← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7631–7670 · переход к 7636.

стр. 7631

قلت: التوسعة عليهم مفسدة أيضًا لما تؤدي إليه من الدخول في الإسلام لأجل الدنيا، والدخول في الدين لأجل الدنيا من دين المنافقين، فكانت الحكمة فيما دبر: حيث جعل في الفريقين أغنياء وفقراء، وغلب الفقر على الغنى. [﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ٣٦ - ٣٩] قرئ: ﴿وَمَن يَعْشُ﴾، بضم الشين وفتحها. والفرق بينهما: أنه إذا حصلت الآفة في بصره، قيل: عشي، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به، قيل: عشا، ونظيره: عرج، لمن به الآفة، وعرج، لمن مشى مشية العرجان من غير عرجن قال الحطيئة: متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (التوسعة عليهم مفسدة أيضًا؛ لما تؤدي إليه من الدخول في الإسلام لأجل الدنيا): الانتصاف: "قاعاتان فاسدتان: مراعاة المصلحة، ويبطلها: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وأنه أراد الإيمان من الخلق، ويبطلها: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] ". قوله: (قرئ: ﴿ومَن يَعْشُ﴾ بضم الشين): وهي السبعة، والفتح: شاذ. قوله: (متى تأته تعشو إلى ضوء ناره): تمامه: تجد خير نار عندها خير موقد ?

стр. 7632

أي: تنظر إليها نظر العشي لما يضعف بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء، وهو بين في قول حاتم: أعشو إذا ما جارتي برزت .... حتّى يواري جارتي الخدر وقرئ: يعشو، على أنّ "من" موصولة غير مضمنة معنى الشرط، وحق هذا القارئ أن يرفع "نقيض". ومعنى القراءة بالفتح: ومن يعم، ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ﴾ وهو القرآن، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "تعشو" في موضع الحال، أي: عاشيًا، روي أنه لما أنشد عمر ﵁ قال: كذب، تلك نار موسى ﵇. قوله: (أعشو إذا ما جازتي) البيت: أي: أنظر نظر العشي، و"ما" زائدة، يصف نزاهة نفسه وعفته، أوله: ما ضرني جار أجاوره أن لا يكون لبابه ستر أخبر عن نفسه بحسن المجاورة، وأن جاره آمن في كل أسبابه؛ في نفسه وماله وأهله، كما جاء في الحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يأمن جاره بوائقه". قوله: (وقرئ: "يعشو"): في "الكواشي": "يعشو" بواو، قالوا: فـ"من" موصولة، وجزم ﴿نُقَيِّضْ﴾ على لغة من يجزم المرفوع تخفيفًا، ويرفع المجزوم والمنصوب من الفعل اتساعًا ونظرًا إلى الأصل، كما سمع من العرب: الوقف على آخر الاسم الصحيح والمعتل في حالة النصب بلا ألف. قوله: (ومعنى القراءة بالفتح: ومن يعم): وفي "الكواشي": فالضم من: عشا يعشو؛ نظر نظر العشي بلا آفة بعينه، والفتح من: عشى يعشى، كعمى يعمى وزنًا، وقريبه معنى. ?

стр. 7633

كقوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨ و ١٧١]. وأما القراءة بالضم فمعناها: ومن يتعام عن ذكره، أي: يعرف أنه الحق وهو يتجاهل ويتغابى، كقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ نخذله ونخل بينه وبين الشياطين، كقوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ﴾ [فصلت: ٢٥]، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [مريم: ٨٣]. وقرئ: "يقيض"؛ أي: يقيض له الرحمن، و"يقيض له الشيطان". فإن قلت: لم جمع ضمير "من" وضمير "الشيطان" في قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾؟ قلت: لأنّ "مَنْ" مبهم في جنس العاشي، وقد قيض له شيطان مبهم في جنسه، فلما جاز أن يتناولا -لإبهامهما- غير واحدين، جاز أن يرجع الضمير إليهما مجموعًا. ﴿حَتَّى إِذا جاءَنا﴾ العاشي، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ نخذله ونخل بينه): مجاز عن قوله: نتيح ونقدر؛ بناء على مذهبه، قال ابن عباس: يسلط عليه، فهو معه في الدنيا والآخرة. قوله: (لأن "من" مبهم في جنس العاشي): قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: لا مقال في أن "من" يصح أن يرجع إليه ضمير الجمع، فما اعتبر جمعًا، وكل واحد منهم عاش، فمع كل واحد شيطان، فلزم الجمع أيضًا، فرجع ضمير الجمع إلى المدلول، وهي الشياطين. الانتصاف: "في هذه الآية نكتتان: إحداهما: أن النكرة في سياق الشرط تعم، وفيها اضطراب للأصوليين، وإمام الحرمين يختار العموم، واستدرك على الأئمة قولهم: أن النكرة في سياق الإثبات تخص، بأن الشرط يعم فيه، وهو إثبات، ورد عليه الأبياري شارح كتابه ?

стр. 7634

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ردًا عنيفًا، وهذه الآية حجة للإمام من وجهين: لأنه وحد "الشيطان"، ولم يرد إلا الكل، لأن كل إنسان له شيطان، فكيف بالعاشي عن ذكر الله، والثاني: أنه أعاد عليه الضمير مجموعًا في قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ﴾، ولولا عموم الشمول لما جاز عود ضمير الجمع على واحد، فهذه نكتة توجب للمخالفين سكتة. الثانية: أن فيها حجة على من يزعم أن العود على معنى "من" يمنع من العود على لفظها، محتجًا بأن إجمال بعد البيان، وقد نقض الكندي هذا بقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١]، ونقض أيضًا بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ [لقمان: ٦ - ٧]. واستخرج جدي من هذه الآية نقض ذلك، لأنه أعاد على اللفظ في قوله: ﴿يَعْشُ﴾ و ﴿لَهُ﴾ مرتين، ثم على المعنى ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾، ثم على اللفظ في قوله: ﴿حَتَّى إذَا جَاءَنَا﴾، وقدمت أن الذي منع ذلك قد يكون قد اقتصر بمنعه إذا جاء في جملة واحدة، أما إذا استقلت ?

стр. 7635

وقرئ: "جاءانا"، على أنّ الفعل له ولشيطانه، ﴿قالَ﴾ لشيطانه: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ يريد: المشرق والمغرب، فغلب، كما قيل: العمران والقمران. فإن قلت: فما ﴿بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾؟ قلت: تباعدهما، والأصل: بعد المشرق من المغرب، والمغرب من المشرق، فلما غلب وجمع المفترقين بالتثنية، أضاف البعد إليهما. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كل واحدة بنفسها، فلا يمنع، ورددت على الزمخشري، في قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧]، [فإن] الجملة واحدة، فانظره في موضعه". قوله: (وقرئ: "جاءانا"): الحرميان وابن عامر وأبو بكر: "جاءانا"؛ على التثنية، والباقون: على التوحيد. قوله: (تباعدهما، والأصل: بعد المشرق من المغرب)، الانتصاف: ألجاه إلى تقدير البعد بالتباعد: إضافته إلى ﴿الْمَشْرِقَيْنِ﴾ جميعًا، فلو بقي على ظاهره لأفاد بعد المشرقين من غيرهما، والظاهر أنه من اللف، وأصله: بعد المشرق من المغرب، وبعد المغرب من المشرق، ثم لفه، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]. وقلت: معنى سؤاله: "فما ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾؟ ": الإنكار على ما سبق، بدلالة الفاء، أي: هب أن معنى "المشرقين" على التغليب، فما معنى تمنيهم بعد المشرق والمغرب؟ وأجاب: أن معنى "البعد" من: التباعد، ولذلك فإن الأصل: بعد المشرق عن المغرب، والمغرب عن المشرق، فإن التباعد يقتضي المزاولة طبعًا، فإذن لا يجتمعان أبدًا، بخلاف مطلق البعد، أي: يا ليت بيننا بعدًا مثل بعد المشرقين في أنهما لا يجتمعان أبدًا لما بينهما من التباعد، ومن ثم رتب عليه: ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾. ?

стр. 7636

﴿أَنَّكُمْ﴾ في محل الرفع على الفاعلية، يعني: ولن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب، كما ينفع الواقعين في الأمر الصعب اشتراكهم فيه، لتعاونهم في تحمل أعبائه، وتقسمهم لشدّته وعنائه، وذلك أنّ كل واحد منكم به من العذاب ما لا تبلغه طاقته. ولك أن تجعل الفعل للتمني في قوله: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾، على معنى: ولن ينفعكم اليوم ما أنتم فيه من تمنى مباعدة القرين، وقوله: ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ تعليل، أي: لن ينفعكم تمنيكم، لأنّ حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب، كما كنتم مشتركين في سببه وهو الكفر. وتقوّيه قراءة من قرأ: "إنكم" بالكسر. وقيل: إذا رأى الممنوّ بشدّة من مني بمثلها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقريب منه ما قال صاحب "التيسير": كأنه قال: يا ليتني لم أكن صحبتك ولا عرفتك، ولا كانت بيني وبينك وصلة ولا تقارب، حتى كنا في التباعد كأن أحدنا بالمشرق والآخر بالمغرب، لا يلتقيان ولا يتقاربان، فجعلهما "مشرقين": كالقمرين والعمرين، وأنشد الزجاج: لنا قمراها والنجوم الطوالع وأما قول صاحب "الانتصاف": "إنه من اللف": فضعيف؛ لأن معنى اللف: هو أن يلف بين الشيئين في الذكر، ثم يتبعهما كلامًا مشتملًا على متعلق بواحد وبآخر من غير تعيين، كما في قوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، فقوله: ﴿وَقَالُوا﴾ لف من حيث المعنى، لأنه ضمير الفريقين بدلالة النشر عليه، وأين هاهنا ذاك؟ ! قوله: (الممنو): الأساس: "مني بكذا: بلي به، وهو ممنو به"، روى الزجاج عن المبرد: ?

стр. 7637

روّحه ذلك ونفس بعض كربه، وهو التأسي الذي ذكرته الخنساء: أعزى النّفس عنه بالتّأسى فهؤلاء لا يؤسيهم اشتراكهم ولا يروّحهم؛ ، لعظم ما هم فيه. فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾؟ قلت: معناه: إذ صح ظلمكم وتبين ولم يبق لكم ولا لأحد شبهة في أنكم كنتم ظالمين، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "أنهم منعوا روح التأسي، لأن التأسي يسهل المصيبة، فأعملوا أنه لن ينفعكم الاشتراك في العذاب، وأن الله تعالى لا يجعل لهم فيها أسوة، وأنشد للخنساء: يذكرني طلوع الشمس صخرًا .... وأذكره بكل مغيب شمس ولولا كثرة الباكين حولي .... على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن .... أعزي النفس عنه بالتأسي" وقلت: فعلى هذا القول: فاعل ﴿لَن يَنفَعَكُمُ﴾: ﴿أَنَّكُمْ﴾، كما في الوجه الأول، والمعنى: اليوم لا ينفعكم هذا المعنى، وهو أنكم في العذاب مشتركون، وقد علم عرفًا أنه ليس في اشتراك العذاب النفع البتة إلا التأسي، وهؤلاء حرموا التأسي أيضًا، لعظم ما هم فيه. قوله: (ما معنى قوله: ﴿إذ ظَّلَمْتُمْ﴾؟ ): قال أبو البقاء: "أما "إذ" فمشكلة الأمر؛ لأنها ظرف زمان ماض، و "لن ينفعكم"، وفاعله، واليوم المذكور: ليس بماض، قال ابن جني في مساءلته أبا علي: راجعته فيها مرارًا، فآخر ما حصل منه: أن الدنيا والأخرى متصلتان، ?

стр. 7638

وذلك يوم القيامة. و ﴿إِذْ﴾: بدل من اليوم. ونظيره: إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة أي: تبين أني ولد كريمة. [﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٤٠] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهما سواء في حكم الله تعالى وعلمه، فتكون "إذ" بدلًا من "اليوم"، حتى كأنها مستقبلة، أو كأن اليوم ماض. وقال غيره: الكلام محمول على المعنى، والمعنى: أن ثبوت ظلمهم عندهم يكون يوم القيامة، فكأنه قال: ، لن ينفعكم اليوم إذ صح ظلمكم عندكم، فهو بدل أيضًا". هذا هو الذي عناه المصنف: "إذ صح ظلمكم وتبين، و ﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿الْيَوْمَ﴾ ". وقال أبو البقاء: "وقال آخرون: التقدير: بعد إذا ظلمتم، فحذف المضاف للعلم به، وقيل: "إذا" بمعنى "أن"، أي: لأن ظلمتم". قوله: (إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة): بعده: ولم تجدي من أن تقري به بدا عن بعضهم: استشهد أن "إذا" بدل من "اليوم"، كما في قوله تعالى: ﴿إذ ظَّلَمْتُمْ﴾، و"ما" زائدة، وهو سيهو؛ لأن "لم تلدني" جواب "إذا"، وهو ليس للاستقبال، لأن الولادة كانت قبل، والمعنى على التبين، فالاشتراك بين المستشهد والمستشهد هو التبين، يقول: إذا انتسبنا تبين لك أني ولد كريمة، وتقرين بذلك لا محالة. ?

стр. 7639

كان رسول الله ﷺ يجد ويجتهد ويكدّ روحه في دعاء قومه، وهم لا يزيدون على دعائه إلا تصميمًا على الكفر وتماديًا في الغيّ، فأنكر عليه بقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ إنكار تعجيب من أن يكون هو الذي يقدر على هدايتهم، وأراد: أنه لا يقدر على ذلك منهم إلا هو وحده على سبيل الإلجاء والقسر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]. [﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ * فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٤١ - ٤٣] «ما» في قوله: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ بمنزلة لام القسم؛ في أنها إذا دخلت دخلت معها النون المؤكدة، والمعنى: فإن قبضناك قبل أن ننصرك عليهم ونشفي صدور المؤمنين منهم، ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ أشد الانتقام في الآخرة، كقوله تعالى: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر: ٧٧]، وإن أردنا أن ننجز في حياتك ما وعدناهم من العذاب النازل بهم -وهو يوم بدر- فهم تحت ملكتنا وقدرتنا لا يفوتوننا. وصفهم بشدة الشكيمة في الكفر والضلال، ثم أتبعه شدة الوعيد بعذاب الدنيا والآخرة. وقرئ: "نرينك" بالنون الخفيفة. وقرئ: "بالذي أوحى إليك" على البناء للفاعل، وهو الله ، والمعنى: وسواء عجلنا لك الظفر والغلبة أو أخرنا إلى اليوم الآخر، فكن متمسكًا بماأوحينا إليك وبالعمل به، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا يقدر على ذلك منهم إلا هو وحده): هذا الحصر مستفاد من إيلاء الضمير حرف الإنكار. ?

стр. 7640

فإنه الصراط المستقيم الذي لا يحيد عنه إلا ضال شقي، وزد كل يوم صلابة في المحاماة على دين الله، ولا يخرجك الضجر بأمرهم إلى شيء من اللين والرخاوة في أمرك، ولكن كما يفعل الثابت الذي لا ينشطه تعجيل ظفر، ولا يثبطه تأخيره. [﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ * وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٤٤ - ٤٥] ﴿وَإِنَّهُ﴾ وإنّ الذي أوحى إليك ﴿لَذِكْرٌ﴾ لشرف، ﴿لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾، ﴿وَ﴾ لـ ﴿سَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ عنه يوم القيامة، وعن قيامكم بحقه، وعن تعظيمكم له، وشكركم على أن رزقتموه وخصصتم به من بين العالمين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا يحيد عنه): الجوهري: "حاد عن الشيء يحيد حيودًا وحيدة وحيدودة: مال عنه". قوله: (وزد كل يوم صلابة في المحاماة) قيل: الزيادة مستفادة من "السين" في "استمسك"، قلت: بل هي مستفادة من الأمر بالاستمساك بالوحي لمن هو مستمسك به، ويعضده تعليله بقوله: ﴿إنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، فهو كقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، قال المصنف: هو كقولك للعزيز المكرم: أعزك الله وأكرمك، تريد طلب الزيادة إلى ما هو ثابت فيه، كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ". قوله: (ولكن كما يفعل الثابت): عطف على قوله: "يخرجك" من حيث المعنى، أي: كن متمسكًا بما أوحينا إليك، ولا تفعل كما يفعل الضال الشقي، فإنه يميل عن الحق، ولا يثبت عليه، فإن عادة المتزلزل أن لا يصبر على شيء، ينشطه تعجيل ظفر، ويثبطه تأخيره، ولكن افعل كما يفعل الثابت الذي لا ينشطه تعجيل ظفر، ولا يثبطه تأخيره، وكل هذه المعاني مستنبطة من ارتباط ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ بقوله: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾، وذلك لأنه تعالى لما نبهه -صلوات الله عليه- أن جده واجتهاده في دعاء قومه غير نافع، وأنهم صم عمي في ضلال مبين، لا يرجعون ولا يرعون، وبين أنه لابد من الهلاك وقطع دابرهم، فقسم الأمر بين أن ?

стр. 7641

ليس المراد بسؤال الرسل: حقيقة السؤال؛ لإحالته، ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم، والفحص عن مللهم، هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملة من ملل الأنبياء؟ وكفاه نظرًا وفحصًا: نظره في كتاب الله المعجز المصدّق لما بين يديه، وإخبار الله فيه بأنهم يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانًا، وهذه الآية في نفسها كافية لا حاجة إلى غيرها. والسؤال الواقع مجازًا عن النظر، حيث لا يصح السؤال على الحقيقة: كثير، منه مساءلة الشعراء الديار والرسوم والأطلال، وقول من قال: سل الأرض: من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإنها إن لم تجبك حوارًا أجابتك اعتبارًا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينصره عليهم في الدنيا ويشفي صدور المؤمنين، وبين أن ينتقم منهم في الآخرة أشد الانتقام، أرشده إلى المتاركة والمواعدة والاشتغال بما يهمه من التمسك بالعروة الوثقى، وهو هذا القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعلل ذلك بقوله: ﴿إنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. ويعضد معنى المتاركة والتسلية: قوله: ﴿واسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا﴾، والشروع في قصة موسى ﵇، فتأمل وتعجب من إدراكه اللمحات التنزيلية التي لطف شأنها، وخفي مكانها، واشكر سعينا في استنباطها من مظانها، بطلب الزلفى عند الله الكريم. قوله: (وهذه الآية في نفسها كافية): ترقى في تأويل السؤال بالنظر والفحص، يعني: أمر صلوات الله عليه بقوله: ﴿واسْأَلْ﴾ بأن يتفكر في أديان الأمم السالفة، دينًا بعد دين، وأمة بعد أمة، هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملة، ثم ترقى منه غلى النظر في هذا الكتاب الكريم، فإنه كاف في التفحص، ثم ترقى منه إلى التفكر في هذه الآية الفاذة الكافية في المقصود. قوله: (كثير): خبر، و"السؤال الواقع" مبتدأ، و"منه" خبر أيضًا، و"مساءلة الشعراء" مبتدأ. ?

стр. 7642

وقيل: إن النبي ﷺ جمع له الأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس فأمّهم، وقيل له: سلهم، فلم يشكك ولم يسأل. وقيل: معناه سل أمم من أرسلنا، وهم أهل الكتابين؛ التوراة والإنجيل. وعن الفراء: هم إنما يخبرونه عن كتب الرسل، فإذا سألهم فكأنه سأل الأنبياء. [﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ * فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ﴾ ٤٦ - ٤٧] ما أجابوه به عند قوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ محذوف، دل عليه قوله: ﴿فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا﴾ وهو مطالبتهم إياه بإحضار البينة على دعواه وإبراز الآية، ﴿إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ﴾ أي: يسخرون منها ويهزءون بها ويسمونها سحرًا، و"إذا" للمفاجأة. فإن قلت: كيف جاز أن يجاب "لما" بـ"إذا" المفاجأة؟ قلت: لأنّ فعل المفاجأة معها مقدّر، وهو عامل النصب في محلها، كأنه قيل: فلما جاءهم بآياتنا فاجئوا وقت ضحكهم. [﴿وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٤٨] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فلم يشكك ولم تسأل): أي: ظاهر الأمر الوجوب، فإما أن يحمل السؤال على النظر مجازًا، والكلام مبني على الشرط، كأنه قيل: أن شككت فاسأل، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾ [يونس: ٩٤]، فلم يشكك ولم يسأل. قوله: (وقيل: معناه: سل أمم من أرسلنا): وهم أهل الكتابين. الانتصاف: "يشهد له قوله: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] ". ?

стр. 7643

فإن قلت: إذا جاءتهم آية واحدة من جملة التسع، فما أختها التي فضلت عليها في الكبر من بقية الآيات؟ قلت: أختها التي هي آية مثلها، وهذه صفة كل واحدة منها، فكان المعنى على أنها أكبر من بقية الآيات على سبيل التفصيل والاستقراء واحدة بعد واحدة، كما تقول: هو أفضل رجل رأيته؛ تريد تفضيله على أمة الرجال الذين رأيتهم إذا قروتهم رجلًا رجلًا. فإن قلت: هو كلام متناقض، لأنّ معناه: ما من آية من التسع إلا هي أكبر من كل واحدة منها، فتكون واحدة منها فاضلة ومفضولة في حالة واحدة؟ قلت: الغرض بهذا الكلام أنهنّ موصوفات بالكبر، لا يكدن يتفاوتن فيه، وكذلك العادة في الأشياء التي تتلاقى في الفضل، وتتقارت منازلها فيه التقارت اليسير: أن تختلف آراء الناس في تفضيلها، فيفضل بعضهم هذا، وبعضهم ذاك، فعلى ذلك بنى الناس كلامهم فقالوا: رأيت رجالًا بعضهم أفضل من بعض، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تريد تفضيله على أمه الرجال): يعني: من حق "أفعل" التفصيل هنا، أن يكون المفصل عليه أعم منه، لأن الآيات تسع، فينبغي أن يقال: وما من آية إلا وهي أكبر من بقية الآيات، وفي الآية: ﴿أُخْتَهَا﴾: مثل، وكذا في المثال، فيحمل على استغراق الجنس ليتناول فردًا فردًا منه. قوله: (إذا قروتهم رجلًا رجلًا): الجوهري: "قروت البلاد قروًا، وقريتها، واقتريتها، واستقريتها: إذا تتبعتها؛ تخرج من أرض إلى أرض". قوله: (الفرض بهذا الكلام أنهن موصوفات بالكبر، لا يكدن يتفاوتن فيه): يعني: "أفعل" محمول على الزيادة مطلقًا رومًا للمبالغة، كقوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [النجم: ٣٣]، فـ ﴿أَعْلَمُ﴾ يعني: عالم؛ إذا لا مشاركة لله تعالى في علمه بذلك، وسبق بيان ذلك في سورة "الزمر" مستقصى. ?

стр. 7644

وربما اختلفت آراء الرجل الواحد فيها، فتارة يفضل هذا وتارة يفضل ذاك. ومنه بيت "الحماسة": من تلق منهم تقل: لاقيت سيدهم .... مثل النجوم الّتى يسري بها السّاري وقد فاضلت الأنمارية بين الكملة من بنيها، ثم قالت لما أبصرت مراتبهم متدانية قليلة التفاوت: ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل، هم كالحلقة المفرّغة لا يدرى أين طرفاها. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إرادة أن يرجعوا عن الكفر إلى الإيمان. فإن قلت لو أراد رجوعهم لكان؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الانتصاف: "الظاهر أن الذي سوغ هذا الإطلاق أن كل آية إذا أفردت استغرقت عظمتها الفكر، وبهرته، حتى يجزم أنها النهاية، وأن كل آية دونها، فإذا نقل الكفر إلى الأخرى كانت كذلك، وحاصلها أنه لا يقدر الفكر أن يجمع بين آيتين لتتميز الفاضلة من المفضولة". وقال صاحب "الفرائد": "نحوه قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، فإن الناظر إذا نظر إلى آية ظهرت بعد أخرى، يقول: هي أكبر من أختها، لكون كل واحدة في غاية من الكمال والقوة". قوله: (وقد فاضلت الأنمارية): قيل: هي فاطمة بنت الخرشب الأنمارية، كانت في الجاهلية، وبنوها يلقبون "الكلمة"، تصف أبناءها حين سئلت: أيهم أفضل؟ فقالت: عمارة، لا بل فلان، لا بل فلان، ثم قالت: ثكلتهم أن كنت أعلم أيهم أفضل، كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها. ?

стр. 7645

قلت: إرادته فعل غيره ليس إلا أن يأمره به ويطلب منه إيجاده، فإن كان ذلك على سبيل القسر وجد، وإلا دار بين أن يوجد وبين أن لا يوجد على حسب اختيار المكلف، وإنما لم يكن الرجوع لأنّ الإرادة لم تكن قسرا ولم يختاروه. والمراد بالعذاب: السنون والطوفان والجراد وغير ذلك. [﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ * فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ ٤٩ - ٥٠] وقرئ: "يا أيه الساحر"؛ بضم الهاء، وقد سبق وجهه. فإن قلت: كيف سموه بالساحر مع قولهم: ﴿إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إرادته فعل غيره) إلى آخره): جعل الأمر والإرادة سيان، وآل حاصل كلامه أنه حصل مراد العبد دون مراد الله، وقد مر غير مرة أن "لعل" في أمثال هذه المقامات مستعارة تمثيلًا، أي: عاملهم الله معاملة من يرجو ويتوقع. قوله: (قرئ: "يا أيه الساحر"؛ بضم الهاء): ابن عامر، والباقون: بفتحها. ووجهها: أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين، أتبعت حركتها حركة ما قبلها، هكذا قاله في سورة "النور"، وقالوا: وجهه: أنه لما لزم هاء التنبيه "أي" المنادى صار معه كالشيء الواحد، فحذف ألفها، ثم جعل الهاء كجزء منه، فبنى "أيه" في النداء على الضم، كما قالوا: يا زيد. قوله: (كيف سموه بالساحر): أي: تسميتهم بـ"الساحر" مؤذن بأنه ضال مضل، ووعدهم ?

стр. 7646

قلت: قولهم: ﴿إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ وعد منوي إخلافه، وعهد معزوم على نكثه، معلق بشرط أن يدعو لهم وينكشف عنهم العذاب، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾، فما كانت تسميتهم إياه بالساحر بمنافية لقولهم: ﴿إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾. وقيل: كانوا يقولون للعالم الماهر: ساحر؛ لاستعظامهم علم السحر. ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ بعهده عندك من أن دعوتك مستجابة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بقوله: ﴿إنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ إعلام بأنه هاد مهتد، وأجاب: بأن قولهم: ﴿إنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ تعليق مخالف لما في الضمائر، وقال القاضي: "نادوه بالساحر في تلك الحال لشدة شكيمتهم، وفرط حماقتهم"، ويمكن أن يقال: أن هذا المقام تضرع وابتهال، بدليل قوله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ العَذَابَ﴾، فينبغي أن يقولوا: يا موسى، كما في نظيرتها، لكنهم من إفراط حيرتهم ودهشتهم سبق لسانهم إلى ما تعودوه وألفوا به من تسميتهم بالساحر، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٤ - ١٣٥]. قوله: (﴿بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾ أي: بعهده عندك): أي: ادع الله بسبب أنك مستجاب الدعوة، لأن الله تعالى عهد لك أن يجيب دعوتك، أو بحق ما عندك من عهد الله وكرامتك بالنبوة، أو بحق الإيمان والطاعة، أو بسبب ما عهده الله من كشف العذاب لمن آمن، قال الزجاج: " ﴿بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾ فيمن آمن به من كشف العذاب عنه، يدل عليه قوله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ العَذَابَ إذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ ". ?

стр. 7647

أو بعهده عندك وهو النبوّة، أو بما عهد عندك فوفيت به، وهو الإيمان والطاعة، أو بما عهد عندك من كشف العذاب عمن اهتدى. [﴿وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ * فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ٥١ - ٥٣] ﴿وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ جعلهم محلا لندائه وموقعًا له، والمعنى: أنه أمر بالنداء في مجامعهم وأما كنهم من نادى فيها بذلك، فأسند النداء إليه، كقولك: قطع الأمير اللص؛ إذا أمر بقطعه. ويجوز أن يكون عنده عظماء القبط، فيرفع صوته بذلك فيما بينهم، ثم ينشر عنه في جموع القبط، فكأنه نودي به بينهم، فقال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ﴾ يعني أنهار النيل، ومعظمهما أربعة: نهر الملك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر تنيس. قيل: كانت تجري تحت قصره، وقيل: تحت سريره لارتفاعه، وقيل: بين يدي في جناني وبساتيني. ويجوز أن تكون الواو عاطفة "للأنهار" على ﴿مُلْكُ مِصْرَ﴾، و ﴿تَجْرِي﴾: نصب على الحال منها، وأن تكون الواو للحال، واسم الإشارة مبتدأ، و ﴿الْأَنْهَارُ﴾ صفة لاسم الإشارة، و ﴿تَجْرِي﴾ خبر للمبتدأ. وليت شعري كيف ارتقت إلى دعوة الربوبية همة من تعظم بملك مصر، وعجب الناس من مدى عظمته، وأمر فنودي بها في أسواق مصر وأزقتها؛ لئلا تخفى تلك الأبهة والجلالة على صغير ولا كبير، وحتى يتربع في صدور الدهماء مقدار عزته وملكوته، وعن الرشيد: أنه لما قرأها قال: لأولينها أخس عبيدي، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يتربع): أي: يتمكن في قلوب الجماعة فضل تمكن تمثيلًا، وعن بعضهم: "مقدار" بالنصب؛ من قولهم: تربع المكان: أتخذه ربعًا، أي: منزلًا، وقيل: الإقامة في المكان، وبمعنى: ?

стр. 7648

فولاها الخصيب، وكان على وضوئه. وعن عبد الله بن طاهر: أنه وليها، فخرج إليها، فلما شارفها ووقع عليها بصره، قال: أهي القرية التي افتخر بها فرعون حتى قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾؟ ! والله لهي أقل عندي من أن أدخلها، فثنى عنانه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأخذ للمكان، و"مقدار" بالرفع في بعض النسخ؛ على أنه فاعل "يتربع"، من قولهم تربع في جلوسه. قوله: (فولاها الخصيب): وهو خصيب بن حميد، كذا في "ديوان أبي نواس)، ومدحه بقصيدة، منها: أما دون مصر للغنى متطلب .... بلى أن أسباب الغنى لكثير فقلت لها واستعجلتها بوادر .... جرت فجرى في جريهن عبير ذريني أكثر حاسديك برحلة .... إلى بلد فيه الخصيب أمير إذا لم تزر أرض الخصيب ركابها .... فأي فتى غير الخصيب تزور؟ ! فتى يشتري حسن الثناء بماله .... ويعلم أن الدائرات تدور فما حازه جود ولا حل دونه .... ولكن يصير الجود حيث يصير وذكر ابن الأثير في "التاريخ الكامل": "أن الرشيد لما أراد عزل موسى بن عيسى عن مصر، قال: والله لا أعزله إلا بأخس من على بابي، فأحضر عمر بن مهران، وكان أحول مشوه الخلق رث الثياب، فولاه، فسار فوافى دار موسى، وجلس في أخريات الناس، فلما تفرقوا دفع الكتاب إلى موسى، فقال: تقدم أبا حفص أبقاك الله، لعن الله فرعون حيث قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾، ثم سلم له العمل، ورحل". ?

стр. 7649

﴿أَمْ﴾ هذه متصلة؛ لأنّ المعنى: أفلا تبصرون أم تبصرون، إلا أنه وضع قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ﴾ موضع "تبصرون"، لأنهم إذا قالوا له: أنت خير، فهم عنده بصراء، وهذا من إنزال السبب منزلة المسبب. ويجوز أن تكون منقطعة؛ على: بل أأنا خير، والهمزة للتقرير، وذلك أنه قسم تعديد أسباب الفضل والتقدّم عليهم؛ من ملك مصر وجري الأنهار تحته، ونادى بذلك، وملأ به مسامعهم، ثم قال: أنا خير، كأنه يقول: أثبت عندكم واستقر إني أنا خير وهذه حالي. ﴿مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ أي: ضعيف حقير. وقرئ: "أما أنا خير" ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿أَمْ﴾ هذه متصلة؛ لأن المعنى: أفلا تبصرون أم تبصرون): قال أبو البقاء: " ﴿أَمْ﴾ هذه منقطعة في اللفظ؛ لوقوع الجملة بعدها، وهي في المعنى متصلة معادلة، إذ المعنى: أنا خير منه أم لا"، ومراد المصنف: أن قوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ بعث لهم على الاستبصار والتفكر في أحواله؛ من بسطة الملك واستعداد الرئاسة ومن الجريان في النطق، وأحوال موسى؛ من الفقر والقلة وعدم استعداده الرئاسة من الرتة في النطق، ثم على أن يقولوا له: أنت خير. وينصره قوله تعالى: ﴿هُوَ مَهِينٌ ولا يَكَادُ يُبِينُ﴾. ولما كان هذا التركيب حاملًا على الاستبصار، وعلى القول، قال: "وهذا من إنزال السبب منزلة المسبب"، عن بعضهم: لأن كونه خيرًا عندهم مسبب كونهم بصراء، لأن الإبصار سبب لقولهم: أنت خير. ?

стр. 7650

﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ الكلام لما به من الرتة، يريد: أنه ليس معه من العدد وآلات الملك والسياسة ما يعتضد به، وهو في نفسه مخل بما ينعت به الرجال من اللسن والفصاحة، وكانت الأنبياء كلهم أبيناء بلغاء. وأراد بإلقاء الأسورة عليه: إلقاء مقاليد الملك إليه، لأنهم كانوا إذا أرادوا تسويد الرجل سوّروه بسوار، وطوّقوه بطوق من ذهب، ﴿مُقْتَرِنِينَ﴾ إما مقترنين به؛ من قولك: قرنته فاقترن به، وإما من: اقترنوا؛ بمعنى: تقارنوا. لما وصف نفسه بالملك والعزة، ووازن بينه وبين موسى صلوات الله عليه، فوصفه بالضعف وقلة الأعضاد، اعترض فقال: هلا إن كان صادقًا ملكه ربه وسوّده وسوّره، وجعل الملائكة أعضاده وأنصاره. وقرئ: "أساور"؛ جمع أسورة، و"أساوير"؛ جمع إسوار، وهو السوار، و"أساورة"؛ على تعويض التاء من ياء "أساوير". وقرئ: "ألقى عليه أسورة" و"أساور"، على البناء للفاعل، وهو الله . [﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ٥٤] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أبيناء): قيل: جمع بين، وهو ذو البيان. قوله: (مقاليد الملك): الجوهري: "الإقليد: المفتاح، والمقلد: مفتاح". قوله: (وإما من: اقترنوا): بمعنى: تقارنوا، قال محيي السنة: "أي: متتابعين، يقارن بعضهم بعضًا؛ يشهدون له بصدقه، ويعينونه على أمره". قوله: (وقرئ: "أساور"): حفص: ﴿أَسْوِرَةٌ﴾ بإسكان السين من غير ألف، والباقون: بفتحها وألف بعدها. ?

стр. 7651

﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ فاستفزهم، وحقيقته: حملهم على أن يخفوا له ولما أراد منهم، وكذلك: استفز، من قولهم للخفيف: فز. [﴿فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ ٥٥ - ٥٦] ﴿آسَفُونَا﴾ منقول من: أسف أسفًا: إذا اشتد غضبه، ومنه الحديث في موت الفجأة: "رحمة للمؤمن وأخذة أسف للكافر". ومعناه: أنهم أفرطوا في المعاصي وعدوا طورهم، فاستوجبوا أن نعجل لهم عذابنا وانتقامنا، وأن لا نحلم عنهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حملهم على أن يخفوا له): يعني: السين للطلب، وما طلب منهم في الحقيقة أن يخفوا له، بل احتال في تنكب آرائهم حتى يطيعوه فيما أراد منهم، مما يأباه أرباب العقول وأولو البصائر، قال محيي السنة: "يقال: استخفه على رأيه؛ إذا حمله على الجهل"، وعن بعضهم: أي: حملهم بتمويهه على أن خفوا لأمره غير مستثقلين له، فأطاعوه في تكذيب موسى ومخالفته، وجمع الجموع لمحاربته. قوله: (وكذلك: استفز): أي: كما جاء "استخف" من الخفة لهذا المعنى، كذلك جاء "استفز" من فز؛ له. قوله: (ومنه الحديث في موت الفجأة): روي عن رجل من الصحابة: أن رسول الله ﷺ قال: "موت الفجأة أخذة أسف ورحمة للمؤمن"، وفي رواية: قال رسول الله ﷺ : "موت الفجأة أخذة أسف"، أخرج الثانية أبو داود، والأولى رواها رزين، وذكرهما صاحب "جامع الأصول". ?

стр. 7652

وقرئ: ﴿سَلَفًا﴾ جمع سالف، كخادم وخدم، و"سُلُفًا" بضمتين؛ جمع سليف، أي: فريق قد سلف، و"سلفًا": جمع سلفة، أي: ثلة قد سلفت. ومعناه: فجعلناهم قدوة للآخرين من الكفار، يقتدون بهم في استحقاق مثل عقابهم ونزوله بهم، لإتيانهم بمثل أفعالهم، وحديثًا عجيب الشأن سائرًا مسير المثل، يحدثون به ويقال لهم: مثلكم مثل قوم فرعون. [﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ ٥٧ - ٥٩] لما قرأ رسول الله ﷺ على قريش: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، امتعضوا من ذلك امتعاضًا شديدًا، فقال عبد الله بن الزبعرى: يا محمد، أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال ﵇: "هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم"، فقال: خصمتك ورب الكعبة، ألست تزعم أنّ عيسى ابن مريم نبيّ، وتثني عليه خيرًا وعلى أمه، وقد علمت أنّ النصارى يعبدونهما، وعزير يعبد، والملائكة يعبدون، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، ففرحوا وضحكوا، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: ﴿سَلَفًا﴾): حمزة والكسائي: "سلفًا"؛ بضم السين واللام، والباقون: بفتحهما. قوله: (أي: ثلة): الجوهري: "الثلة- بالضم-: الجماعة من الناس". قوله: (امتعضوا من ذلك): الجوهري: "معضت من ذلك الأمر أمعض معضًا، وامتعضت منه: إذا غضبت وشق عليك". قوله: (خصمتك): خاصمت فلانًا فخصمته، أي: غلبته في الخصومة. ?

стр. 7653

وسكت النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ [النبياء: ١٠١]، ونزلت هذه الآية. والمعنى: ولما ضرب عبد الله بن الزبعرى عيسى ابن مريم مثلًا، وجادل رسول الله ﷺ بعبادة النصارى إياه، ﴿إِذَا قَوْمُكَ﴾ قريش، ﴿مِنْهُ﴾ من هذا المثل، ﴿يَصِدُّونَ﴾ ترتفع لهم جلبة وضجيج فرحًا وجزلًا وضحكًا بما سمعوا منه من إسكات رسول الله ﷺ بجدله، كما يرتفع لغط القوم ولجبهم إذا تعيوا بحجة ثم فتحت عليهم. وأمّا من قرأ: "يصدّون" بالضم: فمن الصدود، أي: من أجل هذا المثل يصدّون عن الحق ويعرضون عنه. وقيل: من الصديد وهو الجلبة، وأنهما لغتان نحو: يعكف ويعكف، ونظائر لهما. ﴿وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ يعنون: أنّ آلهتنا عندك ليست بخير من عيسى، وإذا كان عيسى من حصب النار، كان أمر آلهتنا هينًا. ﴿ما ضَرَبُوهُ﴾ أي: ما ضربوا هذا المثل، ﴿لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ إلا لأجل الجدل. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ثم فتحت عليهم): النهاية: " وفي الحديث: "لا يفتح على الإمام"؛ إذا أرتج عليه في القراءة وهو في الصلاة، لا يفتح له المأموم ما أرتج عليه، أي: لا يلقنه". قوله: (وأما من قرأ"يصدون" بالضم): نافع وابن عامر والكسائي، والباقون: بكسرها. قال الزجاج: "الكسر أكثر، ومعناهما جمعيًا: يضجون. ويجوز أن يكون معنى المضمومة: يعرضون"، روى محيي السنة عن الكسائي: "هما لغتان، مثل يعرشون ويعرشون، وشد يشد ويشدً، ونم ينم وينم". ?

стр. 7654

والغلبة في القول، لا لطلب الميز بين الحق والباطل، ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ لدّ شداد الخصومة دأبهم اللجاج، كقوله تعالى: ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾] مريم: ٩٧]، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا لطلب الميز): تأكيد لما نفي في المستثنى منه في قوله: "ما ضربوا هذا المثل لك إلا جدلًا"، أي: ليس قولهم: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾، إلا جدلًا صرفًا، ليس فيه سوى طلب الباطل والغلبة في القول، لأن"ما" في قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨] عام يحتمل التخصيص بحسب المخاطبين واقتضاء المقام، فللمحق والمبطل مجال التأويل، فإن المحق حين سمع النصوص الدالة على تعظيم الملائكة وعيسى، وأن قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ خطاب مشافهة مع المشركين: لا يتصور دخولهم في هذا العام، والمعاند المكابر لا يلتفت إلى المقام، وحين رأى للجدال مجالًا انتهز الفرصة. أما المقام: فإن الخطاب في قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ في المشركين، ومن ثم قدر محيي السنة " ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيها المشركون ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: الأصنام، ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ". وأما توجيه كلامهم: ﴿وقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾، فإنك تزعم أن آلهتنا ليس فيها خير، وأن عيسى نبي مكرم، فقولك: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ يوجب المساواة، فإن كان الذي تقول بفضله ونبوته حصب جهنم، كان أمر آلهتنا هينًا. وأما قوله: " هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم": فليس بثبت. ?

стр. 7655

وذلك أنّ قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨]: ما أريد به إلا الأصنام، وكذلك قوله ﵇: «هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم»، إنما قصد به الأصنام، ومحال أن يقصد به الأنبياء والملائكة، إلا أن ابن الزبعرى بخبه وخداعه وخبث دخلته، لما رأى كلام الله ورسوله محتملًا لفظه وجه العموم، مع علمه بأنّ المراد به أصنامهم لا غير، وجد للحيلة مساغًا، فصرف معناه إلى الشمول والإحاطة بكل معبود غير الله، على طريقة المحك والجدال وحب المغالبة والمكابرة، وتوقح في ذلك، فتوقر رسول الله ﷺ حتى أجاب عنه ربه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ [الأنبياء: ١٠١]، فدل به على أنّ الآية خاصة في الأصنام، على أنّ ظاهر قوله: ﴿وَما تَعْبُدُونَ﴾ لغير العقلاء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وروى محيي السنة في"المعالم": أن ابن الزبعرى قال: "أنت قلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾؟ قال: نعم، قال: أليست اليهود تعبد عزيزًا، والنصارى تعبد المسيح، وبنو مليح يعبدون الملائكة، فقال النبي ﷺ : بل هم يعبدون الشيطان، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] ". قوله: (بخبه): النهاية: "الخب- بالفتح-: الخداع، وهو الجربز الذي يسعى بين الناس بالفساد، وأما المصدر فبالكسر لا غير". قوله: (وخبث دخلته): الجوهري: "داخلة الرجل: باطن أمره، وكذلك الدخلة بالضم"، الأساس: "إنه لخبيث الدخلة، وعفيف الدخلة، وهي باطن أمره". قوله: (على طريقة المحك): الأساس: "رجل محك: لجوج عسر، وماحك ومحكان، وقد محك محكًا، وماحك صاحبه". ?

стр. 7656

وقيل: لما سمعوا قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩]، قالوا: نحن أهدى من النصارى؛ لأنهم عبدوا آدميًا، ونحن نعبد الملائكة، فنزلت. وقوله: ﴿أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ على هذا القول: تفضيل لآلهتهم على عيسى، لأنّ المراد بهم الملائكة، و ﴿مَا ضَرَبُوهُ لُكُ إِلَّا جَدَلًا﴾: معناه: وما قالوا هذا القول- يعني: ﴿ءَآلهتنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ - إلا للجدال. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: لما سمعوا [قوله]: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾): معطوف على قوله: "لما قرأ رسول الله ﷺ على قريش: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] "، في تفسير قوله: ﴿ولَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ الآية. يعني: يجوز أن يراد بضارب ابن مريم مثلًا: عبد الله بن الزبعرى، كما في الوجه الأول، بدليل قوله: "ولما ضرب عبد الله بن الزبعرى عيسى ابن مريم مثلًا"، وأن يراد الله ، كما في هذا الوجه، والمثل-على قول ابن الزبعرى- قوله: فلو كان هؤلاء في النار، فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، وإنما سمي مثلًا لما فيه من الغرابة من بعض الوجوه، ولذلك فرح به المشركون، وضحكوا، وسكت النبي ﷺ ، وعلى هذا قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩]. وفي قول المصنف: "هو- على هذا القول- تفضيل لآلهتهم على عيسى؛ لأن المراد بهم الملائكة": إدماج لمذهبه في غاية من الدقة في القول بتفضيل الملك على الأنبياء، وذلك لزعمه أنه ثبت بقوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]: أن عيسى ﵇ مخلوق من تراب، واتفقنا على أن الملائكة روحانيون، فلا شك بتفضيلهم، وجواب الفريقين: قوله تعالى: ﴿إنْ هُوَ إلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ الآية، يعني: ليس التفضيل بالقياس، بل باصطفائنا واختيارنا لمن نشاء، فإن عيسى إنما كان نبيًا مختارًا لأننا أنعمنا عليه بالكرامة والنبوة، وإن الملائكة إنما كانوا مقربين باختيارنا ومشيئتنا ، ولو نشاء لجعلنا منكم- وأنتم شر الدواب عند الله- ?

стр. 7657

وقرئ: ﴿أآلهتُنَا خَيْرٌ﴾ بإثبات همزة الاستفهام وبإسقاطها؛ لدلالة "أم" العديلة عليها، وفي حرف ابن مسعود: "خير أم هذا"، ويجوز أن يكون ﴿جَدَلَا﴾ حالَا، أي: جدلين. وقيل: لما نزلت: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٩]، قالوا: ما يريد محمد بهذا إلا أن نعبده، وأنه يستأهل أن يعبد، وإن كان بشرًا، كما عبدت النصارى المسيح وهو بشر. ومعنى: ﴿يَصِدُّونَ﴾ يضجون ويضجرون، والضمير في: ﴿أَمْ هُوَ﴾ لمحمد ﷺ ، وغرضهم بالموازنة بينه وبين آلهتهم: السخرية به والاستهزاء. ويجوز أن يقولوا - لما أنكر عليهم قولهم: الملائكة بنات الله، وعبدوهم -: ما قلنا بدعًا من القول، ولا فعلنا نكرًا من الفعل، فإنّ النصارى جعلوا المسيح ابن الله، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أيضًا ملائكة، وهذا من باب رد القياس بالنص، كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. قوله: (وقرئ: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ﴾ بإثبات همزة الاستفهام): بالإثبات: السبعة، وبإسقاطها: شاذة. قوله: (ويجوز أن يقولوا لما أنكر عليهم قولهم: الملائكة بنات الله، وعبدوهم): قوله"وعبدوهم" حال من الضمير المضاف إليه في"قولهم"، ومقول"يقولوا": "ما قلنا بدعًا"، وعلى هذا فاعل ﴿ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾: ابن الزبعري، كما في الوجه الأول. والحامل على ضرب المثل الرد على الكفرات الثلاث في قوله: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] الآيات، وهو قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ [الزخرف: ١٦]، وقوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩]، وقوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الزخرف: ٢٠]، والآيات المتخللة في البين متصلات بعضها مع بعض بالأفانين المتنوعة. ?

стр. 7658

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهذا الوجه وارد على القياس المبني على أصل فاسد، وذلك أن النصارى ما عبدوا عيسى ﵇ عن علم ودليل، بل عبدوه لأنه وجد من غير أب، ولو نشاء أيتها الكفرة ولدنا منكم، كما ولد عيسى من غير أب، ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة، يعني: أن حال عيسى وإن كانت عجيبة، فالله تعالى قادر على ما هو أعجب من ذلك، وأن الملائكة منكم، من حيث إنها مخلوقة، فيحتمل أن يخلقوا توليدًا، كما جاز خلقها إبداعًا، فمن أين لهم استحقاق الألوهية، والانتساب إلى الله تعالى؟ ! وإنما فسر ﴿لَجَعَلْنَا مِنكُم﴾ بقوله: "لولدنا"؛ لوقوعه مقابلًا لقوله: ﴿وجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إسْرَائِيلَ﴾، ومعناه: وخلقناه من غير سبب، وصيرناه عجيبةً كالمثل السائر. فإن قلت: ذكر في "المعالم": "أن المعنى: لو نشاء لأهلكناكم، وجعلنا بدلكم ملائكةً خلفًا منكم، يعمرون الأرض ويعبدونني، وقيل: يخلف بعضهم بعضًا"، وقال أبو البقاء: "لحولنا بعضكم ملائكة"، فلم عدل المصنف عن البدلية إلى ما ذكر؟ قلت: لأن المقام له أدعى، وأن التبديل دل على التوعد بالهلاك والاستئصال، وهو لا يدخل في المعنى، إذ المعنى: أن هو إلا عبد أنعمنا عليه، وجعلناه عبرةً عجيبة، ولو شئنا لجعلنا منكم أيضًا عبرةً عجيبة، دلالةً على قدرتنا على عجائب الأمور، وبدائع الفطر، والله أعلم. فإن قلت: قد علم في الوجهين الآخرين تنزيل الجواب، وهو قوله: ﴿إنْ هُوَ إلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ الآية، على قولهم: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾، فما وجه التنزيل على الوجه الأول، وهو أن يكون الحامل على هذا القول قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]؟ ?

стр. 7659

وعبدوه، ونحن أشف منهم قولًا وفعلًا، فإنا نسبنا إليه الملائكة، وهم نسبوا إليه الأناسي، فقيل لهم: مذهب النصارى شرك بالله، ومذهبكم شرك مثله، وما تنصلكم مما أنتم عليه بما أوردتموه إلا قياس باطل بباطل، وما عيسى ﴿إِلَّا عَبْدٌ﴾ كسائر العبيد، ﴿أَنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ حيث جعلناه آية؛ بأن خلقناه من غير سبب، كما خلقنا آدم، وشرفناه بالنبوّة، وصيرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر لبني إسرائيل. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: وجهه وجه قوله تعالى في تلك السورة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]، وإليه أشار المصنف بقوله: "فإن كان هؤلاء في النار، فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، ففرحوا وضحكوا، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾، ونزلت هذه الآية". وتقريره: أن جدلكم هذا باطل، لأنه ﵇ ما دخل في هذا النص الصريح، لأن الكلام معكم أيها المشركون، وأنتم المخاطبون به، وإنما المراد بـ "ما تعبدون": الأصنام التي تنحتونها بأيديكم، وأما عيسى ما هو إلا عبد مكرم منعم عليه بالنبوة مرفوع المنزلة والذكر، مشهور في بني إسرائيل كالمثل السائر، فمن أين يدخل في قولنا: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؟ ثم لا اعتراض علينا أن نجعل قومًا أهلًا للنار، وآخرين أهلًا للجنة، إذ لو نشاء لجعلنا منكم ومن أنفسكم- أيها الكفرة- ملائكة، أي: عبيد مكرمون مهتدون إلى الجنة صابرون كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [السجدة: ١٣]، وكما لوح في تلك الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]، والله أعلم. قوله: (أشف منهم قولًا): الجوهري: "الشف- بالكسر-: الفضل والربح، تقول منه: شف يشف شفًا". قوله: (وما تنصلكم): و "التنصل": الخروج من الذنب بالاعتذار. ?

стр. 7660

[﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ٦٠] ﴿وَلَوْ نَشاءُ﴾ لقدرتنا على عجائب الأمور وبدائع الفطر، ﴿لَجَعَلْنا مِنْكُمْ﴾ لولدنا منكم يا رجال ﴿مَلائِكَةً﴾ يخلفونكم في الأرض، كما يخلفكم أولادكم، كما ولدنا عيسى من أنثى من غير فحل، لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة، ولتعلموا أن الملائكة أجسام لا تتولد إلا من أجسام، وذات القديم متعالية عن ذلك. [﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٦١] ﴿وَإِنَّهُ﴾ وإن عيسى ﵇ ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي: شرط من أشراطها تعلم به، فسمى الشرط علمًا لحصول العلم به. وقرأ ابن عباس: "لعلم"، وهو العلامة. وقرئ: "للعلم"، وقرأ أُبيّ: "لذكر"؛ على تسمية ما يذكر به: ذكرًا، كما سمى ما يعلم به: علمًا. وفي الحديث: "أن عيسى ﵊ ينزل على ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فسمى الشرط علمًا لحصول العلم به): النهاية: "أشراط الساعة: علاماتها، واحدها: شرط- بالتحريك-، ومنه سميت شرط السلطان، لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها، قاله أبو عبيدة، وحكى الخطابي عن بعضهم: أنه أنكر هذا التفسير، وقال: أشراط الساعة: ما ينكره الناس من صغار أمورها قبل أن تقوم، وشرط السلطان: نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده". قوله: (على تسمية ما يذكر به): المطلع: قال: الذكر، لأنه تذكر به الساعة. قوله: (أن عيسى ينزل) الحديث: من رواية البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لينزلن ابن مريم حكمًا عدلًا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص، فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد". ?

стр. 7661

ثنية بالأرض المقدّسة، يقال لها: أفيق، وعليه ممصرتان، وشعر رأسه دهين، وبيده حربة، وبها يقتل الدجال، فيأتي بيت المقدس، والناس في صلاة الصبح، والإمام يؤم بهم، فيتأخر الإمام، فيقدمه عيسى، ويصلي خلفه على شريعة محمد ﵊، ثم يقتل الخنازير، ويكسر الصليب، ويخرب البيع والكنائس، ويقتل النصارى إلا من آمن به". وعن الحسن: أن الضمير للقرآن، وأن القرآن به تعلم الساعة، لأن فيه الإعلان بها. ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ من المرية، وهي الشك، ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ واتبعوا هداي وشرعي، أو رسولي. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي رواية: "فإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، ينزل بين ممصرتين، كأنه رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فليقاتل الناس على الإسلام"، وفيه: "ويهلك المسيح الدجال". وفي رواية أخرى قال: قال رسول الله ﷺ : " كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم"، وفي رواية: "فأمكم منكم"، قال ابن أبي ذئب: تدري ما "أمكم منكم"؟ قال: تخبرني، قال: "فأمكم بكتاب الله وسنة نبيكم ﷺ ". قوله: (ممصرتان): أي: حلتان ممغرتان من مصر، والمغرة: الطين الأحمر. والنهاية: "الممصرة من الثياب: التي فيها صفرة خفيفة". ?

стр. 7662

وقيل: هذا أمر لرسول الله أن يقوله. ﴿هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي أدعوكم إليه، أو هذا القرآن، إن جعل الضمير في ﴿وَإِنَّهُ﴾ للقرآن. [﴿وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٦٢] ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قد أبانت عداوته لكم، إذ أخرج أباكم من الجنة، ونزع عنه لباس النور. [﴿وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ ٦٣ - ٦٥] ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ المعجزات، أو بآيات الإنجيل والشرائع البينات الواضحات، ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ يعني: الإنجيل والشرائع. فإن قلت: هلا بين لهم كل الذي يختلفون فيه، ولكن بعضه؟ قلت: كانوا يختلفون في الديانات، وما يتعلق بالتكليف، وفيما سوى ذلك مما لم يتعبدوا بمعرفته والسؤال عنه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: هذا أمر لرسول الله ﷺ : عطف على قوله: "واتبعوا هداي"، فالضمير المنصوب على الأول: لله تعالى؛ على تقدير حذف المضاف، ولهذا قال: "هداي وشرعي أو رسولي". قوله: (أو هذا القرآن، أن جعل الضمير في "إنه" للقرآن)، المعنى: أن القرآن فيه الإعلام بالساعة، وإذا كان كذلك فلا تمترن بها، لأن إعلامه صدق، واتبعوني أيضًا لأنجيكم من أهوالها، لأني متبع لهذا الصادق المصدق الهدي إلى صراط مستقيم، فنكر ليدل على استقامة لا يكتنه كنهها. قوله: (كانوا يختلفون في الديانات، وما يتعلق بالتكليف، وفيما سوى ذلك): قال القاضي: " ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ هو ما يكون من أمر الدين، لا ما يتعلق بأمر الدنيا، فإن الأنبياء لم تبعث لبيانه، ولذلك قال ﷺ : (أنتم أعلم بأمر دنياكم) ". ?

стр. 7663

وإنما بعث ليبين لهم ما اختلفوا فيه مما يعنيهم من أمر دينهم. ﴿الْأَحْزابُ﴾ الفرق المتحزبة بعد عيسى ﵇، وقيل: اليهود والنصارى، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وعيد للأحزاب. فإن قلت: ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾: إلى من يرجع الضمير فيه؟ قلت: إلى الذين خاطبهم عيسى في قوله: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾، وهم قومه المبعوث إليهم. [﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَاتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧) يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَاكُلُونَ﴾ ٦٦ - ٧٣] ﴿أَنْ تَاتِيَهُمْ﴾ بدل من ﴿السَّاعَةَ﴾، والمعنى: هل ينظرون إلا إتيان الساعة. فإن قلت: أما أدى قوله: ﴿بَغْتَةً﴾ مؤدّى قوله: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ فيستغنى عنه؟ قلت: لا، لأنّ معنى قوله: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾: وهم غافلون لاشتغالهم بأمور دنياهم، كقوله تعالى: ﴿تَاخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩]، ويجوز أن تأتيهم بغتة وهم فطنون. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الفرق المتحزبة بعد عيسى ﵇: الملكانية واليعقوبية والنسطورية. قوله: (معنى قوله: ﴿وهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾: وهم غافلون): يعني: مجيء الشيء فجأة: ربما يكون مع الشعور به، وربما يجيء والشخص غافل، ويجوز أن يراد بـ ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾: الإثبات، لأن الكلام وارد على الإنكار، كأنه قيل: هل تزعمون أنها تأتيهم بغتةً وهم لا يشعرون، أي: لا يكون ذلك، بل تأتيهم وهم فطنون. ?

стр. 7664

﴿يَوْمَئِذٍ﴾ منصوب بـ ﴿عَدُوٌّ﴾، أي: تنقطع في ذلك اليوم كل خلة بين المتخالين في غير ذات الله، وتنقلب عداوة ومقتًا، إلا خلة المتصادقين في الله، فإنها الخلة الباقية المزدادة قوّة إذا رأوا ثواب التحاب في الله، والتباغض في الله. وقيل: ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ إلا المجتنبين أخلاء السوء، وقيل: نزلت في أبي بن خلف وعقبة ابن أبي معيط. (يا عِبادِي) حكاية لما ينادى به المتقون المتحابون في الله يومئذ. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (منصوب بـ ﴿عَدُوٌّ﴾): أي: يعادي بعضهم بعضًا، من العدوة من الجانبين. قوله: (وقيل: ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾: إلا المجتنبين أخلاء السوء): فالتعريف في ﴿الْأَخِلَّاءُ﴾ على هذا: للجنس، والاستثناء متصل، وعلى الأول: المراد بالأخلاء: المتخالين في غير ذات الله، لقوله: "كل خلة بين المتخالين في غير ذات الله"، والاستثناء منقطع، ولذلك قال: "إلا خلة المتصادقين في الله، فإنها الخلة الباقية". وفي "الحقائق" عن ابن عطاء: كل وصلة وأخوة منقطعة إلا ما كان في الله ولله، فإنه كل وقت في زيادة، لأن الله تعالى يقول: ﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، أي: في انقطاع وبغضة، ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ فإنهم في راحة آخرتهم يرون فضل الله وثوابه. قوله: (يا عبادي): حكاية لما ينادى به المتقون المتحابون في الله يومئذ، يوافقه ما روى أبو داود عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله. قالوا: يا رسول الله، تخبرنا من هم؟ قال: هم قوم تحابوا بروح الله على أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فو الله أن وجوههم كنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] ". ?

стр. 7665

و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ منصوب المحل صفة لـ"عباد"، لأنه منادى مضاف، أي: الذين صدّقوا ﴿بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ مخلصين وجوههم لنا، جاعلين أنفسهم سالمة لطاعتنا. وقيل: إذا بعث الله الناس فزع كل أحد، فينادي مناد: يا عبادي، فيرجوها الناس كلهم، ثم يتبعها: الذين آمنوا، فييأس الناس منها غير المسلمين. وقرئ: ﴿يَا عِبَادِ﴾. ﴿تُحْبَرُونَ﴾ تسرون سرورًا يظهر حباره -أي: أثره- على وجوهكم، كقوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]، وقال الزجاج: تكرمون إكرامًا يبالغ فيه. والحبرة: المبالغة فيما وصف بجميل. والكوب: الكوز لا عروة له، ﴿وَفِيها﴾ الضمير للجنة، وقرئ: "تشتهي" و ﴿تَشْتَهِيهِ﴾، وهذا حصر لأنواع النعم، لأنها إما مشتهاة في القلوب، وإما مستلذة في العيون. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إذا بعث الله الناس) إلى قوله: (ثم يتبعها: الذين آمنوا): يريد: أن قوله: "يا عبادي" عام أن يخصص بالآية السابقة فالمراد المتحابون في الله، أو باللاحقة فالمراد الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين، على إرادة المدح أو الاختصاص، أي: اذكر من لا يخفى شأنهم، وهم الذين آمنوا وأسلموا. قوله: (فير جوها): قيل: أي: الإضافة. قوله: (وقرئ: ﴿يَا عِبَادِ﴾): حفص وحمزة والكسائي. قوله: (وهذا حصر لأنواع النعم): قال الواحدي: "يقال: لذذت الشيء ألذة، مثل: استلذذته، والمعنى: ما من شيء تشتهيه نفس، أو تستلذ به عين، إلا وهو في الجنة، وقد ?

стр. 7666

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عبر الله تعالى بهذين اللفظين عن جميع نعم أهل الجنة، فإنه ما من نعمة إلا وهي تصيب النفس أو العين". وقد أجاد صاحب "التيسير" حيث قال: قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾: دل على الأطعمة، وقوله: ﴿وأَكْوَابٍ﴾ على الأشربة، وقوله: ﴿وفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ على أن في الجنة وراءهما من أصناف النعم شيئًا آخر. وقلت: وعلى هذا: لا يبعد أن يحمل قوله: ﴿وفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ﴾ على المنكح والملبس وما يتصل بهما؛ لتتكامل جميع المشتهيات النفسانية، فبقيت اللذة الكبرى، وهي النظر إلى وجه الله الكريم، فيكنى عنه بقوله: ﴿وتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾، ولهذا قال رسول الله ﷺ : "حبب إلى الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة"، رواه النسائي عن أنس. وقال قيس بن الملوح: ولقد هممت بقتلها من حبها .... كي ما تكون خصيمتي في المحشر حتى يطول على الصراط وقوفنا .... وتلذ عيني من لذيذ المنظر ثم وافق هذا التأويل كلام جعفر الصادق ﵁: "شتان بين ما تشتهي الأنفس، وبين ما تلذ الأعين"، لأن جميع ما في الجنة من النعيم والشهوات في جنب ما تلذ الأعين: كإصبع يغمس في البحر، لأن شهوات الجنة لها حد ونهاية، لأنها مخلوقة، ولا تلذ الأعين في الدار الباقية، إلا بالنظر إلى الباقي جل وعز، ولا حد لذلك ولا صفة ولا نهاية في الحقائق. وقال القاضي في قوله: ﴿وأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ما معناه: "أن كل نعيم زائل موجب لكلفة الحفظ لخوف الزوال، ومستعقب للتحسر في ثاني الحال، وقد أمن ذلك نعيم الجنة".

стр. 7667

﴿وَتِلْكَ﴾ إشارة إلى الجنة المذكورة، وهي مبتدأ، و ﴿الْجَنَّةُ﴾ خبر، و ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾ صفة الجنة، أو: ﴿الجَنَّةُ﴾ صفة للمبتدأ الذي هو اسم الإشارة، و ﴿التِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ خبر المبتدأ، أو: ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾: صفة، و ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الخبر، والباء تتعلق بمحذوف، كما في الظروف التي تقع أخبارًا، وفي الوجه الأول تتعلق بـ ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾، وشبهت في بقائها على أهلها بالميراث الباقي على الورثة. وقرئ: "ورّثتموها". ﴿مِنْها تَاكُلُونَ﴾: "من" للتبعيض، أي: لا تأكلون إلا بعضها، وأعقابها باقية في شجرها، فهي مزينة بالثمار أبدًا موقرة بها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: ذق مع طبعك المستقيم معنى الخطاب والالتفات وتقديم الظرف، في قوله: ﴿وأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، لتقف على ما لا يكتنهه الوصف، قال النصر آبادي" أن كان خلودهم لشهوة النفوس ولذة الأعين، فالفناء خير من ذلك، وإن كان لفناء الأوصاف، والاتصاف بصفة الحق، والمقام فيها سرور الرضا والمشاهدة، فأنتم إذن أنتم. قوله: (وشبهت في بقائها): يعني: استعير لاستحقاقهم الجنة بسبب أعمالهم "الميراث" على رأيه، أو لإفضال الله إياها بواسطة أعمالهم: "الميراث"، ويجوز أن يقال: أورثتموها بواسطة الأعمال التي فنيت، فإن الجزاء كالميراث من الأعمال. قوله: (موقرة): أوقرت النخلة؛ أي: كثر حملها، يقال: نخلة موقرة، وموقر، وموقرة، وحكي: موقر، وهو غير القياس.

стр. 7668

لا ترى شجرة عريانة من ثمرها، كما في الدنيا. وعن النبي ﷺ : «لا ينزع رجل في الجنة من ثمرها إلا نبت مكانها مثلاها». [﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ * لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ٧٤ - ٧٨] ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ لا يخفف ولا ينقص، من قولهم: فترت عنه الحمى: إذا سكنت عنه قليلًا ونقص حرّها، والمبلس: اليائس الساكت سكوت يأس من فرج. وعن الضحاك: يجعل المجرم في تابوت من نار، ثم يردم عليه، فيبقى فيه خالدًا، لا يرى ولا يرى. و﴿هُمْ﴾ فصل عند البصريين، عماد عند الكوفيين. وقرئ: "وهم فيها"، أي: في النار. وقرأ علي وابن مسعود ﵄: "يا مال"، بحذف الكاف للترخيم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ثم يردم): الجوهري: "ردمت الثلمة أردمها- بالكسر- ردمًا: إذا سددتها". قوله: (﴿هُمْ﴾ فصل عند البصريين): قال الزجاج: "وهي عند البصريين تأتي دليلًا على أن ما بعدها ليس بصفة لما قبلها، بل هو خبر، ولا موضع لها من الإعراب، ويزعمون أنها بمنزلة "ما" في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ". قوله: (وقرأ علي وابن مسعود ﵄: "يا مال" بحذف الكاف للترخيم): روى البخاري ومسلم الترمذي وأبو داود عن يعلى بن أمية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿ونَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾، قال سفيان: وفي قراءة عبد الله: "ونادوا يا مال".

стр. 7669

كقول القائل: والحق يا مال غير ما تصف وقيل لابن عباس: إن ابن مسعود قرأ: "ونادوا يا مال"، فقال: ما أشغل أهل النار عن الترخيم. وعن بعضهم: حسن الترخيم أنهم يقتطعون بعض الاسم لضعفهم وعظم ما هم فيه. وقرأ أبو السرار الغنوي: "يا مال"، بالرفع، كما يقال: يا حار. ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ من: قضى عليه: إذا أماته، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، والمعنى: سل ربك أن يقضي علينا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال ابن جني: "وللترخيم في هذا الموضع سر، وذلك أنهم- لعظم ما هم عليه- خفيت قواهم، وذلت أنفسهم، وصغر كلامهم، فكان هذا من موضع الاختصار ضرورة". وقلت: هذا اعتذار منه لقراءة ابن مسعود حيث ردها ابن عباس بقوله: "ما أشغل أهل النار عن الترخيم"، فإن "ما" للتعجب، وفيه معنى الصد، مثاله قولك لمن كان في شدة واشتغل عنها بما لا يلائمه: ما أشغلك عن هذا وصدك ما أنت فيها. وخلاصة اعتذار ابن جني أن هذا الترخيم لم يصدر عنهم من التكليف، بل عن العجز وضيق المجال. قوله: (والحق- يا مال- غير ما تصف): أوله: [خالفت في الرأي كل ذي فجر]

стр. 7670

فإن قلت: كيف قال: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ﴾ بعد ما وصفهم بالإبلاس؟ قلت: تلك أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة، فتختلف بهم الأحوال، فيسكتون أوقاتًا لغلبة اليأس عليهم، وعلمهم أنه لا فرج لهم، ويغوّثون أوقاتًا لشدّة ما بهم. ﴿ماكِثُونَ﴾ لابثون، وفيه استهزاء، والمراد: خالدون. عن ابن عباس: إنما يجيبهم بعد ألف سنة. وعن النبي ﷺ : «يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيقولون: ادعوا مالكًا، فيدعون: يا مالك ليقض علينا ربك». ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ﴾ كلام الله ، بدليل قراءة من قرأ: "لقد جئتكم"، ويجب أن يكون في ﴿قَالَ﴾ ضمير الله . لما سألوا مالكًا أن يسأل الله تعالى القضاء عليهم، أجابهم الله بذلك. ﴿كارِهُونَ﴾ لا تقبلونه وتنفرون منه وتشمئزون منه، لأنّ مع الباطل الدعة، ومع الحق التعب. [﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ٧٩ - ٨٠] ﴿أَمْ﴾ أبرم مشركو مكة ﴿أَمْرًا﴾ من كيدهم، ومكرهم برسول الله ﷺ ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويغوثون): أي: يقولون: واغوثاه. قوله: (وفيه استهزاء): أي: في قول مالك: ﴿مَاكِثُونَ﴾، لأن حقه: "خالدون"، لأن المكث من الانتظار، ولا انتظارهم، يعلم من "الصحاح". قوله: (﴿أَمْ﴾ أبرم مشركو مكة ﴿أَمْرًا﴾)، الراغب: "الإبرام: إحكام الأمر، وأصله من إبرام الحبل، وهو ترديد فتله، والبريم: المبرم، أي: المفتول فتلًا محكمًا، والمبرم: الملح؛ تشبيها له بمبرم الحبل، ومن هذا قيل للبخيل الذي لا يدخل في الميسر: برم، كما يقال للبخيل: مغلول اليد".
следующие страницы →