← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7526–7565 · переход к 7531.

стр. 7526

﴿لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إلي، ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ﴾ أي: لا خصومة؛ لأنّ الحق قد ظهر وصرتم محجوجين به، فلا حاجة إلى المحاجة. ومعناه: لا إيراد حجة بيننا، لأنّ المتحاجين يورد هذا حجته وهذا حجته، ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ يوم القيامة، فيفصل بيننا وينتقم لنا منكم، وهذه محاجزة ومتاركة بعد ظهور الحق وقيام الحجة والإلزام. فإن قلت: كيف حوجزوا وقد فعل بهم بعد ذلك ما فعل؛ من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء؟ قلت: المراد محاجزتهم في مواقف المقاولة، لا المقاتلة. [﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ١٦] ﴿يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ يخاصمون في دينه، ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ ما استجاب له الناس ودخلوا في الإسلام، ليردّوهم إلى دين الجاهلية، كقوله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩]، كان اليهود والنصارى يقولون للمؤمنين: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم وأولى بالحق. وقيل: من بعد ما استجاب الله لرسوله ونصره يوم بدر وأظهر دين الإسلام داحِضَةٌ باطلة زائلة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (المراد محاجزتهم في مواقف المقاولة، لا المقاتلة): الجوهري: "المحاجزة: الممانعة، وقد تحاجز الفريقان"، يعني: يمكن الجمع بين الدليلين، قال القاضي: "ليس في الآية ما يدل على متاركة الكفار رأسًا، حتى يكون منسوخًا بآية القتال"، وقال محيي السنة: " ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ﴾: بمعنى: لا خصومة بيننا وبينكم، نسختها آية القتال، وإذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة لم يكن بينه وبين من لا يجيب خصومة". ?

стр. 7527

[﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ١٧ - ١٨] ﴿أَنْزَلَ الْكِتابَ﴾ أي: جنس الكتاب وَالْمِيزانَ والعدل والتسوية، ومعنى إنزال العدل: أنه أنزله في كتبه المنزلة، وقيل: الذي يوزن به، ﴿بِالْحَقِّ﴾: ملتبسًا بالحق مقترنًا به بعيدًا من الباطل، أو بالغرض الصحيح كما اقتضته الحكمة، أو بالواجب من التحليل والتحريم وغير ذلك، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: ويمكن أن يقال: أن الدليل على أن الكلام في إيراد المقاولة دون المقاتلة ترتب قوله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ واسْتَقِمْ﴾ على قوله: ﴿ومَا تَفَرَّقُوا إلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ﴾ إلى قوله: ﴿لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾، ثم التعقيب بقوله: ﴿والَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾، وقال محيي السنة: " ﴿الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ يخاصمون في دين الله نبيه. وقال قتادة: هم اليهود قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن خير منكم، فهذه خصومتكم من بعد". قوله: (وقيل: الذي يوزن به): أي: يجوز أن يكون إنزاله الميزان يأمر به، ويجوز أن يراد إنزاله حقيقة. عن بعضهم: روي أن آدم ﵇ أنزل بالباسنة، وهي اسم جامع لآلات الصنائع. ?

стр. 7528

﴿السَّاعَةَ﴾ في تأويل البعث، فلذلك قيل: ﴿قَرِيبٌ﴾، أو: لعل مجيء الساعة قريب. فإن قلت: كيف يوفق ذكر اقتراب الساعة مع إنزال الكتاب والميزان؟ قلت: لأنّ الساعة يوم الحساب ووضع الموازين للقسط، فكأنه قيل: أمركم الله بالعدل والتسوية والعمل بالشرائع قبل أن يفاجئكم اليوم الذي يحاسبكم فيه، ويزن أعمالكم، ويوفي لمن أوفى، ويطفف لمن طفف. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿السَّاعَةَ﴾ في تأويل البعث): قال أبو البقاء: "يجوز أن يكون تذكير ﴿قَرِيبٌ﴾ على معنى الزمان، أو على معنى البعث، أو على النسب، أي: ذات قرب". قوله: (فكأنه قيل: أمركم [الله] بالعدل والتسوية والعمل بالشرائع قبل أن يفاجئكم اليوم الذي يحاسبكم فيه): يعني: دل توسيط "الميزان" بين "إنزال الكتاب" و"مجيء الساعة" على أن الحكمة في إنزال الكتاب العدل والتسوية، كما أن الحكمة في إتيان الساعة القضاء بالحق، إذ ليس الدين والشريعة سوى الاستقامة بين طرفي الإفراط والتفريط، كما قال: ﴿فَادْعُ واسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾، وليس وضع القيامة إلا ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٤]، وإليه الإشارة في الآية التي نحن بصددها ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾. وأما قضية النظم: فإنه تعالى لما أمر حبيبه صلوات الله عليه وسلامه بأن يدعو الزائغين المائلين عن الحق الذين اختلفوا وتفرقوا إلى الاجتماع والاستقامة، وأدمج فيه معنى أن ?

стр. 7529

المماراة: الملاجة؛ لأنّ كل واحد منهما يمرى ما عند صاحبه، ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ من الحق، لأنّ قيام الساعة غير مستبعد من قدرة الله، ولدلالة الكتاب المعجز على أنها آتية لا ريب فيها، ولشهادة العقول على أنه لا بدّ من دار الجزاء. [﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ ١٩] ﴿لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ برّ بليغ البرّ بهم، قد توصل برّه إلى جميعهم، وتوصل من كل واحد منهم إلى حيث لا يبلغه، وهم أحد من كلياته وجزئياته. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الداعي إلى الحق والاستقامة إنما يتم أمره في الدعوة إذا كان مستقيمًا في نفسه قال: ﴿واسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، وفصل الدعوة بقوله: ﴿وقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ إلى آخره، ثم أتى بقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الكِتَابَ﴾ الآية، على الاستئناف بيانًا لحكمه المأمور به، وجعلها كالتخلص غلى ذكر عنادهم، وهو استعجالهم الساعة، والله أعلم. قوله: (لأن كل واحد منهما بمري ما عند صاحبه): الأساس: "ماريته مماراة: جادلته ولاججته، وتماروا، ومعناه: المحالبة، كأن كل واحد يحلب ما عند صاحبه". الراغب: "المرية: التردد في الأمر، وهو أخص من الشك، قال : ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ﴾ [الحج: ٥٥]، ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣]، والامتراء والممارة: المحاجة فيما فيه مرية، قال تعالى: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤]، ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢]، وأصل ذلك من: مريت الناقة؛ إذا مسحت ضرعها للحلب". قوله: (بر بليغ البر بهم، قد توصل بره إلى جميعهم) إلى آخره: وفي كل من القيود فائدة: أما "بر": فمستفاد من معنى "اللطف"؛ الأساس: "لطفت بفلان: رفقت به، وأنا ألطف به: إذا

стр. 7530

فإن قلت: فما معنى قوله ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ﴾ بعد توصل برّه إلى جميعهم؟ قلت: كلهم مبرورون، لا يخلو أحد من برّه، إلا أنّ البرّ أصناف، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أريته مودة ورفقًا"، وقوله: "بليغ البر": فمن بناء "فعيل"، وقوله: "توصل بره إلى جميعهم": فمن إضافة "العباد" -وهو جمع- إلى ضمير "الله"، فيفيد الشمول والاستغراق، وقوله: "وتوصل من كل واحد منهم إلى حيث لا يبلغه وهم أحد": فمأخوذ من معنى الدقة في اللطف، الأساس: "شيء لطيف، وكلام لطيف، وفلان لطيف لاستنباط المعاني، وتلطف بفلان: احتلت له حتى اطلعت على أسراره". والقول الجامع فيه: ما ذكره حجة الإسلام في "شرح أسماء الله الحسنى": "إنما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق المصالح وغوامضها، وما دق منها وما لطف، ثم يسلك في إيصالها إلى المستصلح على سبيل الرفق دون العنف، فإذا اجتمع الرفق في الفعل، واللطف في الإدراك، تم معنى "اللطيف"، ولا يتصور كمال ذلك إلا في ". وقال الإمام: "الله لطيف البر، يظهر آثار بره في عباده من حيث لا يعلمون، ويمضي مصالحهم بإحسانه من حيث لا يحتسبون". فمعنى قول المصنف: "توصل من كل واحد": توصل بره مبتدئًا من كل واحد منهم إلى حيث لا يبلغه وهم أحد، وقوله: "من كلياته وجزئياته": حال من المستتر في "توصل". الجوهري: "توصل إليه: أي: تلطف في الوصول إليه". قوله: (ما معنى قوله: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾؟ ): يعني: دل قوله: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ أن بره توصل إلى جميع العباد، وقوله: ﴿يَرْزُقُ﴾ حكم ترتب على ذلك الوصف، فينبغي الشمول أيضًا، وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ ينافيه. ?

стр. 7531

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأجاب بما لخصه صاحب "التقريب": "إنما خص الرزق، والكل مرزوقون؛ لأنه قد يختص أحد بنعمة، وغيره بأخرى، فالعموم لجنس البر، والخصوص لنوعه". وقال الإمام: "أصل الإحسان والبر عام في حق كل العباد بحسب الحياة والعقل والفهم والمال والولد والجاه، وإعطاء ما لابد منه من الرزق، ودفع أكثر الآفات والبليات، وأما مراتب العطية فمتفاوتة مختلفة". وقال الواحدي: "الله لطيف حفي بار رفيق بأوليائه وأهل طاعته. وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر، لا يهلكهم جوعًا، يدل على هذا قوله: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾، فكل من يرزقه الله من مؤمن وكافر وذي روح، فهو ممن يشاء الله أن يرزقه". وقلت: كأن الظاهر مع الواحدي، وعليه ينتظم ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ ويلتئم ما قبله ٠ وهو حديث القيامة- بما بعده من قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ الآية، وتقرير ذلك: أن حمل "عباده" على من خصهم الله بالكرامة، وجعلهم من أوليائه من المؤمنين، لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ الآية: هو الظاهر؛ لأن الإضافة إضافة تشريف، وعليه أكثر استعمال التنزيل، منها قوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩]، ومنها: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، ومنها قوله في هذه السورة الكريمة: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [الشورى: ٢٣]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٦]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ ?

стр. 7532

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وقوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧]، فيحمل اللطف على منح الهداية وتوفيق الطاعة، وعلى الكمالات الأخروية، والكرامات السنية، واستعمال الرزق في ذلك كاستعماله في قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٨]. ويعضده ما رواه السلمي عن سيد الطائفة قدس الله روحه: اللطيف: "من نور قلبك بالهدى، وربي جسمك بالغذا، وأخرجك من الدنيا بالإيمان، ويحرسك من نار اللظى، ويمكنك حتى تنظر وترى، هذا لطف اللطيف، بالعبد الضعيف"، تم كلامه. فينطبق على هذا ترتب الحكم على الوصف، أي: إنه لما يلطف في حق عباده المؤمنين دون الذين غضب عليهم بمحض مشيئته؛ لأنه قوي على أن يختص برحمته وكرامته من يشاء من عباده، عزيز غالب لا يمنعه عما يريده أحد، كما قال: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]، فيكون وزان الآية مع قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ومَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ومَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾، وزان قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨] مع قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠]. وحينئذ لا يرد هذا السؤال الذي ذكره، ولا ما أورده على قوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]، وهو: "قد نرى الناس يبغي بعضهم على بعض، ومنهم مبسوط لهم، ومنهم مقبوض عنهم، فإن كان المبسوط لهم يبغون، فلم بسط لهم؟ وإن كان المقبوض عنهم يبغون، فقد يكون البغي بدون البسط … "، لأن هذا -كما مر- في حق المؤمنين المصطفين من عباده، وينصره التذييل بقوله: ﴿إِنَّهُ ?

стр. 7533

وله أوصاف، والقسمة بين العباد تتفاوت على حسب تفاوت قضايا الحكمة والتدبير، فيطير لبعض العباد صنف من البر لم يطر مثله لآخر، ويصيب هذا حظ له وصف ليس ذلك الوصف لحظ صاحبه، فمن قسم له منهم ما لا يقسم للآخر فقد رزقه، وهو الذي أراد بقوله: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ﴾، كما يرزق أحد الأخوين ولدًا دون الآخر، على أنه أصابه بنعمة أخرى لم يرزقها صاحب الولد. ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ﴾ الباهر القدرة الغالب على كل شيء، ﴿الْعَزِيزُ﴾ المنيع الذي لا يغلب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]، ووضع المظهر -وهو ﴿بِعِبَادِهِ﴾ - موضع القمر، أي: إنه خبير بأحوال عباده المكرمين، بصير بما يصلحهم وما يرديهم، وإليه ينظر ما ورد عن رسول الله ﷺ : "إذا أحب الله عبدًا حماه الدنيا، كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء"، أخرجه الترمذي عن قتادة. وعن البخاري ومسلم عن رسول الله ﷺ : "إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها". قوله: (فيطير لبعض العباد): استعار للنصيب وإصابته لمن قدر له: الطيران سانحًا وبارحًا، فسلك بهم مسلكهم، كقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]. ?

стр. 7534

[﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ ٢٠] سمى ما يعمله العامل مما يبغي به الفائدة والزكاء حرثًا على المجاز، وفرق بين عملي العاملين؛ بأن من عمل للآخرة وفق في عمله، وضوعفت حسناته، ومن كان عمله للدنيا أعطي شيئًا منها، لا ما بريده ويبتغيه، وهو رزقه الذي قسم له وفرغ منه، وماله نصيب قط في الآخرة. ولم يذكر في معنى عامل الآخرة: وله في الدنيا نصيب، على أن رزقه المقسوم له واصل إليه لا محالة؛ للاستهانة بذلك إلى جنب ما هو بصدده من زكاء عمله، وفوزه في المآب. [﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢١] معنى الهمزة في ﴿أَمْ﴾ التقرير والتقريع، وشركاؤهم: شياطينهم الذين زينوا لهم الشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وما له نصيب قط): هذه المبالغة نشأت من أن "نصيبًا" نكرة، وقد نفيت على سبيل الاستغراق. قوله: (معنى الهمزة في ﴿أَمْ﴾: التقرير والتقريع): يريد: أن ﴿أَمْ﴾ في قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ منقطعة، فيها معنى: "بل" والهمزة، ولابد من سبق كلام إخبار أو إنشاء يضرب عنه، حتى يقرر ما بعده، وما سبق هو قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، يدل عليه قوله: "وهو الدين الذي شرعت لهم الشياطين"، سماه دينًا مشاكلة أو تهكمًا، أي: اتل عليهم ما شرع لهم من الدين الذي شرعه الله، ووصى به الأنبياء المتقدمة، وآذن بالتمسك به، وقررهم -على سبيل التقريع- ما هم عليه من الدين الذي شرعت لهم الشياطين. ?

стр. 7535

لأنهم لا يعلمون غيرها، وهو الدين الذي شرعت لهم الشياطين، وتعالى الله عن الإذن فيه والأمر به، وقيل شركاؤهم: أوثانهم، وإنما أضيفت إليهم لأنهم متخذوها شركاء لله، فتارة تضاف إليهم لهذه الملابسة، وتارة إلى الله، ولما كانت سببٍا لضلالتهم وافتتانهم: جعلت شارعة لدين الكفر، كما قال إبراهيم صلوات الله عليه: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ أي: القضاء السابق بتأجيل الجزاء، أو: ولولا العدة بأن الفصل يكون يوم القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين الكافرين والمؤمنين، أو بين المشركين وشركائهم. وقرأ مسلم بن جندب: "وأنّ الظالمين" بالفتح عطفًا له على ﴿كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾، يعني: ولولا كلمة الفصل وتقدير تعذيب الظالمين في الآخرة، لقضي بينهم في الدنيا. [﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ٢٢ - ٢٣] ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ﴾ في الآخرة، ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفين خوفًا شديدًا أرق قلوبهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عطفًا له على ﴿كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾): و"الكلمة": فسر أولًا بالقضاء السابق، فالمعنى: لولا القضاء والقدر لقضي بينهم، والفرق بين القضاء والقدر قد مضى بيانه، وفسر ثانيًا بالعدة بأن الفصل يكون يوم القيامة، فالمعنى: لولا العدة وتقرير التعذيب، فالعطف قريب من العطف البياني بالواو. قوله: (﴿تَرَى الظَّالِمِينَ﴾ في الآخرة ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفين خوفًا شديدًا): فإن ?

стр. 7536

﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ من السيئات، ﴿وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ يريد: ووباله واقع بهم، وواصل إليهم لا بدّ لهم منه، أشفقوا أو لم يشفقوا. كأن روضة جنة المؤمن أطيب بقعة فيها، وأنزهها. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ منصوب بالظرف، لا بـ ﴿يَشَاءُونَ﴾. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: إذا كان معنى الخوف: غم يلحق الإنسان لتوقع مكروه، فكيف الجمع بينه وبين قوله: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾؟ قلت: قوله تعالى: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ استحضار لصورة حال الظالمين في مشاهدة السامع؛ لينظر إلى تلك الحالة العجيبة الشأن، وهو أنهم خائفون مشفقون يحاولون الحذر حين لا ينفهم الحذر، لأن الخائف إذا استشعر بما يتوقع منه المكروه، وأخذ في الدفع؛ ربما تخلص منه، ومن ترك الحذر حتى إذا ألم به المحذور زاول الدفع؛ كان مظنة للتعجب منه والتعجيب، وإليه ينظر قول الشاعر: أتت وحياض الموت بيني وبينها .... وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل وهو المراد بقوله: "لابد لهم منه، أشفقوا أو لم يشفقوا". قوله: (كأن روضة جنة المؤمن أطيب بقعة فيها): لأن الإضافة تنبئ عن امتياز الروضة عن الجنة، ثم تعقيبها بقوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾، وإردافها بقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ يشعر بمزيد ذلك الامتياز. قوله: (﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ منصوب بالظرف لا بـ ﴿يَشَاءُونَ﴾): عن بعضهم؛ لأن المعنى: على أن ما يزيدونه على سبيل العموم مطلقًا كائنًا ما كان حاصل لهم عند ربهم، أي: حاصل لهم من الله، ولو نصب بـ ﴿يَشَاءُونَ﴾ تصير مشيئتهم مقيدة بـ ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾، فلا يبقى العموم فيما يريدون، ويحتمل حصول ذلك عند غير ربهم، وهو عكس المعنى. وقلت: لا ريب أن أهل السعادة صنفان: المقربون وأصحاب اليمين، فإذا أريد بأولئك أصحاب اليمين كان على ما قيل، وأما إذا أريد به المقربون فلا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. ?

стр. 7537

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وروينا عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم، كما ترون النجم الطالع في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم، وأنعما"، أخرجه أبو داود والترمذي. وفي "الجامع": "أنعم فلان النظر في الأمر: إذا بالغ في تدبره والفكر فيه وزاد فيه، وأحسن فلان إلى فلان وأنعم؛ أي: أفضل وزاد في الإحسان، وكذا هذا، أي: هما منهم، وزادا في هذا الأمر، وتناهيا فيه إلى غايته". وقلت: لعله مأخوذ من النعومة، قال في "الأساس": "دقه دقًا نعما، وأنعم دقه، فإذا عملت عملًا فأنعمه: فأجده، وأحسن فلان وأنعم: وأجاد وزاد على الإحسان"، فمعنى: أنعم النظر: أدق، فلا يذهب إذن إلى العمل بالمفهوم، كقوله تعالى: ﴿لَا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]. وفي تخصيص ﴿رَوْضَاتِ﴾ -كما قال: "كأن روضة جنة المؤمن أطيب بقعة فيها وأنزهها"-: إيماء إلى هذا المعنى. وقال في "فاطر": "وقرئ "جنة عدن" على الإفراد، كأنها جنة مختصة بالسابقين"، ولذلك عقب بقوله: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾، أي: أولياءه -كما مر مرارًا-، ويحصل من هذا التقدير قرب المعمول من عامله، ومعنى القرب والزلفى عند الله لعباده العاملين، والجملة خبر ثان لقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وفي "الكواشي": الوقف الكافي على ﴿الجَنَّاتِ﴾. ﴿لَهُم مَّا يَشَاءُونَ﴾ جملة من مبتدأ وخبر، فعلى هذا تكون الجملة مستأنفة. ?

стр. 7538

قرئ: ﴿يبشر﴾، من: بشره، و"يبشر" من: أبشره، و"يبشر"، من: بشره، والأصل: ذلك الثواب الذي يبشر الله به عباده، فحذف الجار، كقوله تعالى: ﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ٤١]، ثم حذف الراجع إلى الموصول، كقوله تعالى: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]، أو ذلك التبشير الذي يبشره الله عباده. روي: أنه اجتمع المشركون في مجمع لهم، فقال بعضهم لبعض: أترون محمدًا يسأل على ما يتعاطاه أجرًا؟ فنزلت الآية. ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ يجوز أن يكون استثناء متصلًا، أي: لا أسألكم أجرًا إلا هذا، وهو أن تودوا أهل قرابتي، ولم يكن هذا أجرًا في الحقيقة، لأنّ قرابته قرابتهم، فكانت صلتهم لازمة لهم في المروءة. ويجوز أن يكون منقطعًا، أي: لا أسألكم أجرًا قط، ولكنني أسألكم أن تودوا قرابتي الذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم. فإن قلت: هلا قيل: إلا مودّة القربى، أو: إلا المودة للقربى؟ وما معنى قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾؟ قلت: جعلوا مكانًا للمودة ومقرًا لها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قرئ: ﴿يُبَشِّرُ﴾): نافع وعاصم وابن عامر: ﴿يُبَشِّرُ﴾ بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين مشددة، والباقون: بفتح الياء وإسكان الباء وضم الشين مخففة. روى أنه قال: المتعدي ثلاثة، وهو الذي في المتن، والمطاوع خمسة: بشر وأبشر وتبشر واستبشر. قوله: (ذلك الثواب الذي يبشر الله به عباده): المشار إليه ﴿رَوْضَاتِ الجَنَّاتِ﴾ الآية. قوله: (أو: ذلك التبشير): فالمشار إليه: "الذي يبشره"، نحو: هذا أخوك، والعائد إلى الموصول أيضًا محذوف، ولكن لا يقدر الجار. ?

стр. 7539

كقولك: لي في آل فلان مودّة؛ ولي فيهم هوى وحب شديد، تريد: أحبهم وهم مكان حبي ومحله، وليست ﴿فِي﴾ بصلة للمودّة، كاللام إذا قلت: إلا المودّة للقربى، إنما هي متعلقة بمحذوف تعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس، وتقديره: إلا المودّة ثابتة في القربى ومتمكنة فيها. والقربى: مصدر كالزلفى والبشرى، بمعنى: قرابة. والمراد في أهل القربى. وروى أنها لما نزلت قيل: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: «عليّ وفاطمة وابناهما» ويدل عليه ما روى عن علي ﵁: شكوت إلى رسول الله ﷺ حسد الناس لي، فقال: «أما ترضى أن تكون رابع أربعة؟ أوّل من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا، وذريتنا خلف أزواجنا» وعن النبي ﷺ : «حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي. ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب، ولم يجازه عليها، فأنا أجازيه عليها غدًا إذا لقيني يوم القيامة». وروي: أنّ الأنصار قالوا: فعلنا وفعلنا، كأنهم افتخروا، فقال عباس -أو ابن عباس-: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فأتاهم في مجالسهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وليست ﴿فِي﴾ بصلة): أي: ﴿فِي القُرْبَى﴾ ليس بظرف لغو، بل هو ظرف مستقر حال من ﴿المَوَدَّةَ﴾، و ﴿فِيهَا﴾ مبالغة. قوله: (أن تكون رابع أربعة): عن بعضهم: رابع أربعة، أي: واحد أربعة، قال: رابع الثلاثة: غيرها، وهو الذي ربعهم، أي: كملهم أربعة. ورابع أربعة: أحدهم، كقوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠]. ?

стр. 7540

فقال: يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ألم تكونوا ضلالًا فهداكم الله بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " «أفلا تجيبونني. قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك؟ أو لم يكذبوك فصدقناك؟ أو لم يخذلوك فنصرناك؟ قال: فما زال يقول حتى جثوا على الركب وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله، فنزلت الآية". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله) الحديث: من رواية البخاري ومسلم عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: "إن رسول الله ﷺ لما فتح حنينًا قسم الغنائم، فأعطى المؤلفة قلوبهم، فبلغه أن الأنصار يحبون أن يصيبوا مثل ما أصاب الناس، فقام رسول الله ﷺ يخطبهم، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، ومتفرقين فجمعكم الله بي؟ ويقولون: الله ورسوله أمن، فقال: ألا تجيبونني؟ فقالوا: الله ورسوله أمن، قال: أما إنكم لو شئتم أن تقولوا: جئتنا طريدًا فآويناك، وشريدًا فنصرناك، وكان من الأمر كذا وكذا"، الحديث. وأما شكاية العباس إلى رسول الله ﷺ : فهو ما روى الترمذي عن علي ﵁: "أن العباس دخل على رسول الله ﷺ مغضبًا، فقال له رسول الله ﷺ : ما أغضبك؟ فقال: يا رسول الله، أرى قومًا من قريش يتلاقون بينهم بوجوه مسفرة، فإذا لقونا لقونا بغير ذلك، فغضب رسول الله ﷺ حتى احمر وجهه، وقال: والذي نفسي بيده، لا يدخل قلب رجل إيمان حتى يحبكم لله ورسوله، ثم قال: أيها الناس، من آذى عمي فقد آذانيـ فإنما عم الرجل صنو أبيه". ?

стр. 7541

وقال رسول الله ﷺ : «من مات على حب آل محمد مات شهيدًا، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورًا له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائبًا، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنًا مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة، ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة. ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرًا، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة». وقيل: لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبين رسول الله ﷺ وبينهم قربى، فلما كذبوه وأبوا أن يبايعوه، نزلت. والمعنى: إلا أن تودوني في القربى، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يزف إلى الجنة)، النهاية: "زففت العروس أزفها؛ إذا أهديتها إلى زوجها". قوله: (مكتوب بين عينيه): عن بعضهم: "بين عينيه": خبر مقدم على المبتدأ، و"مكتوب" مبتدأ، كأنه قال: مكتوب "آيس من رحمة الله" بين عينيه. والظاهر أنه سهو، بل "بين عينيه" ظرف "مكتوب"، و"مكتوب": خبر مقدم، والجملة حال من ضمير "جاء". قوله: (وقيل: لم يكن بطن من [بطون] قريش) إلى آخره: يوافقه ما روينا عن البخاري عن ابن عباس: "سئل عن قوله تعالى: ﴿إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى﴾، فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد، فقال ابن عباس: عجلت، أن رسول الله ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم". ?

стр. 7542

أي: في حق القربى أومن أجلها، كما تقول: الحب في الله والبغض في الله، بمعنى: في حقه ومن أجله، يعني: أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى، ولا تؤذوني ولا تهيجوا عليّ. وقيل: أتت الأنصار رسول الله ﷺ بمال جمعوه وقالوا: يا رسول الله، قد هدانا الله بك وأنت ابن أختنا، وتعروك نوائب وحقوق، ومالك سعة، فاستعن بهذا على ما ينوبك، فنزلت، وردّه. وقيل: ﴿الْقُرْبى﴾: التقرب إلى الله تعالى، أي: إلا أن تحبوا الله ورسوله في تقرّبكم إليه بالطاعة والعمل الصالح. وقرئ: "إلا مودّة في القربى". ﴿مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾: عن السدّي: أنها المودّة في آل رسول الله ﷺ ، نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ ومودّته فيهم، والظاهر: العموم في أي حسنة كانت، إلا أنها لما ذكرت عقيب ذكر المودّة في القربى؛ دل ذلك على أنها تناولت المودّة تناولًا أوّليًّا، كأنّ سائر الحسنات لها توابع. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأنت ابن أختنا): لأن آمنة أم رسول الله ﷺ كانت من الأنصار من بني زهرة. قوله: (والظاهر العموم في أي حسنة كانت): فعلى هذا ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ إلى آخره: تذييل، وعلى الأول: تتميم. ?

стр. 7543

وقرئ: يزد، أي: يزد الله. وزيادة حسنها من جهة الله: مضاعفتها، كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وقرئ: "حسنى"، وهي مصدر كالبشرى. الشكور في صفة الله: مجاز للاعتداد بالطاعة، وتوفية ثوابها، والتفضل على المثاب. [﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ٢٤] ﴿أَمْ﴾ منقطعة، ومعنى الهمزة فيه: التوبيخ، كأنه قيل: أيتمالكون أن ينسبوا مثله إلى الافتراء، ثم إلى الافتراء على الله الذي هو أعظم الفرى وأفحشها، ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ فإن يشأ الله يجعلك من المختوم على قلوبهم، حتى تفتري عليه الكذب، فإنه لا يجترئ على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل حالهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿أَمْ﴾ منقطعة، ومعنى الهمزة فيه: التوبيخ): أقول: لابد من تقديم كلام يصح أن يضرب عنه، وهو قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، وبيانه: أنه تعالى لما أمره صلوات الله عليه بأن يتلو عليهم قوله: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وصَّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣]، وساق الكلام إلى أن انتهى إلى الإضراب الأول، فأضرب عن الأمر بالتلاوة إلى السؤال على سبيل التقرير والتهكم، وأجرى عنان الكلام حتى بلغ إلى مقام الإضراب الثاني، فوبخهم على أمر آخر أعظم من الأول، وهو نسبة الافتراء إلى أكرم خلق الله، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾، أي: يتفوهون بهذه العظيمة؛ أن محمدًا شرع من تلقاء نفسه هذا الذي تلا عليكم وسماه دينًا، وذكر أن الله آذن به الأنبياء أن يتمسكوا به ويوصوا أممهم به، وهذا معنى قوله: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. ?

стр. 7544

وهذا الأسلوب مؤدّاه استبعاد الافتراء من مثله، وأنه في البعد مثل الشرك بالله والدخول في جملة المختوم على قلوبهم. ومثال هذا: أن يخوّن بغض الأمناء، فيقول: لعل الله خذلني، لعل الله أعمى قلبي، وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى القلب، وإنما يريد استبعاد أن يخوّن مثله، والتنبيه على أنه ركب من تخوينه أمر عظيم. ثم قال: ومن عادة الله أن يمحو الباطل ويثبت الحق ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ بوحيه أو بقضائه، كقوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨]، يعني: لو كان مفتريًا كما تزعمون لكشف الله افتراءه، ومحقه، وقذف بالحق على باطله فدمغه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذا الأسلوب مؤداه استعباد الافتراء من مثله): وهو أنه تعالى وبخهم على الافتراء -المؤدي إلى إيجاب الختم والطبع الذي هو من صفة أبعد خلق الله وألعنهم- على مثل أكرم خلق الله وأحبهم إليه، هيهات، وآدم ومن دونه تحت لوائه. هذا هو معنى الاستبعاد الذي صرح به، ومعنى المثلين في قوله: "في مثل حالهم" و"الافتراء من مثله". وعن بعضهم: "وفي هذا تذكير لنعم الله بذكر إحسانه إليه وفضله له بما أكرمه بأنواع الكرامات التي أكرمه بها؛ ليشكر ربه على ذلك، ويرحم على أولئك بما ختم على قلوبهم"، انتهى كلامه. ثم جيء بقوله: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ البَاطِلَ﴾ إلى آخره؛ تذيلًا للكلام وتتميمًا لمعنى الاستعباد، أي: ليس من شأنه صلوات الله عليه ذلك، ولا من عادة الله، إلا محو الباطل وإثبات الحق، ولا من صفات هذا الكتاب الكريم أن يحوم الافتراء حوله، وأنه من كلمات الله التي لا يأتيها الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفيه تعريض بافترائهم، وأنهم المختوم على قلوبهم، وأنهم أخس خلق الله وأنذلهم وأبعدهم من رحمة الله، أولئك كالأنعام بل هم أضل. لله رده! ما ألطف بيانه، وما أدق نظره! ولو لم يكن في كتابه إلا هذا التلويح لكفاه مزية وفضلًا. ?

стр. 7545

ويجوز أن يكون عدة لرسول الله ﷺ بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والتكذيب، ويثبت الحق الذي أنت عليه بالقرآن وبقضائه الذي لا مردّ له من نصرتك عليهم، إنّ الله عليم بما في صدرك وصدورهم، فيجري الأمر على حسب ذلك. وعن قتادة: ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾: ينسك القرآن ويقطع عنك الوحي، يعني: لو افترى على الله الكذب لفعل به ذلك، وقيل: ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾: يربط عليه بالصبر، حتى لا يشق عليك أذاهم. فإن قلت: إن كان قوله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ﴾ كلامًا مبتدأ غير معطوف على ﴿يختم﴾، فما بال الواو ساقطة في الخط؟ قلت: كما سقطت في قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ﴾ [الإسراء: ١١]، وقوله تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]، على أنها مثبتة في بعض المصاحف. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويثبت الحق الذي أنت عليه بالقرآن وبقضائه): فإن قلت: لم خالف بين العبارتين، فجاء في الوجه الأول بـ"أو" حيث قال: "بوحيه أو بقضائه"، وفي الثاني بالواو حيث قال: "بالقرآن وبقضائه"؟ قلت: على الأول: الكلام تذييل وبيان لعادة الله الجارية في إثبات الحق ومحق الباطل فيما غبر من الزمان وفيما يترقب منه، وكان لا يخلو ذلك من أحد هذين الأمرين، وعلى هذا الوجه: عدة لحبيب الله صلوات الله عليه، والجملة حال مقررة لمزيد التوبيخ، والمقام اقتضى الجمع بينهما، لاسيما وقد تحقق في الواقع ذلك. قوله: (إن كان قوله: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ البَاطِلَ﴾ كلامًا مبتدأ): يعني: و ﴿يَخْتِمْ﴾ مجزوم جواب للشرط، ﴿ويَمْحُ﴾ أيضًا قد سقط منه الواو علامة الجزم، فيكون معطوفًا عليه، وأنت جعلته كلامًا مبتدأ؟ وأجاب: أن الواو ساقطة خطأ لا معنى، قال أبو البقاء: " ﴿يَخْتِمْ﴾ جواب للشرط، ﴿ويَمْحُ﴾ مرفوع مستأنف وليس من الجواب؛ لأنه يمحو الباطل من غير شرط، وسقطت الواو من اللفظ لالتقاء الساكنين، ومن المصحف حملًا على اللفظ". ?

стр. 7546

[﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ٢٥] يقال: قبلت منه الشيء، وقبلته عنه؛ فمعنى قبلته منه: أخذته منه وجعلته مبدأ قبولي ومنشأه، ومعنى "قبلته عنه": عزلته عنه وأبنته عنه. والتوبة: أن يرجع عن القبيح والإخلال بالواجب؛ بالندم عليهما والعزم على أن لا يعاود، لأنّ المرجوع عنه قبيح وإخلال بالواجب، وإن كان فيه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وروى محيي السنة عن الكسائي نحو ما ذكره المصنف، ومما يقوي أنه مرفوع: عطف قوله: ﴿ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ عليه، وهو مرفوع. قوله: (والعزم على أن لا يعاود، لأن المرجوع عنه قبيح وإخلال بالواجب): أي: يجعلهما غرضًا في عدم المعاودة. قوله: (وإن كان فيه): أي: في المرجوع عنه أو الواجب (لعبد حق: لم يكن بد من التفصي على طريقه): قيل: في قوله: "لأن المرجوع عنه قبيح وإخلال بالواجب"ن وقوله: "أن يرجع عن القبيح": إشارة إلى مذهبه؛ لأن أكثرهم قالوا: التوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على البعض غير صحيحة، قال أبو هاشم: لو تاب عن ذلك القبيح لكونه قبيحًا وجب أن يتوب عن كل القبائح، وإن تاب عنه لا لمجرد قبحه، بل لغرض آخر لم تصح توبته. وعند أهل السنة: التوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على البعض صحيحة. وقال الشيخ أبو عبد الله الأنصاري: "التوبة ثلاثة أشياء: الندم والاعتذار والإقلاع". وقلت: الندم: إنما يكون على ما فات في الزمان الماضي، فيرجع عنه بالقلب، لأن التوبة سعي من مساعي القلب، وهو تنزيهه عن القبائح، وإليه الإشارة بقوله: "أن يرجع عن القبيح والإخلال بالواجب بالندم عليهما". ?

стр. 7547

لعبد حق: لم يكن بد من التفصي على طريقه. وروى جابر: أن أعرابيًا دخل مسجد رسول الله ﷺ ، وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، وكبر، فلما فرغ من صلاته قال له علي ﵁: يا هذا، إنّ سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين، وتوبتك تحتاج إلى التوبة، فقال: يا أمير المؤمنين، وما التوبة؟ قال: اسم يقع على ستة معان: على الماضي من الذنوب: الندامة، ولتضييع الفرائض: الإعادة، وردّ المظالم، وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته. ﴿وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ عن الكبائر إذا تيب عنها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والاعتذار: هو التلافي لما فات في الحال بقضاء الواجب؛ أن كان من حق الله بأداء الفرائض، ورد المظالم أن كان من حق العباد، فلابد من التقصي على طريقه، أي: يجتهد على طريقة التخلص منه بأي وجه أمكن؛ أن كان المظلوم في قيد الحياة: فالتفصي عنه بأن يرد عليه أو يستحل منه، وإن مات يردها على ورثته، وإن لم يقدر فيتصدق عنه، وإلا فيدعو له ويستغفر. والإقلاع: هو أن يعزم على ألا يعاود إلى الذنب، وهو يتعلق بالمستقبل، ويمكن أن يحمل قوله: "أن لا يعاود؛ لأن المرجوع عنه قبيح وإخلال بالواجب" على أنه لا تصح التوبة إذا رجع عن القبيح محاباة أو خوفًا من الناس أو ضعفًا حصل في بدنه، فلا يكون توبة، ولو قال: "تعظيمًا لله وحذارًا من سخطه" لكان أولى؛ لأنه دخل في كلامه: ما إذا رجع عنها طالبًا للثناء والمدحة والرياء والسمعة. قوله: (من التفصي على طريقه): الأساس: "وقع فيما لا يقدر على التفصي منه، وليتني أتفصى من فلان؛ أي: أتخلص منه وأباينه". وقدر صاحب "المطلع": "لم يكن بد من التفصي عنه بطريقة". قوله: (﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ عن الكبائر إذا تيب عنها): وقلت: إذن لا فرق بين "يقبل ?

стр. 7548

وعن الصغائر إذا اجتنبت الكبائر، ﴿وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ قرئ بالتاء والياء، أي: يعلمه فيثيب على حسناته، ويعاقب على سيئاته. [﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ٢٦] ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: يستجيب لهم، فحذف اللام كما حذف في قوله تعالى: ﴿وَإِذا كالُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣]، أي: يثيبهم على طاعتهم ويزيدهم على الثواب تفضلًا، أو: إذا دعوه استجاب دعاءهم، وأعطاهم ما طلبوا، وزادهم على مطلوبهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التوبة" وبين "يعفو عن السيئات"؛ لأن قبول التوبة ليس إلا العفو عن السيئات، بل المعنى: من شأنه قبول التوبة عن عباده إذا تابوا، والعفو عن سيئاتهم محض رحمته أو بشفاعة شافع، قال الإمام: "إنه تعالى تارة يعفو بواسطة التوبة، وأخرى يعفو ابتداء من غير توبة". قوله: (قرئ بالتاء والياء): حفص وحمزة والكسائي: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء. قوله: (أي: يعلمه فيثيب على حسناته، ويعاقب على سيئاته): يعني: ﴿ويَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ جاء تذييلًا للسابق، فإن قوله: ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ دل على أن العفو تعلق بالسيئات المتوب عنها، فلابد من وجود سيئات غير متوب وغير معفو عنها، فاتصل قوله: ﴿ويَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ بهما بحسب الثواب والعقاب، وفيه تعسف. وقال القاضي: " ﴿ويَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ فيجازي ويجاوز عن إتقان وحكمة"، أي: يجازي التائب ويجاوز عن غير التائب، وصدورهما عنه عن إتقان منه وحكمة، وإن لم ندرك ذلك بعقولنا، فلا اعتراض لأحد عليه. ?

стр. 7549

وقيل: الاستجابة فعلهم، أي: يستجيبون له بالطاعة إذا دعاهم إليها، ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ هو ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ على ثوابهم، وعن سعيد بن جبير: هذا من فعلهم: يجيبونه إذا دعاهم، وعن إبراهيم بن أدهم أنه قيل له: ما بالنا ندعو فلا نجاب؟ قال: لأنه دعاكم فلم تجيبوه، ثم قرأ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥]، ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. [﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ٢٧] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: الاستجابة فعلهم): قال أبو البقاء: "على هذا: ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع رفع، أي: ينقادون له". وقلت على الوجه الأول: ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عطف على ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾، فتشتمل الآيتان على أصناف المكلفين؛ الموافقين منهم والمخالفين، فإن المؤمن: إما عاص أو غير عاص، والأول: تائب أو غير تائب، والكافر من صنف المخالفين، وقد بين في الآيتين ما لكل من الأصناف، ومعاملة الله مع كل فريق من قبول التوبة والعفو والاستجابة والعذاب. وعلى الوجه الثاني: ﴿ويَسْتَجِيبُ﴾ عطف على مجموع قوله: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾، وقوله: ﴿ويَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ عطف على مقدر هو مسبب عن قوله: ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، على منوال قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ١٥]، أي: عملًا به وعرفًا حق النعمة وقالا: الحمد لله، فالمعنى: ويستجيبون لله بالطاعة حين دعاهم، فيستجيب لذلك دعاءهم، ويوفيهم أجورهم، ويزيدهم من فضله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِه﴾ [فاطر: ٢٩ - ٣٠]. ?

стр. 7550

﴿لَبَغَوْا﴾ من البغي؛ وهو الظلم، أي: لبغى هذا على ذاك، وذاك على هذا، لأنّ الغنى مبطرة مأشرة، وكفى بحال قارون عبرة، ومنه قوله ﵊: «أخوف ما أخاف على أمّتي زهرة الدنيا وكثرتها»، ولبعض العرب: وقد جعل الوسمي ينبت بيننا .... وبين بني رومان نبعًا وشوحطا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومن هذا المقام أجاب السيد الجليل إبراهيم بن أدهم عن قول السائل: ما بالنا فلا نجاب؟ بقوله: "لأنه دعاكم فلم تجيبوه، ثم قرأ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]، ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ". وإلا فالاستجابة في هذا الوجه استجابة المؤمن لله تعالى بالطاعة إذا دعاه إليها. قوله: (أخوف ما أخاف على أمتي) الحديث: من رواية البخاري ومسلم والنسائي عن أبي سعيد قال: "جلس رسول الله ﷺ ، وجلسنا حوله، فقال: أن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها. فقال رجل: أو يأتي الخير بالشر يا رسول الله؟ " الحديث بطوله ذكرناه. قوله: (وقد جعل الوسمي) البيت: سمي المطر وسيمًا؛ لأنه يسم الأرض بالنبات، و"النبع": شجر يتخذ منه القسي، و"الشوحط": يتخذ منه السهام، يعني: أنهم إذا أمطروا وأخصبوا، فتذكروا الذحول، وطلبوا الأوتار. وفي هذا البيت من حسن التعليل ما بلغ غايته، فكأن المطر أنبت لهم آلة الحرب من القسي والسهام. ?

стр. 7551

يعني: أنهم أحيوا فحدّثوا أنفسهم بالبغي والتفانن. أو من البغي؛ وهو البذخ والكبر، أي: لتكبروا في الأرض، وفعلوا ما يتبع الكبر من الغلو فيها والفساد. وقيل: نزلت في قوم من أهل الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى، قال خباب بن الأرت: فينا نزلت، وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع، فتمنيناها. ﴿بِقَدَرٍ﴾ بتقدير، يقال قدره قدرًا وقدرًا، ﴿خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ يعرف ما يؤول إليه أحوالهم، فيقدّر لهم ما هو أصلح لهم وأقرب إلى جمع شملهم، فيفقر ويغني، ويمنع ويعطي، ويقبض ويبسط، كما توجبه الحكمة الربانية، ولو أغناهم جميعًا لبغوا، ولو أفقرهم لهلكوا. فإن قلت: قد نرى الناس يبغي بعضهم على بعض، ومنهم مبسوط لهم، ومنهم مقبوض عنهم، فإن كان المبسوط لهم يبغون، فلم بسط لهم؟ وإن كان المقبوض عنهم يبغون فقد يكون البغي بدون البسط، فلم شرطه؟ قلت: لا شبهة في أنّ البغي مع الفقر أقل، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أحيوا)، الجوهري: "أحيا القوم؛ إذا صاروا في الحيا والخصب". قوله: (التفاتن): وهو التقاتل والتهارج. قوله: (وهو البذخ)، الجوهري: "البذخ: الكبر، وقد بذخ -بالكسر- وتبذخ: إذا تكبر وعلا". قوله: (لا شبهة في أن البغي مع الفقر أقل): هذا الجواب متكلف، والسؤال قوي. وعلى ما فسرنا الآية عند قوله: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ١٩]: السؤال غير وارد، والذي يشد من عضده هاهنا قول المصنف: "قيل: نزلت في قوم من أهل الصفة"، وعليه تفسير محيي السنة، وذكر أيضًا حديثًا طويلًا، وفي آخره: "وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك". ?

стр. 7552

ومع البسط أكثر وأغلب، وكلاهما سبب ظاهر للإقدام على البغي والإحجام عنه، فلو عم البسط لغلب البغي حتى ينقلب الأمر إلى عكس ما عليه الآن. [﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ٢٨] قرئ: ﴿قَنَطُوا﴾ بفتح النون وكسرها، ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أي: بركات الغيث ومنافعه وما يحصل به من الخصب. وعن عمر ﵁ أنه قيل له: اشتدّ القحط وقنط الناس، فقال: مطروا إذن. أراد هذه الآية. ويجوز أن يريد: رحمته في كل شيء، كأنه قال: ينزل الرحمة التي هي الغيث، وينشر غيرها من رحمته الواسعة. ﴿الْوَلِيُّ﴾ الذي يتولى عباده بإحسانه ﴿الْحَمِيدُ﴾ المحمود على ذلك، يحمده أهل طاعته. [﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ ٢٩] ﴿وَما بَثَّ﴾ يجوز أن يكون مرفوعًا ومجرورًا يحمل على المضاف إليه أو المضاف. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والإحجام عنه): النهاية: "أحجم القوم: نكصوا وتأخروا"، وهو مطابق لقوله: "للإقدام على البغي". قوله: (﴿قَنَطُوا﴾ بفتح النون وكسرها): بالفتح: السبعة، والكسر: شاذ. قوله: (ويجوز أن يريد: رحمته في كل شيء): فعلى هذا: هو من عطف العام على الخاص، فيكون قوله: ﴿وهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ تذييلًا للقرينتين على طريقة الجمع، أي: هو المتولي للغيث ونشر سائر الرحمة، وله الحمد على هذا الإحسان، وله الثناء والمحمدة على كل الأفضال. قوله: (على المضاف إليه أو المضاف): أي: ومن آياته خلق السماوات وخلق ما بث فيهما، ومن آياته ما بث فيهما، ويمكن أن يقال: ومن آياته بث ما فيهما، على أن "ما" مصدرية، والمضاف إليه محذوف. ?

стр. 7553

فإن قلت: لم جاز ﴿فِيهِما مِنْ دابَّةٍ﴾ والدواب في الأرض وحدها؟ قلت: يجوز أن ينسب الشيء إلى جميع المذكور، وإن كان ملتبسًا ببعضه، كما يقال: بنو تميم فيهم شاعر مجيد أو شجاع بطل، وإنما هو في فخذ من أفخاذهم، أو فصيلة من فصائلهم، وبنو فلان فعلوا كذا، وإنما فعله نويس منهم. ومنه قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وإنما يخرج من الملح. ويجوز أن يكون للملائكة ﵈ مشي مع الطيران، فيوصفوا بالدبيب كما يوصف به الأناسي. ولا يبعد أن يخلق في السماوات حيوانًا يمشى فيها مشى الأناسي على الأرض، سبحان الذي خلق ما نعلم وما لا نعلم من أصناف الخلق. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في فخذ من أفخاذهم): النهاية: "أول العشيرة: الشعب، ثم القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ". قوله: (ويجوز أن يكون للملائكة مشي مع الطيران): الانتصاف: "إطلاق الدابة على الأناسي بعيد من عرف اللغة، فكيف بالملائكة؟ والأول أصح، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، فدل هذا على اختصاص الدواب بالأرض". وقال صاحب "الإنصاف": ذكر الزمخشري في قوله: ﴿بَثَّ﴾ قولين: أحدهما: أنه معطوف على ﴿فَأَحْيَا﴾، أي: فأحيا وبث فيها من كل دابة، لأن الماء سبب حياة الحيوان، إذ به ينبت العشب الذي به حياتهم، فعلى هذا لا حجة لصاحب "الانتصاف" في الآية، إذ المراد ذكر الماء وما حصل منه من النبات وحياة الحيوان. والثاني: أن يعطف على ﴿أَنْزَلَ﴾، فيكون ?

стр. 7554

﴿إِذَا﴾ تدخل على المضارع كما تدخل على الماضي، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]، ومنه ﴿إِذَا يَشاءُ﴾، وقال الشاعر: وإذا ما أشاء أبعث منها .... آخر اللّيل ناشطًا مذعورًا [﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ * وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ٣٠ - ٣١] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فيه بعض التمسك، وإن كان تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفيه عما عداهن لاسيما إذا كان ضميرًا يعود على اسم جامد، فقوله: ﴿فِيهَا﴾ يعود على ﴿الْأَرْضِ﴾، ولم يخالف في مفهوم الاسم الجامد إلا أبو بكر الدقاق، فلا تبنى الحجة على مثل هذا الجرف الهاوي". وقلت: لابد من اعتبار بث الملائكة في السماوات؛ لأن مقام العظمة والكبرياء والقدرة التامة ونفاذ المشيئة يوجب التهاون والتحقير، كأنه قيل: وما بث فيهما من كل متحرك ذي روح، وكثيرًا ما تستعمل لفظة "ما" -التي لغير ذوي العقول- فيهم تحقيرًا، ولتتميم هذا المعنى عبر عن إتيان الأمر الواقع الجازم وقوعه، بل الواجب لوعده، وهو القيامة، بقوله: ﴿وهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾، قال محيي السنة: "المراد بجمعهم: الجمع يوم القيامة". قوله: (﴿إِذَا﴾ تدخل على المضارع كما تدخل على الماضي): يعني: إذا كان بمعنى الوقت ﴿إذَا يَشَاءُ﴾ أي: في أي وقت يشاء. وأما: "إذا ما أشاء أبعث منها" البيت: "الناشط": الثور الوحشي الذي يخرج من بلد إلى بلد لشيء خافه، وهو يعدو أشد العدو، والضمير في "منها" للناقة، و"المذعور": المخوف، ?

стр. 7555

في مصاحف أهل العراق: ﴿فَبِما كَسَبَتْ﴾ بإثبات الفاء على تضمين «ما» معنى الشرط، وفي مصاحف أهل المدينة: «بما كسبت» بغير فاء، على أنّ «ما» مبتدأة، و"بما كسبت" خبرها من غير تضمين معنى الشرط، والآية مخصوصة بالمجرمين، ولا يمتنع أن يستوفي الله بعض عقاب المجرم ويعفو عن بعض، فأمّا من لا جرم له؛ كالأنبياء والأطفال والمجانين، فهؤلاء إذا أصابهم شيء من ألم أو غيره، فللعوض الموفى والمصلحة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ و"من" -في "منها"-: تجريدية، نحو: هيجت من فلان أسدًا، جرد الشاعر من الناقة شيئًا يسمى ناشطًا مذعورًا. والبيت لكعب بن زهير. قوله: (في مصاحف أهل العراق: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ﴾): قال صاحب "التيسير": "قرأ نافع وابن عامر: "بما كسبت أيديكم" بغير فاء، والباقون: ﴿فَبِمَا﴾ "، قال الزجاج: "بالفاء أجود للمجازاة"، قال أبو البقاء: "من حذف الفاء حمله على قوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] "، ثم قال: "حذف الفاء من الجواب حسن إذا كان الشرط بلفظ الماضي"، ويجوز أ، تجعل "ما" بمعنى "الذي" في هذا المذهب، وفيه ضعف. قوله: (فأما من لا جزم له كالأنبياء) إلى آخره: على تقدير سؤال، أي: إذا كانت الآية مخصوصة بالمجرمين، وأن ما أصابهم من مصيبة فبما كسبت أيديهم، فما لنا نرى الأنبياء والأطفال تصيبهم مصائب ولا جرم لهم؟ فأجاب: أن ذلك لأجل الأعواض، أي: يعوضهم في الآخرة العوض التام، أو يكون بناء لمصالح دينية، على ما عرف من مذهبه. ?

стр. 7556

وعن النبي ﷺ : «ما من اختلاج عرق، ولا خدش عود، ولا نكبة حجر، إلا بذنب، ولما يعفو الله عنه أكثر». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الانتصاف: "عند هذه يبلس القدرية، فإنهم حملوا ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦] على التائب، وذلك لا يمكن هاهنا، وذلك لا يمكن هاهنا؛ لأنه قد بعض العفو، أي قال: ﴿عَن كَثِيرٍ﴾، فإن كان تائبًا وجب العفو عن جميع ذنوبه، وغلا وجب الأخذ بالجميع بزعمه، فدل على أن العفو راجع غلى المشيئة، وقول الزمخشري: "إن الآلام لها أعواض"، فهو يريد وجوبها على الله، وقد أخطأ فرعًا وأصلًا؛ لأن المعتزلة وإن أخطأت في إيجاب العوض، لم يقولوه في الأطفال والمجانين، فإن القاضي أبا بكر ألزمهم قبح إيلام الأطفال والبهائم، وقال: لا أعواض لها، وليس مرتبًا على استحقاق سابق، وهذا الإلزام إنما يتم بموافقتهم له". قوله: (ما من اختلاج عرق) إلى قوله: (ولما يعفو الله عنه أكثر): روى الترمذي عن أبي موسى: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يصيب عبدًا نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، وقرأ: ﴿ومَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ﴾ الآية". وروى نحوه أحمد بن حنبل عن علي ﵁. ?

стр. 7557

وعن بعضهم: من لم يعلم أن ما وصل إليه من الفتن والمصائب باكتسابه، وأنّ ما عفا عنه مولاه أكثر، كان قليل النظر في إحسان ربه إليه. وعن آخر: العبد ملازم للجنايات في كل أوان، وجناياته في طاعاته أكثر من جناياته في معاصيه، لأنّ جناية المعصية من وجه وجناية الطاعة من وجوه، والله يطهر عبده من جناياته بأنواع من المصائب، ليخفف عنه أثقاله في القيامة، ولولا عفوه ورحمته لهلك في أوّل خطوة. وعن علي ﵁ وقد رفعه: «من عفي عنه في الدنيا عفي عنه في الآخرة، ومن عوقب في الدنيا لم تثن عليه العقوبة في الآخرة»، وعنه ﵁: «هذه أرجى آية للمؤمنين في القرآن». ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ بفائتين ما قضي عليكم من المصائب، ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ من متول بالرحمة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وجناية الطاعة من وجوه): منها: لا تخلو قط من نوع خلل فيها، ومنها: حصول الثواني، والتقصير في الأداء، ومنها: إعواز حضور القلب المطلوب منها، ومنها: شوائب الرياء التي هي أطعمها، ومنها: ما يلحقها من استعظام النفس والترفع. قوله: (وعن علي ﵁، وقد رفعه) الحديث: من رواية الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" عن علي ﵁: "ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله؟ حدثنا بها رسول الله ﷺ ؛ ﴿ومَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾، وسأفسرها لك يا على: ما أصابك من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله أكرم من أن يثني عليهم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا، والله أعظم أن يعود بعد عفوه". قوله: (من متول بالرحمة): قيد ﴿وَلِيٍّ﴾ بـ"الرحمة" لما قيد ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ بـ"المصائب"؛ ?

стр. 7558

[﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ * إِنْ يَشَا يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ٣٢ - ٣٤] (الْجَوارِي): السفن. وقرئ: ﴿الجَوَارِ﴾، ﴿كَالْأَعْلامِ﴾ كالجبال، قالت الخنساء: كأنّه علم في رأسه نار ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأن قوله: ﴿ومَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ الآية: كالتقرير لإثبات معنى العفو لله تعالى في قوله تعالى: ﴿ويَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾، أي: أن الله لشمول رحمته وعميم لطفه يعفو لكم عن كثير من المصائب، لأنكم لا قدرة لكم أن تفوتوا ما قضي عليكم من المصائب، ولا لكم أيضًا من دونه متول بالرحمة يرحمكم إذا أصابكم مصيبة، ولا ناصر غيره ينصركم منه، ولهذا جاء عن علي ﵁: "هذه أرجى آية للمؤمنين في القرآن". قوله: (وقرئ: ﴿الْجَوَارِ﴾): بغير ياء؛ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. قوله: (كأنه علم في رأسه نار): قبله: وإن صخرًا لمولانا وسيدنا .... وإن صخرًا إذا نشتو لنحار أغر أبلج تأتم الهداة به .... كأنه علم في رأسه نار تمدح أخاها تقول: إذا دخل الشتاء والشدة ينحر الإبل للأضياف. "الأبلج": الطليق الوجه في المعروف، قولها: "في رأسه نار": تتميم لقولها: "كأنه علم". ?

стр. 7559

وقرئ: "الرياح"، ﴿فَيَظْلَلْنَ﴾ بفتح اللام وكسرها؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "الرياح"): نافع، والباقون: بالتوحيد. الانتصاف: "يقولون: أن "الريح" لم ترد في القرآن إلا عذابًا، بخلاف "الرياح"، وهذه الآية تحرم الإطلاق، لأنها هاهنا نعمة ورحمة، وسكونها شدة على أصحاب السفن، ولا ينكر أن الغالب في ورودها مفردة ما ذكروا، وكذا في قوله ﷺ : "اللهم اجعلها رياحًا، ولا تجعلها ريحًا": بناء على الأغلب". قال صاحب "الإنصاف": "وكذلك جاء في القراءات السبعة: (الله الذي أرسل الريح)، (وهو الذي يرسل الريح)، والمراد بها: التي تثير السحاب". قوله: (﴿فَيَظْلَلْنَ﴾ بفتح اللام وكسرها): بالفتح: السبعة، والكسر: شاذ. قال ابن جني: "الكسر قراءة قتادة، وهي على: ظللت أظل؛ كفررت أفر، والمشهور فيها: فعلت أفعل؛ ظللت أظل، وأما ظللت أظل: فلم يمرر بنا، لكن قد مر نحو هذا: ضللت أضل، وضللت أضل، ولم يقرأ قتادة إلا بما روي، وأقل ما في هذا أن يكون قد سمع لغة". ?

стр. 7560

من: ظل يظل ويظل، نحو: ضل يضل ويضل، ﴿رَواكِدَ﴾ ثوابت لا تجري، ﴿عَلى ظَهْرِهِ﴾ على ظهر البحر، ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ على بلاء الله، ﴿شَكُورٍ﴾ لنعمائه، وهما صفتا المؤمن المخلص، فجعلهما كناية عنه، وهو الذي وكل همته بالنظر في آيات الله، فهو يستملي منها العبر. ﴿يُوبِقْهُنَّ﴾ يهلكهن، والمعنى: أنه إن يشأ يبتلي المسافرين في البحر بإحدى بليتين؛ إما أن يسكن الريح فيركد الجواري على متن البحر، ويمنعهن من الجري، وإما أن يرسل الريح عاصفة فيهلكهن إغراقًا بسبب ما كسبوا من الذنوب، ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ منها. فإن قلت: علام عطف ﴿يُوبِقْهُنَّ﴾؟ قلت: على ﴿يُسْكِنِ﴾، لأنّ المعنى: إن يشأ يسكن الريح فيركدن، أو يعصفها فيغرقن بعصفها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهما صفتا المؤمن): قال الإمام: "المؤمن لا يخلو من أن يكون في السراء والضراء، فإن كان في الضراء: كان من الصابرين، وإن كان في السراء: كان من الشاكرين"، روى محيي السنة في "المصابيح" عن النبي ﷺ قال: "عرض على ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبًا، فقلت: لا يا رب، ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك". قوله: (فجعلهما كناية عنه): ونحوها قولك: الإنسان حي مستوي القامة عريض الأظفار. وأقول: حسن موقع هذه الكناية في هذا المقام: أن مواجب الصبر والشكر لم تتبين في سائر الحالات ظهوره في حالتي الركوب في البحر والخروج منه، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] الآيات. قوله: (يستملي منها العبر)، الجوهري: "استمليت الكتاب: سألته أن يمليه علي". ?

стр. 7561

فإن قلت: فما معنى إدخال العفو في حكم الإيباق حيث جزم جزمه؟ قلت: معناه: أو إن يشأ يهلك ناسًا وينج ناسًا على طريق العفو عنهم. فإن قلت: فمن قرأ "وَيَعْفُو"؟ قلت: قد استأنف الكلام. [﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ٣٥] فإن قلت: فما وجوه القراءات الثلاث في ﴿وَيَعْلَمَ﴾؟ قلت: أما الجزم فعلى ظاهر العطف، وأما الرفع فعلى الاستئناف، وأما النصب فللعطف على تعليل محذوف، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فما وجوه القراءات الثلاث في ﴿وَيَعْلَمَ﴾؟ ): الرفع: قراءة نافع وابن عامر، والنصب: الباقون، والجزم: شاذ. أما الجزم: فعلى ظاهر العطف، فيكون التشريك بينهما في المسببية، وأما الرفع: فهو ما ذكره ابن الحاجب: إما أن يقصد إلى عطف الجملة على موضع الجزم المتقدم، باعتبار كونها جملة، لا باعتبار عطف مجرد الفعل، فعلى هذا يكونان أيضًا مشتركين في المسببية، أو يكون إخبارًا بوقوع ذلك، لا على تشريك بينه وبين ما قبله. وهو المراد من قول المصنف: "فعلى الاستئناف". وقلت: مرجع الاستئناف أيضًا إلى التعليل، وتفويض استفادته إلى الذهن، وهذا البحث قريب مما في "المفصل": " ﴿أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]: بالنصب غلى إضمار "أن"، والرفع على الاشتراك بين ﴿يُسْلِمُونَ﴾ و ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾، أو على الابتداء"، في "الإقليد": أن أردت الابتداء قدرت: "أو هم يسلمون"، فالمعنى: أن المؤمنين هم المتولون للقتال، وسيجيء الكلام فيه مستقصى. ?

стр. 7562

تقديره: لينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون، ونحوه في العطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن، منه قوله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ ﴿[مريم: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢]. وأما قول الزجاج: النصب على إضمار "أن"، لأنّ قبلها جزاء؛ تقول: ما تصنع أصنع مثله وأكرمك، وإن شئت: وأكرمك؛ على: وأنا أكرمك، وإن شئت: وأكرمك؛ جزمًا، ففيه نظر؛ لما أورده سيبويه في "كتابه"، قال: "واعلم أنّ النصب بالفاء والواو في قوله: إن تأتني آتك وأعطيك، ضعيف، وهو نحو من قوله: وألحق بالحجاز فأستريحا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ﴾): يعني: في "مريم"، وتقديره: لنبين به قدرتنا ولنجعله آية. قوله: (﴿وَلِتُجْزَى﴾): أي: في "الجاثية"، تقديره: وخلق السماوات والأرض ليدل بها على قدرته ولتجزى كل نفس. قوله: (وألحق بالحجاز فأستريحا): أوله: سأترك منزلي لبني تميم نصب "ألحق" وهو ضعيف؛ لأنه ليس في جواب الأشياء الستة. ?

стр. 7563

فهذا يجوز، وليس بحدّ الكلام ولا وجهه، إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلًا، لأنه ليس بواجب أنه يفعل، إلا أن يكون من الأوّل فعل، فلما ضارع الذي لا يوجبه، كالاستفهام ونحوه، أجازوا فيه هذا على ضعفه"، انتهى. ولا يجوز أن تحمل القراءة المستفيضة على وجه ضعيف ليس بحدّ الكلام ولا وجهه، ولو كانت من هذا الباب لما أخلى سيبويه منها "كتابه"، وقد ذكر نظائرها من الآيات المشكلة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وليس بحد الكلام ولا وجهه): قيل: أراد بالحد: الجواز، وبالوجه: الحسن، ويمكن أن يراد بالحد: الثابت المقرر والمؤصل، وبالوجه: ما يحمل عليه شيء لمشابهته له. قوله: (لأنه ليس بواجب أنه يفعل، إلا أن يكون في الأول فعل، فلما ضارع الذي لا يوجبه كالاستفهام ونحوه، أجازوا): يعني: أن فعل الجزاء يشبه الإنشائيات في أنه غير ثابت إلا أن يثبت الشرط، فجاز لهذا أن يجاب بما تجاب به الأشياء الستة، لأنها ليست بثباته، لكن على ضعفه. وأما البيت: فهو خبر محض، فلا يجوز، اللهم إلا أن يقال: أن قوله: "سأترك" فعل مضارع، والمضارع أيضًا غير ثابت كالتمني والترجي، فلذلك جاز أن ينتصب "ألحق"، وقيل: التقدير: "وشأني أن ألحق"، فحذف المبتدأ، وقيل في قوله سيبويه: "إن النصب بالفاء والواو" إلى آخره: بحث؛ لأن المراد بالضعيف في مثل هذا الموضع قلة وروده في كلام الفصحاء، ونحن نقول: إذا ورد مثله في كلام الله المجيد فالوجه أن يتمسك به، ويجعل قويًا، فإنه المعيار والمهيمن على جميع الكتب. ?

стр. 7564

فإن قلت: فكيف يصح المعنى على جزم "وَيَعْلَمَ" قلت: كأنه قال: أو إن يشأ يجمع بين ثلاثة أمور؛ هلاك قوم ونجاة قوم وتحذير آخرين. ﴿مِنْ مَحِيصٍ﴾ من محيد عن عقابه. [﴿فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٣٦] "ما" الأولى ضمنت معنى الشرط، فجاءت الفاء في جوابها، بخلاف الثانية، عن علي ﵁: اجتمع لأبي بكر ﵁ مال، فتصدق به كله في سبيل الله والخير، فلامه المسلمون، وخطأه الكافرون، فنزلت. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فكيف يصح المعنى على جزم "ويعلم"؟ ): يعني: يرجع معنى الجزم إلى قوله: "ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام، أن يشأ يعلم الذين يجادلون في آياتنا"، فما معناه؟ وأجاب: بأن معناه التحذير، وتقريره أن يقال: ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام، أن يشأ يهلك المؤمن العاصي بسبب عصيانه، ويعف عن كثير، لشمول رحمته وعميم لطفه، وإن يشأ ينتقم من الكافر بكفره، ويجازيه على صرف آيات الله المنبثة في الآفاق على اختلاف أنواعها وحيًا ونظرًا عن مواقعها، ولكن أمهل لصبره وحمله، فكما عبر عن المؤمن بقوله: ﴿صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾، عبر عن الكافر بقوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾، نعم جاء ذكر الكافر مستطردًا لذكر العاصي وعصيانه، لأن "يعفو عن كثير" في الآيتين: وارد في حق المؤمنين، -كما مر- والله أعلم. قوله: ("ما" الأولى ضمنت معنى الشرط): من حيث أن إيتاء ما أوتوا سبب للتمتع في الحياة الدنيا، فجاءت الفاء في جوابها، وأما "ما" الثانية: فموصولة مبتدأ، والخبر ﴿خَيْرٌ﴾، المعنى: وما استقر عند الله من الثواب في العقبى خير للمؤمنين المتوكلين المجتنبين كبائر الإثم ?

стр. 7565

[﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ ٣٧] ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ عطف على ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وكذلك ما بعده. ومعنى ﴿كَبائِرَ الْإِثْمِ﴾ الكبائر من هذا الجنس، وقرئ: "كبير الإثم"، وعن ابن عباس: كبير الإثم هو الشرك. ﴿هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ أي: هم الأخصاء بالغفران في حال الغضب، لا يغول الغضب أحلامهم كما يغول حلوم الناس، والمجيء ب ﴿هُمْ﴾، وإيقاعه مبتدأ، وإسناد ﴿يَغْفِرُونَ﴾ إليه: لهذه الفائدة، ومثله: ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩]. [﴿وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ٣٨] ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ نزلت في الأنصار، دعاهم الله للإيمان به وطاعته، فاستجابوا له بأن آمنوا به وأطاعوه، ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ وأتموا الصلوات الخمس، وكانوا قبل الإسلام وقبل مقدم رسول الله ﷺ المدينة، إذا كان بهم أمر اجتمعوا وتشاوروا، فأثنى الله عليهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكاظمين الغيظ المستجيبين لربهم. هذا هو الذي عناه بقوله: " ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ﴾ عطف على ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، وكذلك ما بعده". قوله: (لا يغول الغضب أحلامهم)، الجوهري: "كل ما اغتال الإنسان فأهلكه: فهو غول، و"الغضب غول الحلم"؛ لأنه يغتاله ويذهب به". قوله: (وكانوا قبل الإسلام إذا كان بينهم أمر اجتمعوا وتشاوروا): يريد: أن قوله: ﴿وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ جملة اسمية عطفت على الفعلية، وعطفت عليها الفعلية، فآذن بأن مضمونها مستمر منهم، وهو دأبهم وعادتهم قبل استجابتهم لربهم، وقبل إقامة الصلاة والإنفاق في سبيل الله؛ لاستحداثهم إياها بعد المشورة. وفيها أيضًا حمل المصدر على الأمر والشأن للمبالغة، أي: أمرهم وشأنهم ذو مشورة، أو ذات مشورة، أو عينها، وفيها أن أمورهم مبينة على الرشد والصلاح لما تقرر أنه ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم. ?
следующие страницы →