← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.

стр. 7596

﴿وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: سلف في القرآن في غير موضع منه ذكر قصتهم وحالهم العجيبة التي حقها أن تسير مسير المثل، وهذا وعد لرسول الله ﷺ ، ووعيد لهم. [﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ٩ - ١١] فإن قلت: قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، وما سرد من الأوصاف عقيبه، إن كان من قولهم، فما تصنع بقوله: ﴿فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، وإن كان من قول الله، فما وجهه؟ قلت: هو من قول الله لا من قولهم، ومعنى قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾. الذي من صفته كيت وكيت، لينسبنّ خلقها إلى الذي هذه أوصافه وليسندنه إليه. ﴿بِقَدَرٍ﴾ بمقدار يسلم معه البلاد والعباد، ولم يكن طوفانًا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الرسول ﷺ عن استهزائهم فيهم، أعرض عنهم والتفت إليه صلوات الله عليه قائلًا: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم﴾، وأتى بقوله: ﴿وكَمْ أَرْسَلْنَا﴾ الآيتين معترضًا بين المعطوف والمعطوف عليه، مؤكدًا لمعنى التسلية. قوله: (لينسبن خلقها إلى الذي هذه أو صافه): ونظيره قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٤٤ - ٤٥]، فوصفهم وهم في النار بما عرف منهم في الدنيا، وكانوا منسوبين إليه. وإذا كان من كلام القوم فالمعنى: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن: الله. وقولهم: "الله" متضمن لهذه الأوصاف ومستلزم لها، فكأنهم ذكروا عند ذكرهم هذا هذه الأوصاف كلها ضمنًا، والله تعالى يفسر قولهم: "الله" بهذه الأوصاف. ?

стр. 7597

[﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ١٢ - ١٤] و﴿الْأَزْواجَ﴾ الأصناف، ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ أي: تركبونه. فإن قلت: يقال: ركبوا الأنعام، وركبوا في الفلك، وقد ذكر الجنسين، فكيف قال: "ما تركبونه"؟ قلت: غلب المتعدّي بغير واسطة لقوّته، على المتعدّي بواسطة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ روى الأزهري عن أبي الهيثم أنه قال: لا يكون إلهًا حتى يكون معبودًا، وحتى يكون لعابده خالقًا ورازقًا ومدبرًا وعليه مقتدرًا، فمن لم يكن كذلك فليس بإله وإن عبد. وقال المالكي: أن "الله" علم للإله بالحق، جامع لمعاني الأسماء الحسنى، ما علم وما لم يعلم، ونظير تضمن اسم "الله" هذه المعاني في هذا المقام تضمن اسم "حاتم" الجود. روي عنه أنه قال: وهذا حسن، وله نظير عرفًا، وهو أن واحدًا لو أخبر مثلًا أن الشيخ قال كذا، وعنى بالشيخ زيدًا ثم لقيت زيدًا وقلت له: أن فلانًا أخبرني أن زيدًا قال كذا، مع أن فلانًا لم يجر على لسانه: زيدًا، وإنما قال: الشيخ، ولكنك ذكرت ألقابه وأوصافه، كذا هنا، الكفار يقولون: "خلقهن الله"، لا ينكرون ذلك، ثم أن الله ذكر صفاته، أي: أن الله الذي يحيلون عليه خلق السماوات: من صفته كيت وكيت. الانتصاف: "بل بعضه من قولهم، وهو قوله: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾، كقوله تعالى: ﴿ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾، ثم وصف الله نفسه بذلك، وسيق سياقًا واحدًا، فلذلك حذف الموصوف من كلامه، كما لو قلت لرجل: من أكرمك؟ فقال: أكرمني زيد. قلت لزيد وهو حاضر: أنت الجواد الكريم. ثم جاء أوله على الغيبة، وآخره على الانتقال إلى التكلم في قوله: "أنشرنا" افتنانًا في البلاغة، ومثله قول موسى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى * الَّذِي جَعَلَ﴾ إلى أن قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ [طه: ٥٢ - ٥٣] على الغيبة والتكلم، وهي مطابقة لهذه". قوله: (غلب المتعدي بغير واسطة لقوته، على المتعدي بواسطة)، الانتصاف: "قوله: "غلب ?

стр. 7598

فقيل: تركبونه. ﴿عَلى ظُهُورِهِ﴾ على ظهور ما تركبونه، وهو الفلك والأنعام. ومعنى ذكر نعمة الله عليهم: أن يذكروها في قلوبهم معترفين بها مستعظمين لها، ثم يحمدوا عليها بألسنتهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المتعدي" ليس محررًا، فإن الفعل المتعدي إلى "الفلك" هو المتعدي إلى "الأنعام"، غير أن العرب خصته في بعض مفاعيله بواسطة، والاختلاف في آلات التعدي أو في عدد المفاعيل لا يوجب اختلاف المعنى، فالفعل الواحد يعدونه تارةً ويقصرونه أخرى، نحو "شكرت" وأخواتها، ويجعلون الأفعال مترادفة وإن اختلفت متعلقاتها، ويجعلون "علم" وإن تعدى إلى مفعولين مرادفًا لـ "عرف" المتعدي إلى واحد، فالأولى أن يقال: تقديره: وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون فيه، أو يقال: غلب أحد اعتباري الفعل على الآخر، وهو أسهل من التغليب". قلت: ليس غرض المصنف من التغليب هاهنا إلا هذا المعنى. قوله: (ثم يحمدوا عليها بألسنتهم): فإن قلت: كيف دل قوله: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ على قول الحمد؟ قلت: من حيث أن استحضار النعمة موجب للشكر، وفي العدول من "تحمدوا" إلى ﴿تَذْكُرُوا﴾ تصوير حالة كون المركوب مذللًا منقادًا، وأنه لولا تمكين الله لم يتمكن منه، وكذلك قرن به كلمة التعجب وهو قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾، وفي لفظ ﴿هَذَا﴾ مزيد تقرير لمعنى التعجب. ?

стр. 7599

وهو ما يروى عن النبي ﷺ : "أنه كان إذا وضع رجله. في الركاب قال: بسم الله، فإذا استوى على الدابة قال: الحمد لله على كل حال، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ إلى قوله: ﴿لَمُنقَلِبُونَ﴾، وكبر ثلاثًا، وهلل ثلاثًا"، وقالوا: إذا ركب في السفينة قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]. وعن الحسن بن علي ﵄: أنه رأى رجلًا يركب دابة فقال: سبحان الذي سخر لنا هذا. فقال: أبهذا أمرتم؟ فقال: وبم أمرنا؟ قال: أن تذكروا نعمة ربكم. كان قد أغفل التحميد، فنبهه عليه، وهذا من حسن مراعاتهم لآداب الله، ومحافظتهم على دقيقها وجليلها، جعلنا الله من المقتدين بهم، والسائرين بسيرتهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ روينا عن أحمد والترمذي وأبي داود عن علي ﵁: أنه أتي بدابة، فلما وضع رجله في الركاب، قال: بسم الله، فلما استوى على ظهره، قال: الحمد الله، ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ الآية، ثم حمد الله وكبر ثلاثًا، ثم قال: لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقيل له، فقال: "رأيت رسول الله ﷺ صنع كما صنعت ثم ضحك"، فقيل: من أي شيء ضحكت؟ فقال: "إن ربك ليعجب من عبده، قال: رب اغفر لي ذنوبي، يعلم أن الذنب لا يغفرها غيري". قوله" (عن النبي ﷺ : أنه كان إذا وضع رجله) الحديث: من رواية مسلم والترمذي وأبي داود والدارمي عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ : كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر، حمد الله تعالى وسبح وكبر ثلاثًا، ثم قال: " ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا ومَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وإنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾، اللهم إنا نسألك البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى"، الحديث. ?

стр. 7600

فما أحسن بالعاقل النظر في لطائف الصناعات، فكيف بالنظر في لطائف الديانات؟ ﴿مُقْرِنِينَ﴾ مطيقين، يقال: أقرن الشيء، إذا أطاقه، قال ابن هرمة: وأقرنت ما حمّلتنى ولقلّما .... يطاق احتمال الصّد يا دعد والهجر وحقيقة «أقرنه»: وجده قرينته وما يقرن به؛ لأنّ الصعب لا يكون قرينة للضعيف، ألا ترى إلى قولهم في الضعيف: لا تقرن به الصعبة. وقرئ: "مقرنين"، والمعنى واحد. فإن قلت: كيف اتصل بذلك قوله: ﴿وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾؟ قلت: كم من راكب دابة عثرت به أو شمست أو تقحمت أو طاح من ظهرها فهلك، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فما أحسن بالعاقل النظر): الباء متعلق بـ"أحسن"، وجاز تقديمه على "النظر"، يعني: كما نظرت إلى صنعة من الصناعات المتقنة المؤنقة وتعجبت منها، فانظر إلى كل لطيفة من لطائف الديانة ومحاسن الشريعة، وتعجب منها، فإن كل نطق وسكوت، بل كل حركة وسكون، فيه من الأسرار والحكم ما يقضى منه العجب كل العجب، وإياك أن تغفل عن شيء منها إهمالًا، فتحرم على نفسك كمالات لا غاية لها. قوله: (وأقرنت ما حملتني) البيت: "الهجر": ترك ما يلزمك تعاهده، يقول: قلما يطاق احتمال الإعراض والهجر، وقد أطقت ذلك. قال الزجاج: " ﴿مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين، واشتقاقه من قولك: أنا لفلان مقرن، أي: مطيق، أي: قد صرت قرنًا له". قوله" (وقرئ: "مقرنين") بالتشديد، يروى بكسر الراء وفتحها. المطلع: المقرن: الذي يجعل مقرنًا للشيء، أي: مطيقا له، يقال: قرنه فاقترن له. قوله: (أو تقحمت)، الجوهري: "قحم الفرس فارسه تقحيمًا على وجهه؛ إذا رماه". ?

стр. 7601

وكم من راكبين في سفينة انكسرت بهم فغرقوا، فلما كان الركوب مباشرة أمر مخطر، واتصالًا بسبب من أسباب التلف، كان من حق الراكب -وقد اتصل بسبب من أسباب التلف-: أن لا ينسى عند اتصاله به يومه، وأنه هالك لا محالة، فمنقلب إلى الله غير منفلت من قضائه، ولا يدع ذكر ذلك بقلبه ولسانه، حتى يكون مستعدًا للقاء الله بإصلاحه من نفسه، والحذر من أن يكون ركوبه ذلك من أسباب موته في علم الله، وهو غافل عنه، ويستعيذ بالله من مقام من يقول لقرنائه: تعالوا نتنزه على الخيل، أو في بعض الزوارق، فيركبون حاملين مع أنفسهم أواني الخمر والمعازف، فلا يزالون يسقون، حتى تميل طلاهم وهم على ظهور الدواب، أو في بطون السفن، وهي تجرى بهم، لا يذكرون إلا الشيطان، ولا يمتثلون إلا أوامره. وقد بلغني أنّ بعض السلاطين ركب وهو يشرب من بلد إلى بلد بينهما مسيرة شهر، فلم يصح إلا بعد ما اطمأنت به الدار، فلم يشعر بمسيره ولا أحس به، فكم بين فعل أولئك الراكبين وبين ما أمره الله به في هذه الآية. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (انكسرت بهم): حال، نحوه قال أبي الطيب: تدوس بنا الجماجم والتريبا قوله: (أن لا ينسى عند اتصاله به يومه): مفعول "ينسى": أي" هلاكه، فيكون قوله: "وأنه هالك لا محالة" عطفًا تفسيريًا. قوله: (والمعازف): الجوهري: "المعازف: الملاهي، والعازف: اللاعب بها والمغني". قوله: (اطمأنت به الدار)، الأساس: "اطمأن إليه: سكن إليه، ووثق به، واطمأن عما ?

стр. 7602

وقيل: يذكرون عند الركوب ركوب الجنازة. [﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ * وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ١٥ - ١٨] ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا﴾ متصل بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ [الزخرف: ٩]، أي: ولئن سألتهم عن خالق السماوات والأرض ليعترفن به، وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف من عباده جزءًا، فوصفوه بصفات المخلوقين. ومعنى: ﴿مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا﴾ أن قالوا: الملائكة بنات الله، فجعلوهم جزءًا له وبعضًا منه، كما يكون الولد بضعة من والده وجزءًا له. ومن بدع التفاسير: تفسير الجزء بالإناث، وادعاء أنّ "الجزء" في لغة العرب: اسم للإناث، وما هو إلا كذب على العرب، ووضع مستحدث منحول، ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه: أجزأت المرأة، ثم صنعوا بيتًا وبيتًا: إن أجزأت حرّة يوما فلا عجب زوجتها من بنات الأوس مجزئة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كان يفعله: تركه، واطمأن به القرار"، أسند الاطمئنان إلى "الدار"، وهو لصاحبها، على المجاز، والجار والمجرور: حال. قوله: (بيتًا وبيتًا): أي: بيتًا بعد بيت، البيت الأول أنشده الزجاج: إن أجزأت حرة يومًا فلا عجب .... قد تجزئ الحرة المذكار أحيانا "أجزأت": وضعت أنثى. وقال الزجاج: "ولا أدري: البيت قديم أم مصنوع؟ ". ?

стр. 7603

وقرئ: "جزءًا"، بضمتين. ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ لجحود للنعمة ظاهر جحوده، لأنّ نسبة الولد إليه كفر، والكفر أصل الكفران كله. ﴿أَمِ اتَّخَذَ﴾ بل اتخذ، والهمزة للإنكار، تجهيلًا لهم وتعجيبًا من شأنهم، حيث لم يرضوا بأن جعلوا لله من عباده جزءًا، حتى جعلوا ذلك الجزء شر الجزأين، وهو الإناث دون الذكور، على أنهم أنفر خلق الله عن الإناث وأمقتهم لهنّ، ولقد بلغ بهم المقت إلى أن وأدوهنّ، كأنه قيل: هبوا أنّ إضافة اتخاذ الولد إليه جائزة فرضًا وتمثيلًا، أما تستحيون من الشطط في القسمة؟ ومن ادعائكم أنه آثركم على نفسه بخير الجزأين وأعلاهما، وترك له شرهما وأدناهما؟ ! وتنكير ﴿بَناتٍ﴾ وتعريف ﴿الْبَنِينَ﴾ وتقديمهنّ في الذكر عليهم؛ لما ذكرت في قوله تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والبيت الثاني: زوجتها من بنات الأوس مجزئةً .... للعوسج اللدن في أبياتها زجل "المجزئة": المرأة التي تلد البنات، وعنى بـ"العوسج": المغازل؛ للين عوده ومتانته لغزل الصوف، و "زجل": صوت دور المغزل، وكان هذا الشاعر تزوج امرأةً لها بنات يجتمعن عندها ويغزلن. قوله: (وقرئ: "جزءًا" بضمتين): أبو بكر عن عاصم. قوله: (وتعريف ﴿الْبَنِينَ﴾ وتقديمهن في الذكر عليهم لما ذكرت في قوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ ?

стр. 7604

﴿بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا﴾ بالجنس الذي جعله له مثلًا، أي: شبهًا؛ لأنه إذا جعل الملائكة جزءًا لله وبعضًا منه، فقد جعله من جنسه ومماثلًا له، لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد، يعني: أنهم نسبوا إليه هذا الجنس، ومن حالهم: أن أحدهم إذا قيل له: قد ولدت لك بنت، اغتم واربدّ وجهه غيظًا وتأسفًا، وهو مملوء من الكرب. وعن بعض العرب: أن امرأته وضعت أنثى، فهجر البيت الذي فيه المرأة، فقالت: ما لأبي حمزة لا يأتينا .... يظل في البيت الّذى يلينا غضبان أن لا نلد البنينا .... ليس لنا من أمرنا ماشينا وإنّما نأخذ ما أعطينا والظلول: بمعنى الصيرورة، كما تستعمل أكثر الأفعال الناقصة بمعناها، وقرئ: "مسودّ" و"مسوادّ"، على أن في ﴿ظَلَّ﴾ ضمير المبشر، و ﴿وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ جملة واقعة موقع الخبر. ثم قال: أو يجعل للرحمن من الولد من هذه الصفة المذمومة صفته؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يَشَاءُ إنَاثًا ويَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾): التقديم في تلك الآية للرد على المعرضين المستوجبين لكل إهانة، وأن يفعل بهم ما لا يشاؤونه، وفي هذه: الرد وارد على نسبة البنات إلى الله ، فكان ذكر "البنات" هو الذي سيق له الكلام أصالةً، وذكر "البنين" مستطردًا لمزيد الإنكار والتتميم فيه، ويحتمل التقديم والتعريف أيضًا أن يكون لمراعاة الفواصل، لكن الوجه هو الأول. قوله: (واربد وجهه): الجوهري: "تربد وجه فلان: تغير من الغضب، وتربد الرجل: أي: تعبس". قوله: (ثم قال: أو يجعل للرحمن من الولد من هذه الصفة المذمومة صفته): آذن بأن الواو في ﴿أَوَ مَنْ﴾ تستدعي المعطوف والمعطوف عليه، والمعطوف عليه جملة قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، فيقدر المعطوف أيضًا فعلًا يناسبه، ويكون عاملًا في الموصول، ?

стр. 7605

وهو أنه ﴿يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ﴾، أي: يتربى في الزبنة والنعمة، وهو إذا احتاج إلى مجاثاة الخصوم ومجاراة الرجال، كان غير مبين، ليس عنده بيان، ولا يأتى ببرهان يحتج به من يخاصمه؛ وذلك لضعف عقول النساء ونقصانهنّ عن فطرة الرجال، يقال: قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. وفيه: أنه جعل النشء في الزينة والنعومة من المعايب والمذام، وأنه من صفة ربات الحجال، فعلى الرجل أن يجتنب ذلك، ويأنف منه، ويربأ بنفسه عنه، ويعيش كما قال عمر ﵁: "اخشوشنوا واخشوشبوا وتمعددوا"، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأقحمت الهمزة بين المعطوفين لمزيد الإنكار الذي يعطيه معنى الهمزة في ﴿أَمِ﴾ المنقطعة، والجملة الشرطية معترضة لتأكيد المنكر. قوله: (ويربأ بنفسه عنه): أي: يرفع، الأساس: "إني لأربأ بك عن الأمر، أي أرفعك عنه، ولا أرضاه لك". قوله: (اخشوشنوا): النهاية: "اخشوشن الشيء: مبالغة في خشونته، واخشوشن: إذا لبس الخشن- واخشوشب الرجل: إذا كان صلبًا خشنًا في دينه وملبسه ومطعمه وجميع أحواله-، ومنه حديث عمر ﵁: اخشوشنوا". قوله: (وتمعددوا): النهاية: "يقال: تمعدد الغلام: إذا شب وغلظ، وقيل: أراد تشبهوا بعيش معد بن عدنان، وكانوا أهل غلظ وقشف، أي: كونوا مثلهم ودعوا التنعم وزي العجم، ومنه حديثه الآخر: "عليكم باللبسة المعدية"، أي: خشونة اللباس". ?

стр. 7606

وإن أراد أن يزين نفسه زينها من باطن بلباس التقوى. وقرئ: "ينشأ"، و ﴿يُنَشَّأُ﴾، و"يناشأ". ونظير المناشأة؛ بمعنى الإنشاء: المغالاة بمعنى الإغلاء. [﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ ١٩] قد جمعوا في كفرة ثلاث كفرات، وذلك أنهم نسبوا إلى الله الولد، ونسبوا إليه أخس النوعين، وجعلوه من الملائكة الذين هم أكرم عباد الله على الله، فاستخفوا بهم واحتقروهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأساس: "رجل ممعود: دوي المعدة، وقد معد. ومن المجاز: تمعدد الصبي: غلظ وصلب وذهب عنه رطوبة الصبا، قال: ربيته حتى إذا تمعددا .... كان جزائي بالعصا أن أجلدا". قوله: (وإن أراد أن يزين نفسه): عطف على قوله: "أن يجتنب ذلك"، والحاصل أن في ظاهر قوله: ﴿أَوَ مَن يُنَشَّأُ فِي الحِلْيَةِ﴾ إنكار نسبة البنات إلى الله ، وفي العدول إلى هذه الألفاظ من التصريح بذكر "البنات": إدماج لمعنى ذم التشبه بالنساء، وفي مفهوم المدمج رمز إلى الترغيب في التزين بلباس التقوى، والاهتمام بعمارة الباطن، ورفض الالتفات إلى الظاهر. قول: (وقرئ: "ينشأ" و ﴿يُنَشَّأُ﴾ و "يناشأ"): الثانية: حفص وحمزة والكسائي، والأولى: الباقون، والثالثة: شاذة. ويروي: "ينشأ" بضم الياء والتخفيف. عن بعضهم: أنشأ. ونشأ وناشأ، نحو: أعلى وعلا وعالى، يقال: أعلاه الله فعلا، وعالاه: أي: أعلاه، وعلاه وأعلاه وعالاه: بمعنى. ?

стр. 7607

وقرئ: ﴿عباد الرحمن﴾، و"عبيد الرحمن"، و"عند الرحمن" -وهو مثل لزلفاهم واختصاصهم- و ﴿إِنَاثَا﴾، و"أنثَا"؛ جمع الجمع. ومعنى "جعلوا": سموا وقالوا: إنهم إناث، وقرئ: ﴿أَشَهِدُوا﴾، و"أاشهدوا"؛ بهمزتين مفتوحة ومضمومة، و"آأشهدوا"؛ بألف بينهما، وهذا تهكم بهم، بمعنى أنهم يقولون ذلك من غير أن يستند قولهم إلى علم، فإن الله لم يضطرهم إلى علم ذلك، ولا تطرّقوا إليه باستدلال، ولا أحاطوا به عن خبر يوجب العلم، فلم يبق إلا أن يشاهدوا خلقهم، فأخبروا عن هذه المشاهدة. ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ التي شهدوا بها على الملائكة من أنوثتهم، ﴿وَيُسْئَلُونَ﴾ وهذا وعيد، وقرئ: "سيكتب"، و"سنكتب"؛ بالياء والنون، و ﴿شَهَادَتُهُم﴾، و"شهاداتهم"، و"يساءلون"؛ على: يفاعلون. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾): الحرميان وابن عامر: "عند الرحمن"، بالنون ساكنةً وفتح الدال، والباقون: ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾. قوله: (ومعنى "جعلوا": سموا وقالوا: إنهم إناث): قال الزجاج: "الجعل هنا في معنى القول والحكم على الشيء، تقول: جعلت زيدًا أعلم الناس، أي: قد وصفته بذلك وحكمت به". قوله: (وقري: ﴿أَشَهِدُوا﴾ و"أاشهدوا"): قالون: بهمزتين؛ الثانية مضمومة مسهلة بين الهمزة والواو، وقالون- من رواية أبي نشيط بخلاف عنه- يدخل قبلها ألفًا، والشين ساكنة، والباقون: بهمزة واحدة مفتوحة وفتح الشين. قوله: (وهذا تهكم بهم): يعني: قوله: ﴿أَشَهِدُوا﴾ من باب التقسيم الحاضر، كما سبق مرارًا. ?

стр. 7608

[﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ ٢٠] ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ هما كفرتان أيضًا مضمومتان إلى الكفرات الثلاث، وهما: عبادتهم الملائكة من دون الله، وزعمهم أن عبادتهم بمشيئة الله، كما يقول إخوانهم المجبرة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هما كفرتان أيضًا): الجوهري: "الكفر- بالفتح-: التغطية، وقد كفرت الشيء أكفره- بالكسر- كفرًا؛ أي: سترته. والكفر أيضًا: ظلمة الليل وسواده، وكل شيء غطى شيئًا فقد كفره، قال ابن السكيت: ومنه سمي الكافر، لأنه يستر نعم الله ". قوله: (مضمومتان إلى الكفرات الثلاث): وهي ما عدها في قوله: إنهم جعلوا له من عباده جزاءًا، وإنه اتخذ بنات وأصفاهم بالبنين، وإنهم جعلوا الملائكة المكرمين إناثًا، وإنهم عبدوهم وقالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم. وأعلم أنه ذهب إلى قوله تعالى: ﴿وقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ﴾ معطوف على قوله: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، وعلى قوله: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إنَاثًا﴾، ولا ارتياب في كون قولهم فيهما واعتقادهم كفرًا، فكذلك ينبغي حكم المعطوف، وإذا كان لقول بمشيئة الله كفرًا كان قول أهل السنة: "إن كفر الكافر بمشيئة الله" مثل قولهم، فيجب أن يكونوا أمثالهم، وإليه الإشارة بقوله: "كما يقول إخوانهم المجبرة". واتجه عليه سؤال، وهو أنهم ذكروا ذلك استهزاء وسخرية، فذموا لذلك، نقل هذا القول الإمام عن بعض المفسرين. وفي "التيسير": قالوا ذلك استهزاء بقول أهل الحق: أن الكائنات كلها بمشيئة الله، لا اعتقادًا منهم، فلذلك كذبهم وجهلهم. وأجاب عنه: بأن صرف الكلام من الحقيقة من غير صارف غير جائز، على أنا بينا أن الآيات كلها مسوقة على وتيرة واحدة، فإما أن تجرى كلها مجرى الاستهزاء، أو تؤول بأسرها على ما هي عليه، وإما أن يجعل بعضها استهزاء. ولا سبيل إلا الأول؛ لأن القول به يفضي إلى أن الكفار استهزؤوا بجعل الملائكة جزءًا لله، وبجعلها بنات لله وإناثًا، وهذا عين الإيمان، ?

стр. 7609

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والقول به مستلزم للمدح- ألا ترى إلى قوله في حكاية المنافقين: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]: "المستهزئ بالشيء المستخف به منكر له ودافع لكونه معتدًا به، ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته"-، ولا إلى الثالث؛ لأن الذهاب إليه مما يخرم النظم، ويأباه أيضًا قوله تعالى: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، لأن المستهزئ لا يكذب، ولكن يوبخ على استهزائه، فلا يقال: ﴿إنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ إذا استهزؤوا بذلك القول. ثم أن الزجاج ذكر ما يصح أن يقع جوابًا عن هذا، وهو أن قوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ عائد إلى قولهم: "الملائكة بنات الله"، لا إلى قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾، فأورده المصنف على نفسه سؤالًا، وأجاب: أنه "تمحل مبطل وتحريف مكابر". وصحح الإمام رد المصنف، وقال: "إن ذلك يؤدي إلى أنه تعالى حكى عن القوم قولين باطلين، وبين وجه بطلانهما، ثم حكى بعدهما مذهبًا ثالثًا في مسألة أجنبية، ثم حكم ببطلانها أيضًا، فصرف هذا الإبطال عن المذكور عقيبه، إلى كلام متقدم عليه: غاية البعد"، وقرر أيضًا رد المصنف القول بالاستهزاء، ثم قال: "والحق عندي: هو أن القوم لما ذكروا هذا الكلام استدلوا بمشيئة الله للكفر على أنه لا يجوز ورود الأمر بالإيمان، واعتقدوا أن الأمر والإرادة يجب كونهما متطابقين، وهذا عندنا باطل، والقوم لم يستحقوا الذم بمجرد قولهم: أن الله يريد الكفر من الكافر، بل لأجل أنهم قالوا: لما أراد الكفر من الكافر وجب أن يقبح منه أمر الكافر بالإيمان". ويقرب منه ما روى الواحدي عن صاحب النظم: "أن هذا القول حق، وإن كان من الكفار، وهذا كقوله: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥]، وإن جعلت قوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ ردًا لقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾، كان المعنى: أنهم قالوا: أن شاء الله قدرنا على عبادتها، فلم يعاقبنا؟ لأنه رضي بذلك هنا. وهذا كذب منهم، لأن الله ?

стр. 7610

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تعالى وإن أراد كفر الكافر فإنه لا يرضاه، وتقديره الكافر على الكفر لا يكون عن رضًا منه". ومآل هذين القولين يرجع إلى أن التكذيب في قوله: ﴿إنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ راجع إلى مؤدى قوله: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ﴾، لا إلى معناه الظاهر. وقال صاحب "الفرائد": "لأهل السنة فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم ادعوا أن الله أمره بعبادة الملائكة، وقالوا: لو شاء أن لا نعبد لنهانا، فإذا لم ينهنا عنها فقد أمرنا. وثانيها: لو شاء الله أن لا نعبدهم لمنعنا عن عبادتهم منع قهر واضطرار، وإذا لم يفعل ذلك فقد أباح لنا. وثالثها: أنهم قالوا هذا القول استهزاءً بقول أهل الحق: أن الكائنات كلها بمشيئة الله تعالى، وحين لم يعتقدوا بما قالوا، فأكذبهم الله فيه وجهلهم، كما أخبر عنهم: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]، هذا حق في الأصل، ولكن قالوا ذلك استهزاء، فأكذبهم بقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٤٧]، وكذلك قوله: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، فقولهم: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ﴾: معناه: ليس لهم عليه حجة، وهو جهل منهم وكذب. أما قوله: "لا دليل على أنهم قالوه مستهزئين": قفي غاية البعد، لأنه قد دل الدلائل عليه، منها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وأمثال هذا من المنقول وغيره كثير". وقال صاحب "التقريب": "قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾ على الاستهزاء، ولو قالوه جادين كانوا مؤمنين؛ لما ثبت في الأصول من توقف الأمور على مشيئة الله، وحمله على الاستهزاء لهذا الدليل دون ما قبله ليس فيه تعويج". ?

стр. 7611

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضي: "معناه: لو شاء عدم عبادة الملائكة ﴿مَا عَبَدْنَاهُم﴾، فاستدلوا بنفي مشيئة عدم العبادة على امتناع النهي عنها، أو على حسنها، وذلك باطل، لأن المشيئة ترجيح بعض الممكنات على بعض، مأمورًا كان أو منهيًا، حسنًا كان أو غيره، ولذلك جهلهم. ويجوز أن تكون الإشارة إلى أصل الدعوى، كأنه لما أبدى وجوه فسادها، وحكى شبههم المزيفة، نفى أن يكون لهم بها علم على طريق العقل، ثم أضرب عنه إلى إنكار أن يكون له سند من جهة النقل، فقال: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا﴾ ". وقال صاحب "الانتصاف": هذه الآية تزيد معتقدنا تمهيدًا، وقول الكافر: "لو شاء الله ما فعلت": كلمة حق يريد بها باطلًا، وأما إنها كلمة حق: فلقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٢٧] وأمثالها، ولأدلة العقل. وأما إرادته بها الباطل: فزعمه أنها حجة له على الله في أن لا يعاقبه، كما توهم القدرية ذلك، فأشركوا بربهم، بل اعتقدوا أن مشيئتهم تغلب مشيئة ربهم، فالذين أشركوا بالملائكة أرفع درجةً منهم، فإنما رد الله في هذه الآية احتجاجهم، فإن مقالتهم صدرت عن ظن كاذب وتخرص، فلذلك قال: ﴿إنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ و ﴿إنْ هُمْ إلاَّ يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤]، وقال في أختها في الأنعام: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فشبه حالهم في الخرص واتباع الظن بحال أوائلهم، وبين أن مقالتهم ناشئة عن خيال وتوهم، فلا حجة فيها على الله، بل لله الحجة البالغة عليهم، وبين أن التكذيب راجع إلى اعتقادهم، لا إلى نفس ما قالوه بتصحيح قولهم، بقوله: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، فإن "لو" معناها الامتناع للامتناع، فلم يشأ هدايتهم، ولو شاءها لما ضلوا. ولكسب العبد وتهيئه صارت الأفعال مناطًا للتكليف، للفرق الضروري بين الاختياري ?

стр. 7612

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والقسري، ولما دق هذا على الأفهام غلت القدرية فاعتقدوا أن العبد فعال لما يريد، وحارت الجبرية فاعتقدت أن لا قدرة للعبد ولا اختيار". قوله: "بل اعتقدوا أن مشيئتهم تغلب مشيئة ربهم": يدل عليه قول المصنف بعد في تفسير قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخزف: ٤٨]: "إرادة الله تعالى غيره: ليس إلا أن يأمره به ويطلب منه إيجاده، فإن كان ذلك على سبيل القسر وجد، وإلا دار بين أن يوجد وأن لا يوجد على حسب اختيار المكلف". قلت- وبالله التوفيق-: المقصود من إيراد أقوال الأئمة- شكر الله سعيهم- إظهار ما ينطبق عليه المقام من المعنى، فإن التلفيق بين هذه الآيات من المعضلات، فالواجب علينا أن نبين أولًا مواقع التراكيب في الآيات الست؛ من قوله: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ إلى قوله: ﴿إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾: أما مواقع التراكيب بحسب الحل: فإن قوله: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إنَاثًا﴾ عطف على قوله: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ وهما الكفرتان، والاستفهام الأول- وهو قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ﴾ - توبيخ متوجه إلى الكفرة الأولى، وهي ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، ﴿وإذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنْثَى﴾ اعتراض- كما مر- أو حال مفعول ﴿اتَّخَذَ﴾ أو فاعل ﴿جَعَلُوا﴾ المقدم: مقررة لجهة الإشكال، وينصره قوله: "إنهم نسبوا إليه هذا الجنس، ومن حالهم: أن أحدهم إذا قيل له: "قد ولدت لك بنت" اغتم"، والاستفهام في قوله: ﴿أَشَهِدُوا﴾ توبيخ متوجه إلى الكفرة الثانية، وهي قوله: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إنَاثًا﴾. وقوله: ﴿وقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾ كفرة أخرى؛ لكن على منوال آخر غير الأوليين، ?

стр. 7613

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا معنى قول الإمام: "حكى عن القوم قولين باطلين، وبين وجه بطلانهما، ثم حكى بعدهما مذهبًا ثالثًا". أما تقرير الكفرة الثالثة: فإنه تعالى لما حكى عنهم الكفرتين، وأنكر عليهم ذلك أبلغ الإنكار، جاء بكفرة أخرى لهم أطم من الأوليين مستطردًا، وهي عبادتهم الملائكة، ووزان هذه وزان قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]، والمعنى: إذا فعلوا أمرًا منكرًا بالغًا في القبح غايته، ووبخوا عليه، وبين لهم قبحه، قالوا معتذرين: إنا وجدنا آباءنا عليها، والله أمرنا بها. فإذن لا استقلال لهذه الكفرة استقلال أختيهاـ، ولا بد من إنكار سابق، وهو اعتذار ومنه، فإذن لا استقلال، كما في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾، فحينئذ يمكن أن يحمل قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾ على الاستهزاء، ويكون قوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ تجهيلًا لهم؛ لأن المستهزئ جاهل، ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]، أو يحمل على ما قالوا من أنه لا يجوز مخالفة الأمر للمشيئة، كما ذهب إليه الإمام وصاحب "الفرائد"، وهو الوجه؛ لتنصيص الله الأمر في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨]، وتصريح الرد بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]. و﴿أَمْ﴾ -في قوله: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾ - منقطعة، و"بل" فيها إضراب عن قوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ تكذيبًا لهم، ونفيًا للعلم عنهم إلى ما هو أبلغ ?

стр. 7614

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ منه في نفي العلم، وعلى هذا الإضراب الثاني. فظهر من هذا البيان أن قول المصنف: "فإن قالوا: نجعل هذا الأخير وحده مقولا على وجه الهزء، دون ما قبله، فما بهم إلا تعويج كتاب الله": غير مستقيم، وأن قوله: "هما كفرتان أيضًا مضمومتان إلى الكفرات الثلاث" -على معنى أن قوله: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ﴾ متصل بقوله: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، وهما منضمان إلى الكفرات الثلاث، وهي: اتخاذ البنات، واصطفاء البنين، وجعل الملائكة إناثًا-تعويج، لأن الآيات غير واردة على نسق واحد، ولا على وتيرة الترتيب، فبعضها إنشائية، أي: قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ﴾، وقوله: ﴿أَوَ مَن يُنَشَّأُ﴾، وبعضها حال، أي: قوله: ﴿وأَصْفَاكُم﴾، ﴿وإذَا بُشِّرَ﴾، وبعضها عطف، فدل الاختلاف على التباين من هذه الجهة، وقد مر تقرير مواقعها، وأن الكفرات ثلاث لا غير. ويمكن تصحيح قول الزجاج، وهو أن قوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ عائد إلى قولهم: "الملائكة بنات الله"، لا إلى قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾، وذلك بأن يجعل ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾ جوابًا لما تضمنت تلك الآيات من معنى الإنكار والاحتجاج عليهم بعبادة الملائكة، فيكون قولهم هذا أمارة انجزالهم وانقطاعهم، ودلالة على أن الحجة قد بهرتهم، ولم يبق لهم متشبت إلا هذا لقول، كما هو ديدن المحجوج، وقد مر في "الأنعام" من هذا النوع نبذ. وقريب منه قول القاضي: "كأنه لما أبدى وجوه فساد أقوالهم، وحكى شبههم المزيفة، نفى أن يكون لهم بها علم"، والله أعلم. ?

стр. 7615

فإن قلت: ما أنكرت على من يقول: قالوا ذلك على وجه الاستهزاء، ولو قالوه جادين لكانوا مؤمنين؟ قلت: لا دليل على أنهم قالوه مستهزئين، وادعاء ما لا دليل عليه باطل، على أن الله تعالى قد حكى عنه ذلك على سبيل الذم والشهادة بالكفر: أنهم جعلوا له من عباده جزءًا، وأنه اتخذ بنات وأصفاهم بالبنين، وأنهم جعلوا الملائكة المكرمين إناثًا، وأنهم عبدوهم وقالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم. فلو كانوا ناطقين بها على طريق الهزء، لكان النطق بالمحكيات قبل هذا المحكي -الذي هو إيمان عنده لو جدّوا في النطق به- مدحًا لهم، من قبل أنها كلمات كفر نطقوا بها على طريق الهزء، فبقى أن يكونوا جادين، وتشترك كلها في أنها كلمات كفر. فإن قالوا: نجعل هذا الأخير وحده مقولًا على وجه الهزء، دون ما قبله، فما بهم إلا تعويج كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لتسوية مذهبهم الباطل، ولو كانت هذه كلمة حق نطقوا بها هزءًا لم يكن لقوله تعالى: ﴿ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ معنى؛ لأنّ من قال: "لا إله إلا الله" على طريق الهزء، كان الواجب أن ينكر عليه استهزاؤه ولا يكذب، لأنه لا يجوز تكذيب الناطق بالحق جادًّا كان أو هازئًا. فإن قلت: ما قولك فيمن يفسر ﴿مَا لَهُم﴾ بقولهم: إن الملائكة بنات الله، ﴿مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ في ذلك القول، لا في تعليق عبادتهم بمشيئة الله؟ قلت: تمحل مبطل وتحريف مكابر، ونحوه قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ونحوه قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾): يعني: في أن التكذيب متعلق به، لا بشيء آخر. وقلت: من علقه بالأول، لم يفصله من الثاني فصلًا كليًا، ?

стр. 7616

[﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢١ - ٢٢] الضمير في ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ للقرآن أو الرسول، والمعنى: أنهم ألصقوا عبادة غير الله بمشيئة الله، قولًا قالوه غير مستند إلى علم، ثم قال: أم آتيناهم كتابًا قبل هذا الكتاب، نسبنا فيه الكفر والقبائح إلينا، فحصل لهم علم بذلك من جهة الوحي، فاستمسكوا بذلك الكتاب واحتجوا به؟ ! بل لا حجة لهم يستمسكون بها إلا قولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ على دين، وقرئ: "على إمة"، بالكسر، وكلتاهما من الأمّ وهو القصد، فالأمة: الطريقة التي تؤم، أي: تقصد، كالرحلة للمرحول إليها، والأمة: الخالة التي يكون عليها الآم وهو القاصد. وقيل: على نعمة وحالة حسنة. ﴿عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ خبر "إن"، أو الظرف صلة لـ ﴿مُهْتَدُونَ﴾. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فلا يكون تمحلًا وتحريفًا؛ لأن قوله: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾ دليل على انقطاعهم من الحجة، وعلى بطلان مذهبهم، وظهور افترائهم، ونفي العلم عنهم آخرًا كالتتميم والتسجيل على السابق. قوله: (قولًا قالوه): قيل: هو حال من واو "ألصقوا"، والظاهر أنه مفعول مطلق من معنى "ألصقوا" إلى آخره؛ لأنه تفسير لقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾، فيكون "قالوه" صفة لـ"قولًا". قوله: (وقيل: على نعمة وحالة حسنة): قال القاضي: "قوله: ﴿وكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ﴾ الآية: تسلية لرسول الله ﷺ ، ودلالة على أن التقليد في نحو ذلك ضلال قديم، وأن مقدميهم أيضًا لم يكن لهم سند منظور إليه، وتخصيص المترفين إشعار بأن التنعم هو الذي أوجب البطالة، وصرفهم عن النظر إلى التقليد". ?

стр. 7617

[﴿وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ٢٣] ﴿مُتْرَفُوها﴾ الذين أترفتهم النعمة، أي: أبطرتهم، فلا يحبون إلا الشهوات والملاهي، ويعافون مشاق الدين وتكاليفه. [﴿قالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ * فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ٢٤ - ٢٥] قرئ: "قل"، و ﴿قَالَ﴾، و ﴿جِئْتُكُمْ﴾، و"جئناكم"، يعني: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم؟ ! قالوا: إنا ثابتون على دين آبائنا لا ننفك عنه، وإن جئتنا بما هو أهدى وأهدى. [﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٢٦ - ٢٨] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويعافون): أي: يكرهون. قوله: (قرئ: "قل"): ابن عامر وحفص: ﴿قَالَ﴾ بالألف، والباقون: "قل" بغير ألف. قوله: (إنا ثابتون على دين آبائنا، لا ننفك عنه، وإن جئتنا بما هو أهدى وأهدى): دل على هذه المبالغة الجملة الاسمية وتضمنها معنى الكناية، انظر كم بين دعوة الأنبياء وبين مقابلة الكفرة من التباين؟ الأنبياء تفادوا عن لفظ الأمر، وعدلوا إلى الاستفهام، ومع ذلك ما استوفوا تمام الحق، حيث أتوا بحرف التقرير، وضموا إليه "أفعل" التفضيل، وكان الجواب المطابق: نتبع دين آبائنا دينكم، فعدلوا إلى ما دل على نفي دين الحق وإثبات الباطل بالطريق البرهاني. ?

стр. 7618

قرئ: ﴿بَرَاءٌ﴾، بفتح الباء وضمها، و"بريء"، فبريء وبراء، نحو: كريم وكرام، وبراء: مصدر كظماء، ولذلك استوى فيه الواحد والاثنان والجماعة، والمذكر والمؤنث، يقال: نحن البراء منك، والخلاء منك. ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فيه غير وجه: أن يكون منصوبًا على أنه استثناء منقطع، كأنه قال: لكن الذي فطرني فإنه سيهدين، وأن يكون مجرورًا بدلًا من المجرور بـ"من"، كأنه قال: إنني براءٌ مما تعبدون إلا من الذي فطرني. فإن قلت: كيف تجعله بدلًا وليس من جنس ما يعبدون من وجهين؛ أحدهما: أن ذات الله مخالفة لجميع الذوات، فكانت مخالفة لذوات ما يعبدون. والثاني: أن الله تعالى غير معبود بينهم، والأوثان معبودة؟ قلت: قالوا: كانوا يعبدون الله مع أوثانهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قرئ: ﴿بَرَاءٌ﴾ بفتح الباء): وهي المشهورة، وبالضم: شاذة. قال الزجاج: " ﴿بَرَاءٌ﴾: بمعنى: برئ، والعرب تقول للواحد والاثنين والجماعة والأنثى: البراء، والمعنى: أنا ذو البراء، ونحن ذوو البراء، نحو: رجل عدل، وامرأة عدل". قوله: (والخلاء منك)، الجوهري: "تقول: أنا منك خلاء، أي: براء. إذا جعلته مصدرًا: لم تثن ولم تجمع، وإذا جعلته اسمًا على "فعيل": ثنيت وجمعت وأنثت، تقول: أنا خلي منك، أي: برئ". وعن بعضهم: في المثل: "أنا منه فالج بن خلاوة"، أي: براء منه. فلج: أي: قطع نصفه، والفالج: البعير ذو السنامين. قوله: (كانوا يعبدون الله مع أوثانهم): قال صاحب "الفرائد": لما كانوا يعبدون الله مع الآلهة، فبالنظر إلى كونه معبودًا، يصح أن يكون بدلًا، يعرف بالتأمل إن شاء الله تعالى. ?

стр. 7619

وأن تكون ﴿إِلَّا﴾ صفة بمعنى: غير، على أن «ما» في "ما تعبدون" موصوفة، تقديره: إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني، فهو نظير قوله تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ على التسويف؟ قلت: قال مرة: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨]، ومرّة: ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، فاجمع بينهما وقدّر، كأنه قال: فهو يهدين وسيهدين، فيدلان على استمرار الهداية في الحال والاستقبال. ﴿وَجَعَلَها﴾ وجعل إبراهيم صلوات الله عليه كلمة التوحيد التي تكلم بها -وهي قوله: ﴿إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ - ﴿كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ في ذريته، فلا يزال فيهم من يوحد الله ويدعو إلى توحيده، لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم، ونحوه: ﴿وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: ١٣٢] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فاجمع بينهما وقدر): كأنه قال: فهو يهدين وسيهدين، يعني: لما عبر عن العبارة الواحدة في الموضعين بلفظين مخالفين حالًا واستقبالًا، لا ينبغي أن يحمل كلا على ظاهره، بل أن يجمع بينهما، ويعتبر استمرار الحال والاستقبال، أي: أنه تعالى يهديني فيما أنا فيه من الزمان حالًا فحالًا، كما سيهديني فيما يجيء زمانًا غب زمان، فإذا كل واحد من ﴿يَهْدِينِ﴾ و ﴿سَيَهْدِينِ﴾ في مكانه مفيدًا لمعنى الاستمرار. قوله: (لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم): إشارة إلى أن ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ تعليل لجعل الكلمة باقية في عقب إبراهيم؛ ليدعو الموحد المشرك نسلًا بعد نسل إلى الملة الحنيفة. قوله: (ونحوه: ﴿ووَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾): أي: في أن الضمير في "وصى بها" يرجع إلى معنى "الكلمة" في ?

стр. 7620

وقيل: وجعلها الله. وقرئ: "كلمة" على التخفيف. و ﴿فِي عَقِبِهِ﴾ كذلك، و"في عاقبه"، أي: فيمن عقبه، أي: خلفه. [﴿بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ٢٩] ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ﴾ يعني: أهل مكة، وهم من عقب إبراهيم -بالمدّ في العمر والنعمة، فاغتروا بالمهلة، وشغلوا بالتنعم واتباع الشهوات وطاعة الشيطان عن كلمة التوحيد، ﴿حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ وهو القرآن، ﴿وَرَسُولٌ﴾ مُبِينٌ الرسالة واضحها بما معه من الآيات البينة، فكذبوا به وسموه ساحرًا وما جاء به سحرًا، ولم يوجد منهم ما رجاه إبراهيم. وقرئ: "بل متعنا". فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ: "مَتَّعْتُ" بفتح التاء؟ قلت: كأن الله تعالى اعترض على ذاته في قوله: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ﴿إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، كما أن الضمير في "جعلها" عائد على قوله: ﴿إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ على تأويل "الكلمة". قوله: (يعني: أهل مكة، وهم من عقب إبراهيم): إشارة إلى معنى الإضراب في قوله: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ﴾ عن قوله: ﴿وجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي: جعلت كلمة التوحيد باقية في عقبه زمانًا بعد زمان، لا يزال يدعو من وحد منهم من أشرك إلى التوحيد من أمة موسى وعيسى وغيرهما، ودع قصة أولئك وانظر إلى هؤلاء المشركين؛ كيف متعناهم بالعمر والنعمة، وبعثنا فيهم من يدعوهم إلى التوحيد، بدعاء أبيهم إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [البقرة: ١٢٩]، فاغتروا بالمهلة وشغلوا بالتنعم واتباع الشهوات عن داعيهم وما يدعو إليه من كلمة التوحيد؟ وإليه الإشارة بقوله: "ولم يوجد منهم ما رجاه إبراهيم"، وهذه الشكاية نحو قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]. قوله: (كأن الله تعالى اعترض على ذاته): يعني: هذا الأسلوب من باب التجريد في ?

стр. 7621

فقال: بل متعتهم بما متعتهم به من طول العمر والسعة في الرزق، حتى شغلهم ذلك عن كلمة التوحيد، وأراد بذلك الإطناب في تعييرهم، لأنه إذا متعهم بزيادة النعم وجب عليهم أن يجعلوا ذلك سببًا في زيادة الشكر والثبات على التوحيد والإيمان، لا أن يشركوا به ويجعلوا له أندادًا، فمثاله: أن يشكو الرجل إساءة من أحسن إليه، ثم يقبل على نفسه فيقول: أنت السبب في ذلك بمعروفك وإحسانك، وغرضه بهذا الكلام توبيخ المسيء لا تقبيح فعله. [﴿وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ * وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ٣٠ - ٣١] فإن قلت: قد جعل مجيء الحق والرسول غاية التمتيع، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الخطاب، على منوال قول امرئ القيس: تطاول ليلك بالأثمد .... ونام الخلي ولم ترقد وفائدته مذكورة في "البيان". قوله: (قد جعل مجيء الحق والرسول غاية التمتيع): يريد: أن الواجب في الغاية أن يكون بين الغاية والمغيا نوع مناسبة، ولا مناسبة بين التمتيع وبين مجيء القرآن والرسول؟ ?

стр. 7622

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأيضًا إنما يستقيم: ﴿ولَمَّا جَاءَهُمُ الحَقُّ﴾ أن لو عرفوا أنه الحق، ولو عرفوا أنه الحق ما قالوا: هذا سحر؟ وأجاب عن الأول بأنه من إطلاق السبب وإرادة المسبب، وعن الثاني بما ينبئ أنه من باب الرجوع غب الإطماع، قال الشاعر: وإخوان حسبتهم دروعًا .... وكانوها، ولكن للأعادي وقالوا: قد صفت منا قلوب .... لقد صدقوا، ولكن عن ودادي فإن الشاعر لما أوهم بقوله: "وكانوها" تحقيق المولاة، رجع إلى عكسه من إثبات المعاداة، ولما قال: "لقد صدقوا" خيل إلى المصافاة، فرجع إلى ما دل على المناوأة، وكذلك هاهنا؛ لما قال: ﴿مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ﴾ فاشتغلوا عن التوحيد بالاستمتاع بالملاذ، وعقبه بقوله: ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الحَقُّ﴾ خيل أنهم تنبهوا عن تلك الغفلة، ثم ابتدأ فقال: ﴿ولَمَّا جَاءَهُمُ الحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ﴾، رجع إلى ما هو شر من حالهم الأولى. وفيه: أن من كان ذهوله عن التوحيد بسبب الانهماك في التمتع بهذه العاجلة، لا يغنيه مجيء الحق ومحق الباطل؛ لأن العزوف عن ملاذ الدنيا صعب شديد. ?

стр. 7623

ثم أردفه قوله: ﴿وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ﴾، فما طريقة هذا النظم ومؤداه؟ قلت: المراد بالتمتيع ما هو سبب له، وهو اشتغالهم بالاستمتاع عن التوحيد ومقتضياته، فقال : بل اشتغلوا عن التوحيد حتى جاءهم الحق ورسول مبين، فخيل بهذه الغاية أنهم تنبهوا عندها عن غفلتهم لاقتضائها التنبه. ثم ابتدأ قصتهم عند مجيء الحق فقال: ولما جاءهم الحق جاءوا بما هو شر من غفلتهم التي كانوا عليها، وهو أن ضموا إلى شركهم معاندة الحق، ومكابرة الرسول ومعاداته، والاستخفاف بكتاب الله وشرائعه، والإصرار على أفعال الكفرة، والاحتكام على حكمة الله في تخير محمد من أهل زمانه، بقولهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، وهي الغاية في تشويه صورة أمرهم. قرئ: "على رجل"، بسكون الجيم، ﴿مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾: من إحدى القريتين، كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، أي من أحدهما. والقريتان: مكة والطائف. وقيل: من رجلي القريتين، وهما: الوليد بن المغيرة المخزومي وحبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، عن ابن عباس. وعن مجاهد: عتبة بن ربيعة وكنانة بن عبد ياليل. وعن قتادة: الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي، وكان الوليد يقول: لو كان حقًا ما يقول محمد لنزل هذا القرآن علي أو على أبي مسعود الثقفي، وأبو مسعود: كنية عروة بن مسعود. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والاحتكام): يقال: حكمته في مالي: إذا ما جعلت إليه الحكم فيه، فاحتكم علي في ذلك. قوله: (وهي الغاية في تشويه صورة أمرهم): أي هذه الأمور المذكورة؛ من معاندة الحق مع الشرك، ومكابرة الرسول، والمعادة، والاستخفاف، والإصرار، والاحتكام. قوله: (من رجلي القريتين): قال أبو البقاء: "قيل: التقدير: على رجل من رجلين من القريتين. وقيل: كان الرجل يسكن مكة والطائف، ويتردد إليهما، فصار كأنه من أهلهما". ?

стр. 7624

ما زالوا ينكرون أن يبعث الله بشرًا رسولًا، فلما علموا بتكرير الله الحجج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ما زالوا ينكرون أن يبعث الله بشرًا رسولًا): أي: كانوا يصرون على أن الرسالة مختصة بالملك، وينكرون أن البشر يبعث رسولًا، أشار إلى أن الكلام فيه تنزل، وهو كذلك، لكن على تخصيص هذا المعنى- وهو إنكار رسالة البشر- لا دليل فيه، ولا التنزل يقتضي أن يكون ذكر القرآن فيه للتعظيم لا الاستهانة، والظاهر أن ذلك التقدير غير مفتقر إليه؛ لأن في عطف ﴿وقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ﴾ على ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ﴾ استغناء عنه، وذلك أنه تعالى لما وصف القرآن بالحق، وأسند إليه المجيء، ونعت الرسول بالمبين، دل على إظهار حقيتها بالدلائل الظاهرة والمعجزات القاهرة، فعند ذلك عجزوا وانخزلوا، وقالوا مكابرين معاندين: ﴿هَذَا سِحْرٌ﴾، أي: باطل، سموا الحق باطلًا، وزادوا شرارةً فضموا إليه: ﴿وإنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾، نحو قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢]، قال: "والذي تعجبوا منه أن يوحى إلى بشر، وأن يكون من أفناء رجالهم، دون عظيم من عظمائهم، وكانوا يقولون: العجب أن الله لم يجد رسولًا يرسله إلا يتيم أبي طالب"، وقال في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾: "وهو دليل عجزهم واعترافهم به، وإن كانوا كاذبين في تسميته سحرًا". ثم قالوا على سبيل التنزل: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، يعني: هبوا أنه حق وصدق، فهلا نزل على أحد هذين الرجلين لتقدمهما ورئاستهما، فهما بذلك أحق به من محمد، لأنه يتيم فقير، وما يدل على أن كلامهم كان مبنيًا على الحسد لا على استهانة القرآن: قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ﴾، ونحوه عن أبي جهل: والله ?

стр. 7625

أن الرسل لم يكونوا إلا رجالًا من أهل القرى، جاءوا بالإنكار من وجه آخر، وهو تحكمهم أن يكون أحد هذين، وقولهم: ﴿هَذَا الْقُرْآنُ﴾ ذكر له على وجه الاستهانة به، وأرادوا بعظم الرجل: رئاسته وتقدّمه في الدنيا، وعزب عن عقولهم أن العظيم من كان عند الله عظيمًا. [﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ٣٢] ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ هذه الهمزة للإنكار المستقل بالتجهيل والتعجيب من اعتراضهم وتحكمهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إن محمدًا لصادق، وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ وقال القاضي: "زعموا أن الرسالة منصب عظيم لا يليق إلا بعظيم، ولم يعملوا أنها رتبة روحانية، تستدعي عظم النفس بالتحلي بالفضائل والكمالات القدسية، لا التزخرف بالزخارف الدنيوية". قوله: (وقولهم: ﴿هَذَا القُرْآنُ﴾ ذكر له على وجه الاستهانة): "قولهم": مبتدأ، و "ذكر له": خبره، والاستهانة تفهم من لفظه "هذا"، ومن تسميته بـ "القرآن"، كقوله فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ﴾ [الشعراء: ٢٧]، قال الزجاج: " ﴿هَذَا﴾ في موضع رفع، و ﴿القُرْآنُ﴾ مبين عنه، ويسميه سيبويه: عطف البيان، لأن لفظه لفظ الصفة، ويدل على أنه عطف بيان قولك: مررت بهذا الرجل، وهذه الدار". قوله: (للإنكار المستقبل بالتجهيل): النهاية: "الاستقلال: بمعنى الارتفاع والاستبداد، يقال: تقلل الشيء واستقله". ?

стр. 7626

وأن يكونوا هم المدبرين لأمر النبوّة والتخير لها من يصلح لها ويقوم بها، والمتولين لقسمة رحمة الله التي لا يتولاها إلا هو بباهر قدرته وبالغ حكمته. ثم ضرب لهم مثلًا، فأعلم أنهم عاجزون عن تدبير خويصة أمرهم وما يصلحهم في دنياهم، وأنّ الله عزّ وعلا هو الذي قسم بينهم معيشتهم وقدرها، ودبر أحوالهم تدبير العالم بها، فلم يسوّ بينهم، ولكن فاوت بينهم في أسباب العيش، وغاير بين منازلهم، فجعل منهم أقوياء وضعفاء، وأغنياء ومحاويج، وموالي وخدمًا، ليصرف بعضهم بعضًا في حوائجهم ويستخدموهم في مهنهم، ويتسخروهم في أشغالهم، حتى يتعايشوا ويترافدوا، ويصلوا إلى منافعهم، ويحصلوا على مرافقهم، ولو وكلهم إلى أنفسهم، وولاهم تدبير أمرهم، لضاعوا وهلكوا، وإذا كانوا في تدبير المعيشة الدنية في الحياة الدنيا على هذه الصفة، فما ظنك بهم في تدبير أمور الدين الذي هو رحمة الله الكبرى، ورأفته العظمى، وهو الطريق إلى حيازة حظوظ الآخرة، والسلم إلى حلول دار السلام؟ ثم قال: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ يريد: وهذه الرحمة -وهي دين الله وما يتبعه من الفوز في المآب- خير مما يجمع هؤلاء من حطام الدنيا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ثم ضرب له مثلًا): أي: جيء بقوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ﴾ عامًا بعد قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، أي: أمر النبوة، وسماه "مثلًا"؛ لأن القصد منه إظهار عجزهم في تدبير أمر المعيشة الدنيوية، فكيف في تدبير أمور الدين. قوله: (خويصة أمرهم): النهاية: "خويصة أحدكم: حادثة الموت التي تخص كل إنسان، وهي تصغير "خاصة"، وصغرت لاحتقارها في جنب ما بعدها من البعث والعرض والحساب وغير ذلك". قوله: (ويترافدوا): الجوهري: "الترافد: التعاون، والمرافدة: المعاونة". قوله: (ويحصلوا على مرافقهم): أي: منافعهم، الأساس: "أرفقني بكذا: نفعني، وارتفقت به: انتفعت، وما لي فيه مرفق". ?

стр. 7627

فإن قلت: معيشتهم: ما يعيشون به من المنافع، ومنهم من يعيش بالحلال، ومنهم من يعيش بالحرام، فإذن قد قسم الله تعالى الحرام كما قسم الحلال؟ قلت: الله تعالى قسم لكل عبد معيشته -وهي مطاعمه ومشاربه وما يصلحه من المنافع- وأذن له في تناولها، ولكن شرط عليه وكلفه أن يسلك في تناولها الطريق التي شرعها، فإذا سلكها فقد تناول قسمته من المعيشة حلالًا، وسماها: رزق الله، وإذا لم يسلكها تناولها حرامًا، وليس له أن يسميها رزق الله، فالله تعالى قاسم المعايش والمنافع، ولكن العباد هم الذين يكسبونها صفة الحرمة بسوء تناولهم، وهو عدولهم فيه عما شرعه الله إلى ما لم يشرعه. [﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٣٣ - ٣٥] ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بدل اشتمال من قوله: ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ﴾، ويجوز أن يكونا بمنزلة اللامين في قولك: وهبت له ثوبًا لقميصه. وقرئ: "سقفًا"، بفتح السين وسكون القاف، وبضمها وسكون القاف، وبضمها -جمع سقف، كرهن ورهن ورهن. وعن الفراء: جمع سقيفة-، وسقفًا بفتحتين؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الله تعالى قسم لكل عبد معيشته): أجاب بما يؤدي أن يكون النزاع لفظيًا، الانتصاف: "الرزق عند أهل السنة: ما تقوم به البينة، حرامًا كان أو حلالًا". قوله: (ثوبًا لقميصه): أي: لأجل قميصه، والمعنى: سقفًا لأجل بيوتهم، وقال الزجاج: اللام بمعنى: على، أي: سقفًا على بيوتهم. قوله: (وقرئ: "سقفًا"): ابن كثير وأبو عمرو: بفتح السين وإسكان القاف على التوحيد، والباقون: بضمهما على الجمع. ?

стр. 7628

كأنه لغة في سقف، و"سقوفًا"، و"معارج" و"معاريج". والمعارج: جمع معرج، أو اسم جمع لمعراج، وهي المصاعد إلى العلالي. ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ أي: على المعارج، يظهرون السطوح يعلونها، ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ﴾. و"سُرُرَا"، بفتح الراء؛ لاستثقال الضمتين مع حرفي التضعيف. ﴿لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيَا﴾ اللام هي الفارقة بين "إن" المخففة والنافية، وقرئ بكسر اللام، أي: للذي هو متاع الحياة، كقوله تعالى: ﴿مَثَلًا ما بَعُوضَةً﴾ [البقرة: ٢٦]، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (معرج) بالكسر والفتح، قال الأخفش: أن شئت جعلت الواحد معرجًا، أو معرجًا، كمرقاة ومرقاة. قوله: (وقرئ بكسر اللام): قال ابن جني: "وهي قراءة أبي رجاء، و"ما" موصوله، والعائد محذوف، أي: وإن كل ذلك للذي هو متاع الحياة الدنيا، والمعنى: وإن كل ذلك لما يتمتع به من أحوال الدنيا، وهذا الحذف على انفصال الضمير، وليس بمستحسن، ومثله قراءة من قرأ: "مثلا ما بعوضة" بالرفع، أي: ما هو بعوضة، و"كل" منصوب؛ لأن "إن" هذه مخففة من الثقيلة، ومتى خففت لزمتها اللام للفرق بينها وبين "إن" النافية، ولا يجوز أن يكون مرفوعًا، لأنه لابد معها من اللام الفارقة بين المخففة والنافية، ولا لام معك، لأن هذه اللام هي الجارة، ولو قدر معها الفارقة لقيل: "وإن كل ذلك للما متاع الحياة الدنيا"، كقولك: أن زيدًا لمن الكرام. فإن قلت: يجوز أن تكون اللام هي الفاصلة، لكنها خففت وحذفت وصارت هذه الجارة كالعوض منها، والحق أن هذا باطل، و"كل": نصب على لغة من نصب مع التخفيف، فقال: أن زيدًا قائم، لأنه إذا نصب زال الشك في أنها ليست بالنافية، لأنها غير ناصبة". ?

стр. 7629

و ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد بمعنى إلا، و"إن" نافية. وقرئ: "إلا"، وقرئ: "وما كل ذلك إلا". لما قال: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، فقلل أمر الدنيا وصغرها، أردفه ما يقرّر قلة الدنيا عنده من قوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾، أي: ولولا كراهة أن يجتمعوا على الكفر ويطبقوا عليه، لجعلنا لحقارة زهرة الحياة الدنيا عندنا للكفار سقوفًا ومصاعد وأبوابًا وسررًا كلها من فضة، وجعلنا لهم زخرفًا، أي: زينة من كل شيء، والزخرف: الذهب والزينة. ويجوز أن يكون الأصل: سقفًا من فضة وزخرف، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد): عاصم وحمزة وهشام، والباقون: بتخفيفها، قال الزجاج: "من قرأ بالتخفيف كانت "ما" لغوًا، المعنى: لمتاع الحياة الدنيا، ومن قرأها مثقلًا فمعناه: وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا". قوله: (أي: ولولا كراهة أن يجتمعوا على الكفر): الانتصاف: "هي مثل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [القصص: ٤٧]، إما أن يصححها بتقدير: كراهة، وإما أن لا يقدر محذوفًا، ومعناها: اجتماعهم على الكفر مانع من بسط الدنيا، وهو معنى "لولا" المطرد، لكن المانع قد يكون موجودًا تحقيقًا، فيمتنع الجواب، كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤]، وقد يكون تقديرًا فيمتنع الجواب، لأنه لو وجد مانعه مقدرًا معه، وعليه الآية، أي: لو وجد بسط الرزق للكافر مقدرًا لوجد مانعه وهو الاجتماع على الكفر معه، وما أدى وجوده إلى وجود مانعه: إذن لم يوجد". ?

стр. 7630

يعني: بعضها من فضة وبعضها من ذهب، فنصب عطفًا على محل ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾، وفي معناه قول رسول الله ﷺ : «لو وزنت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء». فإن قلت: فحين لم يوسع على الكافرين للفتنة التي كان يؤدّى إليها التوسعة عليهم، من إطباق الناس على الكفر؛ لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها، فهلا وسع على المسلمين؛ ليطبق الناس على الإسلام؟ ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لو وزنت [الدنيا] عند الله جناح بعوضة) الحديث: من رواية الترمذي وابن ماجة عن سهل: أن رسول الله ﷺ قال: "لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة". ولما كان معنى الآية: لولا كراهة اجتماع الناس على الكفر لمعتنا الجميع تمتيعًا بليغًا، فيشتغلوا بالدنيا وزخرفها عن الإيمان وذكر المولى، لكن أردنا إيمان بعض وكفر بعض، فلم نمتع كلهم، فرجع بعضهم مؤمنين زاهدين، وبعضهم كافرين متمتعين، فعلم منه أن الدنيا لا تصلح لأهل الله، وليس من شيمتهم التمتع بها، ولكن من شيمة من بعد من الله ومن المقامات الزلفى، مثل الكافر، ومن ثم قال: "وفي معناه قول رسول الله ﷺ "، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿والآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال القاضي: "فيه دلالة على أن العظيم هو العظيم في الآخرة لا في الدنيا وإشعار بما لأجله لم يجعل ذلك للمؤمنين وهو أنه تمتع قليل بالإضافة إلى ما لهم في الآخرة، وإخلال في الأغلب؛ لما فيه من الآفات، قل من يتخلص عنها، كما أشار إليه بقوله: ﴿ومَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ ". ?

стр. 7631

قلت: التوسعة عليهم مفسدة أيضًا لما تؤدي إليه من الدخول في الإسلام لأجل الدنيا، والدخول في الدين لأجل الدنيا من دين المنافقين، فكانت الحكمة فيما دبر: حيث جعل في الفريقين أغنياء وفقراء، وغلب الفقر على الغنى. [﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ٣٦ - ٣٩] قرئ: ﴿وَمَن يَعْشُ﴾، بضم الشين وفتحها. والفرق بينهما: أنه إذا حصلت الآفة في بصره، قيل: عشي، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به، قيل: عشا، ونظيره: عرج، لمن به الآفة، وعرج، لمن مشى مشية العرجان من غير عرجن قال الحطيئة: متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (التوسعة عليهم مفسدة أيضًا؛ لما تؤدي إليه من الدخول في الإسلام لأجل الدنيا): الانتصاف: "قاعاتان فاسدتان: مراعاة المصلحة، ويبطلها: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وأنه أراد الإيمان من الخلق، ويبطلها: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] ". قوله: (قرئ: ﴿ومَن يَعْشُ﴾ بضم الشين): وهي السبعة، والفتح: شاذ. قوله: (متى تأته تعشو إلى ضوء ناره): تمامه: تجد خير نار عندها خير موقد ?

стр. 7632

أي: تنظر إليها نظر العشي لما يضعف بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء، وهو بين في قول حاتم: أعشو إذا ما جارتي برزت .... حتّى يواري جارتي الخدر وقرئ: يعشو، على أنّ "من" موصولة غير مضمنة معنى الشرط، وحق هذا القارئ أن يرفع "نقيض". ومعنى القراءة بالفتح: ومن يعم، ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ﴾ وهو القرآن، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "تعشو" في موضع الحال، أي: عاشيًا، روي أنه لما أنشد عمر ﵁ قال: كذب، تلك نار موسى ﵇. قوله: (أعشو إذا ما جازتي) البيت: أي: أنظر نظر العشي، و"ما" زائدة، يصف نزاهة نفسه وعفته، أوله: ما ضرني جار أجاوره أن لا يكون لبابه ستر أخبر عن نفسه بحسن المجاورة، وأن جاره آمن في كل أسبابه؛ في نفسه وماله وأهله، كما جاء في الحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يأمن جاره بوائقه". قوله: (وقرئ: "يعشو"): في "الكواشي": "يعشو" بواو، قالوا: فـ"من" موصولة، وجزم ﴿نُقَيِّضْ﴾ على لغة من يجزم المرفوع تخفيفًا، ويرفع المجزوم والمنصوب من الفعل اتساعًا ونظرًا إلى الأصل، كما سمع من العرب: الوقف على آخر الاسم الصحيح والمعتل في حالة النصب بلا ألف. قوله: (ومعنى القراءة بالفتح: ومن يعم): وفي "الكواشي": فالضم من: عشا يعشو؛ نظر نظر العشي بلا آفة بعينه، والفتح من: عشى يعشى، كعمى يعمى وزنًا، وقريبه معنى. ?

стр. 7633

كقوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨ و ١٧١]. وأما القراءة بالضم فمعناها: ومن يتعام عن ذكره، أي: يعرف أنه الحق وهو يتجاهل ويتغابى، كقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ نخذله ونخل بينه وبين الشياطين، كقوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ﴾ [فصلت: ٢٥]، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [مريم: ٨٣]. وقرئ: "يقيض"؛ أي: يقيض له الرحمن، و"يقيض له الشيطان". فإن قلت: لم جمع ضمير "من" وضمير "الشيطان" في قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾؟ قلت: لأنّ "مَنْ" مبهم في جنس العاشي، وقد قيض له شيطان مبهم في جنسه، فلما جاز أن يتناولا -لإبهامهما- غير واحدين، جاز أن يرجع الضمير إليهما مجموعًا. ﴿حَتَّى إِذا جاءَنا﴾ العاشي، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ نخذله ونخل بينه): مجاز عن قوله: نتيح ونقدر؛ بناء على مذهبه، قال ابن عباس: يسلط عليه، فهو معه في الدنيا والآخرة. قوله: (لأن "من" مبهم في جنس العاشي): قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: لا مقال في أن "من" يصح أن يرجع إليه ضمير الجمع، فما اعتبر جمعًا، وكل واحد منهم عاش، فمع كل واحد شيطان، فلزم الجمع أيضًا، فرجع ضمير الجمع إلى المدلول، وهي الشياطين. الانتصاف: "في هذه الآية نكتتان: إحداهما: أن النكرة في سياق الشرط تعم، وفيها اضطراب للأصوليين، وإمام الحرمين يختار العموم، واستدرك على الأئمة قولهم: أن النكرة في سياق الإثبات تخص، بأن الشرط يعم فيه، وهو إثبات، ورد عليه الأبياري شارح كتابه ?

стр. 7634

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ردًا عنيفًا، وهذه الآية حجة للإمام من وجهين: لأنه وحد "الشيطان"، ولم يرد إلا الكل، لأن كل إنسان له شيطان، فكيف بالعاشي عن ذكر الله، والثاني: أنه أعاد عليه الضمير مجموعًا في قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ﴾، ولولا عموم الشمول لما جاز عود ضمير الجمع على واحد، فهذه نكتة توجب للمخالفين سكتة. الثانية: أن فيها حجة على من يزعم أن العود على معنى "من" يمنع من العود على لفظها، محتجًا بأن إجمال بعد البيان، وقد نقض الكندي هذا بقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١]، ونقض أيضًا بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ [لقمان: ٦ - ٧]. واستخرج جدي من هذه الآية نقض ذلك، لأنه أعاد على اللفظ في قوله: ﴿يَعْشُ﴾ و ﴿لَهُ﴾ مرتين، ثم على المعنى ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾، ثم على اللفظ في قوله: ﴿حَتَّى إذَا جَاءَنَا﴾، وقدمت أن الذي منع ذلك قد يكون قد اقتصر بمنعه إذا جاء في جملة واحدة، أما إذا استقلت ?

стр. 7635

وقرئ: "جاءانا"، على أنّ الفعل له ولشيطانه، ﴿قالَ﴾ لشيطانه: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ يريد: المشرق والمغرب، فغلب، كما قيل: العمران والقمران. فإن قلت: فما ﴿بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾؟ قلت: تباعدهما، والأصل: بعد المشرق من المغرب، والمغرب من المشرق، فلما غلب وجمع المفترقين بالتثنية، أضاف البعد إليهما. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كل واحدة بنفسها، فلا يمنع، ورددت على الزمخشري، في قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧]، [فإن] الجملة واحدة، فانظره في موضعه". قوله: (وقرئ: "جاءانا"): الحرميان وابن عامر وأبو بكر: "جاءانا"؛ على التثنية، والباقون: على التوحيد. قوله: (تباعدهما، والأصل: بعد المشرق من المغرب)، الانتصاف: ألجاه إلى تقدير البعد بالتباعد: إضافته إلى ﴿الْمَشْرِقَيْنِ﴾ جميعًا، فلو بقي على ظاهره لأفاد بعد المشرقين من غيرهما، والظاهر أنه من اللف، وأصله: بعد المشرق من المغرب، وبعد المغرب من المشرق، ثم لفه، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]. وقلت: معنى سؤاله: "فما ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾؟ ": الإنكار على ما سبق، بدلالة الفاء، أي: هب أن معنى "المشرقين" على التغليب، فما معنى تمنيهم بعد المشرق والمغرب؟ وأجاب: أن معنى "البعد" من: التباعد، ولذلك فإن الأصل: بعد المشرق عن المغرب، والمغرب عن المشرق، فإن التباعد يقتضي المزاولة طبعًا، فإذن لا يجتمعان أبدًا، بخلاف مطلق البعد، أي: يا ليت بيننا بعدًا مثل بعد المشرقين في أنهما لا يجتمعان أبدًا لما بينهما من التباعد، ومن ثم رتب عليه: ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾. ?
следующие страницы →