Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7491–7530 · переход к 7496.
стр. 7491
ويكون عبارة عن الانحراف والازورار؛ كما قالوا: ثنى عطفه، وتولى بركنه.
[﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ ٥٢]
﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: أخبروني ﴿إِنْ كانَ﴾ القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يعني: أن ما أنتم عليه من إنكار القرآن وتكذيبه ليس بأمر صادر عن حجة قاطعة حصلتم منها على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويكون عبارة عن الانحراف) هذا هو الجواب الثاني عن السؤال، وكلا الجوابين لا يتجاوزان عن الكناية، لكن الأول من باب التعريض بالتعظيم، فإنهم يعبرون عن المجلس والمقام والمكان عن ذات من يقصدون تعظيمه، ويحتشمون عن التصريح بالاسم، قال زهير:
فعرض إذا ما جئت بالبان والحمى .... وإياك أن تنسى فتذكر زينبا
سيكفيك من ذاك المسمى إشارة .... فدعه مصونًا بالجلال محجبا
وها هنا وارد على التهكم. والثاني من باب الرمز، كما عبروا عن عدم الالتفات بالتولي والنبذ وراء الظهور، ومرجعه أيضًا إلى التكبر والخيلاء؛ لن المتكبر لا يخلو من تلك الحركات.
قوله: (يعني: أن ما أنتم عليه من إنكار القرآن) إلى آخره، في كلامه قيود مستفادة من التركيب التنزيلي، فإن قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ وارد على العرض والتقدير، ويوجب أن يكون مسبوقًا بمقدمات تنتهي إليه، وهو أن يقال: إن ما أنتم عليه من إنكار القرىن ليس بصادر عن حجة قاطعة عندكم، وإنما هو أمر محتمل؛ لأنكم ما اتبعتم الدليل، فيجوز أن يكون من عند الله وألا يكون من عنده؛ والعاقل إذا تورط في مثل هذه الورطة يتوقف حتى يحصل على اليقين؛ ثم يشرع في قطع الحكم، فأنتم قطعتم في التكذيب والإنكار قبل الفحص والنظر، أخبروني إن كان صادقًا ومن عند الله؛ فمن أضل منكم؟ وقوله: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ﴾ وارد على العموم وعدم التصريح والمكافحة، وهو يقتضي أن يقال: ولعله حق فأهلكتم أنفسكم، ومن اظلم منكم؟ فوضع موضع الضمير ﴿مِمَّنْ هُوَ
стр. 7492
اليقين وثلج الصدور، وإنما هو قبل النظر واتباع الدليل أمر محتمل، يجوز أن يكون من عند الله وأن لا يكون من عنده، وأنتم لم تنظروا ولم تفحصوا، فما أنكرتم أن يكون حقًا وقد كفرتم به، فأخبرونى من أضلّ منكم وأنتم أبعدتم الشوط في مشاقته ومناصبته، ولعله حق فأهلكتم أنفسكم؟ وقوله: ﴿مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ موضوع موضع: منكم، بيانًا لحالهم وصفتهم.
[﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ ٥٣ - ٥٤]
﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يعنى ما يسر الله لرسوله ﷺ وللخلفاء من بعده ونصار دينه في آفاق الدنيا وبلاد المشرق والمغرب عمومًا وفي باحة العرب خصوصًا- من: الفتوح التي لم يتيسر أمثالها لأحد من خلفاء الأرض قبلهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ وهو معنى قوله: ﴿ثم كفرتم به﴾ لما فيه معنى البعد البعيد، والكلام وارد على إرخاء العنان والكلام المنصف.
قوله: (أبعدتم الشوط)، الجوهري: عدا شوطًا، أي: طلقًا. الأساس: فلان شوطه شوط باطل.
قوله: (في مشاقته) أي: بالغتم في مخاصمته، قال: المشاقة؛ مشتقة من الشق؛ لأن كلَا من المتعاديين في شق خلاف صاحبه.
قوله: (وفي باحة العرب)، الأساس: نشأ فلان في ساحتك وباحتك وهي العرصة، هذا تفسير لقوله: ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وهذا أيضًا وارد على خلاف مقتضى الظاهر، على عكس ما سبق آنفًا في قوله: ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ أي: بنفسه، وقول الشاعر: "مقام الذئب" جعلت أنفسهم بإدخال "في" كالعرصة والمكان المفتوح، إعلامًا بان تلك الفتوح أثرت في أنفسهم أثرًا بليغًا كانها هي مكانها.
стр. 7493
ومن الإظهار على الجبابرة والأكاسرة، وتغليب قليلهم على كثيرهم، وتسليط ضعافهم على أقويائهم، وإجرائه على أيديهم أمورًا خارجة من المعهود خارقة للعادات، ونشر دعوة الإسلام في أقطار المعمورة، وبسط دولته في أقاصيها، والاستقراء يطلعك في التواريخ والكتب المدوّنة في مشاهد أهله وأيامهم على عجائب لا ترى وقعة من وقائعهم إلا علمًا من أعلام الله وآية من آياته، يقوى معها اليقين، ويزداد بها الإيمان، ويتبين أن دين الإسلام هو دين الحق الذي لا يحيد عنه إلا مكابر حسه، مغالط نفسه، وما الثبات والاستقامة إلا صفة الحق والصدق، كما أن الاضطراب والتزلزل صفة الفرية والزور، وأن للباطل ريحًا تخفق ثم تسكن، ودولة تظهر ثم تضمحل. ﴿بِرَبِّكَ﴾ في موضع الرفع على أنه فاعل كفى. و ﴿أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بدل منه، تقديره: أو لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تقديره: أو لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد؟ ) إلى آخره، فإن قلت: من أين دل هذا اللفظ الموجز على هذه المعاني المبسوطة؟ قلت: من مقتضى المقام والعدول من الظاهر، فإن أصل المعنى سنريهم هذه الآيات إظهارًا للحق، وكفى دليلًا على ذلك، والواو في ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِ﴾ للحال، وإنما أدخل همزة التقرير على الجملة الحالية لمزيد تقرير حصول الموعود، وأن هذه الآيات كافية في المطلوب لا مزيد عليها، ووضع المظهر وقوله: ﴿بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ موضع ضمير الآيات في قولنا: وكفى بها دليلًا؛ للإشعار بالعلية، وأن هذه الآيات إنما صلحت للدليل على حقية المطلوب؛ لأن منشئها من هو على كل شيء مهيمن مطلع، وإليه الإشارة بقوله: "فيتبينون عند ذلك أن القرآن تنزيل عالم الغيب" وأبدل ﴿أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ من ﴿بِرَبِّكَ﴾ بيانًا وتفسيرًا وإيذانًا بأن هذا الوصف متعين له وشاهد بأن الرب هو الذي يكون على كل شيء شهيدًا، وإليه الإشارة بقوله: "مطكلع مهيمن يستوي عنده غيبه وشهادته"، وأما اختصاص الضمير في أنه الحق بالقرآن، فمن حيث المقام؛ لما سبق أن هذه السورة الكريمة نازلة في بيان عظمة القرآن المجيد والرد على منكريه ومعانديه، فكل ما جعل ذكره مشروعًا لمعنى أتى بما يناسبه من المعاني، فكان قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ كلامًا على سبيل إرخاء العنان كالخاتمة
стр. 7494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لهذه المعاني، فجيء بقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ﴾ الآية مسليًا لحبيبه صلوات الله عليه، ووعدًا لإظهار كلمته وقهر أعهدائه، وسلك فيه مسلك الدليل والبرهان؛ ليظهر للموافق والمخالف حقيته، وإليه الإشارة بقوله: "ولو لم يكن كذلك لما قوي هذه القوة ولما نصر حاملوه هذه النصرة"، وأدمج في الكلام معنى الإخبار بالغيب بذكر ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وإليه الإشارة بقوله: "يستوي عنده غيبه وشهادته"؛ ليكون كالشاهد على أنها بنفسها آية مستقلة من حيث إنها مخبرة عن الغيب.
روى الواحدي عن الزجاج أنه قال: ومعنى الكفاية ها هنا أن الله تعالى قد بين لهم ما فيه كفاية من الدلالة.
فإن قلت: هل لقول عطاء على ما رواه محيي السنة ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ﴾ يعني أقطار السماوات والأرض؛ من الشمس والقمر والنجوم والأشجار والأنهار ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من لطيف الصنعة وبديع الحكمة ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ وجه مناسبة بالنظم؟
قلت: أجل، ونعمت المناسبة والعلم عند الله، وذلك أنه تعالى لما أمر حبيبه صلوات الله عليه بمتاركة القوم في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ دخل في خلده اليأس من إيمان القوم، وذهبت نفسه عليهم حسرات، فأعلمه الله تعالى بقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا﴾ أنه ما عليك إلا البلاغ ومنا الهداية، فأنت قد أديت ما عليك من البلاغ وليس الهداية، ونحن سنهدي منهم من نريد هدايته بأن نفتح قلوبًا غلفًا وآذانًا صمًا وعيونًا عميًا، فيرون آياتنا في الآفاق وفي الأنفس، ثم قرر ذلك بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ إنجازًا للموعد، مسليًا له صلوات الله عليه مما اعتراه من اليأس، كان هذا الوجه أحسن، وفي معنى الخاتمة أدخل، وللتناول أعم وأسهل.
стр. 7495
ومعناه: أن هذا الموعود من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدونه، فيتبينون عند ذلك أن القرآن تنزيل عالم الغيب الذي هو: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، أي: مطلع مهيمن يستوي عنده غيبه وشهادته، فيكفيهم ذلك دليلًا على أنه حق، وأنه من عنده، ولو لم يكن كذلك لما قوي هذه القوة، ولما نصر حاملوه هذه النصرة. وقرئ: (في مرية)، بالضم؛ وهي الشك. ﴿مُحِيطٌ﴾: عالم بجمل الأشياء وتفاصيلها وظواهرها وبواطنها، فلا تخفى عليه خافية منهم، وهو مجازيهم على كفرهم ومريتهم في لقاء ربهم.
عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة السجدة أعطاه الله بكل حرف عشر حسنات".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والقول الذي اختاره المصنف رواه محيي السنة عن مجاهد والحسن والسدي.
قال الإمام: فإن قيل: هذا الوجه ضعيف؛ لأن سين الاستقبال يدل على أنه تعالى ما أطلعهم على تلك الآيات، وسيطلعهم عليها، وليس كذلك. قلنا: إن القوم وإن كانوا قد رأوا هذه الأشياء؛ إلا أن العجائب التي أودعها فيها مما لا نهاية لها، فهو تعالى يطلعهم عليها زمانًا قريبًا حالًا فحالًا، فإن كل أحد يشاهد بينة إلا الإنسان؛ إلا أن العجائب التي أودعها الله تعالى في تركيبها لا تحصى واكثر الناس غافلون عنها، فمن حمل على التفكير فيها بالقوارع التنزيلية والتنبيهات الإلهية، كلما ازداد تفكرًا ازداد وقوفًا، فصح معنى الاستقبال والله أعلم.
تمت السورة
حامدًا ومصليًا على رسول الله
* * *
стр. 7496
فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب
وهو حاشية الطيبي على الكشاف
للإمام شرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي
المتوفى سنة ٧٤٣ هـ رحمه الله تعالى
الجزء الرابع عشر
تفسير السور من الشورى إلى نهاية ق
стр. 7497
سورة ﴿حم * عسق﴾
مكية، وهي ثلاث وخمسون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[﴿حم * عسق * كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ * تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ١ - ٥]
قرأ ابن عباس وابن مسعود ﵄: حم سق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة ﴿حم * عسق﴾
مكية، وهي ثلاث وخمسون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (قرأ ابن عباس وابن مسعود: "حم سق"): قال الزجاج: "المصاحف فيها العين ثابتة"، وقال ابن جني: "روى محبوب، عن إسماعيل، عن الأعمش، عن ابن مسعود: "حم سق"، وهذا مما يؤكد أن يكون الغرض من هذه الفواتح كونها فواصل بين السور، ولو
стр. 7498
﴿كَذلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ﴾ أي: مثل ذلك الوحي، أو مثل ذلك الكتاب يوحى إليك وإلى الرسل، ﴿مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ﴾ يعني: أن ما تضمنته هذه السورة من المعاني قد أوحى الله إليك مثله في غيرها من السور، وأوحاه من قبلك إلى رسله، على معنى: أن الله تعالى كرر هذه المعاني في القرآن وفي جميع الكتب السماوية، لما فيها من التنبيه البليغ واللطف العظيم لعباده من الأوّلين والآخرين، ولم يقل: "أوحي إليك"، ولكن على لفظ المضارع، ليدل على أن إيحاء مثله عادته.
وقرئ: "يوحى إليك"، على البناء للمفعول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت أسماء الله تعالى لما جاز تغيير شيء منها، وأما نحو: جبرائيل وميكائيل، فإنها أسماء أعجمية، فبعدت عن كلامهم، فاجترأت عليها، وتلعبت بها، وكان ابن عباس أيضًا يقرؤها كذلك".
قوله: (أي: مثل ذلك الوحي، أو مثل ذلك الكتاب): والأول على أن يكون مفعولًا مطلقًا، أي: يوحي إليك مثل ذلك الوحي، والثاني على أن يكون مفعولًا به، والمشار إليه: ﴿حم * عسق﴾، لأنه اسم للسورة، ولذلك قال: "إن ما تضمنته هذه السورة من المعاني قد أوحى الله إليك مثله في غيرها من السور".
قال أبو البقاء: "وفيه وجهان: أحدهما: أن ﴿كَذَلِكَ﴾ مبتدأ، و ﴿يُوحِي﴾ الخبر. والثاني: أن يكون ﴿كَذَلِكَ﴾ نعتًا لمصدر محذوف، أي: وحيًا مثل ذلك".
قوله: (على لفظ المضارع؛ ليدل على أن إيحاء مثله عادته): أشار إلى أن دلالته للاستمرار، فهو على منوال قوله: "فلان يقري ويحمي الحريم"؛ في مقام المدح، أراد: أن ذلك دأبه وعادته، لا الإخبار.
قوله: (وقرئ: "يوحي إليك" على البناء للمفعول): قرأها ابن كثير، والباقون: على البناء للفاعل.
?
стр. 7499
فإن قلت: فما رافع اسم الله على هذه القراءة؟ قلت: ما دلّ عليه ﴿يوحي﴾، كأن قائلًا قال: من الموحي؟ فقيل: الله، كقراءة السلمي: "وكذلك زُين لكثير من المشركين قتلُ أولادِهم شركاؤهم" على البناء للمفعول ورفع شركائهم، على معنى: زينه لهم شركاؤهم. فإن قلت: فما رافعه فيمن قرأ "نوحي" بالنون؟ قلت: يرتفع بالابتداء.
و﴿العَزِيزُ﴾ وما بعده: أخبار، أو ﴿الْعَزِيزُ الحَكِيمُ﴾: صفتان، والظرف خبر.
قرئ: ﴿تَكَادُ﴾ بالتاء والياء. و"ينفطرن"، و ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كأن قائلًا قال: من الموحي؟ فقيل: الله): فإن قلت: في أمثال هذا السؤال: إنما يعيدون الفاعل مع الفعل ليقع المرفوع فاعلًا لفعل محذوف، كما فعل أبو البقاء وقال: "و ﴿اللهُ﴾ فاعل لفعل محذوف، كأنه قيل: من يوحي؟ فقيل: الله"، وقدروا في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧]: من يسبح؟ فأجيب: رجال، أي: يسبح رجال. وكذا في قوله: ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧]: من زينه؟ فأجيب: زينه لهم شركاؤهم، فما له أوقع السؤال: من الموحي؛ ليجاب: الله، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الموحي الله؟
وأجيب: أن هذا التقدير إنما نشأ من الفعل المضارع ودلالته على الاستمرار كما مر، فأوجب ذلك أن يجاء في السؤال بما يجاب عنه بالدوام، ويمكن أن يقال: أن تلك الأمثلة السؤال فيها عن فاعل مجهول، بخلافه في هذا المقام، فإنه لما قيل: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ لم يخف على أحد أن الموحي من هو؟ فلا يكون السؤال عن تعيين الموحي، بل ليجاب بما ينبئ عن المدح والتعظيم، ومن ثم قرن اسم الذات بذكر صفات تتضمن معنى الجلال والكبرياء، ثم عقب بالتنزيه البليغ. لله در المصنف ولطيف عباراته، ولو قال: "من يوحي؟ " لفات كل هذه الفوائد.
قوله: (وقرئ: ﴿تَكَادُ﴾ بالتاء والياء): بالياء التحتانية: نافع والكسائي، والباقون: بالتاء. و"ينفطرن" بالنون: أبو بكر وأبو عمرو، والباقون: بالتاء الفوقانية.
?
стр. 7500
وروى يونس عن أبي عمرو قراءة غريبة: "تتفطرن" بتاءين مع النون، ونظيرها حرف نادر، روي في "نوادر" ابن الأعرابي: "الإبل تشممن". ومعناه: يكدن ينفطرن من علو شأن الله وعظمته، يدل عليه مجيئه بعد ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾. وقيل: من دعائهم له ولدًا، كقوله تعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ [مريم: ٩٠].
فإن قلت: لم قال: ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾؟ قلت: لأن أعظم الآيات وأدلها على الجلال والعظمة: فوق السماوات، وهي: العرش، والكرسي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قراءة غريبة): لأن جمع المؤنث الغائب إنما يكون بالياء التحتانية لا بالتاء، قال: "الوجه في مثل هذا تأكيد التأنيث، كتأكيد الخطاب في قولك: أرأيتك؟ وقال: الشاذ على وجوه: شاذ عن القياس، وشاذ عن الاستعمال مع موافقة القياس، وشاذ عنهما جميعًا، وهذا من قبيله".
قوله: (يدل عليه مجيئه بعد ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾): يعني: قوله: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن معناه: أن السماوات يتفطرن من علو شأن الله وعظمته، يدل عليه أن الآية بجملتها مبنية لمعنى العظمة والعلو في قوله: ﴿وهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾، ولذلك ترك العاطف. وثانيهما: أن المعنى: تكاد السماوات يتفطرن من دعائهم له ولدًا وشريكًا، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧ - ٩١]، يؤيده مجيء قوله: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ بعده.
وأما إيراد قوله: ﴿وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، فلأنهم استوجبوا بمقالتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبًا، ولكن صرف ذلك عنهم؛ لأنه غفور رحيم يمهل ولا يعاجل، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦]، وعلى هذا: الآية واردة للتنزيه بعد إثبات المالكية التامة والعظمة والكبرياء.
?
стр. 7501
وصفوف الملائكة المرتجة بالتسبيح والتقديس حول العرش، وما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى من آثار ملكوته العظمى، فلذلك قال: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾، أي: يبتدئ الانفطار من جهتهنّ الفوقانية. أو لأن كلمة الكفر جاءت من الذين تحت السماوات، فكان القياس أن يقال: ينفطرن من تحتهن من الجهة التي جاءت منها الكلمة، ولكنه بولغ في ذلك، فجعلت مؤثرة في جهة الفوق، كأنه قيل: يكدن ينفطرن من الجهة التي فوقهن، دع الجهة التي تحتهنّ.
ونظيره في المبالغة قوله عزّ وعلا: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٠]، فجعل الحميم مؤثرًا في أجزائهم الباطنة. وقيل: ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾: من فوق الأرضين.
فإن قلت: كيف صح أن يستغفروا لمن في الأرض وفيهم الكفار أعداء الله؟ وقد قال الله تعالى: ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ١٦١]، فكيف يكونون لاعنين مستغفرين لهم؟ قلت: قوله: ﴿لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ يدل على جنس أهل الأرض، وهذه الجنسية قائمة في كلهم وفي بعضهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وصفوف الملائكة المرتجة): قال في "الفائق": "رج الشيء فارتج: حركه فتحرك"، الجوهري: "ارتج البحر وغيره: اضطرب"، و"بالتسبيح" متعلق بقوله: "المرتجة"، وهي صفة للصفوف:
قوله: (أو لأن كلمة الكفر جاءت): هذا الجواب مبني على الوجه الثاني من تفسير سبب الانفطار.
قوله: (ونظيره في المبالغة قوله عز وعلا: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾: ذكر فيه تأثير الصب في الأجزاء الباطنة، وترك بيان تأثيره في موضع الصب، وهو "رؤوسهم"؛ ليؤذن به أن الموضع الذي ليس موقعًا للصب كذلك، فما بال الموضع الذي وقع فيه الصب؟
стр. 7502
فيجوز أن يراد به هذا وهذا. وقد دل الدليل على أن الملائكة لا يستغفرون إلا لأولياء الله، وهم المؤمنون، فما أراد الله إلا إياهم، ألا ترى إلى قوله تعالى في سورة المؤمن: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، وحكايته عنهم: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧]، كيف وصفوا المستغفر لهم بما يستوجب به الاستغفار، فما تركوا للذين لم يتوبوا من المصدقين طمعًا في استغفارهم، فكيف للكفرة؟ !
ويحتمل أن يقصدوا بالاستغفار: طلب الحلم والغفران في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ إلى أن قال: ﴿إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، والمراد: الحلم عنهم، وأن لا يعاجلهم بالانتقام، فيكون عامًّا.
فإن قلت: قد فسرت قوله تعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ بتفسيرين، فما وجه طباق ما بعده لهما؟ قلت: أما على أحدهما: فكأنه قيل: تكاد السماوات ينفطرن هيبة من جلاله، واحتشامًا من كبريائه، والملائكة الذين هم ملء السبع الطباق،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ألا ترى إلى قوله سورة المؤمن: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [غافر: ٧]؟ ): يريد: أن هذا المطلق مجمول على ذلك المقيد، انظر كم ركب معاسف؟ ! خص هذا العام بقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾، وقد خص ذلك بقوله: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾، فرجع المعنى إلى قوله: ويستغفرون لمن تاب عن المعاصي. والوجه: أن يحمل هذا الاستغفار على عموم المجاز، كما سبق في سورة المؤمن.
قوله: (بتفسيرين): وهو أن السماوات يتفطرن من علو شأن الله، وقيل: من دعائهم له ولدًا.
стр. 7503
وحافون حول العرش صفوفا بعد صفوف يداومون -خضوعًا لعظمته- على عبادته وتسبيحه وتحميده، ويستغفرون لمن في الأرض خوفًا عليهم من سطواته.
وأما على الثاني فكأنه قيل: يكدن ينفطرن من إقدام أهل الشرك على تلك الكلمة الشنعاء، والملائكة يوحدون الله وينزهونه عما لا يجوز عليه من الصفات التي يضيفها إليه الجاهلون به، حامدين له على ما أولاهم من ألطافه التي علم أنهم عندها يستعصمون مختارين غير ملجئين، ويستغفرون لمؤمني أهل الأرض الذين تبرؤا من تلك الكلمة ومن أهلها، أو يطلبون إلى ربهم أن يحلم عن أهل الأرض ولا يعاجلهم بالعقاب مع وجود ذلك فيهم، لما عرفوا في ذلك من المصالح، وحرصًا على نجاة الخلق، وطمعًا في توبة الكفار والفساق منهم.
[﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ٦]
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ جعلوا له شركاء وأندادًا، ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ رقيب على أحوالهم وأعمالهم لا يفوته منها شيء، وهو محاسبهم عليها ومعاقبهم، لا رقيب عليهم إلا هو وحده، ﴿وَما أَنْتَ﴾ يا محمد بموكل بهم ولا مفوض إليك أمرهم، ولا قسرهم على الإيمان، إنما أنت منذر فحسب.
[﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ ٧]
ومثل ذلك ﴿أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾، وذلك إشارة إلى معنى الآية قبلها؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يستعصمون مختارين): قيل: الاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد، كأنهم في عصمة، ويجتهدون في الاستزادة.
قوله: (وذلك): إشارة إلى المعنى الآية قبلها، وهي قوله: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ ومَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾، كأنه صلوات الله عليه -على ما هو دأبه وعادته- يحرص على إيمان المشركين،
стр. 7504
من أنّ الله هو الرقيب عليهم، وما أنت برقيب عليهم، ولكن نذير لهم، لأنّ هذا المعنى كرره الله في كتابه في مواضع جمة، والكاف مفعول به لـ ﴿أَوْحَيْنَا﴾، و ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ حال من المفعول به، أي: أوحيناه إليك وهو قرآن عربي بين، لا لبس فيه عليك، لتفهم ما يقال لك، ولا تتجاوز حدّ الإنذار. ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى مصدر ﴿أَوْحَيْنَا﴾، أي: ومثل ذلك الإيحاء البين المفهم أوحينا إليك قرآنًا عربيًا بلسانك.
﴿لِتُنْذِرَ﴾ يقال: أنذرته كذا، وأنذرته بكذا، وقد عدي الأوّل، أعني: ﴿لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ - إلى المفعول الأوّل، والثاني -وهو قوله: ﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾ - إلى المفعول الثاني، ﴿أُمَّ الْقُرى﴾ أهل أمّ القرى، كقوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ من العرب، وقرئ: لينذر بالياء والفعل للقرآن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فجيء بقوله: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ إنكارًا عليه، وبنى عليه هذا النفي والإثبات للتشديد فيه، يعني: أمثال هؤلاء المصرين ليس في وسعك وقدرتك أن تهديهم، والله وحده هو القادر على ذلك، والذي عليك هو الإنذار فقط.
أما قوله: (وهو قرآن عربي لا لبس عليك فيه): فمعناه: أن القرآن مملوء من هذا النوع من الإنكار، وبين فيه بيانًا شافيًا لا يخفى عليك معناه؛ لأنه بلسانك عربي، وأنت تسلك فيه مسلك التورية والإيهام، ولا تترك الحرص البتة، وعلى مثل هذه التورية والمبالغة قد نص المصنف في قوله تعالى: ﴿أن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، وقوله صلوات الله عليه: "سأزيد على السبعين".
قوله: (وقد عدي الأول -أعني: ﴿لِّتُنذِرُ أُمَّ القُرَى﴾ - إلى المفعول الأول، والثاني -وهو قوله: ﴿وتُنذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾ - إلى المفعول الثاني): فكأن التقدير: لتنذر أم القرى بما يجب أن تنذر به، ولتنذر أم القرى بيوم الجمع.
?
стр. 7505
﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ يوم القيامة، لأنّ الخلائق تجمع فيه. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩]، وقيل: يجمع بين الأرواح والأجساد. وقيل: يجمع بين كل عامل وعمله. و ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ اعتراض لا محل له.
قرئ: ﴿فَرِيقٌ﴾ ﴿وَفَرِيقٌ﴾ بالرفع والنصب؛ فالرفع على: منهم فريق، ومنهم فريق، والضمير للمجموعين، لأن المعنى: يوم جمع الخلائق، والنصب على الحال منهم، أي: متفرّقين، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤].
فإن قلت: كيف يكونون مجموعين متفرّقين في حالة واحدة؟ قلت: هم مجموعون في ذلك اليوم مع افتراقهم في داري البؤس والنعيم، كما يجتمع الناس يوم الجمعة متفرّقين في مسجدين، وإن أريد بالجمع: جمعهم في الموقف، فالتفرّق على معنى مشارفتهم للتفرّق.
[﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ٨]
﴿لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: مؤمنين كلهم على القسر والإكراه، كقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣]،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روي عن المصنف أنه قال: " ﴿لِّتُنذِرُ أُمَّ القُرَى ومَنْ حَوْلَهَا﴾ عام في الإنذار بأحوال الدنيا والآخرة، ثم خص بقوله: ﴿وتُنذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾، أي: يوم القيامة، زيادة في الإنذار وبيانًا لعظم أهوال يوم القيامة؛ لأن الإفراد بالذكر يدل على هذا". وقلت: ولهذا أعاد ذكر الإنذار، وهو قريب من أسلوب قوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ ...... وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨].
قوله: (قرئ: ﴿فَرِيقٌ﴾ و ﴿فَرِيقٌ﴾ بالرفع والنصب): أي: فريق في الجنة وفريق في السعير، أو: فريقًا في الجنة وفريقًا في السعير، فالرفع مشهور، والنصب شاذ.
?
стр. 7506
وقوله: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]، والدليل على أنّ المعنى هو الإلجاء إلى الإيمان: قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، وقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ﴾ -بإدخال همزة الإنكار على المكره دون فعله- دليل على أنّ الله وحده هو القادر على هذا الإكراه دون غيره.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والدليل على أن المعنى هو الإلجاء إلى الإيمان: قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾): وقلت: الدليل عليه لا له؛ لأنه تقرر عند علماء المعاني أن مثل هذا التركيب يفيد حصول الفعل قطعًا، لكن الكلام في الفاعل: أنه هل هو رسول الله ﷺ أم الله ؟ فدلت همزة الإنكار على نفي أن يكون الفاعل رسول الله ﷺ ، فيختص بالله، فيكون الإكراه موجودًا.
أما قضية النظم: فإن الكلام في قوله: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ ومَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ سيق لنهي رسول الله ﷺ عن شدة الحرص على إيمان قوم اتخذوا من دون الله أولياء، ونزل لذلك منزلة مدع أنه وليهم ونصيرهم، وهو الوكيل على غرس الإيمان في قلوبهم، حتى رد بقوله: ﴿ومَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾، وعلل ذلك بقوله: ﴿ولَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ الآية، يعني: أن ذلك لأجل أن المشيئة ما تعلقت بإيمانهم، ولم يرد الله أن يدخلهم في رحمته، فوضع "الظالمون" موضع ضمير المتخذين من دون الله أوليا؛ ليؤذن بأن الشرك ظلم عظيم، وذلك الذي منع عن النصرة والتوكيل عليهم، وذلك الذي أبعدهم من رحمته الواسعة، وكان أصل الكلام: ولكن يدخل من يشاء في غضبه. فوضع موضعه ﴿والظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾؛ غضبًا على أولئك المتخذين من دونه أولياء، وسخطًا على سوء صنيعهم؛ فاللام في ﴿والظَّالِمُونَ﴾ للعهد.
ويجوز أن يكون للجنس، فيدخلوا فيه دخولًا أوليًا.
وما يدل على التقابل: قول المصنف: "ألا ترى وضعهم في مقابلة "الظالمين"؟ "، يعني: دل وضع ﴿مَن يَشَاءُ﴾ في مقابلة "الظالمين" على أن ذلك المطلق مقيد بما يقابل هذا المعين، وما
?
стр. 7507
والمعنى: ولو شاء ربك مشيئة قدرة لقسرهم جميعًا على الإيمان، ولكنه شاء مشيئة حكمة، فكلفهم وبنى أمرهم على ما يختارون، ليدخل المؤمنين في رحمته -وهم المرادون بـ ﴿مَن يَشَاءُ﴾، ألا ترى إلى وضعهم في مقابلة "الظالمين"؟ -، ويترك الظالمين بغير ولى ولا نصير في عذابه.
[﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٩]
معنى الهمزة في ﴿أَمِ﴾ الإنكار، ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ هو الذي يجب أن يتولى وحده، ويعتقد أنه المولى والسيد،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يدل على الحمل على أولئك المتخذين: قول القاضي: "ولعل تغيير المقابلة للمبالغة في الوعيد؛ إذ الكلام في الإنذار"، ومما يكشف أن الكلام فيهم كشفًا تامًا: قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الوَلِيُّ﴾، ألا ترى كيف أضرب عن الكلام السابق، وأنكر اللاحق، على سبيل التقرير بـ"أم" المنقطعة المتضمنة لـ"بل" والهمزة، وأعاد ذكر ﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾، يعني: دع الاهتمام بشأنهم وطمع الإيمان منهم، أليسوا الذين اتخذوا من دون الله أولياء، وهو الولي الحقيقي القادر على كل شيء، وعدلوا إلى الجماد الذي هو غير قادر على شيء؟ !
وأما قوله تعالى: ﴿وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ﴾ الآية: فمعترضة لتوكيد مضمون الآيتين، يدل عليه قول المصنف: "وهو قرآن عربي بين، لا لبس فيه عليك، لتفهم ما يقال لك، ولا تتجاوز حد الإنذار"، فظهر من تقدير النظم أن الأصل: يدخل من يشاء في رحمته، ويدخل من يشاء في غضبه، وأن الله تعالى شاء إيمان بعض وكفر بعض، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
قوله: (ويترك الظالمين): منصوب؛ عطف على "ليدخل"، ويروى: "أي: ويترك"؛ مرفوعًا على أنه تفسير لقوله: "وضعهم في مقابلة الظالمين".
?
стр. 7508
والفاء في قوله: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ جواب شرط مقدّر، كأنه قيل بعد إنكار كل ولي سواه: إن أرادوا وليًا بحق، فالله هو الولي بالحق، لا ولي سواه، ﴿وَهُوَ يُحْيِ﴾ أي: ومن شأن هذا الولي أنه يحيى ﴿الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو الحقيق بأن يتخذ وليًا دون من لا يقدر على شيء.
[﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ١٠]
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ حكاية قول رسول الله ﷺ للمؤمنين، أي: ما خالفكم فيه الكفار من أهل الكتاب والمشركين، فاختلفتم أنتم وهم فيه من أمر من أمور الدين: فحكم ذلك المختلف فيه مفوّض إلى الله،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والفاء في قوله: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الوَلِيُّ﴾ جواب شرط مقدر): قلت: قضية الإضراب عن الكلام السابق -كما مر- تقتضي التعقيب، فيدخل مدخولها في حيز الإنكار، كأنه قيل: بل اتخذوا من دون الله أولياء، عقيب العلم بأن ليس الولي إلا الله، بدليل تعريف الخبر بالجنس الحقيقي، وتوسيط ضمير الفصل المؤذن بالتخصيص، وعطف ﴿وهُوَ يُحْيِي المَوْتَى﴾ عليه، وعليه النظم الفائق كما مر.
قوله: (ومن شأن هذا الولي الذي يحيي): إشارة إلى معنى الاستمرار في ﴿يُحْيِي﴾، على نحو: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم، أي: من شأنه الضيافة والحماية.
قوله: (فهو الحقيق بأن يتخذ وليا دون من لا يقدر على شيء): أتى بالفاء ليؤذن بالترتيب، يعني: كما رتب على إنكار الاتخاذ قوله: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الوَلِيُّ﴾ بالفاء، رتب إثبات اختصاص الولاية بالله على الوصف المناسب، وهو القدرة الكاملة بإحياء الموتى، والشاملة بأنه على كل شيء قدير، تعريضًا بأن أولياءهم ليسوا من معنى الولاية في شيء.
?
стр. 7509
وهو إثابة المحقين فيه من المؤمنين ومعاقبة المبطلين، ﴿ذلِكُمُ﴾ الحاكم بينكم هو ﴿اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في ردّ كيد أعداء الدين، ﴿وَإِلَيْهِ﴾ أرجع في كفاية شرهم.
وقيل: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ﴾ فيه وتنازعتم ﴿مِن شَيْءٍ﴾ من الخصومات، فتحاكموا فيه إلى رسول الله ﷺ ، ولا تؤثروا على حكومته حكومته غيره، كقوله: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. وقيل: وما اختلفتم فيه من تأويل آية، واشتبه عليكم، فارجعوا في بيانه إلى المحكم من كتاب الله، والظاهر من سنة رسول الله ﷺ . وقيل: وما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا تتصل بتكليفكم، ولا طريق لكم إلى علمه، فقولوا: الله أعلم، كمعرفة الروح، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥].
فإن قلت: هل يجوز حمله على اختلاف المجتهدين في أحكام الشريعة؟ قلت: لا، لأنّ الاجتهاد لا يجوز بحضرة الرسول الله ﷺ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن الاجتهاد لا يجوز بحضرة الرسول ﷺ : قيل: فيه بحث؛ لأن المختار جوازه، كما اجتهد أبو بكر ﵁ بحضوره ﷺ ، وقال: "لا ها الله إذن، لا يعمد إلى أسد من أسد الله". وكما اجتهد سعد بن معاذ في بني قريظة، فحكم بقتل رجالهم، وسبي نسائهم وذراريهم، ومنه قول معاذ: "أجتهد رأيي".
قال الإمام: "كما منع الله رسوله صلوات الله عليه أن يحمل الكفار على الإيمان، كذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معه في الخصومات والمنازعات، واحتج نفاة القياس به، فقالوا: إما أن
?
стр. 7510
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يكون المراد منه: وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه مستفاد من نص الله عليه أو من القياس على ما نص عليه، والثاني باطل؛ لأنه يقتضي أن تكون كل الأحكام مبنية على القياس، فتعين الأول.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون المراد: فحكمه معروف من بيان الله، سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس؟ وأجيب عنه: بأن المقصود من التحاكم إلى الله قطع الاختلاف؛ لقوله: ﴿ومَا اخْتَلَفْتُمْ﴾، والرجوع إلى القياس مما يقوي الاختلاف، فوجب الرجوع إلى النصوص".
وقلت: أما حديث أبي بكر ﵁: فإن قوله: "لا ها الله إذن، لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه"، مسبوق بقوله صلوات الله عليه: "من قتل قتيلًا فله سلبه"؛ على ما روى الشيخان ومالك وأبو داود، وأن أبا قتادة لما سمع هذا النص قام وطلب الشهود وأقر الخصم، ثم قال ﵁ ما قال.
وأما حكم سعد بن معاذ: فإنه إنما قتل لما أمره صلوات الله عليه أن يحكم، ووافق حكمه حكم الله، أما أولًا: فما رواه البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: "فنزلوا -أي: بنو قريظة- على حكمه صلوات الله عليه، فرد الحكم إلى سعد"، وأما ثانيًا: فما روى الشيخان أيضًا وأبو داود عن أبي سعيد: "فقال ﷺ -بعدما قال سعد: تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم-: قضيت بحكم الله"، وربما قال: "بحكم الملك".
وأما قول معاذ: "أجتهد رأيي": فمعناه: إذا غبت عن حضرتك إلى اليمن.
?
стр. 7511
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والحق القول بالتفصيل؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أن فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧]، ولما روى البخاري ومسلم عن أنس وابن عمر: أن عمر قال: "وافقت ربي في ثلاث؛ قلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وقلت: يا رسول الله، يدخل على نسائك البر والفاجر، فلو أمرتهن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب. واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة، فقلت: "عسى ربه أن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن"، فنزلت كذلك". وفي رواية ابن عمر: "وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر".
وروينا عن البخاري ومسلم وابن ماجه والنسائي عن ابن عمر: "لما توفي عبد الله ابن أبي، جاء ابنه عبد الله، وساق الحديث إلى قوله: "سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ " إلى قوله: "فصلى عليه رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] الآية".
وأما قضية تأليف النظم: فإنه تعالى لما نهى رسوله صلوات الله عليه عن الحرص على إيمان القوم، وأضرب عن ذلك الكلام، وقرر أن الولاية مختصة بالله تعالى دون غيره، أمره بأن يقرر لهم هذا المعنى، وتعقبه بقوله: ﴿ومَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ﴾، أي: في أمر من الأمور، سواء كان هذا الاختلاف أم غيره، فحكمه راجع إلى الله، وهو يجازيكم عليه، وعليه توكلي وإنابتي. فجيء باسم الإشارة الدال على أن ما يرد عقيبه حقيق بمن قبله لاتصافه بتلك الصفات الثابتة، وهي كونه هو الولي دون غيره، وكونه هو يحيي ويميت، وكونه على كل شيء قدير، وكونه
?
стр. 7512
[﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١١]
﴿فاطِرُ السَّماواتِ﴾ قرئ بالرفع والجر؛ فالرفع على أنه أحد أخبار ﴿ذَلِكُمْ﴾، أو خبر مبتدأ محذوف، والجرّ على: فحكمه إلى الله فاطر السماوات، و ﴿ذلِكُمُ﴾ إلى ﴿أُنِيبُ﴾: اعتراض بين الصفة والموصوف.
﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾ خلق لكم ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ من جنسكم من الناس ﴿أَزْواجًا وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا﴾ أي: خلق من الأنعام أزواجًا. ومعناه: وخلق للأنعام أيضًا من أنفسها أزواجًا، ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يكثركم، يقال: ذرأ الله الخلق: بثهم وكثرهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أن ما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إليه، ثم عقب هذا الحكم بالصفات الكاملة؛ من قوله: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ إلى آخر ما يتصل به.
قوله: (﴿فَاطِرُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ قرئ بالرفع والجر): الرفع هي المشهورة، والجر شاذة.
قوله: (﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يكثركم، يقال: ذرأ الله الخلق: بثهم): النهاية: "ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءًا: إذا خلقهم. وكأن الذرء مختص بخلق الذرية". الراغب: "الذرية: أصلها الصغار من الأولاد، وإن كانت تقع على الصغار والكبار معًا في المتعارف، ويستعمل في الواحد والجماعة، وأصلها الجمع، قال تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣]، وفيها ثلاثة أقوال: قيل: هو من: ذرأ الله الخلق، فترك همزه، كروية وبرية. وقيل: أصله: ذروية. وقيل: هو فعلية، من الذر، نحو: قمرية".
?
стр. 7513
والذر، والذرو، والذرء: أخوات، ﴿فِيهِ﴾ في هذا التدبير، وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجًا، حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل. والضمير في ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يرجع إلى المخاطبين والأنعام، مغلبا فيه المخاطبون العقلاء على الغيب مما لا يعقل، وهي من الأحكام ذات العلتين.
فإن قلت: ما معنى ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ في هذا التدبير؟ وهلا قيل: يذرؤكم به؟ قلت: جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير، ألا تراك تقول: للحيوان في خلق الأزواج تكثير، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مغلبًا فيه المخاطبون العقلاء على االغيب مما لا يعقل): أوقع "العقلاء" وصفًا للمخاطبين، وجعل "مما لا يعقل" بيانًا "للغيب" حالًا منه، والمعنى: غلب الخطاب مع العقلاء في قوله: ﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ على الغيب مما لا يعقل في قوله: ﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ومِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾، وقال: ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾.
قوله: (من الأحكام ذات العلتين): عن بعضهم: العلتان هنا: العقل والخطاب، الانتصاف: "الصحيح أنهما حكمان متباينان غير متداخلين، أحدهما: مجيئه على نعت ضمير العقلاء أعم من كونه مخاطبًا أو غائبًا. والثاني: مجيئه بعد ذلك على نعت الخطاب، فالأول لتغليب العقل، والثاني لتغليب الخطاب".
وقال صاحب "التقريب": ﴿فِيهِ﴾ في هذا التدبير، وهو جعلهم أزواجًا للتوالد، و"كم" للمخاطبين والأنعام، فغلب العقلاء المخاطبين للعقل والمخاطبة.
ويمكن أن يقال: أن الضمير المؤنث في قوله: "وهي من أحكام ذات العلتين" راجع إلى التذرية في قوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ أو للصنعة، أي: هذه الصنعة من باب الأحكام ذات العلتين، إحدى العلتين: جعل الناس أزواجًا، والثانية: جعل الأنعام أزواجًا، ولهذا
?
стр. 7514
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صرح بقوله: "وخلق للأنعام أيضًا من أنفسها أزواجًا"، والمعلول ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾؛ لأنه جملة مستأنفة واردة على بيان الموجب، فلما توجه العلتان عليها أوجب تغليب المخاطبين من العقلاء على الغيب مما لا يعقل؛ ليستقيم المعنى، المعنى: دبر ذلك التدبير العجيب ليتكاثر توالد الحيوان وتناسله.
وفي جعل "حتى" -في قوله: "حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل"- غاية لقوله: "أن جعل للناس والأنعام أزواجًا"، وكذا في سؤاله: "هلا قيل: يذرؤكم به؟ " -أي: بسببه-: إشعار بأن الجعلين المعبرين بالتدبير هما السبب في الذرء، وقريب منه قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦].
فإن قلت: فما قولك في كلام صاحب "المفتاح": ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ خطابًا شاملًا للعقلاء والأنعام؛ مغلبًا فيه المخاطبون على الغيب، والعقلاء على ما لا يعقل"، فإنه على خلاف ما عليه كلام المصنف؟ قلت: يمكن حمله على تغليب مركب، وعلى تغليبين، والثاني يأباه المقام؛ إذ القول بالتغليبين يؤدي إلى أن الأصل أن يقال: يذرؤكم ويذرؤهم ويذرؤها ويذرؤكن، لكن الأصل: يذرؤكم ويذرؤها، لا غير؛ لأن "كم" في ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾: هو "كم" الذي في ﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ بعينه، لكن غلب ها هنا على الغيب في ﴿ومِنَ الأَنْعَامِ﴾، فإذن ليس في ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ إلا تغليب واحد، ولهذا قال: "الضمير في ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يرجع إلى المخاطبين وإلى الأنعام"، ووصف "المخاطبون" بـ"العقلاء"، ثم علق به قوله: "على الغيب مما لا يعقل".
?
стр. 7515
قالوا: مثلك لا يبخل، فنفوا البخل عن مثله، وهم يريدون نفيه عن ذاته، قصدوا المبالغة في ذلك، فسلكوا به طريق الكناية، لأنهم إذا نفوه عمن يسدّ مسدّه، وعمن هو على أخص أوصافه، فقد نفوه عنه. ونظيره قولك للعربي: العرب لا تخفر الذمم، كان أبلغ من قولك: أنت لا تخفر. ومنه قولهم: قد أيفعت لداته وبلغت أترابه، يريدون: إيفاعه وبلوغه. وفي حديث رقيقة بنت صيفي في سقيا عبد المطلب: "ألا وفيهم الطيب الطاهر لداته"، والقصد إلى طهارته وطيبه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا تخفر الذمم): قال: "خفره: أجاره، وأخفره: أزال الخفرة، وهي الذمة".
قوله: (قد أيفعت لداته): الأساس: "يفعت الجبل: صعدته، وأيفع الغلام، وغلام يافع، وغلمان يفعة وأيفاع". الجوهري: "لدة الرجل: تربه، والهاء عوض من الواو الذاهبة من أوله؛ لأنه من الولادة".
قوله: (وفي حديث رقيقة): ذكر ابن الجوزي في كتاب "الوفا": أن رقيقة بنت صيفي ابن هاشم كانت لدة عبد المطلب، قالت: "تتابعت على قريش سنون أقحلت الضرع، وأدق
?
стр. 7516
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العظم، فبينا أنا نائمة إذا هاتف يهتف: يا معشر قريش، أن هذا النبي المبعوث منكم قد أظلتكم أيامه، وهذا إبان نجومه، فحيهلا بالحيا والخصب، ألا فانظروا رجلًا منكم وسيطًا عظامًا جسامًا أبيض، أوطف الأهداب، سهل الخدين، أشم العرانين، فليتخلص هو وولده، وليهبط إليه من كل بطن رجل، فليستنوا من الماء، وليمسوا من الطيب، ثم ليرتقوا أبا قبيس، فليستسق الرجل، وليؤمن، فغثتم ما شئتم.
فقصصت رؤياي، فما بقي أبطحي إلا قالوا: هذا شيبة الحمد، وتنامت إليه الرجال من قريش، فاستووا بذروة الجبل، فقام عبد المطلب، ومعه رسول الله ﷺ غلام قد أيفع، فقال: اللهم ساد الخلة، وكاشف الكربة، أنت معلم غير معلم، ومسؤول غير مبخل، هذه عبداؤك وإماؤك يشكون إليك سنيهم، أذهبت الخف والظلف، اللهم فأمطر غيثًا مغدقًا، فما زالوا حتى تفجرت السماء بمائها، واكتظ الوادي بثجيجه". هذا مختصر من كلامه.
?
стр. 7517
فإذا علم أنه من باب الكناية لم يقع فرق بين قوله: "ليس كالله شيء"، وبين قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، إلا ما تعطيه الكناية من فائدتها، وكأنهما عبارتان معتقبتان على معنى واحد: وهو نفي المماثلة عن ذاته.
ونحوه قوله : ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، فإنّ معناه: بل هو جواد من غير تصوّر يد ولا بسط لها، لأنها وقعت عبارة عن الجود لا يقصدون شيئًا آخر، حتى أنهم استعملوها فيمن لا يد له، فكذلك استعمل هذا فيمن له مثل ومن لا مثل له.
ولك أن تزعم أنّ كلمة التشبيه كرّرت للتأكيد،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لم يقع فرق بين قوله: "ليس كالله شيء"، وبين قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، إلا ما تعطيه الكناية من فائدتها): يعني: أصل المعنى الواحد، لكن في الكناية فضل مبالغة ليس في التصريح، وذلك أنهم إنما يسلكون هذه الطريقة عند وجود صفات كمال يشاهدونها في تلك الذات، فيقدرون لها من يشاركها في تلك الفضائل، ويجعلونها عامًا، ويثبتون لهذا المقدر ما يريدون إثباته لهذا الذات، ليلزم إثباته لهذا الذات بالطريق البرهاني، نحو: مثلك لا يبخل، فظهر من هذا أن ليس من شرط هذه الطريقة وجود ذلك المثل في الخارج، نحوه قول القبعثرى للحجاج: "مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب"، إذ لو قصد به إثبات النظير والشبيه، لكان بالذم أشبه من المدح، وإليه الإشارة بقوله: "استعمل هذا فيمن له مثل، ومن لا مثل له". وها هنا الضمير في "مثله" راجع إلى الله في قوله: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الوَلِيُّ﴾، بعد إجراء تلك الصفات عليه، فكأنه قيل: ليس مثل هذه الذات المستجمعة لتلك الصفات الكاملة شيء.
قوله: (ولك أن تزعم كلمة التشبيه كررت للتأكيد): هذا قول الزجاج، قال أبو البقاء: "الكاف زائدة، و"مثله" خبر ﴿لَيْسَ﴾، أي: ليس مثله شيء، ولو لم تكن زائدة لأفضى
?
стр. 7518
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى المحال؛ إذ المعنى أن له مثلًا، وليس لمثله مثل، فإذا كان له مثل فلمثله مثل، وهو هو، مع أن إثبات المثل لله محال. وقيل: "المثل" زائدة، أي: ليس كهو شيء، كما في قوله: ﴿فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧]، وهو قول بعيد".
الانتصاف: "القول بأن الكاف زائدة مردود؛ لما فيه من الإخلاص بالمعنى؛ لأن التأكيد يصلح أن يكون في النفي، وها هنا التأكيد وقع في حصول التشبيه، فإذن إهمال تأكيد المماثلة أقوى في هذا المعنى من تأكيدها، ونفي المماثلة المهملة أبلغ من نفي المماثلة المؤكدة، إذ لا يلزم من نفي مماثلة محققة نفي أصل المماثلة، بخلاف عكسه، والكاف حيث وردت إنما تؤكد المماثلة لا النفي، فليس تنظير الآية بشطري البيتين مستقيمًا، والوجه الأول أصح، ولذلك قال: (ولك أن تزعم) ".
وقلت: الجواب عن قول أبي البقاء: "فإذا كان له مثل، فلمثله مثل، وهو هو": لا يلزم أن يكون هو هو؛ لأن أرباب البيان ربما يجعلون الغرض في التشبيه إلحاق الناقص بالكامل، فيفرض له مثل بهذا الطريق، ثم يفرض لهذا المفروض مثل آخر كذلك، فيسلط عليه النفي
?
стр. 7519
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لينتفي المثل عن الله بالطريق الأولى، ولعل مراد صاحب "الانتصاف" بقوله: "نفي المماثلة المهملة أبلغ من نفي المماثلة المؤكدة" هذا.
الراغب: "المثل: أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وذلك أن "الند" يقال لما يشارك في الجوهر، و"الشبه" يقال فيما يشاركه في الكيفية فقط، و"المساوي" يقال فيما يشاركه في الكمية فقط، و"الشكل" يقال فيما يشاركه في القدر والمساحة فقط، و"المثل" عام في جميع ذلك، ولهذا لما أراد الله نفي الشبه من كل وجه خصه بالذكر، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
وأما الجمع بين الكاف والمثل: فقد قيل: ذلك لتأكيد النفي، تنبيهًا على أنه لا يصح استعمال المثل ولا الكاف، فنفى بـ"ليس" الأمرين جميعًا، وقيل: "المثل" هاهنا بمعنى الصفة، ومعناه: ليس كصفته صفة، تنبيهًا على أنه وإن وصف بكثير مما يوصف به البشر فليست تلك الصفات له على حسب ما يستعمل في البشر.
?
стр. 7520
كما كرّرها من قال:
وصاليات ككما يؤثفين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، أي: لهم الصفات الذميمة، وله الصفات العلى، وقد منع الله تعالى عن ضرب الأمثال، بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، ثم نبه أنه قد يضرب لنفسه المثل، ولا يجوز لنا أن نقتدي به، فقال: ﴿أن اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤]، ثم ضرب لنفسه مثلًا فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] الاية، وفي هذا تنبيه على أنه لا يجوز أن نصفه بصفة مما يوصف به البشر إلا بما وصف به نفسه".
قوله: (وصاليات ككما يؤثفين): بعده:
لا يشتكين عملًا ما أبقين
قبله:
لم يبق من آي بها يحلين .... غير حطام ورماد كنفين
وغير ود جاذل أو ودين
الكنف: القدر الصغير، أثفيت القدر: إذا وضعتها على الأثافي، وأثفيتها: إذا جعلت له أثافي.
قوله: (يؤثفين): أراد: يثفين، فأخرج على الأصل، مثله قوله:
فإنه أهل لأن يؤكرما
стр. 7521
ومن قال:
فأصبحت مثل كعصف
[﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١٢]
وقرئ: "ويقدّره".
﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فإذا علم أنّ الغنى خير للعبد أغناه، وإلا أفقره.
[﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ ١٣]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجاذل: المنتصب مكانه لا يبرح.
أي: رب نساء صاليات بالنار، كالأثفية، وشبههن بالأثفية -وهي الحجر المنصوب للقدر- لدوامهن على الكانون، واسوداد ثيابهن من الدخان، والكاف الأولى حرف الجر، والثانية اسم، كررت كلمة التشبيه للتأكيد.
قوله: (فأصبحت مثل كعصف مأكول): أوله:
بالأمس كانوا في رخاء مأمول
?
стр. 7522
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ دين نوح ومحمد ومن بينهما من الأنبياء، ثم فسر المشروع الذي اشترك هؤلاء الأعلام من رسله فيه بقوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، والمراد: إقامة دين الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله وكتبه وبيوم الجزاء، وسائر ما يكون الرجل بإقامته مسلمًا، ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم على حسب أحوالها، فإنها مختلفة متفاوتة. قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
ومحل ﴿أَنْ أَقِيمُوا﴾ إما نصب؛ بدل من مفعول ﴿شَرَعَ﴾ والمعطوفين عليه، وإما رفع على الاستئناف، كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟ فقيل: هو إقامة الدين. ونحوه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢]، ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ﴾ عظم عليهم وشق عليهم، ﴿مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ من إقامة دين الله والتوحيد،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العصف: ما على الحب من التبن، وما على ساق الزرع من الورق اليابس.
قوله: (﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ﴾ دين نوح ومحمد ومن بينهما): يعني: رتب الكلام بالابتداء والاختتام والتوسط وجيء بأول من مهد به الشريعة، ثم بمن ختم به الشريعة، ووسط المتوسطين، وعدل من "أوصينا" إلى ﴿أَوْحَيْنَا﴾، وأتى بكاف الخطاب ليؤذن بالفرق بين توصيتهم وتوصيته.
قوله: (ونحوه قوله تعالى: ﴿أن هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾): أي: نحو قوله: ﴿أن أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، قال محيي السنة: "بعث الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة، وترك الفرقة والمخالفة". وقلت: مثله قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية.
?
стр. 7523
﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ﴾ يجتلب إليه ويجمع، والضمير للدين؛ بالتوفيق والتسديد، ﴿مَنْ يَشاءُ﴾ من ينفع فيهم توفيقه ويجرى عليهم لطفه.
[﴿وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ ١٤]
﴿وَما تَفَرَّقُوا﴾ يعني: أهل الكتاب بعد أنبيائهم ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ﴾ أن علموا أنّ الفرقة ضلال وفساد، وأمر متوعد عليه على ألسنة الأنبياء، ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ وهي عدة التأخير إلى يوم القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ حين افترقوا؛ لعظم ما اقترفوا، ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وهم أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ ، ﴿لَفِي شَكٍّ﴾ من كتابهم لا يؤمنون به حق الإيمان.
وقيل: كان الناس أمّة واحدة مؤمنين بعد أن أهلك الله أهل الأرض أجمعين بالطوفان، فلما مات الاباء اختلف الأبناء فيما بينهم، وذلك حين بعث الله إليهم النبيين مبشرين ومنذرين، وجاءهم العلم، وإنما اختلفوا للبغي بينهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿يَجْتَبِي إلَيْهِ﴾ يجتلب [إليه] ويجمع): أي: إلى الدين، أخذه من الجباية، وهو جلب الخراج، لا من الاجتباء، كما قال محيي السنة: "يصطفي الله من عباده من يشاء"؛ لأنه جعله من باب الجمع، فإن قوله: ﴿أن أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا﴾، معناه: الإقامة على الجماعة، وترك الفرقة، وقوله: ﴿كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ﴾، وقوله: ﴿يَجْتَبِي إلَيْهِ﴾ بيان لمن دخل فيها ومن خرج منها، فتأويل ﴿يَجْتَبِي إلَيْهِ﴾: بـ"يجمع إلى الدين": أظهر معنى، و"يصطفي": أدق مغزى؛ لأن اصطفاء الله أولياءه يدل على اجتماعهم على التوحيد، وعدم الاختلاف في أصول الدين، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]، كما أن إشراك أعداء الله يدل على التعدد والتفرقة، لاسيما وقد ضم معه ﴿كَبُرَ﴾، ولهذا لما دعوا إلى التوحيد
?
стр. 7524
وقيل: وما تفرّق أهل الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بمبعث رسول الله ﷺ ، كقوله: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]، ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ هم المشركون؛ أورثوا القرآن من بعد ما أورث أهل الكتاب التوراة والإنجيل.
وقرئ: "ورّثوا"، و"ورثوا".
[﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ١٥]
﴿فَلِذلِكَ﴾ فلأجل التفرق ولما حدث بسببه من تشعب الكفر شعبًا، ﴿فَادْعُ﴾ إلى الاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفية القديمة، ﴿وَاسْتَقِمْ﴾ عليها وعلى الدعوة إليها كما أمرك الله، ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ﴾ المختلفة الباطنة، ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ بأي كتاب صحّ أنّ الله أنزله، يعني: الإيمان بجميع الكتب المنزلة، لأنّ المتفرقين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، كقوله: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠]، إلى قوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قالوا متعجبين: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا أن هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]، وقال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر: ٢٩].
وفي إسناد "الاجتباء" إلى ذاته ، وإسناد ﴿كَبُرَ﴾ إلى "ما تدعو": إشارة إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، وفيه: أن أهل السنة والجماعة ممن اجتباه الله إلى دينه، وهداه إليه.
قوله: (وقيل: وما تفرق أهل الكتاب): جعل الضمير في قوله: ﴿ومَا تَفَرَّقُوا﴾ أولًا وآخرًا لأهل الكتاب، وفي الوجه الثاني: للناس بعد الطوفان، والظاهر الثني؛ لأن هذا الضمير
?
стр. 7525
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وما في قوله: ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾: واحد، يعني: أمرت الأمم القديمة والحديثة على اتفاق الكلمة وإقامة دين الله والتوحيد وعد الاختلاف والتفرق، وما تفرق الناس إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم. ثم استطرد بذكر أهل الكتاب واختلافهم بمبعث النبي ﷺ في قوله: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]، ولذلك غيرت العبارة وجيء بـ"إن" الدالة على التوكيد.
وهذا التفسير موافق لقوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾؛ لأن المعنى: ولأجل ذلك التفرق، ولما حدث بسببه من تشعب الكفر في الأمم السالفة شعبًا، فادع إلى الاتفاق والائتلاف على الدين الحنيفية القديمة، واستقم عليها.
هذا ما دل عليه تأويل المصنف، لكن الظاهر أن "ذلك" إشارة إلى قوله: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ﴾ وما يتصل به من قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، أي: ولأجل ذلك التوصية التي شوركت مع وإبراهيم وموسى وعيسى، ولأجل ذلك الأمر بالإقامة، والنهي عن التفرق، فادع إلى التوحيد وإقامة الدين والثبات عليه، واستقم أنت عليه أيضًا، يدل عليه قوله: ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾، فالمدعو غليه عام في أهل الكتاب والمشركين وفي المذكورات.
وفي قوله: ﴿آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ﴾ تعريض باليهود وبقولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠]، وجاء مستطردًا، كما جاءت الآية السابقة مستطردة فيهم، وعليه كلام الواحدي حيث قال: "ذلك: إشارة إلى ما وصي به الأنبياء ﵈ من التوحيد"، وقال: " ﴿ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي: أهل الكتاب".
?
стр. 7526
﴿لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إلي، ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ﴾ أي: لا خصومة؛ لأنّ الحق قد ظهر وصرتم محجوجين به، فلا حاجة إلى المحاجة. ومعناه: لا إيراد حجة بيننا، لأنّ المتحاجين يورد هذا حجته وهذا حجته، ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ يوم القيامة، فيفصل بيننا وينتقم لنا منكم، وهذه محاجزة ومتاركة بعد ظهور الحق وقيام الحجة والإلزام.
فإن قلت: كيف حوجزوا وقد فعل بهم بعد ذلك ما فعل؛ من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء؟ قلت: المراد محاجزتهم في مواقف المقاولة، لا المقاتلة.
[﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ١٦]
﴿يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ يخاصمون في دينه، ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ ما استجاب له الناس ودخلوا في الإسلام، ليردّوهم إلى دين الجاهلية، كقوله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩]، كان اليهود والنصارى يقولون للمؤمنين: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم وأولى بالحق. وقيل: من بعد ما استجاب الله لرسوله ونصره يوم بدر وأظهر دين الإسلام داحِضَةٌ باطلة زائلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (المراد محاجزتهم في مواقف المقاولة، لا المقاتلة): الجوهري: "المحاجزة: الممانعة، وقد تحاجز الفريقان"، يعني: يمكن الجمع بين الدليلين، قال القاضي: "ليس في الآية ما يدل على متاركة الكفار رأسًا، حتى يكون منسوخًا بآية القتال"، وقال محيي السنة: " ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ﴾: بمعنى: لا خصومة بيننا وبينكم، نسختها آية القتال، وإذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة لم يكن بينه وبين من لا يجيب خصومة".
?
стр. 7527
[﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ١٧ - ١٨]
﴿أَنْزَلَ الْكِتابَ﴾ أي: جنس الكتاب وَالْمِيزانَ والعدل والتسوية، ومعنى إنزال العدل: أنه أنزله في كتبه المنزلة، وقيل: الذي يوزن به، ﴿بِالْحَقِّ﴾: ملتبسًا بالحق مقترنًا به بعيدًا من الباطل، أو بالغرض الصحيح كما اقتضته الحكمة، أو بالواجب من التحليل والتحريم وغير ذلك،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: ويمكن أن يقال: أن الدليل على أن الكلام في إيراد المقاولة دون المقاتلة ترتب قوله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ واسْتَقِمْ﴾ على قوله: ﴿ومَا تَفَرَّقُوا إلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ﴾ إلى قوله: ﴿لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾، ثم التعقيب بقوله: ﴿والَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾، وقال محيي السنة: " ﴿الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ يخاصمون في دين الله نبيه. وقال قتادة: هم اليهود قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن خير منكم، فهذه خصومتكم من بعد".
قوله: (وقيل: الذي يوزن به): أي: يجوز أن يكون إنزاله الميزان يأمر به، ويجوز أن يراد إنزاله حقيقة. عن بعضهم: روي أن آدم ﵇ أنزل بالباسنة، وهي اسم جامع لآلات الصنائع.
?
стр. 7528
﴿السَّاعَةَ﴾ في تأويل البعث، فلذلك قيل: ﴿قَرِيبٌ﴾، أو: لعل مجيء الساعة قريب.
فإن قلت: كيف يوفق ذكر اقتراب الساعة مع إنزال الكتاب والميزان؟ قلت: لأنّ الساعة يوم الحساب ووضع الموازين للقسط، فكأنه قيل: أمركم الله بالعدل والتسوية والعمل بالشرائع قبل أن يفاجئكم اليوم الذي يحاسبكم فيه، ويزن أعمالكم، ويوفي لمن أوفى، ويطفف لمن طفف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿السَّاعَةَ﴾ في تأويل البعث): قال أبو البقاء: "يجوز أن يكون تذكير ﴿قَرِيبٌ﴾ على معنى الزمان، أو على معنى البعث، أو على النسب، أي: ذات قرب".
قوله: (فكأنه قيل: أمركم [الله] بالعدل والتسوية والعمل بالشرائع قبل أن يفاجئكم اليوم الذي يحاسبكم فيه): يعني: دل توسيط "الميزان" بين "إنزال الكتاب" و"مجيء الساعة" على أن الحكمة في إنزال الكتاب العدل والتسوية، كما أن الحكمة في إتيان الساعة القضاء بالحق، إذ ليس الدين والشريعة سوى الاستقامة بين طرفي الإفراط والتفريط، كما قال: ﴿فَادْعُ واسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾، وليس وضع القيامة إلا ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٤]، وإليه الإشارة في الآية التي نحن بصددها ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾.
وأما قضية النظم: فإنه تعالى لما أمر حبيبه صلوات الله عليه وسلامه بأن يدعو الزائغين المائلين عن الحق الذين اختلفوا وتفرقوا إلى الاجتماع والاستقامة، وأدمج فيه معنى أن
?
стр. 7529
المماراة: الملاجة؛ لأنّ كل واحد منهما يمرى ما عند صاحبه، ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ من الحق، لأنّ قيام الساعة غير مستبعد من قدرة الله، ولدلالة الكتاب المعجز على أنها آتية لا ريب فيها، ولشهادة العقول على أنه لا بدّ من دار الجزاء.
[﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ ١٩]
﴿لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ برّ بليغ البرّ بهم، قد توصل برّه إلى جميعهم، وتوصل من كل واحد منهم إلى حيث لا يبلغه، وهم أحد من كلياته وجزئياته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الداعي إلى الحق والاستقامة إنما يتم أمره في الدعوة إذا كان مستقيمًا في نفسه قال: ﴿واسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، وفصل الدعوة بقوله: ﴿وقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ إلى آخره، ثم أتى بقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الكِتَابَ﴾ الآية، على الاستئناف بيانًا لحكمه المأمور به، وجعلها كالتخلص غلى ذكر عنادهم، وهو استعجالهم الساعة، والله أعلم.
قوله: (لأن كل واحد منهما بمري ما عند صاحبه): الأساس: "ماريته مماراة: جادلته ولاججته، وتماروا، ومعناه: المحالبة، كأن كل واحد يحلب ما عند صاحبه".
الراغب: "المرية: التردد في الأمر، وهو أخص من الشك، قال : ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ﴾ [الحج: ٥٥]، ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣]، والامتراء والممارة: المحاجة فيما فيه مرية، قال تعالى: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤]، ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢]، وأصل ذلك من: مريت الناقة؛ إذا مسحت ضرعها للحلب".
قوله: (بر بليغ البر بهم، قد توصل بره إلى جميعهم) إلى آخره: وفي كل من القيود فائدة: أما "بر": فمستفاد من معنى "اللطف"؛ الأساس: "لطفت بفلان: رفقت به، وأنا ألطف به: إذا
стр. 7530
فإن قلت: فما معنى قوله ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ﴾ بعد توصل برّه إلى جميعهم؟ قلت: كلهم مبرورون، لا يخلو أحد من برّه، إلا أنّ البرّ أصناف،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أريته مودة ورفقًا"، وقوله: "بليغ البر": فمن بناء "فعيل"، وقوله: "توصل بره إلى جميعهم": فمن إضافة "العباد" -وهو جمع- إلى ضمير "الله"، فيفيد الشمول والاستغراق، وقوله: "وتوصل من كل واحد منهم إلى حيث لا يبلغه وهم أحد": فمأخوذ من معنى الدقة في اللطف، الأساس: "شيء لطيف، وكلام لطيف، وفلان لطيف لاستنباط المعاني، وتلطف بفلان: احتلت له حتى اطلعت على أسراره".
والقول الجامع فيه: ما ذكره حجة الإسلام في "شرح أسماء الله الحسنى": "إنما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق المصالح وغوامضها، وما دق منها وما لطف، ثم يسلك في إيصالها إلى المستصلح على سبيل الرفق دون العنف، فإذا اجتمع الرفق في الفعل، واللطف في الإدراك، تم معنى "اللطيف"، ولا يتصور كمال ذلك إلا في ".
وقال الإمام: "الله لطيف البر، يظهر آثار بره في عباده من حيث لا يعلمون، ويمضي مصالحهم بإحسانه من حيث لا يحتسبون".
فمعنى قول المصنف: "توصل من كل واحد": توصل بره مبتدئًا من كل واحد منهم إلى حيث لا يبلغه وهم أحد، وقوله: "من كلياته وجزئياته": حال من المستتر في "توصل".
الجوهري: "توصل إليه: أي: تلطف في الوصول إليه".
قوله: (ما معنى قوله: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾؟ ): يعني: دل قوله: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ أن بره توصل إلى جميع العباد، وقوله: ﴿يَرْزُقُ﴾ حكم ترتب على ذلك الوصف، فينبغي الشمول أيضًا، وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ ينافيه.
?
следующие страницы →