Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.
стр. 7666
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبر الله تعالى بهذين اللفظين عن جميع نعم أهل الجنة، فإنه ما من نعمة إلا وهي تصيب النفس أو العين".
وقد أجاد صاحب "التيسير" حيث قال: قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾: دل على الأطعمة، وقوله: ﴿وأَكْوَابٍ﴾ على الأشربة، وقوله: ﴿وفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ على أن في الجنة وراءهما من أصناف النعم شيئًا آخر.
وقلت: وعلى هذا: لا يبعد أن يحمل قوله: ﴿وفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ﴾ على المنكح والملبس وما يتصل بهما؛ لتتكامل جميع المشتهيات النفسانية، فبقيت اللذة الكبرى، وهي النظر إلى وجه الله الكريم، فيكنى عنه بقوله: ﴿وتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾، ولهذا قال رسول الله ﷺ : "حبب إلى الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة"، رواه النسائي عن أنس. وقال قيس بن الملوح:
ولقد هممت بقتلها من حبها .... كي ما تكون خصيمتي في المحشر
حتى يطول على الصراط وقوفنا .... وتلذ عيني من لذيذ المنظر
ثم وافق هذا التأويل كلام جعفر الصادق ﵁: "شتان بين ما تشتهي الأنفس، وبين ما تلذ الأعين"، لأن جميع ما في الجنة من النعيم والشهوات في جنب ما تلذ الأعين: كإصبع يغمس في البحر، لأن شهوات الجنة لها حد ونهاية، لأنها مخلوقة، ولا تلذ الأعين في الدار الباقية، إلا بالنظر إلى الباقي جل وعز، ولا حد لذلك ولا صفة ولا نهاية في الحقائق.
وقال القاضي في قوله: ﴿وأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ما معناه: "أن كل نعيم زائل موجب لكلفة الحفظ لخوف الزوال، ومستعقب للتحسر في ثاني الحال، وقد أمن ذلك نعيم الجنة".
стр. 7667
﴿وَتِلْكَ﴾ إشارة إلى الجنة المذكورة، وهي مبتدأ، و ﴿الْجَنَّةُ﴾ خبر، و ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾ صفة الجنة، أو: ﴿الجَنَّةُ﴾ صفة للمبتدأ الذي هو اسم الإشارة، و ﴿التِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ خبر المبتدأ، أو: ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾: صفة، و ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الخبر، والباء تتعلق بمحذوف، كما في الظروف التي تقع أخبارًا، وفي الوجه الأول تتعلق بـ ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾، وشبهت في بقائها على أهلها بالميراث الباقي على الورثة. وقرئ: "ورّثتموها".
﴿مِنْها تَاكُلُونَ﴾: "من" للتبعيض، أي: لا تأكلون إلا بعضها، وأعقابها باقية في شجرها، فهي مزينة بالثمار أبدًا موقرة بها،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: ذق مع طبعك المستقيم معنى الخطاب والالتفات وتقديم الظرف، في قوله: ﴿وأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، لتقف على ما لا يكتنهه الوصف، قال النصر آبادي" أن كان خلودهم لشهوة النفوس ولذة الأعين، فالفناء خير من ذلك، وإن كان لفناء الأوصاف، والاتصاف بصفة الحق، والمقام فيها سرور الرضا والمشاهدة، فأنتم إذن أنتم.
قوله: (وشبهت في بقائها): يعني: استعير لاستحقاقهم الجنة بسبب أعمالهم "الميراث" على رأيه، أو لإفضال الله إياها بواسطة أعمالهم: "الميراث"، ويجوز أن يقال: أورثتموها بواسطة الأعمال التي فنيت، فإن الجزاء كالميراث من الأعمال.
قوله: (موقرة): أوقرت النخلة؛ أي: كثر حملها، يقال: نخلة موقرة، وموقر، وموقرة، وحكي: موقر، وهو غير القياس.
стр. 7668
لا ترى شجرة عريانة من ثمرها، كما في الدنيا. وعن النبي ﷺ : «لا ينزع رجل في الجنة من ثمرها إلا نبت مكانها مثلاها».
[﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ * لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ٧٤ - ٧٨]
﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ لا يخفف ولا ينقص، من قولهم: فترت عنه الحمى: إذا سكنت عنه قليلًا ونقص حرّها، والمبلس: اليائس الساكت سكوت يأس من فرج. وعن الضحاك: يجعل المجرم في تابوت من نار، ثم يردم عليه، فيبقى فيه خالدًا، لا يرى ولا يرى.
و﴿هُمْ﴾ فصل عند البصريين، عماد عند الكوفيين. وقرئ: "وهم فيها"، أي: في النار.
وقرأ علي وابن مسعود ﵄: "يا مال"، بحذف الكاف للترخيم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ثم يردم): الجوهري: "ردمت الثلمة أردمها- بالكسر- ردمًا: إذا سددتها".
قوله: (﴿هُمْ﴾ فصل عند البصريين): قال الزجاج: "وهي عند البصريين تأتي دليلًا على أن ما بعدها ليس بصفة لما قبلها، بل هو خبر، ولا موضع لها من الإعراب، ويزعمون أنها بمنزلة "ما" في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ".
قوله: (وقرأ علي وابن مسعود ﵄: "يا مال" بحذف الكاف للترخيم): روى البخاري ومسلم الترمذي وأبو داود عن يعلى بن أمية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿ونَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾، قال سفيان: وفي قراءة عبد الله: "ونادوا يا مال".
стр. 7669
كقول القائل:
والحق يا مال غير ما تصف
وقيل لابن عباس: إن ابن مسعود قرأ: "ونادوا يا مال"، فقال: ما أشغل أهل النار عن الترخيم. وعن بعضهم: حسن الترخيم أنهم يقتطعون بعض الاسم لضعفهم وعظم ما هم فيه. وقرأ أبو السرار الغنوي: "يا مال"، بالرفع، كما يقال: يا حار. ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ من: قضى عليه: إذا أماته، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، والمعنى: سل ربك أن يقضي علينا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال ابن جني: "وللترخيم في هذا الموضع سر، وذلك أنهم- لعظم ما هم عليه- خفيت قواهم، وذلت أنفسهم، وصغر كلامهم، فكان هذا من موضع الاختصار ضرورة".
وقلت: هذا اعتذار منه لقراءة ابن مسعود حيث ردها ابن عباس بقوله: "ما أشغل أهل النار عن الترخيم"، فإن "ما" للتعجب، وفيه معنى الصد، مثاله قولك لمن كان في شدة واشتغل عنها بما لا يلائمه: ما أشغلك عن هذا وصدك ما أنت فيها. وخلاصة اعتذار ابن جني أن هذا الترخيم لم يصدر عنهم من التكليف، بل عن العجز وضيق المجال.
قوله: (والحق- يا مال- غير ما تصف): أوله:
[خالفت في الرأي كل ذي فجر]
стр. 7670
فإن قلت: كيف قال: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ﴾ بعد ما وصفهم بالإبلاس؟ قلت: تلك أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة، فتختلف بهم الأحوال، فيسكتون أوقاتًا لغلبة اليأس عليهم، وعلمهم أنه لا فرج لهم، ويغوّثون أوقاتًا لشدّة ما بهم.
﴿ماكِثُونَ﴾ لابثون، وفيه استهزاء، والمراد: خالدون. عن ابن عباس: إنما يجيبهم بعد ألف سنة. وعن النبي ﷺ : «يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيقولون: ادعوا مالكًا، فيدعون: يا مالك ليقض علينا ربك».
﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ﴾ كلام الله ، بدليل قراءة من قرأ: "لقد جئتكم"، ويجب أن يكون في ﴿قَالَ﴾ ضمير الله . لما سألوا مالكًا أن يسأل الله تعالى القضاء عليهم، أجابهم الله بذلك. ﴿كارِهُونَ﴾ لا تقبلونه وتنفرون منه وتشمئزون منه، لأنّ مع الباطل الدعة، ومع الحق التعب.
[﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ٧٩ - ٨٠]
﴿أَمْ﴾ أبرم مشركو مكة ﴿أَمْرًا﴾ من كيدهم، ومكرهم برسول الله ﷺ ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويغوثون): أي: يقولون: واغوثاه.
قوله: (وفيه استهزاء): أي: في قول مالك: ﴿مَاكِثُونَ﴾، لأن حقه: "خالدون"، لأن المكث من الانتظار، ولا انتظارهم، يعلم من "الصحاح".
قوله: (﴿أَمْ﴾ أبرم مشركو مكة ﴿أَمْرًا﴾)، الراغب: "الإبرام: إحكام الأمر، وأصله من إبرام الحبل، وهو ترديد فتله، والبريم: المبرم، أي: المفتول فتلًا محكمًا، والمبرم: الملح؛ تشبيها له بمبرم الحبل، ومن هذا قيل للبخيل الذي لا يدخل في الميسر: برم، كما يقال للبخيل: مغلول اليد".
стр. 7671
﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ كيدنا كما أبرموا كيدهم، كقوله: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]؟ وكانوا يتنادون فيتناجون في أمر رسول الله ﷺ .
فإن قلت: ما المراد بالسر والنجوى؟ قلت: السر ما حدث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال، والنجوى: ما تكلموا به فيما بينهم. ﴿بَلى﴾ نسمعهما ونطلع عليهما، ﴿وَرُسُلُنا﴾ يريد الحفظة عندهم ﴿يَكْتُبُونَ﴾ ذلك. وعن يحيى بن معاذ الرازي: من ستر من الناس ذنوبه، وأبداها للذي لا يخفى عليه شيء في السماوات، فقد جعله أهون الناظرين إليه، وهو من علامات النفاق.
[﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ * سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٨١ - ٨٢]
﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ﴾ وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه، وحجة واضحة تدلون بها، ﴿فَأَنَا أَوَّلُ﴾ من يعظم ذلك الولد، وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له، كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه.
وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض، وهو المبالغة في نفي الولد والإطناب فيه، وأن لا يترك الناطق به شبهة إلا مضمحلة، مع الترجمة عن نفسه بثبات القدم في باب التوحيد، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد، وهي محال في نفسها، فكان المعلق بها محالًا مثلها، فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة، وفي معنى نفيهما، على أبلغ الوجوه وأقواها.
ونظيره: أن يقول العدلي للمجبر: إن كان الله تعالى خالقًا للكفر في القلوب،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكانوا يتنادون): الجوهري: "تنادوا؛ أي: تجالسوا في النادي، والندي: فعيل؛ مجلس القوم ومتحدثهم، وكذلك الندوة والنادي والمنتدى".
قوله: (أن يقول العدلي للمجبر: أن كان الله خالقًا للكفر) إلى آخره: الانتصاف: "لقد اقتحم عظيمًا في تمثيله، فيقال له: وقد ثبت عقلًا وشرعًا أنه خالق لذلك في القلوب، وفاء بأنه
стр. 7672
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا خالق إلا هو، ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]، ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦، الزمر: ٦٢]، فيلزمه لفرط أدبه أن يلحد في الله إلحادًا لم يسبق إليه أحد".
وقيل: قوله هذا يضاهي قول الكفرة: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، فهلا قال- عفا الله عنه-: أن كان الله خالقًا للكفر في القلوب، ومعذبًا عليه، فهو الحاكم، له الملك، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
وقلت: بل نقول: أن كان الله خالقًا للكفر فأنا أول من أستجير به منه، وأتبع سنة نبينا صلوات الله عليها، على ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن علي بن أبي طالب ﵁: أن الرسول الله ﷺ كان يقول في آخر وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك". وروى البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "تعوذوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء".
وأسلوب الآية قريب من المشاكلة وإطباق الجواب على السؤال؛ فإنهم لما قالوا: اتخذ الرحمن ولدًا، حسن منه صلوات الله عليه أن يقول: ﴿إن كَانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِينَ﴾،
стр. 7673
ومعذبًا عليه عذابًا سرمدًا، فأنا أول من يقول: هو شيطان وليس بإله. فمعنى هذا الكلام وما وضع له أسلوبه ونظمه: نفي أن يكون الله تعالى خالقًا للكفر، وتنزيهه عن ذلك وتقديسه، ولكن على طريق المبالغة فيه من الوجه الذي ذكرنا، مع الدلالة على سماجة المذهب، وضلالة الذاهب إليه، والشهادة القاطعة بإحالته، والإفصاح عن نفسه بالبراءة منه، وغاية النفار والاشمئزاز من ارتكابه.
ونحو هذه الطريقة قول سعيد بن جبير ﵀ للحجاج -حين قال له-: أما والله لأبدلنك بالدنيا نارًا تلظى-: لو عرفت أن ذلك إليك ما عبدت إلهًا غيرك.
وقد تمحل الناس بما أخرجوه به من هذا الأسلوب الشريف المليء بالنكت والفوائد المستقل بإثبات التوحيد على أبلغ وجوهه، فقيل: إن كان للرحمن ولد في زعمكم، وقيل: إن كان للرحمن ولد في زعمكم، فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكذلك قول سعيد جبير للحجاج، قال القاضي: " ﴿إن كَانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِينَ﴾ أي: منكم، لأن النبي ﷺ أعلم بالله، وبما يصح له، وما لا يصح له، وأولى بتعظيم ما يجب تعظيمه، ومن تعظيم الوالد تعظيم الولد، ولا يلزم صحة ثبوت الولد؛ إذ المحال يستلزم المحال، والمراد نفيه على أبلغ الوجوه، كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، غير أن "لو" ثم تشعر بانتفاء الطرفين، و "إن" هاهنا لا تشعر بانتفاء الطرفين ولا بنقيضه، فإنها لمجرد الشرطية، وفيه: أن إنكاره للولد ليس لعناد، بل لنظر واستدلال".
قوله: (وقيل: أن كان للرحمن ولد في زعمكم، فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد): المثال أقرب إلى المثال الذي ذكره، وبنى قاعدة الاعتزال عليه من الوجه الأول، فصح. المثال اللائق هو ما قدرناه: أن كان الله خالقًا للكفر، فأنا أول من أستجير به.
стр. 7674
من عبد يعبد: إذا اشتد أنفه فهو عبد وعابد. وقرأ بعضهم: "العبدين".
وقيل: هي "إن" النافية، أي: ما كان للرحمن ولد، فأنا أول من قال بذلك وعبد ووحد، وروي: أنّ النضر بن عبد الدار بن قصي قال: إن الملائكة بنات الله، فنزلت، فقال النضر: ألا ترون أنه قد صدقني، فقال له الوليد بن المغيرة: ما صدقك، ولكن قال: ما كان للرحمن ولد، فأنا أول الموحدين من أهل مكة؛ أن لا ولد له.
وقرئ: "ولد" بضم الواو.
ثم نزه ذاته -موصوفة بربوبية السماوات والأرض والعرش- عن اتخاذ الولد، ليدل على أنه من صفة الأجسام، ولو كان جسمًا لم يقدر على خلق هذا العالم وتدبير أمره.
[﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ٨٣]
﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ في باطلهم، ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دنياهم، ﴿حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ﴾ وهذا دليل على أنّ ما يقولونه من باب الجهل والخوض واللعب، وإعلام لرسول الله ﷺ أنهم من المطبوع على قلوبهم الذين لا يرجعون البتة، وإن ركب في دعوتهم كل صعب وذلول، وخذلان لهم، وتخلية بينهم وبين الشيطان، كقوله: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وإيعاد بالشقاء في العاقبة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: (وقرأ بعضهم: "العبدين"): قال ابن جني: "وهي قراءة عبد الرحمن اليماني، معناه: أول الأنفين، يقال: عبدت من الأمر أعبد عبدًا: أنفت منه، وهذا يشهد لقوله من قال: معنى: ﴿أَوَّلُ العَابِدِينَ﴾: الأنفين".
قوله: (وقرئ: "ولد" بضم الواو): حمزة والكسائي.
قوله: (ولو كان جسمًا لم يقدر على خلق هذا العالم): مضى بيانه في "الأنعام" عند قوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إني يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: ١٠١].
стр. 7675
[﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٨٤ - ٨٥]
ضمن اسمه تعالى معنى وصف، فلذلك علق به الظرف في قوله: ﴿فِي السَّماءِ﴾ ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ كما تقول: هو حاتم في طيء حاتم في تغلب، على تضمين معنى الجواد الذي شهر به، كأنك قلت: هو جواد في طيء جواد في تغلب.
وقرئ: "وهو الذي في السماء الله، وفي الأرض الله"، ومثله قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، كأنه ضمن معنى المعبود أو المالك أو نحو ذلك، والراجع إلى الموصول محذوف لطول الكلام، كقولهم: ما أنا بالذي قائل لك شيئًا، وزاده طولًا أنّ المعطوف داخل في حيز الصلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ضمن اسمه تعالى معنى وصف، ولذلك علق به الظرف): قال أبو البقاء: "صلة "الذي"لا يكون إلا جملة، والتقدير: "وهو الذي هو إله في السماء، و ﴿فِي﴾ متعلقة بـ ﴿إِلَهٌ﴾، أي: هو معبود في السماء ومعبود في الأرض، ولا يصح أن يجعل ﴿إِلَهٌ﴾ مبتدأ، و ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ خبره؛ لأنه لا يبقى في الصلة عائد، وهو كقولك: هو الذي قي الدار زيد، وكذلك أن رفعت ﴿إِلَهٌ﴾ بالظرف".
قوله: (والراجع إلى الموصول محذوف)، الانتصاف: "ومما سهل حذف الراجع: وقوع الموصول خبرًا عن مضمر، لو ظهر الراجع لكان كالتكرار المستكره، إذ التقدير: وهو الذي هو إله في السماء، ولا ينكر أن الراجع إذا حذف كان الكلام أخف، وإنما حذف على قلة حذف مثله لأمر متأكد، فإنه لم يرد في الكتاب العزيز إلا في ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤]، وفي "أي" في موضعين.
стр. 7676
ويحتمل أن يكون ﴿فِي السَّماءِ﴾ صلة ﴿الَّذِي﴾، و ﴿إِلَهٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، على أنّ الجملة بيان للصلة، وأنّ كونه في السماء على سبيل الإلهية والربوبية، لا على معنى الاستقرار. وفيه نفي الآلهة التي كانت تعبد في الأرض.
﴿تُرْجَعُونَ﴾ قرئ بضم التاء وفتحها، و"يرجعون" بياء مضمومة، وقرئ: "تحشرون"، بالتاء.
[﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٨٦ - ٨٧]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويحتمل أن يكون ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ صلة ﴿الَّذِي﴾، ﴿إِلَهٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، على أن الجملة بيان للصلة): قال أبو البقاء: "إن جعلت في الظرف ضميرًا يرجع على ﴿الَّذِي﴾، وأبدلت ﴿إِلَهٌ﴾ منه، جاز على ضعف، لأن الغرض الكلي إثبات الإلهية، لا كونه في السماوات والأرض، وكان يفسد أيضًا من وجه آخر، وهو قوله: ﴿وفِي الأَرْضِ إلَهٌ﴾، لأنه معطوف على ما قبله، وإذا لم تقدر ما ذكرنا صار منقطعًا عنه، وكان المعنى: أن في الأرض إلهًا".
ورد هذا الوجه صاحب "الكشف" فقال: "إن جعلته بدلًا منه، أو من ﴿الَّذِي﴾، فذلك يوجب البدل قبل تمام الموصول بالصلة، ألا ترى إلى: أن "في الأرض إله" معطوف على ﴿فِي السَّمَاءِ﴾، فهو في الصلة".
قوله: (قرئ بضم التاء وفتحها): ابن كثير وحمزة والكسائي: "يرجعون" بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء، مضمومتين.
стр. 7677
﴿وَلَا يَمْلِكُ﴾ آلهتهم ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ من دون الله الشفاعة، كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ولكن ﴿مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ - وهو توحيد الله، وهو يعلم ما يشهد به عن بصيرة وإيقان وإخلاص-: هو الذي يملك الشفاعة، وهو استثناء منقطع. ويجوز أن يكون متصلًا، لأنّ في جملة الذين يدعون من دون الله: الملائكة. وقرئ: "تدعون" بالتاء، و"تدّعون" بالتاء وتشديد الدال.
[﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ٨٨ - ٨٩]
﴿وَقِيلِهِ﴾ قرئ بالحركات الثلاث، وذكر في النصب عن الأخفش أنه حمله على: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ وقيله: وعنه- أي: عن الأخفش- وقال قيله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿وقِيلِهِ﴾ [قرئ] بالحركات الثلاث): حمزة وعاصم: بخفض اللام وكسر الهاء، والباقون: بنصب اللام وضم الهاء، وضم اللام: شاذ.
قوله: (وعنه -أي: عن الأخفش- وقال قيله): أي: هو مصدر لفعل محذوف، أيك وقال الرسول ﷺ قيلًا، وفي "الكواشي": "والقيل والقول والقال: واحد".
وقلت: يمكن أن يقال: إنه تعالى يحكي عن حالة رسول الله ﷺ ، كأنه قيل: إنه آيس عن إيمانهم عند سماع قولنا له: ﴿ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، وقال قولًا، وهو: ﴿يَا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾، وينصر هذا التأويل ترتب قوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وقُلْ سَلامٌ﴾، لأنه أمر بالمتاركة والإعراض الكلي، وقوله أيضًا: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، فإنه وعيد لهم، ووعد له صلوات الله عليه في أنه تعالى ينتقم لك منهم، ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]، وإليه الإشارة بقوله: "فأعرض عن دعوتهم يائسًا عن إيمانهم، وودعهم، وتاركهم" إلى قوله: " ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعيد للكفار، وتسلية للرسول ﷺ ".
стр. 7678
وعطفه الزجاج على محل ﴿السَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥]، كما تقول: عجبت من ضرب زيد وعمرًا، وحمل الجرّ على لفظ ﴿السَّاعَةِ﴾، والرفع على الابتداء، والخبر ما بعده، وجوّز عطفه على ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥]، على تقدير حذف المضاف، معناه: عنده علم الساعة وعلم قيله.
والذي قالوه ليس بقوي في المعنى، مع وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضًا، ومع تنافر النظم، وأقوى من ذلك وأوجه: أن يكون الجرّ والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه، والرفع على قولهم: أيمن الله، وأمانة الله، ويمين الله،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي هذا التقريب التفات في غاية من اللطف، لأن أصل المعنى: وقلنا لك: ﴿ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ﴾ الآية، وقلت: ﴿يَا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾، وقلنا لك: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ فإنا ننتقم منهم. فعدل إلى الغيبة، فقال: وقال قيلًا؛ ليؤذن بأن ذلك القول إنما صدر عنه من اليأس التام، فكأنه كان غائبًا عن نفسه متحسرًا عليهم وإيمانهم وفوات سعيه فيهم.
وقريب من هذا التقرير: توجيهه على القسم؛ لأن إتيان المصدر لتعظيم المقول، أي: قال قوله الذي فيه فخامة وشأن، ثم فسره بقوله: ﴿يَا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ المؤذن بالإقناط الكلي المستلزم لاستئصال القوم، وتطهير الأرض من أنجاس إفسادهم، ولإصلاح المؤمنين، وإظهار دين الحق، كقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥]، فحقيق بأن يقسم بهذا الدعاء وأن يكون مظنة للتفخيم والتعظيم، وإليه الإشارة بقوله: "وإقسام الله بقيله رفع منه وتعظيم لدعائه".
قوله: (وعطفه الزجاج على محل ﴿السَّاعَةَ﴾): كما تقول: عجبت من ضرب زيد عمرًا، عطفًا على المحل، تقديره: عجبت من ضرب زيدًا وعمرًا، قال الزجاج: "والذي أختاره أنا أن يكون نصبًا على معنى: ﴿وعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ويعلم قيله، لن معنى: ﴿وعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾: يعلم الساعة ويعلم قيله، ومعنى "الساعة" في القرآن: الوقت الذي تقوم فيه القيامة".
стр. 7679
ولعمرك، ويكون قوله: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ جواب القسم، كأنه قيل: وأقسم بقيله يا رب، أو: وقيله -يا رب- قسمي، إنّ هؤلاء قوم لا يؤمنون.
﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ فأعرض عن دعوتهم يائسًا من إيمانهم، وودعهم وتاركهم، ﴿وَقُلْ﴾ لهم ﴿سَلامٌ﴾ أي: تسلم منكم ومتاركة، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعيد من الله لهم وتسلية لرسوله ﷺ .
والضمير في ﴿وَقِيلِهِ﴾ لرسول الله ﷺ ، وإقسام الله بقيله رفع منه وتعظيم لدعائه والتجائه إليه.
عن النبي ﷺ : «من قرأ سورة الزخرف كان ممن يقال له يوم القيامة: يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، ادخلوا الجنة بغير حساب».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿وَقُلْ﴾ لهم ﴿سَلَامٌ﴾ أي: تسلم منكم ومتاركة): قال مكي: "تقديره: قل: أمري مسالمة منكم، ولم يؤمر بالسلام عليهم، وإنما أمر بالتبري منهم ومن دينهم".
تمت السورة بحمد الله وعونه
مصليًا على رسول الله ﷺ .
* * *
стр. 7680
سورة الدخان
مكية، إلا قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾ الآية
وهي سبع وخمسون آية، وقيل: تسع وخمسون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[﴿حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ ١ - ٨]
الواو في ﴿وَالْكِتابِ﴾ واو القسم، إن جعلت ﴿حم﴾ تعديدًا للحروف، أو اسمًا للسورة مرفوعًا على خبر الابتداء المحذوف، وواو العطف؛ إن كانت ﴿حم﴾ مقسمًا بها. وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ﴾ جواب القسم، والكتاب المبين: القرآن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الدخان
مكية، وهي سبع وخمسون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ جواب القسم): قال صاحب "الكشف": جواب القسم ﴿إنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، دون قوله: ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾، لأنك لا تقسم بالشيء على نفسه، لأن القسم تأكيد
стр. 7681
والليلة المباركة: ليلة القدر، وقيل: ليلة النصف من شعبان، ولها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصكّ، وليلة الرحمة، وقيل: بينها وبين ليلة القدر أربعون ليلة، وقيل في تسميتها: ليلة البراءة والصكّ: أن البندار إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة، كذلك الله يكتب لعباده المؤمنين البراءة في هذه الليلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خبر بخبر آخر، فقوله: ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ اعتراض بين القسم وجوابه. وقال أبو البقاء: "الجواب ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾، و ﴿إنَّا كُنَّا﴾ مستأنف، وقيل: هو جواب آخر من غير عاطف".
والجواب عن قول صاحب "الكشف": "لأنك لا تقسم بالشيء على نفسه": أنه من باب قول الشاعر:
وثناياك إنها إغريض
كما سبق في "الزخرف".
قوله: (البندار): معرب، وما وجدت له ذكرًا سوى في الحاشية: "البندار: من في يده القانون، وهو أصل الخراج"، ثم وجدت في "كتاب ابن الصلاح" في معرفة الحديث: "البندار: من يكون مكثرًا من شيء يشتريه منه من هو دونه، ثم يبيعه، قاله السمعاني- ووجدته بخطه-، وبندار: لقب به محمد بن بشار البصري، روى عنه البخاري ومسلم، قال ابن الفلكي: إنما لقب بهذا لأنه كان بندار الحديث".
стр. 7682
وقيل: هي مختصة بخمس خصال:
تفريق كل أمر حكيم، وفضيلة العبادة فيها، قال رسول الله ﷺ : «من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله إليه مائة ملك؛ ثلاثون يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمنون من عذاب النار، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا، وعشرة يدفعون عنه مكايد الشيطان".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قال رسول الله ﷺ : "من صلى في هذه الليلة") إلى أخره: ما ورد فيما يعتمد عليه من هذا المعنى في الأصول سوى ما رواه ابن ماجه عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلها، وصوموا نهارها، فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى السماء الدنيا، فيقول: ألا من مستغفر فأغفر له، ألا من مسترزق فأرزقه، ألا من مبتلى فأعافيه، ألا كذا، ألا كذا، حتى يطلع الفجر".
?
стр. 7683
ونزول الرحمة، قال ﵊: «إنّ الله يرحم أمّتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بنى كلب».
وحصول المغفرة، قال ﵊: «إنّ الله تعالى يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا لكاهن، أو ساحر، أو مشاحن، أو مدمن خمر، أو عاق للوالدين، أو مصرّ على الزنى».
وما أعطي فيها رسول الله ﷺ من تمام الشفاعة، وذلك أنه سأل ليلة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة) الحديث: من رواية الترمذي وابن ماجه عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا، فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب".
قوله: (إن الله يغفر لجميع المسلمين): روينا في "مسند أحمد بن حنبل" عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ قال: "يطلع الله تعالى إلى خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لعباده إلا اثنين؛ مشاحن وقاتل نفس".
قوله: (مشاحن): النهاية: "المشاحن: المعادي، والشحناء: العداوة، وقال الأوزاعي: أراد بالمشاحن هاهنا: صاحب البدعة المفارق لجماعة الأمة".
قوله: (وما أعطي فيها من تمام الشفاعة): عطف على قوله: "تفريق كل أمر حكيم"، وهي خامسة الخصال التي اختصت هذه الليلة بها.
?
стр. 7684
الثالث عشر من شعبان في أمّته، فأعطي الثلث منها، ثم سأل ليلة الرابع عشر فأعطي الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطي الجميع، إلا من شرد عن الله شراد البعير.
ومن عادة الله في هذه الليلة: أن يزيد فيها ماء زمزم زيادة ظاهرة.
والقول الأكثر: أنّ المراد بالليلة المباركة: ليلة القدر، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، ولمطابقة قوله: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ لقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٤ - ٥]، وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وليلة القدر في أكثر الأقاويل في شهر رمضان.
فإن قلت: ما معى إنزال القرآن في هذه الليلة؟ قلت: قالوا أنزل جملة واحدة من السماء السابعة إلى سماء الدنيا، وأمر السفرة الكرام بانتساخه في ليلة القدر، وكان جبريل ﵇ ينزله على رسول الله ﷺ نجومًا نجومًا.
فإن قلت: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾: ما موقع هاتين الجملتين؟ قلت: هما جملتان مستأنفتان ملفوفتان، فسر بهما جواب القسم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قالوا: أنزل جملةً واحدة): روى محيي السنة عن قتادة وابن زيد: "هي ليلة القدر، أنزل الله تعالى القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب إلى السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل ﵇ نجومًا في عشرين سنة".
قوله: (ملفوفتان): وهو نوع غريب من اللف والنشر، لف أولًا في قوله: ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ معنيين: إنزال القرآن، واختصاصه بليلة مباركة، ثم علل المعنى الأول بقوله: ﴿إنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، والمعنى الثاني بقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، ولما كان المعنى الثاني
?
стр. 7685
الذي هو قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، كأنه قيل: أنزلناه لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب، وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصًا؛ لأنّ إنزال القرآن من الأمور الحكيمة، وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم.
والمباركة: الكثيرة الخير؛ لما يتيح الله فيها من الأمور التي يتعلق بها منافع العباد في دينهم ودنياهم، ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن وحده لكفى به بركة.
ومعنى ﴿يُفْرَقُ﴾ يفصل ويكتب، ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم، منها إلى الأخرى القابلة. وقيل: يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة، ويقع الفراغ في ليلة القدر، فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخه الحروب إلى جبريل، وكذلك الزلازل والصواعق والخسف، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا، وهو ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت. وعن بعضهم: يعطى كل عامل بركات أعماله،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معتنقًا بالأول غير مستقل بنفسه- كما عليه النشر المتعارف، لأنه لا يتم إلا بأن يقال: إنما خصص إنزاله بهذه الليلة لأنه من الأمور المحكمة، وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم، فناسب إنزاله فيها- قال: "جملتان مستأنفتان ملفوفتان"، وأعجب بنشر فيه لف.
قوله: ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ من أرزاق العباد): روى محيي السنة بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: "تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى أن الرجل لينكح ويولد له، وقد أخرج اسمه في الموتى".
?
стр. 7686
فيلقى على ألسنة الخلق مدحه، وعلى قلوبهم هيبته.
وقرئ: "يُفْرَقُ" بالتشديد، "ويُفْرَقُ كل" على بنائه للفاعل ونصب "كل"، والفارق: الله ، وقرأ زيد بن علي ﵁: "نفرق" بالنون.
كل أمر حكيم: كل شأن ذي حكمة، أي: مفعول على ما تقتضيه الحكمة، وهو من الإسناد المجازي؛ لأنّ الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة، ووصف الأمر به مجاز.
﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا﴾ نصب على الاختصاص، جعل كل أمر جزلًا فخمًا بأن وصفه بالحكيم، ثم زاده جزالة وكسبه فخامة بأن قال: أعنى بهذا الأمر أمرًا حاصلًا من عندنا، كائنًا من لدنا، وكما اقتضاء علمنا وتدبيرنا. ويجوز أن يراد به: الأمر الذي هو ضد النهي، ثم إما أن يوضع موضع "فرقانًا" الذي هو مصدر ﴿يُفْرَقُ﴾، لأنّ معنى الأمر والفرقان واحد؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فيلقى على السنة الخلق مدحه): وهو من قوله صلوات الله عليه: "إذا أحب الله العبد، نادى جبريل: أن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض"، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة.
قوله: (وهو من الإسناد المجازي): قال الإمام: "الحكيم: ذو الحكمة، وذلك أن تخصيص الله كل أحد بحالة معينة من الرزق والأجل والسعادة والشقاوة في هذه الليلة: يدل على حكمة بالغة"، فأسند إلى الليلة، كقوله تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧].
?
стр. 7687
من حيث إنه إذا حكم بالشيء وكتبه فقد أمر به وأوجبه، أو يكون حالًا من أحد الضميرين في ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ إما من ضمير الفاعل، أي: أنزلناه آمرين أمرًا، أو من ضمير المفعول، أي: أنزلناه في حال كونه أمرًا من عندنا بما يجب أن يفعل.
فإن قلت: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ بم يتعلق؟ قلت: يجوز أن يكون بدلًا من قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾، ﴿ورَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ مفعولًا له، على معنى: إنا أنزلنا القرآن؛ لأنّ من شأننا إرسال الرسل بالكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة عليهم، وأن يكون تعليلًا لـ ﴿يُفْرَقُ﴾، أو لقوله: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا﴾، …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من حيث إنه إذا حكم بالشيء وكتبه فقد أمر به): يعني: أن معنى ﴿يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾: يفصل ويكتب كل أمر مفعول على مقتضى الحكمة، كما هو معنى "الأمر" الذي هو ضد "النهي"، لأنه تعالى إذا حكم بالشيء وكتبه فقد أوجبه، فكان معنى قوله: ﴿يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ معنى قوله: ﴿أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا﴾، وكان من حق الظاهر- لقوله: "أن يوضع موضع فرقانًا"- أن يقال: أن قوله: ﴿أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا﴾ بمعنى: يفرق ويفصل ويكتب، لأن أمره النازل من عنده لا يكون إلا فصلًا وفرقانًا، لكن لما قال: "معنى الأمر والفرقان واحد"، جعل الأول بمعنى الثاني؛ لاتحادهما في المعنى.
وإنما سلك هذا المسلك ليجمع بين قولي الزجاج حيث قال: "ويجوز أن يكون منصوبًا بـ ﴿يُفْرَقُ﴾، أي: يفرق فرقانًا، لأن ﴿أَمْرًا﴾ بمعنى "فرقانًا"، أو المعنى: يؤتمر فيها أمر قال أبو البقاء: "أمرنا أمرًا، دل على هذا ما اشتمل عليه الكتاب من الأوامر، و ﴿مِّنْ عِندِنَا﴾: إما صفة لـ"أمر" أو أن يتعلق بـ ﴿يُفْرَقُ﴾ ".
قوله: (تعليلًا لـ ﴿يُفْرَقُ﴾ أو لقوله: ﴿أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا﴾): هذا جمع، وقوله: "أي: يفصل
?
стр. 7688
و ﴿رَحْمَةً﴾ مفعولًا به،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في هذه الليلة كل أمر"، وقوله: "أو تصدر الأوامر من عندنا": تقسيم، وقوله: "لأن من عادتنا" إلى آخره، وقوله: "وكذلك الأوامر الصادرة": تفريق.
قوله: (و ﴿رَحْمَةً﴾ مفعولًا به): أي إذا كان ﴿إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ تعليلًا لـ ﴿يُفْرَقُ﴾، أو لقوله: ﴿أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا﴾، يكون ﴿رَحْمَةً﴾ مفعولًا به لـ ﴿مُرْسِلِينَ﴾، قال أبو البقاء: " ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول ﴿مُرْسِلِينَ﴾، ويراد بها النبي ﷺ ".
فإن قلت: هل الاختصاص كونه مفعولًا له في الأول، ومفعولًا به في الثاني، من عائده؟ قلت: أجل، لأن المبدل مطلق، فالمناسب أن يكون البدل كذلك، أعني: ﴿مُنذِرِينَ﴾ و ﴿مُرْسِلِينَ﴾، وهو من بدل الكل؛ لأن الإنذار والإرسال يقتضيان المنذر والمرسل، وهو عبارة عن المختار المبعوث إلى الخلق للإرشاد، ولا يستقيم أن يقال: إنا كنا منذرين رحمة، إلا أن يكون مفعولًا له.
وأما التعليل: فإنه إما أن يكون لـ ﴿يُفْرَقُ﴾، ولا شك أن تفريق كل أمر حكيم أمر عظيم يحتاج إلى أن يعلل بإرسال رحمة للعالمين، وإما أن يكون تعليلًا لـ ﴿أَمْرًا﴾، فهو أولى منه، إذ
?
стр. 7689
وقد وصف الرحمة بالإرسال، كما وصفها به في قوله: ﴿وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]، أي: يفصل في هذه الليلة كل أمر، أو تصدر الأوامر من عندنا؛ لأنّ من عادتنا أن نرسل رحمتنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التقدير حينئذ: أعني بهذا الأمر أمرًا كائنًا من لدنا، ويليق بجلالنا وكبريائنا، ولا يحسن أن يقال: أن ﴿أَمْرًا﴾ على هذا مفعول مطلق، بل منصوبًا على الاختصاص معللًا بقوله: ﴿إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾؛ ليستقل بالتعليل.
قوله: (وصف الرحمة بالإرسال): أي: أوقع الإرسال على الرحمة، وجعلت مفعولًا به، كما أوقع الإمساك عليه في قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]، فعلم من هذه الدقيقة: أن الفعل وصف للفاعل وللمفعول به، وكذلك يقال في قولنا: "ضرب زيد عمرًا": أن زيدًا ضارب، وعمرًا مضروب.
فإن قلت: ذكر أن قوله: ﴿إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾: إما بدل من قوله: ﴿إنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، أو تعليل لـ ﴿يُفْرَقُ﴾، أو لقوله: ﴿أَمْرًا﴾، فأي الوجهين هو المختار؟ قلت- والمعلم عند الله-: الثاني؛ لأن الجمل كلها حينئذ واردة على التعليل المتداخل، كما يفهم من كلامه، فكأنه لما قيل: ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، فقيل: لم؟ فأجيب: لأنه من شأننا التحذير والعقاب، فقيل: لم خصص الإنزال في هذه الليلة؟ فقيل: لأنه من الأمور المحكمة، ومن شأن هذه الليلة أن يفرق فيها كل أمر حكيم، فقيل: لم كان من الأمور المحكمة؟ فأجيب: لأن ذا الجلال والإكرام أراد إرسال رحمة للعالمين، ومن حق المنزل عليه أن يكون حكيمًا؛ لكونه للعالمين نذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فقيل: لماذا رحمهم الرب بذلك؟ فأجيب: لأنه هو وحده سميع عليم، يعلم جزئيات أحوال عباده وكلياتها، ويعلم ما يحتاجون إليه دنيا وآخرة، وهو وحده رب السماوات والأرض، يربيهم ويرزقهم ويمنحهم مرافقهم، وهو وحده يحييهم ويميتهم، ويثيبهم ويعاقبهم، وإليه الإشارة بقوله: ﴿إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وما بعده تحقيق لروبيته، وأنها لا تحق إلا لمن هذه أوصافه.
?
стр. 7690
وفصل كل أمر من قسمة الأرزاق وغيرها: من باب الرحمة، وكذلك الأوامر الصادرة من جهته عز وعلا، لأنّ الغرض في تكليف العباد تعريضهم للمنافع، والأصل: إنا كنا مرسلين رحمة منا، فوضع الظاهر موضع الضمير؛ إيذانًا بأنّ الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين.
وفي قراءة زيد بن على: "أمر من عندنا"، على: هو أمر، وهي تنصر انتصابه على الاختصاص. وقرأ الحسن: "رحمة من ربك"، على: تلك رحمة، وهي تنصر انتصابها بأنها مفعول له.
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وما بعده: تحقيق لربوبيته، وأنها لا تحق إلا لمن هذه أوصافه، وقرئ: "رب السماوات" "ربكم ورب آبائكم" بالجر، بدلًا من ﴿ربك﴾.
فإن قلت: ما معنى الشرط الذي هو قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾؟ قلت: كانوا يقرون بأن للسماوات والأرض ربًا وخالقًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على: تلك رحمة من ربك): وهي تنصر انتصابها مفعولًا له، وقال صاحب "التقريب": إذ لو كانت مفعولًا به لدل اللفظ على أن المرسل رحمة، لا الإرسال، وفيه نظر. وقلت: كلام المصنف لا يشعر بذلك، بل فيه: أن ﴿رَحْمَةً﴾ إذا قطعت وجعلت جملة مستأنفةً تعينت لبيان الموجب للإرسال.
قوله: (كانوا يقرون بأن للسماوات والأرض ربًا): هذا الفصل إلى آخره فيه بيان للإشارات والتلويحات التي تضمنت الآيات؛ بدأ الله بتعظيم الألوهية، وتعظيم كتابه الحكيم، ورسوله الكريم، حيث أتى بالصيغة المنبهة على الجلال والكبرياء، وهي: ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ إلى قوله: ﴿إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾، ثم خص الخطاب برسوله صلوات الله عليه، والمراد
?
стр. 7691
فقيل لهم: إنّ إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة من الرب، ثم قيل: إن هذا الرب هو السميع العليم الذي أنتم مقرون به، ومعترفون بأنه رب السماوات والأرض وما بينهما، إن كان إقراركم عن علم وإيقان، كما تقول: إنّ هذا إنعام زيد الذي تسامع الناس بكرمه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العموم، وأن الأصل: ﴿مِنء رَبِّكُمْ﴾، وإليه الإشارة بقوله: "فقيل لهم: أن إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة من الرب"، فوضع "الرب" موضع "منا"؛ ليؤذن بأن الربوبية تقتضي الرحمة على المربين، وليكون تمهيدًا ينبني عليه التعليل المتضمن للتعريض؛ بتوسيط ضمير الفصل وتعريف الخبر، للإشعار بأن آلهتهم لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنهم شيئًا، وإلى التعليل والتعريض أشار بقوله: ﴿إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وما بعده تحقيق لربوبيته، وأنها لا تحق إلا لمن هذه أوصافه، وفي تخصيص ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ إدماج لمعنى التهديد والوعيد للكفار، والوعد للمؤمنين الذين تلقوا هذه النعمة بأنواع الشكر.
ثم نبه الكفار عن سنة الغفلة والتقاعد عن موجبات الشكر، فرجع إليهم من خطاب الرسول ﷺ ، موبخًا بما اشتهر عندهم من الوصف الذي لا بد لهم أن يقروا به، فأبدل من ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، يعني: هذا المذكور من إنزال الكتب وإرسال الرسول ﷺ رحمة وإنعام ممن تقرون به، وتقولون: إنه خالق السماوات والأرض وما بينهما، فما هذا التهاون، فاقبلوها واغتنموا الفرصة أن كنتم تدعون الإيقان.
وقد أشار إلى هذا المعنى بقوله: "إن بلغك حديثه"؛ لأن ذلك مشهور عنده، ولم يكن الإعلام إلا للتنبيه على التهاون؛ ليقام الشكر على إنعامه، والشرط يقتضي ذلك، لأنه من باب قول العامل: أن كنت عملت فأعطني حقي.
?
стр. 7692
واشتهروا سخاؤه، إن بلغك حديثه وحدثت بقصته.
[﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ * فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَاتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ ٩ - ١٢]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم ألزمهم بعد هذا التقرير البليغ كلمة التقوى، وهي ﴿لا إلَهَ إلاَّ هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾، ثم خص التربية بهم وبأسلافهم جاريًا على سنن الخطاب ﴿رَبُّكُمْ ورَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾، ومقررًا لمزيد توخي شكر تلك الرحمة السنية، وهذه النعمة الجليلة.
ثم لفرط عنادهم وعدم إيقانهم التفت من الخطاب في قوله ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، فبعدهم وطردهم؛ إيذانًا بأنهم مع إيقانهم ذلك منزلون منزلة الشاكين، حيث لم يعملوا بموجبه، وخلطوا مع اليقين الهزء واللعب، كما قال: " قول مخلوط بهزء ولعب".
ثم التفت إلى حبيبه صلوات الله عليه مسليًا له وإقناطًا من إيمانهم، بقوله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَاتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾، فقابل إنزال الكتاب بإنزال العقاب من السماء، يعني: إنزال الكتاب رحمة لهم، وحين أعرضوا عنه انتظر إنزال العذاب، وأسند"العذاب" إلى "السماء"، وإن كان هو الفاعل حقيقة؛ ليكون على وزان قوله تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، والله أعلم بأسرار كلامه.
قوله: (إن بلغك حديثه): عن بعضهم: فائدة قوله: "إن بلغك حديثه": التنبيه للمخاطب أن من حقك أن تكون عالمًا به، ولا تكون غافلًا عن مثله، فتغتر به، فإنه من أمر عظيم، فكذلك الشرط في الآية، ويراد تعيير المخاطب على الغفلة عنه.
ويروى: "واشتهروا سخاءه" بالنصب؛ لأن"اشتهر" يستعمل لازمًا ومتعديًا.
?
стр. 7693
ثم ردّ أن يكونوا موقنين بقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، وأن إقرارهم غير صادر عن علم وتيقن، ولا عن جدّ وحقيقة، بل قول مخلوط بهزء ولعب.
﴿يَوْمَ تَاتِي السَّماءُ﴾ مفعول به مرتقب، يقال: رقبته وارتقبته، نحو: نظرته وانتظرته. واختلف في الدخان: فعن علي بن أبي طالب ﵁، وبه أخذ الحسن: أنه دخان يأتي من السماء قبل يوم القيامة، يدخل في أسماع الكفرة، حتى يكون رأس الواحد منهم كالرأس الحنيذ، ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام، وتكون الأرض كلها كبيت أو قد فيه، ليس فيه خصاص.
وعن رسول الله ﷺ : «أوّل الآيات: الدخان، ونزول عيسى ابن مريم، ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر»، قال حذيفة: يا رسول الله، وما الدخان؟ فتلا رسول الله ﷺ الآية، وقال: «يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يومًا وليلة، أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكمّة، وأما الكافر فهو كالسكران، يخرج من منخريه وأذنيه ودبره».
وعن ابن مسعود ﵁: خمس قد مضت: الروم، والدخان،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ليس فيه خصاص): النهاية: "الخصاص: الفرج والأنقاب".
قوله: (أبين): بكسر الهمزة وفتحها، وهو اسم رجل بنى هذه المدينة، والمشهور الفتح، و "عدن": غير منصرف.
قوله: (خمس قد مضت)، وقوله: (إن قاصًا عند أبواب كندة): الحديث مع تغيير في الألفاظ والمعاني أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن مسروق، وعنه قال: "كنا جلوسًا عند عبد الله بن مسعود، وهو مضطجع، فأتاه رجل"، الحديث.
?
стр. 7694
والقمر، والبطشة، واللزام. ويروى أنه قيل لابن مسعود: إن قاصًا عند أبواب كندة يقول: إنه دخان يأتي يوم القيامة، فيأخذ بأنفاس الخلق، فقال: من علم علمًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من علم الرجل أن يقول لشيء لا يعلمه: الله أعلم، ثم قال: ألا وسأحدّثكم، أنّ قريشًا لما استعصت على رسول الله ﷺ دعا عليهم، فقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف»، فأصابهم الجهد، حتى أكلوا الجيف والعلهز، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان، وكان يحدّث الرجل، فيسمع كلامه ولا يراه من الدخان، فمشى إليه أبو سفيان ونفر معه، وناشدوه الله والرحم، وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا، فلما كشف عنهم رجعوا إلى شركهم.
﴿بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ظاهر حاله لا يشك أحد في أنه دخان.
﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ يشملهم ويلبسهم، وهو في محل الجر صفة لـ"دخان". و ﴿هَذَا عَذابٌ﴾ إلى قوله: ﴿مُؤْمِنُونَ﴾ منصوب المحل بفعل مضمر، وهو: يقولون، و"يقولون" منصوب على الحال، أي: قائلين ذلك، ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ موعدة بالإيمان إن كشف عنهم العذاب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (واللزام): اللزام: فسر بأنه يوم بدر، وهو في اللغة: الملازمة للشيء والمداومة عليه.
و"اشدد وطأتك على مضر": أي: خذهم أخذًا شديدًا. والوطء في الأصل: الدوس بالقدم، فسمي به في الغزو والقتل، لأن من يطأ على الشيء برجله فقد استقصى في هلاكه وإهانته. و"العلهز": شيء يتخذونه في المجاعة، يخلطون الدم بأوبار الإبل، ثم يشوونه بالنار ويأكلونه، وقيل: كانوا يخلطون فيه القردان، والعلهز: القراد الضخم، وقيل: العلهز: شيء ينبت له أصل كأصل البردي. كله في"النهاية".
?
стр. 7695
[﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ ١٣ - ١٦]
﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ كيف يذكرون ويتعظون ويفون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب، ﴿وَقَدْ جاءَهُمْ﴾ ما هو أعظم وأدخل في وجوب الادّكار من كشف الدخان، وهو ما ظهر على رسول الله ﷺ من الآيات البينات؛ من الكتاب المعجز وغيره من المعجزات، فلم يذكروا، وتولوا عنه، وبهتوه بأن عداسًا -غلامًا أعجميًا لبعض ثقيف- هو الذي علمه، ونسبوه إلى الجنون.
ثم قال: ﴿إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ أي: ريثما نكشف عنكم العذاب تعودون إلى شرككم، لا تلبثون غب الكشف على ما أنتم عليه من التضرع والابتهال.
فإن قلت: كيف يستقيم على قول من جعل الدخان قبل يوم القيامة قوله: ﴿إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا﴾؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قلت: فسرت اللزام بيوم بدر، وكذا فسره المصنف في آخر الفرقان، ثم لا يخلو أن يراد ب"البطشة الكبرى": يوم القيامة أو يوم بدر، فيلزم من الأول أن البطشة الكبرى مترقبة، ولقد روي في الحديث أنها قد مضت، ومن الثاني أن لا يكون المعدود خمسًا؟
قلت: إذا وصف يوم بدر بأمرين: بأن العذاب كان شديدًا كثيرًا، وأن ذلك العذاب كان ملازمًا للقتلى كما ذكر في القرآن؛ يستقيم المعدود، وأما تفسير "البطشة الكبرى" بيوم القيامة فهو مشكل، اللهم إلا أن يذهب إلى التغليب، أو أن ما هو كائن بمنزلة الكائن، كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤].
قوله: (فإن قلت: كيف يستقيم على قول من جعل الدخان): تحرير السؤال والجواب ما ذكر في" التفسير الكبير": "أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إنَّا مُؤْمِنُونَ﴾،
?
стр. 7696
قلت: إذا أتت السماء بالدخان تضور المعذبون به من الكفار والمنافقين، وقالوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ منيبون، فيكشفه الله عنهم بعد أربعين يومًا، فريثما يكشفه عنهم يرتدون لا يتمهلون.
ثم قال: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى﴾ يريد: يوم القيامة، كقوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى﴾ [النازعات: ٣٤]، ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ أي: ننتقم منهم في ذلك اليوم.
فإن قلت: بم انتصب ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ﴾؟ قلت: بما دل عليه ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا إذا حملناه على القحط الذي وقع بمكة استقام، فإنه نقل: أنه لما اشتد القحط فيها مشى أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ ، وناشده الرحم، وواعده- أن دعا لهم وأزال الله عنهم تلك البلية- أن يؤمنوا، فلما أزاله الله تعالى رجعوا إلى شركهم، أما إذا حملناه على أن المراد منه ظهور علامة القيامة لم يصح ذلك، لأن عند ظهور أشراط الساعة لا يمكنهم أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إنَّا مُؤْمِنُونَ﴾، ولم يصح أيضًا أن يقال لهم: ﴿إنَّا كَاشِفُوا العَذَابِ قَلِيلًا إنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾.
والجواب: لم لا يجوز أن يكون ظهور هذه العلامة جاريًا مجرى ظهور سائر علامات القيامة في أنه لا يوجب انقطاع التكليف، فتحدث هذه الحالة، ثم أن الناس يخافون فيتضرعون، فإذا زالت تلك الواقعة عادوا إلى الكفر والفسق، وإذا كان هذا محتملًا استقام قوله: ﴿إنَّا كَاشِفُوا العَذَابِ﴾ مع القول بأن الدخان قبل يوم القيامة، أي: هو من أشراط الساعة".
قوله: (تضور المعذبون): الجوهري: "التضور: الصياح والتلوي عند الضرب أو الجوع"، وعن بعضهم: تضور: أي غلب عليهم الضعف، من قولهم: رجل ضورة، أي: ضعيف.
قوله: (لا يتمهلون): تمهل في أمر: أي: اتأد، وتمهل: أي: تقدم.
?
стр. 7697
وهو "ننتقم"، ولا يصح أن ينتصب بـ ﴿مُنتَقِمُونَ﴾، لأن «إن» تحجب عن ذلك.
وقرئ: "نبطش" بضم الطاء، وقرأ الحسن: "نبطش" بضم النون، كأنه يحمل الملائكة على أن يبطشوا بهم البطشة الكبرى، أو يجعل البطشة الكبرى باطشة بهم.
وقيل: ﴿الْبَطْشَةَ الْكُبْرى﴾: يوم بدر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن "إن" تحجب عن ذلك): قال الزجاج: " ﴿يَوْمَ﴾ لا يجوز أن يكون منصوبًا بقوله: ﴿مُنتَقِمُونَ﴾؛ لأن ما بعد ﴿إِنَّا﴾ لا يجوز أن يعمل فيما قبله". قال: وصاحب "الكشف" نصبه بقوله: ﴿إنَّا كَاشِفُوا العَذَابِ﴾. وقلت: لا يساعد عليه قوله: ﴿إنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾، لأن البطشة الكبرى: إما أن تكون يوم القيامة أو يوم بدر، وقد عقب بقوله: ﴿إنَّا مُنتَقِمُونَ﴾.
قوله: (كأنه يحمل الملائكة على أن يبطشوا): قال أبو البقاء: "يقال: أبطشته: إذا أمكنته من البطش، أي: نبطش الملائكة"، فعلى هذا: المفعول به محذوف، ويجوز أن تجعل ﴿البَطْشَةَ الكُبْرَى﴾ مفعولًا به على الإسناد المجازي، نحو: جد جده، و ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩].
وقال ابن جني: "وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وطلحة بخلاف، وهذا من: بطش هو، وأبطشته أنا، كقدر وأقدرته، وأما انتصاب ﴿البَطْشَةَ﴾ فبفعل مضمر يدل عليه الظاهر، أي: يوم نبطش من نبطشه، فيبطش البطشة الكبرى، ولك أن تنصب ﴿البَطْشَةَ الكُبْرَى﴾ على أنه مفعول به، كأنه قيل: يوم نقوي البطشة الكبرى عليهم، ونمكنها منهم، كقولك: يوم نسلط القتل عليهم، ونوسع الأخذ منهم".
الراغب: "البطش: تناول الشيء بصولة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] ".
?
стр. 7698
[﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ * أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ * وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ * وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ ١٧ - ٢١]
وقرئ: "ولقد فتنا"، بالتشديد؛ للتأكيد أو لوقوعه على القوم. ومعنى الفتنة: أنه أمهلهم ووسع عليهم في الرزق، فكان ذلك سببًا في ارتكابهم المعاصي واقترافهم الآثام، أو: ابتلاهم بإرسال موسى إليهم ليؤمنوا، فاختاروا الكفر على الإيمان، أو: سلبهم ملكهم وأغرقهم.
﴿كَرِيمٌ﴾ على الله وعلى عباده المؤمنين، أو كريم في نفسه، لأنّ الله لم يبعث نبيًا إلا من سراة قومه وكرامهم.
﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ﴾ هي "أن" المفسرة، لأن مجيء الرسول من بُعِثَ إليهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ("فتنا" بالتشديد؛ للتأكيد أو لوقوعه على القوم): يريد: أنه على منوال المبالغة في قوله: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩]، أي: "فعل" للتكثير، وهو إما بحسب ذنوبهم العظيمة، يعذبهم عذابًا شديدًا، أو بحسب كثرتهم، لوقوعه على كثيرين، فيوزع فيهم.
الراغب: نحوه: قتل الرجل وقتل القوم.
قوله: (أو كريم في نفسه): الأساس: "كرم فلان علينا كرامة، وله علينا كرامة، وأكرم نفسه بالتقوى، وأكرمها عن المعاصي، وهو يتكرم عن الشوائن، قال أبو حية:
ألم تعلمي أني إذا النفس أشرفت على طمع لم أنس أن أتكرما"
وقلت: وعليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].
قوله: (من بعث إليهم): نصب بنزع الخافض، أي: إلى من بعث إليهم.
?
стр. 7699
متضمن لمعنى القول، لأنه لا يجيئهم إلا مبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله. أو المخففة من الثقيلة، ومعناه: وجاءهم بأن الشأن والحديث: أدّوا إلي.
﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ﴾ مفعول به، وهم بنو إسرائيل، يقول: أدوهم إليّ وأرسلوهم معي، كقوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧]، ويجوز أن يكون نداء لهم؛ على: أدوا إليّ -يا عباد الله- ما هو واجب لي عليكم من الإيمان لي وقبول دعوتي واتباع سبيلي، وعلل ذلك بأنه ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ غير ظنين، قد ائتمنه الله على وحيه ورسالته.
﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا﴾: "أن" هذه مثل الأولى في وجهيها، أي: لا تستكبروا، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ بالاستهانة برسوله ووحيه، أو لا تستكبروا على نبيّ الله، ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ بحجة واضحة.
﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ أن تقتلون، وقرئ: "عذت" بالإدغام،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو المخففة من الثقيلة): وعن بعضهم: إذا كانت مخففةً من الثقيلة يجب أن تعوض بأحد الحروف الأربعة: النفي، وقد، وسوف، والسين؛ بدلًا مما ذهب منها، وهاهنا ما عوض، ويجب أن تكون" أن" التي معها الفعل في تأويل المصدر؛ لأن جميع الأفعال سواء في هذا الحكم، أمرًا كان أو مضارعًا أو غيرهما.
قوله: (﴿أَمِينٌ﴾ غير ظنين): النهاية: "وفي الحديث: "لا يجوز شهادة ظنين"، أي: متهم في دينه، فعيل بمعنى: مفعول؛ من الظنة: التهمة"، يريد: أن التعليل بقوله: ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ترشيح لاستعارة ﴿أَدُّوا إلَيَّ﴾ لقبول الدعوة، ومن ثم قال: "أدوا إلى ما هو واجب عليكم".
قوله: ("أن" هذه مثل الأولى في وجهيها): أي: في أن تكون مفسرةً أو مخففةً من الثقيلة.
قوله: ("عذت" بالإدغام): وهي المشهورة.
?
стр. 7700
ومعناه أنه عائذ بربه متكل على أنه يعصمه منهم ومن كيدهم، فهو غير مبال بما كانوا يتوعدونه به من الرجم والقتل.
﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾ يريد: إن لم تؤمنوا لي، فلا موالاة بيني وبين من لا يؤمن، فتنحوا عني، واقطعوا أسباب الوصلة عني، أو فخلوني كفافًا لا لي ولا عليّ، ولا تتعرضوا لي بشركم وأذاكم، فليس جزاء من دعاكم إلى ما فيه فلاحكم ذلك.
[﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ * فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ ٢٢ - ٢٤]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فلا موالاة بيني وبين من لا يؤمن): يريد: أن قوله: ﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾ مسبب عن جواب الشرط، وأقيم مقامه، وإنما عم ولم يقل: فلا موالاة بيني وبينكم؛ ليؤذن بأن هذا دأبه وعادته، وليس مختصًا بهم.
الراغب: "الاعتزال: تجنب الشيء؛ عمالةً كانت أو براءةً أو غيرهما، بالبدن كان أو بالقلب، يقال: عزلته وتعزلته فاعتزل، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾: أي: ممنوعون بعد أن كانوا يمكنون، والأعزل: الذي لا رمح معه".
قوله: (أو فخلوني كفافًا): عطف على: "فتنحوا عني"، وعلى هذا الوجه: ﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾: كناية عن تركه، وإن لم يوجد الاعتزال بالأبدان.
النهاية: "وفي حديث عمر ﵁: " وددت أني سلمت من الخلافة كفافًا، لا علي ولا لي"؛ الكفاف: هو الذي لا يفضل عن الشيء، ويكون بقدر الحاجة إليه، وهو نصب على الحال، وقيل: أراد به: مكفوفًا عني شرها، وقيل: معناها: أن لا تنال مني ولا أنال منها، أي: تكف عني وأكف عنها".
?
стр. 7701
﴿أَنَّ هؤُلاءِ﴾ بأن هؤلاء، أي: دعا ربه بذلك. قيل: كان دعاؤه: اللهم عجل لهم ما يستحقونه بإجرامهم، وقيل: هو قوله: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥]، وإنما ذكر الله تعالى السبب الذي استوجبوا به الهلاك، وهو كونهم مجرمين.
وقرئ: "إنّ هؤلاء"، بالكسر؛ على إضمار القول، أي: فدعا ربه فقال: إن هؤلاء.
﴿فَأَسْرِ﴾ قرئ بقطع الهمزة؛ من أسرى، ووصلها؛ من سرى، وفيه وجهان: إضمار القول بعد الفاء؛ فقال: أسر بعبادي، وأن يكون جواب شرط محذوف، كأنه قيل: قال: إن كان الأمر كما تقول فأسر، ﴿بِعِبادِي﴾ يعني: فأسر ببني إسرائيل، فقد دبر الله أن تتقدموا ويتبعكم فرعون وجنوده، فينجي المتقدمين، ويغرق التابعين.
الرهو: فيه وجهان: أحدهما: أنه الساكن، قال الأعشى:
يمشين رهوًا فلا الأعجاز خاذلة .... ولا الصدور على الأعجاز تتّكل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قيل: كان دعاؤه: اللهم عجل): يعني: يجوز أن يكون دعاؤه هذا المذكور، وهو قوله: ﴿أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾ على تقدير الباء، أي: دعا ربه بأن -يا رب- هؤلاء المشخصون المشاهدون تناهى أمرهم في الكفر غايته، فافعل بهم ما هم أهله، لأن الكافر إذا وصف بالإجرام كان متناهيًا في الكفر.
أو يكون الدعاء محذوفًا، والمذكور تعليلًا له، أي: عجل لهم ما يستحقونه؛ لأنهم قوم مجرمون، أو: ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا، أي: محنةً وبلاءً للقوم الظالمين؛ لأن هؤلاء قوم مجرمون، وإليه أشار بقوله: "وإنما ذكر الله تعالى السبب الذي استوجبوا به الهلاك"، أي: اكتفى بالسبب عن المسبب لظهوره، فأجاب الله دعاءه، وعزم على إهلاكهم، وقال له ﵇: "أسر بعبادي ليلًا".
قوله: (﴿فَأَسْرِ﴾ قرئ بقطع الهمزة): بالوصل: نافع وابن كثير، والباقون: بقطعها.
قوله: (يمشين رهوًا) البيت: والضمير في "يمشين" للإبل، "خاذلة": أي: تاركة، خذل
?
стр. 7702
أي: مشيًا ساكنًا على هينة، أراد موسى لما جاوز البحر أن يضربه بعصاه فينطبق، كما ضربه فانفلق، فأمر بأن يتركه ساكنًا على هيئته، قارًّا على حاله؛ من انتصاب الماء، وكون الطريق يبسًا لا يضربه بعصاه، ولا يغير منه شيئًا، ليدخله القبط، فإذا حصلوا فيه أطبقه الله عليهم.
والثاني: أن الرهو الفجوة الواسعة، وعن بعض العرب: أنه رأى جملًا فالجًا، فقال: سبحان الله، رهو بين سنامين. أي: اتركه مفتوحًا على حاله منفرجًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يخذل خذلانًا، وهو تركك نصرة أخيك، يصف نوقًا سالكات أرض الفلاة، أي: يمشين مشيًا على هينة، فلا الأعجاز تخذل قوائمها، ولا الصدور تتكل على أعجازها، أي: لسن بكثيرات اللحم. وبعده:
فهن معترضات والحصى رمض .... والريح ساكنة والظل معتدل
الراغب: "رهوًا: أي: ساكنًا؛ وقيل: سعة، وهو الصحيح، ومنه: الرهاء: المفازة المستوية، ويقال: لكل جوية مستوية يجتمع فيها الماء: رهو، ومنه قيل: لا شفعة في رهو".
قوله: (الفجوة الواسعة): الجوهري: "الفجوة: الفرجة، والمتسع بين الشيئين".
قوله: (جملًا فالجًا): الجوهري: "الفالج: الجمل الضخم ذو السنامين، يحمل من السند للفحلة".
?
стр. 7703
﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ وقرئ بالفتح؛ بمعنى: لأنهم.
[﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ ٢٥ - ٢٧]
والمقام الكريم: ما كان لهم من المجالس والمنازل الحسنة، وقيل: المنابر.
والنعمة: بالفتح: من التنعم، وبالكسر: من الإنعام. وقرئ: ﴿فَاكِهِينَ﴾ و"فكهين".
[﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ * فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ ٢٨ - ٢٩]
﴿كَذلِكَ﴾ الكاف منصوبة على معنى: مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها ﴿وَأَوْرَثْناها﴾، أو في موضع الرفع؛ على الأمر كذلك،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والمقام الكريم: ما كان لهم من المجالس): الراغب: "كل شيء يشرف في بابه يوصف بالكرم، قال تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠]، وقال: ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧]، ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، إذا وصف الله بالكرم: فهو اسم لإحسانه وإنعامه المتظاهر، كقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]، وإذا وصف به الإنسان: فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه".
قوله: (وقرئ: ﴿فَاكِهِينَ﴾): وهي المشهورة.
قوله: (مثل ذلك الإخراج أخر جناهم): المشار إليه: الإخراج، ولم يسبق في اللفظ مصرحًا به، لكن في الكلام ما دل عليه، وهو قوله: ﴿إنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾، وقوله: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وعُيُونٍ﴾، لأنه إنما تكون المتابعة إذا حصل الإخراج، قال أبو البقاء: "و ﴿كَذَلِكَ﴾ الأمر، أي: الأمر كذلك، وقيل: التقدير: تركًا كذلك".
?
стр. 7704
قَوْمًا آخَرِينَ ليسوا منهم في شيء من قرابة ولا دين ولا ولاء، وهم بنو إسرائيل، كانوا متسخرين مستعبدين في أيديهم، فأهلكهم الله على أيديهم، وأورثهم ملكهم وديارهم.
إذا مات رجل خطير قالت العرب في تعظيم مهلكه: بكت عليه السماء والأرض، وبكته الريح، وأظلمت له الشمس، وفي حديث رسول الله ﷺ : «ما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه، إلا بكت عليه السماء والأرض»، وقال جرير:
تبكي عليك نجوم اللّيل والقمرا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في تعظيم مهلكه): أي: هلاكه، الجوهري: "هلك الشيء هلاكًا وهلوكًا ومهلكًا وتهلكة، والاسم: الهلك؛ بالضم".
قوله: (وفي حديث رسول الله ﷺ : روى الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مؤمن إلا وله بابان، باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه، وذلك قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ والأَرْضُ﴾ ".
قوله: (تبكي عليك نجوم الليل والقمرا): أوله- في "المطلع"-:
الشمس طالعة ليست بكاسفة
وقال: رثى جرير عمر بن عبد العزيز، ويروى برفع "النجوم" ونصبها، يعاتب الشمس في طلوعها، وكان من حقها أن يكون كاسفةً باكيةً لفقده، والمعنى على النصب: تبكي عليك بكاء النجوم، فحذف المضاف، والواو بمعنى "مع"، وقيل: أي: ليست بكاسفة نجوم الليل، وقدم "تبكي عليك" بين فعل الشمس ومفعولها، والمعنى: تبكي عليك الشمس، كأنه
?
стр. 7705
وقالت الخارجية:
أيا شجر الخابور مالك مورقًا .... كأنّك لم تجزع على ابن طريف
وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه، وكذلك ما يروى عن ابن عباس ﵁؛ من بكاء مصلى المؤمن، وآثاره في الأرض، ومصاعد عمله، ومهابط رزقه في السماء: تمثيل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتعجب من الطلوع، وقيل: كان يتهجد فتبكيه النجوم والقمر، ويعدل بالنهار فتبكيه الشمس، والشمس غالبة في البكاء، لأن العدل أفضل، وهو من قولهم: باكيته فبكيته؛ أي: كنت أبكى منه، أي: طلعت الشمس ولكن مع طلوعها تبكي وتغلب النجوم والقمر في البكاء عليك.
وروي ما قبله:
نعى النعاة أمير المؤمنين لنا .... يا خير من حج بيت الله واعتمرا
حملت أمرًا عظيمًا فاصطبرت له .... وقمت فيه بأمر الله يا عمرا
قوله: (أيا شجر الخابور) البيت: وبعده:
فتىً لا يحب الزاد إلا من التقى .... ولا المال إلا من قنًا وسيوف
فلا تجزعا يا ابني طريف فإنني .... أرى الموت نزالًا بكل شريف
?
следующие страницы →