، وبذلك صرحت هذه الآية، فتقول لمن يخرجها عن موضعها: ولو لم يكن في القرآن حجة على القدرية الذين هم مجوس هذه المة بشهادة نبيها صلوات الله عليه سوى هذه الآية لكفى بها، فهذا موضع هذه المقالة التي أنطقه الله بها.
стр. 7463
والدليل عليه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ ﴿نُقَيِّضْ﴾. ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾: ما تقدّم من أعمالهم وما هم عازمون عليها. أو ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الدنيا واتباع الشهوات، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: من أمر العاقبة، وأن لا بعث ولا حساب. ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ يعني: كلمة العذاب، ﴿فِي أُمَمٍ﴾: في جملة أمم. ومثل "في" هذه ما في قوله:
إن تك عن أحسن الصّنيعة مأ .... فوكًا ففي آخرين قد أفكوا
يريد: فأنت في جملة آخرين، وأنت في عداد آخرين، لست في ذلك بأوحد. فإن قلت: ﴿فِي أُمَمٍ﴾ ما محله؟ قلت: محله النصب على الحال من الضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: حق عليهم القول كائنين في جملة أمم. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾: تعليل لاستحقاقهم العذاب. والضمير لهم وللأمم.
[﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ * فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ * ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ ٢٦ - ٢٨]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ ﴿نُقَيِّضْ﴾)، أي: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، فأوقع ﴿نُقَيِّضْ﴾ -وهو فعل الله- جزاءً للشرط ومسببًا عن فعل العبد خلقًا، وعند أهل السنة: من فعله كسبًا.
وقلت: ويؤيد قول صاحب الانتصاف" قوله تعالى: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ﴾ أي: حق عليهم قولنا: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].
قوله: (مأفوكًا)، أي: مصروفًا، والإفك: الصرف، وأفكته: صرفته بالكذب والباطل، والأفاك: الذي يصد الناس عن الحق بالكذب.
стр. 7464
قرئ: (﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾)، بفتح الغين وضمها. يقال: لغى يلغى، ولغا يلغو. واللغو: الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته. قال:
من اللغا ورفث التكلم
والمعنى: لا تسمعوا له إذا قرئ، وتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات بالخرافات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: قريء (﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾، بفتح الغين وضمها) الفتح مشهورة، والضم شاذ، قال صاحب "المطلع": هي قراءة عيسى بن عمر، وهو على الفتح من حد: صنع، وعلى الضم من حد: دخل، قاله الأخفش، وفي "ديوان الأدب" من حد علم يقال: لغا يلغو لغوًا ولغى يلغى، او لغي يلغي لغى.
قوله: (من اللغا ورفث التكلم) أوله:
ورب أسرى بالحجيج الكظم
وفي الشرح:
أستغفر الرحمن ذا التعظم
قوله: (بالخرافات)، النهاية: خرافة، اسم رجل من عذرة استهوته الجن، وكان يحدث بما رأى فكذبوه وقالوا: حديث خرافة، وأجروه على كل من كذبوه من الحاديث، وعلى كل ما يستملح ويتعجب منه، وفي الحديث: "أنه قال خرافة الحق".
الجوهري: الراء فيه مخففة ولا يدخله الألف؛ لأنه معرفة؛ إلا ان يريد به الخرافات الموضوعة من حديث الليل. روي عن المصنف انه قال: المسموع من العرب الخرافات بالتشديد.
стр. 7465
والهذيان والرمل وما أشبه ذلك، حتى تخلطوا على القارئ وتشوّشوا عليه وتغلبوه على قراءته. كانت قريش توصي بذلك بعضهم بعضًا. ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يجوز أن يريد بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: هؤلاء اللاغين والآمرين لهم باللغو خاصة، وأن يذكر الذين كفروا عامة لينطووا تحت ذكرهم. قد ذكرنا إضافة ﴿أَسْوَأَ﴾
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والرمل)، الأساس: من المجاز كلام مرمل، أي مزيف، وعن بعضهم: الرمل الرجز يقال أراجيز العرب؛ وهو ما يقوله الصبيان من العرب وما يقوله المقاتلة في الحرب فيما بينهم.
الجوهري: الرمل جنس من العروض.
قوله: (ويجوز أن يريد بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾) يروى بالواو وبغير الواو، ويروى وأن يذكر الذين كفروا، ولكن ذكر الأول أصح دراية؛ لن التقدير يجوز ان يريد بالذين كفروا هؤلاء اللاغين وضعًا للمظهر موضع المضمر، ويجوز ان يذكر الذين كفروا عامة، فيدخل فيه هؤلاء اللاغين دخولًا أوليًا.
قوله: (قد ذكرنا إضافة ﴿أَسْوَأَ﴾) أي: في سورة "الزمر" عند قوله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الزمر: ٣٥] وذكر فيه ان إضافة "أسوأ" ليس من إضافة أفعل إلى ما أضيف إليه لقصد الزيادة عليه، ولكن من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه من غير تفضيل، كقولك: الأشج أعدل بني مروان. لأن التقدير: ليجزيهم أسوأ جزاء الذي كانوا يعملون، وهذا غير مستقيم على التفضيل؛ لن الكفرة مجزيون بالعذاب الشديد، وليس المراد أن بالعذاب سوءًا وأسوأ، وانهم مجزيون بالأسوأ دون السوء، ويمكن أن تجري الإضافة على ظاهرها، ويكون عطف قوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي﴾ الآية على قوله: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ﴾ الآية، على نحو عطف "جبريل" على "ملائكته"، كأنه قيل: فلنذيقن أولئك اللاغين بما فعلوا من الشرك والإفساد والعصيان عذابًا شديدًا، وخصوصًا لنجزينهم أسوأ
стр. 7466
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جزاء أعمالهم من الاستهزاء بىيات الله وتحقير القرآن المجيد، وقولهم: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾.
والنظم يساعد هذا التأويل؛ لأنه لما رتب ر على ما سبق وعطف عليه ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ بعد إثبات الكفر لهم والاستخفاف بكتاب الله المجيد علل استحقاق العذاب الشديد بوضع ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ موضع الضمير تقريرًا، وعلل استحقاق الأسوأ بوضع ﴿أَعْداءِ اللَّهِ﴾ موضع ﴿هُمْ﴾ تلويحًا، وأشير إلى الأسوأ وهو قريب باسم الإشارة الدال على البعد؛ ليؤذن بالفرق بين الجزاءين والبون بين الكفرتين ثم بين بان هذا الجزاء الخاص موجبه ذلك الاستخفاف تصريحًا بأن ختم الكلام بقوله: ﴿جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ واعاد بذكر الجزاء، ووضع الآيات موضع القرآن، واوثر صيغة التعظيم تربية لتلك الفوائد وترشيحًا لها، وعبر عن اللغو بالجحد ردًا للعجز على الصدر كما قال المصنف: "أي: جزاء بما كانوا يلغون فيها" فذكر الجحود الذي هو سبب اللغو، وهذا نوع من انواع رد العجز على الصدر؛ لما بين قولهم: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ الآية، وبين قوله: ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ من التوافق المعنوي؛ لأن من يستهزئ بالقرآن لا بد أن يكون جاحدًا له، فظهر أن الإضافة في الآية مما قصد بها الزيادة على ما أضيف إليه، ولما ألحق المصنف هذا الأسوأ بذلك، نحن نلحق ذلك بهذا النشر بعضد هذا التقرير.
وفي هذه الاعتبارات تعريض بمن لا يكون عند كلام الله المجيد خاضعًا خاشعًا متفكرًا متدبرًا، وتهديد ووعيد شديد لمن يصدر عنه عند سماعه ما يشوش على القارئ ويخلط عليه القراءة، وإرعاد وإبراق لمن يدرك منه قلة مبالاة به؛ فضلًا عمن ينبذه وراءه ظهريًا؛ واشتغل بما ينافيه من العلوم المذمومة، فانظر إلى عظمة القرىن المجيد، وتأمل في هذا التغليظ والتشديد، واشهد لمن عظمه وأجل قدره وألقى إليه السمع وهو شهيد بالفوز العظيم والدرجات المقيم، رزقنا الله وإياكم معاشر الإخوان توقير كلام الله وتوقير حرمته، واستنباط دقيق معانيه، وتحقيق مبانيه، ووفقنا بفضله وجوده للعمل بما فيه، إنه خير مامول ونعم مسؤول.
стр. 7467
بما أغنى عن إعادته. وعن ابن عباس" ﴿عَذابًا شَدِيدًا﴾ يوم بدر. و ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الآخرة، ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى الأسوأ، ويجب أن يكون التقدير: أسوأ جزاء الذي كانوا يعملون؛ حتى تستقيم هذه الإشارة. و ﴿النَّارُ﴾: عطف بيان للجزاء، أو خبر مبتدأ محذوف. فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ﴾؟ قلت: معناه أن النار في نفسها دار الخلد، كقوله: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، والمعنى: أن رسول الله ﷺ أسوة حسنة، وتقول: لك في هذه الدار دار السرور، وأنت تعنى الدار بعينها. ﴿جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ أي: جزاء بما كانوا يلغون فيها، فذكر الجحود الذي هو سبب اللغو.
[﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ ٢٩]
﴿الَّذَيْنِ أَضَلَّانا﴾ أي: الشيطانين اللذين أضلانا ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾؛ لأنّ الشيطان على ضربين: جني وإنسي، قال الله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [النعام: ١١٢]، وقال: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ٥ - ٦]. وقيل: هما إبليس وقابيل؛ لأنهما سنا الكفر والقتل بغير حق. وقرئ: (أرنا)، بسكون الراء لثقل الكسرة، كما قالوا في فخذ: فخذ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن النار في نفسها دار الخلد) قال ابن جني: ﴿لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ﴾ وهي نفسها دار الخلد، فكانه جرد من الدار دارًا، وعليه قول الأخطل:
بنزوة لص بعدما مر مصعب .... بأشعث لا يفلى ولا هو يقمل
ومصعب بنفسه هو الأشعث، كانه استخلص منه أشعث.
قوله: (وقرئ: (أرنا)، بسكون الراء) ابن كثير وابن عامر وأبو بكر وأبو شعيب، وقرأ أبو عمرو عن اليزيدي: باختلاس كسرتها، والباقون: بإشباعها.
стр. 7468
وقيل: معناه أعطنا اللذين أضلانا. وحكوا عن الخليل: أنك إذا قلت: أرني ثوبك بالكسر، فالمعنى: بصرنيه. وإذا قلته بالسكون، فهو استعطاء، معناه: أعطني ثوبك. ونظيره: اشتهار الإيتاء في معنى الإعطاء. وأصله: الإحضار.
[﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ ٣٠ - ٣٢]
﴿ثُمَّ﴾ لتراخي الاستقامة عن الإقرار في المرتبة وفضلها عليه؛ لأنّ الاستقامة لها الشأن كله، ونحوه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ [الحجرات: ١٥]، والمعنى: ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضياته. وعن أبي بكر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (اشتهار الإيتاء في معنى الإعطاء. وأصله: الإحضار)، الجوهري: آتاه إيتاء، أي؛ أعطاه، وآتاه أيضًا، أي؛ أت به، ومنه قوله تعالى: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢] أي؛ ائتنا به.
قوله: (ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضياته) يعني لم يرد بالقول مجرد النطق فحسب؛ بل هو وما يستبعه، وذلك أن هذا القول ادعاء من القائل بأنه رضي بالله ربًا، والرضا بذلك إقرار بأن المعبود الخالق المنعم على الإطلاق مالكه ومدبر أمره، وذلك يوجب القيام بمقتضياته من الشكر باللسان وتحقيق مراضيه بالقلب والجوارح، وعلى هذا النهج ورد عن عبد الله بن مغفل قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أحبك. قال: انظر ما تقول. فقال: والله إني لأحبك، ثلاث مرات، قال: إن كنت صادقًا فأعد للفق تجفافًا، الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه". أخرجه الترمذي، وأنشد في معناه:
стр. 7469
الصديق ﵁: استقاموا فعلًا كما استقاموا قولًا. وعنه: أنه تلاها، ثم قال: ما تقولون فيها؟ قالوا: لم يذنبوا. قال: حملتم الأمر على أشدّه. قالوا: فما تقول؟ قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان. وعن عمر ﵁: استقاموا على الطريقة، لم يروغوا روغان الثعالب. وعن عثمان ﵁: أخلصوا العمل. وعن علي ﵁: أدّوا الفرائض. وقال سفيان بن عبد الله الثقفي: قلت يا رسول الله،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تهون علينا في المعالي نفوسنا .... ومن طلب الحسناء لم يغله المهر
النهاية: التجفاف شيء من سلاح يترك على الفرس يقيه الردى، وقد يلبسه الإنسان، ولما كان هذا الكلام من الجوامع، وسأل الصحابي عن أمر يعتصم به، أجابه صلوات الله عليه بقوله: "قل ربي الله ثم استقم".
قوله: (قالوا: فما تقول؟ قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان) هو من قوله صلوات الله عليه حين قرأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ قال: "قد قال الناس، ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها فهو ممن استقام"، أخرجه الترمذي عن أنس.
قوله: (لم يروغوا روغان الثعالب)، ويروى "الثعلب"، الأثر مذكور في "شرح السنة"، النهاية: روغان الثعلب مثل لمن لا يثبت على حال، وفي حديث قيس: "خرجت أريغ بعيرًا شرد مني"، أي؛ أطلبه بكل طريق.
стр. 7470
أخبرني بأمر أعتصم به، قال: "قل ربي الله، ثم استقم"، قال: فقلت: ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ رسول الله ﷺ بلسان نفسه فقال: "هذا". ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ عند الموت بالبشرى. وقيل: البشرى في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وإذا قاموا من قبورهم. ﴿أَلَّا تَخافُوا﴾ "أن" بمعنى "أي"، أو مخففة من الثقيلة، وأصله: بأنه لا تخافوا، والهاء ضمير الشأن. وفي قراءة ابن مسعود ﵁: (لا تخافوا)، أي: يقولون: لا تخافوا، والخوف: غم يلحق لتوقع المكروه، والحزن: غم يلحق لوقوعه من فوات نافع أو حصول ضارّ. والمعنى: أنّ الله كتب لكم الأمن من كل غم، فلن تذوقوه أبدًا. وقيل: لا تخافوا ما تقدمون عليه، ولا تحزنوا على ما خلفتم. كما أنّ الشياطين قرناء العصاة وإخوانهم، فكذلك الملائكة أولياء المتقين وأحباؤهم في الدارين. ﴿تَدَّعُونَ﴾: تتمنون: والنزل: رزق النزيل؛ وهو الضيف، وانتصابه على الحال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أخبرني بأمر أعتصم به) الحديث، أخرجه أحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجه والدارمي.
قوله: (وانتصابه على الحال) قال صاحب "الكشف": إن جعلت "نزلًا" جمع نازل، كشارف وشرف، وصابر وصبر، كان حالًا من الكاف والميم، أي لكم فيها نازلين، ويكون قوله: ﴿مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ في موضع نصب صفة "لنزلًا" أي نازلين من أمر غفور رحيم، قال أبو علي: ولا يكون من غفور رحيم متعلقًا بـ ﴿تَدْعُونَ﴾، لأن الحال التي هي من المجرور قد فصل بينهما، ولكن إن جعلت ﴿نُزُلًا﴾ حالًا من الضمير المرفوع في ﴿تَدْعُونَ﴾ على تقدير: تدعون أنتم نزلًا، جاز أن يتعلق ﴿مِنْ﴾ بـ ﴿تَدْعُونَ﴾ لأن الحال والظرف جميعًا في الصلة، وهذا يدل على أن الحال مما في الصلة ليس كالحال عن الموصول؛ لأن الحال عن الموصول يؤذن بتمامه فيصير فاصلًا بين الموصول وما بعد الحال من الصلة، ويجوز أن يكون
стр. 7471
[﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣٣]
﴿مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ﴾ عن ابن عباس: هو رسول الله ﷺ ، دعا إلى الإسلام ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ فيما بينه وبين ربه، وجعل الإسلام نحلة له. وعنه: أنهم أصحاب رسول الله ﷺ . وعن عائشة ﵂: ما كنا نشك أنّ هذه الآية نزلت في المؤذنين. وهي عامة في كل من جمع بين هذه الثلاث: أن يكون موحدًا معتقدًا لدين الإسلام، عاملًا بالخير، داعيًا إليه؛ وما هم إلا طبقة العالمين العاملين من أهل العدل والتوحيد، الدعاة إلى دين الله. وقوله: ﴿وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ليس الغرض أنه تكلم بهذا الكلام، ولكن جعل دين الإسلام مذهبه ومعتقده، كما تقول:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
﴿نُزُلًا﴾ حالًا من الموصول، أي لكم الذي تدعونه معدًا. ولا يكون جمع "نازل" بل هو من النزل الذي يجعل للضيفان، وهذا إنما يكون على قول من رفع بالظرف كقولهم: في الدار زيد قائمًا، وأما من رفع بالابتداء فلا يكون حالًا من "ما" ولكن من الضمير في الظرف، أو من الضمير المنصوب المحذوف، أي ما تدعونه نزلًا.
قوله: (نجلة (أي؛ ملة ومذهبًا له. الجوهري: فلان ينتحل مذهب كذا وقبيلة كذا؛ إذا انتسب إليه.
قوله: (ليس الغرض أنه تكلم بهذا الكلام، ولكن جعل دين الإسلام مذهبه ومعتقده)، نحوه قال في قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، قال: ومعنى "قال له أسلم" قال: أخطر بباله النظر في الدلائل المؤدية إلى المعرفة والإسلام "فقال أسلمت"، أي: فنظر وعرف.
قال الإمام: إن السعادة لها مرتبتان: التام، وفوق التام، أما التام فهو أن يكتسب من الصفات الفاضلة ما لأجلها يصير كاملًا في ذاته، فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
стр. 7472
هذا قول أبي حنيفة، تريد مذهبه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اسْتَقامُوا﴾ إشارة إلى هذه المرتبة، فإذا فرغ من هذه الدرجة اشتغل بتكميل الناقصين، وهو فوق التام، فقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا﴾ إشارة إلى هذه المرتبة، واعلم أن من آتاه الله قريحة وقادة ونصابًا وافيًا من العلوم الإلهية الكثيفة عرف أن لا ترتيب أحسن وأكمل من ترتيب آي القرآن.
وقلت: فعلى هذا ينبغي أن يكون قوله: ﴿وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ جامعًا للمعاني السابقة، ولا يكون محصورًا في القول المجرد لمجيئه على طريقة التذييل، وعلى أسلوب قولك: زيد من العلماء، أي: له مساهمة معهم في هذا الوصف، والعلم له كاللقب المشهور، فكأنه قال: إنني لمن الذين لهم القدح المعلى في التسليم والتفويض.
الراغب: الإسلام في الشريعة ضربان: أحدهما: دون الإيمان، وإياه عنى بقوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الأحزاب: ١٤]؛ والثاني: فوق الإيمان، وهو أن يكون مع الاعتراف اعتقاد بالقلب ووفاء بالفعل واستسلام في جميع ما قضى وقدر، كما ذكر عن إبراهيم ﵇ في قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١].
قوله: (هذا قول أبي حنيفة) يريد: مذهبه. النهاية: منه الحديث: "لما أراد أن يعتكف ورأى الأخبية في المسجد فقال: آلبر تقوقون بهن؟ "، أي: أتظنون وترون أنهن أردن البر؟
ومنه: "سبحان الذي تعطف بالعز وقال به"، أي: أحبه واختصه لنفسه، كما يقال: فلان يقول بفلان، أي: بمحبته واختصاص، وقيل: معناه: حكم به، فإن القول يستعمل في معنى الحكم. وقال الأزهري: معناه: غلب به، وأصله من قبل الملك؛ لأنه ينفذ قوله.
стр. 7473
[﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ٣٤ - ٣٥]
يعني: أنّ الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فخذ الحسنة التي هي أحسن من أختها إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك. ومثال ذلك: رجل أساء إليك إساءة، فالحسنة: أن تعفو عنه، والتي هي أحسن: أن تحسن إليه مكان إساءته إليك، مثل أن يذمك فتمدحه، ويقتل ولدك فتفتدى ولده من يد عدوه، فإنك إذا فعلت ذلك انقلب عدوك المشاقّ مثل الولي الحميم مصافاة لك. ثم قال: وما يلقى هذه الخليقة أو السجية -التي هي مقابلة الإساءة بالإحسان- إلا أهل الصبر، وإلا رجل خير وفق لحظ عظيم من الخير. فإن قلت: فهلا قيل: فادفع بالتي هي أحسن؟ قلت: هو على تقدير قائل قال: فكيف أصنع؟ فقيل: ادفع بالتي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عدوك المشاق)، أي: المخالف الذي أخ في شق وأنت في شق. الجوهري: المشاقة والشقاق؛ الخلاف والعداوة.
قوله: (فهلا قيل: فادفع بالتي هي أحسن؟ ) السؤال وارد على تفسيره السابق، وقوله: " إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك" يعني: حين أعلمناك بتفاوت الحسنتين إذا وردت عليك سيئة من بعض أعدائك فادفعها بإحدى الحسنتين، وهي التي أحسن، لأنك من أولي العزم وصاحب الخلق العظيم، فالفاء لازمة الترتب، فلم تركها؟ وأجاب بأن الترتيب موكول إلى الذهن الذي هو أقوى الدليلين، وترك الوصل إلى الفصل للاستئناف، وتقدير سؤال السائل، فـ ﴿أَحْسَنُ﴾ على هذا على حقيقته، وقوله: "وقيل "لا" مزيدة" عطف على قوله: "إن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما"، والمعنى: أن بين الحسنة والسيئة بونًا بعيدًا، ولا يكن اختيارك إلا الحسنة، فعدل إلى الحسن للمبالغة؛ لأنه على الوجه الأول وقعت الموازنة بين الحسنتين وبين السيئتين. وفي الثاني بين الحسنة والسيئة.
فإن قلت: قد علم بما تقرر الموازنة بين الحسنتين، فما معنى الموازنة بين السيئتين؟ قلت:
стр. 7474
هي أحسن. وقيل: ﴿وَلَا﴾ مزيدة، والمعنى: ولا تستوي الحسنة والسيئة. فإن قلت: فكان القياس على هذا التفسير أن يقال: ادفع بالتي هي حسنة! قلت: أجل، ولكن وضع "التي هي أحسن" موضع الحسنة؛ ليكون أبلغ في الدفع بالحسنة؛ لأنّ من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما هو دونها. وعن ابن عباس: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: الصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة. وفسر الحظ بالثواب. وعن الحسن: والله ما عظم حظ دون الجنة. وقيل: نزلت في أبي سفيان بن حرب، وكان عدوًا مؤذيًا لرسول الله ﷺ ، فصار وليًا مصافيًا.
[﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٣٦]
النزغ والنسغ بمعنى، وهو شبه النخس. والشيطان ينزغ الإنسان كأنه ينخسه ببعثه على ما لا ينبغي. وجعل النزغ نازغًا، كما قيل: جد جدّه. أو أريد: وإما ينزغنك نازغ؛ وصفًا للشيطان بالمصدر. أو لتسويله. والمعنى: وإن صرفك الشيطان عما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ من شرّه، وامض على شأنك ولا تطعه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن المسيء إذا أساء إليك فإنك جازيته بمثل تلك السيئة فحسنتك سيئة بالنسبة إليك؛ لما كان عليك أن تعفو عنه؛ بل تحسن إليه، لكن لا تستوي سيئتك وسيئته. وسيجيء إن شاء الله تعالى في سورة "الشورى" الكلام فيه عند قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ بالشورى: ٤٠].
قوله: (أو أريد: وإما ينزغنك نازغ) وعلى هذا "من" بيانية، جرد من الشيطان؛ إما شيطان آخر وسمي نازغًا، أو جرد منه وصفه الذي هو تسويله وجعل نازغًا، فهو هو أيضًا، وعلى الأول كانت ابتدائية، المعنى: إما ينزغنك من جهة الشيطان نزغ فأسند الفعل إلى فعله مجازًا.
قوله: (وامض على شانك) أي خلصت من نزغاته. الأساس: مضى على أمره، تم عليه. ومضى السيف في الصريبة. ومضى في حاجته.
стр. 7475
[﴿وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ ٣٧ - ٣٨]
الضمير في ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ لليل والنهار والشمس والقمر؛ لأنّ حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى، أو الإناث. يقال: الأقلام بريتها وبريتهنّ، أو لما قال: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ كن في معنى الآيات، فقيل: ﴿خلقهنّ﴾. فإن قلت. أين موضع السجدة؟ قلت: عند الشافعي ﵀: ﴿تَعْبُدُونَ﴾، وهي رواية مسروق عن عبد الله؛ لذكر لفظ السجدة قبلها. وعند أبي حنيفة ﵀: ﴿يَسْأَمُونَ﴾؛ لأنها تمام المعنى،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو لما قال: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ كن في معنى الآيات) ويروى: في معنى الآيات، وهو الأصح، فقيل: ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ جواب عما قيل، لا يصح أن يعود إلى الشمس والقمر والليل والنهار؛ لأن المذكر والمؤنث إذا اجتمعا كانت الغلبة للتذطير دون التأنيث. وأجاب المصنف بأنها في معنى الآيات، قال الزجاج: قد قيل: الليل والنهار والقمر، وهي مذكرة، وقد قال: "خلقهن" والهاء والنون تدل على التأنيث، وفي الجواب وجهان: أحدهما: أن ضمير ما لا يعقل على لفظ المؤنث، تقول: هذه لناشق فسقها، وغن شئت "فسقهن". وثانيهما: أن يرجع إلى معنى الآيات؛ لنه تعالى ومن آياته هذه الأشياء، فاسجدوا لله الذي خلقهن.
قوله: (عند الشافعي ﵁: ﴿تَعْبُدُونَ﴾) أي؛ الشافعي يسجد عند ﴿تَعْبُدُونَ﴾، وأبو حنيفة عند ﴿يَسْأَمُونَ﴾. وقلت: الأصح الثاني. قال صاحب "الروضة": الأصح أنه عقيب ﴿يَسْأَمُونَ﴾، والثاني عقيب ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
قوله: (لأنها تمام المعنى) ويمكن أن يقال: تمام المعنى عند قوله: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي
стр. 7476
وهي عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب. لعل ناسًا منهم كانوا يسجدون للشمس والقمر كالصابئين في عبادتهم الكواكب، ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لهما السجود لله، فنهوا عن هذه الواسطة، وأمروا أن يقصدوا بسجودهم وجه الله تعالى خالصًا، إن كانوا إياه يعبدون وكانوا موحدين غير مشركين، ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ ولم يمتثلوا ما أمروا به وأبوا إلا الواسطة فدعهم وشأنهم، فإنّ الله عز سلطانه لا يعدم عابدًا ولا ساجدًا بالإخلاص، وله العباد المقربون الذين ينزهونه بالليل والنهار عن الأنداد. وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ عبارة عن الزلفى والمكانة والكرامة. وقرئ: (لا يسأمون)، بكسر الياء.
[﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣٩]
الخشوع: التذلل والتقاصر، فاستعير لحال الأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها، كما وصفها بالهمود في قوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً﴾ [الحج: ٥]؛ وهو خلاف وصفها بالاهتزاز والربو؛ وهو الانتفاخ: إذا أخصبت وتزخرفت بالنبات كأنها بمنزلة المختال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خَلَقَهُنَّ﴾ لأنه حكم قد عقب الوصف المناسب، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ تتميم للمعنى وتقريع للغافلين، وقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ تتميم غب تتميم، وتسلية للرسول ﷺ ، ومن ثم قال: فدعهم وشأنهم، لكنه متضمن للذم على ترك السجود، فإن قوله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ وضع موضع: فإن لم يسجدوا، إقامة للسبب موضع المسبب للعلية، وأنت قد عرفت أن شرعية إيجاب السجدة إما للأمر بها، أو المدح لمن أتى بها، أو الذم لمن تركها، وكان الظاهر إيجاب سجدتين؛ فجعل الثاني كالتوكيد للأول، فشرع سجدة واحدة.
وعن بعضهم: إنما كانت السجدة عند ﴿لا يَسْأَمُونَ﴾ لأنه أقرب إلى الاحتياط، فإنها إن كانت عند الآية الأولى جاز تاخيرها، وإن كانت عند الثانية لم يجز تعجيلها.
стр. 7477
في زيه، وهي قبل ذلك كالذليل الكاسف البال في الأطمار الرثة. وقرئ: (وربأت) أي: ارتفعت؛ لأن النبت إذا همّ أن يظهر ارتفعت له الأرض.
[﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَاتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٤٠]
يقال: ألحد الحافر ولحد؛ إذا مال عن الاستقامة، فحفر في شق، فاستعير للانحراف في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة. وقرئ: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ و (يَلحَدون)، على اللغتين. وقوله: ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ وعيد لهم على التحريف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الكاسف البال)، الجوهري: رجل كاسف البال، سيء الحال. والطمر، الثوب الخلق، والجمع: الأطمار. يريد أن الكلام فيه استعارة تمثيلية، شبه حال جدوبة الأرض وإعدام الخير فيها؛ ثم غحياء الله بالماء النازل من السماء، وانقلابها من الجدوبة إلى الخصب، وإنبات كل زوج بهيج بعد القحل، بحال شخص كئيب كاسف البال رث الهيئة لا يؤبه له، ثم إذا أصابه شيء من متاع الدنيا وزينتها؛ تكلف بأنواع الزين والزخارف، فيختال في مشيه زهوًا، فيهتز بالأعطاف خيلاء وكبرًا، ثم بولغ في التشبيه فحذف المشبه واستعمل الخشوع. والاهتزاز دلالة على مكانه.
قوله: (وقرئ "ورأت") قال الزجاج: ويقرأ "ربأت" بالهمز، فمعنى: ربت: عظمت. وربأت: ارتفعت. قال ابن جني: قرأ أبو جعفر "وربأت"، ومعناها راجعة إلى معنى قراءة الجماعة، وذلك ان الأرض إذا ربت ارتفعت، ومنه الربيئة، وهي الطليعة؛ لشخوصه على الموضع المرتفع.
قوله: (وقرئ: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ و (يَلحَدون)) الثانية: حمزة، والباقون: الأولى.
стр. 7478
[﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ * لا يَاتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٤١ - ٤٢]
فإن قلت: بم اتصل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾؟ قلت: هو بدل من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا﴾. والذكر: القرآن؛ لأنهم لكفرهم به طعنوا فيه وحرّفوا تأويله، ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ أي: منيع محمى بحماية الله ﴿لَا يَاتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ مثل، كأن الباطل لا يتطرّق إليه ولا يجد إليه سبيلًا من جهة من الجهات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هو بدل من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا﴾) وفي هذا الإبدال الإشعار بتغليظ من تأول القرآن بالرأي الباطل والهوى الزائغ، وتعظيم لشأن القرآن المجيد، ونعي على المتقاعدين عنه، وتسلية لرسول الله ﷺ عن مطاعن القوم فيه، وذلك انه تعالى لما افتتح السورة بذكر القرآن المجيد، وانه آية عظيمة قاهرة، وعقبه بما بين عجزهم عن المعارضة بتلك الشبهة الركيكة، وهي ان الرسالة منحصرة على الملائكة لا تتعدى إلى البشر، وذكر طعنهم فيه وقولهم: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ وذيل المعنى بوجوه من الاستطرادات المناسبة، أتى بنوع من مطاعنهم، وهو الإلحاد فيه تقريرًا للعجز والانخذال، وبيانًا لتبكيتهم عن الحجة القاهرة، وما يدل على أن الإبدال للتعظيم وضع قوله: ﴿بِالذِّكْرِ﴾ موضع ﴿فِي آياتِنا﴾ وضعًا للمظهر موضع المضمر من غير لفظه السابق، وجعله علة لابتناء أوصاف الكمال عليه ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ إلى آخره.
قوله: (كأن الباطل لا يتطرق إليه) بيان للمثل، يعني: قوله: ﴿لَا يَاتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ استعارة تمثيلية، والوجه منتزع من عدة امور، وهي مسبوقة بالتشبيه، ومن ثم أتى في البيان بأداته، شبه الكتاب وعدم تطرق الباطل إليه بوجه من الوجوه بمن هو محمي بحماية غالب قاهر يمنع جاره من إحاطة العدو به من كل جانب، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، بأن ترك المشبه إلى ذكر المشبه به قائلًا: ﴿لَا يَاتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ فقوله: ﴿لَا يَاتِيهِ الْباطِلُ﴾ صفة أخرى لـ"كتاب"، وقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ تعليل لاتصاف الكتاب بالوصفين، فكونه حكيمًا موجب؛ لأن يكون منزله محكمًا متقنًا رصينًا يغلب ولا يغلب؛ فيكون عزيزًا، وكونه حميدًا يستدعي أن يكون كلامه حقًا
стр. 7479
حتى يصل إليه ويتعلق به. فإن قلت: أما طعن فيه الطاعنون، وتأوّله المبطلون؟ قلت: ولكن الله قد تقدّم في حمايته عن تعلق الباطل به: بأن قيض قومًا عارضوهم بإبطال تأويلهم وإفساد أقاويلهم، فلم يخلوا طعن طاعن إلا ممحوقًا، ولا قول مبطل إلا مضمحلًا. ونحوه قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا باطلًا عبثًا، يهدي الناس إلى النعمة العظمى، ﴿وَاللهُ يَدْعَوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥] فليشكر لذلك قائله وليحمد المتكلم به.
ثم إن المشركين حين لم يعرفوا هذه النعمة، وراموا نسبة الباطل إليه، وطلبوا توهين أحكامه، كما نبه عليه قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾ الآية سلى حبيبه أولًا بقوله: ﴿ما يُقالُ لَكَ إِلاَّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وثانيًا بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾.
قوله: (﴿وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]) أي: بحراس التنزيل وسواس التاويل، ذبوا عن حريم القرآن، ودفعوا عن مطاعن الخصوم، هكذا يجب أن يقدر ليصح استشهاده بالآية لقوله: " ولكن الله قد تقدّم في حمايته عن تعلق الباطل به: بأن قيض قومًا" "الأساس": ولفلان قدم في هذا الأمر: سابقة وتقدم، وله قدم صدق، ضمن "تقدم" معنى "تكفل" أي: تكفل في حمايته سابقًا بأن اتاح وقدر علماء ذابين عن حريمه.
وقلت: يجوز خلافه؛ لأنه تعالى أنزل التوراة واستحفظها الحبار والربانيين كما قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤] فغيروا وحرفوا، وتكفل هو بنفسه حفظ القرآن ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فأكد الجملة انواعًا من التأكيد؛ لئلا يظن الخلاف.
قال الإمام: إن الله حفظه بأن جعله معجزًا مباينًا لكلام البشر، يعجز الخلق عن الزيادة والنقصان فيه؛ لأنهم لو راموا ذلك لتغير نظمه؛ وظهر للخلق أنه من كلام البشر وليس
стр. 7480
[﴿ما يُقالُ لَكَ إِلاَّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ﴾ ٤٣]
﴿مَا يُقَالُ لَكَ﴾ أي: ما يقول لك كفار قومك إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم من الكلمات المؤذية والمطاعن في الكتب المنزلة. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ ورحمة لأنبيائه، ﴿وَذُو عِقابٍ﴾ لأعدائهم. ويجوز أن يكون: ما يقول لك الله إلا مثل ما قال للرسل من قبلك، والمقول: هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ﴾، فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخافه أهل معصيته، والغرض: تخويف العصاة.
[﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ٤٤]
كانوا لتعنتهم يقولون: هلا نزل القرآن بلغة العجم! فقيل: لو كان كما يقترحون لم يتركوا الاعتراض والتعنت، وقالوا: ﴿لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ أي: بينت ولخصت بلسان نفقهه ﴿ءَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ الهمزة همزة الإنكار، يعني: لأنكروا وقالوا: أقرآن أعجمي ورسول عربي؟ ! أو: مرسل إليه عربي؟ ! وقرئ: (أعجمي)، والأعجمي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من كلام خالق القوى والقدر، ولقائل أن يقول: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ مطلق يحمل على إنا لحافظون ألفاظه من التغيير والتبديل، وحافظون معانيه من تاويل المبطلين، بأن يقيض قومًا يعارضونهم، فاستشهد به للمعنى الثاني.
قوله: (وقرئ " أعجمي") قرا هشام: "أعجمي" بهمزة واحدة من غير مد على الخبر، والباقون: على الاستفهام.
стр. 7481
الذي لا يفصح ولا يفهم كلامه من أي جنس كان، والعجمي: منسوب إلى أمّة العجم. وفي قراءة الحسن: (أعجمي) بغير همزة الاستفهام، على الإخبار بأن القرآن أعجمي، والمرسل أو المرسل إليه عربي. والمعنى: أنّ آيات الله على أي طريقة جاءتهم وجدوا فيها متعنتًا؛ لأنّ القوم غير طالبين للحق، وإنما يتبعون أهواءهم. ويجوز في قراءة الحسن: هلا فصلت آياته تفصيلًا، فجعل بعضها بيانًا للعجم، وبعضها بيانًا للعرب. فإن قلت: كيف يصح أن يراد بالعربي المرسل إليهم وهم أمّة العرب؟ قلت: هو على ما يجب أن يقع في إنكار المنكر لو رأى كتابًا أعجميًا كتب إلى قوم من العرب يقول: كتاب أعجمي ومكتوب إليه عربي؟ ! وذلك لأن مبنى الإنكار على تنافر حالتي الكتاب والمكتوب إليه، لا على أن المكتوب إليه واحد أو جماعة، فوجب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على الإخبار بأن القرآن أعجمي، والمرسل أو المرسل إليه عربي) فعلى هذا الإنكار ناشئ من كلمة التحضيض، أي: هلا فصلت آياته، ثم بين عدم التفصيل والبيان على سبيل الإخبار بأن القرآن أعجمي والرسول عربي والأمة المرسل إليها عربية، وأنها وكدت معنى التمني، أي: ليتها فصلت تفصيلًا بأن يكون بعضها أعجميًا وبعضها عربيًا؛ ليعلم كل أناس مشربهم الذي يشربون، وإليه الإشارة بقوله: "هلا فصلت آياته"، ويجوز ان يكون مجرى على ظاهره.
قوله: (على أي طريقة جاءتهم وجدوا فيها متعنتًا)، أي: مكانًا للتعنت، ويروى: "متعنتًا" باسم الفاعل، فيكون تجريدًا، أي وجدوا فيها من أنفسهم متعنتًا، الجوهري: جاءني فلان متعنتًا، إذا جاء يطلب زلتك.
قوله: (كيف يصح أن يراد بالعربي المرسل إليهم وهم أمّة العرب؟ ) أي: إطلاق العربي على الجماعة غير مطابق، وكان ينبغي أن يقال: "عربية" نظرًا إلى الأمة، أو "عربيون" نظرًا إلى المعنى؟ واجاب: إن القصد في الكلام إنكار تنافر حالتي الكتاب والمكتوب إليه، لا المطابقة بين اللفظ والمعنى، كما في مسألة المرأة القصيرة، فإن المنكر الجمع بين هذين المعنيين، ولا مدخل لخصوصية اللابس والملبس.
стр. 7482
أن يجرّد لما سيق إليه من الغرض، ولا يوصل به ما يخيل غرضًا آخر، ألا تراك تقول وقد رأيت لباسًا طويلًا على امرأة قصيرة: اللباس طويل واللابس قصير! ولو قلت: واللابسة قصيرة، جئت بما هو لكنة وفضول قول؛ لأنّ الكلام لم يقع في ذكورة اللابس وأنوثته، إنما وقع في غرض وراءهما. ﴿هُوَ﴾ أي القرآن ﴿هُدىً وَشِفاءٌ﴾: إرشاد إلى الحق وشفاء لِما فِي الصُّدُورِ من الظن والشك. فإن قلت: ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ﴾ منقطع عن ذكر القرآن، فما وجه اتصاله به؟ قلت: لا يخلو: إما أن يكون ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ في موضع الجر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا يخلو: إما أن يكون ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ في موضع الجر) قال ابن الحاجب في "الأمالي": ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ مخفوض عطف على ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ و ﴿وَقْرٌ﴾ مرفوع عطف على ﴿هُدًى﴾ و ﴿فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ﴾ عطف على قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ﴾ فلا بد ان يكون موافقًا له في الإعراب، فيجب أن يكون المعطوف على ﴿لِلَّذينَ﴾ مخفوضًا، والمعطوف على ﴿هُدًى﴾ مرفوعًا بالابتداء، ولا يستقيم ان يقال: أجعل في آذانهم وقرًا، جملة في موضع رفع معطوفة على ﴿هُدًى﴾؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون المبتدأ جملة، ويلزم من هذا التقدير أن يكون عطفًا على عاملين، كقوله: في الدار زيد والحجرة عمرو، وما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة. ومثل هذا من العطف على عاملين جائز عند المحققين المتأخرين.
ويجوز أن يكون ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ، تقديره: والذين لا يؤمنون هو في آذانهم وقر، على أن يكون المبتدأ الثاني محذوفًا، وخبره ﴿وَقْرٌ﴾ و ﴿فِي آذانِهِمْ﴾ بيان لمحل الوقر، ولا يكون الوقر "وفي آذانهم" مبتدأ وخبرًا، ولا يقدر هو؛ إذ لا عائد في الجملة على المبتدأ، فلا يكون ما يربط الجملة الثانية بالأولى؛ لأن قوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ﴾ إخبار عن القرآن بأنه للمؤمنين هدى وشفاء، فإذا لم يكن في الثانية ذكر القرآن كانت أجنبية.
ويجوز أن يكون ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ، خبره ﴿فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ﴾ من غير تقدير هو، والرابط محذوف "به" هذا قريب من الوجه الثالث في "الكشاف".
стр. 7483
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال أيضًا: ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ مرتبطًا بقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ﴾ والتقدير: هو للذين أمنوا هدى وهو على الذين لا يؤمنون عمى. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ﴾ جملة معترضة على الدعاء.
وقلت: هذا وغن جاز من جهة الإعراب، لكن من جهة المعاني مردود؛ لفك النظم، وأولى الوجوه ما يصح منه عطف قوله: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ على قوله: ﴿فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ﴾ ليكون على وزان قوله: ﴿فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ لأن الطريق الواضح والمنهج المستقيم إنما يعمى على من لا بصر له ولا بصيرة، وهذا لا يحسن إلا على الوجه الثاني في "الكشاف"، وعليه يلتئم الكلام؛ لأن قوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ﴾ الآية، جواب عن قوله: ﴿لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ على الأسلوب الحكيم، والمعنى ما قال: إن آيات الله على أي طريقة جاءتهم وجدوا فيها متعنتًا، لأن القوم غير طالبين للحق، فيكون ذكر المؤمنين مستطردًا لبيان أن الكتاب في نفسه سبب إزالة الشك والريب لوضوح آياته وسطوع براهينه، وإنما نشأ الريب منكم لتعنتكم، وأنكم من اهل الختم والطبع، ولكونه مستطردًا أخرج التركيب مخرجًا أفاد التعريض، بأن قدم الخبر على المبتدأ ليفيد التخصيص، وبنى الجملة على الضمير المرفوع لإفادى تقوي الحكم برتبة لفائدة التعريص، أي: هو للطالبين للحق خاصة هدىً وشفاء لما في صدوررهم من مرض الشك والريب، وللذين لا يؤمنون ضلال ومرض على مرض، ﴿فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠] ثم ابتدأ ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ لأن الضلالة ومرض الشك والصمم عن الحق والعمى عن الآيات إذا اجتمع في شخص، فداعيهم إلى الهدى كانه يناديهم من مكان بعيد، كقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] أي: مثل داعي الذين كفروا، هذا هو التحقيق، ومن ثم قال: "وغن كان الأخفش تخيره"، أي: هذا الوجه ضعيف؛ لأن الدليل على ضعفه والمقام ينبو عنه، وقد منعه سيبويه، والمختار قوله، فإن القول ما قالت حذام.
стр. 7484
معطوفًا على قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ على معنى قولك: هو للذين آمنوا هدًى وشفاء، وهو للذين لا يؤمنون في آذانهم وقر؛ إلا أنّ فيه عطفًا على عاملين، وإن كان الأخفش يجيزه؛ وإمّا أن يكون مرفوعًا على تقدير: والذين لا يؤمنون هو في آذانهم وقر، على حذف المبتدأ، أو: في آذانهم منه وقر. وقرئ: (وهو عليهم عم)، و (عمي)، كقوله تعالى: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [هود: ٢٨]. ﴿يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ يعني: أنهم لا يقبلونه ولا يرعونه أسماعهم، فمثلهم في ذلك مثل من يصيح به من مسافة شاطة لا يسمع من مثلها الصوت فلا يسمع النداء.
[﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ ٤٥]
﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فقال بعضهم: هو حق، وقال بعضهم: هو باطل. والكلمة السابقة: هي العدة بالقيامة، وأنّ الخصومات تفصل في ذلك اليوم، ولولا ذلك لقضي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ "وهو عليهم عم" و"عمي")، قال الزجاج: ويقرأ: "وهو عليهم عم" بكسر الميم؛ ويجوز "وهو عليهم عمي" بإثبات الياء وفتحها، ولا يجوز إسكان الياء وترك التنوين.
قوله: (لا يرعونه أسماعهم)، الجوهري: أرعيته سمعي، أي أصغيت إليه. ومنه قوله تعالى: ﴿رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤].
قوله: (شاطة) شطت الدار شطوطًا، قال:
لئن غبت عن عيني وشطت بك النوى .... فأنت الذي في القلب حطت رواحله
قوله: (والكلمة السابقة: هي العدة بالقيامة، وأنّ الخصومات تفصل في ذلك اليوم) إشارة إلى ان هذا القول وارد على سبيل التخلص إلى ذكر القيامة، وهو قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ
стр. 7485
بينهم في الدنيا. قال الله تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦]، ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾ [النحل: ٦١].
[﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ٤٦]
﴿فَلِنَفْسِهِ﴾: فنفسه نفع، ﴿فَعَلَيْها﴾: فنفسه ضرّ، ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ فيعذب غير المسيء.
[﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ * وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ٤٧ - ٤٨]
﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: إذا سئل عنها قيل: الله يعلم. أو: لا يعلمها إلا الله.
وقرئ: ﴿مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾، "من أكمامهن، والكم، بكسر الكاف: وعاء الثمرة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ والتسلية للرسول ﷺ من اختلاف قومه في القرآن وطعن الطاعنين المتعنتين فيه، ولذلك اتى بذكر موسى ﵇ واختلاف قومه في كتابه.
قوله: (أي: إذا سئل عنها قيل: الله يعلم. أو: لا يعلمها إلا الله) يريد أن التقديم في قوله: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ يجوز أن يكون إشارة إلى جواب منكر يزعم ان علم الساعة غير مختص بالله، فيجاب بالحصر، أي لا يعلمها غلا الله، وان يكون جوابًا عن متردد يتردد في ذلك ويشك فيه، فيزال شكه بقوله: الله يعلم؛ لإادته تقوي الحكم المستلزم للتخصيص لاختصاص ذكر الاسم الجامع، وانه تعالى يعلمه حقًا البتة، فلا يعلم غيره.
قوله: (وقرئ: ﴿مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾) نافع وابن عامر وحفص: بالجمع، والباقون: على التوحيد.
стр. 7486
كجف الطلعة، أي: وما يحدث شيء من خروج ثمرة ولا حمل حامل ولا وضع واضع إلا وهو عالم به. يعلم عدد أيام الحمل وساعاته وأحواله: من الخداج والتمام،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كجف الطلعة)؛ أي: وعاؤها. النهاية: في حديث سحر النبي ﷺ "أنه جعل في جف الطلعة"، الجف: وعاء الطلع، وهو الغشاء الذي يكون فوقه.
قوله: (أي: وما يحدث شيء من خروج ثمرة ولا حمل حامل) جعل "ما"- في "ما يخرج"- نافية، و"من" بيانية، والمبين مضمرًا، ثم أخذ القدر المشترك بين الفعال الثلاثة- أعني: "تخرج" و"تحمل" و"تضع" وجعله أصلًا في الاعتبار- وعبر عنه بـ"يحدث شيء"، ثم عمد إلى مصادر الأفعال وجعلها تفصيلًا لذلك المجنل وعطف بعضها على بعض ليتسبب له الاستثناء بقوله: "إلا بعلمه" عن المذكورات كلها، فلا يختص بواحد لاستقامة المعنى، كما جاء في "الأصول": الاستثناء المعقب للجمل يعود إليها؛ لأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في التعلقات كالحال والشرط وغيرهما، إلا إذا منع منه مانع، والطريق الذي يسلكه ضابط حسن في الباب.
قال أبو البقاء: "وما تحمل" "ما" نافية؛ لأنه عطف عليها "ولا تضع"ثم نقض النفي بـ"إلا" ولو كانت بمعنى "الذي" معطوفة على الساعة لم يستقم ذلك، واما قوله: "وما تخرج من ثمرة" فيجوز أن يكون بمعنى "الذي" والأقوى أن تكون نافية.
وقال القاضي: "ما" في "ما تخرج" نافية، و"من" الأولى مزيدة، ويحتمل ان تكون موصولة معطوفة على "الساعة" و"من" مبينة، بخلاف قوله: ﴿وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ لمكان ﴿بِعِلْمِهِ﴾ حال، أي مقرونًا بعلمه واقعًا حسب تعلقه.
قوله: (من الخداج) خدجت الناقة تخدج خداجًا فهي خادج والولد خديج، إذا ألقته قبل تمام الأيام وإن كان تام الخلق.
стр. 7487
والذكورة والأنوثة، والحسن والقبح وغير ذلك. ﴿أَيْنَ شُرَكائِي﴾ أضافهم إليه تعالى على زعمهم، وبيانه في قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ، وفيه تهكم وتقريع. ﴿آذَنَّاكَ﴾: أعلمناك ﴿ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ أي: ما منا أحد اليوم وقد أبصرنا وسمعنا يشهد بأنهم شركاؤك، أي: ما منا إلا من هو موحد لك: أو: ما منا من أحد يشاهدهم؛ لأنهم ضلوا عنهم، وضلت عنهم آلهتهم، لا يبصرونها في ساعة التوبيخ. وقيل: هو كلام الشركاء، أي: ما منا من شهيد يشهد بما أضافوا إلينا من الشركة. ومعنى ضلالهم عنهم على هذا التفسير: أنهم لا ينفعونهم، فكأنهم ضلوا عنهم. ﴿وَظَنُّوا﴾ وأيقنوا. والمحيص: المهرب. فإن قلت:
﴿آذَنَّاكَ﴾ إخبار بإيذان كان منهم، فإذ قد آذنوا فلم سئلوا؟ قلت: يجوز أن يعاد عليهم: ﴿أَيْنَ شُرَكائِي﴾؟ إعادة للتوبيخ، وإعادته في القرآن على سبيل الحكاية: دليل على إعادة المحكي. ويجوز أن يكون المعنى: أنك علمت من قلوبنا وعقائدنا الآن أنا لا نشهد تلك الشهادة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومعنى ضلالهم [عنهم] على هذا التفسير) يعني: إذا كان قوله: ﴿آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ من كلام العبد، يكون معنى ﴿وَضَلَّ عَنْهًمْ﴾ غابن وإذا كان من كلام المعدوم فضلالهم بمعنى عدم نفعهم، لا بمعنى غيبتهم× لأنهم حينئذ المجيبون والمسؤول عنهم العبدة، والجملة على الوجهين حال، و"قد" معه مقدرة، ويجوز أن يكون عطفًا على ﴿قَالُوا﴾.
قوله: (﴿آذَنَّاكَ﴾ إخبار بإيذان كان منهم) يعني: هذا يقتضي أنه تعالى قد سأل عنهم بمثل هذا السؤال قبل ذلك، وانهم أجابوه بمثل هذا الجواب ثم أعاده، فما فائدة الإعادة؟ وأجاب بوجوه: أحدها أنه من عادة الموبخ أن يعيد كلمة التوبيخ تشديدًا على الجاني وتقبيحًا لجنايته، وثانيها: أن قولهم ليس أنه قد سبق منهم الإيذان بمثله، لكن هو إيذان بلسان الحال من مضمرات البال، وثالثها: أنه توطئة لفخبار وتمهيد لقوله: ﴿ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾، كقول القائل: أعلم الملك، ثم قوله: إنه قد كان من الأمر كيت وكيت.
стр. 7488
الباطلة؛ لأنه إذا علمه من نفوسهم فكأنهم أعلموه. ويجوز أن يكون إنشاءً للإيذان، ولا يكون إخبارًا بإيذان قد كان، كما تقول: أعلم الملك أنه كان من الأمر كيت وكيت.
[﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ * وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ٤٩ - ٥٠﴾
﴿مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ﴾: من طلب السعة في المال والنعمة. وقرأ ابن مسعود: (من دعاء بالخير). ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أي: الضيقة والفقر. ﴿فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ﴾ بولغ فيه من طريقين: من طريق بناء "فعول"، ومن طريق التكرير. والقنوط أن يظهر عليه أثر اليأس فيتضاءل وينكسر، أي: يقطع الرجاء من فضل الله وروحه، وهذه صفة الكافر، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. وإذا فرجنا عنه بصحة بعد مرض، أو سعة بعد ضيق قال: ﴿هَذَا لِي﴾ أي: هذا حقي وصل إلي، لأني استوجبته بما عندي من خير وفضل وأعمال برّ. أو: هذا لي لا يزول عني، ونحوه قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ﴾ [العراف: ١٣١]، ونحوه قوله: ﴿وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً﴾، ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] يريد: وما أظنها تكون، فإن كانت على طريق التوهم ﴿إِنَّ لِي﴾ عند الله الحالة الحسنى من للكرامة والنعمة، قائسًا أمر الاخرة على أمر الدنيا. وعن بعضهم: للكافر أمنيتان، يقول في الدنيا: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾، ويقول في الآخرة: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤]. وقيل:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بولغ فيه من طريقين: من طريق بناء "فعول"، ومن طريق التكرير) قال الإمام: اليأس من صفة القلب، والقنوط آثاره في الأحوال الظاهرة.
стр. 7489
نزلت في الوليد بن المغيرة. فلنخبرنهم بحقيقة ما عملوا من الأعمال الموجبة للعذاب؛ ولنبصرنهم عكس ما اعتقدوا فيها أنهم يستوجبون عليها كرامة وقربة عند الله، ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]؛ وذلك أنهم كانوا ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلبًا للافتخار والاستكبار لا غير، وكانوا يحسبون أنّ ما هم عليه سبب الغنى والصحة، وأنهم محقوقون بذلك.
[﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ ٥١]
هذا أيضًا ضرب آخر من طغيان الإنسان إذا أصابه الله بنعمة أبطرته النعمة، وكأنه لم يلق بؤسًا قط فنسي المنعم وأعرض عن شكره، ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ أي: ذهب بنفسه وتكبر وتعظم. وإن مسه الضرّ والفقر: أقبل على دوام الدعاء، وأخذ في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (نزلت في الوليد بن المغيرة) فهو بمعنى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] عن الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة، وقال المصنف: والمشهور أنها في العاص بن وائل؛ وقصته مع خباب مذكورة في سورة "مريم".
قوله: (وأنهم محقوقون) حق هذا الأمر، وهو محقوق به، أي: تيقن بخلافته، من الخليق، يعني أنهم احقاء بذلك.
قوله: (هذا أيضًا ضرب آخر من طغيان الإنسان)، والضرب الأول بيان لشدة حرصه، وأنه إن أعطي لم يشبع، وإن منع لم يقنع. والثاني لبيان طيشه؛ فلا يثبت على السراء، بل طار من منزلته وتكبر وطغى، ولا يصبر على الضراء، بل خضع واستكان في ذل.
стр. 7490
الابتهال والتضرع. وقد استعير العرض لكثرة الدعاء ودوامه وهو من صفة الأجرام، ويستعار له الطويل -أيضًا- كما استعير الغلظ لشدّة العذاب. وقرئ: (ونأِى بجانبه)، بإمالة الألف وكسر النون للإتباع، و (ناء) على القلب، كما قالوا: راء، في: رأى. فإن قلت: حقق لي معنى قوله: ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾. قلت: فيه وجهان: أن يوضع "جانبه" موضع نفسه كما ذكرنا في قوله تعالى: ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]: أن مكان الشيء وجهته ينزل منزلة الشيء نفسه، ومنه قوله:
...... ونفيت عنه .... مقام الذئب ...... ..
يريد: ونفيت عنه الذئب. ومنه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٦]، ومنه قول الكتاب: حضرة فلان ومجلسه، وكتبت إلى جهته، وإلى جانبه العزيز، يريدون نفسه وذاته، فكأنه قال: ونأى بنفسه، كقولهم في المتكبر: ذهب بنفسه، وذهبت به الخيلاء كل مذهب، وعصفت به الخيلاء؛ وأن يراد بجانبه: عطفه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: (ونأِى بجانبه)) ابن ذكوان: "وناءى بجانبه" جعل الهمزة بعد الألف، والباقون: بفتحهما، ورش على أصله.
قوله: (ونفيت عنه الذئب) قبله:
وماء قد وردت لوصل أروى .... عليه الطير كالورق اللجين
ذعرت به القطا ونفيت عنه .... مقام الذئب كالرجل اللعين
واللجين: ما سقط من الورق عند الخبط، وذعرت: أي أفزعته، والضمير في "به" يعود إلى الماء، خص الذئب والقطا؛ لأن القطا أهدى الطير، والذئب أهدى السباع، وهما السابقان إلى الماء، والرجل اللعين؛ شيء منتصب وسط الزرع يستطرد به الوحوش.
يقول: رب ماء قد وردته لأجل أن أرى عليه محبوبتي، جاءت إليه لغسل رأسها ورحض ثيابها، وصفة الماء ذلك.
стр. 7491
ويكون عبارة عن الانحراف والازورار؛ كما قالوا: ثنى عطفه، وتولى بركنه.
[﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ ٥٢]
﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: أخبروني ﴿إِنْ كانَ﴾ القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يعني: أن ما أنتم عليه من إنكار القرآن وتكذيبه ليس بأمر صادر عن حجة قاطعة حصلتم منها على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويكون عبارة عن الانحراف) هذا هو الجواب الثاني عن السؤال، وكلا الجوابين لا يتجاوزان عن الكناية، لكن الأول من باب التعريض بالتعظيم، فإنهم يعبرون عن المجلس والمقام والمكان عن ذات من يقصدون تعظيمه، ويحتشمون عن التصريح بالاسم، قال زهير:
فعرض إذا ما جئت بالبان والحمى .... وإياك أن تنسى فتذكر زينبا
سيكفيك من ذاك المسمى إشارة .... فدعه مصونًا بالجلال محجبا
وها هنا وارد على التهكم. والثاني من باب الرمز، كما عبروا عن عدم الالتفات بالتولي والنبذ وراء الظهور، ومرجعه أيضًا إلى التكبر والخيلاء؛ لن المتكبر لا يخلو من تلك الحركات.
قوله: (يعني: أن ما أنتم عليه من إنكار القرآن) إلى آخره، في كلامه قيود مستفادة من التركيب التنزيلي، فإن قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ وارد على العرض والتقدير، ويوجب أن يكون مسبوقًا بمقدمات تنتهي إليه، وهو أن يقال: إن ما أنتم عليه من إنكار القرىن ليس بصادر عن حجة قاطعة عندكم، وإنما هو أمر محتمل؛ لأنكم ما اتبعتم الدليل، فيجوز أن يكون من عند الله وألا يكون من عنده؛ والعاقل إذا تورط في مثل هذه الورطة يتوقف حتى يحصل على اليقين؛ ثم يشرع في قطع الحكم، فأنتم قطعتم في التكذيب والإنكار قبل الفحص والنظر، أخبروني إن كان صادقًا ومن عند الله؛ فمن أضل منكم؟ وقوله: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ﴾ وارد على العموم وعدم التصريح والمكافحة، وهو يقتضي أن يقال: ولعله حق فأهلكتم أنفسكم، ومن اظلم منكم؟ فوضع موضع الضمير ﴿مِمَّنْ هُوَ
стр. 7492
اليقين وثلج الصدور، وإنما هو قبل النظر واتباع الدليل أمر محتمل، يجوز أن يكون من عند الله وأن لا يكون من عنده، وأنتم لم تنظروا ولم تفحصوا، فما أنكرتم أن يكون حقًا وقد كفرتم به، فأخبرونى من أضلّ منكم وأنتم أبعدتم الشوط في مشاقته ومناصبته، ولعله حق فأهلكتم أنفسكم؟ وقوله: ﴿مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ موضوع موضع: منكم، بيانًا لحالهم وصفتهم.
[﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ ٥٣ - ٥٤]
﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يعنى ما يسر الله لرسوله ﷺ وللخلفاء من بعده ونصار دينه في آفاق الدنيا وبلاد المشرق والمغرب عمومًا وفي باحة العرب خصوصًا- من: الفتوح التي لم يتيسر أمثالها لأحد من خلفاء الأرض قبلهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ وهو معنى قوله: ﴿ثم كفرتم به﴾ لما فيه معنى البعد البعيد، والكلام وارد على إرخاء العنان والكلام المنصف.
قوله: (أبعدتم الشوط)، الجوهري: عدا شوطًا، أي: طلقًا. الأساس: فلان شوطه شوط باطل.
قوله: (في مشاقته) أي: بالغتم في مخاصمته، قال: المشاقة؛ مشتقة من الشق؛ لأن كلَا من المتعاديين في شق خلاف صاحبه.
قوله: (وفي باحة العرب)، الأساس: نشأ فلان في ساحتك وباحتك وهي العرصة، هذا تفسير لقوله: ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وهذا أيضًا وارد على خلاف مقتضى الظاهر، على عكس ما سبق آنفًا في قوله: ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ أي: بنفسه، وقول الشاعر: "مقام الذئب" جعلت أنفسهم بإدخال "في" كالعرصة والمكان المفتوح، إعلامًا بان تلك الفتوح أثرت في أنفسهم أثرًا بليغًا كانها هي مكانها.
стр. 7493
ومن الإظهار على الجبابرة والأكاسرة، وتغليب قليلهم على كثيرهم، وتسليط ضعافهم على أقويائهم، وإجرائه على أيديهم أمورًا خارجة من المعهود خارقة للعادات، ونشر دعوة الإسلام في أقطار المعمورة، وبسط دولته في أقاصيها، والاستقراء يطلعك في التواريخ والكتب المدوّنة في مشاهد أهله وأيامهم على عجائب لا ترى وقعة من وقائعهم إلا علمًا من أعلام الله وآية من آياته، يقوى معها اليقين، ويزداد بها الإيمان، ويتبين أن دين الإسلام هو دين الحق الذي لا يحيد عنه إلا مكابر حسه، مغالط نفسه، وما الثبات والاستقامة إلا صفة الحق والصدق، كما أن الاضطراب والتزلزل صفة الفرية والزور، وأن للباطل ريحًا تخفق ثم تسكن، ودولة تظهر ثم تضمحل. ﴿بِرَبِّكَ﴾ في موضع الرفع على أنه فاعل كفى. و ﴿أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بدل منه، تقديره: أو لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تقديره: أو لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد؟ ) إلى آخره، فإن قلت: من أين دل هذا اللفظ الموجز على هذه المعاني المبسوطة؟ قلت: من مقتضى المقام والعدول من الظاهر، فإن أصل المعنى سنريهم هذه الآيات إظهارًا للحق، وكفى دليلًا على ذلك، والواو في ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِ﴾ للحال، وإنما أدخل همزة التقرير على الجملة الحالية لمزيد تقرير حصول الموعود، وأن هذه الآيات كافية في المطلوب لا مزيد عليها، ووضع المظهر وقوله: ﴿بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ موضع ضمير الآيات في قولنا: وكفى بها دليلًا؛ للإشعار بالعلية، وأن هذه الآيات إنما صلحت للدليل على حقية المطلوب؛ لأن منشئها من هو على كل شيء مهيمن مطلع، وإليه الإشارة بقوله: "فيتبينون عند ذلك أن القرآن تنزيل عالم الغيب" وأبدل ﴿أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ من ﴿بِرَبِّكَ﴾ بيانًا وتفسيرًا وإيذانًا بأن هذا الوصف متعين له وشاهد بأن الرب هو الذي يكون على كل شيء شهيدًا، وإليه الإشارة بقوله: "مطكلع مهيمن يستوي عنده غيبه وشهادته"، وأما اختصاص الضمير في أنه الحق بالقرآن، فمن حيث المقام؛ لما سبق أن هذه السورة الكريمة نازلة في بيان عظمة القرآن المجيد والرد على منكريه ومعانديه، فكل ما جعل ذكره مشروعًا لمعنى أتى بما يناسبه من المعاني، فكان قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ كلامًا على سبيل إرخاء العنان كالخاتمة
стр. 7494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لهذه المعاني، فجيء بقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ﴾ الآية مسليًا لحبيبه صلوات الله عليه، ووعدًا لإظهار كلمته وقهر أعهدائه، وسلك فيه مسلك الدليل والبرهان؛ ليظهر للموافق والمخالف حقيته، وإليه الإشارة بقوله: "ولو لم يكن كذلك لما قوي هذه القوة ولما نصر حاملوه هذه النصرة"، وأدمج في الكلام معنى الإخبار بالغيب بذكر ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وإليه الإشارة بقوله: "يستوي عنده غيبه وشهادته"؛ ليكون كالشاهد على أنها بنفسها آية مستقلة من حيث إنها مخبرة عن الغيب.
روى الواحدي عن الزجاج أنه قال: ومعنى الكفاية ها هنا أن الله تعالى قد بين لهم ما فيه كفاية من الدلالة.
فإن قلت: هل لقول عطاء على ما رواه محيي السنة ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ﴾ يعني أقطار السماوات والأرض؛ من الشمس والقمر والنجوم والأشجار والأنهار ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من لطيف الصنعة وبديع الحكمة ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ وجه مناسبة بالنظم؟
قلت: أجل، ونعمت المناسبة والعلم عند الله، وذلك أنه تعالى لما أمر حبيبه صلوات الله عليه بمتاركة القوم في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ دخل في خلده اليأس من إيمان القوم، وذهبت نفسه عليهم حسرات، فأعلمه الله تعالى بقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا﴾ أنه ما عليك إلا البلاغ ومنا الهداية، فأنت قد أديت ما عليك من البلاغ وليس الهداية، ونحن سنهدي منهم من نريد هدايته بأن نفتح قلوبًا غلفًا وآذانًا صمًا وعيونًا عميًا، فيرون آياتنا في الآفاق وفي الأنفس، ثم قرر ذلك بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ إنجازًا للموعد، مسليًا له صلوات الله عليه مما اعتراه من اليأس، كان هذا الوجه أحسن، وفي معنى الخاتمة أدخل، وللتناول أعم وأسهل.
стр. 7495
ومعناه: أن هذا الموعود من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدونه، فيتبينون عند ذلك أن القرآن تنزيل عالم الغيب الذي هو: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، أي: مطلع مهيمن يستوي عنده غيبه وشهادته، فيكفيهم ذلك دليلًا على أنه حق، وأنه من عنده، ولو لم يكن كذلك لما قوي هذه القوة، ولما نصر حاملوه هذه النصرة. وقرئ: (في مرية)، بالضم؛ وهي الشك. ﴿مُحِيطٌ﴾: عالم بجمل الأشياء وتفاصيلها وظواهرها وبواطنها، فلا تخفى عليه خافية منهم، وهو مجازيهم على كفرهم ومريتهم في لقاء ربهم.
عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة السجدة أعطاه الله بكل حرف عشر حسنات".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والقول الذي اختاره المصنف رواه محيي السنة عن مجاهد والحسن والسدي.
قال الإمام: فإن قيل: هذا الوجه ضعيف؛ لأن سين الاستقبال يدل على أنه تعالى ما أطلعهم على تلك الآيات، وسيطلعهم عليها، وليس كذلك. قلنا: إن القوم وإن كانوا قد رأوا هذه الأشياء؛ إلا أن العجائب التي أودعها فيها مما لا نهاية لها، فهو تعالى يطلعهم عليها زمانًا قريبًا حالًا فحالًا، فإن كل أحد يشاهد بينة إلا الإنسان؛ إلا أن العجائب التي أودعها الله تعالى في تركيبها لا تحصى واكثر الناس غافلون عنها، فمن حمل على التفكير فيها بالقوارع التنزيلية والتنبيهات الإلهية، كلما ازداد تفكرًا ازداد وقوفًا، فصح معنى الاستقبال والله أعلم.
تمت السورة
حامدًا ومصليًا على رسول الله
* * *
следующие страницы →