Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7561–7600 · переход к 7566.
стр. 7561
فإن قلت: فما معنى إدخال العفو في حكم الإيباق حيث جزم جزمه؟ قلت: معناه: أو إن يشأ يهلك ناسًا وينج ناسًا على طريق العفو عنهم. فإن قلت: فمن قرأ "وَيَعْفُو"؟ قلت: قد استأنف الكلام.
[﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ٣٥]
فإن قلت: فما وجوه القراءات الثلاث في ﴿وَيَعْلَمَ﴾؟ قلت: أما الجزم فعلى ظاهر العطف، وأما الرفع فعلى الاستئناف، وأما النصب فللعطف على تعليل محذوف،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فما وجوه القراءات الثلاث في ﴿وَيَعْلَمَ﴾؟ ): الرفع: قراءة نافع وابن عامر، والنصب: الباقون، والجزم: شاذ.
أما الجزم: فعلى ظاهر العطف، فيكون التشريك بينهما في المسببية، وأما الرفع: فهو ما ذكره ابن الحاجب: إما أن يقصد إلى عطف الجملة على موضع الجزم المتقدم، باعتبار كونها جملة، لا باعتبار عطف مجرد الفعل، فعلى هذا يكونان أيضًا مشتركين في المسببية، أو يكون إخبارًا بوقوع ذلك، لا على تشريك بينه وبين ما قبله. وهو المراد من قول المصنف: "فعلى الاستئناف".
وقلت: مرجع الاستئناف أيضًا إلى التعليل، وتفويض استفادته إلى الذهن، وهذا البحث قريب مما في "المفصل": " ﴿أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]: بالنصب غلى إضمار "أن"، والرفع على الاشتراك بين ﴿يُسْلِمُونَ﴾ و ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾، أو على الابتداء"، في "الإقليد": أن أردت الابتداء قدرت: "أو هم يسلمون"، فالمعنى: أن المؤمنين هم المتولون للقتال، وسيجيء الكلام فيه مستقصى.
?
стр. 7562
تقديره: لينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون، ونحوه في العطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن، منه قوله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ ﴿[مريم: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢].
وأما قول الزجاج: النصب على إضمار "أن"، لأنّ قبلها جزاء؛ تقول: ما تصنع أصنع مثله وأكرمك، وإن شئت: وأكرمك؛ على: وأنا أكرمك، وإن شئت: وأكرمك؛ جزمًا، ففيه نظر؛ لما أورده سيبويه في "كتابه"، قال: "واعلم أنّ النصب بالفاء والواو في قوله: إن تأتني آتك وأعطيك، ضعيف، وهو نحو من قوله:
وألحق بالحجاز فأستريحا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ﴾): يعني: في "مريم"، وتقديره: لنبين به قدرتنا ولنجعله آية.
قوله: (﴿وَلِتُجْزَى﴾): أي: في "الجاثية"، تقديره: وخلق السماوات والأرض ليدل بها على قدرته ولتجزى كل نفس.
قوله: (وألحق بالحجاز فأستريحا): أوله:
سأترك منزلي لبني تميم
نصب "ألحق" وهو ضعيف؛ لأنه ليس في جواب الأشياء الستة.
?
стр. 7563
فهذا يجوز، وليس بحدّ الكلام ولا وجهه، إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلًا، لأنه ليس بواجب أنه يفعل، إلا أن يكون من الأوّل فعل، فلما ضارع الذي لا يوجبه، كالاستفهام ونحوه، أجازوا فيه هذا على ضعفه"، انتهى.
ولا يجوز أن تحمل القراءة المستفيضة على وجه ضعيف ليس بحدّ الكلام ولا وجهه، ولو كانت من هذا الباب لما أخلى سيبويه منها "كتابه"، وقد ذكر نظائرها من الآيات المشكلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وليس بحد الكلام ولا وجهه): قيل: أراد بالحد: الجواز، وبالوجه: الحسن، ويمكن أن يراد بالحد: الثابت المقرر والمؤصل، وبالوجه: ما يحمل عليه شيء لمشابهته له.
قوله: (لأنه ليس بواجب أنه يفعل، إلا أن يكون في الأول فعل، فلما ضارع الذي لا يوجبه كالاستفهام ونحوه، أجازوا): يعني: أن فعل الجزاء يشبه الإنشائيات في أنه غير ثابت إلا أن يثبت الشرط، فجاز لهذا أن يجاب بما تجاب به الأشياء الستة، لأنها ليست بثباته، لكن على ضعفه.
وأما البيت: فهو خبر محض، فلا يجوز، اللهم إلا أن يقال: أن قوله: "سأترك" فعل مضارع، والمضارع أيضًا غير ثابت كالتمني والترجي، فلذلك جاز أن ينتصب "ألحق"، وقيل: التقدير: "وشأني أن ألحق"، فحذف المبتدأ، وقيل في قوله سيبويه: "إن النصب بالفاء والواو" إلى آخره: بحث؛ لأن المراد بالضعيف في مثل هذا الموضع قلة وروده في كلام الفصحاء، ونحن نقول: إذا ورد مثله في كلام الله المجيد فالوجه أن يتمسك به، ويجعل قويًا، فإنه المعيار والمهيمن على جميع الكتب.
?
стр. 7564
فإن قلت: فكيف يصح المعنى على جزم "وَيَعْلَمَ" قلت: كأنه قال: أو إن يشأ يجمع بين ثلاثة أمور؛ هلاك قوم ونجاة قوم وتحذير آخرين.
﴿مِنْ مَحِيصٍ﴾ من محيد عن عقابه.
[﴿فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٣٦]
"ما" الأولى ضمنت معنى الشرط، فجاءت الفاء في جوابها، بخلاف الثانية، عن علي ﵁: اجتمع لأبي بكر ﵁ مال، فتصدق به كله في سبيل الله والخير، فلامه المسلمون، وخطأه الكافرون، فنزلت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فكيف يصح المعنى على جزم "ويعلم"؟ ): يعني: يرجع معنى الجزم إلى قوله: "ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام، أن يشأ يعلم الذين يجادلون في آياتنا"، فما معناه؟ وأجاب: بأن معناه التحذير، وتقريره أن يقال: ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام، أن يشأ يهلك المؤمن العاصي بسبب عصيانه، ويعف عن كثير، لشمول رحمته وعميم لطفه، وإن يشأ ينتقم من الكافر بكفره، ويجازيه على صرف آيات الله المنبثة في الآفاق على اختلاف أنواعها وحيًا ونظرًا عن مواقعها، ولكن أمهل لصبره وحمله، فكما عبر عن المؤمن بقوله: ﴿صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾، عبر عن الكافر بقوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾، نعم جاء ذكر الكافر مستطردًا لذكر العاصي وعصيانه، لأن "يعفو عن كثير" في الآيتين: وارد في حق المؤمنين، -كما مر- والله أعلم.
قوله: ("ما" الأولى ضمنت معنى الشرط): من حيث أن إيتاء ما أوتوا سبب للتمتع في الحياة الدنيا، فجاءت الفاء في جوابها، وأما "ما" الثانية: فموصولة مبتدأ، والخبر ﴿خَيْرٌ﴾، المعنى: وما استقر عند الله من الثواب في العقبى خير للمؤمنين المتوكلين المجتنبين كبائر الإثم
?
стр. 7565
[﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ ٣٧]
﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ عطف على ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وكذلك ما بعده. ومعنى ﴿كَبائِرَ الْإِثْمِ﴾ الكبائر من هذا الجنس، وقرئ: "كبير الإثم"، وعن ابن عباس: كبير الإثم هو الشرك. ﴿هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ أي: هم الأخصاء بالغفران في حال الغضب، لا يغول الغضب أحلامهم كما يغول حلوم الناس، والمجيء ب ﴿هُمْ﴾، وإيقاعه مبتدأ، وإسناد ﴿يَغْفِرُونَ﴾ إليه: لهذه الفائدة، ومثله: ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩].
[﴿وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ٣٨]
﴿وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ نزلت في الأنصار، دعاهم الله للإيمان به وطاعته، فاستجابوا له بأن آمنوا به وأطاعوه، ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ وأتموا الصلوات الخمس، وكانوا قبل الإسلام وقبل مقدم رسول الله ﷺ المدينة، إذا كان بهم أمر اجتمعوا وتشاوروا، فأثنى الله عليهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكاظمين الغيظ المستجيبين لربهم. هذا هو الذي عناه بقوله: " ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ﴾ عطف على ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، وكذلك ما بعده".
قوله: (لا يغول الغضب أحلامهم)، الجوهري: "كل ما اغتال الإنسان فأهلكه: فهو غول، و"الغضب غول الحلم"؛ لأنه يغتاله ويذهب به".
قوله: (وكانوا قبل الإسلام إذا كان بينهم أمر اجتمعوا وتشاوروا): يريد: أن قوله: ﴿وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ جملة اسمية عطفت على الفعلية، وعطفت عليها الفعلية، فآذن بأن مضمونها مستمر منهم، وهو دأبهم وعادتهم قبل استجابتهم لربهم، وقبل إقامة الصلاة والإنفاق في سبيل الله؛ لاستحداثهم إياها بعد المشورة. وفيها أيضًا حمل المصدر على الأمر والشأن للمبالغة، أي: أمرهم وشأنهم ذو مشورة، أو ذات مشورة، أو عينها، وفيها أن أمورهم مبينة على الرشد والصلاح لما تقرر أنه ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم.
?
стр. 7566
أي: لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه. وعن الحسن: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم، والشورى: مصدر، كالفتيا، بمعنى التشاور.
ومعنى قوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ أي: ذو شورى، وكذلك قولهم: ترك رسول الله ﷺ وعمر بن الخطاب ﵁ الخلافة شورى.
[﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ ٣٩]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والشورى: مصدر، كالفتيا): الجوهري: "استفتيت الفقيه فأفتاني، والاسم: الفتيا والفتوى".
الراغب: "المشورة: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض، من: شرت العسل وأشرته: استخرجته. والشورى: الأمر الذي يتشاور فيه".
قوله: (ترك رسول الله ﷺ وعمر بن الخطاب ﵁: وكان من حديثه على ما جاء في "التاريخ الكامل": "أن عمر ﵁ لما طعن، قيل له: استخلف، فقال: لو كان أبو عبيدة حيًا لاستخلفته وقلت لربي أن سألني: سمعت نبيك يقول: "إنه أمين هذه الأمة"، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًا لاستخلفته وقلت لربي أن سألني: سمعت نبيك يقول: "إن سالمًا شديد الحب لله"، فقال له رجل: أدلك على عبد الله بن عمر، فقال: قاتلك الله، ما أردت بهذا، ويحك؟ كيف أستخلف رجلًا عجز عن طلاق امرأته؟ ولا أرب لنا في أموركم، ما حمدتها لأرغب فيها لأحد من أهل بيتي، أن كان خيرًا فقد أصبنا منه، وإن كان شرًا فقد صرف عنا، حسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد، ويسأل عن أمر أمة محمد، أما لقد جهدت نفسي، وحرمت أهلي، وإن نجوت كفافًا، لا وزر ولا أجر إني لسعيد،
?
стр. 7567
هو أن يقتصروا في الانتصار على ما جعله الله لهم ولا يعتدوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنظر؛ فإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني: أبا بكر ﵁، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني- يعني: رسول الله ﷺ ، ولن يضيع الله دينه.
فخرجوا، ثم راحوا، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو عهدت عهدًا، فقال: لقد كنت أجمعت بعد مقالتي أن أولي رجلًا هو أجرؤكم أن يحملكم على الحق، وأشار إلى علي ﵁، فرهقتني غشية، فرأيت رجلًا دخل جنة، فجعل يقطف كل غضة ويانعة، فيضمه إليه ويصيره تحته، فعلمت أن الله غالب [على] أمره، فما أردت أن أتحملها حيًا ميتًا، عليكم بهؤلاء الرهط الذين قال لهم رسول الله ﷺ : "إنهم من أهل الجنة"؛ علي وعثمان وسعد والزبير وطلحة وعبد الرحمن، فليختاروا منهم رجلًا، فإذا ولوا رجلًا فأحسنوا مؤازرته وأعينوه"؛ إلى آخر القصة.
فإن قلت: أي الأمرين أولى؟ قلت: الذي اختاره ﵁، ولعل نظر رسول الله ﷺ في ترك الأمر شورى إلى أن الأمر نبوة لا ملك، وأن أمته أخيار إنما يختارون ما هو الدين ورضا الله، دون هوى الأنفس، ألا ترى إلى رسول الله ﷺ بم قابل الشورى في قوله: "إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم أسخياءكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأمركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها"، وفي الآية إيماء إلى هذا المعنى، والله أعلم.
قوله: (هو أن يقتصروا في الانتصار على ما جعله الله لهم، ولا يعتدوا): يعني: دل التركيب على مزيد اختصاصهم بالانتصار، وذلك لمجيء الضمير وإيقاعه مبتدأ، وإسناد
?
стр. 7568
وعن النخعي: أنه كان إذا قرأها قال: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق. فإن قلت: أهم محمودون على الانتصار؟ قلت: نعم، لأنّ من أخذ حقه غير متعد حدّ الله وما أمر به، فلم يسرف في القتل إن كان ولي دم، أو رد على سفيه، محاماة على عرضه وردعًا له، فهو مطيع، وكل مطيع محمود.
[﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ٤٠]
كلتا الفعلتين الأولى وجزاؤها سيئة، لأنها تسوء من تنزل به،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
﴿يَنتَصِرُونَ﴾ عليه، ومثله ﴿وإذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]، وعليه قول الشاعر:
جلوس في مجالسهم رزان .... وإن ضيف ألم فهم خفوف
ويبعد أن يجعل من باب تقوى الحكم، لأنه إذا قيل: هم يغفرون البتة، فهم أنهم لا يتجاوزون إلى الانتصار، وإذا قيل: هم ينتصرون قطعًا، فهم: أنهم لا يغفرون البتة.
وقال القاضي: " ﴿هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ على ما جعله الله لهم كراهة التذلل، وهو وصفهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر أمهات الفصائل، وهو لا يخالف وصفهم بالغفران، فإن الاقتصار على الغفران ينبئ عن العجز، والحلم عن العاجز محمود، وعن المتغلب مذموم".
وقلت: مثله قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، فهو من باب التكميل.
قوله: (كلتا الفعلتين الأولى وجزاؤها سيئة؛ لأنها تسوء من تنزل به): وقلت: بل تسوء المجازي؛ لأن القصد هو تحريض العفو والتجاوز، فسمي الجزاء بالسيئة تهجينًا، فهو من باب "حسنات الأبرار سيئات المقربين"، لا من باب المشاكلة، وذلك أنه تعالى لما أثبت للذين آمنوا
?
стр. 7569
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨]، يريد: ما يسوءهم من المصائب والبلايا، والمعنى: أنه يجب إذا قوبلت الإساءة أن تقابل بمثلها من غير زيادة، فإذا قال: أخزاك الله، قال: أخزاك الله.
﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ﴾ بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء، كما قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]، ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. عدة مبهمة لا يقاس أمرها في العظم، وقوله: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ دلالة على أن الانتصار لا يكاد يؤمن فيه تجاوز السيئة والاعتداء، خصوصًا في حال الحرد والتهاب الحمية، فربما كان المجازى من الظالمين وهو لا يشعر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعلى ربهم يتوكلون صفتين، وأن حالهم تارة إذا ما غضبوا هم يغفرون، وأخرى إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، أرشدهم إلى خير الفضيلتين وأولى الحسنتين، فقال: ﴿وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾، ولهذا ختم الآيات بقوله: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾، أي: لمن معزومات الأمور، ومن شيم أولي العزم من الرسل.
النهاية: "العزم يجيء لمعنيين؛ بمعنى الجد والصبر، وبمعنى الفرائض".
قوله: (فربما كان المجازي من الظالمين وهو لا يشعر): وقلت: فعلى هذا يكون قوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ اعتراضًا، والفاء مانعة منه، ويمكن أن يقال: أن المجازي لما نسب إلى المساءة في قوله: ﴿وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ -كما تقرر-، والمسيء في هذا المقام مفسد لما في البين، بدليل قوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، علل مفهوم ذلك بقوله: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، كأنه قيل: من أخرج نفسه بالعفو والإصلاح من الانتساب إلى السيئة والإفساد: كان مقسطًا-أي: سالبًا عن نفسه القسط، أي: الجور-، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. فوضع موضعه: ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، وهو كما قال: "عدة مبهمة". ومن اشتغل بالمجازاة، وانتسب إلى السيئة، وأفسد ما في البين، وحرم على نفسه ذلك الأجر الجزيل: كان ظالمًا على نفسه ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
?
стр. 7570
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقريب منه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [الروم: ٤٤ - ٤٥]، قال ﵀: "وتكرير ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وترك الضمير إلى الصريح؛ لتقرير أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن الصالح، وقوله: ﴿لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس".
ويمكن أن يحمل كلام المصنف على هذا المعنى، وذلك أنه استشهد بقوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]، وهو قد عقب قوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤]، وقد ذكر أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها، ومثال ذلك: رجل أساء إليك إساءة، فالحسنة أن تعفو عنه، والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته إليك.
فإن قلت: فعلى هذا كيف يلتئم قوله: ﴿ولَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ بما قبله، فإنه تعالى رفع عنهم كل جرح وضيق بتنكير ﴿سَبِيلٍ﴾؛ لشيوعه، فضلًا عن الظلم؟ قلت: تلك الآية واردة في شأن المظلوم، وإرشاد له إلى مكارم الأخلاق، وإيثار طريق المرسلين كما سبق، وهذه خطاب للولاة والحكام وتعليم فعل ما ينبغي فعله، بدليل قوله: ﴿إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ … أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، حيث أعاد "السبيل" المنكر بالتعريف، وعلق به ﴿يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾، وفسره بقوله: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
ويعضده تفسير الإمام: "أي: ما عليهم من سبيل لعقوبة ومؤاخذة؛ لأنهم أتوا بما أبيح لهم من الانتصار، وفائدته: ما ذهب إليه الشافعي ﵁: أن سراية القود مهدرة؛ لأن الشرع أذن للمنتصر بالقطع، سواء سرى أو لم يسر".
?
стр. 7571
وعن النبي ﷺ : "وإذا كان يوم القيامة نادى مناد: من كان له على الله أجر فليقم. قال: فيقوم خلق، فيقال لهم: ما أجركم على الله؟ فيقولون: نحن الذين عفونا عمن ظلمنا، فيقال لهم: ادخلوا الجنة بإذن الله".
[﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ ٤١ - ٤٢]
﴿بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول، وتفسره قراءة من قرأ: "بعد ما ظلم"، ﴿فَأُولئِكَ﴾ إشارة إلى معنى "مِنْ" دون لفظه، ﴿مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ للمعاقب ولا للعاتب والعائب.
﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ يبتدئونهم بالظلم، ﴿وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يتكبرون فيها ويعلون ويفسدون.
[﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ٤٣]
﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾ على الظلم والأذى، ﴿وَغَفَرَ﴾ ولم ينتصر وفوّض أمره إلى الله، ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ منه ﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، وحذف الراجع لأنه مفهوم، كما حذف من قولهم: "السمن منوان بدرهم".
ويحكى: أن رجلًا سب رجلًا في مجلس الحسن،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما قوله: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾: فتعليم للولاة طريق الحكم، يعني: أن صاحب الحق إذا عدل من الأولى، وانتصر من الظالم، فلا سبيل لكم عليه؛ لما قد رخص له ذلك، وإذا اختار الأفضل فلا سبيل لكم على الظالم؛ لأن عفو المظلوم من عزم الأمور، فتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.
قوله: (ويحكي: أن رجلًا سب رجلًا مثله): أورد الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده"
?
стр. 7572
فكان المسبوب يكظم، ويعرق فيمسح العرق، ثم قام فتلا هذه الآية، فقال الحسن: عقلها -والله- وفهمها إذ ضيعها الجاهلون. وقالوا: العفو مندوب إليه.
ثم الأمر قد ينعكس في بعض الأحوال، فيرجع ترك العفو مندوبًا إليه، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي، وقطع مادة الأذى. وعن النبي ﷺ ما يدل عليه، وهو أن زينب أسمعت عائشة بحضرته، وكان ينهاها فلا تنتهي،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن أبي هريرة: "أن رجلًا شتم أبا بكر ﵁، والنبي ﷺ جالس يتعجب ويبتسم، فلما أكثر رد عليه بعض قوله، فغضب النبي ﷺ وقام، فلحقه أبو بكر ﵁، قال: يا رسول الله، كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت؟ قال: إنه كان معك ملك يرد عليه، فلما رددت عليه وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان".
قوله: (عقلها والله) أي: عمل بها. الأساس: "عقل فلان بعد الصبا، أي: عرف الخطأ الذي كان عليه".
قوله: (وهو أن زينت أسمعت عائشة) ﵄: روينا عن أبي داود عن ابن عون قال: قالت عائشة ﵂: "دخل على رسول الله ﷺ ، وعندنا زينب بنت جحش، فجعل يصنع بيده شيئًا، فقلت بيدي حتى فطنته لها، فأمسك، وأقبلت زينب تقحم لعائشة، فنهاها، فأبت أن تنتهي، فقال لعائشة: سبيها. فسبتها، فغلبتها"، الحديث.
"أسمعت": أي: سبت، يقال: أسمع فلان فلانًا؛ إذا سبه، قال تعالى: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء: ٤٦]؛ أي: غير مسبوب.
?
стр. 7573
فقال لعائشة: «دونك فانتصرى».
[﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ٤٤]
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ ومن يخذل الله، ﴿فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ فليس له من ناصر يتولاه من بعد خذلانه.
[﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ * وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ٤٥ - ٤٦]
﴿خاشِعِينَ﴾ متضائلين متقاصرين مما يلحقهم ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾، وقد يعلق ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ بـ ﴿يَنْظُرُونَ﴾، ويوقف على ﴿خَاشِعِينَ﴾.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجوهري: "للخصومة قحم، أي: تقحم بصاحبها على ما يريده".
قوله: (دونك): أي: خذي، الجوهري: "يقال في الإغراء بالشيء: دونكه، وقال تميم للحجاج: أقبرنا صالحًا -وكان قد صلبه-، فقال: دونكموه".
ويوقف على ﴿خَاشِعِينَ﴾، وفي "الكواشي": يعرضون على النار خاشعين ذليلين، لا وقف هاهنا أن علقت ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ بـ ﴿خَاشِعِينَ﴾، وتقف على ﴿الذُّلِّ﴾، ويكون حسنًا أن استأنف ما بعد، وإن نصبته حالًا فلا أحبه، وتقف على ﴿خَاشِعِينَ﴾ أن علقت ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ بـ ﴿يَنْظُرُونَ﴾. نحوه في "المرشد".
?
стр. 7574
﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أي: يبتدئ نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيف خفي بمسارقة، كما ترى المصبور ينظر إلى السيف، وهكذا نظر الناظر إلى المكاره، لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها، ويملأ عينيه منها، كما يفعل في نظره إلى المحاب. وقيل: يحشرون عميًا فلا ينظرون إلا بقلوبهم، وذلك نظر من طرف خفي، وفيه تعسف.
﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿خَسِرُوا﴾، ويكون قوله المؤمنين واقعًا في الدنيا، وإما أن يتعلق بـ"قال"، أي: يقولون يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة.
[﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ ٤٧]
﴿مِنَ اللَّهِ﴾ من صلة ﴿لَا مَرَدَّ﴾، أي: لا يرده الله بعد ما حكم به،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كما ترى المصبور)، المغرب: "يقال للرجل إذا شدتيداه ورجلاه وأمسكه رجل آخر حتى يضرب عنقه: قتل صبرأ، ومنه: "نهى عن المصبورة"، وهي البهيمة المحبوسة على الموت".
قوله: (وإما أن يتعلق بـ"قال"): والمعنى على الأول: أيها الناظر تراهم يعرضون على النار خاشعين من الذل، وقد صدق فيهم قول المؤمنين في الدنيا: أن الخاسرين هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.
وهاهنا وجه ثالث، وهو أن يتعلق بـ ﴿خَسِرُوا﴾، والقول واقع في القيامة، واختصاص ذكر القيامة للتهويل، وأن هذا الخسار لا خسار بعده، خسار ضربة لازب، يؤيده قوله: ﴿أَلا إنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾، لأنه تذييل.
قوله: (﴿مِنَ اللهِ﴾: من صلة ﴿لَا مَرَدَّ﴾): يجوز بالكسر وبالضم، والكسر أظهر من الضم في الموضعين.
?
стр. 7575
أو من صلة ﴿يأتِي﴾، أي: من قبل أن يأتي من الله يوم لا يقدر أحد على ردّه، والنكير: الإنكار، أي: ما لكم من مخلص من العذاب، ولا تقدرون أن تنكروا شيئًا مما اقترفتموه ودوّن في صحائف أعمالكم.
[﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ﴾ ٤٨]
أراد بـ"الإنسان": الجمع لا الواحد؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾، ولم يرد إلا المجرمين، لأن إصابة السيئة بما قدّمت أيديهم إنما تستقيم فيهم، والرحمة: النعمة من الصحة والغنى والأمن، والسيئة: البلاء من المرض والفقر والمخاوف، والكفور: البليغ الكفران، ولم يقل: فإنه كفور؛ ليسجل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم، كما قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦]، والمعنى: أنه يذكر البلاء وينسى النعم ويغمطها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولم يقل: فإنه كفور؛ ليسجل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم): فالتعريف في "الإنسان" الأول: للعهد، وفي الثاني: للجنس، والقرنية الدالة على العهد قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، والمغيبون: الكفار المخاطبون؛ لترتب قوله: ﴿فَإنْ أَعْرَضُوا﴾ على قوله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم﴾، فهو من إقامة المظهر موضع المضمر؛ للإشعار بتصميمهم على الكفران، والإيذان بأنهم لا يرعوون مما هم فيه.
وأفرد الضمير في ﴿فَرَحٍ﴾، وجمع في ﴿وإن تُصِبْهُمْ﴾، وعم في ﴿َإنَّ الإنسَانَ لَكَفُورٌ﴾، لمفهوم واحد على الترقي في معنى: ليس ببدع من هذا الإنسان المعهود: الإصرار؛ لأن هذا
?
стр. 7576
[﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ٤٩ - ٥٠]
لما ذكر إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بضدّها، أنبع ذلك أنّ له الملك، وأنه يقسم النعمة والبلاء كيف أراد، ويهب لعباده من الأولاد ما تقتضيه مشيئته، فيخص بعضًا بالإناث، وبعضًا بالذكور، وبعضًا بالصنفين جميعًا، ويعقم آخرين، فلا يهب لهم ولدًا قط.
فإن قلت: لم قدّم "الإناث" أوّلًا على "الذكور" مع تقدّمهم عليهنّ، ثم رجع فقدّمهم، ولم عرف "الذكور" بعد ما نكر "الإناث"؟ قلت: لأنه ذكر البلاء في آخر الآية الأولى، وكفران الإنسان بنسيانه الرحمة السابقة عنده، ثم عقبه بذكر ملكه ومشيئته،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجنس موسوم بكفران النعم، فجعل ذم "الإنسان" الثاني المطلق دليلًا على ذم هذا المقيد، ولذلك قال: "ليسجل".
قوله: (لما ذكر إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بضدها، أتبع ذلك أن له الملك): شرع في بيان النظم، ولم يبين، وإنما المراد أن ليس موجب إذاقة النعمة من الله الفرح والبطر والأشر، بل هي موجبة للحمد والشكر لموليها، كما ليس إصابة السيئة منه تعالى سببًا للكفران، بل للإنابة والرجوع إلى منيلها، لأن له الملك والملكوت، وله التصرف في ملكه ما يشاء كيف يشاء، وليس على الإنسان إلا الشكر عند الآلاء، والصبر عند البلاء، وإليه الإشارة بقوله: "لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاؤه، لا ما يشاؤه الإنسان".
قوله: _لأنه ذكر البلاء في آخر الآية الأولى) إلى آخره: قال صاحب "التقريب": وفيه بحث، إذ يمكن معارضته بأن الآية السابقة ذكر فيها الرحمة مقدمة على البلاء، فناسب هذا تقديم الذكور على الإناث، لا يقال: سياق الكلام أنه فاعل ما لا يشاؤه الإنسان، فكان ذكر ما لا يشاؤه الإنسان -وهو الإناث- أهم، فيكون أحق بالتقديم؛ لأنا نقول: السياق أنه لا يفعل ما يشاؤه الإنسان، لا أنه يفعل ما لا يشاؤه الإنسان.
?
стр. 7577
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قلت: إنه فاعل ما يشاؤه، وقد شاء تقديم الإناث. قلت: شاء لحكمة أولا لحكمة؟ فإن كان الثاني سقط أصل سؤال حكمة تقديم الإناث، وإن كان الأول كفت تلك الحكمة لتقديم الإناث، بدون هذا التطويل والتحمل. والأولى أن يقال: قدم الإناث توصية برعايتهن لضعفهن، لاسيما وقد كانوا قريبي العهد بالوأد.
وقال الزجاج: "ويجعل ما يهبه من الولد ذكرانًا وإناثًا، أي: يقرنهم، وكل شيئين يقترن أحدهما بالآخر فهما زوجان"، فالتقدير: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إنَاثًا﴾ يعني: البنات ليس معهن ذكر، ﴿ويَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ يعني: البنين ليس معهم أنثى، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وإنَاثًا﴾ أي: يولد لرجل ذكور وإناث، ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ لا ولد له.
وقال القاضي: " ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ﴾ بدل من ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ بدل البعض من الكل، والمعنى: يجعل أحوال العباد في الأولاد مختلفة على مقتضى المشيئة، يهب لبعض إما صنفًا واحدًا ذكرًا أو أنثى، أو الصنفين معًا، ويعقم آخرين، ولعل تقديم الإناث لأنها أكثر لتكثير النسل، أو لتطييب قلوب آبائهن، أو المحافظة على الفواصل، ولذلك عرف الذكور"، وذكر الوجهين اللذين في "الكشاف" أيضًا.
وقلت: أما قضية النظم: فإن قوله: ﴿ِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْض﴾ وارد على نمط الآيات السابقة، وهي: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]، ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ [الشورى: ٢٨]، ﴿ومِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، ولما ذكر بث الحيوان، وأراد أن يبين كيفية البث قدم استبداده بالملك، واستقلاله بالملكوت، ثم ثنى بأنه خالق لما يشاء، فاعل لما يريد، له التصرف في ملكه ما يشاء كيف
?
стр. 7578
وذكر قسمة الأولاد، فقدم الإناث لأنّ سياق الكلام أنه فاعل ما يشاؤه، لا ما يشاؤه الإنسان، فكان ذكر الإناث اللاتي من جملة ما لا يشاؤه الإنسان أهم، والأهم واجب التقديم، وليلي الجنس الذي كانت العرب تعدّه بلاء ذكر البلاء، وأخر الذكور، فلما أخرهم لذلك تدارك تأخيرهم -وهم أحقاء بالتقديم- بتعريفهم، لأن التعريف تنويه وتشهير، كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير، وعرّف أن تقديمهنّ لم يكن لتقدّمهنّ، ولكن لمقتض آخر، فقال: ﴿ذُكْرانًا وَإِناثًا﴾، كما قال: ﴿إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣]، ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩].
وقيل: نزلت في الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، حيث وهب لشعيب ولوط إناثًا، ولإبراهيم ذكورًا، ولمحمد ذكورًا وإناثًا، وجعل يحيى وعيسى عقيمين.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمصالح العباد، ﴿قَدِيرٌ﴾ على تكوين ما يصلحهم.
[﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٥١]
﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ﴾ وما صح لأحد من البشر، ﴿أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا﴾ على ثلاثة أوجه: إما على طريق الوحي، وهو الإلهام والقذف في القلب أو المنام،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يشاء، ثم ثلث بقوله: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ﴾، فترقى من ذلك العام إلى ذكر الإناث، ثم إلى إفراد الذكور، ثم إلى جمعهما، فلا يدخل في الكلام إرادة الإنسان وكراهته.
وأما قوله: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا﴾: كالاستدراك وتتميم معنى الاستبداد، ولذلك غير العبارة إلى ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشَاءُ﴾، ثم ذيل الكل وعلله بقوله: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾؛ ليكون ذريعة إلى ذكر فضل من فضائل هذا النوع من المخلوق، ومنتهى كماله وغاية درجاته؛ ﴿ومَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلاَّ وحْيًا﴾ ليؤذن بأن المقصود من الخلق: البث والدعوة إلى الله والتوجه إليه والعبادة له، وختم السورة بذكر أفضلهم وأكملهم وأشرفهم صلوات الله عليه وعليهم أجمعين.
قوله: (إما على طريق الوحي، وهو الإلهام): الراغب: "أصل الوحي: الإشارة السريعة،
?
стр. 7579
كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم ﵇ في ذبح ولده. وعن مجاهد: أوحى الله الزبور إلى داود ﵇ في صدره، قال عبيد بن الأبرص:
وأوحى إلي الله أن قد تأمّروا .... بإبل أبي أوفى فقمت على رجل
أي: ألهمني وقذف في قلبي.
وإما على أن يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إما بالكلام رمزًا وتعريضًا، وإما بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة ببعض الجوارح والكتابة، ويقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وأوليائه: وحي، وذلك أضرب حسب ما دل عليه قوله تعالى: ﴿ومَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ الآية، وذلك إما برسول مشاهد يرى ذاته ويسمع كلامه؛ كتبليغ جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ في صورة معينة، وإما بسماع كلام من غير معاينة؛ كسماع موسى ﵇ كلام الله، وإما بإلقاء في الروع، كما قال ﷺ : "إن روح القدس نفث في روعي"، وإما بإلهام نحو: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]، وإما بتسخير؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، أو بمنام؛ كما قال ﷺ : (انقطع الوحي وبقيت المبشرات: رؤيا المؤمن) ".
و"أوحى" في البيت: يقول: ألهمني الله تعالى أن قومًا استولوا وغصبوا إبل أبي أوفى، وصاروا أمراء عليها، فقمت بجد واجتهاد في مددهم لأردها عليهم، ويروى: "تأجروا".
قوله: (وإما على أن يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام)، الانتصاف: "الحق أن
?
стр. 7580
من غير أن يبصر السامع من يكلمه، لأنه في ذاته غير مرئي، وقوله: ﴿مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾: مثل، أي: كما يكلم الملك المحتجب بعض خواصه، وهو من وراء الحجاب، فيسمع صوته ولا يرى شخصه، وذلك كما كلم موسى ويكلم الملائكة.
وإما على أن يرسل إليه رسولًا من الملائكة، فيوحي الملك إليه، كما كلم الأنبياء غير موسى. وقيل: وحيًا كما أوحى إلى الرسل بواسطة الملائكة.
﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ أي: نبيًا، كما كلم أمم الأنبياء على ألسنتهم.
و﴿وَحْيًا﴾ و"أن يرسل": مصدران واقعان موقع الحال، لأنّ "أن يرسل" في معنى: إرسالًا. و ﴿مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: ظرف واقع موقع الحال أيضًا -كقوله: ﴿وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] والتقدير: وما صح أن يكلم أحدًا إلا موحيًا، أو مسمعًا من وراء حجاب، أو مرسلًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلام الله قديم، سمعه موسى، وسمعه نبينا صلوات الله عليهما، والحجاب المذكور باعتبار المخلوق لا باعتبار الخالق، ويستنبط من هذه الآية أن من حلف ألا يكلم فلانًا، فراسله حنث؛ لاستثنائه تعالى الإرسال من الكلام".
وقال القاضي: "معنى: ﴿إلاَّ وحْيًا﴾: كلامًا خفيفًا يدرك بسرعة، ليس في ذاته مركبًا من حروف مقطعة تتوقف على تموجات متعاقبة، وهو أعم من المشافهة، كما روى في حديث المعراج، وكما اتفق لموسى ﵇ في الطور، وقي قوله: ﴿أَوْ مِن ورَاءِ حِجَابٍ﴾ دليل على جواز الرؤية، لا على امتناعها".
قوله: (والتقدير: وما صح أن يكلم أحدًا إلا موحيًا، أو مسمعًا من وراء حجاب، أو مرسلًا): ها هنا سؤالان: أحدهما: أن قضية الترقي من الأدنى إلى الأعلى أن يكون قوله: ﴿أَوْ
?
стр. 7581
ويجوز أن يكون ﴿وَحْيًا﴾، موضوعًا موضع: كلامًا، لأنّ الوحي كلام خفي في سرعة، كما تقول: لا أكلمه إلا جهرًا وإلا خفاتًا، لأنّ الجهر والخفات ضربان من الكلام، وكذلك "إرسالًا"، جعل الكلام على لسان الرسول بمنزلة الكلام بغير واسطة، تقول: قلت لفلان كذا، وإنما قاله وكيلك أو رسولك. وقوله: ﴿أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ معناه: أو إسماعًا من وراء حجاب.
ومن جعل ﴿وَحْيًا﴾ في معنى: أن يوحي، وعطف ﴿يُرْسِلَ﴾ عليه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مِن ورَاءِ حِجَابٍ﴾ مؤخرًا عن قوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾، لأن المكالمة والرؤيا حصلت من وراء حجاب، وإنه أرفع منزلة من المراسلة، ولذلك مدح موسى ﵇ بقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وسماه "كليمًا". وثانيهما: ما فائدة تغيير العبارات؟
وقلت -والعلم عند الله-: يمكن أن يقال: إنه لو حمل الوحي على ما قاله القاضي: " ﴿إلاَّ وحْيًا﴾: كلامًا خفيًا ليس في ذاته مركبًا من حروف مقطعة، كما روي في حديث المعراج، وهو المشافهة"، المعني بقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ٩]، لحصل منه التنزل، ولظهر منه الرمز في تقليل العبارات وخفي التلويحات، مرتبة غب مرتبة، بحسب قلة الوسائط وكثرتها، وما اجتمعت تلك المراتب الثلاث إلا لسيدنا صلوات الله عليه، حيث قال: ﴿وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ الآية. والله أعلم بأسرار كلامه.
قوله: (ومن جعل ﴿وَحْيًا﴾ في معنى: أن يوحي): قال الزجاج: "قال سيبويه: سألت الخليل عن قوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ بالنصب؟ فقال: هو محمول على أن سوى في هذه التي في قوله: ﴿أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾، لما يلزم منه أن يقال: ما كان لبشر أن يرسل الله رسولًا، وذلك غير جائز، والمعنى: ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا بأن يوحي أو أن يرسل، ويجوز الرفع في
?
стр. 7582
على معنى: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ أي: إلا بأن يوحي أو بأن يرسل، فعليه أن يقدر قوله: ﴿أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ تقديرًا يطابقهما عليه، نحو: أو أن يسمع من وراء حجاب.
وقرئ: "أو يرسل رسولًا فيوحي" بالرفع؛ على: أو هو يرسل، أو بمعنى: مرسلًا، عطفًا على ﴿وَحْيًا﴾ في معنى: موحيًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"يرسل" على معنى الحال أي: موحيًا أو مرسلًا، وذلك كلامه، ومثل "أن يرسل" بالنصب: قول الحصين بن حمام المري:
ولولا رجال من رزام أعزة .... وآل سبيع أو أسوءك علقما"
وقال صاحب "الكشف": "من" -في ﴿مِن ورَاءِ حِجَابٍ﴾ -: تتعلق بمضمر، والتقدير: إلا موحيًا أو مكلمًا من وراء حجاب، فهو معطوف على ﴿وَحْيًا﴾، و"وحي": مصدر في موضع الحال، ولا تتعلق "من" بقوله: ﴿أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾، لأنه قبل حرف الاستثناء، فلا يعمل فيما بعده، مع أنه جوز تعلقه به؛ لأنه ظرف، والظرف يعمل فيه الوهم، ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ في تقدير: أو أن يرسل، وهو عطف على "وحي"، أي: إلا وحيًا أو إرسال رسول، ولا يكون عطفًا على ﴿أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾، لأنه فاسد.
قال مكي: "لأنه يلزمه نفي الرسل أو نفي المرسل إليهم".
قوله: (وقرئ: "أو يرسل رسولًا فيوحي" بالرفع): قرأها نافع.
?
стр. 7583
وروي: أنّ اليهود قالت للنبي ﷺ : "ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيًا، كما كلمه موسى ونظر إليه، فإنا لن نؤمن لك حتى تفعل ذلك، فقال: لم ينظر موسى إلى الله، فنزلت". وعن عائشة ﵂: "من زعم أنّ محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية"، ثم قالت: "أو لم تسمعوا ربكم يقول" فتلت هذه الآية.
﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ﴾ عن صفات المخلوقين، ﴿حَكِيمٌ﴾ يجري أفعاله على موجب الحكمة، فيكلم تارة بواسطة، وأخرى بغير واسطة؛ إما إلهامًا، وإما خطابًا.
[﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ ٥٢ - ٥٣]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعن عائشة ﵂: روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن عائشة ﵂: "من زعم أن محمدًا رأى فقد كذب"، ثم قرأت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ﴿ومَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلاَّ وحْيًا أَوْ مِن ورَاءِ حِجَابٍ﴾، وسيجيء الكلام فيه في "النجم" أن شاء الله تعالى.
قوله: (﴿إنَّهُ عَلِيٌّ﴾ عن صفات المخلوقين، ﴿حَكِيمٌ﴾ تجري أفعاله على موجب الحكمة): يعني: هذه الفاصلة تعليل لما سبق، أي: ما صح لأحد من البشر أن يكلمه الله إلا على هذه الأوجه، والمعنى: كما أنه عز شأنه على عن أن يكون جنابه مشرع كل أحد، كذلك حكيم لا يصل إلى بيداء حكمته في إرسال الرسل وهم كل متوهم، ومن ثم نودي أفضل خلق الله وأكرمهم عليه بقوله: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ ولا الإيمَانُ ولَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾، قال القاضي: " ﴿حَكِيمٌ﴾ يفعل ما تقتضيه حكمته، يكلم تارة بوسط، وتارة بغير وسط، إما عيانًا أو من وراء حجاب".
?
стр. 7584
﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنا﴾ يريد: ما أوحي إليه، لأن الخلق يحيون به في دينهم، كما يحيى الجسد بالروح.
فإن قلت: قد علم أن رسول الله ﷺ ما كان يدري ما القرآن قبل نزوله عليه، فما معنى قوله: ﴿وَلَا الْإِيمانُ﴾، والأنبياء لا يجوز عليهم إذا عقلوا وتمكنوا من النظر والاستدلال أن يخطئهم الإيمان بالله وتوحيده، ويجب أن يكونوا معصومين من ارتكاب الكبائر، ومن الصغائر التي فيها تنفير، قبل المبعث وبعده، فكيف لا يعصمون من الكفر؟
قلت: الإيمان اسم يتناول أشياء، بعضها الطريق إليه العقل، وبعضها الطريق إليه السمع، فعنى به ما الطريق إليه السمع دون العقل، وذاك ما كان له فيه علم حتى كسبه بالوحي، ألا ترى أنه قد فسر الإيمان في قوله تعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] بالصلاة، لأنها بعض ما يتناوله الإيمان.
﴿مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا﴾ من له لطف، ومن لا لطف له، فلا هداية تجدي عليه.
﴿صِراطِ اللَّهِ﴾ بدل، وقرئ: "لتهدى"، أي: يهديك الله. وقرئ: "لتدعو".
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ ﴿حم * عسق﴾ كان ممن تصلي عليه الملائكة، ويستغفرون لهـ ويسترحمون له».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الإيمان اسم يتناول أشياء): قال محيي السنة: " ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ ولا الإيمَانُ﴾: يعني: شرائع الإيمان ومعالمه، وأهل الأصول على أن الأنبياء مؤمنون قبل الوحي، وكان النبي ﷺ قبل الوحي على دين إبراهيم، ولم تتبين له شرائع دينه". وقال ابن الجوزي: "لم يرد به الإيمان الذي هو الإقرار بالله؛ لأن آباءه الذين ماتوا على الشرك كانوا يؤمنون بالله ويحجون له مع شركهم. وقال ابن قتيبة: لم تزل العرب على بقايا من دين إسماعيل، من ذلك الحج والختان وإيقاع الطلاق والغسل من الجنابة وتحريم ذوات
?
стр. 7585
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحارم بالقرابة والصهر، فكان رسول الله ﷺ على ما كانوا عليه من الإيمان بالله والعمل بشرائعهم تلك".
الانتصاف: "معتقد الزمخشري: أن فعل الطاعات من الإيمان، حتى يخرج تاركها ومرتكب الكبيرة من الإيمان، فظن أن هذه الآية حجة له، إذ لو كان لمجرد التوحيد والتصديق لما انتفى عن النبي ﷺ قبل المبعث، لكونه مصدقًا قبل المبعث، فوجب حمل الإيمان المنفي على التصديق وفعل الطاعات التي لم تتحقق قبل النبوة. وجوابه: أن التصديق إنما يعنى به الإيمان عنه قبل الوحي".
قال مكي: " ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ﴾: "ما" الأولى: نفي، والثانية: استفهام، رفع بالابتداء، و ﴿الكِتَابُ﴾ الخبر، والجملة في موضع نصب بـ ﴿تَدْرِي﴾ ".
تمت السورة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه
حامدًا ومصليًا على رسول الله.
* * *
?
стр. 7586
سورة الزخرف
مكية، وهي تسع وثمانون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[﴿حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ١ - ٤]
أقسم بالكتاب المبين، وهو القرآن، وجعل قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ جوابًا للقسم، وهو من الأيمان الحسنة البديعة؛ لتناسب القسم والمقسم عليه، وكونهما من واد واحد، ونظيره قول أبي تمام:
وثناياك إنّها إغريض
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الزخرف
مكية، وهي تسع وثمانون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (وثناياك إنها إغريض): تمامه لأبي تمام:
.... ولآل توم وبرق وميض
?
стр. 7587
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأقاح منور في بطاح هزه … في الصباح روض أريض
"الإغريض" والغريض: الطلع والبرد وكل أبيض طري، "توم": واحده: تومة، وهي حبة تعمل من الفضة كالدرة، وأرض أريضة: زكية، وأرضت الأرض -بالضم-: زكت.
قال صاحب "التقريب": المقسم به: ذات القرآن المصحح بالمعجز، والمقسم عليه: وصفه، وهو جعله عربيًا، فتغايرا، وفي قوله: "المقسم به ذات القرآن" نظر، لأنه وصف الكتاب بـ"المبين"، فأقسم تعالى بالكتاب المبين على إثبات كونه مبينًا؛ أي: عربيًا غير عجمي لكي تعقله العرب، فظهر أن المقسم به والمقسم عليه ليسا متغايرين، قال محيي السنة: "أقسم بالكتاب الذي أبان طريق الهدى من طرق الضلالة، وأبان ما تحتاج إليه الأمة من الشريعة ﴿إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا﴾ "، وقال الإمام: "التقدير: هذه ﴿حم﴾، ثم ابتدأ وقال: ﴿والْكِتَابِ المُبِينِ﴾، والمراد به: الكتابة والخط، أقسم بالكتابة لكثرة ما فيها من المنافع، فإن العلوم إنما تكاملت بسبب الخط، فإن المتقدم إذا استنبط علمًا أثبته في كتاب، وجاء المتأخر وزاد عليه، فتتكاثر بها الفوائد".
والمصنف سلك مسلك أهل الذوق، فإن المحب المستهتر لا يرى الدنيا إلا بعين محبوبه، ولا يؤثر عليه شيئًا، قال:
إن المحبة أمرها عجب
?
стр. 7588
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كما أن الشاعر لما أراد المبالغة في وصف ثغر المحبوبة جعله مقسمًا به، ولما لم يكن عنده شيء أعز منه أقسم به عليه، ولعمري أن آل "حم" جدير بذلك، روينا عن الدرامي عن سعد بن إبراهيم قال: "كن الحواميم يسمين العرائس"، وروى الزجاج مرفوعًا: "مثل الحواميم في القرآن مثل الحبرات في الثياب".
وقال الحريري في "درة الغواص": "ووجه الكلام في "حواميم": ألا يقال: قرأت "حم"، بل: آل "حم"، وعن ابن مسعود: "آل (حم) ديباج القرآن"، وكما روى عنه أنه قال: "إذا وقعت في آل (حم) وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن"، قال الكميت في "الهاشيمات":
وجدنا لكم في آل حم آية .... نأولها منا تقي ومعرب
?
стр. 7589
﴿الْمُبِينِ﴾ البين للذين أنزل عليهم، لأنه بلغتهم وأساليبهم، وقيل: الواضح للمتدبرين، وقيل: ﴿الْمُبِينِ﴾ الذي أبان طرق الهدى من طرق الضلالة، وأبان ما تحتاج إليه الأمة في أبواب الديانة.
﴿جَعَلْناهُ﴾ بمعنى: صيرناه؛ معدّى إلى مفعولين، أو بمعنى: خلقناه؛ معدّى إلى واحد، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ﴿[الأنعام: ١]، و ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ حال، و"لعلّ" مستعار لمعنى الإرادة؛ لتلاحظ معناها ومعنى الترجي، أي: خلقناه عربيًا غير عجمي إرادة أن تعقله العرب، ولئلا يقولوا: لولا فصلت آياته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعني: قوله: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] ".
قوله: (أو بمعنى: خلقناه): هذا التفسير يأباه ما ذهب إليه من تعظيم الكتاب، وقوله: "مقسمًا به وعليه"؛ لأنه من سمات النقص، ومن وصفه بقوله: ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، روى محيي السنة: "قد مضى سلف هذه الأمة وعلماء السنة على أن القرآن كلام الله ووحيه ليس بخالق ولا مخلوق، والقول بخلق القرآن ضلالة وبدعة لم يتكلم به أحد في عهد الصحابة والتابعين، وعن جعفر الصادق: أنه سئل عن القرآن فقال: أقول فيه ما يقول أبي وجدي: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله تعالى".
قوله: (و"لعل" مستعار بمعنى الإرادة): الانتصاف: "الصحيح أن معناه: لتكونوا بحيث يرجى منكم التعقل، وهو تأويل مطرد، قال سيبويه".
?
стр. 7590
وقرئ: "إمّ الكتاب" بالكسر، وهو اللوح، كقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢]، سمي بأم الكتاب؛ لأنه الأصل الذي أثبتت فيه الكتب، منه تنقل وتستنسخ، "علي" رفيع الشأن في الكتب؛ لكونه معجزًا من بينها، ﴿حَكِيمٌ﴾ ذو حكمة بالغة، أي: منزلته عندنا منزلة كتاب هما صفتاه، وهو مثبت في أم الكتاب هكذا.
[﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ٥]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ("علي"رفيع الشأن) يؤذن بأن قوله: ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ خبران لـ"إن"، وقوله: "منزلته عندنا منزلة كتاب هما صفتاه": يشعر بأنهما صفتان لكتاب آخر، وقوله: "وهو مثبت في أم الكتاب" على أن ﴿فِي أُمِّ الكِتَابِ﴾ أيضًا خبر، فكيف التأليف؟
قلت: تأليفه: أن هذا الكتاب -الذي لديكم أبان طريق الهدى، وأبان ما تحتاج إليه الأمة في أبواب الدنيا- بمنزلة عظيمة عندنا، بمنزلة كتاب موصوف بهذين الوصفين، وهو كونه رفيع الشأن ذا حكمة بالغة، وهو على هذا الوصف والبيان ومثبت في اللوح، والمراد بـ"كتاب هما صفتاه" هو هو، ففيه لمحة من التجريد.
قال صاحب "الكشف": " ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ خبران لـ"إن"، وقوله: ﴿فِي أُمِّ الكِتَابِ﴾ من صلة "علي"، أي: إنه لعلي في هذا المحل، وإنما كان ذلك لمكان اللام، نحوه قولك: أن زيدًا في الدار لقائم. وقال أبو البقاء: " ﴿فِي أُمِّ الكِتَابِ﴾ متعلق بـ ﴿لَعَلِيٌّ﴾، واللام لا تمنع ذلك". وال القاضي: " ﴿فِي أُمِّ الكِتَابِ﴾ متعلق بـ"علي" أو حال منه، و ﴿لَدَيْنَا﴾ بدل منه أو حال من ﴿أُمِّ الكِتَابِ﴾ ".
?
стр. 7591
﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ بمعنى: أفننحي عنكم الذكر ونذوده عنكم، على سبيل المجاز، من قولهم: ضرب الغرائب عن الحوض، ومنه قول الحجاج: ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، وقال طرفة:
أضرب عنك الهموم طارقها .... ضربك بالسّيف قونس الفرس
والفاء للعطف على محذوف، تقديره: أنهملكم فنضرب عنكم الذكر،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ونذوده عنكم، على سبيل المجاز): أي: الاستعارة التمثيلية، أستعار للتنحية "الضرب" الذي بمعنى الذياد، بعد أن شبه حالة هذه التنحية بحالة ذود غرائب الإبل عن الحوض، وبولغ فيه، ثم استعمل هنا ما كان مستعملًا هناك. قال الميداني: "ضربه ضرب غرائب الإبل، ويروى: أضربه ضرب غريبة الإبل، وذلك أن الغريبة تزدحم على الحياض عند الورد، وصاحب الحياض يطردها ويضربها بسبب إبله، ومنه قول الحجاج في خطبته يهدد أهل العراق: "والله لأضربنكم ضرب غرائب الإبل"، قال الأعشى:
كطوف الغريبة وسط الحياض .... تخاف الردى وتريد الجفار!
يضرب في دفع الظالم عن ظلمه بأشد ما يمكن".
قوله: (اضرب عنك الهموم) البيت: أي: "اضربن"، فحذفت النون الخفيفة، وحركت الباء بالفتح، و"طارقها": ما يطرق بالليل، وهو بدل اشتمال من "الهموم". و"القونس": منبت شعر الناصية، وهو عظم ناتئ بين أذني الفرس، والبيت يحتمل المشاكلة أيضًا.
?
стр. 7592
إنكارًا لأن يكون الأمر على خلاف ما قدّم؛ من إنزاله الكتاب، وخلقه قرآنًا عربيًا، ليعقلوه ويعملوا بمواجبه.
و﴿صَفْحًا﴾ على وجهين؛ إما مصدر؛ من: صفح عنه: إذا أعرض، منتصب على أنه مفعول له، على معنى: أفنعزل عنكم إنزال القرآن وإلزام الحجة به إعراضًا عنكم، وإمّا بمعنى الجانب؛ من قولهم: نظر إليه بصفح وجهه وصفح وجهه، على معنى: أفننحيه عنكم جانبًا، فينتصب على الظرف، كما تقول: ضعه جانبًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وخلقه قرآنًا عربيًا): يريد: أن "جعل" في قوله: ﴿إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا﴾ بمعنى: خلق، وربما تعذر له حين فسره في مقامه بمعنى الخلق، لكن إعادته هنا بمجرد التعصب والتبجح لمذهبه، هذا عند أهل الأصول سهل؛ لأنهم يوافقونهم في الحروف المتوالية والكلمات المتعاقبة، ونحن -معاشر السنة- نقتفي آثار السلف الصالح في الإمساك عن أمثال هذه الجرأة، وبذل الجهد في تعظيم جانب كلام الله المجيد، لاسيما وقد وضع ﴿الذِّكْرَ﴾ موضع الضمير، والمقام يقتضي التفخيم لقوله: ﴿وإنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾.
?
стр. 7593
وامش جانبًا. وتعضده قراءة من قرأ: "صفحًا" بالضم، وفي هذه القراءة وجه آخر، وهو أن يكون تخفيف "صفح"؛ جمع "صفوح"، وينتصب على الحال، أي: صافحين معرضين.
﴿أَنْ كُنْتُمْ﴾ أي: لأن كنتم، وقرئ: "إن كنتم"، و"إذ كنتم".
فإن قلت: كيف استقام معنى إن الشرطية، وقد كانوا مسرفين على البتّ؟ قلت: هو من الشرط الذي ذكرت أنه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وتعضده قراءة من قرأ "صفحًا"): لأنه -على هذا- ليس بمصدر، فلا يصلح أن يكون منصوبًا مفعولًا له. الجوهري: "نظر إليه بصفح وجهه، أي: بعرضه. قال أبو عبيدة: ضربه بصفح السيف، والعامة تقول مفتوحة، أي: بعرضه".
قوله: (تخفيف "صفح"، جمع "صفوح"): النهاية: "في حديث عائشة ﵂ تصف أباها ﵁: "صفوح عن الجاهلين"، أي: كثير الصفح والعفو، وأصله من الإعراض بصفحة الوجه، كأنه أعرض بوجهه عن ذنبه، وهي من أبنية المبالغة".
الراغب: "صفح الشيء: عرضه وجانبه، كصفحة الوجه، وصفحة السيف. والصفح: ترك التثريب، وهو أبلغ من العفو، ولذلك قال تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وصفحت عنه: أوليته مني صفحة جميلة معرضًا عن ذنبه، أو لقيت صفحته متجافيًا عنه، أو تجاوزت الصفحة التي أثبت فيها ذنبه من الكتاب إلى غيرها، من قولك: تصفحت الكتاب".
قوله: (﴿أَنْ كُنْتُمْ﴾) نافع وحمزة والكسائي: بكسر الهمزة، والباقون: بفتحها.
?
стр. 7594
يصدر عن المدل بصحة الأمر المتحقق لثبوته، كما يقول الأجير: إن كنت عملت لك فوفني حقي، وهو عالم بذلك، ولكنه يخيل في كلامه أن تفريطك في الخروج عن الحق فعل من له شك في الاستحقاق، مع وضوحه؛ استجهالًا له.
[﴿وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ * وَما يَاتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ * فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ ٦ - ٨]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عن المدل بصحة الأمر): أي: المتوثق. الأساس: "أدل على قرنه، وهو مدل بفضله وشجاعته، ومنه أسد مدل". المغرب: "التدلل: تفعل من الدلال والدالة، وهما الجرأة".
قوله: (استجهالًا له): وكذلك قوله: ﴿أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ﴾ استجهالًا لهم في أنهم مع معرفتهم أن القرآن عربي مبين، وقد أبان طرق الهدى من طرق الضلالة، وأبان ما تحتاج إليه الأمة في أبواب الديانة، فرطوا فيه مثل تفريط من لم يعرف ذلك وشك فيه، فالتعريف في ﴿الذِّكْرَ﴾ للعهد الخارجي التقديري، لأن قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًا﴾ في معنى الذكر، قال في سورة (ص): "أو ذكر ما يحتاج إليه في الدين من الشرائع وغيرها"، بل نضرب عن هذا التقدير صفحًا، ونقول: أن الذكر مظهر وضع مقام المضمر من غير لفظه السابق إشعارًا بالعلية، والمراد به الشرف والصيت، وأن هذا الشرط ليس من المثال المذكور في المتن في شيء، بل هو من قبيل قوله تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] بالكسر على قراءة نافع من طريق الزبيدي، أي: لا تطع كل حلاف شارطًا يساره، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٥١]، فهو كالتعليل، فيوافق قراءة الفتح في ﴿أَن كُنتُمْ﴾، وإذ كنتم وأن المراد بالمسرفين: المستهزؤون بآيات الله وكتابه، لقوله بعده: ﴿ومَا يَاتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، فإنه تهديد مرتب عليه، وهذا ما
?
стр. 7595
﴿وَما يَأتِيهِمْ﴾ حكاية حال ماضية مستمرة، أي: كانوا على ذلك، وهذه تسلية لرسول الله ﷺ عن استهزاء قومه.
الضمير في ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ للقوم المسرفين، لأنه صرف الخطاب عنهم إلى رسول الله ﷺ يخبره عنهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقتضيه النظم الأنيق، وبيانه: أنهم لما استهزؤوا بكتاب الله واستخفوا به ليدفعوه عن أنفسهم عنادًا، فوصف الكتاب أولًا بقوله: ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا﴾، وثانيًا بقوله: ﴿وإنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، عقب ذلك كله منكرًا عليهم بقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ﴾ الآية، يعني: أنه في عالم الشهادة عربي فصيح بليغ، عجز عن الإتيان بمثله الجن والإنس، محتو على أسرار ومعان إذا تفكر فيها أولو الألباب حصلوا على البحر الخضم وكنوز الحكم، وأنه في عالم الغيب لدى الملك ذي الجبروت على المرتبة رفيع الشأن، فإذا كان كذلك وجب أن يشرف قدره، ويعظم شأنه ويتغلغل صيته في كل مدر ووبر، فبسببكم نتركه مهملًا ونضرب عنكم ذكره صفحًا؟ ! كلا.
فالهمزة أقمحت بين السبب والمسبب لمزيد الإنكار، لأن ﴿حم * والْكِتَابِ المُبِينِ﴾ إلى آخرها، قسمية واردة لرد المنكرين كما ترى، وهو من الأيمان الحسنة؛ حيث أن المقسم به والمقسم عليه شيء واحد.
وما سلك هذا المسلك إلا ليؤذن بأن كتابًا هذا شأنه حقيق بأن يعزر ويكرم ولا يتجاوز عن الإقسام به.
قوله: (لأنه صرف الخطاب عنهم إلى رسول الله ﷺ : يعني: خاطبهم بقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ﴾، يعني: أنهملكم فتضرب عنكم الذكر صفحًا بسبب استهزائكم، وفي إنزال هذا الكتاب العظيم سبب لحياة الخلائق أجمعين، بل لا نترككم، ونلزم به الحجة عليكم، فنهلككم كما أهلكنا من هو أشد منكم بطشًا، ولتسلية
?
стр. 7596
﴿وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: سلف في القرآن في غير موضع منه ذكر قصتهم وحالهم العجيبة التي حقها أن تسير مسير المثل، وهذا وعد لرسول الله ﷺ ، ووعيد لهم.
[﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ٩ - ١١]
فإن قلت: قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، وما سرد من الأوصاف عقيبه، إن كان من قولهم، فما تصنع بقوله: ﴿فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، وإن كان من قول الله، فما وجهه؟ قلت: هو من قول الله لا من قولهم، ومعنى قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾. الذي من صفته كيت وكيت، لينسبنّ خلقها إلى الذي هذه أوصافه وليسندنه إليه.
﴿بِقَدَرٍ﴾ بمقدار يسلم معه البلاد والعباد، ولم يكن طوفانًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرسول ﷺ عن استهزائهم فيهم، أعرض عنهم والتفت إليه صلوات الله عليه قائلًا: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم﴾، وأتى بقوله: ﴿وكَمْ أَرْسَلْنَا﴾ الآيتين معترضًا بين المعطوف والمعطوف عليه، مؤكدًا لمعنى التسلية.
قوله: (لينسبن خلقها إلى الذي هذه أو صافه): ونظيره قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٤٤ - ٤٥]، فوصفهم وهم في النار بما عرف منهم في الدنيا، وكانوا منسوبين إليه. وإذا كان من كلام القوم فالمعنى: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن: الله. وقولهم: "الله" متضمن لهذه الأوصاف ومستلزم لها، فكأنهم ذكروا عند ذكرهم هذا هذه الأوصاف كلها ضمنًا، والله تعالى يفسر قولهم: "الله" بهذه الأوصاف.
?
стр. 7597
[﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ١٢ - ١٤]
و﴿الْأَزْواجَ﴾ الأصناف، ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ أي: تركبونه. فإن قلت: يقال: ركبوا الأنعام، وركبوا في الفلك، وقد ذكر الجنسين، فكيف قال: "ما تركبونه"؟ قلت: غلب المتعدّي بغير واسطة لقوّته، على المتعدّي بواسطة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روى الأزهري عن أبي الهيثم أنه قال: لا يكون إلهًا حتى يكون معبودًا، وحتى يكون لعابده خالقًا ورازقًا ومدبرًا وعليه مقتدرًا، فمن لم يكن كذلك فليس بإله وإن عبد. وقال المالكي: أن "الله" علم للإله بالحق، جامع لمعاني الأسماء الحسنى، ما علم وما لم يعلم، ونظير تضمن اسم "الله" هذه المعاني في هذا المقام تضمن اسم "حاتم" الجود. روي عنه أنه قال: وهذا حسن، وله نظير عرفًا، وهو أن واحدًا لو أخبر مثلًا أن الشيخ قال كذا، وعنى بالشيخ زيدًا ثم لقيت زيدًا وقلت له: أن فلانًا أخبرني أن زيدًا قال كذا، مع أن فلانًا لم يجر على لسانه: زيدًا، وإنما قال: الشيخ، ولكنك ذكرت ألقابه وأوصافه، كذا هنا، الكفار يقولون: "خلقهن الله"، لا ينكرون ذلك، ثم أن الله ذكر صفاته، أي: أن الله الذي يحيلون عليه خلق السماوات: من صفته كيت وكيت.
الانتصاف: "بل بعضه من قولهم، وهو قوله: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾، كقوله تعالى: ﴿ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾، ثم وصف الله نفسه بذلك، وسيق سياقًا واحدًا، فلذلك حذف الموصوف من كلامه، كما لو قلت لرجل: من أكرمك؟ فقال: أكرمني زيد. قلت لزيد وهو حاضر: أنت الجواد الكريم. ثم جاء أوله على الغيبة، وآخره على الانتقال إلى التكلم في قوله: "أنشرنا" افتنانًا في البلاغة، ومثله قول موسى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى * الَّذِي جَعَلَ﴾ إلى أن قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ [طه: ٥٢ - ٥٣] على الغيبة والتكلم، وهي مطابقة لهذه".
قوله: (غلب المتعدي بغير واسطة لقوته، على المتعدي بواسطة)، الانتصاف: "قوله: "غلب
?
стр. 7598
فقيل: تركبونه. ﴿عَلى ظُهُورِهِ﴾ على ظهور ما تركبونه، وهو الفلك والأنعام.
ومعنى ذكر نعمة الله عليهم: أن يذكروها في قلوبهم معترفين بها مستعظمين لها، ثم يحمدوا عليها بألسنتهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المتعدي" ليس محررًا، فإن الفعل المتعدي إلى "الفلك" هو المتعدي إلى "الأنعام"، غير أن العرب خصته في بعض مفاعيله بواسطة، والاختلاف في آلات التعدي أو في عدد المفاعيل لا يوجب اختلاف المعنى، فالفعل الواحد يعدونه تارةً ويقصرونه أخرى، نحو "شكرت" وأخواتها، ويجعلون الأفعال مترادفة وإن اختلفت متعلقاتها، ويجعلون "علم" وإن تعدى إلى مفعولين مرادفًا لـ "عرف" المتعدي إلى واحد، فالأولى أن يقال: تقديره: وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون فيه، أو يقال: غلب أحد اعتباري الفعل على الآخر، وهو أسهل من التغليب". قلت: ليس غرض المصنف من التغليب هاهنا إلا هذا المعنى.
قوله: (ثم يحمدوا عليها بألسنتهم): فإن قلت: كيف دل قوله: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ على قول الحمد؟ قلت: من حيث أن استحضار النعمة موجب للشكر، وفي العدول من "تحمدوا" إلى ﴿تَذْكُرُوا﴾ تصوير حالة كون المركوب مذللًا منقادًا، وأنه لولا تمكين الله لم يتمكن منه، وكذلك قرن به كلمة التعجب وهو قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾، وفي لفظ ﴿هَذَا﴾ مزيد تقرير لمعنى التعجب.
?
стр. 7599
وهو ما يروى عن النبي ﷺ : "أنه كان إذا وضع رجله. في الركاب قال: بسم الله، فإذا استوى على الدابة قال: الحمد لله على كل حال، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ إلى قوله: ﴿لَمُنقَلِبُونَ﴾، وكبر ثلاثًا، وهلل ثلاثًا"، وقالوا: إذا ركب في السفينة قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١].
وعن الحسن بن علي ﵄: أنه رأى رجلًا يركب دابة فقال: سبحان الذي سخر لنا هذا. فقال: أبهذا أمرتم؟ فقال: وبم أمرنا؟ قال: أن تذكروا نعمة ربكم. كان قد أغفل التحميد، فنبهه عليه، وهذا من حسن مراعاتهم لآداب الله، ومحافظتهم على دقيقها وجليلها، جعلنا الله من المقتدين بهم، والسائرين بسيرتهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روينا عن أحمد والترمذي وأبي داود عن علي ﵁: أنه أتي بدابة، فلما وضع رجله في الركاب، قال: بسم الله، فلما استوى على ظهره، قال: الحمد الله، ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ الآية، ثم حمد الله وكبر ثلاثًا، ثم قال: لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقيل له، فقال: "رأيت رسول الله ﷺ صنع كما صنعت ثم ضحك"، فقيل: من أي شيء ضحكت؟ فقال: "إن ربك ليعجب من عبده، قال: رب اغفر لي ذنوبي، يعلم أن الذنب لا يغفرها غيري".
قوله" (عن النبي ﷺ : أنه كان إذا وضع رجله) الحديث: من رواية مسلم والترمذي وأبي داود والدارمي عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ : كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر، حمد الله تعالى وسبح وكبر ثلاثًا، ثم قال: " ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا ومَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وإنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾، اللهم إنا نسألك البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى"، الحديث.
?
стр. 7600
فما أحسن بالعاقل النظر في لطائف الصناعات، فكيف بالنظر في لطائف الديانات؟
﴿مُقْرِنِينَ﴾ مطيقين، يقال: أقرن الشيء، إذا أطاقه، قال ابن هرمة:
وأقرنت ما حمّلتنى ولقلّما .... يطاق احتمال الصّد يا دعد والهجر
وحقيقة «أقرنه»: وجده قرينته وما يقرن به؛ لأنّ الصعب لا يكون قرينة للضعيف، ألا ترى إلى قولهم في الضعيف: لا تقرن به الصعبة. وقرئ: "مقرنين"، والمعنى واحد.
فإن قلت: كيف اتصل بذلك قوله: ﴿وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾؟ قلت: كم من راكب دابة عثرت به أو شمست أو تقحمت أو طاح من ظهرها فهلك،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فما أحسن بالعاقل النظر): الباء متعلق بـ"أحسن"، وجاز تقديمه على "النظر"، يعني: كما نظرت إلى صنعة من الصناعات المتقنة المؤنقة وتعجبت منها، فانظر إلى كل لطيفة من لطائف الديانة ومحاسن الشريعة، وتعجب منها، فإن كل نطق وسكوت، بل كل حركة وسكون، فيه من الأسرار والحكم ما يقضى منه العجب كل العجب، وإياك أن تغفل عن شيء منها إهمالًا، فتحرم على نفسك كمالات لا غاية لها.
قوله: (وأقرنت ما حملتني) البيت: "الهجر": ترك ما يلزمك تعاهده، يقول: قلما يطاق احتمال الإعراض والهجر، وقد أطقت ذلك.
قال الزجاج: " ﴿مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين، واشتقاقه من قولك: أنا لفلان مقرن، أي: مطيق، أي: قد صرت قرنًا له".
قوله" (وقرئ: "مقرنين") بالتشديد، يروى بكسر الراء وفتحها. المطلع: المقرن: الذي يجعل مقرنًا للشيء، أي: مطيقا له، يقال: قرنه فاقترن له.
قوله: (أو تقحمت)، الجوهري: "قحم الفرس فارسه تقحيمًا على وجهه؛ إذا رماه".
?
следующие страницы →