← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7701–7740 · переход к 7706.

стр. 7701

﴿أَنَّ هؤُلاءِ﴾ بأن هؤلاء، أي: دعا ربه بذلك. قيل: كان دعاؤه: اللهم عجل لهم ما يستحقونه بإجرامهم، وقيل: هو قوله: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥]، وإنما ذكر الله تعالى السبب الذي استوجبوا به الهلاك، وهو كونهم مجرمين. وقرئ: "إنّ هؤلاء"، بالكسر؛ على إضمار القول، أي: فدعا ربه فقال: إن هؤلاء. ﴿فَأَسْرِ﴾ قرئ بقطع الهمزة؛ من أسرى، ووصلها؛ من سرى، وفيه وجهان: إضمار القول بعد الفاء؛ فقال: أسر بعبادي، وأن يكون جواب شرط محذوف، كأنه قيل: قال: إن كان الأمر كما تقول فأسر، ﴿بِعِبادِي﴾ يعني: فأسر ببني إسرائيل، فقد دبر الله أن تتقدموا ويتبعكم فرعون وجنوده، فينجي المتقدمين، ويغرق التابعين. الرهو: فيه وجهان: أحدهما: أنه الساكن، قال الأعشى: يمشين رهوًا فلا الأعجاز خاذلة .... ولا الصدور على الأعجاز تتّكل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قيل: كان دعاؤه: اللهم عجل): يعني: يجوز أن يكون دعاؤه هذا المذكور، وهو قوله: ﴿أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾ على تقدير الباء، أي: دعا ربه بأن -يا رب- هؤلاء المشخصون المشاهدون تناهى أمرهم في الكفر غايته، فافعل بهم ما هم أهله، لأن الكافر إذا وصف بالإجرام كان متناهيًا في الكفر. أو يكون الدعاء محذوفًا، والمذكور تعليلًا له، أي: عجل لهم ما يستحقونه؛ لأنهم قوم مجرمون، أو: ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا، أي: محنةً وبلاءً للقوم الظالمين؛ لأن هؤلاء قوم مجرمون، وإليه أشار بقوله: "وإنما ذكر الله تعالى السبب الذي استوجبوا به الهلاك"، أي: اكتفى بالسبب عن المسبب لظهوره، فأجاب الله دعاءه، وعزم على إهلاكهم، وقال له ﵇: "أسر بعبادي ليلًا". قوله: (﴿فَأَسْرِ﴾ قرئ بقطع الهمزة): بالوصل: نافع وابن كثير، والباقون: بقطعها. قوله: (يمشين رهوًا) البيت: والضمير في "يمشين" للإبل، "خاذلة": أي: تاركة، خذل ?

стр. 7702

أي: مشيًا ساكنًا على هينة، أراد موسى لما جاوز البحر أن يضربه بعصاه فينطبق، كما ضربه فانفلق، فأمر بأن يتركه ساكنًا على هيئته، قارًّا على حاله؛ من انتصاب الماء، وكون الطريق يبسًا لا يضربه بعصاه، ولا يغير منه شيئًا، ليدخله القبط، فإذا حصلوا فيه أطبقه الله عليهم. والثاني: أن الرهو الفجوة الواسعة، وعن بعض العرب: أنه رأى جملًا فالجًا، فقال: سبحان الله، رهو بين سنامين. أي: اتركه مفتوحًا على حاله منفرجًا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يخذل خذلانًا، وهو تركك نصرة أخيك، يصف نوقًا سالكات أرض الفلاة، أي: يمشين مشيًا على هينة، فلا الأعجاز تخذل قوائمها، ولا الصدور تتكل على أعجازها، أي: لسن بكثيرات اللحم. وبعده: فهن معترضات والحصى رمض .... والريح ساكنة والظل معتدل الراغب: "رهوًا: أي: ساكنًا؛ وقيل: سعة، وهو الصحيح، ومنه: الرهاء: المفازة المستوية، ويقال: لكل جوية مستوية يجتمع فيها الماء: رهو، ومنه قيل: لا شفعة في رهو". قوله: (الفجوة الواسعة): الجوهري: "الفجوة: الفرجة، والمتسع بين الشيئين". قوله: (جملًا فالجًا): الجوهري: "الفالج: الجمل الضخم ذو السنامين، يحمل من السند للفحلة". ?

стр. 7703

﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ وقرئ بالفتح؛ بمعنى: لأنهم. [﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ ٢٥ - ٢٧] والمقام الكريم: ما كان لهم من المجالس والمنازل الحسنة، وقيل: المنابر. والنعمة: بالفتح: من التنعم، وبالكسر: من الإنعام. وقرئ: ﴿فَاكِهِينَ﴾ و"فكهين". [﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ * فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ ٢٨ - ٢٩] ﴿كَذلِكَ﴾ الكاف منصوبة على معنى: مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها ﴿وَأَوْرَثْناها﴾، أو في موضع الرفع؛ على الأمر كذلك، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والمقام الكريم: ما كان لهم من المجالس): الراغب: "كل شيء يشرف في بابه يوصف بالكرم، قال تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠]، وقال: ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧]، ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، إذا وصف الله بالكرم: فهو اسم لإحسانه وإنعامه المتظاهر، كقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]، وإذا وصف به الإنسان: فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه". قوله: (وقرئ: ﴿فَاكِهِينَ﴾): وهي المشهورة. قوله: (مثل ذلك الإخراج أخر جناهم): المشار إليه: الإخراج، ولم يسبق في اللفظ مصرحًا به، لكن في الكلام ما دل عليه، وهو قوله: ﴿إنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾، وقوله: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وعُيُونٍ﴾، لأنه إنما تكون المتابعة إذا حصل الإخراج، قال أبو البقاء: "و ﴿كَذَلِكَ﴾ الأمر، أي: الأمر كذلك، وقيل: التقدير: تركًا كذلك". ?

стр. 7704

قَوْمًا آخَرِينَ ليسوا منهم في شيء من قرابة ولا دين ولا ولاء، وهم بنو إسرائيل، كانوا متسخرين مستعبدين في أيديهم، فأهلكهم الله على أيديهم، وأورثهم ملكهم وديارهم. إذا مات رجل خطير قالت العرب في تعظيم مهلكه: بكت عليه السماء والأرض، وبكته الريح، وأظلمت له الشمس، وفي حديث رسول الله ﷺ : «ما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه، إلا بكت عليه السماء والأرض»، وقال جرير: تبكي عليك نجوم اللّيل والقمرا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في تعظيم مهلكه): أي: هلاكه، الجوهري: "هلك الشيء هلاكًا وهلوكًا ومهلكًا وتهلكة، والاسم: الهلك؛ بالضم". قوله: (وفي حديث رسول الله ﷺ : روى الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مؤمن إلا وله بابان، باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه، وذلك قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ والأَرْضُ﴾ ". قوله: (تبكي عليك نجوم الليل والقمرا): أوله- في "المطلع"-: الشمس طالعة ليست بكاسفة وقال: رثى جرير عمر بن عبد العزيز، ويروى برفع "النجوم" ونصبها، يعاتب الشمس في طلوعها، وكان من حقها أن يكون كاسفةً باكيةً لفقده، والمعنى على النصب: تبكي عليك بكاء النجوم، فحذف المضاف، والواو بمعنى "مع"، وقيل: أي: ليست بكاسفة نجوم الليل، وقدم "تبكي عليك" بين فعل الشمس ومفعولها، والمعنى: تبكي عليك الشمس، كأنه ?

стр. 7705

وقالت الخارجية: أيا شجر الخابور مالك مورقًا .... كأنّك لم تجزع على ابن طريف وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه، وكذلك ما يروى عن ابن عباس ﵁؛ من بكاء مصلى المؤمن، وآثاره في الأرض، ومصاعد عمله، ومهابط رزقه في السماء: تمثيل. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يتعجب من الطلوع، وقيل: كان يتهجد فتبكيه النجوم والقمر، ويعدل بالنهار فتبكيه الشمس، والشمس غالبة في البكاء، لأن العدل أفضل، وهو من قولهم: باكيته فبكيته؛ أي: كنت أبكى منه، أي: طلعت الشمس ولكن مع طلوعها تبكي وتغلب النجوم والقمر في البكاء عليك. وروي ما قبله: نعى النعاة أمير المؤمنين لنا .... يا خير من حج بيت الله واعتمرا حملت أمرًا عظيمًا فاصطبرت له .... وقمت فيه بأمر الله يا عمرا قوله: (أيا شجر الخابور) البيت: وبعده: فتىً لا يحب الزاد إلا من التقى .... ولا المال إلا من قنًا وسيوف فلا تجزعا يا ابني طريف فإنني .... أرى الموت نزالًا بكل شريف ?

стр. 7706

ونفى ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ﴾، فيه تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده، فيقال فيه: بكت عليه السماء والأرض. وعن الحسن: فما بكى عليهم الملائكة والمؤمنون، بل كانوا بهلاكهم مسرورين، يعني: فما بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض. ﴿وَما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ لما جاء وقت هلاكهم لم ينظروا إلى وقت آخر، ولم يمهلوا إلى الآخرة، بل عجل لهم في الدنيا. [﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ ٣٠ - ٣١] ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ بدل من ﴿العَذَابِ المُهِينِ﴾، كأنه في نفسه كان عذابًا مهينًا، لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم، ويجوز أن يكون المعنى: من العذاب المهين واقعًا من جهة فرعون. وقرئ: "من عذاب المهين"، ووجهه: أن يكون تقدير قوله: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾: من عذاب فرعون، حتى يكون المهين هو فرعون. وفي قراءة ابن عباس: "من فرعون؟ "، لما وصف عذاب فرعون بالشدة والفظاعة، قال: "مَن فرعون"؛ على معنى: هل تعرفونه من هو في عتوّه وشيطنته، ثم عرف حاله في ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ أي: كبيرًا رفيع الطبقة من بينهم فائقًا لهم، بليغًا في إسرافه، أو عاليًا متكبرًا، كقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤]، ﴿ومِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ خبر ثان، كأنه قيل: إنه كان متكبرًا مسرفًا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (واقعًا من جهة فرعون): قال القاضي: "هو على هذا الحال من ﴿العَذَابِ المُهِينِ﴾ ". قوله: (و ﴿مِّنَ المُسْرِفِينَ﴾ خبر ثان): يؤذن أنه إذا فسر ﴿عّالِيًا﴾ بـ"متكبر" يكون ﴿مِّنَ المُسْرِفِينَ﴾ خبرًا ثانيًا، وإذا فسر بـ"كبير" لا يكون خبرًا، قال القاضي: "هو حينئذ حال من ?

стр. 7707

[﴿وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ * وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلاؤٌ مُبِينٌ * إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ ٣٢ - ٣٤] الضمير في ﴿اخْتَرْناهُمْ﴾ لبني إسرائيل، و ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ في موضع الحال، أي: عالمين بمكان الخيرة، وبأنهم أحقاء بأن يختاروا، وبأنهم أحقاء بأن يختاروا، ويجوز أن يكون المعنى: مع علم منا بأنهم يزيغون وتفرط منهم الفرطات في بعض الأحوال، ﴿عَلَى الْعالَمِينَ﴾ على عالمي زمانهم، وقيل: على الناس جميعًا لكثرة الأنبياء منهم. ﴿مِنَ الْآياتِ﴾ من نحو فلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك من الآيات العظام التي لم يظهر الله في غيرهم مثلها، ﴿بَلاؤٌ مُبِينٌ﴾ نعمة ظاهرة، لأن الله تعالى يبلو بالنعمة كما يبلو بالمصيبة، أو اختبار ظاهر لننظر كيف تعملون، كقوله: ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ضمير ﴿عَالِيًا﴾ "، وعليه كلام أبي البقاء. وقوله: "رفيع الطبقة من بينهم" إشارة إلى أن التركيب من باب قولهم: فلان من العلماء، أي: له مساهمة فيهم. قوله: (وقيل: على الناس جميعًا لكثرة الأنبياء): فعلى هذا يعم سائر الأزمنة، المعنى: قوم بني إسرائيل مختارون من بين سائر الأقوام بأن تكثر الأنبياء منهم، فهم بهذا المعنى مختارون. وليس هذا بوجه جيد. قوله: (أو اختبار ظاهر): يؤذن بأن "البلاء" أن فسر بالنعمة لم يكن اختبارًا ظاهرًا، وقد عللها بقوله: "لأن الله تعالى يبلو بالمصيبة"، وإن فسر بالمحنة كان ظاهرًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥] الآية، قال في تفسيره: "ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم، هل تصبرون وتثبتون على ما أنتم عليه ?

стр. 7708

[﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ * فَاتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ٣٥ - ٣٦] ﴿هؤُلاءِ﴾ إشارة إلى كفار قريش. فإن قلت: كان الكلام واقعًا في الحياة الثانية، لا في الموت، فهلا قيل: إن هي إلا حياتنا الأولى وما نحن بمنشرين، كما قيل: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩]؟ وما معنى قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى﴾؟ وما معنى ذكر "الأولى"؟ كأنهم وعدوا موتة أخرى، حتى نفوها وجحدوها، وأثبتوا الأولى؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من الطاعة، وتسلمون لأمر الله أم لا؟ "، والمعنى على الأول: لنبلونكم بالنعم المتوالية المتظاهرة، فهل تشكرون الله وتزيدون في طاعاتكم، أم تتجبرون وترومون علوًا في الأرض وفسادًا. قوله: (﴿هَؤُلَاءِ﴾ إشارة إلى كفار قريش): وفيه تحقير لشأنهم وازدراء بهم، ولهذا قال: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧]. اعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين إعراضهم عن رسول الله ﷺ وطعنهم فيه، بقوله: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٣ - ١٤]، وهددهم بقوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]، وضرب لهم مثل قوم فرعون ومجيء رسول الله كريم إليهم، وقصدهم إياه، وتدمير الله وقطع دابرهم؛ اعتبارًا واتعاظًا، أتى: بما هو أطم من الأول، وهو تكذيب الله بأن لا بعث ولا حشر، وأن الله تعالى ما خلق السماوات والأرض بالحق، بل خلقهما باطلًا، لأنه سبق مرارًا وأطوارًا أنه تعالى ما خلق السماوات والأرض إلا ليوحد ويعبد، ثم لا بد أن يجزي المطيع والعاصي، وليست هذه دار الجزاء. ?

стр. 7709

قلت: معناه -والله الموفق للصواب-: أنه قيل لهم: إنكم تموتون موتة تتعقبها حياة، كما تقدّمتكم موتة قد تعقبتها حياة، وذلك قوله : ﴿وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، .. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (معناه- والله الموفق للصواب-: أنه قيل لهم: إنكم تموتون موتةً تتعقبها حياة): قال صاحب "الانتصاف": "أظهر من ذلك أنهم وعدوا بعد الحياة الدنيا حالتين: موت ثم بعث، وآمنوا بأولاهما، وهي الموت، ونفوا الثانية وسموها الأولى، وإن لم يعتقدوا شيئا بعدها، لأنهم نزلوا جهدهم على الإثبات، وهذا أولى من حمل الموتة الأولى على السابقة على الحياة الدنيا، لأنهم يعتقدون الحصر في هذه الموتة، لأنهم اعتقدوا الموتة التي تعقب الحياة الدنيا، وحمل الحصر المباشر للموت في كلامهم على صفة لم تذكر: عدول عن الظاهر بلا حاجة، لأن الموت السابق على الدنيا لا يعبر عنه الموتة؛ لأن فيها إشعارًا بالتجدد، والموت السابق مستصحب لم تتقدمه حياة. هذا مع أنه في الآية الأخرى وافق على أن ما الموت إلا الموتة الأولى، وإنما عنى بالموتة الأولى ما بعد الحياة الدنيا". الإنصاف: "إنما يعين ذلك في هذه الآية القرينة: ﴿لا يَذُوقُونَ﴾ [الدخان: ٥٦]، فالموتة الأولى لا يذوقونها، ويبطل قول صاحب "الانتصاف" أن الأولى ولأخرى لا تستعملان إلا فيما يشترك فيه مع ما قرنت به في الشيء المذكور، فلا يصح أن يقال: جاءني رجل وامرأة أخرى، والموتة مغايرة للحياة، فلا يصح أن يقال فيها: "أولى" بالنسبة إلى الحياة". وقلت: وقوله: "وحمل الحصر المباشر للموت في كلامهم على صفة لم تذكر: عدول عن الظاهر": منظور فيه أيضًا؛ لأن التعريف في ﴿المَوْتَةَ الأُولَى﴾ للعهد، وهو قرنية دالة على أن المراد بـ"الموتة الأولى" الموتة المعهودة، ولذلك استشهد بقوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، ولأن في إثباتهم أداة الحصر- لأن "إن" ?

стр. 7710

فقالوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى﴾، يريدون: ما الموتة التي من شأنها أن يتعقبها حياة إلا الموتة الأولى دون الموتة الثانية، وما هذه الصفة التي تصفون بها الموتة من تعقب الحياة لها إلا للموتة الأولى خاصة، فلا فرق إذا بين هذا وبين قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٨] في المعنى. يقال: أنشر الله الموتى ونشرهم: إذا بعثهم. ﴿فَاتُوا بِآبائِنا﴾ خطاب للذين كانوا يعدونهم النشور؛ من رسول الله ﷺ والمؤمنين، أي: إن صدقتم فيما تقولون، فعجلوا لنا إحياء من مات من آبائنا بسؤالكم ربكم ذلك، حتى يكون دليلًا على أنّ ما تعدونه من قيام الساعة وبعث الموتى حق، وقيل: كانوا يطلبون اليهم أن يدعوا الله وينشر لهم قصيّ بن كلاب ليشاوروه، فإنه كان كبيرهم ومشاورهم في النوازل ومعاظم الشئون. [﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ٣٧] هو تبع الحميري، كان مؤمنًا وقومه كافرين، ولذلك ذمّ الله قومه ولم يذمّه، وهو الذي سار بالجيوش، وحير الحيرة، وبنى سمرقند، وقيل: هدمها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النافية قرنت بـ "إلا"- وإيقاعهم الضمير مبهمان ثم فسره بالخبر، على نحو قولهم: هي العرب تقول ما شاءت: الدلالة على أن هذا الكلام وارد على ما لا يوافق آراءهم من إثبات موتتين، فهم يحاولون إبطاله ورده إلى موتة واحدة ويهتمون بشأنه، ولا يصلح لذلك إلا ما اشتمل على هذه الموتة الموصوفة. قوله: (كانوا يطلبون إليهم): أي: كانوا ينهون إليهم طالبين أن يدعوا الله. وقوله: (وحير الحيرة): أي: ألفها ورتبها واتخذها مدينة تسمى: حيرة، كما يقال: مدن المدن، أي: بنى المدائن. ?

стр. 7711

وكان إذا كتب قال: باسم الله الذي ملك برًّا وبحرًا. وعنى النبي ﷺ : «لا تسبوا تبعًا، فإنه كان قد أسلم»، وعنه ﵊: «ما أدري أكان تبع نبيًا أو غير نبي»، وعن ابن عباس ﵄: كان نبيًا، وقيل: نظر إلى قبرين بناحية حمير، قال: هذا قبر رضوى وقبر حبى بنتي تبع، لا تشركان بالله شيئًا. وقيل: هو الذي كسا البيت، وقيل لملوك اليمن: التبابعة، لأنهم يتبعون، كما قيل: الأقيال؛ لأنهم يتقيلون، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا تسبوا تبعًا): قال صاحب "النهاية": "في الحديث: "لا تسبوا تبعًا، فإنه أول من كسا الكعبة": تبع: ملك في الزمان الأول، اسمه: سعد أبو كرب، والتبابعة: ملوك اليمن، كان لا يسمى تبعًا حتى يملك حضرموت وسبأ وحمير. ويقال للرجل إذا أتقن الشيء وأحكمه: قد تابع عمله". قوله: (كما قيل: الأقيال؛ لأنهم يتقيلون): النهاية: "الأقوال: جمع "قيل"، وهو الملك النافذ القول والأمر، وأصله: قيول: فيعل؛ من القول، فحذفت عينه، ومثله: أموات جمع ميت، تخفيف ميت، وأما "أقيال" فمحمول على لفظ "قيل"، كما قيل: أرياح جمع ريح، والقياس: أرواح". وفي حاشية "الكشاف": معنى "يتقيلون": يتتبعون، من: تقيل أباه: إذا اتبعه، وقيل: أشبهه. الراغب: "سمي به ملك حمير لكونه معتمدًا على قوله، ومقتدىً به، ولكونه متقيلًا لأبيه، يقال: تقيل أباه". ?

стр. 7712

وسمي الظل «تبعًا» لأنه يتبع الشمس. فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ﴾، ولا خير في الفريقين؟ قلت: معناه: أهم خير في القوّة والمنعة، كقوله تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣]، بعد ذكر آل فرعون. وفي تفسير ابن عباس ﵁: أهم أشدّ أم قوم تبع؟ [﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * ما خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ * يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ٣٨ - ٤٢] ﴿وَما بَيْنَهُما﴾ وما بين الجنسين، وقرأ عبيد بن عمير: "وما بينهن". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وسمي الظل "تبعًا"): قالت سلمى الجهنية ترثي أخاها أسعد: يرد المياه حضيرةً ونفيضة .... ورد القطاة إذا اسمأل التبع أي: الظل، ويسمى الدبران: التبع؛ لأنه يدبره، الخضيرة: الأربعة والخمسة يغزون، والجمع: الحضائر، والنفيضة والنفض: الجماعة يبعثون في الأرض لينظروا هل فيها عدو أو خوف، واسمأل: أي: ضمر. قوله: (﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وما بين الجنسين"): قال القاضي: "وهو دليل على صحة الحشر، كما مر في "الأنبياء" وغيرهم، وقوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي: بسبب الحق الذي اقتضاه الدليل من الإيمان والطاعة". ?

стр. 7713

وقرأ: "ميقاتهم" بالنصب؛ على أنه اسم "إن"، و"يوم الفصل" خبرها، أي: إنّ ميعاد حسابهم وجزائهم في يوم الفصل. ﴿لا يُغْنِي مَوْلًى﴾ أي مولى كان من قرابة أو غيرها، ﴿عَنْ مَوْلًى﴾ عن أي مولى كان، ﴿شَيْئًا﴾ من إغناء، أي: قليلًا منه، ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ الضمير للموالي، لأنهم في المعنى كثير، لتناول اللفظ على الإبهام والشياع كل مولى. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: هاهنا المشركون لما أنكروا الحشر بقولهم: ﴿إنْ هِيَ إلاَّ مَوْتَتُنَا الأُولَى ومَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾، وبخهم بقوله: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾؛ إيذانًا بأن هذا الإنكار ليس عن حجة قاطعة ودليل ظاهر، بل عن مجرد حب العاجلة، والتمتع بملاذ الدنيا، والاغترار بالمال والمنال، ثم قرر أن الحشر لا بد منه؛ لأنا ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما للعبث، جل جنات الجلال عن ذلك، بل بالحق، وهو أن اعبدوا ووحدوا، ولا بد لمن عبد ووحد، ولمن أعرض وأشرك، من الثواب والعقاب، فكيف يقال: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾؟ ! وقوله: ﴿ولَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ تذييل وتجهيل عظيم لمنكري الحشر وتوكيد، لأن إنكارهم يؤدي إلى إبطال الكائنات بأسرها، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]، ولهذا قالوا: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]. قوله: (﴿شَيْئًا﴾ من إغناء): أي: "شيئًا" نصب على المصدر، وعن بعضهم: يجوز أن يكون مفعولًا به، من قولهم: أغن عني وجهك، والمعنى: أنه لا يبعد عنه شيئًا، وفي الكلام تتميم ومبالغة، أي: ﴿لا يُغْنِي مَوْلًى﴾ أي مولى كان، إغناءً أي إغناء كان. قوله: (لتناول اللفظ على الإبهام والشياع): يعني: جاز عود الضمير وهو مجموع، إلى ﴿مَوْلًى﴾ وهو مفرد؛ لأنه لفظ مطلق شائع في جنسه متناول للكل وللبعض على سبيل البدل، فكان عود ضمير الجمع فرينةً على إرادة الكل. ?

стр. 7714

﴿مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ في محل الرفع على البدل من الواو في ﴿يُنْصَرُونَ﴾، أي: لا يمنع من العذاب إلا من ﵀، ويجوز أن ينتصب على الاستثناء، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾ لا ينصر منه من عصاه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ لمن أطاعه. [﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَاسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ * إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ ٤٣ - ٥٠] قرئ: "إنّ شجرت الزقوم" بكسر الشين، وفيها ثلاث لغات: شجرة، بفتح الشين وكسرها، وشيرة بالياء. وروي: أنه لما نزل: ﴿أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ قال ابن الزبعرى: إنّ أهل اليمن يدعون أكل الزبد والتمر: التزقم، فدعا أبو جهل بتمر وزبد، فقال: تزقموا، فإنّ هذا هو الذي يخوّفكم به محمد، فنزل ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعامُ الْأَثِيمِ﴾، وهو الفاجر الكثير الآثام. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن ينصب على الاستثناء): قال أبو البقاء: " ﴿إلاَّ مَن رَّحِمَ اللَّهُ﴾ استثناء متصل، أي: من ﵀ بقبول الشفاعة فيه". وفي "التيسير": ﴿إلاَّ مَن رَّحِمَ اللَّهُ﴾ أي: المؤمنين ﵏، فإنهم يشفعون للمذنبين، وقيل: لكن من ﵀، فإنه لا يحتاج إلى قريب ينفعه، ولا إلى ناصر ينصره. وقال مكي: " ﴿إلاَّ مَن رَّحِمَ اللَّهُ﴾: "من" في موضع رفع على البدل من المضمر في ﴿يُنْصَرُونَ﴾، أي: لا ينصر إلا من رحم الله، وقيل: هي بدل من ﴿مَوْلًى﴾ الأولى، أي: يوم لا يغني إلا من رحم الله، أي: لا يشفع إلا من رحم الله، وهذا دليل على جواز الشفاعة من المؤمنين للمؤمنين أهل الذنوب". ?

стр. 7715

وعن أبي الدرداء أنه كان يقرئ رجلًا، فكان يقول طعام اليثيم، فقال: قل طعام الفاجر يا هذا. وبهذا يستدل على أنّ إبدال كلمة مكان كلمة جائز إذا كانت مؤدية معناها، ومنه أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسية على شريطة، وهي: أن يؤدي القارئ المعاني على كمالها، من غير أن يخرم منها شيئًا، قالوا: وهذه الشربطة تشهد أنها إجازة كلا إجازة، لأنّ في كلام العرب -خصوصًا في القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه- من لطائف المعاني والأغراض، ما لا يستقل بأدائه لسان من فارسية وغيرها، وما كان أبو حنيفة ﵀ يحسن الفارسية، فلم يكن ذلك منه عن تحقق وتبصر، وروى علي بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل قول صاحبيه في إنكار القراءة بالفارسية. ﴿كَالْمُهْلِ﴾ قرئ بضم الميم وفتحها، وهو دردي الزيت، ويدل عليه قوله: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨]، مع قوله: ﴿فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]، وقيل: هو ذائب الفضة والنحاس. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أنه كان يقرئ رجلًا، فكان يقول: طعام اليثيم): الانتصاف: "يعني: كان يقرئه، فلم يستطع أن يقول: الأثيم، فكان يقول: اليثيم، فأعاد عليه، فلما عجز قال: قل: طعام الفاجر، وفيه دليل على قراءة القرآن بالمعنى"، وقال: "لا حجة فيه، وقول أبي الدرداء محمول على إيضاح المغنى، عونًا على أن يأتي بالقراءة كما أنزلت، هكذا حمله القاضي أبو بكر في كتاب (الانتصار) ". قوله (﴿كَالْمُهْلِ﴾ قرئ بضم الميم): وهي المشهورة، والفتح شاذ. قوله: (ويدل عليه- أي: على أن المراد بـ "المهل" دردي الزيت- قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾، مع قوله: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾): لأن الأول دل على أن السماء تصير ?

стр. 7716

والكاف رفع؛ خبر بعد خبر، وكذلك ﴿يَغْلِي﴾، وقرئ بالتاء للشجرة، وبالياء للطعام. والْحَمِيمِ الماء الحار الذي انتهى غليانه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كالمهل، والثاني على أنها تصير كالدهان، وهو: إما جمع دهن أو اسم ما يدهن به، ويجب التوافق بينهما، فيصح تفسير "المهل" بدردي الزيت. هذا الاستدلال في الأصول من باب دلالة النص باستعانة نص آخر، نحو دلالة قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]: على أن مدة الحمل ستة أشهر. قوله: (وكذلك ﴿يَغْلِي﴾): أي: مرفوع المحل؛ خبر بعد خبر. قوله: (وقرئ بالتاء): ابن كثير وحفص: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء. روى الواحدي عن أبي عبيد: أنه اختار الياء، وقال: لأن المهل مذكر، وهو الذي يلي المهل، فصار أولى به للذكر والقرب. وقال أبو علي: لا يجوز أن يحمل الغلي على المهل، لأن المهل إنما ذكر للتشبيه به في الذوب، ألا ترى أن المهل لا يغلي في البطون، وإنما يغلي ما شبه به، وهو كقوله: ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾، يعني: الماء الحار إذا اشتد غليانه. أراد أن هاهنا المشبه واحد، والمشبه به متعدد، شبهت عصارة الشجرة تارة بالمهل في غلظها وكدورتها ونتنها، وأخرى بالماء في انفعالها بالغليان، ومن ثم لم يذهب المصنف إلى إسناد ﴿يَغْلِي﴾ إلى "المهل"، وقال: "تغلي: بالتاء للشجرة، وبالياء للطعام"، وروي في ?

стр. 7717

يقال للزبانية: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ فقودوه بعنف وغلظة، وهو أن يؤخذ بتلبيب الرجل، فيجر إلى حبس أو قتل، ومنه: العتلّ؛ وهو الغليظ الجافي، وقرئ بكسر التاء وضمها، ﴿إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ إلى وسطها ومعظمها. فإن قلت: هلا قيل: صبوا فوق رأسه من الحميم، كقوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩]، لأنّ الحميم هو المصبوب لا عذابه؟ قلت: إذا صب عليه الحميم، فقد صب عليه عذابه وشدّته، إلا أن صب العذاب طريقه الاستعارة، كقوله: صبّت عليه صروف الدّهر من صبب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحاشية: " أنه قيل له: هل يجوز بالياء صفةً للمهل؟ قال: لا، لأنه لا يوصف المهل، لكن الطعام أو الشجرة". وقلت: ولناصر قول أبي عبيد أن قول: هو من تداخل التشبيهين، أي: كالمهل المشبه غليانه بغلي الحميم في البطون، شبه طعام الشجرة بدردي خارج عن المتعارف في أنه إذا قدر أن يصب في البطون يغلي- بغير نار- غليان الماء الحار في المراجل بالنار، ولا يبعد هذا التأويل، فإن هذه الشجرة على خلاف الأشجار المتعارفة، لأنها تنبت في أصل الجحيم، طلعها كأنه رؤوس الشياطين. قوله: (بتلبيب الرجل): الجوهري: "لببت الرجل تلبيبًا؛ إذا جمعت ثيابه عند صدره ونحره في الخصومة وجررته". قوله: (قرئ بكسر التاء وضمها): الحرميان وابن عامر: "فاعتلوه" بالضم، والباقون: بالكسر. قوله: (صبت عليه صروف الدهر من صبب): الأساس: "مشوا في صبب، وفي أصباب: ?

стр. 7718

وكقوله تعالى: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ [البقرة: ٢٥٠]، فذكر العذاب معلقًا به الصب، مستعارًا له، ليكون أهول وأهيب. يقال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ على سبيل الهزؤ والتهكم بمن كان يتعزز ويتكرم على قومه. وروي: أنّ أبا جهل قال لرسول الله ﷺ : ما بين جبليها أعز ولا أكرم مني، فو الله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئًا. وقرئ: "أنك"، بمعنى: لأنك. وعن الحسن بن علي ﵄: أنه قرأ به على المنبر. ﴿إِنَّ هذا﴾ العذاب، أو: إن هذا الأمر هو ﴿مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أي: تشكون، أو تتمارون وتتلاجون. [﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ * كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ * فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٥١ - ٥٧] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهو الحدور، وفي الحديث: "كأنما يمشي في صبب"، ومن المجاز: صب عليه البلاء من صبب، أي: من فوق". قوله: (معلقًا به الصب، مستعارًا له): الفاء في "فذكر" متعلق بقوله: "صب العذاب طريقه الاسثعارة"، وقوله: "معلقًا" و"مستعارًا": حالان متداخلتان، أي: جعل الصب للعذاب، والعذاب لا يصب، مستعارًا لإصابته، على حذف المضاف، شبه العذاب بالمائع، ثم خيل له ما يلازم المائع من الصب، كما خيل الإفراغ للصبر بعد تشبيهه بالماء. قوله: (ما بين جبليها): أي: جبلي مكة، وهما الأخشبان؛ أبو قبيس وثور. قوله: (وقرئ: "أنك") الكسائي: بفتح الهمزة، والباقون: بكسرها. ?

стр. 7719

قرئ: ﴿فِي مَقَامٍ﴾، بالفتح، وهو موضع القيام، والمراد: المكان، وهو من الخاص الذي وقع مستعملًا في معنى العموم، وبالضم، وهو موضع الإقامة، و"الأَمِينٍ": من قولك: أمن الرجل أمانة فهو أمين، وهو ضد الخائن، فوصف به المكان استعارة، لأنّ المكان المخيف كأنما يخون صاحبه بما يلقى فيه من المكاره. قيل: السندس: ما رق من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه، وهو تعريب "استبر". فإن قلت: كيف ساغ أن يقع في القرآن العربي المبين لفظ أعجمي؟ قلت: إذا عرب خرج من أن يكون عجميًا، لأن معنى التعريب: أن يجعل عربيًا بالتصرف فيه، وتغييره عن منهاجه، وإجرائه على أوجه الإعراب. ﴿كَذلِكَ﴾ الكاف مرفوع على: الأمر كذلك، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿فِي مَقَامٍ﴾ بالفتح): نافع وابن عامر: بالضم، والباقون: بالفتح. قوله: (وهو من الخاص الذي وقع مستعملًا في معنى العموم): نحوه: تعال، وأصله: موضع القيام، ثم عم واستعمل في جميع الأمكنة، حتى قيل لموضع القعود: مقام، وإن لم يقم فيه أصلًا، ويقال: كنا في مقام فلان، أي: في مجلسه. قوله: (فوصف به المكان استعارة): أي: الاستعارة المكنية. الراغب: "أصل الأمن: طمأنينة النفس، وزوال الخوف، والأمن والأمانة والأمان في الأصل: مصادر، ويجعل الأمان تارةً اسمًا للحالة التي عليها الإنسان في الأمن، وتارةً اسمًا لما يؤمن عليه الإنسان، كقوله: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]، أي: ما ائتمنتم عليه". قوله: (على: الأمر كذلك): روي عن المصنف أنه قال: والمعنى فيه: أنه لم يستوف الوصف، وأنه بمثابة ما لا يحيط به الوصف، فكأنه قال: الأمر نحو ذلك، وما أشبهه، وليس يعين الوصف ويحققه. ?

стр. 7720

أو منصوب على: مثل ذلك أثبناهم ﴿وَزَوَّجْناهُمْ﴾، وقرأ عكرمة: "بحور عين" على الإضافة، والمعنى: بالحور من العين، لأن العين إما أن تكون حوراء أو غير حوراء، فهؤلاء من الحور العين، لا من شهلهن مثلًا، وفي قراءة عبد الله: "بعيس عين"، والعيساء: البيضاء تعلوها حمرة. وقرأ عبيد بن عمير: "لا يذاقون فيها الموت"، وقرأ عبد الله: "لا يذوقون فيها طعم الموت". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ("بحور عين" على الإضافة): قال ابن جني: "الصفة أوفى من الإضافة، لأن المضاف والمضاف إليه جاريين مجرى المفرد، والصفة تأتي مع الاختصاص المستفاد منها [مأتى] الزيادة، وهي مع ذلك أشد إصراحًا بالمعنى من المضاف، ألا ترى أنك إذا قلت: "مررت بظريف كرام" جاز الظريف أن يكون كريمًا، وجاز أن يكون منسوبًا إليهم، وإن لم يكن كريمًا، وإذا قلت: "مررت بظريف كريم" فقد أثبت له مذهب الكرم البتة"، ولهذا جعل الإضافة من باب: خاتم فضة، وباب ساج. قوله: (لأن العين إما تكون حوراء أو غير حوراء): أنشد الجوهري للعجاج: بأعين محورات حور يعني: الأعين النقيات البياض، الشديدات سواد الحدقة. و"الشهلة" في العين: أن يشوب سوادها زرقة، وعين شهلاء، ورجل أشهل العين. ?

стр. 7721

فإن قلت: كيف استثنيت الموتة الأولى المذوقة قبل دخول الجنة، من الموت المنفي ذوقه فيها؟ قلت: أريد أن يقال: لا يذوقون فيها الموت البتة، فوضع قوله: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى﴾ موضع ذلك، لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل، فهو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها. وقرئ: "ووقاهم" بالتشديد. ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ﴾ عطاء من ربك وثوابًا، يعني: كل ما أعطى المتقين من نعيم الجنة والنجاة من النار. وقرئ: فضل، أي: ذلك فضل. [﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ ٥٨ - ٨٩] ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ فذلكة للسورة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أريد أن يقال: لا يذوقون فيها الموت البتة): الانتصاف: هذا مبني على أن ﴿الْمَوْتَةَ﴾ بدل؛ على طريقة بني تميم الذين يجوزون البدل من غير الجنس، والحجازيون ينصبونه بالاستثناء المنقطع، وسر اللغة التميمية في قولهم: ما في الدار أحد إلا حمار، أي: أن كان الحمار من الأحد، ففيها أحد، وبه فسر الزمخشري قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] ". قوله: (فهو من باب التعليق بالمحال): نظيره: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، نظيره: أن يستسقي أحد، فتقول: لا أسقيك إلا الجمر، والجمر لا يسقى. فمعناه: أن كان الجمر شيئًا يسقى فإنما أسقيكه. قوله: (﴿فَإنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ فذلكة للسورة)، إلى آخره، يعني: هو إجمال بعد تفصيل. ?

стр. 7722

ومعناها: ذكرهم بالكتاب المبين ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ﴾ أي: سهلناه، حيث أنزلناه عربيًا ﴿بِلِسَانِكَ﴾ بلغتك؛ إرادة أن يفهمه قومك فيتذكروا. ﴿فَارْتَقِبْ﴾ فانتظر ما يحل بهم، ﴿إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ ما يحل بك متربصون الدوائر. عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة "حم الدخان" في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك»، وعنه ﵇: «من قرأ حم التي يذكر فيها الدخان في ليلة جمعة أصبح مغفورًا له». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: بل خاتمة عزيزة، ورد للعجز على الصدر، وبها ظهر دقة نظر من قال: إن ﴿رَحْمَةً﴾ -في قوله: ﴿إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ [الدخان: ٥ - ٦]-: مفعول به، والمراد بها سيد المرسلين وخاتم النبيين ورحمة العالمين، وأن قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَاتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] مقابل لقوله: ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]، ولذلك ضم مع التبشير قوله: ﴿فَارْتَقِبْ﴾. قوله: (من قرأ"حم الدخان"): روينا عن الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ"حم الدخان" في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك"، وفي رواية: "في ليلة الجمعة غفر له". تمت السورة. * * * ?

стр. 7723

سورة الجاثية مكية، وهي سبع وثلاثون آية، وقيل: ست بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ١ - ٦] ﴿حم﴾ إن جعلتها اسمًا مبتدأ مخبرًا عنه بـ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾، لم يكن بدّ من حذف مضاف، تقديره: تنزيل حم تنزيل الكتاب، و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صلة للتنزيل، وإن جعلتها تعديدًا للحروف، كان ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾ مبتدأ، والظرف خبرًا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة الجاثية مكية، وهي سبع وثلاثون آية، وقيل: ست وثلاثون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (تنزيل حم تنزيل الكتاب): يعني: تنزيل هذه السورة كتنزيل سائر القرآن، فيكون في قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ دلالة على وجه الشبه، فكونه من الله دل على أنه حق وصدق وصواب، وكونه من العزيز دل على أنه معجز يغلب ولا يغلب، وكونه من الحكيم دل على أنه مشتمل على الحكم البالغة، وعلى أنه محكم في نفسه، ينسخ ولا ينسخ. ?

стр. 7724

﴿إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يجوز أن يكون على ظاهره، وأن يكون المعنى: إنّ في خلق السماوات والأرض؛ لقوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾. فإن قلت: علام عطف ﴿وَما يَبُثُّ﴾، أعلى الخلق المضاف، أم على الضمير المضاف إليه؟ قلت: بل على المضاف، لأنّ المضاف إليه ضمير متصل مجرور يقبح العطف عليه، استقبحوا أن يقال: مررت بك وزيد، وهذا أبوك وعمرو، وكذلك إن أكدوه كرهوا أن يقولوا: مررت بك أنت وزيد. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يجوز أن يكون على ظاهره): أي: لا يقدر مضاف، قال الإمام: "وذلك أنه حصل في ذوات السماوات والأرض أحوال دالة على وجود الله تعالى، مثل مقاديرها وكيفياتها وحركتها، وأيضًا الشمس والقمر والنجوم والجبال موجودة فيهما، وهي آيات". وقلت: يجوز -على هذا- أن يكون قوله ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾ إلى آخر الآيتين من عطف الخاص على العام، لأن المذكور بعض ما في السماوات والأرض. قوله: (وأن يكون المعنى: أن في خلق السماوات والأرض): روى الواحدي عن الزجاج هذا القول. قوله: (ضمير متصل مجرور يقبح العطف عليه): يعني: العطف على المضمر المجرور قبيح، كان مجرورًا بحرف الجر أو بالإضافة، لا فرق بين أن يؤكد أم لا، قال في "النساء": "الضمير المتصل كاسمه، والجار والمجرور كشيء واحد، فلما اشتد الاتصال لتكرره أشبه العطف على بعض الكلمة، فوجب تكرير العامل، كقولك: مررت به وبزيد، وهذا غلامه وغلام زيد". ?

стр. 7725

قرئ: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ بالنصب والرفع، على قولك: إنّ زيدًا في الدار وعمرًا في السوق، أو عمرو في السوق. وأمّا قوله: ﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فمن العطف على عاملين، سواء نصبت أو رفعت؛ فالعاملان إذا نصبت هما: "إن"، و"في"، أقيمت الواو مقامهما، فعملت الجر في ﴿اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾، والنصب في ﴿آياتٍ﴾، وإذا رفعت فالعاملان: الابتداء و"في"، عملت الرفع في ﴿آياتٌ﴾، والجر في ﴿وَاخْتِلافِ﴾. وقرأ ابن مسعود: "وفي اختلاف الليل والنهار". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن بعضهم: لأن اتصال الضمير له اتحاد لفظًا، والجار مع المجرور متحد معنىً، فلما كان فيه اتحاد من وجهين، يصير في التقدير كأنه عطف على الحرف الجار، والعطف على الحرف لا يجوز، وكأنه عطف على بعض الكلمة، وذلك لا يجوز، لأنه ليس للمجرور ضمير منفصل. وذكر ابن الحاجب في" شرح المفصل" في باب الوقف منه: "أن بعض النحويين يجوزونه في المجرور بالإضافة دون المجرور بحرف الجر، لأن اتصال المجرور بالمضاف ليس كاتصاله بالجار، لاستقلال كل واحد منهما، فلم يشتد اتصاله فيه اشتداده مع الحرف، ولذلك زعم بعض النحويين أن قوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] معطوف على الكاف والميم في قوله: ﴿كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] " ولذا جوزه المصنف. قوله: (قرئ: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ بالنصب والرفع): بالنصب: حمزة والكسائي، والباقون: بالرفع. قوله: (وأما قوله: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فمن العطف على عاملين): يعني: لم يكن قوله: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ من العطف على عاملين لتكرير"في" في قوله: ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾، ولكن ?

стр. 7726

فإن قلت: العطف على عاملين على مذهب الأخفش سديد لا مقام فيه، وقد أباه سيبويه، فما وجه تخريج الآية عنده؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون على إضمار "في"، والذي حسنه تقدّم ذكره في الآيتين قبلها، ويعضده قراءة ابن مسعود. والثاني: أن ينتصب "آيات" على الاختصاص بعد انقضاء المجرور معطوفًا على ما قبله أو على التكرير، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في قوله: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ لابد من العطف على عاملين، قال ابن الحاجب: "اختلف الناس في مسألة العطف على عاملين: فمنهم من يمنعه، وهم أكثر البصريين، ومنهم من يجوزه، وهم أكثر الكوفيين، ومنهم من يفصل فيقول: أما مثل قولك: "في الدار زيد والحجرة عمرو" فجائز، وأما مثل قولك: " زيد في الدار وعمرو الحجرة" فلا يجوز؛ لأن إحدى المسألتين: المجرور فيها يلي العاطف، فقام العاطف فيها مقام الجار، والأخرى: ليس المجرور فيها يلي العاطف، فكان فيها إضمار الجار من غير عوض. وأما من يمنع العطف على عاملين فيقول في الآيات: إن ﴿آيَاتٌ﴾ فيها تأكيد لـ ﴿آيَاتٌ﴾ الأولى، ولو كانت موضع "الآيات" الأخيرة لفظة أخرى لم يجز". قوله: (بعد انقضاء المجرور): وهو قوله: "اختلاف" و"ما أنزل" و"تصريف الرياح". قوله: (أو على التكرير): قال أبو البقاء: "كرر (آيات) للتوكيد؛ لأنها من لفظ (آيات) الأولى، وإعرابها كإعرابها، كقولك: أن بثوبك دمًا وبثوب زيد دمًا، فـ "دم" الثاني مكرر؛ لأنك مستغن عن ذكره". قال مكي: "و (آيات) نصب على التكرير لما طال الكلام، كما تقول: ما زيد قائمًا ولا جالسًا زيد، فتنصب "جالسًا" على أن زيدًا الآخر هو الأول، جيء به مؤكدًا، ولو كان غير الأول لم يجز نصب "جالسًا"؛ لأن خبر "ما" لا يتقدم على اسمها، بخلاف (ليس) ". ?

стр. 7727

ورفعها بإضمار "هي". وقرئ: "واختلاف الليل والنهار" بالرفع، وقرئ: "آية"، وكذلك: "وما يبث من دابة آية". وقرئ: "وتصريف الريح"، والمعنى: إنّ المنصفين من العباد إذا نظروا في السماوات والأرض النظر الصحيح: علموا أنها مصنوعة، وأنه لا بدّ لها من صانع، فآمنوا بالله وأقرّوا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال، وهيئة إلى هيئة، وفي خلق ما على ظهر الأرض من صنوف الحيوان: ازدادوا إيمانًا وأيقنوا، وانتفى عنهم اللبس، فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدّد في كل وقت -كاختلاف الليل والنهار، ونزول الأمطار، وحياة الأرض بها بعد موتها، وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ جنوبًا وشمالًا، وقبولًا ودبورًا-: عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم. وسمي المطر رزقًا، لأنه سبب الرزق. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ورفعها): عطف على قوله: "أن ينتصب"، فكان انتصابها على الاختصاص، ورفعها بإضمار "هي"، وهو أيضًا مدح، قال أبو البقاء: "ويقرأ بالرفع على التوكيد أيضًا". وقوله: (والمعنى: أن المنصفين): أراد به المعنى البياني، يعني بالبيان: ترتيب ما قدمت وما وسطت وما أخرت. قوله: (إذا نظروا في السماوات): أعلم أنه جعل نتيجة النظر في السماوات والأرض: الإيمان، ونتيجة النظر في الأنفس وأحوالها: الازدياد في الإيمان، ونتيجة النظر في سائر الحوادث: الإخلاص في اليقين الذي هو الزيادة في الإيمان، هذه طريقة السلوك والترقي. وقال الراغب في "درة التنزيل": "ما تقدم من الآيات يدل على قادر لا يشبهه قادر، فمن وفى النظر في ذلك أداه إلى الإيمان بالله تعالى، [فلذلك قال: ﴿لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾، فخصهم لانتفاعهم بها]، وإن كانت الآيات منصوبةً لهم ولغيرهم، فحين لم ينتفع الغير كأنها لم تكن ?

стр. 7728

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لهم آيات، وأما قوله: ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾ الآية: فإن عجائب الله في خلق الحيوان من الأعضاء والخواص التي يدرك بها المدركات، وما في باطنه من جواذب المواد التي بها قوام الحياة، ثم الروح التي بها ثبات الأجساد، أكثر من أن تحصى وتعد، فإن عرضت شبهة الملحد بأن كون الولد من الوالدين ومن نطفهما يأخذ شبههما، فإنه يطرح ذلك، ويزاح بالآيات التي ليس إلى الوالد فعلها، ولا جارحة من جوارحه تحيط علمًا بتلفيقها، وحكمةً في تركيبها، فثبت أن يكون فاعلها من صنعها وزينها بالعقل الذي هو أكبر نعمة الله ﵎، فهذا الفكر ينتقل من ظن إلى علم، ومن شك إلى يقين، ولذلك لا يوصف الله تعالى، بأنه موقن، بل عالم. وخصت الآية الأخيرة بقوله: ﴿يَعْقِلُونَ﴾؛ لأنهم يعقلون من إحياء الأرض بالمطر حتى تكتسبي بالنبات والشجر أنه يحيي العظام وهي رميم، هذا موضع يقال فيه: عقل من كذا كذا، أي: استدركه بالعقل بعد أن لم يكن مستدركًا له، كما أن أصل الوصف بالعاقل موضوع لحالة ثابتة ومعرفة طارئة". وقال الإمام: "ذكر هنا ثلاثة مقاطع: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿يُوقِنُونَ﴾ و ﴿يَعْقِلُونَ﴾، فكأنه قيل لهم: أن كنتم من المؤمنين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين، بل أنتم من طلاب الجزم واليقين فافهموا تلك الدلائل، وإن كنتم لستم من هؤلاء ولا من هؤلاء فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا في معرفة الدلائل". وقلت: وعلى هذا هو من باب التنزل، وبيان ذلك: أن الناس ثلاث طبقات: منهم من سلمت فطرته الأصلية من الشكوك، ومنهم من اجتالتهم شياطين الإنس والجن، وأبطلت استعداداتهم كالفلاسفة، ومنهم من بقي بين المنزلتين، ووقع في ورطة الشكوك والشبهات. ?

стр. 7729

﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى الآيات المتقدّمة، أي: تلك الآيات ﴿آياتُ اللَّهِ﴾، و ﴿نَتْلُوها﴾ في محل الحال، أي: متلوة ﴿عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾، والعامل ما دل عليه ﴿تِلْكَ﴾ من معنى الإشارة، ونحوه: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾. وقرئ: "يتلوها"، بالياء. [﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ * مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ٧ - ١٠] ﴿بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ﴾ أي: بعد آيات الله، كقولهم: أعجبنى زيد وكرمه، يريدون: أعجبنى كرم زيد. ويجوز أن يراد: بعد حديث الله، وهو كتابه وقرآنه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فالأولون: تكفيهم أدنى إشارة، قال: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى .... فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا فهم المؤمنون، فقيل لهم: ﴿إنَّ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. والفرق الثاني: أن ساعدهم التوفيق لا يضطرهم إلى المعرفة إلا دليل الأنفس، قال حجة الإسلام: الطبيعيون أكثروا البحث عن عالم الطبيعة، وعن عجائب الحيوان، وأكثروا الخوض في تشريح أعضاء الحيوان، فرأوا فيها من عجائب صنع الله وبدائع حكمته ما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم مطلع على غايات الأمر ومقاصدها، فهؤلاء نودوا بقوله: ﴿وفِي خَلْقِكُمْ ومَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. والمترددون بين النفي والإثبات: لا يحتاجون إلى التعمق، ولا يكفيهم أيضًا أدنى تأمل، فنبهوا بقوله: ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ﴾ إلى قوله: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. والله أعلم بحقيقة كلامه. قوله: (ويجوز أن يراد: بعد حديث الله، وهو كتابه وقرآنه): كذا عن الواحدي، وفي ?

стр. 7730

كقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]. وقرئ: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ بالياء والتاء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "الأعراف" وفي آخر "المرسلات": ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥، والمرسلات: ٥٠]، وقال في تفسيره: " ﴿بَعْدَهُ﴾: بعد القرآن"، يعني: أن القرآن من بين الكتب المنزلة آية مبصرة ومعجزة باهرة، فحين لم يؤمنوا به فبأي كتاب بعده يؤمنون. ويعضد هذا التأويل عطف ﴿وآيَاتِهِ﴾ على ﴿اللهِ﴾، أي: بعد كتاب الله وآياته الباهرة وبراهينه الساطعة، وهو من عطف الخاص على العام، وكذا ترتب الفاء في ﴿فَبِأَيِّ﴾ على ما قبله. فعلى هذا: المناسب في الوجه الأول- وهو أن يراد بقوله: ﴿بَعْدَ اللَّهِ﴾: بعد آيات الله- أن يكون المشار إليه بقوله: ﴿تِلْكَ﴾: الآيات المتقدمة، وفي الوجه الثاني: الآيات التالية، على نحو: هذا أخوك. وهذا أجمع، لأنه يضم الدلائل المنصوبة من الآفاقية والأنفسية مع النصوص القاهرة، وحصل منه الترقي من الأدنى إلى الأعلى في البيان والكشف، وتبين أن بيانات النصوص هي التي تزيل من ألباب أرباب العقول الشكوك وتجلي الريب. ثم في الإبهام في اسم الإشارة، وتفسيره بـ ﴿آيَاتِ اللهِ﴾، وقرب المشار إليه، وهو موضوع للبعيد، وتخصيص اسم "الله" الجامع، وتكريره، وإيثار صيغة الجمع للتعظيم: خطب خطير وشأن جليل في الاستبعاد. قوله: (وقرئ: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ بالياء والتاء): بالتاء الفوقانية: ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي، والباقون: بالياء. ?

стр. 7731

الأفاك: الكذاب، والأثيم: المتبالغ في اقتراف الآثام. ﴿يُصِرُّ﴾ يقبل على كفره ويقيم عليه، وأصله من إصرار الحمار على العانة، وهو أن ينحى عليها صارّ أذنيه، ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ عن الإيمان بالآيات والإذعان لما ينطق به من الحق، مزدريًا لها، معجبًا بما عنده. قيل: نزلت في النضر بن الحارث، وما كان يشترى من أحاديث الأعاجم، ويشغل الناس بها عن استماع القرآن. والآية عامّة في كل ما كان مضارًّا لدين الله. فإن قلت: ما معنى "ثم" في قوله: ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا﴾؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (العانة): الجوهري: "العانة: القطيع من حمر الوحش، والجمع: عون". قوله: (أن ينحى عليها): الأساس: "انتحاه: قصده، وانتحى لقرنه: عرض له، ومن المجاز: وأنحى عليه باللوائم؛ إذا أقبل عليه". قوله: (صار أذنيه): الجوهري: "صر إلى وجهك، أي: أقبل علي"، قال: تقول: صر الحمار أذنيه، وتقول: أصر الحمار، ولا تقول: أذنيه، ومعنى: أصر الحمار، أي: صر أذنيه. وقال مكي: " ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ حال من المرفوع في ﴿يُصِرُّ﴾، وكذلك قوله: ﴿كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾، فهما حالان من ذلك الضمير، أو الثاني من الضمير في ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾، أي: ثم يصر على الكفر بآيات الله في حال تكبره، وحال تصامه". ?

стр. 7732

قلت: كمعناه في قول القائل: يرى غمرات الموت ثمّ يزورها وذلك أنّ غمرات الموت حقيقة، بأن ينجو رائيها بنفسه، ويطلب الفرار عنها، وأمّا زيارتها والإقدام على مزاولتها، فأمر مستبعد، فمعنى "ثم": الإيذان بأن فعل المقدّم عليها بعد ما رآها وعاينها: شيء يستبعد في العادات والطباع، وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحق، من تليت عليه وسمعها، كان مستبعدًا في العقول إصراره على الضلالة عندها واستكباره عن الإيمان بها. ﴿كَأَنْ﴾ مخففة، والأصل: كأنه لم يسمعها، والضمير ضمير الشأن، كما في قوله: كأن ظبية تعطو إلى ناضر السّلم ومحل الجملة: النصب على الحال، أي: يصير مثل غير السامع. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يرى غمرات الموت ثم يزورها): أوله: لا يكشف الغماء إلا ابن حرة البيت: أي أن زيارة غمرات الموت بعد رؤيته إياها مستبعدة مستنكرة في العقل والعادة، وهو مع لك يزورها بعد استيقانه إياها، بالغ في مدحه. ونظيره في الاستبعاد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة: ٢٢]. قوله: (كأن ظبية تعطو إلى ناضر السلم): أوله: ويومًا توافينا بوجه مقسَّم ?

стр. 7733

﴿وَإِذا﴾ بلغه شيء من آياتنا، وعلم أنه منها، ﴿اتَّخَذَها﴾ أي: اتخذ الآيات ﴿هُزُوًا﴾، ولم يقل: اتخذه؛ للإشعار بأنه إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات التي أنزلها الله تعالى على محمد ﷺ ، خاض في الاستهزاء بجميع الآيات، ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه، ويحتمل: وإذا علم من آياتنا شيئًا يمكن أن يتشبث به المعاند، ويجد له محملًا يتسلق به على الطعن والغميزة: افترصه واتخذ آيات الله هزوًا، وذلك نحو افتراص ابن الزبعرى قوله عز وعلا: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، ومغالطته رسول الله ﷺ ، وقوله: "خصمتك". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ توافينا: أي: تأتينا، والمقسم: المحسن، يقال: وجه مقسم؛ إذا وافى كل جزء منه حظه من الحسن، تعطو: أي: تناول وتأخذ، والناضر: الطري، والسلم: ضرب من الشجر، والواحدة: سلمة، يصف يوم الوصل. "تعطو إلى ناضر السلم"، أي: تميل إلى المعانقة والتقبيل. وقيل في "ظبية" ثلاثة أوجه: الرفع على إلغاء "كأن" المخففة، والنصب على إعمالها، والجر على "أن" زائدة بعد الكاف. قوله: (ويحتمل: وإذا علم من آياتنا شيئًا): الفرق بين هذا الوجه والسابق: أن الطاعن في الأول طاعن من غير روية، فلما سمع أنه من جملة الآيات طعن فيه، وعلى هذا: أنه متدبر مستنبط منه ما يتشبث به على الطعن. قوله: (يتسلق به): الجوهري: "تسلق الحائط؛ أي: تسوره". والأساس: "سلقه بلسانه، ولسان مسلق". قوله: (والغميزة): الأساس: "ومن المجاز: ما فيه مغمز ولا غميزة، أي: معاب، وغمز فيه: طعن". قوله: (نحو اعتراض ابن الزبعرى): في نسخة: "نحو اعتراض النضر"، قال: يحتمل أن ابن الزبعرى قال ذلك، والنضر أيضًا، لا منافاة فيه. ?

стр. 7734

ويجوز أن يرجع الضمير إلى "شيء"، لأنه في معنى الآية، كقول أبي العتاهية: نفسي بشيء من الدنيا معلّقة .... الله والقائم المهدي يكفيها حيث أراد عتبة. وقرئ: "علم". ﴿أُولئِكَ﴾ إشارة إلى "كل أفاك أثيم"، لشموله الأفاكين. والوراء: اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام، قال: أليس ورائي أن تراخت منيّتي .... أدب مع الولدان أزحف كالنّسر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نفسي بشيء من الدنيا معلقة): البيت: قبله: إني لأيأس منها ثم يطمعني .... فيها احتقارك للدنيا وما فيها الضمير في "يكفيها" يرجع إلى "شيء"، لأنه في المعنى مؤنث، وهي عتبة؛ جارية من جواري المهدي، أهواها أبو العتاهية، وأهدى إلى المهدي في النيروز برنية فيها ثوب، وفي حواشيها البيتان، فهم المهدي أن يدفع عتبه إليه، فقالت: يا أمير المؤمنين، أتدفعني إليه؟ فانصرف المهدي عن ذلك الرأي، وأمر بالبرنية أن تمتلئ مالًا، وناقش أبو العتاهية الخزان بأن المأمور الدنانير، وقد أملأها دراهم، وتراجعا إلى المهدي، فقالت عتبة: لو كان عاشقًا كما وصف، لما فرق بين الدراهم والدنانير، وما صرف همه إليها. قوله: (﴿أُوْلَئِكَ﴾ إشارة إلى "كل أفاك"): أي: إلى معنى "كل"، ولهذا جمع ﴿مِن ورَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾، وقوله: "يسمع" إلى لفظه. قوله: (أليس ورائي) البيت: الوراء: بمعنى قدام، وتراخت: تباعدت، أدب: أمشي على ?

стр. 7735

ومنه قوله : ﴿مِنْ وَرائِهِمْ﴾ أي: من قدّامهم، ﴿ما كَسَبُوا﴾ من الأموال في رحلهم ومتاجرهم، ﴿وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من الأوثان. [﴿هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ ١١] ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى القرآن، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هينة، أزحف: من: أزحف الصبي: إذا مشى على استه، ويروى: "أرجف" بالجيم، أي: أرعد واضطرب، قال بعضهم: خبر "ليس" أنا، أي: أنا أدب، لأن "أدب" لا يصلح خبرًا لـ "ليس"، لأن "ليس" فعل، و "أدب" فعل، والفعل لا يصلح أن يكون خبرًا للفعل. وليس بذاك. وقيل: "أدب": اسم "ليس"، أي: ليس ورائي أن أدب، فحذف "أن"، قال شارح الأبيات: استشهاده بهذا البيت غير مناسب، لأنه لا مناسبة بين المصراعين من حيث اللفظ؛ المصراع الأول من قول لبيد بن ربيعة: أليس ورائي أن تراخت منيتي .... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع أخبر أخبار القرون التي مضت .... أدب كأني كلما قمت راكع لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى .... ولا زاجرات الطير ما الله صانع ولعل اشتبه على المصنف الأمر، حتى ما فرق بين قوله: أدب كأني كلما قمت راكع وبين قول القائل: أدب مع الولدان أزحف كالنسر وأبيات القصيدة تسعة عشر بيتًا، أولها: بلينا وما تبلى النجوم الطوالع .... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع وآخرها: "لعمرك" البيت، وليس فيها هذا. قوله: (﴿هَذَا﴾ إشارة إلى القرآن، يدل عليه: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾): وقال الواحدي: ?

стр. 7736

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ " ﴿هَذَا هُدًى﴾: هذا القرآن بيان الضلالة، والذين كفروا به ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾. وقلت: والآيات السابقة أيضًا- أعني قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ - تدل عليه. واعلم أنه تعالى لما عد أنواع استخفافهم وتكذيبهم بالقرآن، ووصفهم بالكذب الإفك والإثم والاستكبار، ورتب عليه البشارة بالعذاب، وحكى عن استهزائهم وانتهاز فرصتهم ليستخفوا به، ورتب عليه: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، عينه تعيينًا، وميزه تمييزًا، وجعله كالعلم المشار إليه بالحسن، ونكر خبره تنكير تهويل، فقال: ﴿هَذَا هُدًى﴾، أي: هذا المتميز المشخص كامل في الهداية، ليس بخاف على كل ذي بصيرة: أنه ليس بمكان للتكذيب والاستهزاء، والذين كذبوا به، واستكبروا عن قبوله، وأعرضوا عنه بالاستهزاء: لهم عذاب بعد عذاب، أي: عذاب مضاعف، لأن الرجز والعذاب شيء واحد، والمراد: التكثير لا التحديد، ثم ثنى إلى ما أبدأ السورة به من ذكر الآيات: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ﴾. ويمكن أن يقال- والله أعلم-: أن المشار إليه بقوله: ﴿هَذَا﴾ المذكور، يعني: ما ذكر من أول السورة من الآيات الدالة على الوحدانية، كالوحي النازل من العزيز الحكيم، وكأفعاله الخاصة الآفاقية والأنفسية، ﴿هُدًى﴾ أي: هدى لا يقادر قدره، ولا يكتنه كنهه. يؤيده قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾، وتفسير المصنف: " ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى الآيات المتقدمة"، فيكون المراد بقوله: ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ أيضًا: تلك الآيات. وفي اقتران ذكر "الرب" معه، وذكر "الله" في قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾: إشعار بأن تلك لتلاوة وذلك الإرشاد لم يكن إلا لمحض الإنعام، والكافرون عكسوا القضية، فكفروا بدل الشكر، ولذلك جيء بقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ﴾، وبقوله: ﴿وسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ﴾، وفصل الأولى بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، والثانية بقوله: ﴿لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ لينبه ?

стр. 7737

لأنّ "آيات ربهم" هي القرآن، أي: هذا القرآن كامل في الهداية، كما تقول: زيد رجل، تريد: كامل في الرجولية، وأيما رجل. "والرجز": أشد العذاب، وقرئ بجر "أليم" ورفعه. [﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١٢ - ١٣] ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بالتجارة، أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان، واستخراج اللحم الطري وغير ذلك من منافع البحر. فإن قلت: ما معنى ﴿مِنْهُ﴾ في قوله: ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾، وما موقعها من الإعراب؟ قلت: هي واقعة موقع الحال، والمعنى: أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه، وحاصلة من عنده، يعني: أنه مكوّنها وموجدها بقدرته وحكمته، ثم مسخرها لخلقه. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هي جميعًا منه، وأن يكون ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ﴾ تأكيدًا لقوله: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ﴾، ثم ابتدئ قوله: ﴿ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾، وأن يكون ﴿ما فِي الْأَرْضِ﴾ مبتدأ، و ﴿مِنْهُ﴾ خبره. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالشكر على الإنعام، وبالتفكر على أن ذلك الإنعام أيضًا دليل من الدلائل السابقة، وأخرت من أخواتها تطرئةً للتنبيه، وعلم من ذلك أن التفكر ملاك التعقل والإيقان والإيمان، والله أعلم. قوله: (وأيما رجل): تفسير ثان لقوله: "زيد رجل". فإن قلت: ليس ما في الآية كالمثال، لأن "رجل" هو "زيد"؟ قلت: بل الكتاب هو هدىً مبالغة، قال صاحب "المفتاح": "أنت تعلم أن شأن الكتب السماوية الهداية لا غير، وبحسبها يتفاوت شأنهن في درجات الكمال". قوله: (تقديره: هي جميعًا منه): أي: المذكورات كائنة منه جميعًا. ?

стр. 7738

وقرأ ابن عباس: " منة"، وقرأ سلمة بن محارب: "منه"، على أن يكون "منه" فاعل ﴿سَخَّرَ﴾ على الإسناد المجازي، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك -أو: هو- منه. [﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ * مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ١٤ - ١٥] حذف المقول لأنّ الجواب دال عليه، والمعنى: قل لهم: اغفروا يغفروا، ﴿لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ لا يتوقعون وقائع الله بأعدائه، من قولهم لوقائع العرب: أيام العرب. وقيل: لا يأملون الأوقات التي وقتها الله لثواب المؤمنين، ووعدهم الفوز فيها. قيل: نزلت قبل آية القتال، ثم نسخ حكمها. وقيل: نزولها في عمر ﵁، وقد شتمه رجل من غفار، فهمّ أن يبطش به. وعن سعيد بن المسيب: كنا بين يدي عمر بن الخطاب، فقرأ قارئ هذه الآية، فقال عمر: ليجزي عمر بما صنع. ﴿لِيَجْزِيَ﴾ تعليل الأمر بالمغفرة، أي: إنما أمروا بأن يغفروا لما أراده الله من توفيتهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرأ ابن عباس: "منة"): قال ابن جني: "وقرأها أيضًا [عبد الله بن] عمرو الجحدري، فهي منصوبة على المصدر، دل عليه قوله: ﴿سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ جَمِيعً﴾، لأن ذلك من منة الله تعالى، أي: من عليه منة". قوله: (على أن يكون "منه" فاعل ﴿سَخَّرَ﴾ على الإسناد المجازي): ووجهه: أن الله تعالى سخر ذلك للمنة علينا، فكأن المنة هو السبب في ذلك. قوله: (لأن الجواب دال عليه): أو ﴿يَغْفِرُوا﴾ دال على أن المقول: اغفروا، كقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، أي: في القتال، فحذف، لأن ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ دل عليه. ?

стр. 7739

فإن قلت: قوله: ﴿قَوْمًا﴾ ما وجه تنكيره، وإنما أراد الذين آمنوا، وهم معارف؟ قلت: هو مدح لهم وثناء عليهم، كأنه قيل: ليجزي أيما قوم وقومًا مخصوصين؛ لصبرهم وإغضائهم على أذى أعدائهم من الكفار، وعلى ما كانوا يجرعونهم من الغصص. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هو مدح لهم وثناء عليهم): وهو من باب التجريد، وأنشد ابن جني عن أبي علي الفارسي: أفاءت بنو مروان ظلمًا دماءنا .... وفي الله أن لم يعدلوا حكم عدل وقال: "وهو تعالى أعرف المعارف، وسماه الشاعر حكمًا عدلًا، وأخرج اللفظ مخرج التنكير، ألا ترى كيف آل الكلام من لفظ التنكير إلى معنى التعريف". وقلت: وإليه أشار المصنف بقوله: "أيما قوم وقومًا مخصوصين" إلى آخره، وكذا جرد عمر ﵁ من نفسه شخصًا اسمه عمر، كأنه غيره، وحكم عليه بأنه ليجزى ما صنع من صبره واحتماله من الرجل الذي شتمه من غفار، وهم أن يبطش به. ?

стр. 7740

﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه. ومعنى قوله عمر: "ليجزى عمر بما صنع": ليجزي بصبره واحتماله وقوله لرسول الله ﷺ عند نزول الآية: "والذي بعثك بالحق لا ترى الغضب في وجهي". وقرئ: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا﴾؛ أي: الله ، و"ليجزى قوم"، "وليجزي قومًا"، على معنى: وليجزي الجزاء قومًا. [﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ * وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ١٦ - ١٧] ﴿الْكِتابَ﴾ التوراة، ﴿وَالْحُكْمَ﴾ الحكمة والفقه، أو فصل الخصومات بين الناس، لأنّ الملك كان فيهم والنبوّة، ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ مما أحل الله لهم وأطاب من الأرزاق، ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ حيث لم نؤت غيرهم مثل ما آتيناهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا﴾): ابن عامر وحمزة والكسائي: بالنون، والباقون: بالياء. قوله: (على معنى: وليجزى الجزاء قومًا): قال صاحب "التقريب": وفي المجهول في نصب ﴿قَوْمًا﴾ على: ليجزى الجزاء قومًا: نظر؛ لأنهم قالوا: إذا وجد المفعول به تعين، فالأولى أن ينتصب بـ"أعني" أو "يجزي" لدلالة المجهول على جاز، وقال أبو البقاء: "الجيد أن يكون التقدير: ليجزى الخير قومًا، على أن "الخير" مفعول بع في الأصل، كقولك: جزاك الله خيرًا، وإقامة المفعول الثاني إقامة الفاعل جائز، أو التقدير: ليجزى الجزاء، على أن القائم مقام الفاعل المصدر، وهو بعيد". وقال صاحب "الكشف": لأن المصدر لا يقوم مقام الفاعل، ومعك مفعول صحيح، ?
следующие страницы →